التفسير الكبير - ج11

- الفخر الرازي‏ المزيد...
362 /
189

الجزء الحادي عشر

تتمة سورة النساء

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَتَبَيَّنُوا .

اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، و أمر المجاهدين بالتثبت فيه لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف، و هذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين و فيه مسائل:

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ََ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاََمَ لَسْتَ مُؤْمِناً المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي هنا و كذلك في الحجرات فتثبتوا من ثبت ثباتا، و الباقون بالنون من البيان، و المعنيان متقاربان، فمن رجح التثبيت قال: إنه خلاف الإقدام، و المراد في الآية التأني و ترك العجلة، و من رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين، فكان التبيين أبلغ و أكمل.

المسألة الثانية: الضرب معناه السير فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد، و أصله من الضرب باليد، و هو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنسانا كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير. قال الزجاج: و معنى ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أي غزوتم و سرتم إلى الجهاد.

ثم قال تعالى: و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا .

أراد الانقياد و الاستسلام إلى المسلمين، و منه قوله: وَ أَلْقَوْا إِلَى اَللََّهِ يَوْمَئِذٍ اَلسَّلَمَ [النحل: 87]أي استسلموا للأمر، و من قرأ اَلسَّلاََمَ بالألف فله معنيان: أحدها: أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا/ماله و لكن كفوا و اقبلوا منه ما أظهره. و الثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم و لم يقاتلكم لست مؤمنا، و أصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة. قال صاحب الكشاف: قرئ مؤمنا بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك.

المسألة الثالثة: في سبب نزول هذه الآية روايات:

الرواية الأولى: أن‏

مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم و لم يسلم من قومه غيره، فذهبت سرية الرسول صلى اللََّه عليه و سلم إلى قومه و أميرهم غالب بن فضالة، فهرب القوم و بقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقوا و كبروا كبر و نزل، و قال: لا إله إلا اللََّه محمد رسول اللََّه السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد و ساق غنمه، فأخبروا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فوجد وجدا شديدا و قال: قتلتموه إرادة ما

190

معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال أسامة يا رسول اللََّه استغفر لي، فقال: فكيف و قد تلا لا إله إلا اللََّه!قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي و قال: أعتق رقبة.

الرواية الثانية: أن‏

القاتل محلم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياة بتحية الإسلام، و كانت بين محلم و بينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله، فغضب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و قال: «لا غفر اللََّه لك» فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات، فقال النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «إن الأرض لتقبل من هو شر منه و لكن اللََّه أراد أن يريكم عظم الذنب عنده» ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة.

الرواية الثالثة: أن‏

المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال: فقلت يا رسول اللََّه أ رأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة، فقال أسلمت للََّه تعالى أ فأقتله يا رسول اللََّه بعد ذلك؟فقال رسول اللََّه لا تقتله، فقلت يا رسول اللََّه إنه قطع يدي، فقال عليه الصلاة و السلام «لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد أن تقتله و أنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال»

و

عن أبي عبيدة قال قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا اللََّه فليرفع عنه الرمح»

قال القفال رحمه اللََّه: و لا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟ فالفقهاء قبلوها و احتجوا عليه بوجوه:

الأول: هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق و بين غيره بل أوجب/ذلك في الكل.

الحجة الثانية: قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]و هو عام في جميع أصناف الكفرة.

الحجة الثالثة: أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة، و التوبة مقبولة على الإطلاق لقوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ [الشورى: 25]و هذا عام في جميع الذنوب و في جميع أصناف الخلق.

المسألة الخامسة: إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة، و قال الشافعي لا يصح. قال أبو حنيفة دلّت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله: وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ََ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاََمَ لَسْتَ مُؤْمِناً عام في حق الصبي، و في حق البالغ. قال الشافعي: لو صح الإسلام منه لوجب، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذنا في الكفر، و هو غير جائز، لكنه غير واجب عليه‏

لقوله عليه الصلاة و السلام: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» الحديث،

و اللََّه أعلم.

المسألة السادسة: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني: أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام و هو الإيمان، و لو قال لا إله إلا اللََّه محمد رسول اللََّه، فعند قوم لا يحكم بإسلامه، لأن فيهم من يقول: إنه رسول اللََّه إلى العرب لا إلى الكل، و منهم من يقول: إن محمدا الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء؛ و سيجي‏ء بعد ذلك، بل لا بدّ و أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل و أن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فَعِنْدَ اَللََّهِ مَغََانِمُ كَثِيرَةٌ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض‏

191

بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر و الفاجر، و العرض بسكون الراء ما سوى الدراهم و الدنانير، و إنما سمي متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق و منه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه، فقوله: فَعِنْدَ اَللََّهِ مَغََانِمُ كَثِيرَةٌ يعني ثوابا كثيرا، فنبّه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء، و بقوله: فَعِنْدَ اَللََّهِ مَغََانِمُ كَثِيرَةٌ على أن ثواب اللََّه موصوف بالدوام و البقاء كما قال: وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ* [مريم: 76].

ثم قال تعالى: كَذََلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ و هذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا /السلم، و ليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوها: الأول: أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم و أموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، و أن تعتبروا ظاهر القول، و أن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين، و فيه إشكال لأن لهم أن يقولوا: ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء، لأنا آمنا عن الطواعية و الاختيار، و هؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر.

الوجه الثاني: قال سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه، ثم منّ اللََّه عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة، و هذا أيضا فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاما فيهم. الثالث: قال مقاتل: المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول اللََّه بكلمة «لا إله إلا اللََّه» فاقبلوا منهم مثل ذلك، و هذا يتوجه عليه الإشكال الأول، و الأقرب عندي أن يقال: إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد و يتوقى إلى أن يكمل و يستحكم و يحصل الانتقال، فكأنه قيل لهم:

كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام، ثم من اللََّه عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل و تأكيد النفرة عن الكفر، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان، فإن اللََّه تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم و يقوي تلك الرغبة في صدورهم، فهذا ما عندي فيه.

ثم قال تعالى: فَمَنَّ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ و فيه احتمالان: الأول: أن يكون هذا متعلقا بقوله: كَذََلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف، ثم منّ اللََّه عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم و أعانكم على العمل به و المحبة له. و الثاني: أن يكون هذا منقطعا عن هذا الموضع، و يكون متعلقا بما قبله، و ذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا اللََّه، ثم انه تعالى نهاهم عن هذا الفعل و بين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك فَمَنَّ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ أي من عليكم بأن/قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر.

ثم أعاد الأمر بالتبيين فقال: فَتَبَيَّنُوا و إعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً و المراد منه الوعيد و الزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار.

192

اعلم أن في كيفية النظم وجوها: الأول: ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك ببيان أحكام الجهاد. فالنوع الأول من أحكام الجهاد: تحذير المسلمين عن قتل المسلمين، و بيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف، و على سبيل العمد كيف، و على سبيل تأويل الخطأ كيف، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر و هو بيان فضل المجاهد على غيره و هو هذه الآية.

الوجه الثاني: لما عاتبهم اللََّه تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا المحذور، فلا جرم ذكر اللََّه تعالى في عقيبه هذه الآية و بيّن فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة.

الوجه الثالث: أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل من تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد، كأنه قيل: من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند اللََّه تعالى، فليحترز/صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة، و اللََّه أعلم‏ في قوله تعالى لاََ يَسْتَوِي اَلْقََاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ وَ اَلْمُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرئ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ بالحركات الثلاث في غير فالرفع صفة لقوله:

اَلْقََاعِدُونَ و المعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر و المجاهدون، و نظيره قوله: أَوِ اَلتََّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي اَلْإِرْبَةِ [النور: 31]و ذكرنا جواز أن يكون (غير) صفة المعرفة في قوله: غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ [الفاتحة: 7]قال الزجاج: و يجوز أن يكون غَيْرُ رفعا على جهة الاستثناء، و المعنى لا يستوي القاعدون و المجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر، و الكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله: مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: 66]و أما القراءة بالنصب ففيها وجهان: الأول: أن يكون استثناء من القاعدين، و المعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، و هو اختيار الأخفش. الثاني: أن يكون نصبا على الحال، و المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم، و المجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحا، و هذا قول الزجاج و الفرّاء و كقوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ اَلْأَنْعََامِ إِلاََّ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي اَلصَّيْدِ [المائدة: 1]و أما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل غير صفة للمؤمنين، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات.

ثم هاهنا بحث آخر: و هو أن الأخفش قال: القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج.

روي في التفسير أنه لما ذكر اللََّه تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولي الضرر فقالوا للنبي صلى اللََّه عليه و سلم: حالتنا كما ترى، و نحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من طريق؟فنزل غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ

فاستثناهم اللََّه تعالى من جملة القاعدين. و قال آخرون: القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في‏

193

كلمة (غير) أن تكون صفة، ثم أنها و إن كانت صفة فالمقصود و المطلوب من الاستثناء حاصل منها، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية، و إذا كان هذا المقصود حاصلا على كلا التقديرين و كان الأصل في كلمة (غير) أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى.

المسألة الثانية: الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض، أو كان بسبب عدم الأهبة.

المسألة الثالثة: حاصل الآية: لا يستوي القاعدون المؤمنون الأصحاء و المجاهدون في سبيل اللََّه، و اختلفوا في أن قوله: غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ هل يدل على أن المؤمنين القاعدين الاضراء يساوون المجاهدين أم لا؟قال بعضهم: أنه لا يدل لأنا إن حملنا لفظ (غير) على الصفة و قلنا التخصيص/بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك، و إن حملناه على الاستثناء و قلنا الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضا ذلك، أما إذا حملناه على الاستثناء و قلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة. و اعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكره اللََّه تعالى في سورة التوبة و هو قوله: لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفََاءِ وَ لاََ عَلَى اَلْمَرْضى‏ََ إلى قوله: إِذََا نَصَحُوا لِلََّهِ وَ رَسُولِهِ [التوبة: 91].

و اعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد، و يدل عليه النقل و العقل، أما النقل‏

فقوله عليه الصلاة و السلام عند انصرافه من بعض غزواته «لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر»

و

قال عليه الصلاة و السلام: «إذا مرض العبد قال اللََّه عزّ و جلّ اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ»

و ذكر بعض المفسرون في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ*`إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: 5، 6]أن من صار هرما كتب اللََّه تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئا. و ذكروا في تفسير

قوله عليه الصلاة و السلام «نية المؤمن خير من عمله»

أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان و الأعمال الصالحة لو بقي أبدا خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته، و أما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات و العبادات استنارة القلب بنور معرفة اللََّه تعالى، فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد و القاعد فقد حصل الاستواء في الثواب، و إن كان القاعد أكثر حظا من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثوابا.

المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ [التوبة: 111]فقدم ذكر النفس على المال، و في الآية التي نحن فيها و هي قوله: اَلْمُجََاهِدِينَ بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟ و جوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد؛ و البائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب.

و اعلم أنه تعالى لما بيّن أن المجاهدين و القاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة و يحتمل النقصان، لا جرم كشف تعالى عنه فقال: فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ دَرَجَةً و في انتصاب قوله دَرَجَةً وجوه: الأول: أنه يحذف الجار، و التقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني: قوله دَرَجَةً أي فضيلة، و التقدير: و فضل اللََّه المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمرا إكراما

194

و الفائدة في التنكير التفخيم. الثالث: قوله/ دَرَجَةً نصب على التمييز.

ثم قال: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ أي و كلا من القاعدين و المجاهدين فقد وعده اللََّه الحسنى قال الفقهاء: و فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية، و ليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين، و لو كان الجهاد واجبا على التعيين لما كان القاعد أهلا لوعد اللََّه تعالى إياه الحسنى.

ثم قال تعالى: وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً`دَرَجََاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في انتصاب قوله: أَجْراً وجهان: الأول: انتصب بقوله: وَ فَضَّلَ لأنه في معنى قولهم: آجرهم أجرا، ثم قوله: دَرَجََاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً بدل من قوله: أَجْراً . الثاني: انتصب على التمييز و دَرَجََاتٍ عطف بيان وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً معطوفان على دَرَجََاتٍ .

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه تعالى ذكر أولا دَرَجَةً ، و هاهنا دَرَجََاتٍ ، و جوابه من وجوه: الأول:

المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد، بل بالجنس، و الواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع، و ذلك هو الأجر العظيم، و الدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة و الرحمة. الثاني: أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الاضراء بدرجة، و من القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات، و هذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله: غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين و بين القاعدين الاضراء. الثالث:

فضل اللََّه المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة و هي الغنيمة، و في الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل و الرحمة و المغفرة. الرابع: قال في أول الآية وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً و لا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال و النفس فقط، و إلا حصل التكرار، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهدا على الإطلاق في كل الأمور، أعني في عمل الظاهر، و هو الجهاد بالنفس و المال و القلب و هو أشرف أنواع المجاهدة، كما

قال عليه السلام: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»

و حاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير اللََّه إلى الاستغراق في طاعة اللََّه، و لما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة، و فضيلة هذا الثاني درجات.

المسألة الثالثة: قالت الشيعة: دلّت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر، و ذلك لأن عليا كان أكثر جهادا، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من/القاعدين فيه، و علي من القائمين، و إذا كان كذلك وجب أن يكون عليّ أفضل منه لقوله تعالى: فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً فيقال لهم: إن مباشرة علي عليه السلام لقتل الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك، فيلزمكم بحكم هذه الآية أن يكون عليّ أفضل من محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و هذا لا يقوله عاقل، فإن قلتم إن مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم، لأن الرسول صلى اللََّه عليه و سلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل و البينات و إزالة الشبهات و الضلالات، و هذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد، فنقول: فاقبلوا منا مثله في حق أبي بكر، و ذلك أن أبا بكر رضي اللََّه عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان بن عفان و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص و عثمان بن مظعون، و كان يبالغ في ترغيب الناس في‏

195

الإيمان و في الذب عن محمد صلى اللََّه عليه و سلم بنفسه و بماله، و علي في ذلك الوقت كان صبيا ما كان أحد يسلم بقوله، و ما كان قادرا على الذب عن محمد عليه الصلاة و السلام، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي من وجهين:

أحدهما: أن جهاد أبي بكر كان في أول الأمر حين كان الإسلام في غاية الضعف، و أما جهاد علي فإنما ظهر في المدينة في الغزوات، و كان الإسلام في ذلك الوقت قويا. و الثاني: أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين، و أكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده، و هذا النوع من الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة و السلام و أما جهاد علي فإنما كان بالقتل، و لا شك أن الأول أفضل.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلّت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب و الفضيلة دل ذلك على أن علة الثواب هو العمل، و أيضا لو لم يكن العمل موجبا للثواب لكان الثواب هبة لا أجرا، لكنه تعالى سماه أجرا، فبطل القول بذلك، فيقال لهم: لم لا يجوز أن يقال:

العمل علة الثواب لكن لا لذاته، بل بجعل الشارع ذلك العمل موجبا له.

