التفسير الكبير - ج13

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
5

الجزء الثالث عشر

تتمة سورة الأنعام‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في قوله تعالى وَ إِذََا جََاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِنََا في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في قوله وَ إِذََا جََاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِنََا فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته. و قال آخرون: بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم و إبعادهم، فأكرمهم اللََّه بهذا الإكرام. و ذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولا عن طردهم ثم أمره بان يكرمهم بهذا النوع من الإكرام.

قال عكرمة: كان النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم إذا رآهم بدأهم بالسلام و يقول: «الحمد للََّه الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام»

و عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما: أن عمر لما اعتذر من مقالته و استغفر اللََّه منها. و قال للرسول عليه السلام، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية. و قال بعضهم: بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب، ثم جاءوه صلّى اللََّه عليه و سلّم مظهرين للندامة و الأسف، فنزلت هذه الآية فيهم و الأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل من آمن باللََّه دخل تحت هذا التشريف.

ولي هاهنا إشكال، و هو: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، و إذا/كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟ المسألة الثانية: قوله: وَ إِذََا جََاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِنََا مشتمل على أسرار عالية، و ذلك لأن ما سوى اللََّه تعالى فهو آيات وجود اللََّه تعالى، و آيات صفات جلاله و إكرامه و كبريائه، و آيات وحدانيته، و ما سوى اللََّه فلا نهاية له، و ما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل التام، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات و يتوسل بمعرفتها إلى معرفة اللََّه تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسائح في تلك القفار، و كالسابح في تلك البحار. و لما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات، و هذا مشرع جملي لا نهاية لتفاصيله. ثم إن العبد إذا صار موصوفا بهذه الصفة فعند هذا أمر اللََّه محمدا صلّى اللََّه عليه و سلّم بأن يقول لهم سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ فيكون هذا التسليم بشارة لحصول السلامة. و قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ بشارة لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة. أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات و مركز الجسمانيات و معدن الآفات و المخالفات و موضع التغييرات و التبديلات، و أما الكرامات فبالوصول إلى الباقيات الصالحات و المجردات المقدسات، و الوصول إلى فسحة عالم الأنوار و الترقي إلى معارج سرادقات الجلال.

المسألة الثالثة: ذكر الزجاج عن المبرد. أن السلامة في اللغة أربعة أشياء، فمنها سلمت سلاما و هو معنى‏

6

الدعاء، و منها أنه اسم من أسماء اللََّه تعالى، و منها الإسلام، و منها اسم للشجر العظيم، أحسبه سمي بذلك لسلامته من الآفات، و هو أيضا اسم للحجارة الصلبة، و ذلك أيضا لسلامتها من الرخاوة. ثم قال الزجاج:

قوله: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ السلام هاهنا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليما و سلاما مثل السراح من التسريح، و معنى سلمت عليه سلاما، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه و نفسه. فالسلام بمعنى التسليم، و الثاني: أن يكون السلام جمع السلامة، فمعنى قولك السلام عليكم، السلامة عليكم. و قال أبو بكر بن الأنباري: قال قوم السلام هو اللََّه تعالى فمعنى السلام عليكم يعني اللََّه عليكم أي على حفظكم و هذا بعيد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله فَقُلْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ و لو كان معرفا لصح هذا الوجه. و أقول كتبت فصولا مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم و كتبتها في سورة التوبة، و هي أجنبية عن هذا الموضع فإذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث و اللََّه أعلم.

أما قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب. و لكمة «على» أيضا تفيد الإيجاب و مجموعهما مبالغة في الإيجاب. فهذا يقتضي كونه سبحانه راحما لعباده رحيما بهم على سبيل الوجوب و اختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا: له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء و أراد، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل و الكرم. و قالت المعتزلة: إن كونه عالما بقبح القبائح و عالما بكونه غنيا عنها، يمنعه من الإقدام على القبائح و لو فعله كان ظلما، و الظلم قبيح، و القبيح منه محال. و هذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول.

المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات اللََّه تعالى بالنفس و أيضا قوله تعالى: تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116]يدل عليه، و النفس هاهنا بمعنى الذات و الحقيقة، و أما بمعنى الجسم و الدم فاللََّه سبحانه و تعالى مقدس عنه. لأنه لو كان جسما لكان مركبا و المركب ممكن و أيضا أنه أحد، و الأحد لا يكون مركبا، و ما لا يكون مركبا لا يكون جسما و أيضا أنه غني كما قال‏ وَ اَللََّهُ اَلْغَنِيُّ و الغني لا يكون مركبا و ما لا يكون مركبا لا يكون جسما و أيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كان جسما لحصل له مثل، و ذلك باطل لقوله‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية و الحمد للََّه عليه.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ ينافي أن يقال: إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، و ينافي أن يقال: إنه يمنعه عن الإيمان، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان. و جواب أصحابنا: أنه ضار نافع محيي مميت، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة و فعل هذا القهر البالغ و لا منافاة بين الأمرين.

المسألة الرابعة: من الناس من قال: إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ كان هذا من قول اللََّه تعالى و من كلامه، فهذا يدل على أنه سبحانه و تعالى قال لهم في الدنيا: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ و تحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواما بأنه يقول لهم بعد الموت‏ سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]ثم إن أقواما أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في‏

7

حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا، و منهم من قال: لا، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة و السلام. و قوله: و على التقديرين فهو درجة عالية.

ثم قال تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهََالَةٍ ثُمَّ تََابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين/وصفهم بقوله: وَ إِذََا جََاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِنََا فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية، و المراد من قوله بِجَهََالَةٍ ليس هو الخطأ و الغلط، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة، بل المراد منه، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقة فإن اللََّه تعالى يقبل توبته.

المسألة الثانية: قرأ نافع أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بفتح الألف فَأَنَّهُ غَفُورٌ بكسر الألف، و قرأ عاصم و ابن عامر بالفتح فيهما، و الباقون بالكسر فيهما. أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم. و أما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلا من الأولى كقوله‏ أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذََا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُرََاباً وَ عِظََاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [المؤمنون: 85]و قوله‏ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاََّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ [الحج: 4]و قوله أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ [التوبة: 63]قال أبو علي الفارسي: من فتح الأولى فقد جعلها بدلا من الرحمة، و أما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرا تقديره، فله أنه غفور رحيم، أي فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون «أن» خبره كأنه قيل: فأمره أنه غفور رحيم. و أما من كسرهما جميعا فلأنه لما قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ فقد تم هذا الكلام، ثم ابتدأ و قال أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهََالَةٍ ثُمَّ تََابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فدخلت الفاء جوابا للجزاء، و كسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ و خبر كأنك قلت فهو غفور رحيم. إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج. و قرأ نافع الأولى بالفتح و الثانية بالكسر، لأنه أبدل الأولى من الرحمة، و استأنف ما بعد الفاء. و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهََالَةٍ قال الحسن: كل من عمل معصية فهو جاهل، ثم اختلفوا فقيل: إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب و ما استحقه من العقاب، و قيل: إنه و إن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل، و من آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل.

و حاصل الكلام أنه و إن لم يكن جاهلا إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل، و قيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه، و لم يعلم بأنها مفسدة و نظير هذه الآية قوله:

إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ [النساء: 17].

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ثُمَّ تََابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فقوله تََابَ إشارة إلى الندم على الماضي و قوله وَ أَصْلَحَ إشارة إلى كونه آتيا بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل. ثم قال: فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فهو غفور بسبب إزالة العقاب، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة. و اللََّه أعلم.

8

قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ اَلْمُجْرِمِينَ .

المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد و النبوة و القضاء و القدر، فكذلك نميز و نفصل لك دلائلنا و حججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل و قوله: و ليستبين سبيل المجرمين عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق و ليستبين، و حسن هذا الحذف لكونه معلوما و اختلف القراء في قوله ليستبين فقرأ نافع لِتَسْتَبِينَ بالتاء و سبيل بالنصب و المعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين.

و قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم ليستبين بالياء سَبِيلُ بالرفع و الباقون بالتاء و سَبِيلُ بالرفع على تأنيث سبيل. و أهل الحجاز يؤنثون السبيل، و بنو تميم يذكرونه. و قد نطق القرآن بهما فقال سبحانه‏ وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلرُّشْدِ لاََ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف: 146]و قال‏ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ يَبْغُونَهََا عِوَجاً [إبراهيم: 3].

فإن قيل: لم قال ليستبين سبيل المجرمين و لم يذكر سبيل المؤمنين.

قلنا: ذكر أحد القسمين يدل على الثاني. كقوله‏ سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ [النحل: 81]و لم يذكر البرد.

و أيضا فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر و الحق و الباطل لا واسطة بينهما، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضا لا محالة.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ إلى قوله وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ قوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ قُلْ لاََ أَتَّبِعُ أَهْوََاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ‏`قُلْ إِنِّي عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ مََا عِنْدِي مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق و ليستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهي عن سلوك سبيلهم. فقال: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ و بين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى و التقليد، لا على سبيل الحجة و الدليل، لأنها جمادات و أحجار و هي أخس مرتبة من الإنسان بكثير، و كون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل. و أيضا أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام و يركبونها، و من المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله و مصنوعه. فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى. و مضادة للهدى، و هذا هو المراد من قوله قُلْ لاََ أَتَّبِعُ أَهْوََاءَكُمْ ثم قال: قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال و ما أنا من المهتدين في شي‏ء. و المقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك. }و لما نفي أن يكون الهوى متبعا، نبه على‏

9

ما يجب اتباعه بقوله: قُلْ إِنِّي عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي في أنه لا معبود سواه. و كذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره.

و اعلم أنه عليه الصلاة و السلام، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك. و القوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب. فقال تعالى قل يا محمد: مََا عِنْدِي مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني قولهم‏ اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: 32] و المراد أن ذلك العذاب ينزله اللََّه في الوقت الذي أراد إنزاله فيه. و لا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره. ثم قال: إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ و هذا مطلق يتناول الكل. و المراد هاهنا إن الحكم إلا للََّه فقط في تأخير عذابهم يقضي الحق أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير و التعجيل وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ أي القاضين، و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله: إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى اللََّه به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى اللََّه به و حكم به. و كذلك في جميع الأفعال. و الدليل عليه أنه تعالى قال: إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ و هذا يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا للََّه. و احتج المعتزلة بقوله:

يقضي الحق و معناه أن كل ما قضى به فهو الحق. و هذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر. و لا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق. و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و نافع و عاصم يَقُصُّ اَلْحَقَّ بالصاد من القصص، يعني أن كل ما أنبأ اللََّه به و أمر به فهو من أقاصيص الحق، كقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ [يوسف: 3]و قرأ الباقون يقض الحق و المكتوب في المصاحف «يقض» بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا سَنَدْعُ اَلزَّبََانِيَةَ [العلق: 18] فَمََا تُغْنِ اَلنُّذُرُ [القمر: 5]و قوله: يقضى الحق قال الزجاج: فيه وجهان: جائز أن يكون اَلْحَقَّ صفة المصدر و التقدير: يقض القضاء الحق. و يجوز أن يكون يقض الحق يصنع الحق، لأن كل شي‏ء صنعه اللََّه فهو حق. و على هذا التقدير اَلْحَقَّ يكون مفعولا به و قضى/بمعنى صنع. قال الهذلي:

و عليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع‏

أي صنعهما داود و احتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله: وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ قال و الفصل يكون في القضاء، لا في القصص.

أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص هاهنا بمعنى القول. و قد جاء الفصل في القول قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: 13]و قال: أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: 1]و قال: نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ* [الأعراف:

32].

10

في قوله تعالى قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِالظََّالِمِينَ اعلم أن المعنى لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي في قدرتي و إمكاني مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، و اقتصاصا من تكذيبكم به. و لتخلصت سريعا وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِالظََّالِمِينَ و بما يجب في الحكمة من وقت عقابهم و مقداره، و المعنى: إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين.

و اللََّه تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته، و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ إلى قوله إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ وَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ مََا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاََّ يَعْلَمُهََا وَ لاََ حَبَّةٍ فِي ظُلُمََاتِ اَلْأَرْضِ وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ .

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِالظََّالِمِينَ يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شي‏ء فهو يعجل ما تعجيله أصلح و يؤخر ما تأخيره أصلح. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: المفاتح جمع مفتح. و مفتح، و المفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به و المفتح بفتح الميم الخزانة و كل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح، قال الفراء في قوله تعالى: مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: 76]يعنى خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح يتوصل بها إلى ما الخزائن أما على التقدير الأول. فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لان المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق و الأقفال فالعالم بتلك المفاتيح و كيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق و الأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك هاهنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة و قرئ مفاتيح و أما على التقدير الثاني فالمعنى و عنده خزائن الغيب. فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب، و على التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات كما في قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21]و للحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا: ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول و أن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة. قالوا: و إذا ثبت هذا فنقول: الموجود إما أن يكون واجبا لذاته، و إما أن يكون ممكنا لذاته، و الواجب لذاته ليس إلا اللََّه سبحانه و تعالى. و كل ما سواه فهو ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته و كل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه. إما بغير واسطة واحدة و إما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا و عرضا. إذا ثبت هذا فنقول: علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني. و قد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر، و لما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة.

ثم اعلم أن هاهنا دقيقة أخرى، و هي: أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام و الكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس و الخيال و ألفوا استحضار

11

المعقولات المجردة، و مثل هذا الإنسان يكون كالنادر و قوله: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا. و القرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق. فههنا طريق آخر و هو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد، و الأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون، لأنه قال أولا:

وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا/إِلاََّ هُوَ ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال: وَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ و ذلك لأن أحد أقسام معلومات اللََّه هو جميع دواب البر، و البحر، و الحس، و الخيال قد وقف على عظمة أحوال البر و البحر، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول.

