التفسير الكبير - ج21

- الفخر الرازي‏ المزيد...
568 /
365

الجزء الواحد و العشرون‏

تتمة سورة الإسراء

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

فيه مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه. الأول: اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان في محنة عظيمة من قومه و أهل زمانه، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك. ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس. الثاني: أن القوم إنما نازعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و عاندوه و اقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر و الحسد، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد، و أما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه اللّه من النبوة و الدرجة العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر و الحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان و الدخول في الكفر، فهذه بلية قديمة و محنة عظيمة للخلق. و الثالث: أنه تعالى لما وصفهم بقوله: فَمََا يَزِيدُهُمْ إِلاََّ طُغْيََاناً كَبِيراً [الإسراء: 60]بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان و هو قول إبليس لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاََّ قَلِيلاً فلأجل هذا المقصود ذكر اللّه تعالى قصة إبليس و آدم، فهذا هو الكلام في كيفية النظم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه القصة قد ذكرها اللّه تعالى في سور سبعة، و هي: البقرة و الأعراف و الحجر و هذه السورة و الكهف و طه و ص و الكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة و الأعراف و الحجر فلا فائدة في الإعادة و لا بأس بتعديد بعض المسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص؟ فظاهر لفظ الملائكة يفيد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات‏ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206]يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم.

المسألة الثانية: أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية، و على التقدير الأول فآدم‏

366

كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو اللّه تعالى و آدم كان قبلة للسجود؟ المسألة الثالثة: أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا؟ و إن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله؟ المسألة الرابعة: هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت؟ المسألة الخامسة: الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك.

المسألة السادسة: شبهة إبليس في الامتناع من السجود أ هو قوله: أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أو غيره.

المسألة السابعة: دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر و الحسد، و منهم من أنكر و قال ما عرف اللّه ألبتة.

المسألة الثامنة: ما سبب حكمة إمهال إبليس و تسليطه على الخلق بالوسوسة؟ و لنرجع إلى التفسير فنقول: إنه تعالى حكى في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل و نوعين من القول، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم و هو المراد من قوله: فَسَجَدُوا إِلاََّ إِبْلِيسَ و أما النوعان من القول؟ فأولهما: قوله: أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً و هذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه، و الأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى. }و النوع الثاني: من كلامه: قوله:

أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ قال الزجاج: قوله: أَ رَأَيْتَكَ معناه أخبرني، و قد استقصينا في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام. و قوله: هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ فيه وجوه. الأول: معناه: أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي و أنا خير منه؟ثم اختصر الكلام لكونه مفهوما. الثاني: يمكن أن يقال هذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام، و الذي مع صلته خبر، تقديره أخبرني أ هذا الذي كرمته على!و ذلك على وجه الاستصغار و الاستحقار، و إنما حذف حرف الاستفهام لأن حصوله في قوله/ أَ رَأَيْتَكَ أغنى عن تكراره.

و الوجه الثالث: أن يكون هََذَا مفعول أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها، كأنه قال على وجه التعجب و الإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي، هذا هو حقيقة هذه الكلمة، ثم قال تعالى حكاية[عنه‏] لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاََّ قَلِيلاً و فيه مباحث:

البحث الأول: قرأ ابن كثير لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ بإثبات الياء في الوصل و الوقف، و قرأ عاصم و ابن عامر و حمزة و الكسائي بالحذف و نافع و أبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف.

البحث الثاني: في الاحتناك قولان، أحدهما: أنه عبارة عن الأخذ بالكلية، يقال: احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه و أخذه بالكلية، و احتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية. و الثاني: أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به، و قال أبو مسلم: الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه. فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء. و على القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها.

البحث الثالث: قوله: إِلاََّ قَلِيلاً هم الذين ذكرهم اللّه تعالى في قوله: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ‏

367

سُلْطََانٌ [الإسراء: 65]فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟قلنا فيه وجوه. الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ [البقرة: 30]فعرف هذه الأحوال. الثاني: أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما (1) فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية، و قوة سبعية غضبية، و قوة وهمية شيطانية، و قوة عقلية ملكية، و عرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية و الغضبية و الوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر، و متى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما، }و اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب، و هذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجي‏ء و إنما معناه أمض لشأنك الذي اخترته، و المقصود التخلية و تفويض الأمر إليه.

ثم قال: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزََاؤُكُمْ جَزََاءً مَوْفُوراً و نظيره قول موسى عليه الصلاة/و السلام فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي اَلْحَيََاةِ أَنْ تَقُولَ لاََ مِسََاسَ [طه: 97]فإن قيل أليس الأولى أن يقال: فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا. ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله: فَمَنْ تَبِعَكَ ؟. قلنا فيه وجوه. الأول: التقدير فإن جهنم جزاؤهم و جزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم. و الثاني: يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات. و الثالث:

أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة»

فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل.

فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس، ثم قال: جَزََاءً مَوْفُوراً و هذه اللفظة قد تجي‏ء متعديا و لازما، أما المتعدي فيقال: وفرته أفره وفرا[و]وفرة فهو موفور[و]موفر، قال زهير:

و من يجعل المعروف من دون عرضه # يفره و من لا يتق الشتم يشتم‏

و اللازم كقوله: وفر المال يفر وفورا فهو وافر، فعلى التقدير الأول: يكون المعنى جزاء موفورا موفرا.

و على الثاني: يكون المعنى جزاء موفورا وافرا، و انتصب قوله جَزََاءً على المصدر.

اعلم أن إبليس لما طلب من اللّه الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فاللّه تعالى ذكر أشياء.