المسألة الخامسة: قالت الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح، لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ و لو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعودا من عند اللََّه بالحسنى.

إذا ثبت هذا فنقول: إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة، ثم إن قوله: وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجبا أو مندوبا، و المشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد، فثبت أن الاشتغال/بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه و رضي بالسكون في دار الكفر، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الفرّاء: إن شئت جعلت تَوَفََّاهُمُ ماضيا و لم تضم تاء مع التاء، مثل قوله: إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا [البقرة: 70]و على هذا التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن حال أقوام معينين انقرضوا و مضوا، و إن شئت جعلته مستقبلا، و التقدير: إن الذين تتوفاهم الملائكة، و على هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة.

المسألة الثانية: في هذا التوفي قولان: الأول: و هو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف الجمع بينه و بين قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا

196

[الزمر: 42] اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: 28]و بين قوله: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11].

قلنا: خالق الموت هو اللََّه تعالى، و الرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت/و سائر الملائكة أعوانه.

القول الثاني: تَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ يعني يحشرونهم إلى النار، و هو قول الحسن.

المسألة الثالثة: في خبر (إن) وجوه: الأول: أنه هو قوله: قالوا لهم فيم كنتم، فحذف «لهم» لدلالة الكلام عليه. الثاني: أن الخبر هو قوله: فَأُولََئِكَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ فيكون (قالوا لهم) في موضع ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، لأنه نكرة. الثالث: أن الخبر محذوف و هو هلكوا، ثم فسّر الهلاك بقوله: قََالُوا فِيمَ كُنْتُمْ أما قوله تعالى: ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ في محل النصب على الحال، و المعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، و هو و إن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة، لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل ظالمين أنفسهم، إلا أنهم حذفوا النون طلبا للخفة، و اسم الفاعل سواء أريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولا في المعنى و إن كان موصولا في اللفظ، و هو كقوله تعالى: هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا [الأحقاف: 24] هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ [المائدة: 95] ثََانِيَ عِطْفِهِ [الحج: 9]فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية.

المسألة الثانية: الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و قد يراد به المعصية فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: 32]و في المراد بالظلم في هذه قولان: الأول: أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر و بقوا هناك، و لم يهاجروا إلى دار الإسلام. الثاني: أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفا، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر و لم يهاجروا إلى المدينة، فبيّن اللََّه تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم و كفرهم و تركهم الهجرة.

و أما قوله تعالى: قََالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ففيه وجوه: أحدها: فيم كنتم من أمر دينكم. و ثانيها: فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه. و ثالثها: لم تركتم الجهاد و لم رضيتم بالسكون في ديار الكفار؟ ثم قال تعالى: قََالُوا كُنََّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ جوابا عن قولهم فِيمَ كُنْتُمْ و كان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شي‏ء.

و جوابه: أن معنى فِيمَ كُنْتُمْ التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شي‏ء من الدين حيث قدروا على المهاجرة و لم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا عما وبخوا به، و اعتلالا بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللََّهِ وََاسِعَةً فَتُهََاجِرُوا فِيهََا أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون/فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم، بل مع القدرة على هذه المفارقة، فلا جرم ذكر اللََّه تعالى وعيدهم فقال:

فَأُولََئِكَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سََاءَتْ مَصِيراً . ـ

197

ثم استثنى تعالى فقال: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجََالِ وَ اَلنِّسََاءِ وَ اَلْوِلْدََانِ لاََ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً و نظيره قول الشاعر:

و لقد أمر على اللئيم يسبني‏

و يجوز أن يكون لاََ يَسْتَطِيعُونَ في موضع الحال، و المعنى لا يقدرون على حيلة و لا نفقة، أو كان بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة.

ثم قال: وَ لاََ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً أي لا يعرفون الطريق و لا يجدون من يدلهم على الطريق.

روي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين، و لا أني لا أهتدي الطريق، و اللََّه لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة، و كان شيخا كبيرا، فمات في الطريق.

فإن قيل: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه؟ قلنا: سقوط الوعيد إذا كان بسبب العجز، و العجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة و تارة بسبب الصبا، فلا جرم حسن هذا إذا أريد بالولدان الأطفال، و لا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم و بين اللََّه تعالى، و إن أريد العبيد و الإماء البالغون فلا سؤال.

ثم قال تعالى: فَأُولََئِكَ عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ و فيه سؤال، و هو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، و العاجز عن الشي‏ء غير مكلف به، و إذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة، فلم قال:

عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ و العفو لا يتصور إلا مع الذنب، و أيضا (عسى) كلمة الإطماع، و هذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم.

و الجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشي‏ء مع ضرب من المشقة و تمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق و مشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة و لا يكون كذلك، و لا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، و بسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام.

و أما السؤال الثاني: و هو قوله: ما الفائدة في ذكر لفظة عَسَى هاهنا؟فنقول: الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى اللََّه أن يعفو عني، فكيف الحال في غيره. هذا هو الذي ذكره صاحب «الكشاف» في الجواب عن هذا السؤال، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه، و هو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة عَسَى لا بالكلمة الدالة على القطع.

ثم قال تعالى: وَ كََانَ اَللََّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ذكر الزجاج في كََانَ ثلاثة أوجه: الأول: كان قبل أن خلق الخلق موصوفا بهذه الصفة. الثاني: أنه قال كََانَ مع أن جميع العباد بهذه الصفة و المقصود بيان أن هذه عادة

198

اللََّه تعالى أجراها في حق خلقه. الثالث: لو قال: إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخبارا عن كونه كذلك فقط، و لما قال إنه كان كذلك كان هذا إخبارا وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقا و حقا و مبرأ عن الخلف و الكذب. و احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فإنه لو لم يحصل هاهنا شي‏ء من الذنب لامتنع حصول العفو و المغفرة فيه، فلما أخبر بالعفو و المغفرة دلّ على حصول الذنب، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقا غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه.

و اعلم أن ذلك المانع أمران: الأول: أن يكون له في وطنه نوع راحة و رفاهية، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة و المشقة و ضيق العيش، فأجاب اللََّه عنه بقوله: وَ مَنْ يُهََاجِرْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُرََاغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً يقال: راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل، و اشتقاقه من الرغام و هو التراب، فإنهم يقولون: رغم أنفه، يريدون به أنه وصل إليه/شي‏ء يكرهه، و ذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة و التراب في غاية الذلة، فجعلوا قولهم: رغم أنفه كناية عن الذل.

إذا عرفت هذا فنقول: المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا و خرجوا عن ديارهم.

و عندي فيه وجه آخر، و هو أن يكون المعنى: و من يهاجر في سبيل اللََّه إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير و النعمة ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية و ذلك لأن من فارق و ذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، و وصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، و رغمت أنوفهم بسبب ذلك، و حمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه و اللََّه أعلم. و الحاصل كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع في المشقة و المحنة في السفر، فلا تخف فإن اللََّه تعالى يعطيك من النعم الجليلة و المراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك، و يكون سببا لسعة عيشك، و إنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله و بلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث انها صارت سببا لسعة العيش عليه.

و أما المانع الثاني: من الاقدام على المهاجرة فهو أن الإنسان يقول: إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض، فربما وصلت إليه و ربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شي‏ء ربما أصل إليه، و ربما لا أصل إليه، فأجاب اللََّه تعالى عنه بقوله: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهََاجِراً إِلَى اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ و المعنى ظاهر، و في الآية مسائل.

المسألة الأولى: قال بعضهم:

المراد من قصد طاعة اللََّه ثم عجز عن إتمامها، كتب اللََّه له ثواب تمام تلك الطاعة: كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة، فيكتب له ثواب ذلك العمل هكذا روي عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم.

و قال آخرون: ثبت له أجر قصده و أجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، و أما أجر تمام العمل فذلك محال، و اعلم أن القول الأول أولى لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية هاهنا في معرض الترغيب في‏

199

الجهاد، و هو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة، فقد وجد ثواب الهجرة، و معلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من العمل، فلا يصلح مرغبا، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل، و يدل عليه/

قوله عليه الصلاة و السلام: «و إنما لكل امرئ ما نوى»

و أيضا

روي في قصة جندب بن ضمرة، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله، و يقول: اللّهم هذه لك، و هذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي صلى اللََّه عليه و سلم، فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان خيرا له، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على اللََّه، لأنه تعالى قال:

فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ و ذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر لفظ الوقوع، و حقيقة الوجوب هي الوقوع و السقوط، قال تعالى: فَإِذََا وَجَبَتْ جُنُوبُهََا [الحج: 26]أي وقعت و سقطت. و ثانيها: أنه ذكر بلفظ الأجر، و الأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقا فذاك لا يسمى أجرا بل هبة.

و ثالثها: قوله: عَلَى اَللََّهِ و كلمة (على) للوجوب، قال تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ [آل عمران: 97]و الجواب: أننا لا ننازع في الوجوب، لكن بحكم الوعد و العلم و التفضل و الكرم، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية، و قد ذكرنا دلائله فيما تقدم.

المسألة الثالثة: استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة، كما وجب أجره. و هذا ضعيف، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر، و أيضا فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها، قال تعالى: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ [الأنفال: 41]و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج، و يرحمه بإكمال أجر المجاهدة.

في قوله تعالى وَ إِذََا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاََةِ اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف، و الاشتغال بمحاربة العدو؛ فلهذا المعنى ذكره اللََّه تعالى في هذه الآية، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: يقال قصر فلان صلاته و أقصرها و قصرها، كل ذلك جائز/ و قرأ ابن عباس: تقصروا من أقصر، و قرأ الزهري: من قصر، و هذا دليل على اللغات الثلاث.

المسألة الثانية: اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف، لأنه ليس صريحا في أن المراد هو القصر في كمية الركعات و عددها أو في كيفية أدائها، فلا جرم حصل في الآية قولان: الأول: و هو قول الجمهور أن المراد منه القصر في عدد الركعات، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين: الأول: أن المراد منه صلاة المسافر، و هو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات، فإنها تصير في السفر ركعتين، فعلى هذا القصر إنما يدخل في صلاة الظهر و العصر و العشاء، أما المغرب و الصبح، فلا يدخل فيهما القصر. الثاني: أنه ليس المراد

200

بهذه الآية صلاة السفر، بل صلاة الخوف، و هو قول ابن عباس و جابر بن عبد اللََّه و جماعة، قال ابن عباس:

فرض اللََّه صلاة الحضر أربعا، و صلاة السفر ركعتين، و صلاة الخوف ركعة على لسان نبيّكم محمد صلى اللََّه عليه و سلم، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا: المراد من القصر تقليل الركعات.

القول الثاني: أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات، و هو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء و الإشارة بدل الركوع و السجود، و أن يجوز المشي في الصلاة، و أن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم، و ذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال، و هذا القول يروى عن ابن عباس و طاوس.

و احتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما، و إنما ذلك فيما يشتد فيه الخوف في حال التحام القتال، و هذا ضعيف، لأنه يمكن أن يقال: إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصليا، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة و لا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو.

و اعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا، و هو أن القصر مشعر بالتخفيف، و التخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء و الإشارة قائما مقام الركوع و السجود.

و اعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى، و يدل عليه وجوه: الأول: ما

روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه، كيف نقصر و قد أمنا، و قد قال اللََّه تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاََةِ إِنْ خِفْتُمْ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي صلى اللََّه عليه و سلم فقال: «صدقة تصدق اللََّه بها عليكم فاقبلوا صدقته»

و هذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، و أن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية. الثاني: أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشي‏ء، و يقتصر عليه، فأما أن يؤتى بشي‏ء/آخر، فذلك لا يسمى قصرا، و لا اقتصارا، و معلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع و السجود، و تجويز المشي في الصلاة و تجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم، ليس شي‏ء من ذلك قصرا، بل كلها إثبات لأحكام جديدة و إقامة لشي‏ء مقام شي‏ء آخر، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى.

الثالث: أن (من) في قوله مِنَ اَلصَّلاََةِ للتبعيض، و ذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء و الإشارة.

الرابع: أن لفظ القصر كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات، و لهذا المعنى لما صلّى النبي صلى اللََّه عليه و سلم الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟الخامس: أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى حذف الركعات، لئلا يلزم التكرار، و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه اللََّه: القصر رخصة، فإن شاء المكلف أتم، و إن شاء اكتفى على القصر، و قال أبو حنيفة: القصر واجب، فإن صلّى المسافر أربعا و لم يقعد في الثنتين فسدت صلاته، و إن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته، و احتج الشافعي رحمه اللََّه على قوله بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله تعالى:

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاََةِ مشعر بعدم الوجوب، فإنه لا يقال فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ في أداء الصلاة الواجبة، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشي‏ء، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير

201

مستعمل فيه، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات، بل تخفيف الأعمال.

و اعلم أنا بيّنا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره، فسقط هذا العذر. و ذكر صاحب «الكشاف» وجها آخر فيه، فقال: إنهم لما ألفوا الإتمام، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، فيقال له: هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم: رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال: أوجبت عليكم هذا القصر، و حرمت عليكم الإتمام، و جعلته مفسدا لصلاتكم، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلا، فلا يكون هذا الكلام لائقا به.

الحجة الثانية: ما

روي أن عائشة رضي اللََّه عنها قالت: اعتمرت مع رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت يا رسول اللََّه: بأبي أنت و أمي، قصرت و أتممت و صمت و أفطرت، فقال: أحسنت يا عائشة و ما عاب علي، و كان عثمان يتم و يقصر، و ما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

الحجة الثالثة: أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز، لا على سبيل التعيين جزما فكذا هاهنا، و احتجوا بالأحاديث منها ما

روى عمر أنه صلى اللََّه عليه و سلم قال فيه «صدقة تصدق اللََّه بها عليكم فاقبلوا صدقته»

فظاهر الأمر للوجوب، و

عن ابن عباس قال: كان النبي صلى اللََّه عليه و سلم إذا خرج مسافرا صلّى ركعتين.

و الجواب: أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعا جائزا، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره؟ و لما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى، و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، و لما قدم النبي صلى اللََّه عليه و سلم المدينة أقرت صلاة السفر، و زيد في صلاة الحضر.