و فيه دقيقة أخرى و هي: إنه تعالى قدم ذكر البر، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر، و كثرة ما فيه من المدن و القرى و المفاوز و الجبال و التلال، و كثرة ما فيها من الحيوان و النبات و المعادن. و أما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر و طولها و عرضها أعظم و ما فيها من الحيوانات و أجناس المخلوقات أعجب. فإذا استحضر الخيال صورة البحر و البر على هذه الوجوه. ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ فيصير هذا المثال المحسوس مقويا و مكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ بذكر البر و البحر كشف عن عظمة البر و البحر بقوله: وَ مََا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاََّ يَعْلَمُهََا و ذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن و القرى و المفاوز و الجبال و التلال، ثم يستحضر كم فيها من النجم و الشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا و الحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه و هو قوله: وَ لاََ حَبَّةٍ فِي ظُلُمََاتِ اَلْأَرْضِ و ذلك لأن الحبة في غاية الصغر و ظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام و أعظمها مخفيا فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها و عظمتها لا تخرج عن علم اللََّه تعالى ألبتة، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة و جلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ بحيث تتحير العقول فيها و تتقاصر الأفكار و الألباب عن الوصول إلى مباديها، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال: وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ و هو عين المذكور في قوله:

وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية. و من اللََّه التوفيق.

المسألة الثانية: المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره و أعراضه على سبيل الأحكام و الإتقان، و من كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها و الحكماء قالوا: إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات، و العلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها:

و اعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية و ذلك/لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر. فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات و الزمانيات من حيث إنها متغيرة و زمانية و ذلك هو المطلوب. ـ

12

المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ يدل على كونه تعالى منزها عن الضد و الند و تقريره: أن قوله: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ يفيد الحصر، أي عنده لا عند غيره. و لو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر، و حينئذ يبطل الحصر. و أيضا فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه. و تقريره: أن المبدأ لحصول العلم بالآثار و النتائج و الصنائع هو العلم بالمؤثر و المؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه. فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر و العلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر. فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه. و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قرئ و لا حبة و لا رطب و لا يابس بالرفع و فيه وجهان: الأول: أن يكون عطفا على محل من ورقة و أن يكون رفعا على الابتداء و خبره إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ كقولك: لا رجل منهم و لا امرأة إلا في الدار.

المسألة الخامسة: قوله: إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ فيه قولان: الأول: أن ذلك الكتاب المبين هو علم اللََّه تعالى لا غير. و هذا هو الصواب. و الثاني: قال الزجاج: يجوز أن يكون اللََّه جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز و جل: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا [الحديد: 22]و فائدة هذا الكتاب أمور: أحدها: أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم اللََّه تعالى في المعلومات و أنه لا يغيب عنه مما في السموات و الأرض شي‏ء. فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له. و ثانيها: يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة و الحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب و إعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شي‏ء: لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب و لا عقاب و لا تكليف فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب و العقاب أولى.

و ثالثها: أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم، و إلا لزم الجهل. فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها و إلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما و سببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر و تأخر/ما تقدم كما قال صلوات اللََّه عليه: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» و اللََّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية و هو كونه قادرا على نقل الذوات من الموت إلى الحياة و من النوم إلى اليقظة و استقلاله بحفظها في جميع الأحوال و تدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم و اليقظة.

فأما قوله: اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ بِاللَّيْلِ فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك و التمييز كما قال جل جلاله‏ اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ

13

عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: 42]، فاللََّه جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت، و هاهنا بحث: و هو أن النائم لا شك أنه حي و متى كان حيا لم تكن روحه مقبوضة ألبتة، و إذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن اللََّه توفاه فلا بد هاهنا من تأويل و هو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلا عن بعض الأعمال، و عند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال، فحصل بين النوم و بين الموت مشابهة من هذا الاعتبار، فصح إطلاق لفظ الوفاة و الموت على النوم من هذا الوجه. ثم قال: وَ يَعْلَمُ مََا جَرَحْتُمْ بِالنَّهََارِ يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى: وَ مََا عَلَّمْتُمْ مِنَ اَلْجَوََارِحِ و المراد منها الكواسب من الطير و السباع واحدتها جارحة. قال تعالى: اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئََاتِ أي اكتسبوا. و بالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح.

ثم قال تعالى: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي يرد إليكم أرواحكم في النهار، و البعث هاهنا اليقظة. ثم قال:

لِيُقْضى‏ََ أَجَلٌ مُسَمًّى أي أعماركم المكتوبة، و هي قوله: وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ و المعنى يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم، و معنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام، و معنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولا ثم يوقظهم ثانيا كان ذلك جاريا مجرى الأحياء بعد الإماتة، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث و القيامة. فقال: ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في ليلكم و نهاركم و في جميع أحوالكم و أعمالكم.

قوله تعالى و هو القاهر فوق عباده‏ اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة اللََّه تعالى و كمال حكمته. و تقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان و الجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر و القدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى و أنفذ و منه قوله تعالى: يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10]و مما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، و الفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهورا. و تقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين و الإيجاد، و الثاني:

أنه قهار للوجود بالإفناء و الإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة و من الوجود إلى العدم أخرى. فلا وجود إلا بإيجاده و لا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. و الثالث: أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة و الظلمة بالنور، و النهار بالليل و الليل بالنهار. و تمام تقريره في قوله: قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشََاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشََاءُ [آل عمران: 26].

و إذا عرفت منهج الكلام. فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد، فالفوق ضده التحت،

14

و الماضي ضده المستقبل، و النور ضده الظلمة، و الحياة ضدها الموت، و القدرة ضدها العجز. و تأمل في سائل الأحوال و الصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية و العجز و النقصان، و حصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا قادرا قاهرا منزها عن الضد و الند، مقدسا عن الشبيه و الشكل.

كما قال: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ و الرابع: أن هذا/البدن مؤلف من الطبائع الأربع. و هي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع و الخاصة فاجتماعها لا بد و أن يكون بقسر قاسر و أخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، و هو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج و اعتدال الأمشاج، و القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، و السابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع. فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا اللََّه تعالى، كما قال: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ و أيضا فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، و الروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة و المباعدة. ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر و القدرة، و جعل كل واحد منهما مستكملا بصاحبه منتفعا بالآخر. فالروح تصون البدن عن العفونة و الفساد و التفرق، و البدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، و المعارف الإلهية، فهذا الاجتماع و هذا الانتفاع ليس إلا بقهر اللََّه تعالى لهذه الطبائع، كما قال وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ و أيضا فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، و مكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة و الترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض. فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل و الترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة و على الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من اللََّه يجري مجرى القهر فكان قاهرا لعباده من هذه الجهة، و إذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات و المبدعات و العلويات و السفليات و الذوات و الصفات كلها مقهورة تحت قهر اللََّه مسخرة تحت تسخير اللََّه تعالى، كما قال: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ .

و أما قوله تعالى: وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً البحث الأول‏ فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم و هؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى: لَهُ مُعَقِّبََاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ [الرعد: 11] و قوله: مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]و قوله: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحََافِظِينَ*`كِرََاماً كََاتِبِينَ [الانفطار: 10، 11]و اتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال. ثم اختلفوا فمنهم من يقول: انهم يكتبون الطاعات و المعاصي و المباحات بأسرها بدليل قوله تعالى: مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا [الكهف: 49]و

عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه و الآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، و إذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها، فإن لم يتب كتب عليه.

و القول الأول: أقوى لأن قوله تعالى:

وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يفيد حفظة الكل من غير تخصيص.

و البحث الثاني: أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال و الأفعال، أما على صفات القلوب و هي العلم و الجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها. أما في الأقوال، فلقوله تعالى: مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ و أما في الأعمال فلقوله تعالى: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحََافِظِينَ*`كِرََاماً

15

كََاتِبِينَ*`يَعْلَمُونَ مََا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10-12]فأما الإيمان و الكفر و الإخلاص و الإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها.

البحث الثالث: ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوها: الأول: أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله و يكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح. الثاني: يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف فممكن. الثالث: يفعل اللََّه ما يشاء و يحكم ما يريد. و يجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة و أما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه:

الوجه الأول: قال المتأخرون منهم: وَ هُوَ اَلْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ و من جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة و مزج بين العناصر المتنافرة، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة و القوى الحسية و الحركية و النطقية فقالوا المراد من قوله: وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً تلك النفوس و القوى، فإنها هي التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها.

و الوجه الثاني: و هو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية و الأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة، بماهياتها، فبعضها خيرة و بعضها شريرة و كذا القول في الذكاء و البلادة و الحرية و النذالة و الشرف و الدناءة و غيرها من الصفات و لكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق و السيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها و مناماتها تارة على سبيل الرؤيا، و أخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادئ من عالم الأفلاك، و كذا الأرواح الخيرة و تلك المبادئ تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع و الأخلاق تامة كاملة، و هذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته و لأصحاب الطلسمات و العزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير.

و القول الثالث: النفس المتعلقة بهذا الجسد. لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد/لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة و الماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة و الموافقة و هي أيضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن و تصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه و إذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا و اللََّه أعلم.

أما قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا فههنا أبحاث:

البحث الأول: أنه تعالى قال: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا [الزمر: 42] و قال: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]فهذان النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من اللََّه تعالى. ثم قال: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ [السجدة: 11]و هذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت. ثم قال في هذه الآية:

تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة.

و الجواب: أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة اللََّه تعالى، و هو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت،

16

و هو الرئيس المطلق في هذا الباب، و له أعوان و خدم و أنصار، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة و اللََّه أعلم:

البحث الثاني: من الناس من قال: هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة، و هم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر اللََّه، و عند مجي‏ء الموت يتوفونهم، و الأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة، و لا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني، و أيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة و الخير و الراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن و الغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح و الراحة و الريحان، و بعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادئ الكرب و الغم و الأحزان.

البحث الثالث: الظاهر من قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح، و المراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية: أتباعه، و أشياعه عن مجاهد: جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، و ما من أهل بيت إلا و يطوف عليهم في كل يوم مرتين، و جاء في الأخبار من صفات ملك الموت و من كيفية موته عند فناء الدنيا و انقضائها أحوال عجيبة.

و البحث الرابع: قرأ حمزة: توفاه بالألف ممالة و الباقون بالتاء، فالأول لتقديم الفعل، /و لأن الجمع قد يذكر، و الثاني على تأنيث الجمع.

أما قوله تعالى: وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ أي لا يقصرون فيما أمرهم اللََّه تعالى به، و هذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به. و قوله في صفة ملائكة النار: لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف، و كل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق. أما قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ ففيه مباحث: الأول: قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضا أولئك الملائكة. و قيل: بل المردودون البشر، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى اللََّه. و اعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد و يدل على أنه بعد الموت يرد إلى اللََّه، و الميت مع كونه ميتا لا يمكن أن يرد إلى اللََّه لأن ذلك الرد ليس بالمكان و الجهة، لكونه تعالى متعاليا عن المكان و الجهة، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسرا بكونه منقادا لحكم اللََّه مطيعا لقضاء اللََّه، و ما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه، فثبت أنه حصل هاهنا موت و حياة أما الموت، فنصيب البدن: فبقي أن تكون الحياة نصيبا للنفس و الروح و لما قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ و ثبت أن المرد و هو النفس و الروح، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس و الروح، و هو المطلوب.

و اعلم أن قوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال: إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن، و نظيره قوله تعالى: اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ [الفجر: 28]و قوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [يونس: 4]و

نقل عن النبي صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «خلق اللََّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام»

و حجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفها في «الكتب العقلية» .

17

البحث الثاني: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغاية فقوله إلى اللََّه يشعر بإثبات المكان و الجهة للََّه تعالى و ذلك باطل فوجب حمله على أنهم ردوا إلى حيث لا مالك و لا حاكم سواه.

البحث الثالث: أنه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين: أحدهما المولى، و قد عرفت أن لفظ المولى، و لفظ الولي مشتقان من الولي: أي القرب، و هو سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن لقوله تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ [ق: 16]و قوله: مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ [المجادلة: 7]و أيضا المعتق يسمى بالمولى، و ذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب، و هو المراد من قوله: «سبقت/رحمتي غضبي» و أيضا أضاف نفسه إلى العبد فقال: مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ و ما أضافهم إلى نفسه و ذلك نهاية الرحمة، و أيضا قال: مولاهم الحق، و المعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة و هي النفس و الشهوة و الغضب كما قال: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ [الجاثية: 23]فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة، و انتقل إلى تصرفات المولى الحق.

و الاسم الثاني الحق: و اختلفوا هل هو من أسماء اللََّه تعالى، فقيل: الحق مصدر. و هو نقيض الباطل، و أسماء المصادر لا تجري على الفاعلين إلا مجازا كقولنا فلان عدل و رجاء و غياث و كرم و فضل، و يمكن أن يقال: الحق هو الموجود و أحق الأشياء بالموجودية هو اللََّه سبحانه لكونه واجبا لذاته، فكان أحق الأشياء بكونه حقا هو هو، و اعلم أنه قرئ الحق بالنصب على المدح كقولك الحمد للََّه الحق.

أما قوله: أَلاََ لَهُ اَلْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ اَلْحََاسِبِينَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: أَلاََ لَهُ اَلْحُكْمُ معناه أنه لا حكم إلا للََّه. و يتأكد ذلك بقوله: إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ* ، و ذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على شي‏ء إلا اللََّه، و ذلك يوجب أن الخير و الشر كله بحكم اللََّه و قضائه، فلو لا أن اللََّه حكم للسعيد بالسعادة و الشقي بالشقاوة، و إلا لما حصل ذلك.

المسألة الثانية: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب و المعصية لا توجب العقاب، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على اللََّه حكم، و هو أخذ الثواب، و ذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا للََّه.

المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام اللََّه تعالى. قال لو كان كلامه قديما لوجب أن يكون متكلما بالمحاسبة. الآن: و قبل خلقه، و ذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم و أصحابنا عارضوه بالعلم، فإنه تعالى كان قبل الخلق عالما بأنه سيوجد، و بعد وجوده صار عالما بأنه قبل ذلك وجد، فلم يلزم منه تغير العلم، فلم لا يجوز مثله في الكلام. و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في كيفية هذا الحساب، فمنهم من قال: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة، لا يشغله كلام عن كلام، و منهم من قال بل يأمر الملائكة حتى أن كل واحد من الملائكة يحاسب واحدا من العباد، لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم، و ذلك باطل لقوله تعالى في صفة الكفار، وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ* [آل عمران: 77]، و أما الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب، و هو أنه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين. ـ

18

فالمقدمة الأولى: أن كثرة الأفعال و تكررها توجب حدوث الملكات الراسخة القوية الثابتة و الاستقراء التام يكشف عن صحة ما ذكرناه. ألا ترى أن كل من كانت مواظبته على عمل من/الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك العمل منه فيه أقوى.

المقدمة الثانية: إنه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملكة الراسخة، وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة، بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة، و العقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة.

المثال الأول: أنا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف من فإنها تغوص في الماء بقدر شبر واحد، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من الحنطة، فهذا القدر من إلقاء الجسم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل، و إن قلت و بلغت في القلة إلى حيث لا يدركها الحس و لا يضبطها الخيال.

المثال الثاني: أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط أشكالها الطبيعية كرات فسطح الماء يجب أن يكون كرة و القسي المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة، فإن تحدب القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة الصغرى و إذا كان الأمر كذلك فالكوز إذا ملئ من الماء، و وضع تحت الجبل كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته عند ما يوضع الكوز فوق الجبل، و منى كانت الحدبة أعظم و أكثر كان احتمال الماء بالكوز أكثر، فهذا يوجب أن احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل، إلا أن هذا القدر من التفاوت بحيث لا يفي بإدراكه الحس و الخيال لكونه في غاية القلة.

و المثال الثالث: إن الإنسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر، فإن رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما، لأن الأجرام الثقيلة تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، إلا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي بإدراكه الحس و الخيال.

فإذا عرفت هذه الأمثلة: و عرفت أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات فنقول: لا فعل من أفعال الخير و الشر بقليل و لا كثير إلا و يفيد حصول أثر في النفس. إما في السعادة، و إما في الشقاوة، و عند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏`وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8]و لما ثبت أن الأفعال توجب حصول الملكات و الأفعال الصادرة من اليد، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة، و كذلك الأفعال الصادرة من الرجل، فلا جرم تكون الأيدي و الأرجل شاهدة يوم القيامة على الإنسان، بمعنى أن تلك الآثار النفسانية، إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح، فكان صدور تلك/الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جاريا مجرى الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النفس، و أما الحساب: فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدخل و الخرج، و لما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير و الشر أثرا في حصول هيئة من هذه الهيئات في جوهر النفس، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات المذمومة الخسيسة، و لا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة. فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض، و بعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق‏

19

الحميد، و قدر آخر من الخلق الذميم، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد، و مقدار ذلك الخلق الذميم، و ذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم، و هو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية، و اللََّه العالم بحقائق الأمور.

اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، و كمال الرحمة و الفضل و الإحسان.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ بالتشديد في الكلمتين، و الباقون بالتخفيف. قال الواحدي: و التشديد و التخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمزة، و إن شئت نقلت بتضعيف العين: مثل: أفرحته و فرحته، و أغرمته و غرمته، و في القرآن‏ فَأَنْجَيْنََاهُ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ* [الأعراف:

72]و في آية أخرى‏ وَ نَجَّيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا [فصلت: 18]و لما جاء التنزيل باللغتين معا ظهر استواء القراءتين في الحسن، غير أن الاختيار التشديد، لأن ذلك من اللََّه كان غير مرة، و أيضا قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء و الباقون بالضم، و هما لغتان، و على هذا الاختلاف في سورة الأعراف، و عن الأخفش في خفية و خفية أنهما لغتان، و أيضا الخفية من الإخفاء، /و الخفية من الرهب، و أيضا ( لَئِنْ أَنْجَيْتَنََا من هذه. قرأ عاصم و حمزة و الكسائي لَئِنْ أَنْجََانََا على المغايبة، و الباقون‏ لَئِنْ أَنْجَيْتَنََا على الخطاب، فأما الأولون:

و هم الذين قرءوا على المغايبة، فقد اختلفوا. قرأ عاصم بالتفخيم، و الباقون بالإمالة، و حجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ، و ما بعده مذكور بلفظ المغايبة، فأما ما قبله فقوله: تَدْعُونَهُ و أما ما بعده فقوله: قُلِ اَللََّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهََا و أيضا فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الإضمار، و التقدير: يقولون لئن أنجيتنا، و الإضمار خلاف الأصل. و حجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى: لَئِنْ أَنْجَيْتَنََا مِنْ هََذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ .

المسألة الثانية: ظُلُمََاتِ اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ مجاز عن مخاوفهما و أهوالهما. يقال: لليوم الشديد يوم مظلم.

و يوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت كالليل، و حقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه، و يشتبه عليه كيفية الخروج، و يظلم عليه طريق الخلاص، و منهم من حمله على حقيقته فقال: أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل، و ظلمة البحر و ظلمة السحاب، و يضاف الرياح الصعبة و الأمواج الهائلة إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص و عظم الخوف، و أما ظلمات البر فهي ظلمة الليل و ظلمة السحاب و الخوف الشديد من هجوم الأعداء، و الخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب، و المقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى اللََّه تعالى، و هذا الرجوع يحصل ظاهرا و باطنا، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة اللََّه تعالى، و ينقطع رجاؤه عن كل ما سوى اللََّه تعالى، و هو المراد من‏

20

قوله: تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة و الخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى اللََّه، و لا تعويل إلا على فضل اللََّه، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال و الأوقات، لكنه ليس كذلك، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة و النجاة. يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية، و يقدم على الشرك، و من المفسرين من يقول: المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام و الأوثان، و أنا أقول: التعلق بشي‏ء مما سوى اللََّه في طريق العبودية يقرب من أن يكون تعلقا بالوثن، فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي، و لفظ الآية يدل على أن عند حصول هذه الشدائد يأتي الإنسان بأمور: أحدها: الدعاء. و ثانيها:

التضرع. و ثالثها: الإخلاص بالقلب، و هو المراد من قوله: وَ خُفْيَةً و رابعها: التزام الاشتغال بالشكر، و هو المراد من قوله: لَئِنْ أَنْجَيْتَنََا مِنْ هََذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ ثم بين تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف، و من سائر موجبات الخوف و الكرب. ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك، و نظير هذه الآية قوله: / ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاََّ إِيََّاهُ و قوله‏ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ و بالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك. إذا شاهدوا الأمر الهائل أخصلوا، و إذا انتقلوا إلى الأمن و الرفاهية أشركوا به.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد و هو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادرا على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة، و أما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم، و تارة من تحت أرجلهم ففيه قولان: الأول: حمل اللفظ على حقيقته فنقول: العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق، كما في قصة نوح و الصاعقة النازلة عليهم من فوق. و كذا الصيحة النازلة عليهم من فوق. كما حصب قوم لوط، و كما رمى أصحاب الفيل، و أما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم. فمثل الرجفة، و مثل خسف قارون. و قيل: هو حبس المطر و النبات و بالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق، و ظهورها من أسفل.

القول الثاني: أن يحمل هذا اللفظ على مجازه. قال ابن عباس: في رواية عن عكرمة عذابا من فوقكم أي من الأمراء، و من تحت أرجلكم من العبيد و السفلة. أما قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً فاعلم أن الشيع جمع الشيعة، و كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة و الجمع شيع و أشياع. قال تعالى: كَمََا فُعِلَ بِأَشْيََاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سبأ: 54]و أصله من الشيع و هو اتبع، و معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا. قال الزجاج قوله: يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقا و لا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا و هو معنى قوله: وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ

عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما: لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول عليه/الصلاة و السلام و قال: «ما بقاء أمتي إن عوملوا بذلك» فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك، فسأل ربه أن لا يفعل بهم ذلك. فقال جبريل: إن اللََّه قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذابا من فوقهم كما بعثه على قوم نوح و لوط، و لا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون و لم يجرهم من أن يلبسهم شيعا بالأهواء المختلفة و يذيق بعضهم بأس بعض‏

21

بالسيف.

و

عن النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم: «إن أمتي ستفترق على ثنتين و سبعين فرقة الناجية فرقة» و في رواية أخرى كلهم في الجنة إلا الزنادقة.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً هو أنه تعالى يحملهم على الأهواء المختلفة و المذاهب المتنافية. و ظاهر أن الحق منها ليس إلا الواحد، و ما سواه فهو باطل فهذا يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على الاعتقاد الباطل و قوله: وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ لا شك أن أكثرها ظلم و معصية، فهذا يدل على كونه تعالى خالقا للخير و الشر، أجاب الخصم عنه بأن الآية تدل على أن اللََّه تعالى قادر عليه و عندنا اللََّه قادر على القبيح. إنما النزاع في أنه تعالى هل يفعل ذلك أم لا؟ و الجواب: أن وجه التمسك بالآية شي‏ء آخر فإنه قال: هُوَ اَلْقََادِرُ على ذلك و هذا يفيد الحصر فوجب أن يكون غير اللََّه غير قادر على ذلك و هذا الاختلاف بين الناس حاصل و ثبت بمقتضى الحصر المذكور أن لا يكون ذلك صادرا عن غير اللََّه فوجب أن يكون صادرا عن اللََّه و ذلك يفيد المطلوب.

المسألة الثالثة: قالت المقلدة و الحشوية: هذه الآية من أدل الدلائل على المنع من النظر و الاستدلال، و ذلك لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف و المنازعة في الأديان و تفرق الخلق إلى المذاهب و الأديان و ذلك مذموم بحكم هذه الآية، و المفضي إلى المذموم مذموم، فوجب أن يكون فتح باب النظر و الاستدلال في الدين مذموما و جوابه سهل و اللََّه أعلم.

ثم قال تعالى في آخر الآية: اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ قال القاضي: هذا يدل على أنه تعالى أراد بتصريف هذه الآيات و تقرير هذه البينات، أن يفهم الكل تلك الدلائل و يفقه الكل تلك البينات.

و جوابنا: بل ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه و فهم، فأما من أعرض و تمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم و اللََّه أعلم.

الضمير في قوله: وَ كَذَّبَ بِهِ إلى ماذا يرجع فيه أقوال: الأول: أنه راجع إلى العذاب المذكور في الآية السابقة وَ هُوَ اَلْحَقُّ أي لا بد و أن ينزل بهم. الثاني: الضمير في «به» للقرآن و هو الحق أي في كونه كتابا منزلا من عند اللََّه. الثالث: يعود إلى تصريف الآيات و هو الحق لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات، ثم قال:

قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم و إعراضكم عن قبول الدلائل.

إنما أنا منذر و اللََّه هو المجازي لكم بأعمالكم قال ابن عباس و المفسرون: نسختها آية القتال و هو بعيد، }ثم قال تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ و المستقر يجوز أن يكون موضع الاستقرار، و يجوز أن يكون نفس الاستقرار لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل و المخرج، بمعنى الإدخال و الإخراج، و المعنى: أن لكل خبر يخبره اللََّه تعالى وقتا أو مكانا يحصل فيه من غير خلف و لا تأخير و إن جعلت المستقر بمعنى الاستقرار، كان المعنى لكل وعد و وعيد من اللََّه تعالى استقرار و لا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر اللََّه تعالى عنه عند ظهوره و نزوله. و هذا الذي خوف الكفار به، يجوز أن يكون المراد منه عذاب الآخرة، و يجوز أن‏

22

يكون المراد منه استيلاء المسلمين على الكفار بالحرب و القتل و القهر في الدنيا.

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على الرسول أن يلازمهم و أن يكون حفيظا عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم و تكذيبهم الاستهزاء بالدين و الطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم و ترك مجالستهم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وَ إِذََا رَأَيْتَ قيل إنه خطاب للنبي صلّى اللََّه عليه و سلّم و المراد غيره، و قيل: الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا. و نقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و القرآن، فشتموا و استهزءوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. و لفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث و اللعب، قال تعالى حكاية عن الكفار: وَ كُنََّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخََائِضِينَ و إذا سئل الرجل عن قوم فقال: تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها و من الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال و المناظرة في ذات اللََّه تعالى و صفاته. قال:

لأن ذلك خوض في آيات اللََّه، و الخوض في آيات اللََّه حرام بدليل هذه الآية، و الجواب عنه: أنا نقلنا عن المفسرين أن المراد من «الخوض» الشروع في آيات اللََّه تعالى على سبيل الطعن و الاستهزاء. و بينا أيضا أن لفظ «الخوض» وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر يُنْسِيَنَّكَ بالتشديد و فعل و أفعل يجريان مجرى واحد كما بينا ذلك في مواضع. و في التنزيل‏ فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17]و الاختيار قراءة العامة لقوله تعالى:

وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ [الكهف: 63]و معنى الآية: إن نسيت و قعدت فلا تقعد بعد الذكرى، و قم إذا ذكرت. و الذكرى اسم للتذكرة قاله الليث. و قال القراء: الذكرى يكون بمعنى الذكر، و قوله: مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ يعني مع المشركين.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ و هذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام عنهم و يحتمل بغيره. فلما قال بعد ذلك فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ صار ذلك دليلا على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم؟ و الجواب: الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ و يزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون ذلك، و الذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا: لأن المطلوب إظهار الإنكار، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه.

23

السؤال الثاني: لو خاف الرسول من القيام عنهم، هل يجب عليه القيام مع ذلك؟ الجواب: كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض، لأن إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور.