أولها: قوله: اِذْهَبْ [الإسراء: 63]و معناه: أمهلتك هذه المدة. و ثانيها: قوله تعالى: وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ يقال أفزه الخوف و استفزه أي أزعجه و استخفه، /و??صوته دعاؤه إلى معصية اللّه

____________

(1) هذا الوجه يتعارض مع نص الآية الكريمة و هي قول اللّه تعالى لملائكته المكرمين: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سََاجِدِينَ*`فَسَجَدَ اَلْمَلاََئِكَةُ* [سورة الحجر: 29، 30]. فالآية تنص على أن الأمر بالسجود و السجود كان قبل الوسوسة و لو أن الوسوسة كانت قبل السجود، لترتب عليه أن يكون الملائكة كلهم أجمعون قد سجدوا لآدم بعد المعصية و هو أمر لا يليق و لا يتصور فانتفى هذا الوجه.

368

تعالى، و قيل: أراد بصوتك الغناء و اللهو و اللعب، و معنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. و ثالثها: وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ في قوله: وَ أَجْلِبْ وجوه. الأول: قال الفراء: إنه من الجلبة و هو الصياح و ربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة و الغلب و الشفقة و الشفق، و قال الليث و أبو عبيدة أجلبوا و جلبوا من الصياح. الثاني: قال الزجاج في فعل و أفعل، أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول. الثالث: قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه. و الرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر و جمع عليه الجمع، فقوله: و أجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك و رجلك، و على قول الزجاج: أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك و تكون الباء في قوله: بخيلك زائدة على هذا القول، و على قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك و رجلك و مفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله و رجله، و هذا أيضا يقرب من قول ابن الأعرابي، و اختلفوا في تفسير الخيل و الرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: «كل راكب أو راجل في معصية اللّه تعالى فهو من خيل إبليس و جنوده» ، و يدخل فيه كل راكب و ماش في معصية اللّه تعالى، فعلى هذا التقدير خيله و رجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية. و القول الثاني: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب و بعضهم راجل. و القول الثالث: أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك و رجلك و هذا الوجه أقرب، و الخيل تقع على الفرسان.

قال عليه الصلاة و السلام: «يا خيل اللّه اركبي»

و قد تقع على الأفراس خاصة، و المراد هاهنا الأول و الرجل جمع راجل كما قالوا تاجر و تجر و صاحب و صحب و راكب و ركب، و روى حفص عن عاصم و رجلك بكسر الجيم و غيره بالضم، قال أبو زيد يقال رجل و رجل بمعنى واحد و مثله حدث و حدث و ندس و ندس، قال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن الفراء قال: يقال رجل و رجل و رجلان بمعنى واحد. و النوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها اللّه تعالى لإبليس قوله:

وَ شََارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ نقول: أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه و يدخل فيه الربا و الغصب و السرقة و المعاملات الفاسدة، و هكذا قاله القاضي و هو ضبط حسن، و أما المفسرون فقد ذكروا وجوها قال قتادة:

المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة و سائبة، و قال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام، و قيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير/اللّه تعالى كما قال تعالى: فَقََالُوا هََذََا لِلََّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هََذََا لِشُرَكََائِنََا [الأنعام: 136]و الأصوب ما قاله القاضي، و أما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوها. أحدها: أنها الدعاء إلى الزنا، و زيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد، و يمكن أن يجاب عنه بأن المراد و شاركهم في طريق تحصيل الولد و ذلك بالدعاء إلى الزنا. و ثانيها: أن يسموا أولادهم بعبد اللات و عبد العزى. و ثالثها: أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية و النصرانية و غيرهما. و رابعها: إقدامهم على قتل الأولاد و و??أدهم. و خامسها:

ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش و ترغيبهم في القتل و القتال و الحرف الخبيثة الخسيسة و الضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه.

و النوع الخامس: من الأشياء التي ذكرها اللّه تعالى لإبليس في هذه الآية قوله: وَ عِدْهُمْ .

و اعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل و العمل الباطل و التنفير عن الاعتقاد الحق‏

369

و العمل الحق، و معلوم أن الترغيب في الشي‏ء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر ألبتة في فعله و مع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة، و التنفير عن الشي‏ء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، و مع ذلك فيفيد المضار العظيمة، إذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد و أن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله ألبتة، و ذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد و لا جنة و لا نار، و لا حياة بعد هذه الحياة، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة ألبتة في فعل هذه المعاصي، و إذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة و السرور و لا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به، فتفويتها غبن و خسران كما قال الشاعر:

خذوا بنصيب من سرور و لذة # فكل و إن طال المدى يتصرم‏

فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية، و أما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه و تقريره من وجهين. الأول: أن يقول لا جنة و لا نار و لا ثواب و لا عذاب. و الثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد و المعبود فكانت عبثا محضا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها، و إذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب و المحنة و ذلك أعظم المضار، فهذه مجامع تلبيس الشيطان، فقوله:

وَ عِدْهُمْ يتناول كل هذه الأقسام، قال المفسرون قوله: وَ عِدْهُمْ أي بأنه لا جنة و لا نار، و قال آخرون:

وَ عِدْهُمْ بتسويف التوبة، و قال آخرون وَ عِدْهُمْ بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ/أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ [الأعراف: 20]و قال آخرون: وعدهم بشفاعة الأصنام عند اللّه تعالى و بالأنساب الشريفة و إيثار العاجل على الآجل، و بالجملة فهذه الأقسام كثيرة و كلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه و إن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس، و اعلم أن اللّه تعالى لما قال: وَ عِدْهُمْ أردفه بما يكون زاجرا عن قبول وعده فقال: وَ مََا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطََانُ إِلاََّ غُرُوراً و السبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة و إمضاء الغضب و طلب الرياسة و علو الدرجة، و لا يدعو ألبتة إلى معرفة اللّه تعالى و لا إلى خدمته، و تلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة. أحدها: أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام. و ثانيها: و إن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب و الديدان و الخنافس و غيرها.

و ثالثها: أنها سريعة الذهاب و الانقضاء و الانقراض. و رابعها: أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة و مشاق عظيمة.