و اعلم أن لفظ الآية يبطل هذا، و ذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات، و لو كان الأمر على ما ذكروه لما كان هذا قصرا في صلاة السفر، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر، و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: زعم داود و أهل الظاهر أن قليل السفر و كثيره سواء في جواز الرخصة و زعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة. احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا: إن قوله تعالى: وَ إِذََا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاََةِ جملة مركبة من شرط، و جزاء الشرط هو الضرب في الأرض، و الجزاء هو جواز القصر، و إذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلا أو قصيرا، أقصى ما في الباب أن يقال: فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة، و من دار إلى دار، إلا أنا نقول:

الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض، فقد زال الأشكال، و إن سمي بذلك فنقول: أجمع المسلمون على أنه غير معتبر، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع، و العام بعد التخصيص حجة، فوجب أن يبقى النص معتبرا في السفر، سواء كان قليلا أو كثيرا. و الثاني: أن قوله: وَ إِذََا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطا

202

لحصول هذه الرخصة، فلو كان الضرب في الأرض اسما لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلا دائما، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد، و من المسجد إلى السوق، و إذا كان حاصلا دائما امتنع جعله شرطا لثبوت هذا الحكم، فلما جعل اللََّه الضرب في الأرض شرطا لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال/و ذلك هو الذي يسمى سفرا و معلوم أن اسم السفر واقع على القريب و على البعيد، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر، أما الفقهاء فقالوا: أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر، قالوا:

و الذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات:

فالرواية الأولى: ما روي عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام، و به قال الزهري و الأوزاعي. الثانية: قال ابن عباس: إذا زاد على يوم و ليلة قصر. و الثالثة: قال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ. الرابعة: قال الحسن: مسيرة ليلتين. الخامسة: قال الشعبي و النخعي و سعيد بن جبير: من الكوفة إلى المداين، و هي مسيرة ثلاثة أيام، و هو قول أبي حنيفة. و روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين و أكثر اليوم الثالث جاز القصر، و هكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف و محمد. السادسة: قال مالك و الشافعي: أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و هو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم، و هي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء:

فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم عير مربوط بمطلق السفر، قال أهل الظاهر: اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلا قويا في تقدير المدة، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب، و أما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر، فكان هذا الحكم ثابتا في مطلق السفر بحكم هذه الآية، و إذا كان الحكم مذكورا في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد و الاستنباط، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة.

و اعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على‏

قوله عليه الصلاة و السلام يمسح المسافر ثلاثة أيام،

و هذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافرا، و إذا لم يكن مسافرا لم يحصل الرخص المشروعة في السفر، و أما أصحاب الشافعي رضي اللََّه عنه فإنهم عولوا على ما

روى مجاهد و عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان،

قال أهل الظاهر: الكلام عليه من وجوه: الأول: أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، و هو عندنا غير جائز لوجهين: الأول: أن القرآن و خبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم، و القرآن مقطوع المتن، و الخبر مظنون المتن، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر، فترجيح/الضعيف على القوي لا يجوز. و الثاني: أنه‏

روي في الخبر أنه عليه الصلاة و السلام قال: «إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب اللََّه تعالى فإن وافقه فاقبلوه و إن خالفه فردوه» ،

دلّ هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب اللََّه تعالى فهو مردود، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردودا.

الوجه الثاني: في دفع هذه الأخبار، و هو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة، إنما قلنا: إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر و في‏

203

الغزو، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين، و لو كان الأمر كذلك لعرفوها و لنقلوها نقلا متواترا، لا سيما و هو على خلاف ظاهر القرآن، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة، و إذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها. الثالث: أن دلائل الشافعية و دلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة، و إذا تعارضت تساقطت، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، هذا تمام الكلام في هذا الموضع. و الذي عندي في هذا الباب أن يقال: إن كلمة (إذا) و كلمة (إن) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقبا للجزاء فأما كونه مستعقبا لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لا زم، بدليل أنه إذا قال لا مرأته: إن دخلت الدار، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وقع الطلاق، و إذا دخلت الدار ثانيا لا يقع و هذا يدل على أن كلمة (إذا) و كلمة (إن) لا يفيدان العموم البتة، و إذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص و عندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلا، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة (إذا) للعموم، و لما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقد سقط هذا الاستدلال، و إذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة، و اللََّه أعلم.

المسألة السادسة: زعم داود و أهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف. و احتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطا بالخوف، و هو قوله فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاََةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و المشروط بالشي‏ء عدم عند عدم ذلك الشرط، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن.

قالوا: و لا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد و إنه لا يجوز، و لقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه/وجوها متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام. و عندي أنه ليس في هذا غموض، و ذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: 31]أن كلمة (إن) و كلمة (إذا) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط، و لا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط، و استدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة، و إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة، و يقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة، و إذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي و بالإثبات، و إثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتا لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد، و ذلك غير ممتنع، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دلّ عليه القرآن، و نحن لا نقول به.

فإن قيل: فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتا حال الأمن و حال الخوف، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف؟ قلنا: إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى اللََّه عليه و سلم، و أكثرها لم يخل عن خوف العدو، فذكر اللََّه هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع، و من الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء بالإيماء و الإشارة بدلا عن الركوع و السجود، و ذلك هو الصلاة حال شدة الخوف، و لا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة، و لا تكون محرمة و لا صحيحة، و اللََّه‏

204

أعلم. ثم يقال لأهل الظاهر: إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار، و أما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن، إلا أنه بعيد، و إن لم يلتزموه توجه النقض عليهم، لأنه تعالى قال: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و ذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص، و لهم أن يقولوا: إما أن يقال: حصل إجماع الصحابة و الأمة على أن مطلق الخوف كاف، أو لم يحصل الإجماع، فإن حصل الإجماع فنقول: خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع، و هو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني، و إن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال، لأنا نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص، و اللََّه أعلم.

أما قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ففي تفسير هذه الفتنة قولان: الأول: خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع و السجود في جميعها. الثاني: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم، و الحاصل أن كل محنة و بلية و شدة فهي فتنة.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَلْكََافِرِينَ كََانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً و المعنى أن العداوة الحاصلة بينكم و بين الكافرين قديمة، و الآن قد أظهرتم خلافهم في الدين و ازدادت عداوتهم، و بسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم و قصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة، و إنما قال عَدُوًّا و لم يقل أعداء، لأن العدو يستوي فيه الواحد و الجمع، قال تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ [الشعراء: 77].

اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد، بيّن في هذه الآية حالها في الكيفية، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو يوسف و الحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى اللََّه عليه و سلم و لا تجوز لغيره، و قال المزني: كانت ثابتة ثم نسخت. و احتج أبو يوسف على قوله بوجهين: الأول: أن قوله تعالى:

وَ إِذََا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاََةَ ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي صلى اللََّه عليه و سلم فيهم، لأن كلمة «إذا» تفيد الاشتراط الثاني: أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى اللََّه عليه و سلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه، و أما في حق غير الرسول عليه الصلاة و السلام فهذا المعنى غير

205

حاصل، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة، و أما سائر الفقهاء فقالوا: لما ثبت هذا الحكم في حق النبي صلى اللََّه عليه و سلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى:

وَ اِتَّبِعُوهُ [الأعراف: 158]ألا ترى أن قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة: 103]لم يوجب كون الرسول صلى اللََّه عليه و سلم مخصوصا به دون غيره من الأمة بعده، و أما التمسك بلفظ «إذا» فالجواب أن مقتضاه هو الثبوت عند الثبوت، أما العدم عند العدم فغير مسلم، و أما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى اللََّه عليه و سلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض، فاندفع هذا الكلام و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين و يصلى بهم ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون؟فيه أقوال: الأول: أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة و يذهبون إلى وجه العدو، و تأتي الطائفة الأخرى و يصلي بهم الإمام ركعة أخرى و يسلم، و هذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان، و للقوم ركعة، و هذا مروي عن ابن عباس و جابر بن عبد اللََّه و مجاهد. الثاني: إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين و يسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو، و تأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين، و هذا قول الحسن البصري. الثالث: أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة، ثم يبقى الإمام قائما في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى، و يتشهدون و يسلمون و يذهبون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية و يصلون مع الإمام قائما في الركعة الثانية ركعة، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية، ثم يسلم الإمام بهم، و هذا قول سهل بن أبي حثمة و مذهب الشافعي.

الرابع: أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة/و يعودون إلى وجه العدو، و تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة و ينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة و ينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة، و الفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة، و هم في حكم من خلف الإمام، و أما الثانية فلم تدرك أول الصلاة، و المسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته، و هذا قول عبد اللََّه بن مسعود، و مذهب أبي حنيفة. و اعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة، فلعله صلى اللََّه عليه و سلم صلّى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة، و إنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل و الأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام، أما الواحدي رحمه اللََّه فقال: الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة، و بين ذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: وَ لْتَأْتِ طََائِفَةٌ أُخْرى‏ََ لَمْ يُصَلُّوا و هذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت عند إتيان الثانية، و عند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك؛ لأن الطائفة الثانية عنده تأتي و الأولى بعد في الصلاة و ما فرغوا منها. الثاني: أن قوله: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك: صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه، و على قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، و أما أصحاب أبي حنيفة فقالوا: الآية مطابقة لقولنا، لأنه تعالى قال: فَإِذََا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرََائِكُمْ و هذا يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، و لكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة، و أجاب الواحدي عنه فقال: هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود و الكون من ورائكم لطائفة واحدة، و ليس الأمر كذلك، بل هو لطائفتين السجود للأولى، و الكون من ورائكم الذي‏

206

بمعنى الحراسة للطائفة الثانية و اللََّه أعلم.

و لنرجع إلى تفسير الآية قوله تعالى وَ إِذََا كُنْتَ فِيهِمْ إلى قوله أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ فنقول: قوله تعالى: وَ إِذََا كُنْتَ فِيهِمْ أي و إذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم و خوفهم فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاََةَ فَلْتَقُمْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ و المعنى فاجعلهم طائفتين، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم و ليأخذوا أسلحتهم، و الضمير إما للمصلين و إما لغيرهم، فإن كان للمصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف و الخنجر، و ذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط و أمنع للعدو من الإقدام عليهم، و إن كان لغير المصلين فلا كلام فيه. و يحتمل أن يكون ذلك أمرا للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط.

ثم قال: فَإِذََا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا .

يعني غير المصلين مِنْ وَرََائِكُمْ يحرسونكم، و قد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه، و قد ذكرنا/مذاهب الناس فيها.

ثم قال: وَ لْتَأْتِ طََائِفَةٌ أُخْرى‏ََ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ و قد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي.

ثم قال: وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ و المعنى أنه تعالى جعل الحذر و هو التحذر و التيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه و بني الأسلحة في الأخذ و جعلا مأخوذين. قال الواحدي رحمه اللََّه: و فيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة.

فإن قيل: لم ذكر في الآية الأولى أَسْلِحَتَهُمْ فقط، و ذكر في هذه الآية حذرهم و أسلحتهم.

قلنا: لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم، فلا جرم خص اللََّه تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال: وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ .

ثم قال تعالى: وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وََاحِدَةً أي بالقتال.

عن ابن عباس و جابر أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم صلّى بأصحابه الظهر، و رأى المشركون ذلك، فقالوا بعد ذلك:

بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم، و عزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى، فأطلع اللََّه نبيّه صلى اللََّه عليه و سلم على أسرارهم بهذه الآية.

ثم قال تعالى: وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كََانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ََ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ و المعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود و تفسد حدته، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطنا فيثقل على لا بسه إذا ابتل بالماء، أو لأجل أن الرجل كان مريضا فيشق عليه حمل السلاح، فههنا له أن يضع حمل السلاح.

ثم قال: وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ و المعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر و حال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ و التحفظ و المبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالا في الميل عليهم و استغناما منهم لوضع المسلمين أسلحتهم، و فيه مسائل:

207

المسألة الأولى: أن قوله في أول الآية وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أمر، و ظاهر الأمر للوجوب، فيقتضي أن يكون أخذ السلاح واجبا ثم تأكد هذا بدليل آخر، و هو أنه قال: وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كََانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ََ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين الحالتين، و ذلك يوجب أن فيما وراء هاتين الحالتين يكون الإثم و الجناح حاصلا بسبب وضع السلاح. و منهم من قال: إنه سنة مؤكدة، و الأصح ما بيناه/ثم الشرط أن لا يحمل سلاحا نجسا إن أمكنه، و لا يحمل الرمح إلا في طرف الصف، و بالجملة بحيث لا يتأذى به أحد.

المسألة الثانية: قال أبو علي الجرجاني صاحب النظم: قوله تعالى: وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ يدل على أنه كان يجوز للنبي صلى اللََّه عليه و سلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرا غير غافل عن كيد العدو. و الذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة، و متى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدو، و طائفة مع النبي عليه الصلاة و السلام مستقبل القبلة، و أما حين كان النبي صلى اللََّه عليه و سلم بعسفان و ببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين، و ذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة، و المسلمون كانوا مستقبلين لها، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود و قاموا تأخروا و تقدم الصف الثاني و سجدوا و كان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ يدل على جواز كل هذه الوجوه؛ و الذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكرارا محضا من غير فائدة، و لوقع فعل الرسول بعسفان و ببطن نخل على خلاف نص القرآن و إنه غير جائز، و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إن اللََّه تعالى أمر بالحذر، و ذلك يدل على كون العبد قادرا على الفعل و على الترك و على جميع وجوه الحذر، و ذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة للََّه تعالى، و جوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم و الداعي و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، و بهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء و العلاج باليد و الاحتراز عن الوباء و عن الجلوس تحت الجدار المائل واجبا و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ أَعَدَّ لِلْكََافِرِينَ عَذََاباً مُهِيناً و فيه سؤال، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله إِنَّ اَللََّهَ أَعَدَّ لِلْكََافِرِينَ عَذََاباً مُهِيناً و جوابه: أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو و شدتهم، فأزال اللََّه تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم و يخذلهم و لا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين و يعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة و الهيبة، و إنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين، فحينئذ يكونون متضرعين إلى اللََّه تعالى في أن يمدهم بالنصر/و التوفيق، و نظيره قوله تعالى: إِذََا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال: 45].

208

ثم قال تعالى: فَإِذََا قَضَيْتُمُ اَلصَّلاََةَ فَاذْكُرُوا اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ََ جُنُوبِكُمْ و فيه قولان: الأول: فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر اللََّه في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف و الحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر اللََّه و التضرع إليه، الثاني: أن المراد بالذكر الصلاة، يعني صلوا قياما حال اشتغالكم بالمسابقة و المقارعة، و قعودا حال اشتغالكم بالرمي، و على جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض، فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة.

هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها، و إذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول إشكالا، و هو أن يصير تقدير الآية: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا، و ذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة.

