التفسير الكبير - ج15

- الفخر الرازي‏ المزيد...
536 /
365

الجزء الخامس عشر

تتمة سورة الأعراف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في قوله تعالى سَأَصْرِفُ عَنْ آيََاتِيَ اَلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا في الآية مسائل:

المسألة الاولى: ذكر في الآية ما يعاملهم به‏ اعلم انه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: سَأُرِيكُمْ دََارَ اَلْفََاسِقِينَ [الأعراف:

145]ذكر في الآية ما يعاملهم به فقال: سَأَصْرِفُ عَنْ آيََاتِيَ اَلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي اَلْأَرْضِ و احتج أصحابنا بهذه الآية على انه تعالى قد يمنع عن الايمان و يصد عنه و ذلك ظاهر و قالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه و يدل عليه وجوه:

الوجه الاول: قال الجبائي لا يجوز ان يكون المراد منه انه تعالى يصرفهم عن الايمان بآياته لان قوله:

سَأَصْرِفُ يتناول المستقبل و قد بين تعالى انهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق و بأنهم ان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا و ان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا فثبت ان الآية دالة على ان الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي فهذا يدل على انه ليس المراد من هذا الصرف الكفر باللّه.

الوجه الثاني: ان قوله: سَأَصْرِفُ عَنْ آيََاتِيَ اَلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي اَلْأَرْضِ مذكور على وجه العقوبة على التكبر و الكفر فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم لكان معناه انه تعالى/خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على اقدامهم على الكفر و معلوم ان العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز فثبت انه ليس المراد من هذا الصرف الكفر.

الوجه الثالث: انه لو صرفهم عن الايمان و صدهم عنه فكيف يمكن ان يقول مع ذلك‏ فَمََا لَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [الانشقاق: 20] فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] وَ مََا مَنَعَ اَلنََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا* [الإسراء: 94 الكهف: 55]فثبت ان حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه اخرى.

فالوجه الاول: قال الكعبي و ابو مسلم الاصفهاني: ان هذا الكلام تمام لما وعد اللّه موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه و معنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها و لا على منع المؤمنين من الايمان بها و هو شبيه بقوله: بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ‏

366

اَلنََّاسِ [المائدة: 67]فأراد تعالى ان يمنع اعداء موسى عليه السلام من إيذائه و منعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة و الرسالة.

و الوجه الثاني: في التأويل ما ذكره الجبائي فقال: سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز و الكرامة المعدين للانبياء و المؤمنين و انما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل و الإذلال بهم و ذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم و تكبرهم على اللّه.

و الوجه الثالث: ان من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها الا بعد سبق الايمان. فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات فحينئذ يصرفهم اللّه عنها.

و الوجه الرابع: ان اللّه تعالى إذا علم من حال بعضهم انه إذا شاهد تلك الآيات فانه لا يستدل بها بل يستخف بها و لا يقوم بحقها فإذا علم اللّه ذلك منه صح من اللّه تعالى ان يصرفه عنها.

و الوجه الخامس: نقل عن الحسن انه قال: ان من الكفار من يبالغ في كفره و ينتهي الى الحد الذي إذا وصل اليه مات قلبه فالمراد من قوله: سَأَصْرِفُ عَنْ آيََاتِيَ هؤلاء. فهذا جملة ما قيل في هذا الباب و ظهر ان هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسالة خلق الأعمال. و اللّه اعلم.

المسألة الثانية: معنى يتكبرون: انهم يرون انهم أفضل الخلق و ان لهم من الحق ما ليس لغيرهم و هذه الصفة اعني التكبر لا تكون الا للّه تعالى، لأنه هو الذي له القدرة و الفضل الذي ليس لاحد فلا جرم يستحق كونه متكبرا، و قال بعضهم: التكبر: اظهار كبر النفس على غيرها. و صفة التكبر صفة ذم في جميع العباد و صفة مدح في اللّه جل جلاله، لأنه يستحق اظهار ذلك على من سواه لان ذلك في حقه حق. و في حق غيره باطل.

و اعلم انه تعالى ذكر في هذه الآية قوله: بِغَيْرِ اَلْحَقِّ لان اظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق فان للمحق ان يتكبر على المبطل و في الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة.

اما قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلرُّشْدِ لاََ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ففيه مباحث:

البحث الاول: قرا حمزة و الكسائي الرشد بفتح الراء و الشين و الباقون بضم الراء و سكون الشين.

و فرق ابو عمرو بينهما فقال: اَلرُّشْدِ بضم الراء الصلاح. لقوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء:

6]اي صلاحا، و الرشد فتحهما الاستقامة في الدين. قال تعالى: مِمََّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف: 66] و قال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد مثل الحزن و الحزن و السقم و السقم و قيل: اَلرُّشْدِ بالضم الاسم و بالفتحتين المصدر.

البحث الثاني: سَبِيلَ اَلرُّشْدِ عبارة عن سبيل الهدى و الدين الحق و الصواب في العلم و العمل و سَبِيلَ اَلغَيِّ ما يكون مضادا لذلك ثم بين تعالى ان هذا الصرف انما كان لأمرين: أحدهما: كونهم مكذبين بآيات اللّه. و الثاني: كونهم غافلين عنها و المراد انهم واظبوا على الاعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها. و اللّه اعلم.

367

اعلم انه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ [الأعراف: 146]بين حال أولئك المكذبين فقد كان يجوز ان يظن انهم يختلفون في باب العقاب لان فيهم من يعمل بعض اعمال البر فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبرا او متواضعا او كان قليل الإحسان او كان كثير الإحسان فقال: وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ لِقََاءِ اَلْآخِرَةِ يعني بذلك جحدهم للميعاد و جراءتهم على المعاصي فبين تعالى ان أعمالهم محبطة و الكلام في حقيقة الإحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة.

ثم قال تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاََّ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ و فيه حذف و التقدير: هل يجزون الا بما كانوا يعملون؟او على ما كانوا يعملون. و احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول ابي هاشم في ان تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ان لا يفعل الواجب و ان لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا: هذه الآية تدل على انه لا جزاء الا على العمل و ليس ترك الواجب بعمل فوجب ان لا يجازي/عليه فثبت ان الجزاء انما حصل على فعل ضده. و أجاب ابو هاشم: باني لا اسمي ذلك العقاب جزاء فسقط الاستدلال.

و أجاب أصحابنا عن هذا الجواب: بان الجزاء انما سمي جزاء لأنه يجزي و يكفي في المنع من النهي و في الحث على المأمور به فان ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب كان ذلك العقاب كافيا في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء، فثبت انه لا سبيل الى الامتناع من تسميته جزاء. و اللّه اعلم.

في قوله تعالى وَ اِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى‏ََ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ اعلم ان المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل و فيها مسائل:

المسألة الاولى: قرا حمزة و الكسائي حُلِيِّهِمْ بكسر الحاء و اللام و تشديد الياء للاتباع كدلي. و الباقون حُلِيِّهِمْ بضم الحاء و كسر اللام و تشديد الياء جمع حلي كثدي و ثدي و قرا بعضهم مِنْ حُلِيِّهِمْ على التوحيد و الحلي اسم ما يتحسن به من الذهب و الفضة.

المسألة الثانية: قيل ان بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه و يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم فلما أغرق اللّه القبط بقيت تلك الحلي في ايدي بني إسرائيل فجمع السامري تلك الحلي و كان رجلا مطاعا فيهم ذا قدر و كانوا قد سألوا موسى عليه السلام ان يجعل لهم الها يعبدونه فصاغ السامري عجلا.

ثم اختلف الناس فقال قوم كان قد أخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحما و دما و ظهر منه الخوار مرة واحدة. فقال السامري: هذا إلهكم و اله موسى!و قال اكثر المفسرين من المعتزلة انه كان قد جعل ذلك العجل مجوفا و وضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص و كان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب و يظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل و قال آخرون انه جعل ذلك التمثال أجوف و جعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار. قال صاحب هذا القول و الناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك، فبهذا الطريق و غيره‏

368

اظهر الصوت من ذلك التمثال ثم القى الى الناس/ان هذا العجل إلههم و اله موسى. بقي في لفظ الآية سؤالات:

السؤال الاول: لم قيل وَ اِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى‏ََ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً و المتخذ هو السامري وحده؟ و الجواب فيه و جهان: الاول: ان اللّه نسب الفعل إليهم، لان رجلا منهم باشره كما يقال: بنو تميم قالوا كذا و فعلوا كذا و القائل و الفاعل واحد، و الثاني: انهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم اجتمعوا عليه.

السؤال الثاني: لم قال: مِنْ حُلِيِّهِمْ و لم يكن الحلي لهم و انما حصل في أيديهم على سبيل العارية؟ و الجواب: انه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم و صارت ملكا لهم كسائر املاكهم بدليل قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ [الدخان: 25] وَ كُنُوزٍ وَ مَقََامٍ كَرِيمٍ [الشعراء:

58] وَ نَعْمَةٍ كََانُوا فِيهََا فََاكِهِينَ*`كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان: 27 28].

السؤال الثالث: هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى او بعضهم؟ و الجواب: ان قوله تعالى: وَ اِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى‏ََ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً يفيد العموم. قال الحسن:

كلهم عبدوا العجل غير هارون. و احتج عليه بوجهين: الاول: عموم هذه الآية، و الثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي قال خص نفسه و أخاه بالدعاء و ذلك يدل على ان من كان مغايرا لهما ما كان أهلا للدعاء و لو بقوا على الايمان لما كان الأمر كذلك و قال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فان ذلك الكفر انما وقع في قوم مخصوصين و الدليل عليه قوله تعالى: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ََ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 181].

السؤال الرابع: هل انقلب ذلك التمثال لحما و دما على ما قاله بعضهم او بقي ذهبا كما كان قبل ذلك؟ و الجواب: الذاهبون الى الاحتمال الاول احتجوا على صحة قولهم بوجهين: الاول: قوله تعالى:

عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ و الجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم و الدم و منهم من نازع في ذلك و قال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف سواء كان من اللحم و الدم او لم يكن كذلك.

و الحجة الثانية: انه تعالى اثبت له خوارا و ذلك انما يتأتى في الحيوان. و أجيب عنه: بان ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد اطلاق لفظ الخوار عليه و قرا علي رضي اللّه عنه: (جؤار) بالجيم و الهمزة من جار إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب.

في قوله تعالى أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاََ يُكَلِّمُهُمْ وَ لاََ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَ كََانُوا ظََالِمِينَ و اعلم انه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب و المقالة احتج على فساد كون ذلك العجل الها بقوله:

أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاََ يُكَلِّمُهُمْ وَ لاََ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَ كََانُوا ظََالِمِينَ و تقرير هذا الدليل ان هذا العجل لا يمكنه ان يكلمهم و لا يمكنه ان يهديهم الى الصواب و الرشد و كل من كان كذلك كان اما جمادا و اما حيوانا عاجزا و على التقديرين فانه لا يصلح للالهية و احتج أصحابنا بهذه الآية على ان من لا يكون متكلما و لا هاديا الى السبيل لم يكن الها لان الإله هو الذي له الأمر و النهي و ذلك لا يحصل الا إذا كان متكلما فمن لا يكون‏

369

متكلما لم يصح منه الأمر و النهي و العجل عاجز عن الأمر و النهي فلم يكن الها. و قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على ان شرط كونه الها ان يكون هاديا الى الصدق و الصواب فمن كان مضلا عنه وجب ان لا يكون الها.

فان قيل: فهذا يوجب انه لو صح ان يتكلم و يهدي يجوز ان يتخذ الها و الا فان كان اثبات ذلك كنفيه في انه لا يجوز ان يتخذ الها فلا فائدة فيما ذكرتم.

و الجواب من وجهين: الاول: لا يبعد ان يكون ذلك شرطا لحصول الإلهية فيلزم من عدمه عدم الإلهية و ان كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية. الثاني: ان كل من قدر على ان يكلمهم و على ان يهديهم الى الخير و الشر فهو اله و الخلق لا يقدرون على الهداية انما يقدرون على وصف الهداية فاما على وضع الدلائل و نصبها فلا قادر عليه الا اللّه سبحانه و تعالى.

و اعلم انه ختم الآية بقوله: وَ كََانُوا ظََالِمِينَ اي كانوا ظالمين لأنفسهم حيث اعرضوا عن عبادة اللّه تعالى و اشتغلوا بعبادة العجل. و اللّه اعلم.

اعلم انهم اتفقوا على ان المراد من قوله: سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ انه اشتد ندمهم على عبادة العجل و اختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة.

فالوجه الاول: قال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، اي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه و ان كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد الا انهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب و النفس كونه واقعا في اليد فكذا هاهنا.

و الوجه الثاني: قال صاحب «الكشاف» : انما يقال لمن ندم سقط في يده لان من شأن من اشتد ندمه ان يعض يده غما فيصير ندمه مسقوطا فيها لان فاه قد وقع فيها.

و الوجه الثالث: ان السقوط عبارة عن نزول الشي‏ء من أعلى الى أسفل و لهذا قالوا سقط المطر و يقال:

سقط من يدك شي‏ء و أسقطت المرأة فمن اقدم على عمل فهو انما يقدم عليه لاعتقاده ان ذلك العمل خير و صواب و ان ذلك العمل يورثه شرفا و رفعة فإذا بان له ان ذلك العمل كان باطلا فاسدا فكأنه قد انحط من الأعلى الى الأسفل و سقط من فوق الى تحت فلهذا السبب يقال للرجل إذا أخطأ: كان ذلك منه سقطة شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض فثبت ان اطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن بقي ان يقال: فما الفائدة في ذكر اليد؟فنقول: اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان على الأخذ و الضبط و الحفظ فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم و يشتغل بتلافيها فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث ان بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك و التلافي.

و الوجه الرابع: حكى الواحدي عن بعضهم: ان هذا مأخوذ من السقيط و هو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج. يقال: منه سقطت الأرض كما يقال: من الثلج ثلجت الأرض و ثلجنا اي اصابها الثلج و معنى سقط

370

في يده اي وقع في يده السقيط، و السقيط يذوب بادنى حرارة و لا يبقى فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شي‏ء قط فصار هذا مثلا لكل من خسر في عاقبته و لم يحصل من سعيه على طائل و كانت الندامة آخر امره.

و الوجه الخامس: قال بعض العلماء: النادم انما يقال له سقط في يده لأنه يتحير في امره و يعجز عن اعماله و الآلة الاصلية في الأعمال في اكثر الأمر هي اليد. و العاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم ان السقوط في اليد انما حصل بسبب العجز التام و يقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع، ضلت يده و رجله.

و الوجه السادس: ان من عادة النادم ان يطأطئ رأسه و يضعه على يده معتمدا عليه و تارة يضعها تحت ذقنه و شطر من وجه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها و يكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم كقوله: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ [طه: 71]اي عليها. و اللّه اعلم.

ثم قال تعالى: وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا اي قد تبينوا ضلالهم تبيينا كأنهم ابصروه بعيونهم قال القاضي:

يجب ان يكون المؤخر مقدما لان الندم و التحير انما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال. /و لما رأوا انهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة و يمكن ان يقال انه لا حاجة الى هذا التقديم و التأخير و ذلك لان الإنسان إذا صار شاكا في ان العمل الذي اقدم عليه هل هو صواب او خطا؟فقد يندم عليه من حيث ان الاقدام على ما لا يعلم كونه صوابا او خطا فاسدا او باطلا غير جائز فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم ثم بعد ذلك يتكامل العلم و يظهر انه كان خطا و فاسدا و باطلا فثبت ان على هذا التقدير لا حاجة الى التزام التقديم و التأخير. ثم بين تعالى انهم عند ظهور هذا الندم و حصول العلم بان الذي عملوه كان باطلا أظهروا الانقطاع الى اللّه تعالى فـ قََالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنََا رَبُّنََا وَ يَغْفِرْ لَنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و هذا كلام من اعترف بعظيم ما اقدم عليه و ندم على ما صدر منه و رغب الى ربه في اقالة عثرته ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين ان لم يغفر اللّه لهم، و هذا الندم و الاستغفار انما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم، و قرئ (لئن لم ترحمنا ربنا و تغفر لنا) بالتاء و ربنا بالنصب على النداء و هذا كلام التائبين كما قال آدم و حواء عليهما السلام: وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا .

قوله تعالى وَ لَمََّا رَجَعَ مُوسى‏ََ إِلى‏ََ قَوْمِهِ غَضْبََانَ أَسِفاً في الآية مسائل:

المسألة الاولى: اعلم ان قوله: وَ لَمََّا رَجَعَ مُوسى‏ََ إِلى‏ََ قَوْمِهِ غَضْبََانَ أَسِفاً لا يمنع من ان يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل و لا يوجب ذلك لجواز ان يكون عند الرجوع و مشاهدة أحوالهم صار

371

كذلك فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم: انه عند هجومه عليهم عرف ذلك. و قال ابو مسلم: بل كان عارفا بذلك من قبل و هذا اقرب: و يدل عليه وجوه: الاول: ان قوله تعالى وَ لَمََّا رَجَعَ مُوسى‏ََ إِلى‏ََ قَوْمِهِ غَضْبََانَ أَسِفاً يدل على انه حال ما كان راجعا كان غضبان أسفا و هو انما كان راجعا الى قومه قبل وصوله إليهم فدل هذا على انه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالما بهذه الحالة. الثاني: انه تعالى ذكر في سورة طه انه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات.

المسألة الثانية: في الأسف قولان: الاول: ان الأسف الشديد الغضب و هو قول ابي الدرداء و عطاء عن ابن عباس و اختيار الزجاج. و احتجوا بقوله: فَلَمََّا آسَفُونََا اِنْتَقَمْنََا مِنْهُمْ [الزخرف: 55]اي أغضبونا.

و الثاني: و هو ايضا قول ابن عباس و الحسن و السدي ان الأسف هو الحزين: و في حديث عائشة رضي اللّه عنها انها قالت: ان أبا بكر رجل أسيف اي حزين. قال الواحدي: و القولان متقاربان لان الغضب من الحزن و الحزن من الغضب فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت و إذا جاءك ممن هو فوقك حزنت. فتسمى احدى هاتين الحالتين حزنا و الاخرى غضبا فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل أسفا حزينا لان اللّه تعالى فتنهم. و قد كان تعالى قال له: فَإِنََّا قَدْ فَتَنََّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [طه: 85].

اما قوله: بِئْسَمََا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي فمعناه بئسما قمتم مقامي و كنتم خلفائي من بعدي و هذا الخطاب انما يكون لعبدة العجل من السامري و اشياعه او لوجوه بني إسرائيل و هم: هارون عليه السلام و المؤمنون معه و يدل عليه قوله: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [الأعراف: 142]و على التقدير الاول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة اللّه و على هذا التقدير الثاني يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير اللّه تعالى، و هاهنا سؤالات:

السؤال الاول: اين ما يقتضيه «بئس» من الفاعل و المخصوص بالذم.

و الجواب: الفاعل مضمر يفسره قوله: «ما خلفتموني» و المخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

السؤال الثاني: اي معنى لقوله: مِنْ بَعْدِي بعد قوله: خَلَفْتُمُونِي .

و الجواب: معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد اللّه تعالى و نفي الشركاء عنه و اخلاص العبادة له. او من بعد ما كنت احمل بني إسرائيل على التوحيد و امنعهم من عبادة البقر حين قالوا اِجْعَلْ لَنََا إِلََهاً كَمََا لَهُمْ آلِهَةٌ و من حق الخلفاء ان يسيروا سيرة المستخلفين.

ـو أما قوله: أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ فمعنى العجلة التقدم بالشي‏ء قبل وقته و لذلك صارت مذمومة /و السرعة غير مذمومة لان معناها عمل الشي‏ء في أول أوقاته. هكذا قاله الواحدي.

و لقائل ان يقول: لو كانت العجلة مذمومة فلم قال موسى عليه السلام: وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ََ [طه: 84]قال ابن عباس المعنى: أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟و قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين و ذلك لأنهم قدروا انه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات. و قال عطاء: يريد أ عجلتم سخط ربكم؟و قال الكلبي: أ عجلتم بعبادة العجل قبل ان يأتيكم امر ربكم و لما ذكر تعالى‏

372

ان موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجبا له و هو أمران: الاول: انه قال: وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ يريد التي فيها التوراة و لما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه ثم انه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب لان المرء لا يقدم على مثل هذا العمل الا عند حصول الغضب المدهش.

روي ان التوراة كانت سبعة اسباع فلما القى الألواح تكسرت فرفع منها ستة اسباعها و بقي سبع واحد. و كان فيما رفع تفصيل كل شي‏ء و فيما بقي الهدى و الرحمة،

و

عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم انه قال: «يرحم اللّه اخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره اللّه تعالى بفتنة قومه فعرف ان ما أخبره به حق و انه على ذلك متمسك بما في يده» .

و لقائل ان يقول: ليس في القرآن الا انه القى الألواح فاما انه ألقاها بحيث تكسرت فهذا ليس في القرآن و انه لجراءة عظيمة على كتاب اللّه و مثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام.

و الأمر الثاني: من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب.

قوله تعالى: وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ و في هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح و بالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون انه أخذ برأس أخيه يجره اليه على سبيل الاهانة و الاستخفاف و المثبتون لعصمة الأنبياء قالوا انه جر رأس أخيه الى نفسه ليساره و يستكشف منه كيفية تلك الواقعة.

فان قيل: فلما ذا قال اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي .

قلنا: الجواب عنه ان هارون عليه السلام خاف ان يتوهم جهال بني إسرائيل ان موسى عليه السلام غضبان عليه كما انه غضبان على عبدة العجل فقال له اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي و ما اطاعوني في ترك عبادة العجل، و قد نهيتهم و لم يكن معي من الجمع ما امنعهم بهم عن هذا العمل، فلا تفعل بي ما تشمت اعدائي به فهم اعداؤك فان القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الاهانة لا على الإكرام.

و اما قوله تعالى اِبْنَ أُمَّ فاعلم انه قرا ابن عامر و حمزة و الكسائي و ابو بكر عن عاصم اِبْنَ أُمَّ /بكسر الميم و في طه مثله على تقدير امي فحذف ياء الاضافة لان مبنى النداء على الحذف و بقي الكسر على الميم ليدل على الاضافة كقوله: يََا عِبََادِ* و الباقون بفتح الميم في السورتين و فيه قولان: أحدهما: انهما جعلا اسما واحدا و بنى لكثرة اصطحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضرموت و خمسة عشر.

و ثانيهما: انه على حذف الالف المبدلة من ياء الاضافة و أصله يا ابن اما كما قال الشاعر:

يا ابنة عما لا تلومي و اهجعي‏

و قوله: إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي اي لم يلتفتوا الى كلامي و كادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء يعني اصحاب العجل و لا تجعلني مع القوم الظالمين الذين عبدوا العجل اي لا تجعلني شريكا لهم في عقوبتك لهم على فعلهم‏}فعند هذا قال موسى عليه السلام: رَبِّ اِغْفِرْ لِي اي فيما أقدمت عليه من هذا الغضب و الحدة وَ لِأَخِي في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل وَ أَدْخِلْنََا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ .

و اعلم ان تمام هذه السؤالات و الجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه. و اللّه اعلم.

373

اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل.

و اعلم أن المفعول الثاني من مفعولي-الاتخاذ-محذوف، و التقدير: اتخذوا العجل إلهاً و معبوداً و يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ فَقََالُوا هََذََا إِلََهُكُمْ وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ [طه: 88] و للمفسرين في هذه الآية طريقان: الأول: أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل، و هم الذين قال فيهم: سَيَنََالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ و على هذا التقدير ففيه سؤال، و هو أن أولئك الأقوام تاب اللََّه عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب، و إذا تاب اللََّه/عليهم فكيف يمكن أن يقال:

في حقهم أنه سَيَنََالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا .

و الجواب عنه: أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة، و تفسير ذلك الغضب هو أن اللََّه تعالى أمرهم بقتل أنفسهم، و المراد بقوله: وَ ذِلَّةٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا هو أنهم قد ضلوا فذلوا.

فإن قالوا: السين في قوله: سَيَنََالُهُمْ للاستقبال، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا؟ قلنا: هذا الكلام حكاية عما أخبر اللََّه تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتنان قومه و اتخاذهم العجل، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم و ذلة في الحياة الدنيا، فكان هذا الكلام سابقاً على وقوعهم في القتل و في الذلة، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار.

و الطريق الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللََّه عليه و سلم، و على هذا التقدير: ففي الآية و جهان:

الوجه الأول: أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب. يقولون للأبناء:

فعلتم كذا و كذا، و إنما فعل ذلك من مضى من آبائهم، فكذا هاهنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم باتخاذ العجل، و إن كان آباؤهم فعلوا ذلك، ثم حكم عليهم بأنه سَيَنََالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ في الآخرة وَ ذِلَّةٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كما قال تعالى في صفتهم: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ [البقرة: 61].

و الوجه الثاني: أن يكون التقدير إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ أي الذين باشروا ذلك سَيَنََالُهُمْ غَضَبٌ أي سينال أولادهم، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه.

أما قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُفْتَرِينَ فالمعنى أن كل مفتر في دين اللََّه فجزاؤه غضب اللََّه و الذلة في الدنيا، قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا و يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية، و ذلك لأن المبتدع مفتر في دين اللََّه.

أما قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ عَمِلُوا اَلسَّيِّئََاتِ ثُمَّ تََابُوا مِنْ بَعْدِهََا وَ آمَنُوا فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد و أن يتوب عنها أولاً، و ذلك بأن يتركها أولاً و يرجع عنها، ثم يؤمن بعد ذلك. و ثانياً: يؤمن باللََّه تعالى، و يصدق‏

374

بأنه لا إله غيره إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهََا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و هذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران، لأن قوله: وَ اَلَّذِينَ عَمِلُوا اَلسَّيِّئََاتِ يتناول الكل. و التقدير: أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن اللََّه يغفرها له، و هذا من أعظم ما يفيد البشارة و الفرح للمذنبين، و اللََّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: سَكَتَ عَنْ مُوسَى اَلْغَضَبُ أقوال:

القول الأول: أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل و يقول له: قل لقومك كذا و كذا، و ألق الألواح و خذ برأس أخيك إليك، فلما زال الغضب، صار كأنه سكت.

و القول الثاني: و هو قول عكرمة، أن المعنى: سكت موسى عن الغضب و قلب كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي، و المعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة.

القول الثالث: المراد بالسكوت السكون و الزوال، و على هذا جاز سَكَتَ عَنْ مُوسَى اَلْغَضَبُ و لا يجوز صمت لأن سَكَتَ بمعنى سكن، و أما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام، و ذلك لا يجوز في الغضب.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هارون لم يقع منه تقصير و ظهر له صحة عذره، فعند ذلك سكن غضبه. و هو الوقت الذي قال فيه: رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي [الأعراف: 151] و كما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه.

المسألة الثالثة: قوله: أَخَذَ اَلْأَلْوََاحَ المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى: وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ [الأعراف: 15] و ظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر و لم يبطل، و أن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك و قوله: وَ فِي نُسْخَتِهََا النسخ عبارة عن النقل و التحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف. قلت: نسخت ذلك الكتاب، كأنك نقلت ما في الأصل/إلى الكتاب الثاني. قال ابن عباس: لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً، فأعاد اللََّه تعالى الألواح و فيها عين ما في الأولى، فعلى هذا قوله: وَ فِي نُسْخَتِهََا أي و فيما نسخ منها. و أما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر و أخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها، و لا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضاً تكون نسخاً على هذا التقدير و قوله: هُدىً وَ رَحْمَةٌ أي هدى من الضلالة و رحمة من العذاب لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ يريد الخائفين من ربهم.

فإن قيل: التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله: لِرَبِّهِمْ .

قلنا فيه وجوه: الأول: أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية، و نظيره قوله:

لِلرُّءْيََا تَعْبُرُونَ [يوسف: 43]الثاني: أنها لام الأجل و المعنى: للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء و لا

375

سمعة. الثالث: أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول، و إن كان الفعل متعدياً كقولك قرأت في السورة و قرأت السورة، و ألقى يده و ألقى بيده، و في القرآن‏ أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرى‏ََ [العلق: 14]و في موضع آخر وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ فعلى هذا قوله لِرَبِّهِمْ اللام صلة و تأكيد كقوله: رَدِفَ لَكُمْ و قد ذكرنا مثل هذا في قوله: وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: 73].

في قوله تعالى وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقََاتِنََا فَلَمََّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قََالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيََّايَ في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: الاختيار: افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشي‏ء إذا أخذ خيره و خياره، و أصل اختار:

اختير، فلما تحركت الياء و قبلها فتحة قلبت ألفاً نحو قال و باع، و لهذا السبب استوى لفظ الفاعل و المفعول فقيل فيهما، مختار، و الأصل مختير و مختير فقلبت الياء فيهما ألفاً فاستويا في/اللفظ. و تحقيق الكلام فيه أن نقول: إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل و الترك، و صالحة للفعل و لضده، و ما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدراً لأحد الجانبين دون الثاني، و إلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح، و هو محال، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعاً زائداً و صلاحاً راجحاً، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده. فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحاً على الترك، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيراً من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلاً، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفاً على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً من تركه، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلاً اختيارياً. و اللََّه أعلم.

فإن قيل: إن الإنسان قد يقتل نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور.

فنقول: إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل، و الضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيراً لا شرًّا. و على هذا التقدير فالسؤال زائل.

و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال جماعة النحويين: معناه و اختار موسى من قومه سبعين. فحذفت كلمة «من» و وصل الفعل فنسب، يقال: اخترت من الرجال زيداً و اخترت الرجال زيداً، و أنشدوا قول الفرزدق:

و منا الذي اختار الرجال سماحة وجوداً إذا هب الرياح الزعازع قال أبو علي و الأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً و قولك أستغفر اللََّه من ذنبي و أستغفر اللََّه ذنبي قال الشاعر:

أستغفر اللََّه ذنباً لست أحصيه‏

و يقال أمرت زيداً بالخير و أمرت زيداً الخير قال الشاعر:

376

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به‏

و اللََّه أعلم.

و عندي فيه وجه آخر و هو أن يكون التقدير: و اختار موسى قومه لميقاتنا و أراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم و قوله: سَبْعِينَ رَجُلاً عطف بيان و على هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات.

المسألة الثالثة: ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة، فصاروا اثنين و سبعين، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر/من خرج، فقعد كالب و يوشع. و روي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً، فأوحى اللََّه إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخًا فأمرهم أن يصوموا و يتطهروا، و يطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات.

المسألة الرابعة: هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم اللََّه تعالى موسى فيه و سأل موسى من اللََّه الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر؟ فيه أقوال للمفسرين:

القول الأول: إنه لميقات الكلام و الرؤية قالوا: إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام، حتى أحاط بالجبل كله و دنا موسى عليه السلام. و دخل فيه، و قال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه و هو يكلم موسى يأمره و ينهاه افعل و لا تفعل. ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية و قالوا يََا مُوسى‏ََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصََّاعِقَةُ [البقرة: 55]و هي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية، فقال موسى عليه السلام: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيََّايَ أَ تُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ اَلسُّفَهََاءُ مِنََّا فالمراد منه قولهم: أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً .

و القول الثاني: أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام و طلب الرؤية، و على هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن هؤلاء السبعين و إن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل. و ثانيها: أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل. و ثالثها: أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم و قالوا أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، و لا تعطيه أحداً بعدنا، فأنكر اللََّه تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة. و احتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور: الأول: أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام و طلب الرؤية ثمّ أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة، و ظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عوداً إلى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في موضع واحد. ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأما ما ذكر بعض القصة، ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى، فإنه يوجب نوعاً من الخبط و الاضطراب، و الأولى صون كلام اللََّه تعالى عنه. الثاني: أن في ميقات الكلام و طلب الرؤية لم يظهر هناك منكر، إلا أنهم قالوا أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال: أ تهلكنا بما يقوله السفهاء منا؟فلما لم يقل موسى كذلك بل قال: أَ تُهْلِكُنََا بِمََا/فَعَلَ اَلسُّفَهََاءُ مِنََّا علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية. الثالث: أن اللََّه تعالى ذكر في ميقات الكلام و الرؤية أنه خر موسى صعقاً

377

و أنه جعل الجبل دكاً، و أما الميقات المذكور في هذه الآية، فإن اللََّه تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة، و لم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة، و هو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل و إياي؟و اختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر. و احتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام و طلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى: وَ لَمََّا جََاءَ مُوسى‏ََ لِمِيقََاتِنََا [الأعراف: 143]فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات، فلما قال في هذه الآية: وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقََاتِنََا وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات.