و خامسها: أن لذات البطن و الفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة. و سادسها: أنها غير باقية بل يتبعها الموت و الهرم و الفقر و الحسرة على الفوت و الخوف من الموت فلما كانت هذه المطالب و إن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة و المخالفات الجسيمة، كان الترغيب فيها تغريرا، و لهذا المعنى قال تعالى: وَ مََا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطََانُ إِلاََّ غُرُوراً .

و اعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ و فيه قولان:

الأول: أن المراد كل عباد اللّه من المكلفين، و هذا قول أبي على الجبائي، قال و الدليل عليه أن اللّه تعالى استثنى منه في آيات كثيرة من يتبعه بقوله: إِلاََّ مَنِ اِتَّبَعَكَ [الحجر: 42]ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس و جنوده على تصريع الناس و تخبيط عقولهم و أنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة و أكد ذلك بقوله‏

370

تعالى: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: 22]. و أيضا فلو قدر على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل الفضل و أهل العلم دون سائر الناس ليكون ضرره أعظم. ثم قال و إنما يزول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة الأخلاط الفاسدة و لا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد أن الشيطان يقدم عليه فيغلب الخوف عليه فيحدث ذلك المرض.

و القول الثاني: أن المراد بقوله: إِنَّ عِبََادِي أهل الفضل و العلم و الإيمان لما بينا فيما تقدم/أن لفظ العباد في القرآن مخصوص بأهل الإيمان، و الدليل عليه أنه قال في آية أخرى: إِنَّمََا سُلْطََانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: 100].

ثم قال: وَ كَفى‏ََ بِرَبِّكَ وَكِيلاً و فيه بحثان:

البحث الأول: أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة، و كان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال: وَ كَفى‏ََ بِرَبِّكَ وَكِيلاً و معناه أن الشيطان و إن كان قادرا فاللّه تعالى أقدر منه و أرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان و يعصمه من إضلاله و إغوائه.

البحث الثاني: هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه اللّه تعالى و أن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة، لأنه لو كان الإقدام على الحق و الاحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال: و كفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك بل قال: وَ كَفى‏ََ بِرَبِّكَ علمنا أن الكل من اللّه، و لهذا قال المحققون: لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه، و لا قوة على طاعة اللّه إلا بتوفيق اللّه. بقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: أن إبليس هل كان عالما بأن الذي تكلم معه بقوله: وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ هو إله العالم أو لم يعلم ذلك؟فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال: فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزََاؤُكُمْ جَزََاءً مَوْفُوراً [الإسراء: 63] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعا له من المعصية مع أنه سمعه من اللّه تعالى من غير واسطة؟و إن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم، فكيف قال: أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء: 62].

و الجواب: لعله كان شاكا في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن.

و السؤال الثاني: ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة و مكنه من الوسوسة؟و الحكيم إذا أراد أمرا و علم أن شيئا من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع.

و الجواب: أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب، و أما المعتزلة فلهم قولان: قال الجبائي: علم اللّه تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس، و إذا كان كذلك لم يكن في وجوده مزيد مفسدة، و قال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلا أنه تعالى أبقاه تشديدا للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب، و هذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف و الحجر، و بالغنا في الكشف عنهما، و اللّه أعلم.

371

اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته و حكمته و رحمته، و قد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد، فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد، و المذكور هاهنا الوجوه المستنبطة من الإنعامات في أحوال ركوب البحر.

فالنوع الأول: كيفية حركة الفلك على وجه البحر و هو قوله: رَبُّكُمُ اَلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ اَلْفُلْكَ فِي اَلْبَحْرِ و الإزجاء سوق الشي‏ء حالا بعد حال، و قد ذكرنا ذلك في تفسير قوله: بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ [يوسف: 88] و المعنى: ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيما، و الخطاب في قوله: رَبُّكُمُ و في قوله: إِنَّهُ كََانَ بِكُمْ عام في حق الكل، و المراد من الرحمة منافع الدنيا و مصالحها.

و النوع الثاني: قوله: وَ إِذََا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فِي اَلْبَحْرِ و المراد من الضر، الخوف الشديد كخوف الغرق:

ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاََّ إِيََّاهُ و المراد أن الإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم و الشمس و القمر و الملك و الفلك. و إنما يتضرع إلى اللّه تعالى، فلما نجاكم من الغرق و البحر و أخرجكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان و الإخلاص وَ كََانَ اَلْإِنْسََانُ كَفُوراً لنعم اللّه بسبب أن عند الشدة/يتمسك بفضله و رحمته، و عند الرخاء و الراحة يعرض عنه و يتمسك بغيره.

و النوع الثالث: قوله: أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جََانِبَ اَلْبَرِّ قال الليث: الخسف و الخسوف هو دخول الشي‏ء في الشي‏ء. يقال: عين خاسفة و هي التي غابت حدقتها في الرأس، و عين من الماء خاسفة أي غائرة الماء، و خسفت الشمس أي احتجبت و كأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر. فقوله: أن نخسف بكم جانب البر أي نغيبكم من جانب البر و هو الأرض، و إنما قال جََانِبَ اَلْبَرِّ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب، و البر جانب، خبر اللّه تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضا على أن يغيبهم في الأرض، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب، و تقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر، فلما نجاهم منه آمنوا، فقال: هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هول البر؟فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق، أما من جانب التحت فبالخسف. و أما من جانب الفوق فبامطار الحجارة عليهم، و هو المراد من قوله: أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حََاصِباً فكما لا يتضرعون إلا إلى اللّه تعالى عند ركوب البحر، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال. و معنى الحصب في اللغة: الرمي. يقال: حصبت أحصب حصبا إذا رميت و الحصب المرمي.