ثم قال تعالى: فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ و اعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين: أولهما: بيان القصر و هو صلاة السفر، و الثاني: صلاة الخوف، ثم إن قوله: فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ يحتمل نقيض الأمرين، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافرا بل يصير مقيما، و على هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة، و يحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف، و على هذا التقدير يكون المراد:

فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها، و لا تغيروا شيئا من أحوالها و هيآتها، ثم لما بالغ اللََّه سبحانه و تعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله: إِنَّ اَلصَّلاََةَ كََانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتََاباً مَوْقُوتاً أي فرضا موقتا، و المراد بالكتاب هاهنا المكتوب كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول و المصدر مذكر، و معنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة، يقال: وقته و وقته مخففا، و قري‏ء و إذا الرسل وقتت [المرسلات: 11]بالتخفيف.

و اعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات هاهنا و بينها في سائر الآيات، و هي خمسة: أحدها: قوله تعالى‏ حََافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوََاتِ وَ اَلصَّلاََةِ اَلْوُسْطى‏ََ [البقرة: 238]فقوله‏ اَلصَّلَوََاتِ يدل على وجوب صلوات ثلاثة، و قوله‏ وَ اَلصَّلاََةِ اَلْوُسْطى‏ََ يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة و إلا لزم التكرار، فلا بد و أن تكون زائدة على الثلاثة/و لا يجوز أن يكون الواجب أربعة، و إلا لم يحصل فيها وسطى، فلا بد من جعلها خمسة لتحصل الوسطى، و كما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر، و إلا لصارت الصلوات الواجبة ستة، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها. و ثانيها:

قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ [الإسراء: 78]فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر و العصر، و الواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب و العشاء و الواجب في الفجر هو صلاة الصبح، و هذه الآية توهم أن للظهر و العصر وقتا واحدا و للمغرب و العشاء وقتا واحدا. و ثالثها: قوله سبحانه‏ فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: 17]و المراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار و هما المغرب و الصبح، ثم قال: وَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ [الروم: 18]

209

فقوله‏ وَ عَشِيًّا المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل و هي صلاة العشاء، و قوله‏ وَ حِينَ تُظْهِرُونَ المراد الصلاة الواقعة في محض النهار، و هي صلاة الظهر كما قدم في قوله‏ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: 17]صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فكذلك قدم في قوله‏ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية، و أما صلاة العصر فقد أفردها اللََّه تعالى بالذكر في قوله‏ وَ اَلْعَصْرِ تشريفا لها بالإفراد بالذكر. و رابعها: قوله تعالى: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ [هود: 114]فقوله‏ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ يفيد وجوب صلاة الصبح و وجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين، و إن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول و صلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني. و قوله‏ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ يفيد وجوب المغرب و العشاء، و كان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال: لأن الزلف جمع، و أقله ثلاثة، فلا بدّ و أن يجب ثلاث صلوات في الليل عملا بقوله‏ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ و خامسها: قوله تعالى: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهََا وَ مِنْ آنََاءِ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْ فقوله‏ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهََا [طه: 130]إشارة إلى الصبح و العصر، و هو كقوله وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ [هود: 114]و قوله‏ وَ مِنْ آنََاءِ اَللَّيْلِ إشارة إلى المغرب و العشاء، و هو كقوله‏ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ و كما احتجوا بقوله‏ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ فكذلك احتجوا عليه بقوله وَ مِنْ آنََاءِ اَللَّيْلِ لأن قوله آناء الليل جمع و أقله ثلاثة، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس.

و اعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن و الجمال نظرا إلى المعقول، و بيانه أن لكل شي‏ء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة: أولها: مرتبة الحدوث و الدخول في الوجود، و هو كما يولد الإنسان و يبقى في النشو و النماء إلى مدة معلومة، و هذه المدة تسمى سن/النشو و النماء.

و المرتبة الثانية: مدة الوقوف، و هو أن يبقى ذلك الشي‏ء على صفة كماله من غير زيادة و لا نقصان و هذه المدة تسمى سن الشباب.

و المرتبة الثالثة: مدة الكهولة، و هو أن يظهر في الإنسان نقصان خفي، و هذه المدة تسمى سن الكهولة.

و المرتبة الرابعة: مدة الشيخوخة، و هو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة جليلة إلى أن يموت و يهلك، و تسمى هذه المدة سن الشيخوخة.

المرتبة الخامسة: أن تبقى آثاره بعد موته مدة، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار و تبطل و تزول، و لا يبقى منه في الدنيا خبر و لا أثر، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنسانا أو غيره من الحيوانات أو النباتات، و الشمس حصل لها بحسب طلوعها و غروبها هذه الأحوال الخمس، و ذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عند ما يولد، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها و يقوى نورها و يشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر و يظهر فيها نقصانات خفية إلى وقت العصر، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها و يضعف حرها، و يزداد انحطاطها و قوتها إلى الغروب، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب و هو الشفق، ثم تنمحي تلك الآثار و تصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها و هي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا اللََّه تعالى لا جرم‏

210

أوجب اللََّه تعالى عند كل واحد من هذه الأحوال الخمسة لها صلاة، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكرا للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة و حصول النور، و بسبب زوال النوم الذي هو كالموت و حصول اليقظة التي هي كالحياة، و لما وصلت الشمس إلى غاية الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيما للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية و السفلية من الضد إلى الضد، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها و استعلائها منحطة عن ذلك العلو و آخذة في سن الكهولة، و هو النقصان الخفي، ثم لما انقضت مدة الكهولة و دخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر. و نعم ما قال الشافعي رحمه اللََّه: أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شي‏ء مثليه، و ذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه اللََّه ما ازداد الظل إلا مثل الشي‏ء، ثم ان في زمان الطيف يصير ظله مثليه، و ذلك يدل على/أن من الوقت الذي يصير ظل الشي‏ء مثلا له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان، فلا جرم أوجب اللََّه تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس و لم يبق منها في الدنيا خبر و لا أثر، فلا جرم أوجب اللََّه تعالى صلاة العشاء، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية و الأصول الحكمية، و اللََّه أعلم بأسرار أفعاله.

اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال وَ لاََ تَهِنُوا أي و لا تضعفوا و لا تتوانوا فِي اِبْتِغََاءِ اَلْقَوْمِ أي في طلب الكفار بالقتال، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمََا تَأْلَمُونَ و المعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم و بينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعا لهم عن قتالكم فكيف صار مانعا لكم عن قتالهم، ثم زاد في تقرير الحجة و بين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين، لأن المؤمنين مقرون بالثواب و العقاب و الحشر و النشر، و المشركين لا يقرون بذلك، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر و النشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثوابا عظيما و عليكم في تركه عقابا عظيما، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد، و هو المراد من قوله تعالى: وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ يَرْجُونَ و يحتمل أيضا أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم اللََّه تعالى في قوله‏ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ* [التوبة: 33][الفتح: 28] [الصف: 9]و في قوله‏ يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللََّهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64]و فيه وجه ثالث، و هو أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه، و أما المشركون فإنهم يعبدون الأصنام و هي جمادات، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثوابا أو يخافوا منها عقابا. و قرأ الأعرج إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ بفتح الهمزة بمعنى: و لا تهنوا لأن تكونوا تألمون، و قوله فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمََا تَأْلَمُونَ تعليل.

ثم قال: وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي لا يكلفكم شيئا و لا يأمركم و لا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه/سبب لصلاحكم في دينكم و دنياكم.

211

في كيفية النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة، و اتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر، و مثل بيان صلاة السفر و صلاة الخوف، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين، و ذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة و السلام على أن يحكم بالباطل و يذر الحكم الحق، فأطلع اللََّه رسوله عليه و أمره بأن لا يلتفت إليهم و لا يقبل قولهم في هذا الباب.

و الوجه الثاني في بيان النظم: أنه تعالى لما بيّن الأحكام الكثيرة في هذه السورة بيّن أن كل ما عرف بإنزال اللََّه تعالى و أنه ليس للرسول أن يحيد عن شي‏ء منها طلبا لرضا قومه.

الوجه الثالث: أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بيّن أن الأمر و إن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم و لا إلحاق ما لم يفعلوا بهم، و أن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له، بل الواجب في الدين أن يحكم له و عليه بما أنزل على رسوله، و أن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك، في قوله تعالى إِنََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق، ثم في كيفية الواقعة روايات: أحدها: أن طعمة سرق درعا فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بتلك السرقة، و لما اشتدت الخصومة بين قومه و بين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم و طلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود و أن يلحق هذه الخيانة باليهودي، فهم الرسول عليه الصلاة و السلام بذلك فنزلت الآية، و ثانيها: أن واحدا وضع عنده درعا على سبيل الوديعة و لم يكن هناك شاهد، فلما طلبها منه جحدها. و ثالثها: أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع/و اعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة و قومه كانوا منافقين، و إلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل و إلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص و البهتان، و مما يؤكد ذلك قوله تعالى: وَ مََا يُضِلُّونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ وَ مََا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ [النساء: 113]ثم‏

روي أن طعمة هرب إلى مكة و ارتد و ثقب حائطا هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه و مات.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله أَرََاكَ اَللََّهُ إما أن يكون منقولا بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين، أو من رأيت التي يراد بها الاعتقاد، و الأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر، و الثاني أيضا باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية، و معلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما: الكاف التي هي للخطاب، و الآخر المفعول المقدر، و تقديره: بما أراكه اللََّه، و لما بطل القسمان بقي الثالث، و هو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الاعتقاد.

المسألة الثالثة: اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ معناه بما أعلمك اللََّه، و سمي ذلك العلم‏

212

بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة و الظهور، و كان عمر يقول: لا يقولن أحد قضيت بما أراني اللََّه تعالى، فإن اللََّه تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه، و أما الواحد منا فرأيه يكون ظنا و لا يكون علما.

إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون: هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة و السلام ما كان يحكم إلا بالوحي و النص.

و إذا عرفت هذا فنقول: تفرع عليه مسألتان: إحداهما: أنه لما ثبت أنه عليه و الصلاة و السلام ما كان يحكم إلا بالنص ثبت أن الاجتهاد ما كان جائزا له. و الثانية: أن هذه الآية دلت على أنه ما كان يجوز له أن يحكم إلا بالنص، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى: وَ اِتَّبِعُوهُ [الأعراف: 158]و إذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراما.

و الجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملا بالنص في الحقيقة، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن، و إذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملا بعين النص.

أما قوله: وَ لاََ تَكُنْ لِلْخََائِنِينَ خَصِيماً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: معنى الآية: و لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب، يعني/لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه اللََّه: خصمك الذي يخاصمك، و جمعه الخصماء، و أصله من الخصم و هو ناحية الشي‏ء و طرفه، و الخصم طرف الزاوية و طرف الأشفار، و قيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة و الدعوى، و خصوم السحابة جوانبها.

المسألة الثالثة: قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام: دلّت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه الصلاة و السلام، فإنه لولا أن الرسول عليه الصلاة و السلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن و يذب عنه و إلا لما ورد النهي عنه.

و الجواب: أن النهي عن الشي‏ء لا يقتضي كون المنهي فاعلا للمنهى عنه، بل‏

ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة و السلام أن يذب عن طعمة و أن يلحق السرقة باليهودي توقف و انتظر الوحي فنزلت هذه الآية،

و كان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة و السلام على أن طعمة كذاب، و أن اليهودي برى‏ء عن ذلك الجرم.

فإن قيل: الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة و السلام قوله بعد هذه الآية وَ اِسْتَغْفِرِ اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً فلما أمره اللََّه بالاستغفار دل على سبق الذنب.

و الجواب من وجوه: الأول: لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالاستغفار لهذا القدر، و حسنات الأبرار سيئات المقربين. و الثاني: لعلّ القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي

213

و على براءة طعمة من تلك السرقة و لم يظهر للرسول عليه الصلاة و السلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي، ثم لما أطلعه اللََّه تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه و إن كان معذورا عند اللََّه فيه. الثالث: قوله: وَ اِسْتَغْفِرِ اَللََّهَ يحتمل أن يكون المراد: و استغفر اللََّه لأولئك الذين يذبون عن طعمة و يريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال تعالى:

و المراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة و من عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا، و الاختيان كالخيانة /يقال: خانه و اختانه، و ذكرنا ذلك عند قوله تعالى: عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتََانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 187] و إنما قال تعالى لطعمة و لمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب و أوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، و لهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه.

و اعلم أن في الآية تهديدا شديدا، و ذلك لأن النبي عليه الصلاة و السلام لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة، و كان في علم اللََّه أن طعمة كان فاسقا، فاللََّه تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه و يرغبه فيه أشد الترغيب.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ مَنْ كََانَ خَوََّاناً أَثِيماً قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، و أثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال اللََّه تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ مَنْ كََانَ خَوََّاناً أَثِيماً .

فإن قيل: لم قال خَوََّاناً أَثِيماً مع أن الصادر عنه خيانة واحدة و إثم واحد.

قلنا: علم اللََّه تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة و الإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، و يدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة و ارتد و نقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه و مات، و من كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، و أيضا طلب من النبي عليه الصلاة و السلام أن يدفع السرقة عنه و يلحقها باليهودي، و هذا يبطل رسالة الرسول، و من حاول إبطال رسالة الرسول و أراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه اللََّه بالمبالغة في الخيانة و الإثم.

و قيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. عن عمر رضي اللََّه عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي و تقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال كذبت إن اللََّه لا يؤاخذ عبده في أول الأمر، و اعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة و الإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة و الإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى:

الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار، يقال استخفيت من/فلان، أي تواريت منه و استترت. قال تعالى:

214

وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ [الرعد: 10]أي مستتر، فقوله يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنََّاسِ أي يستترون من الناس و لا يستترون من اللََّه. قال ابن عباس: يستحيون من الناس و لا يستحيون من اللََّه. قال الواحدي: هذا معنى و ليس بتفسير، و ذلك لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار من الناس و الاستخفاء منهم، فأما أن يقال: الاستحياء هو نفس الاستخفاء فليس الأمر كذلك، و قوله: وَ هُوَ مَعَهُمْ يريد بالعلم و القدرة و الرؤية، و كفى هذا زاجرا للإنسان عن المعاصي، و قوله: إِذْ يُبَيِّتُونَ مََا لاََ يَرْضى‏ََ مِنَ اَلْقَوْلِ أي يضمرون و يقدرون في أذهانهم و ذكرنا معنى التبييت في قوله‏ بَيَّتَ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ [النساء: 81]و الذي لا يرضاه اللََّه من القول هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع و أحلف أني لم أسرقها، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه و لا يقبل يمين اليهودي.