و جوابه: أن هذا الدليل ضعيف، و لا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى. و اللََّه أعلم.

و الوجه الثالث: في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي اللََّه عنه أنه قال: إن موسى و هارون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل، فنام هارون فتوفاه اللََّه تعالى، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هارون، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً و ذهبوا إلى هارون فأحياه اللََّه تعالى و قال ما قتلني أحد، فأخذتهم الرجفة هنالك، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب. و اللََّه أعلم.

المسألة الخامسة: اختلفوا في تلك الرجفة فقيل: إنها رجفة أوجبت الموت. قال السدي: قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل و قد أهلكت خيارهم و لم يبق معي منهم واحد؟فماذا أقول لبني إسرائيل و كيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك؟فأحياهم اللََّه تعالى. فمعنى قوله: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيََّايَ أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم و لم يصدقوا أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك و لا يتهموني.

و القول الثاني: أن تلك الرجفة ما كانت موتاً، و لكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة و رجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم، و تنقصم ظهورهم، و خاف موسى عليه السلام الموت، فعند ذلك بكى و دعا فكشف اللََّه عنهم تلك الرجفة.

أما قوله: أَ تُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ اَلسُّفَهََاءُ مِنََّا فقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن اللََّه تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم، فيجب تأويل الآية، و فيه بحثان: الأول: أنه/استفهام بمعنى الجحد، و أراد أنك لا تفعل ذلك. كما تقول: أ تهين من يخدمك؟أي لا تفعل ذلك. الثاني: قال المبرد: هو استفهام استعطاف، أي لا تهلكنا.

و أما قوله: إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ فقال الواحدي رحمه اللََّه: الكناية في قوله: هِيَ عائدة إلى الفتنة كما تقول: إن هو إلا زيد و إن هي إلا هند. و المعنى: أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوماً فافتتنوا، و عصمت قوماً عنها فثبتوا على الحق، ثم أكد بيان أن الكل من اللََّه تعالى، فقال: تُضِلُّ بِهََا مَنْ تَشََاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشََاءُ ثم قال الواحدي: و هذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر. قالت المعتزلة: لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل؛ تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين، و لأنه تعالى قال: تُضِلُّ بِهََا أي بالرجفة، و معلوم أن الرجفة لا يضل اللََّه بها، من تشاء من عبادك عن الدين، فوجب حمل هذا الآية على التأويل. فأما قوله: إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ فالمعنى: امتحانك و شدة تعبدك، لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر.

378

و أما قوله: تُضِلُّ بِهََا مَنْ تَشََاءُ ففيه وجوه: الأول: تهدي بهذا الامتحان إلى الجنة و الثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف و يبقى على الإيمان، و تعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه.

و الثاني: أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك، و التقدير: تهلك من تشاء بهذه الرجفة و تصرفها عمن تشاء.

و الثالث: أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى، و ضلال من ضل، جاز أن يضافا إليه.

و اعلم أن هذه التأويلات متسعة، و الدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن يكون المراد ما ذكرناه، و تقريرها من وجوه: الأول: أن القدرة الصالحة للإيمان و الكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر، إلا لأجل داعية مرجحة، و خالق تلك الداعية هو اللََّه تعالى، و عند حصول تلك الداعية يجب الفعل و إذا ثبتت هذا المقدمات ثبت أن الهداية من اللََّه تعالى و أن الإضلال من اللََّه تعالى. الثاني: أن أحداً من العقلاء لا يريد إلا الإيمان و الحق و الصدق، فلو كان الأمر باختياره و قصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمناً محقاً، و حيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من اللََّه تعالى. الثالث: أنه لو كان حصول الهداية و المعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الاعتقاد الحق عن الاعتقاد الباطل، امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل و التكوين، لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق و أن الآخر هو الباطل، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلاً، و ذلك يقتضي كون الشي‏ء مشروطاً بنفسه و أنه محال، فثبت أنه يمتنع أن/يكون حصول الهداية و العلم بتخليق العبد، و أما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة. *و اللََّه أعلم.

ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك: أَنْتَ وَلِيُّنََا فَاغْفِرْ لَنََا*وَ اِرْحَمْنََا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْغََافِرِينَ و اعلم أن قوله: أَنْتَ وَلِيُّنََا يفيد الحصر، و معناه أنه لا ولي لنا و لا ناصر و لا هادي إلا أنت، و هذا من تمام ما سبق ذكره من قوله: تُضِلُّ بِهََا مَنْ تَشََاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشََاءُ و قوله: فَاغْفِرْ لَنََا وَ اِرْحَمْنََا المراد منه أن إقدامه على قوله: إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ جراءة عظيمة، فطلب من اللََّه غفرانها و التجاوز عنها و قوله: وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْغََافِرِينَ معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلباً للثناء الجميل أو للثواب الجزيل، أو دفعاً للربقة الخسيسة عن القلب، و بالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض و غرض، بل لمحض الفضل*و الكرم، فوجب القطع بكونه خَيْرُ اَلْغََافِرِينَ *و اللََّه أعلم.

اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلّى اللّه عليه و سلّم عند مشاهدة الرجفة. فقوله: وَ اُكْتُبْ لَنََا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا حَسَنَةً معناه أنه قرر أولاً أنه لا ولي له إلا اللََّه تعالى و هو قوله: أَنْتَ وَلِيُّنََا ثم إن المتوقع من الولي و الناصر أمران:

أحدهما: دفع الضرر. و الثاني: تحصيل النفع، و دفع الضرر مقدم على تحصيل النفع، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر، و هو قوله: فَاغْفِرْ لَنََا*وَ اِرْحَمْنََا ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع و هو قوله: وَ اُكْتُبْ لَنََا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ و قوله: وَ اُكْتُبْ أي وجب لنا و الكتابة تذكر بمعنى الإيجاب و سؤاله الحسنة في‏

379

الدنيا و الآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر اللََّه تعالى عنهم في قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة: 201].

و اعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار و تحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه و فضله و إلهيته، و أيضاً اشتغال العبد بالتوبة و الخضوع و الخشوع يناسب طلب هذه الأشياء، فذكر السبب الأول أولاً، و هو كونه تعالى ولياً له*و فرع عليه طلب هذه الأشياء، ثم ذكر بعده السبب الثاني، و هو اشتغال العبد بالتوبة و الخضوع فقال: إِنََّا هُدْنََا إِلَيْكَ قال المفسرون: هُدْنََا أي تبنا و رجعنا إليك، قال الليث:

«الهود» التوبة، و إنما ذكر هذا السبب أيضاً لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلهاً و رباً و ولياً، و كوننا عبيداً له تائبين خاضعين خاشعين، فالأول: عهد عزة الربوبية.

و الثاني: عهد ذلة العبودية، فإذا حصلا و اجتمعا فلا سبب أقوى منهما. و لما حكى اللََّه تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جواباً لموسى عليه السلام، فقال تعالى قال: عَذََابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشََاءُ معناه إني أعذب من أشاء و ليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي، و من تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه، و قرأ الحسن من أساء من الإساءة، و اختار الشافعي هذه القراءة و قوله: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فيه أقوال كثيرة. قيل المراد من قوله: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل، و أما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين و إليه الإشارة بقوله: فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ و قيل: الوجود خير من العدم، و على هذا التقدير فلا موجود إلا و قد وصل إليه. رحمته و أقل المراتب وجوده، . قيل الخير مطلوب بالذات، و الشر مطلوب بالعرض و ما بالذات راجح غالب، و ما بالعرض مرجوح مغلوب، و قالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير، و لا حي إلا و قد خلقه اللََّه تعالى للرحمة و اللذة و الخير لأنه إن كان منتفعاً أو متمكناً من الانتفاع فهو برحمة اللََّه من جهات كثيرة و إن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة، و هي من نعمة اللََّه تعالى و رحمته فلهذا السبب قال: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و قال أصحابنا قوله: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ من العام الذي أريد به الخاص، كقوله: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 23].

أما قوله: فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآيََاتِنََا يُؤْمِنُونَ فاعلم أن جميع تكاليف اللََّه محصورة في نوعين: الأول: التروك، و هي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، و الاحتراز عنها و الاتقاء منها، و هذا النوع إليه الإشارة بقوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ و الثاني: الأفعال و تلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه.

أما القسم الأول: فهو الزكاة و إليه الإشارة بقوله: وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ .

و أما القسم الثاني: فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً و عملاً أما العلم فالمعرفة، و أما العمل فالإقرار باللسان و العمل بالأركان و يدخل فيها الصلاة و إلى هذا المجموع الإشارة بقوله: وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآيََاتِنََا يُؤْمِنُونَ و نظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏`اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 2، 3].

380

اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا و الآخرة التقوى و إيتاء الزكاة و الإيمان بالآيات، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ و اختلفوا في ذلك فقال بعضهم: المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث و جدوا صفته في التوراة، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق، و قال في قوله: وَ اَلْإِنْجِيلِ أن المراد سيجدونه مكتوباً في الإنجيل، لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل اللََّه الإنجيل، و قال بعضهم: بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي. و القول الثاني أقرب، لأن اتباعه قبل أن بعث و وجد لا يمكن. فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى و آتى الزكاة و آمن بالدلائل في زمن موسى، و من هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعاً للنبي الأمي في شرائعه.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى وصف محمداً صلّى اللََّه عليه و سلّم في هذه الآية بصفات تسع.

الصفة الأولى: كونه رسولاً، و قد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله اللََّه إلى الخلق لتبليغ التكاليف.

الصفة الثانية: كونه نبياً، و هو يدل على كونه رفيع القدر عند اللََّه تعالى.

الصفة الثالثة: كونه أمياً. قال الزجاج: معنى اَلْأُمِّيَّ الذي هو على صفة أمة العرب.

قال عليه الصلاة و السلام: «إنا أمة أمية لا نكتب و لا نحسب»

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون و لا يقرءون و النبي عليه الصلاة و السلام كان كذلك، فلهذا السبب و صفه بكونه أمياً. قال أهل التحقيق و كونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته و بيانه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة و السلام كان يقرأ عليهم كتاب اللََّه تعالى منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه و لا تغيير كلماته و الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد و أن يزيد فيها و أن ينقص عنها بالقليل و الكثير، ثم إنه عليه الصلاة و السلام مع أنه ما كان يكتب و ما كان يقرأ يتلو كتاب اللََّه من غير زيادة و لا نقصان و لا تغيير. فكان ذلك من المعجزات و إليه الإشارة بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ [الأعلى: 6]و الثاني: أنه لو كان يحسن الخط و القراءة لصار متهماً في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم و لا مطالعة، كان ذلك من المعجزات و هذا هو المراد من قوله: وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: 48]الثالث: أن تعلم الخط شي‏ء سهل فإن أقل الناس ذكاء و فطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين و الآخرين و أعطاه من العلوم و الحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر، و مع تلك القوة العظيمة في العقل و الفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً و فهماً، فكان الجمع بين هاتين الحالتين

381

المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين و ذلك من الأمور الخارقة للعادة و جار مجرى المعجزات.

الصفة الرابعة: قوله تعالى: اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ و هذا يدل على أن نعته و صحة نبوته مكتوب في التوراة و الإنجيل، لأن ذلك لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود النصارى عن قبول قوله، لأن الإصرار على الكذب و البهتان من أعظم النفرات، و العاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، و ينفر الناس عن قبول قوله: فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكوراً في التوراة و الإنجيل و ذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.

الصفة الخامسة: قوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ استئنافاً، و يجوز أن يكون المعنى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ أنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ و أقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «التعظيم لأمر اللََّه و الشفقة على خلق اللََّه»

و ذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته و إما ممكن الوجود لذاته. أما الواجب لذاته فهو اللََّه جل جلاله، و لا معروف أشرف من تعظيمه و إظهار عبوديته و إظهار الخضوع و الخشوع على باب عزته و الاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص و الآفات منزهاً عن الأضداد و الأنداد، و أما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة، و مع هذا فإن يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث أنها مخلوقة للََّه تعالى، و من حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً و برهاناً باهراً على توحيده و تنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام. و من حيث أن اللََّه تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة و حكماً خفية فيحب النظر إليها بعين الاحترام، و أما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه، و يدخل فيه بر الوالدين و صلة الأرحام و بث المعروف فثبت أن‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «التعظيم لأمر اللََّه و الشفقة على خلق اللََّه»

كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف.

الصفة السادسة: قوله: وَ يَنْهََاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ و المراد منه أضداد الأمور المذكورة و هي عبادة الأوثان، و القول في صفات اللََّه بغير علم، و الكفر بما أنزل اللََّه على النبيين، و قطع الرحم، و عقوق الوالدين.

الصفة السابعة: قوله تعالى: وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبََاتِ من الناس من قال: المراد بالطيبات الأشياء التي حكم اللََّه بحلها و هذا بعيد لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير تصير الآية و يحل لهم المحللات و هذ محض التكرير. الثاني: أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها اللََّه ما هي و كم هي؟بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع و ذلك لأن تناولها يفيد اللذة، و الأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس و يستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل.

الصفة الثامنة: قوله تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ قال عطاء عن ابن عباس، يريد الميتة و الدم و ما ذكر في سورة المائدة إلى قوله: ذََلِكُمْ فِسْقٌ و أقول: كل ما يستخبثه الطبع و تستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم، و الأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه/الحرمة إلا لدليل منفصل. و على هذا الأصل: فرع الشافعي رحمه اللََّه تحريم بيع الكلب، لأنه‏

روى عن ابن عباس عن النبي صلى اللََّه عليه سلم‏

382

في كتاب الصحيحين أنه قال: «الكلب خبيث، و خبيث ثمنه»

و إذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ و أيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ إلى قوله: رِجْسٌ [المائدة: 90]و الرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه، و الخبيث حرام لقوله تعالى:

وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ .

الصفة التاسعة: قوله تعالى: وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاََلَ اَلَّتِي كََانَتْ عَلَيْهِمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحده (آصارهم) على الجمع، و الباقون إِصْرَهُمْ على الواحد. قال أبو علي الفارسي: الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته، و هو مفرد إلى الكثرة، كما قال: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصََارِهِمْ [البقرة: 20]و من جمع، أراد ضروباً من العهود مختلفة، و المصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله: وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا [الأحزاب: 10].

المسألة الثانية: الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله، و المراد منه: أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة. و قوله: وَ اَلْأَغْلاََلَ اَلَّتِي كََانَتْ عَلَيْهِمْ المراد منه: الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول، و قتل النفس في التوبة، و قطع الأعضاء الخاطئة، و تتبع العروف من اللحم و جعلها اللََّه أغلالاً، لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع عن الفعل، و قيل: كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح، و غلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً للََّه تعالى، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.

و اعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، لأن كل ما كان ضررًا كان إصراً و غلا، و ظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية، و هذا نظير

لقوله عليه الصلاة و السلام: «لا ضرر و لا ضرار» في الإسلام،

و

لقوله عليه الصلاة و السلام: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة»

و هو أصل كبير في الشريعة.

و اعلم أنه لما وصف محمداً عليه الصلاة و السلام بهذه الصفات التسع. قال بعده: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ قال ابن عباس: يعني من اليهود وَ عَزَّرُوهُ يعني وقروه. قال صاحب «الكشاف» : أصل التعزير المنع و منه التعزير و هو الضرب، دون الحد، لأنه منع من معاودة القبيح.

ثم قال تعالى: وَ نَصَرُوهُ أي على عدوه وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ و هو القرآن. و قيل الهدى و البيان و الرسالة. و قيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور.

فإن قيل: كيف يمكن حمل النور هاهنا على القرآن؟و القرآن ما أنزل مع محمد، و إنما أنزل مع جبريل.

قلنا: معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن.

ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات قال أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا و الآخرة.