المسألة الرابعة: قوله: وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ يفيد أن التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشي‏ء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشي‏ء أولى بأن يوجب سقوط التكليف. و هذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، و يدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت حاصلة قبل الفعل. فوجب أن لا يكون الكافر قادرا على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان. و اعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام بذكر الجواب. و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى وَ مََا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لََكِنْ ذِكْرى‏ََ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن و خاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام و أن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية و حصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم و يذكرونهم و يفهمونهم. قال و معنى الآية: وَ مََا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك و الكبائر و الفواحش مِنْ حِسََابِهِمْ من آثامهم مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لََكِنْ ذِكْرى‏ََ قال الزجاج: قوله ذِكْرى‏ََ يجوز أن يكون في موضع رفع، و أن يكون في موضع نصب. أما كونه في موضع رفع فمن وجهين: الأول: و لكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم و جائز أن يكون و لكن الذي تأمرونهم به ذكرى، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير، و على الوجه الثاني: الذكرى تكون بمعنى الذكر و أما كونه في موضع النصب، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون.

و المعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول.

في قوله تعالى وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً إلى قوله بِمََا كََانُوا يَكْفُرُونَ قوله تعالى: وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ/بِمََا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهََا مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَلِيٌّ وَ لاََ شَفِيعٌ وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاََ يُؤْخَذْ مِنْهََا أُولََئِكَ اَلَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمََا كَسَبُوا لَهُمْ شَرََابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذََابٌ أَلِيمٌ بِمََا كََانُوا يَكْفُرُونَ .

اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله: اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا و معنى ذرهم أعرض عنهم و ليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده: وَ ذَكِّرْ بِهِ و نظيره قوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ و المراد ترك معاشرتهم و ملاطفتهم و لا يترك إنذارهم و تخويفهم.

و اعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفا بصفتين:

24

الصفة الأولى: أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا و لهوا و في تفسيره وجوه: الأول: المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه و دعوا إليه و هو دين الإسلام لعبا و لهوا حيث سخروا به و استهزءوا به. الثاني: اتخذوا ما هو لعب و لهو من عبادة الأصنام و غيرها دينا لهم. الثالث: أن الكفار كانوا يحكمون في دين اللََّه بمجرد التشهي و التمني، مثل تحريم السوائب و البحائر و ما كانوا يحتاطون في أمر الدين ألبتة، و يكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر اللََّه تعالى عنهم بأنهم اتخذوا دينهم لعبا و لهوا. و الرابع: قال ابن عباس جعل اللََّه لكل قوم عيدا يعظمونه و يصلون فيه و يعمرونه بذكر اللََّه تعالى. ثم إن الناس أكثرهم من المشركين، و أهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا و لعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه اللََّه تعالى. و الخامس: و هو الأقرب، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق و صدق و صواب. فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب و الرياسة و غلبة الخصم و جمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا، و قد حكم اللََّه على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب و لهو. فالمراد من قوله: وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه. و إذا تأملت في حال أكثر الخلق و جدتهم موصوفين بهذه الصفة و داخلين تحت هذه الحالة. و اللََّه أعلم.

الصفة الثانية: قوله تعالى: وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا و هذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعبا و لهوا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا. فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين و اقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا.

إذا عرفت هذا، فقوله: وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً معناه أعرض عنهم و لا تبال بتكذيبهم و استهزائهم و لا تقم لهم في نظرك وزنا وَ ذَكِّرْ بِهِ و اختلفوا في أن الضمير في قوله: بِهِ إلى ماذا يعود؟ قيل: و ذكر بالقرآن و قيل أنه تعالى قال: وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً /و المراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به و يعتقدوا صحته. فقوله: وَ ذَكِّرْ بِهِ أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور. و الدين أقرب المذكور، فوجب عود الضمير إليه. أما قوله أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمََا كَسَبَتْ فقال صاحب «الكشاف» : أصل الإبسال المنع و منه، هذا عليك بسل أي حرام محظور، و الباسل الشجاع لامتناعه من خصمه، أو لأنه شديد البسور، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه، و إذا زاد قالوا بسل، و العابس منقبض الوجه.

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمََا كَسَبَتْ أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا. و قال الحسن و مجاهد: تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها و تخذل. و قال قتادة: تحبس في جهنم، و عن ابن عباس تُبْسَلَ تفضح و أُبْسِلُوا فضحوا، و معنى الآية و ذكرهم بالقرآن، و مقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون. ثم قال تعالى: لَيْسَ لَهََا أي ليس للنفس مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَلِيٌّ وَ لاََ شَفِيعٌ وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاََ يُؤْخَذْ مِنْهََا أي و إن تفذ كل فداء، و العدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل و تلك الفدية منها. قال صاحب «الكشاف» : فاعل يؤخذ ليس هو قوله: عَدْلٍ لأن العدل هاهنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ. و أما في قوله: وَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ فبمعنى المفدى به، فصح إسناده إليه. فنقول:

الأخذ بمعنى القبول وارد. قال تعالى: وَ يَأْخُذُ اَلصَّدَقََاتِ أي يقبلها. و إذا ثبت هذا فيحمل الأخذ هاهنا على القبول، و يزول السؤال. و اللََّه أعلم. ـ

25

و المقصود من هذه الآية: بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور، و لا شفيع يشفع فيها، و لا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب اللََّه لم تنفع. فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا، و ثبت أنها لا تفيد في الآخرة ألبتة، و ظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان و الانغلاق و الاستسلام، فليس لها ألبتة دافع من عذاب اللََّه تعالى، و إذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي اللََّه تعالى. ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين و عليه محبوسين، فقال لَهُمْ شَرََابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذََابٌ أَلِيمٌ بِمََا كََانُوا يَكْفُرُونَ و ذلك هو النهاية في صفة الإيلام. و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ إلى قوله إِذْ هَدََانَا اَللََّهُ اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام و هي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ فقال: قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ أي أ نعبد من دون اللََّه النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا و لا على ضرنا، و نرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقذنا اللََّه منه و هدانا للإسلام؟ و يقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف، و رجع على عقبيه و رجع القهقرى، و السبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقى و تكامل حصل له العلم. قال تعالى: وَ اَللََّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ لاََ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصََارَ وَ اَلْأَفْئِدَةَ [النحل: 78]فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة، فلهذا السبب يقال: فلان رد على عقبيه.

و أما قوله: كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ اَلشَّيََاطِينُ فِي اَلْأَرْضِ إلى قوله إِلَى اَلْهُدَى اِئْتِنََا فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات:

الصفة الأولى: قوله: اِسْتَهْوَتْهُ اَلشَّيََاطِينُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ حمزة استهواه بألف ممالة على التذكير و الباقون بالتاء، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع، و يصلح أن يؤنث على معنى الجماعة.

المسألة الثانية: اختلفوا في اشتقاق اِسْتَهْوَتْهُ على قولين:

القول الأول: أنه مشتق من الهوى في الأرض، و هو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض، فشبه اللََّه تعالى حال هذا الضال به و هو قوله: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَكَأَنَّمََا خَرَّ مِنَ اَلسَّمََاءِ [الحج: 31]و لا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب و الضعف و الدهشة.

و القول الثاني: أنه مشتق من اتباع الهوى و الميل، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ/النهاية في الحيرة،

26

و القول الأول أولى، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة و الضعف.

الصفة الثانية: قوله: حَيْرََانَ قال الأصمعي: يقال حار يحار حيرة و حيرا، و زاد الفراء حيرانا و حيرورة، و معنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه. و منه يقال: الماء يتحير في الغيم أي يتردد، و تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء. و اعلم أن هذا المثل في غاية الحسن، و ذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة، و ذلك يوجب كمال التردد، و التحير، و أيضا فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن و لا أكمل من هذا المثال.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: لَهُ أَصْحََابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى اَلْهُدَى اِئْتِنََا قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللََّه عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر و أبوه كان يدعوه إلى الإيمان و يأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية و من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. و قيل: المراد أن لذلك الكافر الضال أصحابا يدعونه إلى ذلك الضلال و يسمونه بأنه هو الهدى و هذا بعيد. و القول الصحيح هو الأول.

ثم قال تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم و ملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال و الشرف.

ثم قال تعالى: وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ إلى قوله إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ و اعلم أن قوله: إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ دخل فيه جميع أقسام المأمورات و الاحتراز عن كل المنهيات، و تقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر اللََّه به، فإما أن يكون من باب الأفعال، و إما أن يكون من باب التروك.

أما القسم الأول: فإما أن يكون من باب أعمال القلوب و إما أن يكون من باب أفعال الجوارح، و رئيس أعمال القلوب الإيمان باللََّه و الإسلام له، و رئيس أعمال الجوارح الصلاة، و أما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى و هو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي، و اللََّه سبحانه لما بين أولا أن الهدى النافع هو هدى اللََّه، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب و هو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية، و الصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية، و التقوى التي هي رئيسة لباب التروك و الاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال: وَ هُوَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر و البعث و القيامة.

فإن قيل: كيف حسن عطف قوله: وَ أَنْ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ على قوله: وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ ؟ قلنا: ذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: أن يكون التقدير، و أمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين و أقيموا الصلاة.

فإن قيل: هب أن المراد ما ذكرتم، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر و التركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل؟ قلنا: و ذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين،

27

فيقال له: وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ و إذا أسلم و آمن و دخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين، و يقال له: وَ أَنْ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ اِتَّقُوهُ وَ هُوَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر و الإيمان، و تقريره أن الكافر بعيد غائب و المؤمن قريب حاضر. و اللََّه أعلم.

المسألة الأولى ما يدل على أنه لا معبود إلا اللََّه وحده‏ اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام، ذكر هاهنا ما يدل على أنه لا معبود إلا اللََّه وحده و هو هذه الآية، و ذكر فيها أنواعا كثيرة من الدلائل. أولها: قوله وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ أما كونه خالقا للسموات و الأرض، فقد شرحنا في قوله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ و أما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران‏ رَبَّنََا مََا خَلَقْتَ هََذََا بََاطِلاً [آل عمران: 191]و قوله: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ [الأنبياء: 16] مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ [الدخان: 39]و فيه قولان.

القول الاول: و هو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات و تصرف للمالك في ملكه حسن و صواب على الإطلاق، فكان ذلك التصرف حسنا على الإطلاق و حقا على الإطلاق.

و القول الثاني: و هو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم. قال القاضي: و يدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات و الأرض، و لحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى، و هي أنه يقال: أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى و خواص يصدر بسببها عنها آثار و حركات مطابقة لمصالح هذا العالم و منافعه. و ثانيها: قوله: وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ في تأويل هذه الآية قولان. الأول: التقدير و هو الذي خلق السموات و الأرض و خلق يوم يقول كن فيكون، و المراد من هذا اليوم يوم القيامة، و المعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا و لكل ما فيها من الأفلاك و الطبائع و العناصر و الخالق ليوم القيامة و البعث و لرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون.

و الوجه الثاني: في التأويل أن نقول قوله: اَلْحَقُّ مبتدأ و يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ظرف دال على الخبر، و التقدير قوله: اَلْحَقُّ واقع يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ كقولك يوم الجمعة القتال، و معناه القتال واقع يوم الجمعة. و المراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق و الصدق، لأن أقضيته منزهة عن الجور و العبث. و ثالثها: قوله: وَ لَهُ اَلْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فقوله: وَ لَهُ اَلْمُلْكُ يفيد الحصر، و المعنى: أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه و تعالى، فالمراد بالكلام الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن العبث و الباطل، و المراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها و لا معارض.

فإن قال قائل: قول اللََّه حق في كل وقت، و قدرته كاملة في كل وقت، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟

28

قلنا: لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع و لا ضر، فكان الأمر كما قال سبحانه:

وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ فلهذا السبب حسن هذا التخصيص، و رابعها: قوله: عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ تقديره، و هو عالم الغيب و الشهادة.

و اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا و قرر فيه أصلين:

أحدهما: كونه قادرا على كل الممكنات، و الثاني: كونه عالما بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادرا على كل الممكنات لم يقدر على البعث و الحشر ورد الأرواح إلى الأجساد و بتقدير أن لا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضا منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي. و المؤمن بالكافر، و الصديق بالزنديق، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث و القيامة. أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض و المقصود، فقوله: وَ لَهُ اَلْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ /يدل على كمال القدرة، و قوله: عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقا، و أن يكون حكمه صدقا، و أن تكون قضاياه مبرأة عن الجور و العبث و الباطل.

ثم قال: وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ و المراد من كونه حكيما أن يكون مصيبا في أفعاله، و من كونه خبيرا، كونه عالما بحقائقها من غير اشتباه و من غير التباس. و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله: كُنْ فَيَكُونُ خطابا و أمرا لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال، و إن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجودا و هو محال، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته و مشيئته في تكوين الكائنات و إيجاد الموجودات.

المسألة الثالثة: قوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ و لا شبهة أن المراد منه يوم الحشر، و لا شبهة عند أهل الإسلام أن اللََّه سبحانه خلق قرنا ينفخ فيه ملك من الملائكة و ذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر اللََّه تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم و لكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين:

القول الأول: أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه و صفته مذكورة في سائر السور.

و القول الثاني: إن الصور جمع صورة و النفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى، و قال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف و صوفة. قال الواحدي رحمه اللََّه: أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم: أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة و الثوم جمع الثومة، و روي ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم، و هذا خطأ فاحش لأن اللََّه تعالى قال: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ* [غافر: 64]و قال: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ* [يس: 51، الزمر: 68]فمن قرأ و نفخ في الصور، و قرأ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ* فقد افترى الكذب، و بدل كتاب اللََّه، و كان أبو عبيدة صاحب أخبار و غرائب، و لم يكن له معرفة بالنحو، قال الفراء: كل جمع على لفظ الواحد المذكور سبق جمعه واحده، فواحده بزيادة هاء فيه، و ذلك مثل الصوف و الوبر و الشعر و القطن و العشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه، و إذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده، و لو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة و صوف و بسرة و بسر كما قالوا غرفة و غرف، و زلفة و زلف، و أما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال‏

29

واحدته صورة و إنما تجمع صورة الإنسان صورا لأن واحدته سبقت جمعه، قال الأزهري: قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام، و لا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، و أقول: و مما يقوي هذا الوجه أنه لو كان/المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه اللََّه إلى نفسه، كما قال: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي* [الحجر: 29]و قال: فَنَفَخْنََا فِيهََا مِنْ رُوحِنََا و قال: ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ و أما نفخ الصور بمعنى النفخ في القرن، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال: فَإِذََا نُقِرَ فِي اَلنََّاقُورِ [المدثر: 8]و قال: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ ... ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68]فهذا تمام القول في هذا البحث، و اللََّه أعلم بالصواب.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه كثيرا يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم عليه السلام و ذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف و الملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده و اليهود و النصارى و المسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره. فلا جرم ذكر اللََّه حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين.