فإن قيل: كيف سمي التبييت قولا و هو معنى في النفس؟ قلنا: مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس، و على هذا المذهب فلا إشكال، و من أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة و أصحابه لعلّهم اجتمعوا في الليل و رتبوا كيفية الحيلة و المكر، فسمى اللََّه تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه، فأما قوله وَ كََانَ اَللََّهُ بِمََا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً فالمراد الوعيد من حيث إنهم و إن كانوا يخفون كيفية المكر و الخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم اللََّه، لأنه تعالى محيط بجميع المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شي‏ء ثم قال تعالى:

ثم قال تعالى: هََا أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ جََادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فَمَنْ يُجََادِلُ اَللََّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ها للتنبيه في هََا أَنْتُمْ و هََؤُلاََءِ و هما مبتدأ و خبر جََادَلْتُمْ جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا، كما تقول لبعض الأسخياء: أنت حاتم تجود بمالك و تؤثر على نفسك، و يجوز أن يكون أولاء اسما موصولا بمعنى الذي و جََادَلْتُمْ صلة، و أما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة المخاصمة، و جدل الحبل شدة فتله، و رجل مجدول كأنه فتل، و الأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة. هذا قول الزجاج. و قال غيره: سميت المخاصمة جدالا لأن كل واحد من الخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه و صرفه عن رأيه.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة و عن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين، و المعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة و قومه في الدنيا، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا أخذهم اللََّه بعذابه. و قرأ عبد اللََّه بن مسعود: ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه، يعني عن طعمة، و قوله فَمَنْ يُجََادِلُ اَللََّهَ عَنْهُمْ استفهام بمعنى التوبيخ و التقريع.

ثم قال تعالى: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً فقوله أَمْ مَنْ يَكُونُ عطف على الاستفهام السابق، و الوكيل هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ و الحماية، و المعنى: من الذي يكون محافظا و محاميا لهم من عذاب اللََّه؟

215

و اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة، و ذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب فالأول:

و المراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع و من رمي اليهودي بالسرقة و المراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب، و إنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضرر إلى الغير، و الضرر سوء حاضر، فأما الذنب الذي يخص الإنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضررا حاضرا لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه.

و اعلم أن هذه الآية دالة على حكمين: الأول: أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفرا أو قتلا، عمدا أو غصبا للأموال لأن قوله وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ عم الكل الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف، و قال بعضهم: أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار، و قوله يَجِدِ اَللََّهَ غَفُوراً رَحِيماً معناه غفورا رحيما له، و حذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه، فإنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك.

و النوع الثاني: من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى:

و الكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، و لذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك و المقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار كأنه تعالى يقول: الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلي فإنني منزّه عن النفع و الضرر، و لا تيأس من قبول التوبة و الاستغفار وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً بما في قلبه عند إقدامه على التوبة حَكِيماً تقتضي حكمته و رحمته أن يتجاوز عن التائب.

النوع الثالث: قوله تعالى:

و ذكروا في الخطيئة و الإثم وجوها: الأول: أن الخطيئة هي الصغيرة، و الإثم هو الكبيرة و ثانيها: الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، و الإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم و القتل. و ثالثها: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطإ، و الإثم ما يحصل بسبب العمد، و الدليل عليه ما قبل هذه الآية و هو قوله وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمََا يَكْسِبُهُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ [النساء: 111]فبيّن أن الإثم ما يكون سببا لاستحقاق العقوبة.

و أما قوله ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فالضمير في بِهِ إلى ماذا يعود؟فيه وجوه: الأول: ثم يرم بأحد هذين المذكورين. الثاني: أن يكون عائدا إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله‏ وَ إِذََا رَأَوْا

216

تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا الثالث: أن يكون عائدا إلى الكسب، و التقدير: يرم بكسبه بريئا، فدل يكسب على الكسب. الرابع: أن يكون الضمير راجعا إلى معنى الخطيئة فكأنه قال: و من يكسب ذنبا ثم يرم به بريئا.

و أما قوله فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتََاناً فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر و هو برى‏ء منه.

و اعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، و معاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتََاناً إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا، و قوله وَ إِثْماً مُبِيناً إشارة إلى/ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة.

ثم قال تعالى: وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ و المعنى و لولا أن اللََّه خصك بالفضل و هو النبوّة، و بالرحمة و هي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك، و ذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع و يجادل عنه و يبرئه عن السرقة، و ينسب تلك السرقة إلى اليهودي، و معنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ.

ثم قال تعالى: وَ مََا يُضِلُّونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ بسبب تعاونهم على الإثم و العدوان و شهادتهم بالزور و البهتان، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعلمون عمل الضالين.

وَ مََا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ فيه وجهان: الأول: قال القفال رحمه اللََّه: و ما يضرونك في المستقبل، فوعده اللََّه تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل. الثاني: أن المعنى أنهم و إن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال، و أنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر.

ثم قال تعالى: وَ أَنْزَلَ اَللََّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ .

و اعلم أنا إن فسرنا قوله وَ مََا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله وَ أَنْزَلَ اَللََّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ مؤكدا لذلك الوعد، يعني لما أنزل عليك الكتاب و الحكمة و أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات و الضلالات، و إن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة و السلام كان معذورا في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى: و أنزل عليك الكتاب و الحكمة و أوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر.

ثم قال تعالى: وَ عَلَّمَكَ مََا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كََانَ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً .

قال القفال رحمه اللََّه: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما يتعلق بالدين، كما/قال مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ [الشورى: 52]و على هذا الوجه تقدير الآية: أنزل اللََّه عليك الكتاب‏

217

و الحكمة و أطلعك على أسرارهما و أوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشي‏ء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك و إزلالك.

الوجه الثاني: أن يكون المراد: و علمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين و وجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم و مكرهم، ثم قال وَ كََانَ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً و هذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل و المناقب و ذلك لأن اللََّه تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل، كما قال‏ وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً [الإسراء: 85]و نصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلا، ثم انه سمى ذلك القليل عظيما حيث قال‏ وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً و سمى جميع الدنيا قليلا حيث قال‏ قُلْ مَتََاعُ اَلدُّنْيََا قَلِيلٌ [النساء: 77]و ذلك يدل على غاية شرف العلم.

في قوله تعالى لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ و اعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللََّه: النجوى في اللغة سر بين إثنين، يقال ناجيت الرجل مناجاة و نجاء، و يقال: نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته، و النجوى قد تكون مصدرا بمنزلة المناجاة، قال تعالى‏ مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ [المجادلة: 7]و قد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون، قال تعالى‏ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ [الإسراء: 47].

المسألة الثانية: قوله إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ذكر النحويون في محل (من) وجوها، و تلك/الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى هاهنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب؛ لأنه استثناء الشي‏ء عن خلاف جنسه فيكون نصبا كقوله‏ إِلاََّ أَذىً [آل عمران: 111]و يجوز أن يكون رفعا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله:

إلا اليعافير و إلا العيس‏

و أبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال: التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، و على هذا التقدير يكون (من) في محل النجوى لأنه أقيم مقامه، و يجوز فيه وجهان: أحدهما:

الخفض بدل من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد. و الثاني: النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيدا، و هذا استثناء الجنس من الجنس، و أما ان جعلنا النجوى اسما للقوم المتناجين كان منصوبا على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس؛ و يجوز أن يكون (من) في محل الخفض من وجهين: أحدهما:

أن تجعله تبعا لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم. و الثاني: أن تجعله تبعا للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيد، إن شئت أتبعت زيدا الجماعة، و إن شئت أتبعته القوم، و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: هذه الآية و إن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، و المراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس و يخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى‏

218

ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، و الأمر بالمعروف، و الإصلاح بين الناس، و إنما ذكر اللََّه هذه الأقسام الثلاثة، و ذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية و هو إعطاء المال، و إليه الإشارة بقوله إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ و إما أن يكون من الخيرات الروحانية، و هو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة، و مجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف، و إليه الإشارة بقوله أَوْ مَعْرُوفٍ و أما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية، و مما يدل على صحة ما ذكرنا

قوله عليه الصلاة و السلام: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر اللََّه»

و قيل لسفيان الثوري: ما أشد هذا الحديث!فقال سفيان: ألم تسمع اللََّه يقول: لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ فهو هذا بعينه، أما سمعت اللََّه يقول‏ وَ اَلْعَصْرِ`إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 1، 2]فهو هذا بعينه.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً و المعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات و إن كانت في غاية الشرف و الجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها/إذا أتى بها لوجه اللََّه و لطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها للرياء و السمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد؛ و هذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النيّة، و تصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان اللََّه تعالى و نظيره قوله تعالى: وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ [البينة: 5]و قوله: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ [النجم: 39]و

قوله عليه الصلاة و السلام: «إنما الأعمال بالنيات»

و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: لم انتصب اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ ؟ و الجواب: لأنه مفعول له، و المعنى لأنه لا لابتغاء مرضاة اللََّه.

السؤال الثاني: كيف قال إِلاََّ مَنْ أَمَرَ ثم قال وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ .

و الجواب: أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى، و يجوز أن يراد: و من يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضا فعل من الأفعال.

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن اللََّه تعالى هتك ستره و برأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد و ذهب إلى مكة و نقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه و مات فنزلت هذه الآية. أما الشقاق و المشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما في شق آخر من الأمر، أو عن كون كل واحد منهما فاعلا فعلا يقتضي لحوق مشقة بصاحبه، و قوله مِنْ بَعْدِ مََا تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى‏ََ أي من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام. قال الزجاج: لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى اللََّه تعالى من أمره و أظهر من سرقته ما دلّه ذلك على صحة نبوّة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، فعادى الرسول و أظهر الشقاق و ارتد عن‏

219

دين الإسلام، فكان ذلك إظهار الشقاق بعد ما تبين له الهدى، قوله وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ يعني غير دين الموحدين، و ذلك لأن طعمة ترك دين الإسلام و اتبع دين عبادة الأوثان.

ثم قال نُوَلِّهِ مََا تَوَلََّى أي نتركه و ما اختار لنفسه، و نكله إلى ما توكل عليه. قال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد.

ثم قال وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ يعني نلزمه جهنم، و أصله الصلاء و هو لزوم النار وقت الاستدفاء وَ سََاءَتْ مَصِيراً انتصب مَصِيراً على التمييز كقولك: فلان طاب نفسا، و تصبب عرقا، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: روي أن الشافعي رضي اللََّه عنه سئل عن آية في كتاب اللََّه تعالى تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية، و تقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول و يتبع غير سبيل المؤمنين، و مشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له لكان ذلك ضما لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد و إنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، و إذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجبا، و ذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراما، و إذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباعهم واجبا، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض.

فإن قيل: لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين و لا غير سبيل المؤمنين.

و أجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعا لهم، و لقائل أن يقول: الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير و إلا لزم أن يقال: الأنبياء و الملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث انهم يوحدون اللََّه كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد اللََّه، و معلوم أن ذلك لا يقال، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، و إذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين لأجل أنه ما وجد على وجوب متابعتهم دليلا، فلا جرم لم يتبعهم، فهذا الشخص لا يكون متبعا لغير سبيل المؤمنين، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل، و فيه أبحاث أخر دقيقة ذكرناها في كتاب/المحصول في علم الأصول و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: دلّت هذه الآية على وجوب عصمة محمد صلى اللََّه عليه و سلم عن جميع الذنوب، و الدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه، و كل من منع غيره عن فعل يفعله كان مشاققا له، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق الذي يكون الآخر فيه، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته، لكن مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه.

المسألة الثالثة: دلّت هذه الآية على أنه يجب الاقتداء بالرسول عليه الصلاة و السلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة، لكن المشاقة

220

محرمة، فيلزم وجوب الاقتداء به في أفعاله.

المسألة الرابعة: قال بعض المتقدمين: كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد، بل بمعنى سقوط الإثم عن المخطئ، و احتجوا على قولهم بهذه الآية قالوا: لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى، و المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، و هذا يقتضي أنه إذا لم يحصل تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلا.

و جوابه: أنه تمسك بالمفهوم، و هو دلالة ظنية عند من يقول به، و الدليل الدال على أن وعيد الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 116]و القاطع لا يعارضه المظنون.

المسألة الخامسة: الآية دالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل و النظر و الاستدلال، و ذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى، و لو لم يكن تبين الهدى معتبرا في صحة الدين و إلا لم يكن لهذا الشرط معنى.

المسألة السادسة: الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم، إذ لو كان الهدى اسما للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشي‏ء إلى نفسه و أنه فاسد.

في قوله تعالى إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ /اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة، و في تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد و عمومات الوعد متعارضة في القرآن، و أنه تعالى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين، و قد أعاد هذه الآية دالة على العفو و المغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة، و قد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد و الرحمة بمزيد التأكيد، و ذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد.

و الفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، و قوله وَ مَنْ يُشََاقِقِ اَلرَّسُولَ [النساء: 115]إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن

221

ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروما عن رحمتي، و لكنه لما ارتد و أشرك باللََّه صار محروما قطع عن رحمة اللََّه، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند اللََّه فقال وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاََلاً بَعِيداً يعني و من لم يشرك باللََّه لم يكن ضلاله بعيدا، فلا جرم لا يصير محروما عن رحمتي، و هذه المناسبات دالة قطعا على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا سواء حصلت التوبة أو لم تحصل، }ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالا بعيدا فقال إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاََّ إِنََاثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاََّ شَيْطََاناً مَرِيداً`لَعَنَهُ اَللََّهُ (إن) هاهنا معناه النفي و نظيره قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: 159]و يَدْعُونَ بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه، و قوله إِلاََّ إِنََاثاً فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان و كانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: اللاّت و العزى و مناة الثالثة الأخرى، و اللات تأنيث اللََّه، و العزى تأنيث العزيز. قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا و لهم صنم يعبدونه و يسمونه أنثى بني فلان، و يدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي اللََّه عنها: إلا أوثانا، و قراءة ابن عباس: إلا أثنا، جمع وثن مثل أسد و أسد، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله‏ وَ إِذَا اَلرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: 11]قال الزجاج:

و جائز أن يكون أثن أصلها أثن، فأتبعت الضمة الضمة.

القول الثاني: قوله إِلاََّ إِنََاثاً أي إلا أمواتا، و في تسمية الأموات إناثا وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني.

الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، و الميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.

القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة، و كانوا يقولون: الملائكة بنات اللََّه قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ اَلْمَلاََئِكَةَ تَسْمِيَةَ اَلْأُنْثى‏ََ [النجم: 27]و المقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السموات و الأرض و ما بينهما جمادا يسميه بالأنثى.