و منه قوله تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98]أي يلقون فيها، و معنى قوله: حََاصِباً أي عذابا يحصبهم، أي يرميهم بحجارة، و يقال للريح التي تحمل التراب و الحصباء حاصب، و السحاب الذي يرمي بالثلج و البرد يسمى حاصبا لأنه يرمي بهما رميا. و قال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء و الحاصب على هذا ذو

372

الحصباء مثل اللابن و التامر و قوله: ثُمَّ لاََ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً يعني لا تجدوا ناصرا ينصركم و يصونكم من عذاب اللّه، }ثم قال: أم أمنتم أن نعيدكم فيه أي في البحر تارة أخرى و قوله: فنرسل عليكم قاصفا من الريح القاصف الكاسر يقال: قصف الشي‏ء يقصفه قصفا إذا كسره بشدة، و القاصف من الريح التي تكسر الشجر، و أراد هاهنا ريحا شديدة تقصف الفلك و تغرقهم و قوله: فنغرقكم بما كفرتم أي بسبب كفركم ثُمَّ لاََ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنََا بِهِ تَبِيعاً . قال الزجاج: أي لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم، و تبيع بمعنى تابع.

و اعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة: و هي قوله: أن نخسف. أو نرسل. أو نعيدكم. فنرسل.

فنغرقكم قرأ ابن كثير و أبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون، و الباقون بالياء، فمن قرأ بالياء، فلأن ما قبله على الواحد الغائب و هو قوله: إِلاََّ إِيََّاهُ فَلَمََّا نَجََّاكُمْ و من قرأ بالنون فلأن هذا البحر من الكلام، قد ينقطع بعضه من بعض و هو سهل لأن المعنى واحد. ألا ترى أنه قد جاء وَ جَعَلْنََاهُ/هُدىً لِبَنِي إِسْرََائِيلَ أَلاََّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً [الإسراء: 2]فانتقل من الجمع إلى الأفراد و كذلك هاهنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، و المعنى واحد و الكل جائز و اللّه أعلم.

اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم اللّه تعالى على الإنسان و هي الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره و قد ذكر اللّه تعالى في هذه الآية أربعة أنواع:

النوع الأول: قوله: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ و اعلم أن الإنسان جوهر مركب من النفس، و البدن، فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، و بدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي.

و تقرير هذه الفضيلة في النفس الإنسانية هي أن النفس الإنسانية قواها الأصلية ثلاث. و هي الاغتذاء و النمو و التوليد، و النفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة، و الحركة بالاختيار، فهذه القوى الخمسة أعني الاغتذاء و النمو و التوليد و الحس و الحركة حاصلة للنفس الإنسانية، ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى و هي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي. و هي التي يتجلى فيها نور معرفة اللّه تعالى و يشرق فيها ضوء كبريائه و هو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق و الأمر و يحيط بأقسام مخلوقات اللّه من الأرواح و الأجسام كما هي و هذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية و الأرواح المجردة الإلهية، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف و الفضل إلى تلك القوى النباتية و الحيوانية، و إذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم و إن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية و نقصانات القوى الجسمية، فتأمل ما كتبناه في هذا الكتاب في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النور: 35]فإنا ذكرنا هناك عشرين وجها في بيان أن القوة العقلية أجل و أعلى من القوة الجسمية فلا فائدة في الإعادة، و أما بيان أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم، فالمفسرون إنما ذكروا في تفسير قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ هذا النوع من الفضائل و ذكروا أشياء، أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ قال: كل شي‏ء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه. و قيل: إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا بالملاعق و عنده أبو يوسف، فقال له: جاء في/التفسير عن جدك في قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ جعلنا

373

لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق و أكل بأصابعه. و ثانيها: قال الضحاك: بالنطق و التمييز و تحقيق الكلام أن من عرف شيئا، فأما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشي‏ء أو يقدر على هذا التعريف.

أما القسم الأول: فهو حال جملة الحيوانات سوى الإنسان، فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفا تاما وافيا.

و أما القسم الثاني: فهو الإنسان، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه و وقف عليه و أحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقا، و بهذا البيان ظهر أن الإنسان الأخرس داخل في هذا الوصف، لأنه و إن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان، فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة و بطريقة الكتابة و غيرهما و لا يدخل فيه الببغاء، لأنه و إن قدر على تعريفات قليلة، فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال و التمام. و ثالثها: قال عطاء: بامتداد القامة.

و اعلم أن هذا الكلام غير تام لأن الأشجار أطور من قامة الإنسان بل ينبغي أن يشترط فيه شرط، و هو طول القامة مع استكمال القوة العقلية، و القوى الحسية و الحركية. و رابعها: قال بيان بحسن الصورة، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ* [غافر: 64]لما ذكر اللّه تعالى خلقة الإنسان قال: فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [المؤمنون: 14]و قال: صِبْغَةَ اَللََّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ صِبْغَةً [البقرة: 138]و إن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان و هو العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر، و ليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب. و خامسها: قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه اللّه الخط. و تحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلا. أما إذا استنبط الإنسان علما و أودعه في الكتاب، و جاء الإنسان الثاني و استعان بذلك الكتاب، و ضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون، و يضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم و قويت الفضائل و المعارف و انتهت المباحث العقلية و المطالب الشرعية إلى أقصى الغايات و أكمل النهايات، و معلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط و الكتبة، و لهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى: اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ‏`اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏`عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ . [العلق: 3-5]و سادسها: أن أجسام هذا العالم إما بسائط و إما مركبات، أما البسائط فهي الأرض و الماء/و الهواء و النار. و الإنسان ينتفع بكل هذه الأربع، أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة. قال تعالى:

مِنْهََا خَلَقْنََاكُمْ وَ فِيهََا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهََا نُخْرِجُكُمْ تََارَةً أُخْرى‏ََ [طه: 55]و قد سماها اللّه تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، و هي الفراش و المهد، و المهاد، و أما الماء فانتفاعنا به في الشرب و الزراعة و الحراثة ظاهر، و أيضا سخر البحر لنأكل منه لحما طريا، و نستخرج منه حلية نلبسها و نرى الفلك مواخر فيه، و أما الهواء فهو مادة حياتنا، و لولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة، و أما النار فبها طبخ الأغذية و الأشربة و نضجها، و هي قائمة مقام الشمس و القمر في الليالي المظلمة، و هي الدافعة لضرر البرد كما قال الشاعر:

و من يرد في الشتاء فاكهة # فإن نار الشتاء فاكهته‏

و أما المركبات فهي إما الآثار العلوية، و إما المعادن و النبات، و أما الحيوان و الإنسان كالمستولى على هذه‏

374

الأقسام و المنتفع بها و المستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد و جميع منافعها و مصالحها مصروفة إلى الإنسان و الإنسان فيه كالرئيس المخدوم، و الملك المطاع و سائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد، و كل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند اللّه بمزيد التكريم و التفضيل و اللّه أعلم. و سابعها: أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية و لم تحصل له القوة الشهوانية الطبيعية و هم الملائكة، و إلى ما يكون بالعكس و هم البهائم و إلى ما خلا عن القسمين و هو النبات و الجمادات و إلى ما حصل النوعان فيه و هو الإنسان، و لا شك أن الإنسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية المحضة، و للقوى الشهوانية البهيمية و الغضبية و السبعية يكون أفضل من البهيمية و من السبعية، و لا شك أيضا أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات و المعادن و الجمادات، و إذا ثبت ذلك ظهر أن اللّه تعالى فضل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات. بقي هاهنا بحث في أن الملك أفضل أم البشر؟و المعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر المستجمع لهاتين القوتين؟و ذلك بحث آخر.

و ثامنها: الموجود إما أن يكون أزليا و أبديا معا و هو اللّه سبحانه و تعالى، و إما أن يكون لا أزليا و لا أبديا و هو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن و النبات و الحيوان، و هذا أخس الأقسام، و إما أن يكون أزليا لا أبديا و هو الممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و إما أن لا يكون أزليا و لكنه يكون أبديا، و هو الإنسان و الملك، و لا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني و الثالث و ذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر مخلوقات اللّه تعالى. و تاسعها: العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، و روح الإنسان من جنس الأرواح العلوية و الجواهر القدسية فليس في موجودات/العالم السفلي شي‏ء حصل فيه شي‏ء من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي. و عاشرها: أشرف الموجودات هو اللّه تعالى، و إذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من اللّه تعالى أتم، وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من اللّه هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة اللّه تعالى و لسانه مشرف بذكر اللّه و جوارحه و أعضاؤه مكرمة بطاعة اللّه تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان، و لما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للإنسان من المراتب العالية و الصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان اللّه تعالى و إنعامه فلهذا المعنى قال تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ و من تمام كرامته على اللّه تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ*`خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ*`اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ*`اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: 1-4]و وصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ و وصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال: يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ مََا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ [الإنفطار: 6]و هذا يدل على أنه لا نهاية لكرم اللّه تعالى و لفضله و إحسانه مع الإنسان و اللّه أعلم.

و الوجه الحادي عشر: قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده و خلق غيره بطريق كن فيكون. و من كان مخلوقا بيد اللّه كانت العناية به أتم و أكمل، و كان أكرم و أكمل و لما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم و أكمل و اللّه أعلم.

النوع الثاني: من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله: وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ قال ابن عباس في‏

375

البر على الخيل و البغال و الحمير و الإبل و في البحر على السفن، و هذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها و يحمل عليها و يغزو و يقاتل و يذب عن نفسه، و كذلك تسخير اللّه تعالى المياه و السفن و غيرها ليركبها و ينقل عليها و يتكسب بها مما يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع و الملك المطاع و كل ما سواه فهو رعيته و تبع له.

النوع الثالث: من المدائح قوله: وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ و ذلك لأن الأغذية إما حيوانية و إما نباتية، و كلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه بألطف أنواعها و أشرف أقسامها بعد التنقية التامة و الطبخ الكامل و النضج البالغ، و ذلك مما لا يحصل إلا للإنسان.

النوع الرابع: قوله: وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً و هاهنا بحثان:

البحث الأول: أنه قال في أول الآية: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ و قال في آخرها: وَ فَضَّلْنََاهُمْ /و لا بد من الفرق بين هذا التكريم و التفضيل و إلا لزم التكرار، و الأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل و النطق و الخط و الصورة الحسنة و القامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل و الفهم لاكتساب العقائد الحقة و الأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم و الثاني هو التفضيل.

البحث الثاني: أنه تعالى لم يقل: و فضلناهم على الكل بل قال: وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات اللّه تعالى شي‏ء لا يكون الإنسان مفضلا عليه، و كل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان، و هذا القول مذهب ابن عباس و اختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. و اعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين:

البحث الأول: أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة؟و قد سبق ذكر هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ* [البقرة: 34].

و البحث الثاني: أن عوام الملائكة و عوام المؤمنين أيهما أفضل؟منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة و احتجوا عليه بما

روي عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها و يتنعمون و لم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك في الآخرة، فقال: و عزتي و جلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له كن فكان.

و قال أبو هريرة رضي اللّه عنه: المؤمن أكرم على اللّه من الملائكة الذين عنده هكذا أورده الواحدي في «البسيط» : و أما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد عولوا على هذه الآية، و هو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل أن يقال: إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد، و ذلك تمسك بدليل الخطاب و اللّه أعلم.

376

في قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولََئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتََابَهُمْ وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال درجاته في الآخرة في هذه الآية و فيها مسائل:

المسألة الأولى: قرئ يدعوا بالياء و النون و و يدعى كل أناس على البناء للمفعول و قرأ الحسن يدعو كل أناس قال الفراء و أهل العربية لا يعرفون وجها لهذه القراءة المنقولة عن الحسن و لعله قرأ يدعى بفتحة ممزوجة بالضم فظن الراوي أنه قرأ يدعو .