و اعلم أن هذا المنصب العظيم و هو اعتراف أكثر أهل العلم بفضله و علو مرتبته لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام، و السبب فيه أنه حصل بين الرب و بين العبد معاهدة. كما قال: أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]فإبراهيم و في بعهد العبودية، و اللََّه تعالى شهد بذلك على سبيل الإجمال تارة و على سبيل التفصيل أخرى. أما الإجمال ففي آيتين إحداهما قوله: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: 124]و هذا شهادة من اللََّه تعالى بأنه تمم عهد العبودية. و الثانية قوله تعالى: إِذْ قََالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قََالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [البقرة: 131]و أما التفصيل: فهو أنه عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد و إبطال القول بالشركاء و الأنداد في مقامات كثيرة.

فالمقام الاول: في هذا الباب مناظراته مع أبيه حيث قال له: يََا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مََا لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مريم: 42].

و المقام الثاني: مناظرته مع قومه و هو قوله: فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ [الأنعام: 76].

و المقام الثالث: مناظرته مع ملك زمانه، فقال: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ [البقرة: 258].

و المقام الرابع: مناظرته مع الكفارة بالفعل، و هو قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذََاذاً إِلاََّ كَبِيراً لَهُمْ [الأنبياء:

58]ثم إن القوم قالوا: حَرِّقُوهُ وَ اُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: 68]ثم إنه عليه السلام بعد هذه الواقعة بذل ولده فقال: إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: 102]فعند هذا ثبت أن ابراهيم عليه السلام كان من الفتيان، لأنه سلم قلبه للعرفان و لسانه للبرهان و بدنه للنيران و ولده للقربان و ماله للضيفان، ثم إنه عليه السلام سأل ربه فقال: وَ اِجْعَلْ لِي لِسََانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ [الشعراء: 84]فوجب في كرم اللََّه تعالى أنه يجيب دعاءه و يحقق مطلوبه في هذا السؤال، فلا جرم أجاب دعاءه، و قبل نداءه و جعله مقبولا لجميع الفرق و الطوائف‏

30

إلى قيام القيامة، و لما كان العرب معترفين بفضله لا جرم جعل اللََّه تعالى مناظرته مع قومه حجة على مشركي العرب.

المسألة الثانية: اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت للََّه تعالى شريكا يساويه في الوجوب و القدرة و العلم و الحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، و الثاني سفيه يفعل الشر، و أما الاشتغال بعبادة غير اللََّه. ففي الذاهبين إليه كثرة. فمنهم عبدة الكواكب، و هم فريقان منهم من يقول إنه سبحانه خلق هذه الكواكب، و فوض تدبير هذا العالم السفلي إليها، فهذه الكواكب، هي المدبرات لهذا العالم، قالوا: فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب، ثم إن هذه الأفلاك و الكواكب تعبد اللََّه و تطبعه، و منهم قوم غلاة ينكرون الصانع، و يقولون هذه الأفلاك و الكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها و يمتنع عليها العدم و الفناء، و هي المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل، و هؤلاء هم الدهرية الخالصة، و ممن يعبد غير اللََّه النصارى الذين يعبدون المسيح و منهم أيضا عبدة الأصنام.

و اعلم أن هنا بحثا لا بد منه و هو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام، و الدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام، و هو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا: لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً [نوح: 23]و ذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجودا قبل نوح عليه السّلام و قد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين و المذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني و خلق السماء و الأرض علم ضروري، و العلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم/خالقا للسماء و الأرض، بل لا بد و أن يكون لهم فيه تأويل، و العلماء ذكروا فيه وجوها كثيرة و قد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة، و لا بأس بأن نعيده هاهنا تكثيرا للفوائد.

فالتأويل الأول: و هو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فإنّ بحسب قرب الشمس و بعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة، و بسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات و النحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية و المناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها و منهم من اعتقد حدوثها و كونها مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنهم قالوا إنها و إن كانت مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم و هؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر، و بين أحوال هذا العالم. و على كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها و تعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه و اتخذوا صنم الشمس من الذهب و زينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس و هي الياقوت و الألماس و اتخذوا صنم القمر من الفضة و على هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام و غرضهم من عبادة هذه الأصنام هو عبادة تلك الكواكب و التقرب إليها و عند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من‏

31

عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب. و أما الأنبياء صلوات اللََّه عليهم فلهم هاهنا مقامان: أحدهما: إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها ألبتة في أحوال هذا العالم كما قال اللََّه تعالى: أَلاََ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ [الأعراف: 54]بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة. و الثاني: أنها بتقدير أنها تفعل شيئا و يصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة و الاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع، و الدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات اللََّه عليه أنه قال لأبيه آزر أ تتخذ أصناما آلهة؟إني أراك و قومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب و القمر و الشمس لا يصلح شي‏ء منها للإلهية و هذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب و إلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة. و إذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس و القمر/و سائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له.

الوجه الثاني: في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي رحمه اللََّه فقال في بعض كتبه: إن كثيرا من أهل الصين و الهند كانوا يثبتون الإله و الملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم و ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور و للملائكة أيضا صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات، فلا جرم اتخذوا صورا و تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا و الهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن و يقولون إنها هيكل الإله، و صورة أخرى دون الصورة الأولى و يجعلونها على صورة الملائكة، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من اللََّه تعالى و من الملائكة، فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد أنّ اللََّه تعالى جسم و في مكان.

الوجه الثالث: في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن اللََّه تعالى فوض تدبير كل واحد من الأقاليم إلى ملك بعينه. و فوض تدبير كل قسم من أقسام ملك العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون مدبر البحار ملك، و مدبر الجبال ملك آخر، و مدبر الغيوم و الأمطار ملك، و مدبر الأرزاق ملك، و مدبر الحروب و المقاتلات ملك آخر فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة صنما مخصوصا و هيكلا مخصوصا و يطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من الآثار و التدبيرات، و للقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في أول سورة البقرة، و لنكتف هاهنا بهذا القدر من البيان و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر، و منهم من قال اسمه تارح. قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، و من الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن. و قال هذا النسب خطأ و ليس بصواب، و للعلماء هاهنا مقامان:

المقام الأول: أن اسم والد إبراهيم عليه السلام هو آزر، و أما قولهم أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح. فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا، و بالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد و الاثنين مثل قول وهب و كعب و غيرهما، و ربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود و النصارى، و لا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن.

المقام الثاني: سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا هاهنا وجوه: ـ

32

الوجه الأول: لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين، فيحتمل أن يقال إن اسمه الأصلي كان آزر و جعل تارح لقبا له، فاشتهر هذا اللقب و خفي الاسم. فاللََّه تعالى ذكره بالاسم، /و يحتمل أن يكون بالعكس، و هو أن تارح كان اسما أصليا و آزر كان لقبا غالبا. فذكره اللََّه تعالى بهذا اللقب الغالب.

الوجه الثاني: أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتم، فقيل إن آزر اسم ذم في لغتهم و هو المخطئ كأنه قيل، و إذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ كأنه عابه بزيغه و كفره و انحرافه عن الحق، و قيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية، و هو أيضا فارسية أصلية.

و اعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

و الوجه الثالث: أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم، و إنما سماه اللََّه بهذا الاسم لوجهين: أحدهما:

أنه جعل نفسه مختصا بعبادته و من بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب. قال اللََّه تعالى:

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ [الإسراء: 71]و ثانيها: أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.

الوجه الرابع: أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح و آزر كان عما له، و العم قد يطلق عليه اسم الأب، كما حكى اللََّه تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا: نَعْبُدُ إِلََهَكَ وَ إِلََهَ آبََائِكَ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ [البقرة:

133]و معلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب. و قد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا هاهنا. و اعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر و هذا الدليل لم يوجد ألبتة، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات، و الدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، أن اليهود و النصارى و المشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة و السلام و إظهار بغضه، فلو كان هذا النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه و حيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قالت الشيعة: إن أحدا من آباء الرسول عليه الصلاة و السلام و أجداده ما كان كافرا و أنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافرا و ذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام. و ما كان والدا له و احتجوا على قولهم بوجوه:

الحجة الأولى: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا و يدل عليه وجوه: منها قوله تعالى: اَلَّذِي يَرََاكَ حِينَ تَقُومُ*`وَ تَقَلُّبَكَ فِي اَلسََّاجِدِينَ [الشعراء: 218، 219].

قيل معناه: إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد و بهذا التقدير: فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين. و حينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلما.

فإن قيل: قوله: وَ تَقَلُّبَكَ فِي اَلسََّاجِدِينَ يحتمل وجوها أخر: أحدها: إنه لما نسخ فرض/قيام الليل طاف الرسول صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ما ذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم و تسبيحهم و تهليلهم. فالمراد من قوله:

33

وَ تَقَلُّبَكَ فِي اَلسََّاجِدِينَ طوافه صلوات اللََّه عليه تلك الليلة على الساجدين. و ثانيها: المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه: كونه فيما بينهم و مختلطا بهم حال القيام و الركوع و السجود.

و ثالثها: أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على اللََّه كلما قمت و تقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين.

و رابعها: المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، و الدليل عليه‏

قوله عليه السلام: «أتموا الركوع و السجود فإني أراكم من وراء ظهري»

فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية، فسقط ما ذكرتم.

و الجواب: لفظ الآية محتمل للكل، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي. فوجب أن نحملها على الكل و حينئذ يحصل المقصود، و مما يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين‏

قوله عليه السلام: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»

و قال تعالى: إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28]و ذلك يوجب أن يقال: إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين.

إذا ثبت هذا فنقول: ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركا، و ثبت أن آزر كان مشركا.

فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا آخر غير آزر.

الحجة الثانية: على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام. أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة و الجفاء. و مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز، و هذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم، إنما قلنا: إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة و الجفاء في هذه الآية لوجهين: الأول: أنه قرئ وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ بضم آزر و هذا يكون محمولا على النداء و نداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء. الثاني: أنه قال لآزر: إِنِّي أَرََاكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ و هذا من أعظم أنواع الجفاء و الإيذاء. فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء، و إنما قلنا: أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه: الأول: قوله تعالى: وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً [الإسراء: 23]و هذا عام في حق الأب الكافر و المسلم، قال تعالى: فَلاََ تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ وَ لاََ تَنْهَرْهُمََا [الإسراء: 23]و هذا أيضا عام. و الثاني: أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال‏ فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ [طه: 44]و السبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون. فههنا الوالد أولى بالرفق. الثالث: أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب، أما التغليظ فإنه يوجب/التنفير و البعد عن القبول. و لهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام: وَ جََادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125]فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة؟الرابع: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم، فقال: إِنَّ إِبْرََاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوََّاهٌ [هود: 75]و كيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الأب؟فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عما له، فأما والده فهو تارح و العم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له. و

قال عليه السلام: «ردوا علي أبي»

يعني العم العباس و أيضا يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام و هذا قد يقال له الأب. و الدليل عليه قوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ إلى قوله:

وَ عِيسى‏ََ [الأنعام: 84، 85]فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جدا لعيسى من قبل الأم. و أما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول اللََّه كان كافرا و ذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا و كان والد إبراهيم عليه السلام. و أيضا قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اِسْتِغْفََارُ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ إلى قوله: فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلََّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: 114]و ذلك يدل على قولنا، و أما قوله‏ وَ تَقَلُّبَكَ فِي‏

34

اَلسََّاجِدِينَ قلنا: قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، و أيضا حمل اللفظ على حقيقته و مجازه معا لا يجوز، و أما

قوله عليه السلام: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»

فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحا، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام. قلنا: لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليظ. و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: قرئ آزَرَ بالنصب و هو عطف بيان لقوله: لِأَبِيهِ و بالضم على النداء، و سألني واحد فقال: قرئ آزَرَ بهاتين القراءتين، و أما قوله: وَ قََالَ مُوسى‏ََ لِأَخِيهِ هََارُونَ قرئ‏ هََارُونَ بالنصب و ما قرئ ألبتة بالضم فما الفرق؟قلت القراءة بالضم محمولة على النداء و النداء بالاسم استخفاف بالمنادي. و ذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح، و أما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هارون على قومه فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة.

المسألة السادسة: اختلف الناس في تفسير لفظ «الإله» و الأصح أنه هو المعبود، و هذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة، و لأجل هذا قال إبراهيم لأبيه: أَ تَتَّخِذُ أَصْنََاماً آلِهَةً و ذلك يدل على أن تفسير لفظ «الإله» هو المعبود.

/المسألة السابعة: اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين: الأوّل: أن قوله: أَ تَتَّخِذُ أَصْنََاماً آلِهَةً يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة، إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا و الثاني: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير و الشر لكان الصنم الواحد كافيا، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها و إن كثرت فلا نفع فيها ألبتة.