ثم قال: وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاََّ شَيْطََاناً مَرِيداً قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، و قال الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية وَ قََالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبََادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً و لا شك أن قائل هذا القول هو إبليس، و لا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، و أما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة و يقال له: مارد و مريد، قال الزجاج:

يقال: حائط ممرد أي مملس، و يقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، و الذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد و مارد لأنه مملس عن طاعة اللََّه لم يلتصق به من هذه الطاعة شي‏ء.

ثم قال تعالى: لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ قََالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبََادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً و فيه مسألتان.

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قوله لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ قََالَ لَأَتَّخِذَنَّ صفتان بمعنى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة اللََّه و هذا القول الشنيع. و اعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبََادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً الفرض في اللغة القطع، و الفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، و الفرض الحز الذي في الوتر، و الفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، و الفريضة ما فرض اللََّه على عباده و جعله حتما عليهم‏

222

قطعا لعذرهم، و كذا قوله‏ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة: 237]أي جعلتم لهن قطعة من المال.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه اللََّه قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظا مقدرا معينا، و هم الذين يتبعون خطواته و يقبلون وساوسه، و في التفسير

عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال: «من كل ألف واحد للََّه و سائره للناس و لإبليس» .

فإن قيل: النقل و العقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددا من حزب اللََّه.

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر فَاتَّبَعُوهُ إِلاََّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20]و قال حاكيا عن الشيطان‏ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاََّ قَلِيلاً [الإسراء: 62]. و حكي عنه أيضا أنه قال‏ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏`إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ* [ص: 82، 83]و لا شك أن المخلصين قليلون.

و أما العقل: فهو أن الفساق و الكفار أكثر عددا من المؤمنين المخلصين، و لا شك أن الفساق و الكفار كلهم حزب إبليس.

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبََادِكَ نَصِيباً مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، و إنما يتناول الأقل؟ و الجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، و أيضا فالمؤمنون و إن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند اللََّه، و الكفار و الفساق و إن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس. و ثانيها: قوله: وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ يعني عن الحق، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا.

فالأصل الأول: المضل هو الشيطان، و ليس المضل هو اللََّه تعالى قالوا: و إنما قلنا: أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك و اللََّه تعالى ما كذبه فيه، و نظيره قوله‏ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* و قوله لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاََّ قَلِيلاً و قوله‏ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16]و أيضا أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلا للناس في معرض الذم له، و ذلك يمنع من كون الإله/موصوفا بذلك.

و الأصل الثاني: و هو أن أهل السنة يقولون: الإضلال عبارة عن خلق الكفر و الضلال و قلنا: ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر و الضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال.

و الجواب: أن هذا كلام إبليس فلا يكون حجة، و أيضا أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جدا، فتارة يميل إلى القدر المحض، و هو قوله‏ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* و أخرى إلى الجبر المحض و هو قوله‏ رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي [القصص: 39]و تارة يظهر التردد فيه حيث قال: رَبَّنََا هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا أَغْوَيْنََاهُمْ كَمََا غَوَيْنََا [القصص: 63]يعني أن قول هؤلاء الكفار: نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟و لا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى اللََّه. و ثالثها: قوله وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ و اعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ و هذا يشعر بأنه لا حيلة له في الإضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق، و طلب الأماني يورث شيئين: الحرص‏

223

و الأمل، و الحرص و الأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، و هما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان‏

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «يهرم ابن آدم و يشب معه اثنان الحرص و الأمل»

و الحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا و أهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشي‏ء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية اللََّه و إيذاء الخلق، و إذا طال أمله نسي الآخرة و صار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، و لا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.

و رابعها: قوله وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذََانَ اَلْأَنْعََامِ البتك القطع، و سيف باتك أي قاطع، و التبتيك التقطيع. قال الواحدي رحمه اللََّه: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، و ذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن و جاء الخامس ذكرا، و حرموا على أنفسهم الانتفاع بها. و قال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكا في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر و فسق. خامسها: قوله وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ و للمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق اللََّه تغيير دين اللََّه، و هو قول سعيد بن جبير و سعيد بن المسيب و الحسن و الضحاك و مجاهد و السدي و النخعي و قتادة، و في تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن اللََّه تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر و أشهدهم على أنفسهم أنه ربهم و آمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة اللََّه التي فطر الناس عليها، و هذا معنى‏

قوله صلى اللََّه عليه و سلم: «كل مولود يولد على الفطرة»

و لكن أبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه.

و الوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين اللََّه هو تبديل الحلال حراما/أو الحرام القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، و ذكروا فيه وجوها الأول: قال الحسن: المراد ما

روى عبد اللََّه بن مسعود عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «لعن اللََّه الواصلات و الواشمات»

قال و ذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا. الثاني: روي عن أنس و شهر بن حوشب و عكرمة و أبي صالح أن معنى تغيير خلق اللََّه هاهنا هو الإخصاء و قطع الآذان و فق‏ء العيون، و لهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، و كانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها. الثالث: قال ابن زيد هو التخنث، و أقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، و السحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن اللََّه تعالى خلق الأنعام ليركبوها و يأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر و السوائب و الوصائل، و خلق الشمس و القمر و النجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق اللََّه، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب‏ قوله تعالى وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ إلى قوله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرََاناً مُبِيناً و يخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى، و ذلك لأن دخول الضرر و المرض في الشي‏ء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، و النقصان، و البطلان.

فادعى الشيطان لعنه اللََّه إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين، و ضرر الدين هو قوله وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ ثم إن هذا المرض لا بدّ و أن يكون على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرناها، و هي التشوش و النقصان و البطلان، فأما التشوش فالإشارة إليه بقوله وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ و ذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله و فكره في استخراج المعاني الدقيقة و الحيل و الوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية و الغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش، و أما النقصان فالإشارة إليه بقوله وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذََانَ اَلْأَنْعََامِ و ذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان، و هذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة، و أما البطلان‏

224

فالإشارة إليه بقوله وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ و ذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى، و من المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا و النفرة عن الآخرة، و لا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة، و لا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة، فتكون حركته و سكونه و قوله و فعله لأجل الدنيا، و ذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر، و هي متوجهة إلى عالم القيامة، فإذا نسيت معادها و ألفت هذه المحسوسات/التي لا بدّ من انقضائها و فنائها كان هذا بالحقيقة تغييرا للخلقة، و هو كما قال تعالى: وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: 19]و قال‏ فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ [الحج: 46].

و اعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الإغواء و الضلال حذر الناس عن متابعته فقال: وَ مَنْ يَتَّخِذِ اَلشَّيْطََانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرََاناً مُبِيناً و اعلم أن أحدا لا يختار أن يتخذ الشيطان وليا من دون اللََّه، و لكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به و ترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان وليا لنفسه و ترك ولاية اللََّه تعالى، و إنما قال خَسِرَ خُسْرََاناً مُبِيناً لأن طاعة اللََّه تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، و طاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم و الأحزان و الآلام الغالبة، و الجمع بينهما محال عقلا، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب و أجلها بسبب أخس المطالب و أدونها، و لا شك أن هذا هو الخسار المطلق.

ثم قال تعالى: يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مََا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطََانُ إِلاََّ غُرُوراً و اعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، و أما تبتيك الآذان و تغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب و من آثاره، فلا جرم نبّه اللََّه تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني و هو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور، و الغرور هو أن يظن الإنسان بالشي‏ء أنه نافع و لذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام و المضار، و جميع أحوال الدنيا كذلك، و العاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شي‏ء منها، و مثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره و ينال من الدنيا أمله و مقصوده، و يستولي على أعدائه، و يقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره، إلا أن كل ذلك غرور فإنه لا بدّ و أن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم و الحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ و أشهى و كان الألف معه أدوم و أبقى كانت مفارقته أشد إيلاما و أعظم تأثيرا في حصول الغم و الحسرة، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة و القاعدة في هذا الباب.

و في الآية وجه آخر: و هو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة و لا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية.

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ و اعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه، و الاستغراق/في طيبات الدنيا و الانهماك في معاصي اللََّه سبحانه و إن كان في الحال لذيذا إلا أن عاقبته عذاب جهنم و سخط اللََّه و البعد عن رحمته، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور.

ثم قال تعالى: وَ لاََ يَجِدُونَ عَنْهََا مَحِيصاً المحيص المعدل و المفر. قال الواحدي رحمه اللََّه: هذه الآية

225

تحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا بدّ لهم من ورودها. الثاني: التخليد الذي هو نصيب الكفار، و هذا غير بعيد لأن الضمير في قوله وَ لاََ يَجِدُونَ عائد إلى الذين تقدم ذكرهم، و هم الذين قال الشيطان: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. و الأظهر أن الذي يكون نصيبا للشيطان هم الكفار.

و لما ذكر اللََّه الوعيد أردفه بالوعد فقال: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً وَعْدَ اَللََّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللََّهِ قِيلاً .

و اعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً و لو كان الخلود يفيد التأبيد و الدوام للزم التكرار و هو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام، و أما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود و لم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار، و ذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع.

ثم قال: وَعْدَ اَللََّهِ حَقًّا قال صاحب «الكشاف» : هما مصدران: الأول: مؤكد لنفسه، كأنه قال: وعد وعدا و حقا مصدر مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقا.

ثم قال: وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللََّهِ قِيلاً و هو توكيد ثالث بليغ. و فائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة و الأماني الباطلة، و التنبيه على أن وعد اللََّه أولى بالقبول و أحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه، و قرأ حمزة و الكسائي أَصْدَقُ مِنَ اَللََّهِ قِيلاً بإشمام الصاد الزاي، و كذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو قَصْدُ اَلسَّبِيلِ [النحل: 9] فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ [الحجر: 94]و القيل: مصدر قال قولا و قيلا، و قال ابن السكيت: القيل و القال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى:

قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمََانِيِّكُمْ وَ لاََ أَمََانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتََابِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الأمنية أفعولة من المنية، و تمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى/ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52].

المسألة الثانية: (ليس) فعل، فلا بدّ من اسم يكون هو مسندا إليه، و فيه وجوه: الأول: ليس الثواب الذي تقدم ذكره و الوعد به في قوله سَنُدْخِلُهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي [النساء: 122]الآية، بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان و العمل الصالح. الثاني: ليس وضع الدين على أمانيكم. الثالث:

ليس الثواب و العقاب بأمانيكم، و الوجه الأول أولى لأن إسناد لَيْسَ إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور.

المسألة الثالثة: الخطاب في قوله لَيْسَ بِأَمََانِيِّكُمْ خطاب مع من؟ فيه قولان: الأول: أنه خطاب مع عبدة الأوثان، و أمانيهم أن لا يكون هناك حشر و لا نشر و لا ثواب و لا عقاب، و إن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند اللََّه، و أما أماني أهل الكتاب فهو قولهم‏ لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً أَوْ

226

نَصََارى‏ََ [البقرة: 111]و قولهم‏ نَحْنُ أَبْنََاءُ اَللََّهِ وَ أَحِبََّاؤُهُ [المائدة: 18]فلا يعذبنا، و قولهم‏ لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80].

القول الثاني: أنه خطاب مع المسلمين، و أمانيهم أن يغفر لهم و إن ارتكبوا الكبائر، و ليس الأمر كذلك، فإنه تعالى يخص بالعفو و الرحمة من يشاء كما قال‏ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ [النساء: 116]و روي أنه تفاخر المسلمون و أهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم و كتابنا قبل كتابكم، و نحن أولى باللََّه منكم، و قال المسلمون: نبيّنا خاتم النبيّين، و كتابنا ناسخ الكتب، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية.

ثم قال تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شي‏ء من السيئات، و ليس لقائل أن يقول: هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة قالوا: الجواب عنه من وجهين. الأول: أن العام بعد التخصيص حجة، و الثاني: أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، فههنا قد وصل جزاء تلك المعصية إليه.

أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى: بَلى‏ََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ [البقرة: 81]و الذي نزيده في هذه الآية وجوه الأول: لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم و الهموم و الأحزان و الآلام و الأسقام، و الذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن و الخبر، أما القرآن فهو قوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا جَزََاءً بِمََا كَسَبََا [المائدة: 38]سمي ذلك القطع بالجزاء/و أما الخبر فما

روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي اللََّه عنه: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟فقال غفر اللََّه لك يا أبا بكر أ لست تمرض، أ ليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون.

و

عن عائشة رضي اللََّه عنها أن رجلا قرأ هذه الآية فقال:

أ نجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا، فبلغ النبي صلى اللََّه عليه و سلم كلامه فقال: يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده و ما يؤذيه،

و

عن أبي هريرة رضي اللََّه عنه: لما نزلت هذه الآية بكينا و حزنا و قلنا: يا رسول اللََّه ما أبقت هذه الآية لنا شيئا، فقال عليه الصلاة و السلام: «أبشروا فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها اللََّه له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه» .

الوجه الثاني في الجواب: هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم القيامة لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه و سائر طاعاته، و يدل عليه القرآن و الخبر و المعقول.

أما القرآن فقوله تعالى: إِنَّ اَلْحَسَنََاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئََاتِ [هود: 114].

و أما الخبر: فما

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، و قالوا يا رسول اللََّه و أينا لم يعمل سوأ فكيف الجزاء، فقال عليه الصلاة و السلام: «إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات و على المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة و بقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره» .

و أما المعقول: فهو أن ثواب الإيمان و جميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة و العدل‏

227

يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل، فيبقى حينئذ من الأكثر شي‏ء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة.

الوجه الثالث في الجواب: أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار، و الذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصََّالِحََاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ [النساء: 124] فالمؤمن الذي أطاع اللََّه سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية، و قولهم: خرج عن كونه مؤمنا فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، مثل قوله‏ وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا إلى قوله‏ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ [الحجرات: 9]سمي الباغي حال كونه باغيا مؤمنا، و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ [البقرة: 178]سمي صاحب القتل العمد العدوان مؤمنا، و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ [التحريم: 8]سماه مؤمنا حال ما أمره بالتوبة، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، و إذا كان مؤمنا كان قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصََّالِحََاتِ حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة، فوجب أن يكون قوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ مخصوصا بأهل الكفر.

الوجه الرابع في الجواب: هب أن النص يعم المؤمن و الكافر، و لكن قوله: وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء: 48]أخص منه و الخاص مقدم على العام، و لأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم، و إهمال الوعيد و حمله على التأويل بالتعريض جود و إحسان.

المسألة الثانية: دلّت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يتناول جميع المحرمات، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله يُجْزَ بِهِ يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم و الغموم في الدنيا.