383

اعلم أنه تعالى لما قال: فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية. فقال: قُلْ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً و في هذه الكلمة مسألتان:

المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن محمداً عليه الصلاة و السلام مبعوث إلى جميع الخلق. و قال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية و هم أتباع عيسى الأصفهاني: أن محمداً رسول صادق مبعوث إلى العرب. و غير مبعوث إلى بني إسرائيل. و دليلنا على إبطال قولهم؛ هذه الآية. لأن قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ خطاب يتناول كل الناس.

ثم قال: إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً و هذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس، و أيضاً فما يعلم بالتواتر من دينه، أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى كل العالمين. فأما أن يقال: إنه كان رسولاً حقاً أو ما كان كذلك، فإن كان رسولاً حقاً، امتنع الكذب عليه. و وجب الجزم بكونه صادقاً في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر و بظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثاً إلى جميع الخلق وجب كونه صادقاً في هذا القول، و ذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثاً إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل.

و أما قول القائل: إنه ما كان رسولاً حقا، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولاً إلى العرب و إلى غيرهم، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص و منهم من أنكر ذلك، أما الأولون فقالوا: إنه دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولاً إليهم، و ذلك‏

لأنه عليه الصلاة و السلام قال: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ و عن النائم حتى يستيقظ و عن المجنون حتى يفيق»

و الثاني: أنه رسول اللََّه إلى كل من وصل إليه خبر وجوده و خبر معجزاته و شرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده و لا خبر معجزاته، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته و من الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين:

أما الأول: فتقريره أن قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ خطاب و هذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين و إذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ليسوا إلا المكلفين من الناس، و على هذا التقدير فلم يلزم أن يقال: إن قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عام دخله التخصيص.

و أما الثاني: فلأنه يبعد جداً أن يقال: حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة و السلام، و خبر معجزاته و شرائعه، و إذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص.

المسألة الثانية: هذه الآية و إن دلت على أن محمداً عليه الصلاة و السلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق، بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثاً إلى كل الخلق أم لا؟إلى سائر الدلائل. فنقول: تمسك جمع من العلماء في أن‏

384

أحداً غيره ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق‏

لقوله عليه الصلاة و السلام: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، أرسلت إلى الأحمر و الأسود، و جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً، و نصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر، و أطعمت الغنيمة دون من قبلي. و قيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي» .

و لقائل أن يقول: هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب، لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم، و لم يحصل لأحد سواه و لم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه، و أيضاً قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع أولاده، و على هذا التقدير فقد كان مبعوثاً إلى جميع الناس، و أن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة، كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه، مع أن جميع/الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم.

أما قوله تعالى: اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إلى قوله وَ اِتَّبِعُوهُ فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول اللََّه إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى.

و اعلم أن هذه الدعوى لا تتم و لا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة.

الأصل الأول: إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً. و الذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى: اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و ذلك لأن أجسام السموات و الأرض، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم، و شرحها و تقريرها مذكور في هذا التفسير، و إنما افتقرنا في حسن التكليف و بعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده، أو إن حصل له مؤثر، لكن كان ذلك المؤثر موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء و الرسل عليهم السلام ممكناً.

و الأصل الثاني: إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك و الضد و الند، و إليه الإشارة بقوله: لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و إنما افتقرنا في حسن التكليف و جواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان، و أرسل أحد الإلهين نبياً إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقاً له، بل كان مخلوقاً للإله الثاني، و على هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله و طاعته، فكان بعثة الرسول إليه، و إيجاب الطاعة عليه ظلماً و باطلاً. أما إذا ثبت أن الإله واحد، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيداً له، و يكون تكليفه في الكل نافذاً و انقياد الكل لأوامره و نواهيه لازماً، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحداً لم يكن إرسال الرسل و إنزال الكتب المشتملة على التكاليف جائزاً.

و الأصل الثالث: إثبات أنه تعالى قادر على الحشر و النشر و البعث و القيامة، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك، كان الاشتغال بالطاعة و الاحتراز عن المعصية عبثاً و لغواً، و إلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله: يُحيِي وَ يُمِيتُ لأنه لما أحيا أولاً، ثبت كونه قادراً على الإحياء ثانياً، فيكون قادراً على الإعادة و الحشر و النشر، و على هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاماً عظيماً، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائماً مقام الشكر عن الإحياء الأول، و أيضاً لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني، فحينئذ يكون قادراً على إيصال الجزاء إليه.

385

و اعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة. ثبت أنه يصح من اللََّه تعالى إرسال الرسل و مطالبة الخلق بالتكاليف، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده و لا مولى لهم سواه، /و أيضاً إنه منعم على الكل بأعظم النعم، و أيضاً إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم، و كل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام، في أنه يحسن منه تكليف الخلق، أما بحسب السبب الأول، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته و خدمته، و أما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر و الطاعة، و أما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها اللََّه تعالى في هذه الآية، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من اللََّه إرسال الرسل، و يجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً، و على أن هذا الإله واحد، و على أنه يحسن منه إرسال الرسل و إنزال الكتب.

و اعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله:

فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ و هذا الترتيب في غاية الحسن، و ذلك لأنه لما بين أولاً أن القول ببعثة الأنبياء و الرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن، أردفه بذكر أن محمداً رسول حق من عند اللََّه لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولاً، ثم حصوله ثانياً، ثم إنه بدأ بقوله: فَآمِنُوا بِاللََّهِ لأنا بينا أن الإيمان باللََّه أصل، و الإيمان بالنبوة و الرسالة فرع عليه، و الأصل يجب تقديمه. فلهذا السبب بدأ بقوله: فَآمِنُوا بِاللََّهِ ثم أتبعه بقوله: وَ رَسُولِهِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ كَلِمََاتِهِ .

و اعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبياً حقاً، و تقريره: أن معجزات رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كانت على نوعين:

النوع الأول: المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة، و أجلها و أشرفها أنه كان رجلاً أمياً لم يتعلم من أستاذ، و لم يطالع كتاباً، و لم يتفق له مجالسة أحد من العلماء، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء، و ما غاب رسول اللََّه عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة، ثم إنه مع ذلك فتح اللََّه عليه باب العلم و التحقيق و أظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين و الآخرين، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه، مع أنه كان رجلاً أمياً لم يلق أستاذاً و لم يطالع كتاباً من أعظم المعجزات، و إليه الإشارة بقوله:

اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ .

و النوع الثاني: من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر، و نبوع الماء من بين أصابعه. و هي تسمى بكلمات اللََّه تعالى، ألا ترى أن عيسى عليه السلام، لما كان حدوثه أمراً غربياً مخالفاً للمعتاد، لا جرم سماه اللََّه تعالى كلمة. فكذلك المعجزات لما كانت أموراً غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات اللََّه تعالى، و هذا النوع هو المراد بقوله: يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ كَلِمََاتِهِ أي يؤمن باللََّه و بجميع المعجزات التي أظهرها اللََّه عليه، فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبياً صادقاً من عند اللََّه.

و اعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به‏

386

يمكن معرفة شرعه على التفصيل، و ما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله و أفعاله و إليه الإشارة بقوله تعالى:

وَ اِتَّبِعُوهُ .

و اعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول و في الفعل. أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرفي الأمر و النهي و الترغيب و الترهيب. و أما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك، فثبت أن لفظ وَ اِتَّبِعُوهُ يتناول القسمين. و ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى: وَ اِتَّبِعُوهُ دليلاً على أنه يجب الانقياد له في كل أمر و نهي، و يجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه الدليل، و هو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من خواص الرسول صلى اللََّه عليه و سلّم.

فإن قيل: الشي‏ء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان واجباً عليه، و يحتمل أيضاً أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً، فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً، فلو أتينا به على سبيل أنه واجب علينا، كان ذلك تركاً لمتابعته، و نقضاً لمبايعته. و الآية تدل على وجوب متابعته، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا.

قلنا: المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع، بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل، قيل: إنه تابعه عليه. و لو لم يأت به. قيل: إنه خالفه فيه. فلما كان الإتيان بمثل فعل المتبوع متابعة، و دلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة مثل فعل الرسول صلى اللََّه عليه و سلّم. بقي هاهنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب. فنقول: حال الدواعي و العزائم غير معلوم، و حال الإتيان بالفعل الظاهر و العمل المحسوس معلوم، فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن حال العزائم و الدواعي، لكونها أموراً مخفية عنا، و أن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر. لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها، فزالت هذه الشبهة، و تقريره: أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا الإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل.

إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال.

قلنا: إن هذا العمل فعله أفضل من تركه، و إذا كان الأمر كذلك: فحينئذ نعلم أن الرسول/قد أتى به في الجملة، لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل. و أما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك، و المشكوك لا يعارض المعلوم، فثبت أنه عليه السلام أتى بالجانب الأفضل. و متى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية: وَ اِتَّبِعُوهُ فهذا أصل شريف، و قانون كلي في معرفة الأحكام، دال على النصوص لقوله تعالى:

وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ`إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ [النجم: 3، 4]فوجب علينا مثله لقوله تعالى: وَ اِتَّبِعُوهُ .

و أما قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فقيه بحثان: أحدهما: أن كلمة «لعل» للترجي، و ذلك لا يليق باللََّه، فلا بد من تأويله. و الثاني: أن ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من كل المكلفين الهداية و الإيمان على قول المعتزلة، و الكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا الكتاب مراراً كثيرة، فلا فائدة في الإعادة.

387

و اعلم أنه تعالى لما وصف الرسول، و ذكر أنه يجب على الخلق متابعته، ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من اتبع الحق و هدى إليه، و بين أنهم جماعة، لأن لفظ الأمة ينبئ عن الكثرة، و اختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت، و في أي زمان كانت؟فقيل هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة و السلام، و أسلموا مثل عبد اللََّه بن سلام، و ابن صوريا و الاعتراض عليه بأنهم كانوا قليلين في العدد، و لفظ الأمة يقتضي الكثرة، يمكن الجواب عنه بأنه لما كانوا مختلفين في الدين، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى:

إِنَّ إِبْرََاهِيمَ كََانَ أُمَّةً [النحل: 120]و قيل: إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذي جاء به موسى و دعوا الناس إليه و صانوه عن التحريف و التبديل في زمن تفرق بني إسرائيل و إحداثهم البدع، و يجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، و يجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، و قال السدي و جماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما كفروا و قتلوا الأنبياء، بقي سبط في جملة الإثني عشر فما صنعوا و سألوا اللََّه أن ينقذهم منهم. ففتح اللََّه لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ثم هؤلاء اختلفوا، منهم من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن و منهم من قال إنهم الآن على دين محمد صلى اللََّه عليه و سلّم يستقبلون الكعبة، و تركوا السبت و تمسكوا بالجمعة، لا يتظالمون و لا يتحاسدون و لا يصل إليهم منا أحد و لا/إلينا منهم أحد. و قال بعض المحققين: هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال: وصل إليهم خبر محمد صلى اللََّه عليه و سلّم، أو ما وصل إليهم هذا الخبر.

فإن قلنا: وصل خبره إليهم، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار، فكيف يجوز وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق و به يعدلون؟و إن قلنا بأنهم لم يصل إليهم خبر محمد صلى اللََّه عليه و سلّم، فهذا بعيد، لأنه لما وصل خبرهم إلينا، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل أخبارهم، فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر محمد عليه الصلاة و السلام مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره و ذكره؟ فإن قالوا: أليس إن يأجوج و مأجوج قد وصل خبرهم إلينا و لم يصل خبرنا إليهم؟ قلنا: هذا ممنوع، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا إليهم، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق وَ بِهِ يَعْدِلُونَ قال الزجاج: العدل الحكم بالحق. يقال: هو يقضي بالحق و يعدل؛ و هو حكم عادل، و من ذلك قوله: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسََاءِ [النساء: 129]و قوله: وَ إِذََا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: 152].

اعلم أن المقصود من هذه الآية، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل: أحدهما: أنه تعالى جعلهم اثني‏

388

عشر سبطاً، و قد تقدم هذا في سورة البقرة، و المراد أنه تعالى فرق بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلاً من أولاد يعقوب، فميزهم و فعل بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع فيهم الهرج و المرج. و قوله:

وَ قَطَّعْنََاهُمُ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً و ميزنا بعضهم من بعض و قرئ وَ قَطَّعْنََاهُمُ بالتخفيف و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعاً، و هلا قيل: اثني عشر سبطاً؟ و الجواب: المراد و قطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، و كل قبيلة أسباط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة.

السؤال الثاني: قال: اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبََاطاً مع أن السبط مذكر لا مؤنث.

الجواب قال الفراء: إنما قال ذلك، لأنه تعالى ذكر بعده أُمَماً فذهب التأنيث إلى الأمم.

ثم قال: و لو قال: اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزاً. و قال الزجاج: المعنى وَ قَطَّعْنََاهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ فرقة أَسْبََاطاً فقوله: أَسْبََاطاً نعت لموصوف محذوف، و هو الفرقة. و قال أبو علي الفارسي:

ليس قوله: أَسْبََاطاً تمييزاً، و لكنه بدل من قوله: اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ .

و أما قوله: أُمَماً قال صاحب «الكشاف» : هو بدل من اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ بمعنى: و قطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة و جماعة كثيفة العدد، و كل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى و لا تكاد تأتلف.

و قرئ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ بكسر الشين.

النوع الثاني: من شرح أخوال بني إسرائيل قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ مُوسى‏ََ إِذِ اِسْتَسْقََاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ و هذه القصة أيضاً قد تقدم ذكرها في سورة البقرة. قال الحسن: ما كان إلا حجراً اعترضه و إلا عصا أخذها.

و اعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه، فأمر اللََّه تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر. و كانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة، و قوله: فَانْبَجَسَتْ قال الواحدي:

فانبجس الماء و انبجاسه انفجاره. يقال: بجس الماء يبجس و انبجس و تبجس إذا تفجر، هذا قول أهل اللغة، ثم قال: و الانبجاس و الانفجار سواء، و على هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور هاهنا و بين الانفجار المذكور في سورة البقرة، و قال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة، و الانفجار خروجه بكثرة، و طريق الجمع: أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً، ثم صار كثيراً، و هذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء، و لما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم، ذكر ثانياً أنه ظلل الغمام عليهم، و ثالثا: أنه أنزل عليهم المن و السلوى، و لا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من اللََّه تعالى، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام و الشراب على أحسن الوجوه و دفع عنهم مضار الشمس.

ثم قال: كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ و المراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم و ترك غيره.

ثم قال تعالى: وَ مََا ظَلَمُونََا و فيه حذف، و ذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم اللََّه به، و ذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن اللََّه منعهم منه، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم اللََّه عنه، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن اللََّه منعهم منه، و معلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه، ـ

389

فلذلك وصفهم اللََّه تعالى به و نبه بقوله: وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ و ذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم.

اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة مع الشرح و البيان في سورة البقرة.

بقي أن يقال: إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه: الأول: في سورة البقرة وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ [البقرة: 58]و هاهنا قال: وَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ و الثاني: أنه قال في سورة البقرة: فَكُلُوا بالفاء و هاهنا وَ كُلُوا بالواو. و الثالث: أنه قال في سورة البقرة رَغَداً و هذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة. و الرابع: أنه قال في سورة البقرة: وَ اُدْخُلُوا اَلْبََابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ و قال هاهنا على التقديم و التأخير. و الخامس: أنه قال في البقرة نَغْفِرْ لَكُمْ خَطََايََاكُمْ و قال هاهنا: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئََاتِكُمْ و السادس: أنه قال في سورة البقرة: وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ و هاهنا حذف حرف الواو. و السابع: أنه قال في سورة البقرة: فَأَنْزَلْنََا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة: 59]و قال هاهنا: فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ و الثامن: أنه قال في سورة البقرة: بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ و قال هاهنا: بِمََا كََانُوا يَظْلِمُونَ و اعلم أن هذه الألفاظ متقاربة و لا منافاة بينها ألبتة، و يمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة.

أما الأول: و هو أنه قال في سورة البقرة: اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ و قال هاهنا: اُسْكُنُوا فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولاً، ثم سكونها ثانياً.