المسألة الثامنة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة اللََّه تعالى و وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع. قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال، و لو لا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال. لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم. و لقائل أن يقول: إنه كان ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: «الكاف» في كذلك للتشبيه، و ذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره و المذكور هاهنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام، و هو قوله: إِنِّي أَرََاكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ و المعنى: و مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات و الأرض. و هاهنا دقيقة عقلية، و هي أن نور جلال اللََّه تعالى لائح غير منقطع و لا زائل ألبتة، و الأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، و ذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير اللََّه تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا

35

التجلي فقول إبراهيم عليه السلام: أَ تَتَّخِذُ أَصْنََاماً آلِهَةً إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير اللََّه تعالى، لأن كل ما سوى اللََّه فهو حجاب عن اللََّه تعالى، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام، فقوله: وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ معناه: و بعد زوال الاشتغال بغير اللََّه حصل له نور تجلى جلال اللََّه تعالى، فكان قوله: وَ كَذََلِكَ منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان، فكان الأولى/أن يقال:

و كذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات و الأرض، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله وَ كَذََلِكَ نُرِي .

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن يكون تقدير الآية، و كذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السموات و الأرض، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي. و المعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصبا للدين الحق. فكأنه قيل: و كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات و الأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه.

الوجه الثاني في الجواب: و هو أعلى و أشرف مما تقدم، و هو أنا نقول: إنه ليس المقصود من إراءة اللََّه إبراهيم ملكوت السموات و الأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال اللََّه تعالى و قدسه و علوه و عظمته. و معلوم أن مخلوقات اللََّه و إن كانت متناهية في الذوات و في الصفات، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات و الصفات غير متناهية. و سمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه اللََّه تعالى قال: سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول: سمعت إمام الحرمين يقول: معلومات اللََّه تعالى غير متناهية، و معلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير متناهية، و ذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، و يمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، و كل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة اللََّه تعالى و قدرته أيضا، و إذا كان الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزأ كذلك، فكيف القول في كل ملكوت اللََّه تعالى، فثبت أن دلالة ملك اللََّه تعالى، و ملكوته على نعوت جلاله و سمات عظمته و عزته غير متناهية، و حصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية و لا إلى آخر في المستقبل، فلهذا السبب و اللََّه أعلم لم يقل، و كذلك أريناه ملكوت السموات و الأرض، بل قال: وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و هذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى اللََّه له نهاية، و أما السفر في اللََّه فإنه لا نهاية له و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: «الملكوت» هو الملك، و «التاء» للمبالغة كالرغبوت من الرغبة و الرهبوت من الرهبة.

و اعلم أن في تفسير هذه الإراءة قولين: الأول: أن اللََّه أراه الملكوت بالعين، قالوا إن اللََّه تعالى شق له السموات حتى رأي العرش و الكرسي و إلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني، /و شق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني، و رأي ما في السموات من العجائب و البدائع، و رأي ما في باطن الأرض من العجائب و البدائع. و

عن ابن عباس أنه قال: لما أسري بإبراهيم إلى السماء و رأي ما في السموات و ما في الأرض فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه و على آخر بالهلاك، فقال اللََّه تعالى له: كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم،

و طعن القاضي في‏

36

هذه الرواية من وجوه: الأول: أن أهل السماء هم الملائكة المقربون و هم لا يعصون اللََّه، فلا يليق أن يقال: إنه لما رفع إلى السماء أبصر عبدا على فاحشة. الثاني: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر اللََّه تعالى، و إذا أذن اللََّه تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه. الثالث: أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ فإن كان صوابا فلم رده في المرة الثانية، و إن كان خطأ فلم قبله في المرة الأولى. ثم قال: و أخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها.

و القول الثاني: أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة و العقل، لا بالبصر الظاهر و الحس الظاهر. و احتج القائلون بهذا القول بوجوه:

الحجة الأولى: أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء، و الملك عبارة عن القدرة، و قدرة اللََّه لا ترى، و إنما تعرف بالعقل، و هذا كلام قاطع، إلا أن يقال المراد بملكوت السموات و الأرض نفس السموات و الأرض، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت و لا يحصل منه فائدة.

و الحجة الثانية: أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال و هو قوله: وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ ثم فسرها بعد ذلك بقوله: فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأى‏ََ كَوْكَباً [الأنعام: 76]فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح و التفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال.

و الحجة الثالثة: أنه تعالى قال في آخر الآية: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ و الرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها و كانوا يكذبون إبراهيم فيها و ما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل و معجزة باهرة، و إنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن. فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم.

و الحجة الرابعة: أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلها قادرا على كل/الممكنات.

و مثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح و التعظيم. ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون اللََّه تعالى بالضرورة و ليس لهم في تلك المعرفة مدح و لا ثواب. و أما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع و قدرته و حكمته فذاك هو الذي يفيد المدح و التعظيم.

و الحجة الخامسة: أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فكذلك قال في حق هذه الأمة: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53]فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك.

الحجة السادسة: أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم و القمر و الشمس قال بعده: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ [الأنعام: 79]فحكم على السموات و الأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم و القمر و الشمس. و ذلك الدليل لو لم يكن عاما في كل السموات و الأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص و أنه خطأ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاما فكان ذكر النجم و القمر و الشمس كالمثال لإراءة الملكوت. فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها و إمكانها و حدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين.

37

الحجة السابعة: أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقا بالشك و قوله تعالى: وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض لأجل أن يصير من الموقنين. فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال.

الحجة الثامنة: أن جميع مخلوقات اللََّه تعالى دالة على وجود الصانع و قدرته باعتبار واحد و هو أنها محدثة ممكنة و كل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع. و إذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع و كأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله و سمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج و الافتقار و هذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة ألبتة. ثم إنها غير شاغلة عن اللََّه تعالى بل هي شاغلة للقلب و الروح باللََّه. أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال. ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفا واحدا فإن حدق نظره إلى حرف آخر و شغل بصره به صار محروما عن إدراك الحرف الأول، أو عن إبصاره. فثبت أن رؤية الأشياء/الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة. و بتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية و بتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن اللََّه تعالى. ألا ترى أنه تعالى مدح محمدا عليه الصلاة و السلام في ترك هذه الرؤية فقال: مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ وَ مََا طَغى‏ََ [النجم: 17]فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل، لا بحسب البصر الظاهر.

فإن قيل: فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة تحصل لإبراهيم بسببها.

قلنا: جميع الموحدين و إن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة اللََّه تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها و أنواعها و أصنافها و أشخاصها و أحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء عليهم السلام. و لهذا المعنى‏

كان رسولنا عليه الصلاة و السلام يقول في دعائه: «اللهم أرنا الأشياء كما هي»

فزال هذا الإشكال. و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في «الواو» في قوله: وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ و ذكروا فيه وجوها: الأول: الواو زائدة و التقدير: نري إبراهيم ملكوت السموات و الأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين. الثاني: أن يكون هذا كلاما مستأنفا لبيان علة الإراءة و التقدير و ليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات و الأرض. الثالث: أن الإراءة قد تحصل و تصير سببا لمزيد الضلال كما في حق فرعون قال تعالى: وَ لَقَدْ أَرَيْنََاهُ آيََاتِنََا كُلَّهََا فَكَذَّبَ وَ أَبى‏ََ [طه: 56]و قد تصير سببا لمزيد الهداية و اليقين. فلما احتملت الإراءة هذين الاحتمالين قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: إنا أريناه هذه الآيات ليراها و لأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاهدين و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل و لهذا المعنى لا يوصف علم اللََّه تعالى بكونه يقينا لأن علمه غير مسبوق بالشبهة و غير مستفاد من الفكر و التأمل. و اعلم أن الإنسان في أول ما يستدل فإنه لا ينفك قلبه عن شك و شبهة من بعض الوجوه فإذا كثرت الدلائل و توافقت و تطابقت صارت سببا لحصول اليقين و ذلك لوجوه: الأول: أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر و قوة فلا تزال القوة

38

تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم. الثاني: أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب، فكذا هاهنا. الثالث: أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور و الظلمة، فإذا حصل الاستدلال/الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى، فيصير الإشراق و اللمعان أتم. و كما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر و هو الصبح. فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات اللََّه تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة و التوحيد أجلى. إلا أن الفرق بين شمس العلم و بين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء و التصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود، و أما شمس المعرفة و العقل و التوحيد، فلا نهاية لتصاعدها و لا غاية لازديادها فقوله: وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إشارة إلى مراتب الدلائل و البينات، و قوله: وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ إشارة إلى درجات أنوار التجلي و شروق شمس المعرفة و التوحيد. و اللََّه أعلم.

في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ عطف على قوله: قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ و قوله: وَ كَذََلِكَ نُرِي جملة وقعت اعتراضا بين المعطوف و المعطوف عليه.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمة اللََّه: يقال جن عليه الليل و أجنه الليل، و يقال: لكل/ما سترته جن و أجن، و يقال أيضا جنه الليل، و لكن الاختيار جن عليه الليل، و أجنه الليل. هذا قول جميع أهل اللغة، و معنى جَنَّ ستر و منه الجنة و الجن و الجنون و الجان و الجنين و المجن و الجنن و المجن، و هو المقبور. و المجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر و الاستتار، و قال بعض النحويين: جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ إذا أظلم عليه الليل. و لهذا دخلت «على» عليه كما تقول في أظلم. فأما جنه فستره من غير تضمين معنى (أظلم) .

المسألة الثالثة: اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا و عبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد، فحبلت أم إبراهيم به و ما أظهرت حبلها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل و وضعت إبراهيم و سدت الباب بحجر، فجاء جبريل عليه السلام و وضع إصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه و كان يتعهده جبريل عليه السلام، فكانت الأم تأتيه أحيانا و ترضعه‏

39

و بقي على هذه الصفة حتى كبر و عقل و عرف أن له ربا، فسأل الأم فقال لها: من ربي؟فقالت أنا، فقال: و من ربك؟قالت أبوك، فقال للأب: و من ربك؟فقال: ملك البلد. فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئا يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء.

فقال: هذا ربي إلى آخر القصة. ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: إن هذا كان بعد البلوغ و جريان قلم التكليف عليه، و منهم من قال: إن هذا كان قبل البلوغ. و اتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول‏ أي إن النجم رب في قول إبراهيم ع هََذََا رَبِّي و احتجوا عليه بوجوه:

الحجة الأولى: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع و الكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء.

الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل. و الدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر: أَ تَتَّخِذُ أَصْنََاماً آلِهَةً إِنِّي أَرََاكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [الأنعام: 74].

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد و ترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال: يََا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مََا لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ وَ لاََ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مريم: 42]و حكي في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد و ترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن و اللفظ الموحش. و من المعلوم أن من دعا غيره إلى اللََّه تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف و اللين على الغلظ و لا يخوض في التعنيف و التغليظ إلا بعد المدة المديدة و اليأس التام.

فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد/مرارا و أطوارا، و لا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه. فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف اللََّه بمدة.

الحجة الرابعة: أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه اللََّه ملكوت السموات و الأرض حتى رأى من فوق العرش و الكرسي و ما تحتهما إلى ما تحت الثرى، و من كان منصبه في الدين كذلك، و علمه باللََّه كذلك، كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب؟ الحجة الخامسة: أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجها و أكثر و مع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيبا من العقل و الفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء و أعلم العلماء؟ الحجة السادسة: أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام: إِذْ جََاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: 84] و أقل مراتب القلب السليم أن يكون سليما عن الكفر، و أيضا مدحه فقال: وَ لَقَدْ آتَيْنََا إِبْرََاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنََّا بِهِ عََالِمِينَ [الأنبياء: 51]أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة. و قوله: وَ كُنََّا بِهِ عََالِمِينَ أي بطهارته و كماله و نظيره قوله تعالى: اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124].

الحجة السابعة: قوله: وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ أي و ليكون بسبب تلك الاراءة من الموقنين ثم قال بعده: فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ و الفاء تقتضي الترتيب، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه.

40

الحجة الثامنة: أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، و الدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ و لم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان و التوحيد. لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين و المعرفة لنفسه.

الحجة التاسعة: أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب و القمر و الشمس حال ما كان في الغار، و هذا باطل. لأنه لو كان الأمر كذلك، فكيف يقول يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ مع أنه ما كان في الغار لا قوم و لا صنم.

الحجة العاشرة: قال تعالى: وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ و كيف يحاجونه و هم بعد ما رأوه و هو ما رآهم، و هذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب و القمر و الشمس بعد أن خالط قومه و رآهم يعبدون الأصنام و دعوه إلى عبادتها فذكر قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ ردا عليهم و تنبيها لهم على فساد قولهم.

الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم: وَ كَيْفَ أَخََافُ مََا أَشْرَكْتُمْ وَ لاََ تَخََافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللََّهِ و هذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له:

إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَرََاكَ بَعْضُ آلِهَتِنََا بِسُوءٍ [هود: 54]و معلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار.

الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، و لا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم، ثم غربت، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية، و إذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضا في القمر و الكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا: ان هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه. أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم و الجاؤهم، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر و طلعت الشمس بعده و على هذا التقدير، فالسؤال غير وارد، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم: هذا ربي. و إذا بطل هذا بقي هاهنا احتمالان: الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ و لكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة. الأول: أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي على سبيل الأخبار، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب و كان مذهبهم أن الكوكب ربهم و إلههم، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم و عبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله، و مثاله: أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول:

الجسم قديم؟فإذا كان كذلك، فلم نراه و نشاهده مركبا متغيرا؟فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هاهنا قال: هََذََا رَبِّي و المقصود منه حكاية قول الخصم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على فساده و هو قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ و هذا الوجه هو المعتمد في الجواب، و الدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ .

و الوجه الثاني في التأويل: أن نقول قوله: هََذََا رَبِّي* معناه هذا ربي في زعمكم و اعتقادكم و نظيره أن‏

41

يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء: أن إلهه جسم محدود أي في زعمه و اعتقاده قال تعالى: وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ إِلََهِكَ اَلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عََاكِفاً [طه: 97]و قال تعالى: وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكََائِيَ* [القصص: 62]و كان صلوات اللََّه عليه يقول: «يا إله الآلهة» . و المراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم و قال: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ [الدخان: 49]أي عند نفسك.