قلنا: إنه لا بد و أن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة، و إذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعمهم في الدنيا أكثر و لذاتهم هاهنا أكمل، و لذلك‏

قال عليه الصلاة و السلام: «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر»

و إذا كان كذلك امتنع أن يقال: إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أن العبد فاعل، و دلت أيضا على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء، و إذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن اللََّه غير خالق لأفعال العباد، و ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما كان عملا للعبد امتنع كونه عملا للََّه تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين، و الثاني: أنه لو حصل بخلق اللََّه تعالى لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة و ذلك باطل، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله، و اعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب.

ثم قال تعالى: وَ لاََ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَلِيًّا وَ لاََ نَصِيراً .

قالت المعتزلة: دلت الآية على نفي الشفاعة، و الجواب من وجهين: الأول: أنا قلنا أن هذه الآية في حق الكفار. و الثاني: أن شفاعة الأنبياء و الملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن اللََّه تعالى، و إذا كان كذلك فلا ولي‏

228

لأحد و لا نصير لأحد إلا اللََّه سبحانه و تعالى ثم قال تعالى:

قال مسروق: لما نزل قوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: 123]قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن و أنتم سواء، فنزلت هذه الآية إلى قوله وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير و أبو بكر عن عاصم يدخلون الجنة بضم الياء و فتح الخاء على ما لم يسم فاعله، و كذلك في سورة مريم و في حم المؤمن، و الباقون بفتح الياء و ضم الخاء في هذه السورة جميعا على أن الدخول مضاف إليهم، و كلاهما حسن، و الأول أحسن لأنه أفخم، و يدل على مثيب أدخلهم الجنة و يوافق وَ لاََ يُظْلَمُونَ و أما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى: اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْوََاجُكُمْ [الزخرف: 70]و لقوله اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ* [الحجر: 46][ق: 34]و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قالوا: الفرق بين (من) الأولى و الثانية أن الأولى للتبعيض، و المراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحدا لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمنا استحق الثواب.

و اعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلدا في النار، بل ينقل إلى الجنة، و ذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن، و إذا ثبت هذا فنقول: إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى و صام و حج و زكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة، و لزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة، و المعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة.

فإن قيل: كيف خص اللََّه الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال‏ وَ مََا رَبُّكَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46]و قال‏ وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ [آل عمران: 108].

و الجواب من وجهين: الأول: أن يكون الراجع في قوله وَ لاََ يُظْلَمُونَ عائدا إلى عمال السوء/و عمال الصالحات جميعا، و الثاني: أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق، فذكر اللََّه تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق.

في قوله تعالى وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة و الفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنا شرح الإيمان و بين فضله من

229

وجهين: أحدهما: أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية و الخضوع و الانقياد للََّه تعالى، و الثاني: و هو أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و كل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام.

أما الوجه الأول: فاعلم أن دين الإسلام مبني على أمرين: الاعتقاد و العمل: أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ و ذلك لأن الإسلام هو الانقياد و الخضوع. و الوجه أحسن أعضاء الإنسان، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه و أقر بربوبيته و بعبودية نفسه فقد أسلم وجهه للََّه، و أما العمل فإليه الإشارة بقوله وَ هُوَ مُحْسِنٌ و يدخل فيه فعل الحسنات و ترك السيئات، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة و احتوائها على جميع المقاصد و الأغراض، و أيضا فقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه للََّه، و ما أسلم لغير اللََّه و هذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق و إظهار التبري من الحول و القوة، و أيضا ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير اللََّه، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام و يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند اللََّه، و الدهرية و الطبيعيون يستعينون. بالأفلاك و الكواكب و الطبائع و غيرها، و اليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: أنهم من أولاد الأنبياء، و النصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة، فجميع الفرق قد استعانوا بغير اللََّه. و أما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم للََّه لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم، و المعصية الموجبة لعقابهم من أنفسهم، فهم في/الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم و لا يخافون إلا أنفسهم، و أما أهل السنة الذين فوضوا التدبير و التكوين و الإبداع و الخلق إلى الحق سبحانه و تعالى، و اعتقدوا أنه لا موجد و لا مؤثر إلا اللََّه فهم الذين أسلموا وجوههم للََّه و عولوا بالكلية على فضل اللََّه، و انقطع نظرهم عن كل شي‏ء ما سوى اللََّه.

و أما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام: و هو أن محمدا عليه الصلاة و السلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى اللََّه تعالى كما قال:

إِنَّنِي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: 19]و ما كان يدعو إلى عبادة فلك و لا طاعة كوكب و لا سجدة صنم و لا استعانة بطبيعة، بل كان دينه الدعوة إلى اللََّه و الاعراض عن كل ما سوى اللََّه و دعوة محمد عليه الصلاة و السلام قد كان قريبا من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان و في الأعمال المتعلقة بالكعبة: مثل الصلاة إليها و الطواف بها و السعي و الرمي و الوقوف و الحلق و الكلمات العشر المذكورة في قوله‏ وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: 124]و لما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة و السلام كان قريبا من شرع إبراهيم ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل، و ذلك لأن العرب لا يفتخرون بشي‏ء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم، و أما اليهود و النصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به، و إذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولا عند الكل.

و أما قوله حَنِيفاً ففيه بحثان: الأول: يجوز أن يكون حالا للمتبوع، و أن يكون حالا للتابع، كما إذا قلت: رأيت راكبا، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالا للمرئي و الرائي.

البحث الثاني: الحنيف المائل، و معناه أنه مائل عن الأديان كلها، لأن ما سواه باطل، و الحق أنه مائل عن كل ظاهر و باطن، و تحقيق الكلام فيه أن الباطل و إن كان بعيدا من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريبا من الباطل الذي يجانسه، و أما الحق فإنه واحد فيكون مائلا عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة.

230

فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة و السلام نفس شرع إبراهيم، و على هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة و السلام صاحب شريعة مستقلة، و أنتم لا تقولون بذلك.

قلنا: يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة و السلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة و فوائد جليلة.

ثم قال تعالى: وَ اِتَّخَذَ اَللََّهُ إِبْرََاهِيمَ خَلِيلاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، و فيه وجهان: الأول: أن إبراهيم عليه السلام/لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه اللََّه خليلا كان جديرا بأن يتبع خلقه و طريقته. و الثاني: أنه لما ذكر ملة إبراهيم و وصفه بكونه حنيفا ثم قال عقيبه وَ اِتَّخَذَ اَللََّهُ إِبْرََاهِيمَ خَلِيلاً أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلا لأنه كان عالما بذلك الشرع آتيا بتلك التكاليف، و مما يؤكد هذا قوله‏ وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قََالَ إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً [البقرة: 124]و هذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماما للخلق لأنه أتم تلك الكلمات.

و إذا ثبت هذا فنقول: لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي و هو كونه خليلا للََّه تعالى بسبب أنه كان عاملا بتلك الشريعة كان هذا تنبيها على أن من عمل بهذا الشرع لا بدّ و أن يفوز بأعظم المناصب في الدين، و ذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين.

فإن قيل: ما موقع قوله وَ اِتَّخَذَ اَللََّهُ إِبْرََاهِيمَ خَلِيلاً .

قلنا: هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب، و نظيره ما جاء في الشعر من قوله:

و الحوادث جمة و الجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام، و الأمر هاهنا كذلك على ما بيناه.

المسألة الثانية: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوها: الأول: أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره و أسراره، و الذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه، و لا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة.

قيل: لما اطلع اللََّه إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى و الأسفل و دعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد اللََّه، و منعهم عن عبادة النجم و القمر و الشمس، و منعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران و ولده للقربان و ماله للضيفان جعله اللََّه إماما للخلق و رسولا إليهم، و بشره بأن الملك و النبوّة في ذريته، فلهذه الاختصاصات سماه خليلا، لأن محبة اللََّه لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات و المنافع إليه.

الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل: أنه الذي يوافقك في خلالك. أقول:

روي عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «تخلقوا بأخلاق اللََّه»

فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغا لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه اللََّه بهذا التشريف.

الوجه الثالث: قال صاحب «الكشاف» : إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك، من الخل و هو الطريق في الرمل، و هذا الوجه قريب من الوجه الثاني، أو يحمل ذلك على شدة طاعته للََّه و عدم تمرده في ظاهره و باطنه عن حكم اللََّه، كما أخبر اللََّه عنه بقوله‏ إِذْ قََالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قََالَ أَسْلَمْتُ/لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [البقرة: 131].

231

الوجه الرابع: الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله، و هذا القول ضعيف لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلا مع اللََّه امتنع أن يقال: إنه يسد الخلل، و من هاهنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك، أما المفسرون فقد ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوها: الأول: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانه دقيقا قالت امرأته: هذا من عند خليلك المصري، فقال إبراهيم: بل هو من خليلي اللََّه، و الثاني: قال شهر بن حوشب: هبط ملك في صورة رجل و ذكر اسم اللََّه بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجانا، فقال لك مالي كله، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة و لك أولادي، فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك و ولدك، و إنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل المال و الأولاد على سماع ذكر اللََّه لا جرم اتخذه اللََّه خليلا. الثالث: روى طاوس عن ابن عباس أن جبريل و الملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه و ظن الخليل أنهم أضيافه و ذبح لهم عجلا سمينا و قربه إليهم و قال كلوا على شرط أن تسموا اللََّه في أوله و تحمدوه في آخره، فقال جبريل أنت خليل اللََّه، فنزل هذا الوصف. و أقول: فيه عندي وجه آخر، و هو أن جوهر الروح إذا كان مضيئا مشرقا علويا قليل التعلق باللذات الجسمانية و الأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية و أفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية و الجلايا الإلهية، صار مثل هذا الإنسان متوغلا في عالم القدس و الطهارة متبرئا عن علائق الجسم و الحس، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا اللََّه، و لا يسمع إلا اللََّه، و لا يتحرك إلا باللََّه، و لا يسكن إلا باللََّه، و لا يمشي إلا باللََّه، فكان نور جلال اللََّه قد سرى في جميع قواه الجسمانية و تخلل فيها و غاص في جواهرها، و توغل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقا بأنه خليل لما أنه تخللت محبة اللََّه في جميع قواه، و إليه الإشارة

بقول النبي صلى اللََّه عليه و سلم في دعائه: «اللّهم اجعل في قلبي نورا و في سمعي نورا و في بصري نورا و في عصبي نورا» .

المسألة الثالثة: قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معنى على سبيل الإعزاز و التشريف، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الإعزاز و التشريف.

و جوابه: أن الفرق أن كونه خليلا عبارة عن المحبة المفرطة، و ذلك لا يقتضي الجنسية، أما/الابن فإنه مشعر بالجنسية، و جلّ الإله عن مجانسة الممكنات و مشابهة المحدثات.

ثم قال تعالى: وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، و فيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ اللََّه إبراهيم خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، و كيف يعقل ذلك و له ملك السموات و الأرض، و ما كان كذلك، فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف، و إنما اتخذه خليلا بمحض الفضل و الإحسان و الكرم، و لأنه لما كان مخلصا في العبودية لا جرم خصه اللََّه بهذا التشريف، و الحاصل أن كونه خليلا يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال و هم المجانسة و المشاكلة بهذا الكلام. و الثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من الأمر و النهي و الوعد و الوعيد، فبيّن هاهنا أنه إله المحدثات و موجد الكائنات و الممكنات، و من كان كذلك كان ملكا مطاعا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه و أن ينقاد

232

لأمره و نهيه. الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد و الوعيد و لا يمكن الوفاء بهما إلا عند حصول أمرين: أحدهما:

القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات و الممكنات. و الثاني: العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات و الكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع و العاصي و المحسن و المسي‏ء، فدل على كمال قدرته بقوله وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و على كمال علمه بقوله وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، و ذلك لأنه له ما في السموات و ما في الأرض، و يجري هذا مجرى قوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاََّ آتِي اَلرَّحْمََنِ عَبْداً [مريم: 93]و مجرى قوله‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلََّهِ وَ لاَ اَلْمَلاََئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ [النساء: 172]يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة و القوة في صفة العلم و الحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية اللََّه فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية اللََّه؟كذا هاهنا، يعني إذا كان كل من في السموات و الأرض ملكه في تسخيره و نفاذ/إلهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ اللََّه إبراهيم عليه السلام خليلا يخرجه عن عبودية اللََّه، و هذه الوجوه كلها حسنة متناسبة.

المسألة الثانية: إنما قال مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و لم يقل (من) لأنه ذهب مذهب الجنس، و الذي يعقل إذا ذكر و أريد به الجنس ذكر بما.

المسألة الثالثة: قوله: وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً فيه وجهان: أحدهما: المراد منه الإحاطة في العلم. و الثاني: المراد منه الإحاطة بالقدرة، كما في قوله تعالى‏ وَ أُخْرى‏ََ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهََا قَدْ أَحََاطَ اَللََّهُ بِهََا [الفتح: 21]قال القائلون بهذا القول: و ليس لقائل أن يقول لما دل قوله وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي /اَلْأَرْضِ على كمال القدرة، فلو حملنا قوله وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً على كمال القدرة لزم التكرار، و ذلك لأنا نقول: إن قوله لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ لا يفيد ظاهره إلا كونه تعالى قادرا مالكا لكل ما في السموات و ما في الأرض، و لا يفيد كونه قادرا على ما يكون خارجا عنهما و مغايرا لهما، فلما قال وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً دل على كونه قادرا على ما لا نهاية له من المقدورات خارجا عن هذه السموات و الأرض، على أن سلسلة القضاء و القدر في جميع الكائنات و الممكنات إنما تنقطع بإيجاده و تكوينه و إبداعه، فهذا تقرير هذا القول، إلا أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإلهية و الوفاء بالوعد و الوعيد إنما يحصل و يكمل بمجموع القدرة و العلم، فلا بدّ من ذكرهما معا، و إنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم باللََّه هو العلم بكونه قادرا، ثم بعد العلم بكونه قادرا يعلم كونه عالما لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة، و بما فيه من الأحكام و الإتقان يدل على العلم، و لا شك أن الأول مقدم على الثاني.