و أما الثاني: فهو أنه تعالى قال في البقرة: اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا [البقرة: 58]بالفاء. و قال هاهنا:

اُسْكُنُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ وَ كُلُوا بالواو و الفرق أن الدخول حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم. فإنه إنما يكون داخلاً في أول دخوله، و أما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولاً.

إذا ثبت هذا فنقول: الدخول حالة منقضية زائلة و ليس لها استمرار. فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده، فلهذا قال: اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ و أما السكون فحالة مستمرة باقية. فيكون الأكل حاصلاً معه لا عقيبه فظهر الفرق.

و أما الثالث: و هو أنه ذكر في سورة البقرة رَغَداً و ما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل و أتم، و لما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله: رَغَداً و أما الأكل حال سكون القرية، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة، فلا جرم ترك قوله: رغدا فيه.

و أما الرابع: و هو قوله في سورة البقرة: وَ اُدْخُلُوا اَلْبََابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ و في سورة الأعراف على‏

390

العكس منه، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم اللََّه تعالى، و إظهار الخضوع و الخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم و التأخير.

و أما الخامس: و هو أنه قال في سورة البقرة: خَطََايََاكُمْ [البقرة: 58]و قال هاهنا: خَطِيئََاتِكُمْ فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء و التضرع.

و أما السادس: و هو أنه تعالى قال في سورة البقرة: وَ سَنَزِيدُ [البقرة: 58]بالواو و هاهنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف، و التقدير: كان قائلاً قال: و ماذا حصل بعد الغفران؟فقيل له‏ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ .

و أما السابع: و هو الفرق بين قوله: أَنْزَلْنََا و بين قوله: فَأَرْسَلْنََا فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة، و الإرسال يشعر بها، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيراً، و هو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله: فَانْبَجَسَتْ و بين قوله: فَانْفَجَرَتْ .

و أما الثامن: و هو الفرق بين قوله: يَظْلِمُونَ و بين قوله: يَفْسُقُونَ فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، و بكونهم فاسقين، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة اللََّه تعالى، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، و تمام العلم بها عند اللََّه تعالى.

اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة في سورة البقرة. و فيها مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: وَ سْئَلْهُمْ المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم، لأن هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل اللََّه تعالى، و إنما المقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء: الأول: أن المقصود من ذكر هذا السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح و المعصية الفاحشة تنبيهاً لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلّى اللََّه عليه و سلم و بمعجزاته ليس شيئاً حدث في هذا الزمان، بل هذا الكفر و الإصرار كان حاصلاً في أسلافهم من الزمان القديم.

و الفائدة الثانية: أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا و كذا؟ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة، و غير ذاهل عن دقائقها، و لما كان النبي صلى اللََّه عليه و سلم رجلاً أمياً لم يتعلم علماً، و لم يطالع كتاباً، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت و لا زيادة و لا نقصان، كان ذلك جارياً مجرى المعجز.

المسألة الثانية: الأكثرون على أن تلك القرية أيلة. و قيل: مدين. و قيل طبرية، و العرب تسمي المدينة قرية، و عن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن و الحجاج يعني رجلين من أهل المدن، و قوله: كََانَتْ حََاضِرَةَ اَلْبَحْرِ يعني قريبة من البحر و بقربه و على شاطئه و الحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى:

ذََلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حََاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [البقرة: 196]و قوله: إِذْ يَعْدُونَ/فِي اَلسَّبْتِ يعني‏

391

يجاوزون حد اللََّه فيه، و هو اصطيادهم يوم السبت و قد نهوا عنه، و قرئ يَعْدُونَ بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال و نقلت حركتها إلى العين و يَعْدُونَ من الأعداد و كانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت و هم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و اَلسَّبْتِ مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله: إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، و كذلك قوله: يَوْمَ سَبْتِهِمْ معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، و يدل عليه قوله: وَ يَوْمَ لاََ يَسْبِتُونَ و يؤكده أيضاً قراءة عمر بن عبد العزيز (يوم أسباتهم) و قرئ لاََ يَسْبِتُونَ بضم الباء، و قرأ علي رضى اللََّه عنه لاََ يَسْبِتُونَ بضم الياء من أسبتوا، و عن الحسن لاََ يَسْبِتُونَ على البناء للمفعول، و قوله: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتََانُهُمْ نصب بقوله: يَعْدُونَ و المعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان، و قوله: يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً أي ظاهرة على الماء و شرع جمع شارع و شارعة و كل شي‏ء دان من شي‏ء فهو شارع، و دار شارعة أي دنت من الطريق، و نجوم شارعة أي دنت من المغيب. و على هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، قال ابن عباس و مجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه و اختاروا السبت فابتلاهم اللََّه به و حرم عليهم الصيد فيه و أمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبت ذهبت و ما تعود إلا في السبت المقبل. و ذلك بلاء ابتلاهم اللََّه به، فذلك معنى قوله: وَ يَوْمَ لاََ يَسْبِتُونَ لاََ تَأْتِيهِمْ و قوله: كَذََلِكَ نَبْلُوهُمْ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم، و ذلك يدل على أن من أطاع اللََّه تعالى خفف اللََّه عنه أحوال الدنيا و الآخرة و من عصاه ابتلاه بأنواع البلاء و المحن، و احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح و الأصلح لا في الدين و لا في الدنيا و ذلك لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية و الكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح و الأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن ذلك الكفر و المعصية. فلما فعل ذلك و لم يبال بكفرهم و معصيتهم علمنا أن رعاية الصلاح و الأصلح غير واجبة على اللََّه تعالى.

اعلم أن قوله: وَ إِذْ قََالَتْ معطوف على قوله: إِذْ يَعْدُونَ و حكمه حكمه في الإعراب و قوله: أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب و الذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم. و قوله: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اَللََّهُ مُهْلِكُهُمْ أي مخترمهم و مطهر الأرض منهم أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذََاباً شَدِيداً لتماديهم في الشر، و إنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم و قوله: قََالُوا مَعْذِرَةً إِلى‏ََ رَبِّكُمْ فيه بحثان:

البحث الأول: قرأ حفص عن عاصم مَعْذِرَةً بالنصب و الباقون بالرفع، أما من نصب مَعْذِرَةً فقال الزجاج معناه: نعتذر معذرة، و أما من رفع فالتقدير: هذه معذرة أو قولنا معذرة و هي خبر لهذا المحذوف.

392

البحث الثاني: المعذرة مصدر كالعذر، و قال أبو زيد: عذرته أعذره عذراً و معذرة، و معنى عذره في اللغة أي قام بعذره، و قيل: عذره، يقال: من يعذرني أي يقوم بعذري، و عذرت فلاناً فيما صنع أي قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله: مَعْذِرَةً إِلى‏ََ رَبِّكُمْ أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى اللََّه تعالى، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر.

قلنا: قد فعلنا فنكون بذلك معذورين، و قال الأزهري: المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر و أقيم مقام الاعتذار. كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا. فأقيم الاسم مقام الاعتذار، و يقال: اعتذر فلان اعتذاراً و عذراً و معذرة من ذنبه فعذرته، و قوله: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي و جائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا اللََّه و يتركوا هذا الذنب.

إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية قولان:

القول الأول: أن أهل القرية منهم من صاد السمك و أقدم على ذلك الذنب و منهم من لم يفعل ذلك، و هذا القسم الثاني صاروا قسمين: منهم من وعظ الفرقة المذنبة، و زجرهم عن ذلك الفعل، و منهم من سكت عن ذلك الوعظ، و أنكروا على الواعظين و قالوا لهم: لم تعظوهم، مع العلم بأن/اللََّه مهلكهم أو معذبهم؟يعني:

أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر، فوجب تركه.

و القول الثاني: أن أهل القرية كانوا فرقتين: فرقة أقدمت على الذنب، و فرقة أحجموا عنه و وعظوا الأولين، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اَللََّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ بزعمكم؟قال الواحدي: و القول الأول أصح، لأنهم لو كانوا فرقتين و كان قوله: مَعْذِرَةً إِلى‏ََ رَبِّكُمْ خطاباً من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا:

(و لعلكم تتقون) .

أما قوله: فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه، أنجينا الذين ينهون عن السوء و أخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية.

و اعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت، و الفرقة الناهية عن المنكر نجت. أما الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا؟فنقل عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما أنه توقف فيه. و نقل عنه أيضاً: هلكت الفرقتان و نجت الناهية، و كان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى و قال: إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا، و نحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت و لا نقول شيئاً. قال الحسن: الفرقة الساكتة ناجية، فعلى هذا نجت فرقتان و هلكت الثالثة. و احتجوا عليه بأنهم لما قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اَللََّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار، و أنهم إنما تركوا و عظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ و لا ينتفعون به.

فإن قيل: إن ترك الوعظ معصية، و النهي عنه أيضاً معصية، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله: وَ أَخَذْنَا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا .

393

قلنا: هذا غير لازم، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية. فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس، و الظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره. و قوله: بِعَذََابٍ بَئِيسٍ أي شديد و في هذه اللفظة قراءات: أحدها: بَئِيسٍ بوزن فعيل. قال أبو علي: و فيه و جهان: الأول:

أن يكون فعيلاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. و الآخر: ما قاله أبو زيد، و هو أنه من البؤس و هو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً و بأساً و بئيساً إذا افتقر فهو بائس، أي فقير. فقوله: بِعَذََابٍ بَئِيسٍ أي ذي بؤس. و القراءة الثانية (بئس) بوزن حذر. و الثالثة: (بيس) على قلب الهمزة ياء، كالذيب في ذئب، و الرابعة: (بيئس) على فيعل.

و الخامسة: (بيس) كوزن/ريس على قلب همزة بئيس ياء و إدغام الياء فيها. و السادسة: (بيس) على تخفيف بيس كهين في هين، و هذه القراآت نقلها صاحب «الكشاف» . ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا.

فقال عز من قائل:

و فيه مباحث:

البحث الأول: العتو عبارة عن الإباء و العصيان، و إذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا، لأنهم أبوا عما نهوا عنه، و معلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار، و التقدير: فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه، ثم حذف المضاف، و إذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهى.

البحث الثاني: من الناس من قال: إن قوله: قُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً ليس من المقال، بل المراد منه: أنه تعالى فعل ذلك. قال: و فيه دلالة على أن قوله: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:

40]هو بمعنى الفعل لا الكلام. و قال الزجاج: أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ.

و اعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادراً عليه، و القوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة.

البحث الثالث: قال ابن عباس: أصبح القوم و هم قردة صاغرون، فمكثوا كذلك ثلاثاً فرآهم الناس ثم هلكوا. و نقل عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما: أن شباب القوم صاروا قردة، و الشيوخ خنازير، و هذا القول على خلاف الظاهر. و اختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة؟و هل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا، و انقطع نسلهم، و لا دلالة في الآية عليه، و الكلام في المسخ و ما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة. و اللََّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما شرح هاهنا بعض مصالح أعمال اليهود و قبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل و الصغار إلى يوم القيامة، قال سيبويه: أذن أعلم. و أذن نادى و صاح لإعلام و منه قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الأعراف: 44]و قوله: تَأَذَّنَ بمعنى أذن أي أعلم. و لفظة تفعل، هاهنا ليس‏

394

معناه أنه أظهر شيئاً ليس فيه، بل معناه فعل فقوله: تَأَذَّنَ بمعنى أذن كما في قوله: سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ* [يونس: 18]معناه علا و ارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو، و إن لم يحصل ذلك فيه و أما قوله لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ففيه بحثان:

البحث الأول: أن اللام في قوله: لَيَبْعَثَنَّ جواب القسم لأن قوله و إِذْ تَأَذَّنَ جار مجرى القسم في كونه جازما بذلك الخبر.

البحث الثاني: الضمير في عَلَيْهِمْ يقتضي أن يكون راجعاً إلى قوله: فَلَمََّا عَتَوْا عَنْ مََا نُهُوا عَنْهُ قُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ [الأعراف: 166] لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف. ثم اختلفوا فقال بعضهم: المراد نسلهم و الذين بقوا منهم. و قال آخرون: بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح و بين متعد فمسخ المتعدي و ألحق الذل بالبقية، و قال الأكثرون: هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم و دعاهم إلى شريعته، و هذا أقرب. لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى اللّه عليه و سلم و زجرهم عن البقاء على اليهودية، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا.

البحث الثالث: لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر و اليهودية، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فخارجون عن هذا الحكم.

أما قوله: إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ إلى آخر الآية فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة و ذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا، و عند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم: هو أخذ الجزية. و قيل: الاستخفاف و الإهانة و الإذلال لقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ أَيْنَ مََا ثُقِفُوا و قيل: القتل و القتال. و قيل: الإخراج و الإبعاد من الوطن، و هذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر و بني قريظة و النضير، و هذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة و لا عز، و أن الذل يلزمهم، و الصغار لا يفارقهم. و لما أخبر اللََّه تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة. ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا إخباراً صدقاً عن الغيب، فكان معجزاً، و الخبر المروي في أن أتباع الرجال هم اليهود إن صح، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهوداً ثم دانوا بإلهيته، فذكروا بالاسم الأول و لو لا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة و القهر، و ذلك خلاف هذه الآية. و احتج بعض العلماء/على لزوم الذل و الصغار لليهود بقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ أَيْنَ مََا ثُقِفُوا إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ [آل عمران: 112]إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال. أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد و لا استثناء، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جداً. و اختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم، فقال بعضهم: الرسول و أمته و قيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم، و إن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم. و هذا القائل حمل قوله:

لَيَبْعَثَنَّ على نحو قوله: أَنََّا أَرْسَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [مريم: 83]فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية، و ترك المنع، فكذلك البعثة، و هذا القائل. قال: المراد بختنصر و غيره إلى هذا اليوم، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ اَلْعِقََابِ و المراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب من الكفر و اليهودية، و دخل في الإيمان باللََّه و بمحمد صلى اللّه عليه و سلم.

395

و اعلم أن قوله: وَ قَطَّعْنََاهُمْ أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ [الأعراف:

167]المراد جملة اليهود، و معنى قَطَّعْنََاهُمْ أي فرقناهم تفريقاً شديداً. فلذلك قال بعده: فِي اَلْأَرْضِ أُمَماً و ظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا و منهم فيها أمة، و هذا هو الغالب من حال اليهود، و معنى قطعناهم، فإنه قلما يوجد بلد إلا و فيه طائفة منهم.

ثم قال: مِنْهُمُ اَلصََّالِحُونَ قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق. و قال ابن عباس و مجاهد: يريد الذين أدركوا النبي صَلَّى اللّه عليه و سلم و آمنوا به و قوله: وَ مِنْهُمْ دُونَ ذََلِكَ أي و منهم قوم دون ذلك، و المراد من أقام على اليهودية.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله: وَ مِنْهُمْ دُونَ ذََلِكَ من يكون صالحاً إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب.

قلنا: أن قوله بعد ذلك: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية و خرج من الصلاح.

أما قوله: وَ بَلَوْنََاهُمْ بِالْحَسَنََاتِ وَ اَلسَّيِّئََاتِ أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات، و هي النعم و الخصب و العافية، و السيئات هي الجدب و الشدائد، قال أهل المعاني: و كل واحد من الحسنات و السيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، و أما النقم فلأجل الترهيب. و قوله: يَرْجِعُونَ يريد كي يتوبوا.

اعلم أن قوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ظاهره أن الأول ممدوح. و الثاني مذموم، و إذا كان كذلك، فيجب أن يكون المراد: فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف. قال الزجاج: الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجي‏ء في إثر قرن خلف، و يقال فيه أيضاً خلف، و قال أحمد بن يحيى: الناس كلهم يقولون خلف صدق و خلف سوء، و خلف للسوء لا غير. و حاصل الكلام:

أن من أهل العربية من قال الخلف و الخلف قد يذكر في الصالح و في الردي‏ء، و منهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد.