المسألة الثانية: قوله يَوْمَ نَدْعُوا نصب بإضمار اذكر و لا يجوز أن يقال العامل فيه قوله وَ فَضَّلْنََاهُمْ [الإسراء: 70]لأنه فعل ماض و يمكن أن يجاب عنه فيقال المراد و نفضلهم بما نعطيهم من الكرامة و الثواب.

المسألة الثالثة: قوله: بِإِمََامِهِمْ الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام أمته، و الخليفة إمام رعيته، و القرآن إمام المسلمين و إمام القوم هو الذي يقتدي به في الصلاة و ذكروا في تفسير الإمام هاهنا أقوال، القول الأول:

إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم

و يكون المعنى أنه ينادي يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم ثم ينادي يا أتباع فرعون يا أتباع نمرود يا أتباع فلان و فلان من رؤساء الضلال و أكابر الكفر و على هذا القول فالباء في قوله: بِإِمََامِهِمْ فيه و جهان. الأول: أن يكون التقدير يدعو كل أناس بإمامهم تبعا و شيعة لإمامهم كما تقول أدعوك باسمك. و الثاني: أن يتعلق بمحذوف و ذلك المحذوف في موضع الحال كأنه قيل يدعو كل أناس مختلطين بإمامهم أي يدعون و إمامهم فيهم نحو ركب بجنوده. و القول الثاني: و هو قول الضحاك و ابن زيد بِإِمََامِهِمْ أي بكتابهم الذي أنزل عليهم و على هذا التقدير ينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. و القول الثالث: قال الحسن بكتابهم الذي فيه أعمالهم و هو قول الربيع و أبي العالية و الدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماما قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ [يس: 12]فسمى اللّه تعالى هذا الكتاب إماما، و تقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أي ندعو كل أناس و معهم كتابهم كقولك ادفعه إليه برمته أي و معه رمته. القول الرابع: قال صاحب «الكشاف» و من بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، و أن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم و أن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى و إظهار شرف الحسن و الحسين و أن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب «الكشاف» و ليت شعري أيهما أبدع أ صحة لفظه أم بيان حكمته. و القول الخامس: أقول في اللفظ احتمال آخر و هو أن أنواع الأخلاق الفاضلة و الفاسدة كثيرة و المستولي على كل إنسان نوع من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب و منهم من يكون الغالب عليه شهوة النقود أو شهوة الضياع و منهم من يكون الغالب عليه الحقد و الحسد و في جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو/الكرم أو طلب العلم و الزهد إذا عرفت هذا فنقول: الداعي إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالإمام له و الملك المطاع و الرئيس المتبوع فيوم القيامة إنما يظهر الثواب و العقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ فهذا الاحتمال خطر بالبال و اللّه أعلم بمراده ثم قال تعالى:

فَمَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولََئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتََابَهُمْ وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً قال صاحب «الكشاف» إنما قال أولئك لأن من أوتي في معنى الجمع و الفتيل القشرة التي في شق النواة و سمي بهذا الاسم لأنه إذا أراد الإنسان استخراجه‏

377

انفتل و هذا يضرب مثلا للشي‏ء الحقير التافه و مثله القطمير و النقير في ضرب المثل به و المعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل و نظيره قوله: وَ لاََ يُظْلَمُونَ شَيْئاً [مريم: 60]، فَلاََ يَخََافُ ظُلْماً وَ لاََ هَضْماً [طه: 112]و روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال الفتيل هو الوسخ الذي يظهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته و هو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فإن قيل لهم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أصحاب الشمال يقرءونه أيضا قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملا على المهلكات العظيمة و القبائح الكاملة و المخازي الشديدة فيستولي الخوف و الدهشة على قلوبهم و يثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة و أما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرءون كتابهم على أحسن الوجوه و أثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ لأهل الحشر: هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ [الحاقة: 19]فظهر الفرق و اللّه أعلم ثم قال تعالى: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو و أبو بكر عن عاصم و نصر عن الكسائي: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ بالامالة و الكسر فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ بالفتح و قرأ بالفتح و التفخيم فيهما ابن كثير و نافع و ابن عامر و حفص عن عاصم و قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم في رواية بالامالة فيهما، قال أبو علي الفارسي الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى و بهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الإمالة و أما في الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من و بهذا التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الإمالة و الحاصل أن إدخال الإمالة في الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل و تركها في الثانية يدل على أن المراد منها أفعل التفضيل و اللّه أعلم‏ (1) .

المسألة الثانية: لا شك أنه ليس المراد من قوله تعالى: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ عمى البصر بل المراد منه عمى القلب، أما قوله: فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ ففيه قولان: القول الأول: أن المراد منه أيضا عمى القلب و على هذا التقدير ففيه وجوه. الأول: قال عكرمة: جاء نفر من أهل/اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرأ ما قبلها فقرأ رَبُّكُمُ اَلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ اَلْفُلْكَ فِي اَلْبَحْرِ إلى قوله تَفْضِيلاً [الإسراء: 66-70]قال ابن عباس من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى و عاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير و لم يعاين أعمى و أضل سبيلا و على هذا الوجه فقوله: فِي هََذِهِ إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة. و ثانيا: روى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السموات و الأرض و البحار و الجبال و الناس و الدواب فهو عن أمر الآخرة أعمى و أضل سبيلا و أبعد عن تحصيل العلم به و على هذا الوجه فقوله وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ إشارة إلى الدنيا و على هذين القولين فالمراد من كان في الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم و الدلائل فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى في المرتين حصل في الدنيا. و ثالثها: قال الحسن من كان في الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته و في الآخرة لا تقبل توبته و في الدنيا يهتدي إلى التخلص من أبواب الآفات و في الآخرة لا يهتدي إلى ذلك ألبتة. و رابعها: أنه لا يمكن حمل العمى الثاني على

____________

(1) لم يجوز النحاة أفعل التفضيل من أعمى لأن الوصف رباعي و العمى مما لا تفاوت فيه و ألزموا أن يقال أشد أو أكثر.