اعلم أن عادة اللََّه في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه و هو أنه يذكر شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب و يخلط بها آيات دالة على كبرياء اللََّه و جلال قدرته و عظمة إلهيته. ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام، و هذا أحسن أنواع الترتيب و أقربها إلى التأثير في القلوب،

233

لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلا إذا كان مقرونا بالوعد و الوعيد، و الوعد و الوعيد لا يؤثر في القلب إلا عند/القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد و الوعيد، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعا كثيرة من الشرائع و التكاليف، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين و المنافقين و استقصى في ذلك، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال اللََّه و كمال كبريائه، ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّسََاءِ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللََّه: الاستفتاء طلب الفتوى يقال: استفتيت الرجل في المسألة فأفتاني إفتاء و فتيا و فتوى، و هما اسمان موضوعان موضع الإفتاء، و يقال: أفتيت فلانا في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى: يُوسُفُ أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ أَفْتِنََا فِي سَبْعِ بَقَرََاتٍ سِمََانٍ [يوسف: 46]و معنى الإفتاء إظهار المشكل، و أصله من الفتى و هو الشاب الذي قوي و كمل، فالمعنى كأنه يقوى ببيانه ما أشكل و يصير قويا فتيا.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين: الأول: أن العرب كانت لا تورث النساء و الصبيان شيئا من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة، فهذه الآية نزلت في توريثهم. و الثاني: أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، و كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإذا كانت جميلة و لها مال تزوج بها و أكل مالها، و إذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها، فأنزل اللََّه هذه الآية.

المسألة الثالثة: اعلم أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء و إنما يقع عن حالة من أحوالهن و صفة من صفاتهن، و تلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء.

أما قوله تعالى: وَ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ ففيه أقوال: الأول: أنه رفع بالابتداء و التقدير: قل اللََّه يفتيكم في النساء، و المتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضا، و ذلك المتلو في الكتاب هو قوله‏ وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامى‏ََ [النساء: 3].

و حاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن اللََّه يفتيهم فيها، و ما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها.

و جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور: إن كتاب اللََّه بيّن لنا هذا الحكم، و كما جاز هذا جاز أيضا أن يقال: إن/كتاب اللََّه أفتى بكذا.

القول الثاني: أن قوله وَ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ مبتدأ و فِي اَلْكِتََابِ خبره، و هي جملة معترضة، و المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، و الغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليهم و أن العدل و الإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم الأمور عند اللََّه تعالى التي يجب مراعاتها و المحافظة عليها، و المخل بها ظالم متهاون بما عظمة اللََّه. و نظيره في تعظيم القرآن قوله‏ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: 4].

القول الثالث: أنه مجرور على القسم، كأنه قيل: قل اللََّه يفتيكم فيهن، و أقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، و القسم أيضا بمعنى التعظيم.

234

و القول الرابع: أنه عطف على المجرور في قوله فِيهِنَّ و المعنى: قل اللََّه يفتيكم فيهن و فيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، قال الزجاج: و هذا الوجه بعيد جدا نظرا إلى اللفظ و المعنى، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر، و ذلك غير جائز كما شرحناه في قوله‏ تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ [النساء: 1] و أما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في تلك المسائل أفتى و يفتي أيضا فيما يتلى من الكتاب، و معلوم أنه ليس المراد ذلك، و إنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل. بقي هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: بم تعلق قوله فِي يَتََامَى اَلنِّسََاءِ .

قلنا: هو في الوجه الأول صلة يُتْلى‏ََ أي يتلى عليكم في معناهن، و أما في سائر الوجوه فبدل من فِيهِنَّ .

السؤال الثاني: الإضافة في يَتََامَى اَلنِّسََاءِ ما هي؟ الجواب: قال الكوفيون: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: يوم الجمعة، و حق اليقين. و قال البصريون: إضافة الصفة إلى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس، و ذلك لأن الصفة و الموصوف شي‏ء واحد، و إضافة الشي‏ء إلى نفسه محال. و هذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد يبقى بدون الوصف، و ذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة، ثم أن البصريين فرعوا على هذا القول و قالوا: النساء في الآية غير اليتامى، و المراد بالنساء أمهات اليتامى أضيفت إليهن أولادهن اليتامى، و يدل عليه أن الآية نزلت في قصة أم كحة، و كانت لها يتامى.

ثم قال: اَللاََّتِي لاََ تُؤْتُونَهُنَّ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث، و هذا على قول من يقول:

نزلت الآية في ميراث اليتامى و الصغار، و على قول الباقين المراد بقوله مََا كُتِبَ/لَهُنَّ الصداق.

ثم قال تعالى: وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الرغبة و النفرة، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: و ترغبون في أن تنكحوهن، و إن حملته على النفرة كان المعنى: و ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن. و احتج أصحاب أبي حنيفة رحمه اللََّه بهذه الآية على أنه يجوز لغير الأب و الجد تزويج الصغيرة، و لا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد: و ترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، و الدليل على صحة قولنا:

أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد اللََّه بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة و رغب أمها في المال، فجاؤا إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فقال قدامة: أنا عمها و وصي أبيها، فقال النبي صلى اللََّه عليه و سلم: إنها صغيرة و إنها لا تزوج إلا بإذنها، و فرق بينها و بين ابن عمر،

و لأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، و ذلك لا يدل على الجواز.

ثم قال تعالى: وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلْوِلْدََانِ و هو مجرور معطوف على يتامى النساء كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال و لا النساء، و إنما يورثون الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال و النساء.

ثم قال تعالى: وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتََامى‏ََ بِالْقِسْطِ و هو مجرور معطوف على المستضعفين، و تقدير الآية: و ما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء و في المستضعفين و في أن تقوموا لليتامى بالقسط وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِهِ عَلِيماً يجازيكم عليه و لا يضيع عند اللََّه منه شي‏ء.

235

في قوله تعالى وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خََافَتْ مِنْ بَعْلِهََا نُشُوزاً أَوْ إِعْرََاضاً اعلم أن هذا من جملة ما أخبر اللََّه تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعضهم: هذه الآية شبيهة بقوله‏ وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجََارَكَ فَأَجِرْهُ [التوبة: 6]و قوله‏ وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا [الحجرات: 9]و هاهنا ارتفع اِمْرَأَةٌ بفعل يفسره خََافَتْ و كذا القول في جميع الآيات التي تلوناها و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال بعضهم: خافت أي علمت، و قال آخرون: ظنت، و كل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة، بل المراد نفس الخوف إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف، و تلك الأمارات هاهنا أن يقول الرجل لا مرأته: إنك دميمة أو شيخة و إني أريد أن أتزوج شابة جميلة، و البعل هو الزوج، و الأصل في البعل هو السيد، ثم سمي الزوج به لكونه كالسيد للزوجة، و يجمع البعل على بعولة، و قد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة: 228]و النشوز يكون من الزوجين و هو كراهة كل واحد منهما صاحبه، و اشتقاقه من النشز و هو ما ارتفع من الأرض، و نشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها و يعبس وجهه في وجهها و يترك مجامعتها و يسي‏ء عشرتها.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها: الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة و له منها أولاد و كانت شيخة فهم بطلاقها، فقالت لا تطلقني و دعني أشتغل بمصالح أولادي و اقسم في كل شهر ليالي قليلة، فقال الزوج: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي. و الثاني: أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة و السلام أن يطلقها، فالتمست أن يمسكها و يجعل نوبتها لعائشة، فأجاز النبي عليه الصلاة و السلام ذلك و لم يطلقها. و الثالث: روي عن عائشة أنها قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل و يريد الرجل أن يستبدل بها غيرها، فتقول: أمسكني و تزوج بغيري، و أنت في حل من النفقة و القسم.

المسألة الرابعة: قوله نُشُوزاً أَوْ إِعْرََاضاً المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما، و المراد من الإعراض السكوت عن الخير و الشر و المداعاة و الإيذاء، و ذلك لأن مثل هذا الإعراض يدل دلالة قوية على النفرة و الكراهة.

ثم قال تعالى: فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا أَنْ يُصْلِحََا بَيْنَهُمََا صُلْحاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي يُصْلِحََا بضم الياء و كسر اللام و حذف الألف من الإصلاح، و الباقون يصالحا بفتح الياء و الصاد، و الألف بين الصاد و اللام و تشديد الصاد من التصالح، و يصالحا في الأصل هو يتصالحا، فسكنت التاء و أدغمت في الصاد. و نظيره قوله/ اِدََّارَكُوا فِيهََا [الأعراف: 38]أصله تداركوا سكنت التاء و أبدلت بالدال لقرب المخرج و أدغمت في الدال، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار اداركوا.

236

إذا عرفت هذا فنقول: من قرأ يُصْلِحََا فوجهه أن الإصلاح عند التنازع و التشاجر مستعمل قال تعالى:

فَمَنْ خََافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ [البقرة: 182]و قال‏ أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ [النساء: 114]و من قرأ يصالحا و هو الاختيار عند الأكثرين قال: أن يصالحا معناه يتوافقا، و هو أليق بهذا الموضع و في حرف عبد اللََّه: فلا جناح عليهما أن صالحا، و انتصب صلحا في هذه القراءة على المصدر و كان الأصل أن يقال: تصالحا، و لكنه ورد كما في قوله‏ وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً [نوح: 17]و قوله‏ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً [المزمل: 8]و قول الشاعر:

و بعد عطائك المائة الرتاعا

المسألة الثانية: الصلح إنما يحصل في شي‏ء يكون حقا له، و حق المرأة على الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى، أما الوطء فليس كذلك، لأن الزوج لا يجبر على الوطء.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة، أو أسقطت عنه القسم، و كان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزا.

ثم قال تعالى: وَ اَلصُّلْحُ خَيْرٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف، و المفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا؟و الذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده، و ذكرنا الدلائل الكثيرة فيه.

و أما إذا قلنا: إنه يفيد العموم فههنا بحث، و هو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق؟الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى، و ذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملا و يخرج عن الإفادة، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: من الناس من حمل قوله وَ اَلصُّلْحُ خَيْرٌ على الاستغراق، و منهم من حمله على المعهود السابق، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة، و الأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة، و أما نحن فقد بينا أن حمل هذا/اللفظ على المعهود السابق أولى، فاندفع استدلالهم و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : هذه الجملة اعتراض، و كذلك قوله وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَّ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر أولا قوله فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا أَنْ يُصْلِحََا فقوله فَلاََ جُنََاحَ يوهم أنه رخصة، و الغاية فيه ارتفاع الإثم، فبيّن تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه و لا إثم فكذلك فيه خير عظيم و منفعة كثيرة، فإنهما إذا تصالحا على شي‏ء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز و الإعراض، أما قوله تعالى: وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَّ . ـ

237

فاعلم أن الشح هو البخل، و المراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها و حقها، و يحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها و كبر سنها و عدم حصول اللذة بمجانستها.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً و فيه وجوه: الأول: أنه خطاب مع الأزواج، يعني و إن تحسنوا بالإقامة على نسائكم و إن كرهتموهن و تيقنتم النشوز و الإعراض و ما يؤدي إلى الأذى و الخصومة فإن اللََّه كان بما تعملون من الإحسان و التقوى خبيرا، و هو يثيبكم عليه. الثاني: أنه خطاب للزوج و المرأة، يعني و إن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه و يحترز عن الظلم. الثالث: أنه خطاب لغيرهما، يعني أن تحسنوا في المصالحة بينهما و تتقوا الميل إلى واحد منهما. و حكى صاحب الكشاف: أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم، و امرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوما ثم قالت: الحمد للََّه، فقال مالك؟ فقالت حمدت اللََّه على أني و إياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت، و رزقت مثلك فصبرت، و قد وعد اللََّه بالجنة عباده الشاكرين و الصابرين.

ثم قال تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسََاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ و فيه قولان: الأول: لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع، و إذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به. قالت المعتزلة: فهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع و لا جائز الوقوع، و قد ذكرنا أن الأشكال لا زم عليهم في العلم و في الدواعي.

الثاني: لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال و الأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب، لأن الفعل بدون الداعي و مع قيام/الصارف محال.

ثم قال: فَلاََ تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ و المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، و لكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول و الفعل.

روى الشافعي رحمه اللََّه عليه عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه كان يقسم و يقول: «هذا قسمي فيما أملك و أنت أعلم بما لا أملك» .

ثم قال تعالى: فَتَذَرُوهََا كَالْمُعَلَّقَةِ يعني تبقى لا أيما و لا ذات بعل، كما أن الشي‏ء المعلق لا يكون على الأرض و لا على السماء، و في قراءة أبي: فتذروها كالمسجونة، و

في الحديث «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة و أحد شقيه مائل»

و

روي أن عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه بعث إلى أزواج رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بمال فقالت عائشة: إلى كل أزواج رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بعث عمر بمثل هذا؟فقالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا، و إلى غيرهن بغيره، فقالت للرسول ارفع رأسك و قل لعمر: إن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله و نفسه، فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعا.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ تُصْلِحُوا بالعدل في القسم وَ تَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض.

و قيل: المعنى: و إن تصلحوا ما مضى من ميلكم و تتداركوه بالتوبة، و تتقوا في المستقبل عن مثله غفر اللََّه‏

238

لكم ذلك، و هذا الوجه أولى لأن التفاوت في الميل القلبي لما كان خارجا عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ يَتَفَرَّقََا يُغْنِ اَللََّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ .

و اعلم أنه تعالى ذكر جواز الصلح إن أرادا ذلك، فإن رغبا في المفارقة فاللََّه سبحانه بيّن جوازه بهذه الآية أيضا، و وعد لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق، أو يكون المعنى أنه يغني كل واحد منهما بزوج خير من زوجه الأول، و يعيش أهنأ من عيشه الأول.

ثم قال: وَ كََانَ اَللََّهُ وََاسِعاً حَكِيماً و المعنى أنه تعالى لما وعد كل واحد منهما بأنه يغنيه من/سعته وصف نفسه بكونه واسعا، و إنما جاز وصف اللََّه تعالى بذلك لأنه تعالى واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذكر تعالى أنه واسع في كذا لا ختص ذلك بذلك المذكور، و لكنه لما ذكر الواسع و ما أضافه إلى شي‏ء معين دلّ على أنه واسع في جميع الكمالات، و تحقيقه في العقل أن الموجود إما واجب لذاته، و إما ممكن لذاته، و الواجب لذاته واحد و هو اللََّه سبحانه و تعالى، و ما سواه ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد اللََّه الواجب لذاته، و إذا كان كذلك كان كل ما سواه من الموجودات فإنما يوجد بإيجاده و تكوينه، فلزم من هذا كونه واسع العلم و القدرة و الحكمة، و الرحمة، و الفضل و الجود، و الكرم. و قوله حَكِيماً قال ابن عباس: يريد فيما حكم و وعظ و قال الكلبي: يريد فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان.

و في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلا من سعته، و أنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعا فقال وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ يعني/من كان كذلك فإنه لا بدّ و أن يكون واسع القدرة و العلم و الجود و الفضل و الرحمة. الثاني: أنه تعالى لما أمر بالعدل و الإحسان إلى اليتامى و المساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السموات و الأرض كيف يعقل أن يكون محتاجا إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف و القصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم و أخراهم.

ثم قال تعالى: وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيََّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اَللََّهَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المراد بالآية أن الأمر بتقوى اللََّه شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ و لا تبديل، بل هو وصية اللََّه في الأولين و الآخرين.