و بقيت في خلف كجلد الأجرب‏

396

و منهم من يقول: الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف، و هو الفساد، يقال للردي‏ء من القول خلف، و منه المثل المشهور سكت ألفاً و نطق خلفاً، و خلف الشي‏ء يخلف خلوفاً و خلفاً إذا فسد/و كذلك الفم إذا تغيرت رائحته. و قوله: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هََذَا اَلْأَدْنى‏ََ قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر و الفاجر، و أما العرض بسكون الراء فما خالف العين، أعني الدراهم و الدنانير و جمعه عروض، فكان كل عرض عرضاً و ليس كل عرض عرضاً، و المراد بقوله: عَرَضَ هََذَا اَلْأَدْنى‏ََ أي حطام هذا الشي‏ء الأدنى يريد الدنيا و ما يتمتع به منها، و في قوله: هََذَا اَلْأَدْنى‏ََ تخسيس و تحقير، و اَلْأَدْنى‏ََ إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، و إما من دنو الحال و سقوطها و قلتها. و المراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام. ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب و يقولون سيغفر لنا.

ثم قال: وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ و المراد الأخبار عن إصرارهم على الذنوب. و قال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا و أنهم لا يستمتعون منها. ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثََاقُ اَلْكِتََابِ أي التوراة أَنْ لاََ يَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب و تغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة، و قيل: المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار، و ذلك قول باطل.

فإن قيل: فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له.

قلنا: أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة، و نحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران، و نقول: إن بتقدير أن يعذب اللََّه عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم.

ثم قال تعالى: وَ دَرَسُوا مََا فِيهِ أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرءوه و درسوه.

ثم قال: وَ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة أَ فَلاََ يَعْقِلُونَ .

أما قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتََابِ يقال مسكت بالشي‏ء و تمسكت به و استمسكت به و امتسكت به، و قرأ أبو بكر عن عاصم يُمَسِّكُونَ مخففة و الباقون بالتشديد. أما حجة عاصم فقوله تعالى: فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: 229]و قوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: 37]و قوله: فَكُلُوا مِمََّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: 4]قال الواحدي: و التشديد أقوى، لأن التشديد للكثرة و هاهنا أريد به الكثرة، و لأنه يقال:

أمسكته، و قلما يقال أمسكت به.

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: وَ اَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتََابِ قولان:

القول الأول: أن يكون مرفوعاً بالابتداء و خبره إِنََّا لاََ نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُصْلِحِينَ و المعنى: إنا لا نضيع أجرهم و هو كقوله: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ إِنََّا لاََ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف: 30]و هذا الوجه حسن لأنه لما ذكر و عيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به.

و القول الثاني: أن يكون مجروراً عطفاً على قوله: اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ و يكون قوله: إِنََّا لاََ نُضِيعُ /زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله.

فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، و منها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر؟ـ

397

قلنا: إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة، و أنها أعظم العبادات بعد الإيمان.

قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشي‏ء من موضعه، و الرمي به. يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به و صبه و امرأة ناتق و منتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رمياً فمعنى نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ أي قلعناه من أصله و جعلناه فوقهم و قوله: كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ قال ابن عباس: كأنه سقيفة و الظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط، و الجمع ظلل و ظلال، و هذه القصة مذكورة في سورة البقرة وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وََاقِعٌ بِهِمْ قال المفسرون: علموا و أيقنوا. و قال أهل المعاني: قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه، و هذا هو الأظهر في معنى الظن، و مضى الكلام فيه عند قوله‏ اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ [البقرة: 46]روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها و ثقلها، فرفع اللََّه الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، و كان فرسخاً في فرسخ، و قيل لهم: إن قبلتموها بما فيها و إلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، و هو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر و هو ينظر بعينه اليمنى، و يقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ثم قال تعالى: خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ أي و قلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة و عزم على احتمال مشاقه و تكاليفه وَ اُذْكُرُوا مََا فِيهِ من الأوامر و النواهي، أي و اذكروا ما فيه من الثواب و العقاب، و يجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة، إن كنتم تطيقونه كقوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا [الرحمن: 33]و اذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين، و في تفسير هذه الآية قولان: الأول: و هو مذهب المفسرين و أهل الأثر ما

روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي اللََّه عنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم سئل عنها فقال: «إن اللََّه سبحانه و تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة و بعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار و بعمل أهل النار يعملون» فقال رجل يا رسول اللََّه ففيم العمل؟فقال عليه الصلاة و السلام: «إن اللََّه إذا خلق العبد للجنة

398

استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة و إذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله اللََّه النار»

و

عن أبي هريرة رضي اللََّه عنه قال:

قال رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم: «لما خلق اللََّه آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة»

و

قال مقاتل: «إن اللََّه مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال يا آدم هؤلاء ذريتك.

ثم قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي و هم أصحاب اليمين، و قال للسود هؤلاء في النار و لا أبالي و هم أصحاب الشمال و أصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم، فأهل القبول محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال، و أرحام النساء. و قال تعالى فيمن نقض العهد الأول‏ وَ مََا وَجَدْنََا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [الأعراف: 102]و هذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب، و سعيد بن جبير، و الضحاك، و عكرة، و الكلبي، و

عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما: أنه أبصر آدم في ذريته قوماً لهم نور. فقال يا رب من هم؟فقال الأنبياء، و رأى واحداً هو أشدهم نوراً فقال من هو؟قال داود، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم: هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة، و كان عمر آدم ألف سنة، فلما تم عمر آدم تسعمائة و ستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فقال بقي من أجلي أربعون سنة، فقال: أ لست قد وهبته من ابنك داود؟فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئاً، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها.

أما المعتزلة: فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه. و احتجوا على فساد هذا القول بوجوه.

الحجة الأولى: لهم قالوا: قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ لا شك أن قوله: مِنْ ظُهُورِهِمْ يدل من قوله: بَنِي آدَمَ فيكون المعنى: و إذ أخذ ربك من ظهور بني آدم. و على هذا التقدير: فلم يذكر اللََّه تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً.

الحجة الثانية: أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئاً من الذرية لما قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ بل كان يجب أن يقول: من ظهره، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد، و كذلك قوله: ذُرِّيَّتَهُمْ لو كان آدم لقال ذريته.

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا: إِنَّمََا أَشْرَكَ آبََاؤُنََا مِنْ قَبْلُ و هذا الكلام يليق بأولاد آدم، لأنه عليه السلام ما كان مشركاً.

الحجة الرابعة: أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، فلو أخذ اللََّه الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء، و لو كانوا عقلاء و أعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كلياً لا يتذكر منها شيئاً لا بالقليل و لا بالكثير، و بهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ. فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، و حيث لم نتذكر ذلك كان القول/بالتناسخ باطلاً. فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل و هذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة، وجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد و الميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن‏

399

في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال. و بالجملة فلا فرق بين هذا القول و بين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضاً التزام مذهب التناسخ.

الحجة الخامسة: أن جميع الخلق الذين خلقهم اللََّه من أولاد آدم عدد عظيم و كثيرة، فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية و المقدار و صلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع.

الحجة السادسة: أن البنية شرط لحصول الحياة و العقل و الفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة. و فتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات. و إذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون عالماً فاهماً عاقلاً؛ إلا إذا حصلت له قدرة من البنية و اللحمية و الدمية، و إذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال أنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام؟ الحجة السابعة: قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه اللََّه منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا. و الأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب و العقاب و المدح و الذم و لا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان؟ الحجة الثامنة: قال الكعبي: إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم و العلم من حال الأطفال، و لما لم يكن توجيه التكليف على الطفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات؟ و أجاب الزجاج عنه فقال: لما لم يبعد أن يؤتى اللََّه النمل العقل كما قال: قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ [النمل: 18]و أن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال: وَ سَخَّرْنََا مَعَ دََاوُدَ اَلْجِبََالَ يُسَبِّحْنَ [الأنبياء: 79] و كما أعطى اللََّه العقل للبعير حتى سجد للرسول، و للنخلة حتى سمعت و انقادت حين دعيت فكذا هاهنا.

الحجة التاسعة: أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول و القدر أو ما كانوا/كذلك، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة و إنما يبقون مكلفين إذا عرفوا اللََّه بالاستدلال و لو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لا فتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر و لزم التسلسل و هو محال. و أما الثاني: و هو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول و لا كاملي القدر، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب و التكليف عليهم.

الحجة العاشرة: قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسََانُ مِمَّ خُلِقَ‏`خُلِقَ مِنْ مََاءٍ دََافِقٍ [الطارق: 5، 6]و لو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق و لا معنى للإنسان إلا ذلك الشي‏ء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدافق و ذلك رد لنص القرآن.

400

فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل و الفهم و القدرة عند الميثاق ثم أزال عقله و فهمه و قدرته؟ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم و أخرجه إلى هذه الحياة.

قلنا: هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة. و أجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل.

الحجة الحادية عشرة: هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم و القول الثاني باطل بالإجماع، بقي القول الأول. فنقول: إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة و علقة و مضغة أو ما بقوا كذلك و الأول باطل ببديهة العقل. و الثاني: يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات: أولها وقت الميثاق، و ثانيها في الدنيا، و ثالثها في القبر، و رابعها في القيامة. و أنه حصل له الموت ثلاث مرات. موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول، و موت في الدنيا، و موت في القبر، و هذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ [غافر: 11].

الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنين: 12]فلو كان القول بهذا الذر صحيحاً لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب، و ذلك باطل.

لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة، و العلقة، و المضغة، و نص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة و العلقة، و هو قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ و قوله: قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ*`مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ*`مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ [عبس: 17-19]فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف.

و القول الثاني: في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر و أرباب المعقولات: أنه تعالى أخرج الذرية و هم الأولاد من أصلاب آبائهم و ذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها اللََّه تعالى في أرحام الأمهات، و جعلها علقة، ثم مضغة، ثم جعلهم بشراً سوياً، و خلقاً كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، و عجائب خلقه، و غرائب صنعه. فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، و إن لم يكن هناك قول باللسان، و لذلك نظائر منها قوله تعالى: فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11]و منها قوله تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]و قول العرب:

قال الجدار للوتد لم تشقني # قال سل من يدقني

فإن الذي ورايي # ما خلاني ورايي‏

و قال الشاعر:

امتلأ الحوض و قال قطني‏

فهذا النوع من المجاز و الاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين، و هذا القول الثاني لا طعن فيه ألبتة، و بتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافياً لصحة القول الأول: إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا؟ فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه؟

401

قلنا: هاهنا مقامان: أحدهما: أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر؟و الثاني: أن بتقدير أن يصح القول به، فهل يمكن جعله تفسير الألفاظ هذه الآية؟ أما المقام الأول: فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها و قررناها، و يمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع.

أما الوجه الأول: من الوجوه العقلية المذكورة، و هو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن.

قلنا: خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو اللََّه تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية. و العلوم الضرورية خالقها هو اللََّه تعالى، و إذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها.

فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا، فجوزوا أن يقال: إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ و إن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان! قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر و ذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى، و بقينا فيها سنين و دهوراً، امتنع في مجرى العادة نسيانها، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان، و أقل وقت فلم/يبعد حصول النسيان فيه، و الفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساه، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه، فقد ظهر الفرق.

و أما الوجه الثاني: و هو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام.

قلنا: عندنا البنية ليست شرطاً لحصول الحياة، و الجوهر الفرد الذي لا يتجزأ، قابل للحياة و العقل، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهراً فرداً، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها؟إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا: الإنسان جوهر فرد. و جزء لا يتجزأ في البدن. على ما هو مذهب بعض القدماء، و أما إذا قلنا: الإنسان هو النفس الناطقة، و إنه جوهر غير متحيز، و لا حال في المتحيز فالسؤال زائل.

و أما الوجه الثالث: و هو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا؟ فجوابنا أن نقول: يفعل اللََّه ما يشاء و يحكم ما يريد، و أيضاً أ ليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال، و إنطاق الجوارح قالوا: لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف؟فكذا هاهنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف. و قيل أيضاً إن اللََّه تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة و بقية الوجوه ضعيفة و الكلام عليها سهل هين.

و أما المقام الثاني: و هو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر. فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولاً دافعة لذلك لأن قوله: أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فقد بينا أن المراد منه، و إذا أخذ ربك من ظهور بني آدم، و أيضاً لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته و لم يقل من ظهورهم ذريتهم. أجاب الناصرون لذلك القول: بأنه صحت الرواية عن رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه و الطعن في تفسير رسول اللََّه غير ممكن. فنقول: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان‏

402

و ذلك الفلان فلان آخر، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم و يميز بعضهم من بعض، و أما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته و ليس في الآية أيضاً ما يدل على بطلانه، إلا أن الخبر قد دل عليه، فثبت إخراج الذرية من ظهور/بني آدم بالقرآن، و ثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، و على هذا التقدير: فلا منافاة بين الأمرين و لا مدافعة، فوجب المصير إليهما معاً.

صوناً للآية. و الخبر عن الطعن بقدر الإمكان، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام.

المسألة الثانية: قرأ نافع و ابن عامر و أبو عمرو ذرياتهم بالألف على الجمع و الباقون ذُرِّيَّتَهُمْ على الواحد. قال الواحدي: الذرية تقع على الواحد و الجمع. فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله: مََا هََذََا بَشَراً و على الجمع كقوله: أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنََا [التغابن: 6]و قوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا و كما لم يجمع بشر بتصحيح و لا تكسير كذلك لا يجمع الذرية و من جمع قال: إن الذرية و إن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، و إن كان جمعاً فجمعه أيضاً حسن، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت. نحو الطرقات و الجدرات، و هو اختيار يونس أما قوله تعالى:

وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ فنقول: أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها، و أما على قول من أنكره قال: إنها محمولة على التمثيل، و المعنى: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، و شهدت بها عقولهم، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا و إقرارنا بوحدانيته، أما قوله: شَهِدْنََا ففيه قولان:

القول الأول: أنه من كلام الملائكة، و ذلك لأنهم لما قالوا بَلى‏ََ قال اللََّه للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا، و على هذا القول يحسن الوقف على قوله: قََالُوا بَلى‏ََ لأن كلام الذرية قد انقطع هاهنا و قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ تقريره: أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار، لئلا يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة «لا» كما قال: وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ* [النحل: 15]يريد لئلا تميد بكم، هذا قول الكوفيين، و عند البصريين تقريره: شهدنا كراهة أن يقولوا.

و القول الثاني: أن قوله: شَهِدْنََا من بقية كلام الذرية، و على هذا التقرير، فقوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ متعلق بقوله: وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ و التقدير: و أشهدهم على أنفسهم، بكذا و كذا، لئلا يقولوا يوم القيامة إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ أو كراهية أن يقولوا ذلك و على هذا التقدير، فلا يجوز الوقف عند قوله: شَهِدْنََا لأن قوله: أن يقولوا متعلق بما قبله و هو قوله: وَ أَشْهَدَهُمْ فلم يجز قطعه منه. و اختلف القراء في قوله: أن يقولوا أو تَقُولُوا : فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة و هو قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ... - وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لئلا يقولوا و قرأ الباقون بالتاء، لأنه قد جرى في الكلام خطاب و هو قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ شَهِدْنََا و كلا الوجهين حسن، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.

أما قوله: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمََا أَشْرَكَ آبََاؤُنََا مِنْ قَبْلُ قال المفسرون: المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا، لأن آباءنا أشركوا، فقلدناهم في ذلك الشرك، و هو المراد من قوله: أَ فَتُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ و الحاصل: أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر. و أما الذين‏

403

حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل. قالوا: معنى الآية إنا نصبنا هذه هذه الدلائل، و أظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ فما نبهنا عليه منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، و الإقبال على التقليد و الاقتداء بالآباء.

ثم قال: وَ كَذََلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ و المعنى: أن مثل ما فصلنا و بينا في هذه الآية، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق و يعرضوا عن الباطل، و هو المراد من قوله: وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و قيل: أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، و في الآية قول ثالث؛ و هو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان، و الإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها و حقائقها، و هذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب و طلب، و هذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب. و اللََّه أعلم.