و الوجه الثالث في الجواب: أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط/حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه.

و الوجه الرابع: أن يكون القول مضمرا فيه، و التقدير: قال يقولون هذا ربي. و إضمار القول كثير، كقوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا [البقرة: 127]أي يقولون ربنا و قوله: وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ [الزمر: 3]أي يقولون ما نعبدهم، فكذا هاهنا التقدير: إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه: يقولون هذا ربي. أي هذا هو الذي يدبرني و يربيني.

و الوجه الخامس: أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوما هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء.

الوجه السادس: أنه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم و بعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى اللََّه تعالى لم يقبلوه و لم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة. و ذلك بأن ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات اللََّه عليه كان مطمئنا بالإيمان، و مقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله و إفساده و أن يقبلوا قوله و تمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقا سوى هذا الطريق، و كان عليه السلام مأمورا بالدعوة إلى اللََّه كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر، و معلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى: إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ [النحل: 106]فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر و العقاب المؤيد كان ذلك أولى و أيضا المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار و علم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة و الاشتغال بالقتال. حتى لو صلى و ترك القتال أثم و لو ترك الصلاة و قاتل استحق الثواب، بل نقول: أن من كان في الصلاة فرأى طفلا أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء. فكذا هاهنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم و انتفاعهم باستماعه أكمل، و مما يقوي هذا الوجه: أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر و هو قوله: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ*`فَقََالَ إِنِّي سَقِيمٌ*`فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات:

88-90]و ذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم/على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئا عنه في الباطن، و مقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام فإذا جازت الموافقة في الظاهر هاهنا. مع أنه كان بريئا عنه في الباطن، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك؟ و أيضا المتكلمون قالوا: إنه يصح من اللََّه تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا

42

المدعي و شكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده، و لكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا هاهنا. و قوله: هََذََا رَبِّي* لا يوجب الضلال، لأن دلائل بطلانه جلية و في إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة و هي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزا و اللََّه أعلم.

الوجه السابع: أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام هََذََا رَبِّي أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زمانا حتى أفل ثم قال: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول و هو أنه صلوات اللََّه عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ.

أما الاحتمال الثاني: و هو أنه ذكره قبل البلوغ و عند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل و القريحة الصافية، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم، فقال: هََذََا رَبِّي فلما شاهد حركته قال: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال: إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ فهذا الاحتمال لا بأس به، و إن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو و ورش عن نافع رئي بفتح الراء و كسر الهمزة حيث كان، و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف كاف أو هاء نحو: رآك و رآها فحينئذ يكسرها حمزة و الكسائي و يفتحها ابن عامر. و روى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة و الكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو: رأى الشمس، و رأى القمر. فإن حمزة و يحيى عن أبي بكر و نصر عن الكسائي يكسرون الراء و يفتحون الهمزة و الباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء و الهمزة، و اتفقوا في رأوك، و رأوه أنه بالفتح. قال الواحدي: أما من فتح الراء و الهمزة فعلته واضحة هي ترك الألف على الأصل نحو: رعى و رمى. و أما من فتح الراء و كسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء و ترك الراء مفتوحة على الأصل. و أما من كسر هما جميعا فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة، و الواحدي طول في هذا الباب في «كتاب البسيط» فليرجع إليه. و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار و تركته أمه و كان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة. و قال القاضي: كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم، و هذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من اللََّه فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي. و أما عند أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة و اللََّه أعلم.

المسألة السادسة: أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون ربا له و خالقا له. و يجب علينا هاهنا أن نبحث عن أمرين أحدهما: أن الأفول ما هو؟و الثاني: أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟فنقول: الأفول عبارة عن غيبوبة الشي‏ء بعد ظهوره.

43

و إذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل، فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة و على هذا التقدير، فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع و عول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟ و الجواب: لا شك أن الطلوع و الغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى اللََّه لا بد و أن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي و الغبي و العاقل. و دلالة الحركة على الحدوث و إن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق. أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم. و أيضا قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الإمكان أفول، و أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص و حصة الأوساط و حصة العوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، و كل ممكن محتاج و المحتاج: لا يكون مقطوع الحاجة، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ [النجم: 42]و أما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث، و كل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر. فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل. و أما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب و هم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول و الغروب فإنه يزول نوره و ينتقض ضوءه و يذهب سلطانه و يصير كالمعزول و من يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ كلمة مشتملة على نصيب المقربين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل و أفضل البراهين.

و فيه دقيقة أخرى: و هو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم و هم كانوا منجمين. و مذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي و يكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير. أما إذا كان غريبا و قريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة. فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز و كماله إلى النقصان، و مذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي، يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير، عاجزا عن التدبير، و ذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته و اللََّه أعلم.

أما المقام الثاني: و هو بيان أن كون الكوكب آفلا يمنع من ربوبيته. فلقائل أيضا أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالا على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه ربا لإبراهيم و معبودا له، ألا ترى أن المنجمين و أصحاب الوسائط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب و أبدعها و أحدثها، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات و الحيوان في هذا العالم الأسفل، فثبت أن أفول الكواكب و إن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أربابا للإنسان و آلهة لهذا العالم. و الجواب: لنا هاهنا مقامان:

المقام الأول: أن يكون المراد من الرب و الإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات، و متى ثبت بأفول الكواكب حدوثها، و ثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثا، فإنه يكون في وجوده محتاجا إلى الغير.

وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها، و متى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أربابا و آلهة.

بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أربابا و آلهة بهذا التفسير. ـ

44

المقام الثاني: أن يكون المراد من الرب و الإله. من يكون خالقا لنا و موجدا لذواتنا و صفاتنا. فنقول:

أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق و الإيجاد و على أنه لا يجوز عبادتها و بيانه من وجوه: الأول:

أن أفولها يدل على حدوثها. و حدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر و يجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية. و إلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر، و لزم التسلسل و هو محال، فثبت أن قادريته أزلية.

و إذا ثبت هذا فنقول: الشي‏ء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدورا له باعتبار إمكانه و الإمكان واحد في كل الممكنات. فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدورا للََّه تعالى فهو حاصل في كل الممكنات، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدوره للََّه تعالى.

و إذا ثبت هذا امتنع وقوع شي‏ء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول.

فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة، و إن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، و أيضا فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد و الإبداع، و إن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة. و دلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات، فأما التفريع و التفصيل، فذاك إنما يليق بعلم الجدل. فلما ذكر اللََّه تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفي بذكر هما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد و الإبداع، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أربابا و آلهة لحوادث هذا العالم.

الوجه الثاني: أن أفول الكواكب يدل على حدوثها و حدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك و الكواكب، و من كان قادرا على خلق الكواكب و الأفلاك من دون واسطة أي شي‏ء كان فبأن يكون قادرا على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشي‏ء الأعظم لا بد و أن يكون قادرا على خلق الشي‏ء الأضعف، و إليه الإشارة بقوله تعالى: لَخَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنََّاسِ [غافر: 57]و بقوله: أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ََ وَ هُوَ اَلْخَلاََّقُ اَلْعَلِيمُ [يس: 81]فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادرا على خلق البشر، و على تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية و إذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس و النجوم و القمر.

الوجه الثالث: أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة و خالقة، لبقي هذا الاحتمال في الكل و حينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب. أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكا في معرفة خالقه. أما لو عرفنا الكل و أسندنا الخلق و الإيجاد و التدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق و الموجد و يمكننا الاشتغال بعبادته و شكره، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم و أربابا للحيوان و الإنسان. و اللََّه أعلم. فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل.

فإن قيل: لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار و ليل، و كان أفول الكواكب و القمر و الشمس حاصلا في الليل السابق و النهار السابق و بهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة.

45

و الجواب أنا بينا أنه صلوات اللََّه عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد. فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالسا مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي و زجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضي‏ء. فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلها لما انتقل من الصعود إلى الأفول و من القوة إلى الضعف. ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر و أفل. فأعاد عليهم ذلك الكلام، و كذا القول في الشمس، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات اللََّه عليه و سلامه عليه.

المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه و حمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب، و القمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، و الشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك، و كان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها، و زعم أن المراد من قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها، و كل ممكن فلا بد له من مؤثر، و لا بدله من الانتهاء إلى واجب الوجود.

و أعلم أن هذا الكلام لا بأس به. إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه، و من الناس من حمل الكوكب على الحس و القمر على الخيال و الوهم، و الشمس على العقل، و المراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية، و مدبر العالم مستول عليها قاهر لها و اللََّه أعلم.

المسألة السابعة: دل قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ على أحكام:

الحكم الأول هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا فكان آفلا أبدا، و أيضا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة و يصعد من السماء إلى العرش أخرى، و إلا لحصل معنى الأفول.

الحكم الثاني هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، و إلا لكان متغيرا، و حينئذ يحصل معنى الأفول، و ذلك محال.

الحكم الثالث تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على التقليد، و إلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة.

46

الحكم الرابع تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية، و إلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال.

الحكم الخامس تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة اللََّه تعالى إلا بالنظر و الاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة و اللََّه أعلم.

أما قوله تعالى: فَلَمََّا رَأَى اَلْقَمَرَ بََازِغاً قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ .

ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، و بزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع. و نجوم بوازغ.

قال الأزهري: كأنه مأخوذ في البزغ و هو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا، و معنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب.

المسألة الثانية: دل قوله: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ على أن الهداية ليست إلا من اللََّه تعالى. و لا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن و إزاحة الأعذار و نصب الدلائل. لأن كل ذلك كان حاصلا، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد و أن تكون زائدة عليها.

و اعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى اللََّه تعالى، و كذا في قوله: اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ و كذا في قوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ .

أما قوله: فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي هََذََا أَكْبَرُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة، و لم يقل هذه لوجوه: أحدها: أن الشمس بمعنى الضياء و النور، فحمل اللفظ على التأويل فذكر. و ثانيها: أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر و كان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين، و ثالثها: أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه، و رابعها: المقصود منه رعاية الأدب، و هو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية.

المسألة الثانية: قوله: هََذََا أَكْبَرُ المراد منه أكبر الكواكب جرما و أقواها قوة، فكان أولى بالآلهية.

فإن قيل: لما كان الأفول حاصلا في الشمس و الأفول يمنع من صفة الربوبية، و إذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر و لسائر الكواكب أولى. و بهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر و الكواكب. فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز و الاختصار؟ قلنا: إن الأخذ من الأدون فالأدون، مترقيا إلى الأعلى فالأعلى، له نوع تأثير في التقرير و البيان و التأكيد لا يحصل من غيره، فكان ذكره على هذا الوجه أولى.

47

أما قوله: قََالَ يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية و الإلهية، لا جرم تبرأ من الشرك.

و لقائل أن يقول: هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب و الشمس و القمر لا تصلح للربوبية و الإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقا و إثبات التوحيد، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقا.

و الجواب: أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء و إنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أربابا و لا آلهة، و ثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق.

أما قوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: فتح الياء من وَجْهِيَ نافع و ابن عامر و حفص عن عاصم، و الباقون تركوا هذا الفتح.

المسألة الثانية: هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره. بل المراد وجهت عبادتي و طاعتي، و سبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره، فإنه يتوجه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

و أما قوله: لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ ففيه دقيقة: و هي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات و الأرض. بل ترك هذا اللفظ و ذكر قوله: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي و المعنى: أن توجيه وجه القلب ليس إليه، لأنه متعال عن الحيز و الجهة، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته و طاعته لأجل عبوديته، فترك كلمة «إلى» هنا و الاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود/متعاليا عن الحيز و الجهة، و معنى فطر أخرجهما إلى الوجود، و أصله من الشق، يقال: تفطر الشجر بالورق و الورد إذا أظهر هما، و أما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته، و قيل إنه العادل عن كل معبود دون اللََّه تعالى.

المسألة الأولى‏ اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة، فالقوم أوردوا عليه حججا على صحة أقوالهم، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم: إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ* [الزخرف: 23]و كقولهم للرسول عليه السلام: أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ عُجََابٌ [ص: 5]و منها: أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في الهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات و البليات، و نظيره ما حكاه اللََّه تعالى في قصة قوم هود: إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَرََاكَ بَعْضُ آلِهَتِنََا بِسُوءٍ [هود: 54]فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام.

فأجاب اللََّه عن حجتهم بقوله: قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانِ ، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية و اليقين صحة قولي، فكيف يلتفت إلى حجتكم العليلة، و كلماتكم الباطلة.

48

و أجاب عن حجتهم الثانية و هي: أنهم خوفوه بالأصنام بقوله: وَ لاََ أَخََافُ مََا تُشْرِكُونَ بِهِ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع و الضر، و الأصنام جمادات لا تقدر و لا قدرة لها على النفع و الضر، فكيف يحصل الخوف منها؟ فإن قيل: لا شك أن للطلسمات آثارا مخصوصة، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة؟ قلنا: الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب، و قد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق اللََّه تعالى فيكون الرجاء و الخوف في الحقيقة ليس إلا من اللََّه تعالى.

و أما قوله: إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ رَبِّي ففيه وجوه: أحدها: إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي. /و ثانيها: إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه. و ثالثها: إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها و يمكنها من ضري و نفعي و يقدرها على إيصال الخير و الشر إلي، و اللفظ يحتمل كل هذه الوجوه، و حاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شي‏ء من المكاره، و الحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شي‏ء من المكاره لم يحمل على هذا السبب.

ثم قال عليه السلام: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح و الخير و الحكمة، فبتقدير: أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح و الخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام.