فأعمى الأولى يصف بالعمى كالثانية لكن التفاوت في الثانية يفهم من قوله تعالى: وَ أَضَلُّ سَبِيلاً .

378

الجهل باللّه لأن أهل الآخرة يعرفون اللّه بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أي و من كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفة اللّه فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة. و خامسها: أن الذين حصل لهم عمى القلب في الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة حرصهم على تحصيل الدنيا و ابتهاجهم بلذاتها و طيباتها فهذه الرغبة تزداد في الآخرة و تعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا و ليس معهم شي‏ء من أنوار معرفة اللّه تعالى فيبقون في ظلمة شديدة و حسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى. القول الثاني: أن يحمل العمى الثاني على عمى العين و البصر فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين و البصر كما قال: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمى‏ََ`قََالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً`قََالَ كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَ كَذََلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسى‏ََ [طه: 124-126]و قال: وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا [الإسراء: 97]و هذا العمى زيادة في عقوبتهم و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه و أتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة و شرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضلال و الانخداع بكلامهم المشتمل على المكر و التلبيس فقال: وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى:

قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فسألوه شططا، و قالوا متعنا باللات سنة و حرم و أدينا كما حرمت مكة شجرها و طيرها و وحشها فأبي ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لم يجبهم فكرروا ذلك الالتماس، و قالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول و خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: اللّه أمرني بذلك فأمسك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عنهم و داخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر و قال: أما ترون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه؟ فأنزل اللّه هذه الآية،

و

روى صاحب «الكشاف» أنهم جاءوا بكاتبهم فكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى ثقيف لا يعشرون و لا يحشرون، فقالوا و لا يجبون، فسكت رسول اللّه، ثم قالوا للكاتب: اكتب و لا يجبون و الكاتب ينظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقام عمر بن الخطاب و سل سيفه، و قال:

أسعرتهم قلب نبينا يا معشر قريش، أسعر اللّه قلوبكم نارا. فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدا، فنزلت هذه الآية

و اعلم أن هذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قالوا إن هذه الآيات مدنية. و

روى أن قريشا قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب و آية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت هذه الآية

و قال الحسن: الكفار أخذوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا و شتمها فلو كان ذلك حقا كان فلان و فلان بهذا الأمر أحق منك فوقع في قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن يكف عن شتم آلهتهم. و على هذا التقدير فهذه الآية مكية، و

عن سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان يستلم الحجر فتمنعه قريش و يقولون لا ندعك حتى تستلم

379

آلهتنا (1) فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك و دخلت إن و اللام للتأكيد و إن مخففة من الثقيلة و اللام هي الفارقة بينها و بين النافية، و المعنى إن الشأن‏[أنهم‏]قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين‏[و]أصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار و أذابه/لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه في كل من أزال الشي‏ء عن حده وجهته فقالوا فتنه فقوله: وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أي يزيلونك و يصرفونك عن الذي أوحينا إليك يعني القرآن، و المعنى عن حكمة و ذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن، و قوله: لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنََا غَيْرَهُ أي غير ما أوحينا إليك و هو قولهم: قل اللّه أمرني بذلك وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا و أظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم و راض بشركهم‏}ثم قال: وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ أي على الحق بعصمتنا إياك لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ أي??تميل إليهم شيئا قليلا و قوله: شَيْئاً عبارة عن المصدر أي ركونا قليلا، قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم.

قال قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»

ثم توعده في ذلك أشد التوعد فقال: إِذاً لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ أي ضعف عذاب الحياة و ضعف عذاب الممات يريد عذاب الدنيا و عذاب الآخرة و الضعف عبارة عن أن يضم إلى الشي‏ء مثله فإن الرجل إذا قال لوكيله أعط فلانا شيئا فأعطاه درهما فقال أضعفه كان المعنى ضم إلى ذلك الدرهم مثله إذا عرفت هذا فنقول: إنا حسن إضمار العذاب في قوله: ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: رَبَّنََا مَنْ قَدَّمَ لَنََا هََذََا فَزِدْهُ عَذََاباً ضِعْفاً فِي اَلنََّارِ [ص: 61]و قال: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لََكِنْ لاََ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 38] و حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من??قبلك و عقدت على الركون إليه همتك لاستحققت بذلك تضعيف العذاب عليك في الدنيا و الآخرة و لصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا و مثلي عذابه في الآخرة و السبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم اللّه تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر و نظيره قوله تعالى: يََا نِسََاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضََاعَفْ لَهَا اَلْعَذََابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: 30]فإن قيل‏

قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة»

فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو رضي بما قالوه لكان وزره مثل وزر كل أحد من أولئك الكفار و على هذا التقدير يكون عقابه زائدا على الضعف قلنا إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب و هو حجة ضعيفة ثم قال تعالى: ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنََا نَصِيراً يعني إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحدا يخلصك من عذابنا و عقابنا و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية فقالوا هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم عنهم من وجوه. الأول: أن الآية دلت على أنه عليه السلام قرب من أن يفتري على اللّه، و الفرية على اللّه من أعظم الذنوب. و الثاني: أنها تدل على أنه لولا أن اللّه تعالى ثبته و عصمه لقرب من أن يركن إلى دينهم و يميل إلى مذهبهم. و الثالث: أنه لولا سبق جرم و جناية و إلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد

____________

(1) في الأصل حتى تستلم بآلهتنا. و استلم فعل متعدي لا يحتاج إلى جار فلذلك آثرت حذفه، و ما بين الأقواس المربعة هنا و فيما يأتي زيادة اقتضاها سياق الكلام و ليست في الأصول.