في قوله تعالى وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس و ابن مسعود و مجاهد رحمهم اللََّه: نزلت هذه الآية في بلعم/بن باعوراء، و ذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، و غزا أهله و كانوا كفاراً، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام و قومه، و كان مجاب الدعوة، و عنده اسم اللََّه الأعظم فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له و وقع موسى و بنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه. فقال: بدعاء بلعم. فقال: كما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم اللََّه الأعظم و الإيمان، فسلخه اللََّه مما كان عليه و نزع منه المعرفة. فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته. و يقال أيضاً: إنه كان نبياً من أنبياء اللََّه، فلما دعا عليه موسى انتزع اللََّه منه الإيمان و صار كافراً. و قال عبد اللََّه بن عمر و سعيد بن المسيب و زيد بن أسلم، و أبو روق: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت، و كان قد قرأ الكتب، و علم أن اللََّه مرسل رسولاً في ذلك الوقت، و رجا أن يكون هو، فلما أرسل اللََّه محمداً عليه الصلاة و السلام حسده، ثم مات كافراً، و لم يؤمن بالنبي صلى اللّه عليه و سلّم، و هو الذي‏

قال فيه النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «آمن شعره و كفر قبله»

يريد أن شعره كشعر المؤمنين، و ذلك أنه يوحد اللََّه في شعره، و يذكر دلائل توحيده من خلق السموات و الأرض، و أحوال الآخرة، و الجنة و النار. و قيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى اللّه عليه و سلّم الفاسق كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام و أمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار، و أتى قيصر و استنجده على النبي صلى اللّه عليه و سلّم، فمات هناك طريداً وحيداً، و هو قول سعيد بن المسيب. و قيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون النبي صَلَّى اللّه عليه و سلّم، عن الحسن و الأصم و قيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه، و هو قول قتادة، و عكرمة، و أبي مسلم.

404

فإن قال قائل: فهل يصح أن يقال: إن المذكور في هذه الآية كان نبياً، ثم صار كافراً؟ قلنا: هذا بعيد، لأنه تعالى قال: اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124]و ذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف، و الدرجات العالية، و المناقب العظيمة، فمن كان هذا حاله، فكيف يليق به الكفر؟ أما قوله تعالى: آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا ففيه قولان:

القول الأول: آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا يعني: علمناه حجج التوحيد، و فهمناه أدلته، حتى صار عالماً بها فَانْسَلَخَ مِنْهََا أي خرج من محبة اللََّه إلى معصيته، و من رحمة اللََّه إلى سخطه، و معنى انسلخ: خرج منها. يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه.

و القول الثاني: ما ذكره أبو مسلم رحمه اللََّه، فقال قوله: آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا أي بيناها فلم يقبل و عرى منها، و سواء قولك: انسلخ، و عرى، و تباعد، و هذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، و أقام على الكفر، و نظيره قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً [النساء:

47]و قال في حق فرعون: وَ لَقَدْ أَرَيْنََاهُ آيََاتِنََا كُلَّهََا فَكَذَّبَ وَ أَبى‏ََ [طه: 56]و جائز أن يكون هذا الموصوف فرعون، فإنه تعالى أرسل إليه موسى و هارون، فأعرض و أبى، و كان عادياً ضالاً متبعاً للشيطان.

و اعلم أن حاصل الفرق بين القولين: هو أن هذا الرجل في القول الأول، كان عالماً بدين اللََّه و توحيده، ثم خرج منه، و على القول الثاني لما آتاه اللََّه الدلائل و البينات امتنع من قبولها، و القول الأول أولى، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها، و أيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين اللََّه تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر و الضلال.

أما قوله: فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ ففيه وجوه: الأول: أتبعه الشيطان كفار الإنس و غواتهم، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له. و الثاني: قال عبد اللََّه بن مسلم فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ أي أدركه. يقال: أتبعت القوم. أي لحقتهم. قال أبو عبيدة: و يقال: أتبعت القوم، مثال: أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم. و يقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم. أي حتى أدركتهم. و قوله فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين. قال أهل المعاني: المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال و الهوى و العمى، و مال إلى الدنيا، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار و الردى، و خاب في الآخرة و الأولى، فذكر اللََّه قصته ليحذر الناس عن مثل حالته. }و قوله: وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا قال أصحابنا معناه: و لو شئنا رفعناه للعمل بها، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته، و لفظة (لو) تدل على انتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان، و قد يريد الكفر. و قالت المعتزلة: لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه. فالأول: قال الجبائي معناه: و لو شئنا لرفعناه بأعماله، بأن نكرمه، و نزيل التكليف عنه، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة، فأبى أن يستمر على الإيمان. الثاني: لو شئنا لرفعناه، بأن نحول بينه و بين الكفر، قهراً و جبراً، إلا أن ذلك ينافي التكليف. فلا جرم تركناه مع اختياره.

و الجواب عن الأول: أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد، و عن الثاني: أنه تعالى إذا منعه منه قهراً، لم يكن

405

ذلك موجباً للثواب و الرفعة.

ثم قال تعالى: وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ قال أصحاب العربية: أصل الإخلاد اللزوم على/الدوام، و كأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، و منه يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا لزم الإقامة به. قال مالك بن سويد:

بأبناء حي من قبائل مالك # و عمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

قال ابن عباس: وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ يريد مال إلى الدنيا، و قال مقاتل: بالدنيا، و قال الزجاج:

سكن إلى الدنيا. قال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا، و ذلك لأن الدنيا هي الأرض، لأن ما فيها من العقار و الضياع و سائر أمتعتها من المعادن و النبات و الحيوان مستخرج من الأرض، و إنما يقوى و يكمل بها، فالدنيا كلها هي الأرض، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض، و نقول: لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه، و لكنا لم نشأ، إلا أن قوله: وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله: وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه اللََّه من الآيات و اتبع الهوى، فلا جرم وقع في هاوية الردى، و هذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، و ذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته و بيناته، و علمه الاسم الأعظم، و خصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين و صار في درجة الكلب، و ذلك يدل على أن كل من كانت نعم اللََّه في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى و أقبل على متابعة الهوى، كان بعده عن اللََّه أعظم، و إليه الإشارة

بقوله عليه الصلاة و السلام: «من ازداد علماً، و لم يزدد هدى لم يزدد من اللََّه إلا بعداً»

أو لفظ هذا معناه.

ثم قال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قال الليث: هو اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو و عند شدة الحر، فإنه يدلع لسانه من العطش.

و اعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، و إنما وقع بالكلب اللاهث، و أخس الحيوانات هو الكلب، و أخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه اللََّه العلم و الدين فمال إلى الدنيا، و أخلد إلى الأرض، كان مشبهاً بأخس الحيوانات، و هو الكلب اللاهث، و في تقرير هذا التمثيل وجوه: لأول: أن كل شي‏ء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء، و في حال الراحة، و في حال العطش، و في حال الري، فكان ذلك عادة منه و طبيعة، و هو مواظب عليه كعادته الأصلية، و طبيعة الخسيسة، لا لأجل حاجة و ضرورة، فكذلك من آتاه اللََّه العلم و الدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، و يلقى نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، و الفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة. و طبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة و الضرورة. و الثاني: أن الرجل العالم إذا توسل /بعلمه إلى طلب الدنيا، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه و يظهر عندهم فضائل نفسه و مناقبها، و لا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات، و تقرير تلك العبارات يدلع لسانه، و يخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص و شدة العطش إلى الفوز بالدنيا، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة و لا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة و الثالث: أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة ألبتة، فكذلك الإنسان الحريص لا يزال حرصه ألبتة.

أما قوله تعالى: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه و هيج لهث و إن ترك أيضاً

406

لهث، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له، فكذلك هذا الحريص الضال إن و عظته فهو ضال، و إن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال و الخسارة عادة أصلية و طبيعة ذاتية له.

فإن قيل: ما محل قوله: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ .

قلنا: النصب على الحال، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلاً لاهثاً في الأحوال كلها.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات اللََّه قال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم و داعياً يدعوهم إلى طاعة اللََّه، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه و ديانته فكذبوه، فحصل التمثيل بينهم و بين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا و لم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال.

ثم قال: فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ يريد قصص الذين كفروا و كذبوا أنبياءهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يريد يتعظون.

اعلم أنه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا و زجر بذلك عن الكفر و التكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى: سََاءَ مَثَلاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الليث: ساء يسوء فعل لازم و متعد يقال: ساءت الشي‏ء يسوء فهو سي‏ء إذا قبح و ساءه يسوءه مساءة. قال النحويون: تقديره ساء مثلاً، مثل القوم انتصب مثلاً على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئاً آخر سوى مثلاً، فلما ذكرت نوعاً، فقد ميزته من سائر/الأنواع و قولك القوم ارتفاعه من وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ و يكون قولك ساء مثلاً خبره و الثاني: أنك لما قلت ساء مثلاً. قيل لك: من هو؟قلت القوم، فيكون رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. و قرأ الجحدري: ساء مثل القوم.

البحث الثاني: ظاهر قوله: سََاءَ مَثَلاً يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسوء، و ذلك غير جائز، لأن هذا المثل ذكره اللََّه تعالى، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، و أيضاً فهو يفيد الزجر عن الكفر و الدعوة إلى الإيمان، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، فوجب أن يكون الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات اللََّه تعالى و إعراضهم عنها، حتى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث.

أما قوله تعالى: وَ أَنْفُسَهُمْ كََانُوا يَظْلِمُونَ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: كَذَّبُوا فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات اللََّه و ظلم أنفسهم، و إما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة بمعنى و ما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، و أما تقديم المفعول، فهو للاختصاص كأنه قيل و خصوا أنفسهم بالظلم و ما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم.

407

المسألة الأولى: في أن الهداية من اللََّه، و أن الضلال من اللََّه تعالى‏ اعلم أنه تعالى لما وصف الضالين بالوصف المذكور و عرف حالهم بالمثل المذكور بين في هذه الآية أن الهداية من اللََّه، و أن الضلال من اللََّه تعالى، و عند هذه اضطربت المعتزلة، و ذكروا في التأويل وجوهاً كثيرة: الأول: و هو الذي ذكره الجبائي و ارتضاه القاضي أن المراد من يهده اللََّه إلى الجنة و الثواب في الآخرة، فهو المهتدي في الدنيا، السالك طريقة الرشد فيما كلف، فبين اللََّه تعالى أنه لا يهدي إلى الثواب في الآخرة إلا من هذا وصفه، و من يضلله عن طريق الجنة فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و الثاني: قال بعضهم إن في الآية حذفاً، و التقدير: من يهده اللََّه فقبل و تمسك بهداه فهو المهتدي، و من يضلل بأن لم يقبل فهو الخاسر.

الثالث: أن يكون المراد من يهده اللََّه بمعنى أن من وصفه اللََّه بكونه مهتدياً فهو المهتدي، لأن ذلك كالمدح و مدح اللََّه لا يحصل إلا في حق من كان موصوفاً بذلك الوصف الممدوح، و من يضلل أي و من وصفه اللََّه بكونه ضالاً فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و الرابع: أن يكون المراد من يهده اللََّه بالألطاف و زيادة الهدى/فهو المهتدي و من يضلل عن ذلك لما تقدم منه من سوء اختياره، فأخرج لهذا السبب بتلك الألطاف من أن يؤثر فيه فهو من الخاسرين.

و اعلم أنا بينا أن الدلائل العقلية القاطعة، قد دلت على أن الهداية و الإضلال لا يكونان إلا من اللََّه من وجوه: الأول: أن الفعل يتوقف على حصول الداعي و حصول الداعي ليس إلا من اللََّه فالفعل ليس إلا من اللََّه.

الثاني: أن خلاف معلوم اللََّه ممتنع الوقوع، فمن علم اللََّه منه الإيمان لم يقدر على الكفر و بالضد. الثالث: أن كل أحد يقصد حصول الإيمان و المعرفة، فإذا حصل الكفر عقيبه علمنا أنه ليس منه بل من غيره، ثم نقول:

أما التأويل الأول: فضعيف لأنه حمل قوله: مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ على الهداية في الآخرة إلى الجنة و قوله:

فَهُوَ اَلْمُهْتَدِي على الاهتداء إلى الحق في الدنيا، و ذلك يوجب ركاكة في النظم، بل يجب أن تكون الهداية و الاهتداء راجعين إلى شي‏ء واحد، حتى يكون الكلام حسن النظم.

و أما الثاني: فإنه التزام لإضمار زائد، و هو خلاف اللفظ، و لو جاز فتح باب أمثال هذه الإضمارات لا نقلب النفي إثباتاً و الإثبات نفياً، و يخرج كلام اللََّه عز و جل من أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يضمر في الآية ما يشاء، و حينئذ يخرج الكل عن الإفادة.

و أما الثالث: فضعيف لأن قول القائل فلان هدى فلاناً لا يفيد في اللغة ألبتة أنه وصفه بكونه مهتدياً، و قياس هذا على قوله فلان ضلل فلاناً و كفره، قياس في اللغة و أنه في نهاية الفساد و الرابع: أيضاً باطل لأن كل ما في مقدور اللََّه تعالى من الألطاف، فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار، فحمل الآية على هذا التأويل بعيد. و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله: فَهُوَ اَلْمُهْتَدِي يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، و يجوز حذفها طلباً للتخفيف كما قيل في بيت الكتاب:

فطرت بمنصلي في يعملات # دوامي الأيد يخبطن السريحا

و من أبياته أيضاً:

كخوف ريش حمامة نجدية # مسحت بماء البين عطف الإثمد

قال أبو الفتح الموصلي يريد كخواف محذوف الياء.

408

و أما قوله: وَ مَنْ يُضْلِلْ يريد و من يضلله اللََّه و يخذله فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ أي خسروا الدنيا و الآخرة.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال و إرادة الكائنات و تقريره من وجوه: الأول: أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجن و الإنس لجهنم، و لا مزيد على بيان اللََّه. الثاني: أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم اللََّه جهلاً و خبره الصدق كذباً و كل ذلك محال و المفضي إلى المحال محال، فعدم دخولهم في النار محال، و من علم كون الشي‏ء محالاً امتنع أن يريده، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار، و ذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية. الثالث: أن القار على الكفر إن لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر، فقد أراد أن يدخله في النار، و إن كان قادراً على الكفر و على الإيمان معاً امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، و ذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، و إن حصل من قبله تعالى، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للظفر، فقد خلقه للنار قطعاً. الرابع: أنه تعالى لو خلقه للجنة و أعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار، فحينئذ حصل مراد العبد، و لم يحصل مراد اللََّه تعالى، فيلزم كون العبد أقدر و أقوى من اللََّه تعالى، و ذلك لا يقوله عاقل و الخامس: أن العاقل لا يريد الكفر و الجهل الموجب لاستحقاق النار، و إنما يريد الإيمان و المعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب و الدخول في الجنة، فلما حصل الكفر و الجهل على خلاف قصد العبد و ضد جهده و اجتهاده، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد، بل يجب أن يكون حصوله من قبل اللََّه تعالى.

فإن قالوا: العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل، لأنه اشتبه الأمر عليه و ظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح.

فنقول: فعلى هذا التقدير: إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل و هو محال، و إن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد توجه الإلزام و تأكد الدليل و البرهان، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه و تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ قالت المعتزلة: لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن كثيراً من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة. و العبادة و الخير و الصلاح. قال تعالى: إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً*`لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ [الفتح: 8، 9]و قال: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ لِيُطََاعَ بِإِذْنِ اَللََّهِ [النساء: 64]و قال: وَ لَقَدْ صَرَّفْنََاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان: 50]و قال: هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‏ََ عَبْدِهِ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [الحديد: 9]و قال: وَ أَنْزَلْنََا مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْمِيزََانَ لِيَقُومَ اَلنََّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25]و قال: يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: 10]و قال: وَ مََا خَلَقْتُ‏

409

اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]و أمثال هذه الآيات كثيرة، و نحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ على ظاهره.

الوجه الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا و هو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم، و لو كانوا مخلوقين للنار، و لما كانوا قادرين على الإيمان ألبتة و على هذا التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان.

الوجه الثالث: و هو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلاً، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم، كالقطرة في البحر، و كان كمن دفع إلى إنسان حلواً مسموماً فإنه لا يكون منعماً عليه، فكذا هاهنا. و لما كان القرآن مملوءا من كثرة نعمة اللََّه على كل الخلق، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم.

الوجه الرابع: أن المدح و الذم، و الثواب و العقاب، و الترغيب و الترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه.

الوجه الخامس: لو أنه تعالى خلقهم للنار، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.