ثم قال: أَ فَلاََ تَتَذَكَّرُونَ و المعنى: أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء و الأضداد و الأنداد عن اللََّه تعالى لا يوجب حلول العقاب و نزول العذاب، و السعي في إثبات التوحيد و التنزيه لا يوجب استحقاق العقاب. و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قرأ نافع و ابن عامر أَ تُحََاجُّونِّي خفيفة النون على حذف أحد النونين و الباقون على التشديد على الإدغام. و أما قوله: وَ قَدْ هَدََانِ قرأ نافع و ابن عامر هداني بإثبات الياء على الأصل و الباقون بحذفها للتخفيف.

المسألة الثالثة: أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في اللََّه و هو قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ و القوم أيضا حاجوه في اللََّه، و هو قوله تعالى خبرا عنهم: وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في اللََّه تارة تكون موجبة للمدح العظيم و الثناء البالغ، و هي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام، و ذلك المدح و الثناء هو قوله تعالى: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ و تارة تكون موجبة للذم و هو قوله: قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ و لا فرق بين هذين البابين لا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح و الثناء، و المحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم و الزجر.

و إذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانونا معتبرا، فكل موضع جاء في القرآن و الأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة و المناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل، و كل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق و المذهب الصدق. و اللََّه أعلم.

49

اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول، و التقدير: و كيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع و الضر، و أنتم لا تخافون من الشرك الذي هو أعظم الذنوب. و قوله: مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََاناً فيه وجهان: الأول: أن قوله: مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََاناً كناية عن امتناع وجود الحجة و السلطان في مثل هذه القصة. و نظيره قوله تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون: 117]و المراد منه امتناع حصول البرهان فيه، و الثاني: أنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل و الصور قبلة للدعاء و الصلاة فقوله: مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََاناً معناه: عدم ورود الأمر به. و حاصل هذا الكلام: ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن، و لا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟و لم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ احترازا من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله: فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ يعني فريقي المشركين و الموحدين. }ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ و هذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة، و المعنى: أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: أولهما: الإيمان و هو كمال القوة النظرية. و ثانيهما: وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ و هو كمال القوة العملية.

ثم قال: أُولََئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه و المعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر. أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، و لو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثا، فثبت أن الفاسق مؤمن و بطل به قول المعتزلة، و أما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين، الإيمان و عدم الظلم، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق و ذلك يوجب حصول الوعيد له.

و أجاب أصحابنا عنه من وجهين:

الوجه الأول: أن قوله: وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ المراد من الظلم الشرك، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه: يََا بُنَيَّ لاََ تُشْرِكْ بِاللََّهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]فالمراد هاهنا الذين آمنوا باللََّه و لم يثبتوا للََّه شريكا في المعبودية.

و الدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء و الأضداد و الأنداد، و ليس فيها ذكر الطاعات و العبادات، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك.

الوجه الثاني: في الجواب: أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه اللََّه، و يحتمل أن يعفو عنه، و على كلا التقديرين: فالأمن زائل و الخوف حاصل، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب؟و اللََّه أعلم.

50

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وَ تِلْكَ إشارة إلى كلام تقدم و فيه وجوه: الأول: أنه إشارة إلى قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ و الثاني: أنه إشارة إلى أن القوم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم. فقال لهم:

أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك باللََّه و سويتم في العبادة بين خالق العالم و مدبره و بين الخشب المنحوت و الصنم المعمول؟و الثالث: أن المراد هو الكل.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: وَ تِلْكَ مبتدأ و قوله: حُجَّتُنََا خبره و قوله: آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ صفة لذلك الخبر.

المسألة الثانية: قوله: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء اللََّه و بإظهاره تلك الحجة في عقله، و ذلك يدل على أن الإيمان و الكفر لا يحصلان إلا بخلق اللََّه تعالى. و يتأكد هذا أيضا بقوله: نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة، و لو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل اللََّه تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه/و حينئذ كان قوله: نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ باطلا. فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى و الضلال.

المسألة الثالثة: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر و تقرير الحجة و ذكر الدليل. لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة و الفوز بالدرجات العالية، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد و قررها و ذب عنها و ذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة و الرسالة أعلى و أشرف من هذه المرتبة.

المسألة الرابعة: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي دَرَجََاتٍ بالتنوين من غير إضافة و الباقون بالإضافة، فالقراءة الأولى معناها: نرفع من نشاء درجات كثيرة، فيكون «من» في موضع النصب. قال ابن مقسم: هذه القراءة أدل على تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة و الرفعة. و قال أبو عمرو: الإضافة تدل على الدرجة الواحدة و على الدرجات الكثيرة و التنوين لا يدل إلا على الدرجات الكثيرة.

المسألة الخامسة: اختلفوا في تلك الدرجات. قيل: درجات أعماله في الآخرة، و قيل: تلك الحجج درجات رفيعة، لأنها توجب الثواب العظيم. و قيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة و الحكمة، و في الآخرة بالجنة و الثواب. و قيل: نرفع درجات من نشاء بالعلم. و اعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة في الصفات الروحانية و في البعد عن الصفات الجسمانية.

و الدليل عليه: أنه تعالى قال: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ .

ثم قال بعده: نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ و ذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة، و هذا يقتضي أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة و اطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني، إلى أعالي العالم الروحاني، و ذلك يدل على أنه لا رفعة و لا سعادة إلا في الروحانيات. و اللََّه أعلم. ـ

51

و أما معنى حَكِيمٌ عَلِيمٌ فالمعنى أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة و العلم، لا بموجب الشهوة و المجازفة. فإن أفعال اللََّه منزهة عن العبث و الفساد و الباطل.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة اللََّه تعالى في التوحيد و نصرها و ذب عنها عدد وجوه نعمه و إحسانه عليه. فأولها: قوله: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ و المراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة و هديناه إليها و أوقفنا عقله على حقيقتها. و ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة و هو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك. فعلنا، و قلنا، و ذكرنا. و لما ذكر نفسه تعالى هاهنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة، و ذلك يدل على أن إيتاء اللََّه تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، و من أجل مراتب العطايا و المواهب. و ثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة و الاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة. و هي قوله: نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ و ثالثها: أنه جعله عزيزا في الدنيا، و ذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس و هم الأنبياء و الرسل من نسله، و من ذريته و أبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء و الملوك، و المقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم اللََّه على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد، فقال:

وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ لصلبه وَ يَعْقُوبَ بعده من إسحاق.

فإن قالوا: لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟قلنا: لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، و هم بأسرهم أولاد إسحاق و يعقوب. و أما إسماعيل فإنه/ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، و لا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة و السلام في هذا المقام، لأنه تعالى أمر محمدا عليه الصلاة و السلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك باللََّه بأن إبراهيم لما ترك الشرك و أصر على التوحيد رزقه اللََّه النعم العظيمة في الدين و الدنيا، و من النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه اللََّه أولادا كانوا أنبياء و ملوكا، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة و السلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق.

و أما قوله: وَ نُوحاً هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب، و ذلك لأنه رزقه أولادا مثل إسحاق، و يعقوب. و جعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما، و أخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل‏

52

نوح. و إدريس، و شيث. فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد و بحسب الآباء.

أما قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ فقيل المراد و من ذرية نوح، و يدل عليه وجوه: الأول: أن نوحا أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب. الثاني: أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطا و هو كان ابن أخ إبراهيم و ما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح عليه السلام، و كان رسولا في زمان إبراهيم. الثالث: أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته، فعلى هذا إسماعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم، بل هو من ذرية نوح عليه السلام. الرابع: قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام، و كان من ذرية نوح عليه السلام.

و القول الثاني: أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام، و التقدير: و من ذرية إبراهيم داود و سليمان.

و احتج القائلون بهذا القول: بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات و إنما ذكر اللََّه تعالى نوحا لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم.

و اعلم أنه تعالى ذكر أولا أربعة من الأنبياء، و هم: نوح، و إبراهيم، و إسحاق، و يعقوب. ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء: داود، و سليمان، و أيوب، و يوسف، و موسى، و هارون، و زكريا، و يحيى، و عيسى، و إلياس، و إسماعيل، و اليسع، و يونس، و لوطا، و المجموع ثمانية عشر.

فإن قيل: رعاية الترتيب واجبة، و الترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل و الدرجة و إما أن يعتبر بحسب الزمان و المدة، و الترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه؟ قلنا: الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب، و أحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل هاهنا مع أنه لا يفيد الترتيب ألبتة، لا بحسب الشرف و لا بحسب الزمان/و أقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب، و ذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام و الفضل.

فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك و السلطان و القدرة، و اللََّه تعالى قد أعطى داود و سليمان من هذا الباب نصيبا عظيما.

و المرتبة الثانية: البلاء الشديد و المحنة العظيمة، و قد خص اللََّه أيوب بهذه المرتبة و الخاصية.

و المرتبة الثالثة: من كان مستجمعا لهاتين الحالتين، و هو يوسف عليه السلام، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر.

و المرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء عليهم السلام و خواصهم قوة المعجزات و كثرة البراهين و المهابة العظيمة و الصولة الشديدة و تخصيص اللََّه تعالى إياهم بالتقريب العظيم و التكريم التام، و ذلك كان في حق موسى و هارون.

و المرتبة الخامسة: الزهد الشديد و الإعراض عن الدنيا، و ترك مخالطة الخلق، و ذلك كما في حق زكريا و يحيى و عيسى و إلياس، و لهذا السبب وصفهم اللََّه بأنهم من الصالحين.

و المرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع و أشياع، و هم إسماعيل، و اليسع،

53

و يونس، و لوط. فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه.

المسألة الثانية: قال تعالى: وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنََا اختلفوا في أنه تعالى إلى ما ذا هداهم؟و كذا الكلام في قوله: وَ نُوحاً هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ و كذا قوله في آخر الآية: ذََلِكَ هُدَى اَللََّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ .

قال بعض المحققين: المراد من هذه الهداية الثواب العظيم، و هي الهداية إلى طريق الجنة، و ذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها: وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ و ذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم و جزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة. فأما الإرشاد إلى الدين و تحصيل المعرفة في قلبه، فإنه لا يكون جزاء له على عمله، و أيضا لا يبعد أن يقال: المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين و المعرفة، و إنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، فاللََّه تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق، كما قال: وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا [العنكبوت: 69].

و القول الثالث: أن المراد من هذه الهداية: الإرشاد إلى النبوة و الرسالة، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك.

فإن قالوا: لو كان الأمر كذلك لكان قوله: وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل، و ذلك عندكم باطل.

قلنا: يحمل قوله: وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ على الجزاء الذي هو الثواب و الكرامة، فيزول الإشكال. و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام: وَ كلاًّ فَضَّلْنََا عَلَى اَلْعََالَمِينَ و ذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى اللََّه تعالى، فيدخل في لفظ العالم الملائكة، فقوله تعالى: وَ كلاًّ فَضَّلْنََا عَلَى اَلْعََالَمِينَ يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين. و ذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة، و من الأحكام المستنبطة من هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء، لأن عموم قوله تعالى: وَ كلاًّ فَضَّلْنََا عَلَى اَلْعََالَمِينَ يوجب ذلك. قال بعضهم:

وَ كلاًّ فَضَّلْنََا عَلَى اَلْعََالَمِينَ معناه فضلناه على عالمي زمانهم. قال القاضي: و يمكن أن يقال المراد: و كلاّ من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين. ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة و الكسائي و الليسع بتشديد اللام و سكون الياء، و الباقون وَ اَلْيَسَعَ بلام واحدة. قال الزجاج: يقال فيه الليسع و اليسع بتشديد اللام و تخفيفها.

المسألة الخامسة: الآية تدل على أن الحسن و الحسين من ذرية رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، لأن اللََّه تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم، فكذلك الحسن و الحسين من ذرية رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، و إن‏

54

انتسبا إلى رسول اللََّه بالأم وجب كونهما من ذريته، و يقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف.

المسألة السادسة: قوله تعالى: وَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ وَ إِخْوََانِهِمْ يفيد أحكاما كثيرة: الأول: أنه تعالى ذكر الآباء و الذريات و الاخوان، فالآباء هم الأصول، و الذريات هم الفروع، و الاخوان فروع الأصول، و ذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف و الكرامة، و الثاني: أنه تعالى قال: وَ مِنْ آبََائِهِمْ و كلمة «من» للتبعيض.

فإن قلنا: المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب و الجنة و الهداية إلى الإيمان و المعرفة، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن و لا و اصل إلى الجنة. أما لو قلنا: المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك. الثالث: أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان/قوله: وَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ وَ إِخْوََانِهِمْ كالدلالة على أن شرط كون الإنسان رسولا من عند اللََّه أن يكون رجلا، و أن المرأة لا يجوز أن تكون رسولا من عند اللََّه تعالى، و قوله تعالى بعد ذلك: وَ اِجْتَبَيْنََاهُمْ يفيد النبوة، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا الحمل على النبوة و الرسالة.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ هُدَى اَللََّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ و اعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد و تنزيه اللََّه تعالى عن الشرك، لأنه قال بعده: وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 88]و ذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جاريا مجرى الأمر المضاد للشرك.

و إذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة اللََّه بوحدانيته. ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من اللََّه تعالى، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا يخلق اللََّه تعالى، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال: وَ لَوْ أَشْرَكُوا و المعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم و عباداتهم. و المقصود منه تقرير التوحيد و إبطال طريقة الشرك. و أما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة. و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى أُولََئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ اعلم أن قوله: أُولََئِكَ إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك و هم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم اللََّه تعالى قبل ذلك، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب و الحكم و النبوة.

و اعلم أن العطف يوجب المغايرة، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد و أن تدل على أمور ثلاثة متغايرة.

و اعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: أحدها: الذين يحكمون على بواطن الناس و على أرواحهم، و هم العلماء. و ثانيها: الذين يحكمون على ظواهر الخلق، و هم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر و السلطنة، و ثالثها: الأنبياء، و هم الذين أعطاهم اللََّه تعالى من العلوم و المعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق و أرواحهم، و أيضا أعطاهم من القدرة و الممكنة ما لأجله/يقدرون على التصرف في‏