الوجه السادس: أن قوله: وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ متروك الظاهر، لأن جهنم اسم لذلك الموضع /المعين، و لا يجوز أن يكون الموضع المعين مراداً منه، فثبت أنه لا بد و أن يقال: إن ما أراد اللََّه تعالى بخلقهم منهم محذوف، فكأنه قال: و لقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر، فيجب بناؤها على قوله: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ لأن ظاهرها يصح دون حذف.

الوجه السابع: أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار، و نحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار، فكان قولنا أولى، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير فيه إلى التأويل، و تقريره: أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن و الأنس، هي الدخول في نار جهنم، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة، و لهذا نظائر كثيرة في القرآن و الشعر: أما القرآن فقوله تعالى: وَ كَذََلِكَ نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ [الأنعام: 105]و معلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك، لكنهم لما قالوا ذلك، حسن ورود هذا اللفظ، و أيضاً قال تعالى: رَبَّنََا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوََالاً فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا رَبَّنََا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [يونس: 88]و أيضاً قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8]و هم ما التقطوه لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك، حسن هذا اللفظ، و أما الشعر فأبيات قال:

و للموت تغدوا الوالدات سخالها # كما لخراب الدهر تبنى المساكن‏

و قال:

أموالنا لذوي الميراث نجمعها # و دورنا لخراب الدهر نبنيها

و قال:

410

له ملك ينادي كل يوم # لدوا للموت و ابنوا للخراب‏

و قال:

و أم سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالدة

هذا منتهى كلام القوم في الجواب.

و اعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره، و أما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثاً. و أما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة، فهي: معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة، و من جملتها ما قبل هذه الآية و هو قوله: مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِي وَ مَنْ يُضْلِلْ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ [الأعراف: 178]و هو صريح مذهبنا، و ما بعد هذه الآية و هو قوله: وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ*`وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 182، 183]و لما كان ما قبل هذه الآية و ما بعدها ليس، إلا ما يقوي قولنا و يشيد مذهبنا، كان كلام/المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفاً جداً.

أما قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال فقالوا: لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا، و لا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات، و آذان يسمعون بها الكلمات، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين، و هو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين، و ما كانوا يبصرون و يسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.

و إذا ثبت هذا فنقول: ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم و أبصارهم و أسماعهم ما كانت صالحة لذلك، و هو يجري مجرى المنع عن الشي‏ء و الصد عنه مع الأمر به، و ذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك، لقبح من اللََّه تكليفهم، لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم. فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل و عدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم و لا عين باصرة و لا أذن سامعة.

و الجواب: أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شي‏ء، صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشي‏ء، و مانعة عن إبصار محاسنه و فضائله، و هذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عاقل من نفسه. و لهذا السبب قالوا في المثل المشهور-حبك الشي‏ء يعمي و يصم-.

إذا ثبت هذا فنقول: إن أقواماً من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه الصلاة و السلام و في بغضه و في شدة النفرة عن قبول دينه و الاعتراف برسالته هذا المبلغ و أقوى منه، و العلم الضروري حاصل بأن حصول البغض و الحب في القلب ليس باختيار الإنسان، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره.

411

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن حصول هذه النفرة و العداوة في القلب ليس باختيار العبد، و ثبت أنه متى حصلت هذه النفرة و العداوة في القلب، فإن الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة و العداوة الشديدة تحصيل الفهم و العلم، و إذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوماً لا محيص عنه. و نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى و هو في غاية الحسن.

روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب «مناقب الشافعي» رضي اللََّه تعالى عنه عن علي بن أبي طالب رضي اللََّه عنه أنه/خطب الناس فقال و أعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة و أضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، و إن هاج له الطمع أهلكه الحرص، و إن أهلكه اليأس قتله الأسف، و إن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، و إن سعد بالرضا شقي بالسخط، و إن ناله الخوف شغله الحزن و إن أصابته المصيبة قتله الجزع، و إن و جد مالاً أطغاه الغنى، و إن عضته فاقة شغله البلاء، و إن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر و كل إفراط له مفسد

و أقول: هذا الفصل في غاية الجلالة و الشرف، و هو كالمطلع على سر مسألة القضاء و القدر، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، و كل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها، و إذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر، و ذكر الشيخ الغزالي رحمه اللََّه في كتاب «الأحياء» فصلاً في تقرير مذهب الجبر.

ثم قال فإن قيل: إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت، و إن شئت الترك تركت، فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري ثم قال: و هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: و هل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئته، و إن شئت أن لا تشاء لم تشأه، ما أظنك أن تقول ذلك، و إلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له: بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشي‏ء، و إذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته، فلا مشيئتك به و لا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار.

المسألة الثانية: احتج العلماء بقوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا على أن محل العلم هو القلب، لأنه تعالى نفى الفقه و الفهم عن قلوبهم في معرض الذم، و هذا إنما يصح لو كان محل الفهم و الفقه هو القلب و اللََّه أعلم.

أما قوله: أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ فتقريره أن الإنسان و سائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية و النامية و المولدة، و متشاركة أيضاً في منافع الحواس الخمس الباطنة و الظاهرة و في أحوال التخيل و التفكر و التذكر، و إنما حصل الامتياز بين الإنسان و بين سائر الحيوانات في القوة العقلية و الفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته، و الخير لأجل العمل به: فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل و الفكر و معرفة الحق و العمل بالخير كانوا كالأنعام.

ثم قال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل، و الإنسان أعطي القدرة على تحصيلها، و من أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها. فلهذا السبب قال تعالى: بَلْ هُمْ أَضَلُّ و قال حكيم الشعراء:

الروح عند إله العرش مبدؤه # و تربة الأرض أصل الجسم و البدن

قد ألف الملك الحنان بينهما # ليصلحا لقبول الأمر و المحن

فالروح في غربة و الجسم في وطن # فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن‏

412

و قيل في تفسير قوله: بَلْ هُمْ أَضَلُّ وجوه أخرى فقيل: لأن الأنعام مطيعة للََّه تعالى و الكافر غير مطيع، و قال مقاتل: هم أخطأ طريقاً من الأنعام، لأن الأنعام تعرف ربها و تذكره، و هم لا يعرفون ربهم و لا يذكرونه.

و قال الزجاج: بَلْ هُمْ أَضَلُّ لأن الأنعام تبصر منافعها و مضارها فتسعى في تحصيل منافعها و تحترز عن مضارها، و هؤلاء الكفار و أهل العناد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون و مع ذلك فيصرون عليه، و يلقون أنفسهم في النار و في العذاب، و قيل إنها تفر أبداً إلى أربابها، و من يقوم بمصالحها، و الكافر يهرب عن ربه و إلهه الذي أنعم عليه بنعم لا حد لها. و قيل: لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد، فأما إذا كان معها مرشد قلما تضل، و هؤلاء الكفاء قد جاءهم الأنبياء و أنزل عليهم الكتب و هم يزدادون في الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال: أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ قال عطاء: عما أعد اللََّه لأوليائه من الثواب و لأعدائه من العقاب.

في قوله تعالى وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله: أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ أمر بعده بذكر اللََّه تعالى فقال: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا و هذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر اللََّه.

و المخلص عن عذاب جهنم هو ذكر اللََّه تعالى و أصحاب الذوق و المشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن ذكر اللََّه، و أقبل على الدنيا و شهواتها وقع في باب الحرص و زمهرير الحرمان، و لا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة و من طلب إلى طلب، و من ظلمة إلى ظلمة، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر اللََّه و معرفة اللََّه تخلص عن نيران الآفات و عن حسرات الخسارات، و استشعر بمعرفة رب الأرض و السموات و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ مذكور في سور أربعة: أولها: هذه/السورة.

و ثانيها: في آخر سورة بني إسرائيل في قوله: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الإسراء: 110]و ثالثها: في أول طه و هو قوله: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [طه: 8]و رابعها: في آخر الحشر و هو قوله: هُوَ اَللََّهُ اَلْخََالِقُ اَلْبََارِئُ اَلْمُصَوِّرُ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الحشر: 24].

إذا عرفت هذا فنقول: اَلْأَسْمََاءُ ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن بحسن معانيها و مفهوماتها، و لا معنى للحسن في حق اللََّه تعالى إلا ذكر صفات الكمال و نعوت الجلال، و هي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره، و ثبوت افتقار غيره إليه.

و اعلم أن لنا في تفسير أسماء اللََّه كتاباً كبيراً كثير الدقائق شريف الحقائق سميناه «بلوامع البينات في تفسير الأسماء و الصفات» ، من أراد الاستقصاء فيه فليرجع إليه، و نحن نذكر هاهنا لمعاً و نكتاً منها. فنقول: إن أسماء اللََّه يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة.

الوجه الأول: أن نقول: الاسم إما أن يكون اسماً للذات، أو لجزء من أجزاء الذات، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها. أما اسم الذات فهو المسمى بالاسم الأعظم، و في كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار.

و أما اسم جزء الذات فهو في حق اللََّه تعالى محال، لأن هذا إنما يفعل في الذات المركبة من الأجزاء، و كل ما كان كذلك فهو ممكن، فواجب الوجود يمتنع أن يكون له جزء. ـ

413

و أما اسم الصفة فنقول: الصفة إما أن تكون حقيقة أو إضافية أو سلبية، أو ما يتركب عن هذه الثلاثة، و هي أربعة، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع إضافة أو مع سلب أو صفة سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية و إضافة و سلبية. أما الصفة الحقيقية العارية عن الإضافة فكقولنا موجود عند من يقول: الوجود صفة، أو قولنا واحد، عند من يقول: الوحدة صفة ثانية، و كقولنا حي، فإن الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب و الإضافات، و أما الصفة الإضافية المحضة فكقولنا: مذكور و معلوم، و أما الصفة السلبية، فكقولنا: القدوس السلام. و أما الصفة الحقيقية مع الإضافة، فكقولنا: عالم و قادر، فإن العلم صفة حقيقية، و له تعلق بالمعلوم و القادر، فإن القدرة صفة حقيقية، و لها تعلق بالمقدور، و أما الصفة الحقيقية مع السلبية. فكقولنا: قديم أزلي، لأنه عبارة عن موجود لا أول له. و أما الصفة الإضافية مع السلبية، فكقولنا: أول. فإنه هو الذي سبق غيره و ما سبقه غيره، و أما الصفة الحقيقية مع الإضافة و السلب، فكقولنا: حكيم، فإنه هو الذي يعلم حقائق الأشياء، و لا يفعل ما لا يجوز فعله فصفة العلم صفة حقيقية، و كون هذه الصفة متعلقة بالمعلومات، نسب و إضافات، و كونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب.

إذا عرفت هذا فنقول: السلوب، غير متناهية، و الإضافات أيضاً غير متناهية، فكونه خالقاً/للمخلوقات صفة إضافية، و كونه محيياً و مميتاً إضافات مخصوصة، و كونه رازقاً أيضاً إضافة أخرى مخصوصة. فيحصل بسبب هذين النوعين من الاعتبارات أسماء لا نهاية لها للََّه تعالى، لأن مقدوراته غير متناهية، و لما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته، و إنما السبيل إلى معرفته بمعرفة أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر، كان علمه بأسماء اللََّه أكثر. و لما كان هذا بحراً لا ساحل له و لا نهاية له، فكذلك لا نهاية له، فكذلك لا نهاية لمعرفة أسماء اللََّه الحسنى.

النوع الثاني: في تقسيم أسماء اللََّه ما قاله المتكلمون: و هو أن صفات اللََّه تعالى ثلاثة أنواع: ما يجب، و يجوز، و يستحيل على اللََّه تعالى. و للََّه تعالى بحسب كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة.

و النوع الثالث: في تقسيم أسماء اللََّه أن صفات اللََّه تعالى إما أن تكون ذاتية، أو معنوية، أو كانت من صفات الأفعال.

و النوع الرابع: في تقسيم أسماء اللََّه تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير اللََّه تعالى، أو لا يجوز. أما القسم الأول: فهو كقولنا: الكريم الرحيم العزيز اللطيف الكبير الخالق، فإن هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد، و إن كان معناها في حق اللََّه تعالى مغايراً لمعناها في حق العباد. و أما القسم الثاني فهو كقولنا: اللََّه الرحمن. أما القسم الأول: فإنها إذا قيدت بقيود مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق اللََّه تعالى كقولنا: يا أرحم الراحمين، و يا أكرم الأكرمين، و يا خالق السموات و الأرضين.

النوع الخامس: في تقسيم أسماء اللََّه أن يقال: من أسماء اللََّه ما يمكن ذكره وحده، كقولنا: يا اللََّه يا رحمن يا حي يا حكيم، و منها ما لا يكون كذلك، كقولنا: مميت و ضار، فإنه لا يجوز إفراده بالذكر، بل يجب أن يقال: يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع.

النوع السادس: في تقسيم أسماء اللََّه تعالى أن يقال: أول ما يعلم من صفات اللََّه تعالى كونه محدثاً للأشياء

414

مرجحاً لوجودها على عدمها، و ذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، فإذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود و العدم لذاته، قضى العقل بافتقاره إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه، و ذلك المرجح ليس إلا اللََّه سبحانه، فثبت أن أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحاً و مؤثراً، ثم نقول ذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة و الأول باطل، و إلا لدام العالم بدوامه، و ذلك باطل، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة و كونه مرجحاً على سبيل الصحة، ليس إلا كونه تعالى قادراً، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحاً، هو كونه/قادراً. ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادراً عالماً، و علمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حياً، علمنا من كونه قادراً عالماً، كونه حياً. فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى و بأسمائه واقعاً في درجة واحدة، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض.

المسألة الثانية: قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ يفيد الحصر، و معناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا للََّه تعالى، و البرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى، و ذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته، و إما ممكن لذاته، و الواجب لذاته ليس إلا الواحد و هو اللََّه سبحانه، و أما ما سوى ذلك الواحد، فهو ممكن لذاته، و كل ممكن لذاته، فهو محتاج في ماهيته و في وجوده و في جميع صفاته الحقيقة و الإضافية و السلبية إلى تكوين الواجب لذاته، و لولاه لبقي على العدم المحض و السلب الصرف، فاللََّه سبحانه كامل لذاته، و كمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده و إحسانه، فكل كمال و جلال و شرف، فهو له سبحانه بذاته و لذاته و في ذاته، و لغيره على سبيل العارية، و الذي لغيره من ذاته، فهو الفقر و الحاجة و النقصان و العدم، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا للََّه، و الصفات الحسنى ليست إلا للََّه، و أن كل ما سواه، فهو غرق في بحر الفناء و النقصان.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن أسماء اللََّه ليست إلا للََّه، و الصفات الحسنى ليست إلا للََّه، فيجب كونها موصوفة بالحسن و الكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال و جلال فإنه لا يجوز إطلاقه على اللََّه سبحانه، و عند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال: لا أطلق على ذات اللََّه تعالى اسم الشي‏ء.

قال: لأن اسم الشي‏ء يقع على أخس الأشياء و أكثرها حقارة و أبعدها عن درجات الشرف، و إذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد في المسمى شرفًا و رتبة و جلالة.

و إذا ثبت هذا فنقول: ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء اللََّه يجب أن تكون دالة على الشرف و الكمال، و ثبت أن اسم الشي‏ء ليس كذلك فامتنع تسمية اللََّه بكونه شيئاً. قال و معاذ اللََّه أن يكون هذا نزاعاً في كونه في نفسه حقيقة و ذاتاً و موجوداً، إنما النزاع وقع في محض اللفظ، و هو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا؟فأما قولنا إنه منشئ الأشياء، فهو اسم يفيد المدح و الجلال و الشرف، فكان إطلاق هذا الاسم على اللََّه حقاً، ثم أكد هذه الحجة بأنواع أخر من الدلائل. فالأول: قوله تعلى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]معناه ليس مثل مثله شي‏ء، و لا شك أن عين الشي‏ء مثل لمثل/نفسه. فلما ثبت بالعقل أن كل شي‏ء فهو مثل مثل نفسه، و دل الدليل القرآني على أن مثل مثل اللََّه ليس بشي‏ء، كان هذا تصريحاً بأنه تعالى غير مسمى باسم الشي‏ء، و ليس لقائل أن يقول «الكاف» في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ حرف زائد لا فائدة فيه، لأن حمل كلام اللََّه على اللغو و العبث و عدم الفائدة بعيد.