380

و الجواب عن الأول: أن/كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة، و هذا القدر لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة فإنا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب فلانا لا يفهم منه أنه ضربه، و الجواب عن الثاني:

أن كلمة لولا تفيد انتفاء الشي‏ء لثبوت غيره، تقول لولا علي لهلك عمر، معناه أن وجود علي منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك هاهنا قوله: وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ معناه أنه حصل تثبيت اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعا من حصول ذلك الركون، و الجواب عن الثالث: أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها و الدليل عليه آيات منها قوله: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ*`لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*`ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ [الحاقة: 44-46]و منها قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]و منها قوله: وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ* [الأحزاب: 48]و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصي إلا بتوفيق اللّه تعالى بقوله:

وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً قالوا إنه تعالى بين أنه لولا تثبيت اللّه تعالى له لمال إلى طريقة الكفار و لا شك أن محمد صلّى اللّه عليه و سلم كان أقوى من غيره في قوة الدين و صفاء اليقين فلما بين اللّه تعالى أن بقاءه معصوما عن الكفر و الضلال لم يحصل إلا بإعانة اللّه تعالى و إغاثته كان حصول هذا المعنى في حق غيره أولى.

قالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك و هي ما خطر بباله من ذكر وعده و وعيده، و من ذكر أن كونه نبيا من عند اللّه تعالى يمنع من ذلك، و الجواب: لا شك أن هذا التثبيت عبارة عن فعل فعله اللّه يمنع الرسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور، فنقول: لو لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حق الرسول لما كان إلى إيجاد هذا المانع حاجة و حيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضي قد حصل في حق الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و أن هذا المانع الذي فعله اللّه منع ذلك المقتضي من العمل و هذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع الفعل و نحن لا نريد إلا إثبات هذا المعنى و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: قال القفال رحمه اللّه: قد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية الوجوه المذكورة، و يمكن أيضا تأويلها من غير تقييد بسبب يضاف نزولها فيه لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل اللّه تعالى: قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ‏`لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ [الكافرون: 1، 2]و قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9] و عرضوا عليه الأموال الكثيرة و النسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فأنزل اللّه تعالى: وَ لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه: 131]و دعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه فأنزل اللّه تعالى قوله: وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام: 52]فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب/و ذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه و أن يزيلوه عن منهجه، فبين تعالى أنه يثبته على الدين القويم و المنهج المستقيم، و على هذا الطريق فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شي‏ء من تلك الروايات. و اللّه أعلم.

381

في هذه الآية قولان: الأول: قال قتادة: هم أهل مكة هموا بإخراج النبي صلّى اللّه عليه و سلم من مكة، و لو فعلوا ذلك ما أمهلوا، و لكن اللّه منعهم من إخراجه، حتى أمره اللّه بالخروج، ثم إنه قل لبثهم بعد خروج النبي صلّى اللّه عليه و سلم من مكة حتى بعث اللّه عليهم القتل يوم بدر و هذا قول مجاهد. و القول الثاني: قال ابن عباس: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود و كرهوا قربه منهم فقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام و هي بلاد مقدسة و كانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك و اتبعناك و قد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول اللّه فاللّه مانعك منهم. فعسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على أميال من المدينة قيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه و يراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين اللّه فنزلت هذه الآية فرجع. فالقول الأول اختيار الزجاج و هو الوجه لأن السورة مكية فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية، و الأرض في قوله: لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ على القول الأول مكة و على القول الثاني المدينة و كثر في التنزيل ذكر الأرض و المراد منها مكان مخصوص كقوله: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ [المائدة: 33]يعني من مواضعهم و قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ اَلْأَرْضَ [يوسف: 80]يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة، فإن قيل قال اللّه تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ اَلَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: 13]يعني مكة و المراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه و قال في هذه الآية: وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهََا فكيف‏[يمكن‏] الجمع بينهما على قول من قال الأرض في هذه الآية مكة؟قلنا: إنهم هموا بإخراجه و هو عليه السلام ما خرج بسبب إخراجهم و إنما خرج بأمر اللّه تعالى، فزال التناقض. ثم قال تعالى: وَ إِذاً لاََ يَلْبَثُونَ خِلاََفَكَ إِلاََّ قَلِيلاً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو عن عاصم (خلفك) بفتح الخاء و سكون اللام/و الباقون خِلاََفَكَ زعم الأخفش أن خلافك في معنى خلفك و روى ذلك يونس عن عيسى و هذا كقوله: بِمَقْعَدِهِمْ خِلاََفَ رَسُولِ اَللََّهِ [التوبة: 81]و قال الشاعر:

عفت الديار خلافهم فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصير

قال صاحب «الكشاف» قرئ لاََ يَلْبَثُونَ و في قراءة أبي لا يلبثوا على إعمال إذا، فإن قيل: ما وجه القراءتين؟قلنا: أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل و هو مرفوع لوقوعه خبر كاد و الفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم و أما قراءة أبي ففيها الجملة برأسها التي هي قوله: إذا لا يلبثوا عطف على جملة قوله:

وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ }ثم قال تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنََا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنََا يعني أن كل قوم أخرجوا نبيهم من ظهرانيهم فسنة اللّه أن يهلكهم فقوله: سُنَّةَ نصب على المصدر المؤكد أي سننا ذلك سنة فيمن قد أرسلنا قبلك ثم قال: وَ لاََ تَجِدُ لِسُنَّتِنََا تَحْوِيلاً و المعنى أن ما أجرى اللّه تعالى به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة و تمام الكلام في هذا الباب أن اختصاص كل حادث بوقته المعين و صفته المعينة ليس أمرا ثابتا له لذاته و إلا لزم أن يدوم أبدا على تلك الحالة و أن لا يتميز الشي‏ء عما يماثله في تلك الصفات بل إنما يحصل ذلك الاختصاص بتخصيص المخصص و ذلك التخصيص هو أنه تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقت ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت ثم يتعلق علمه بحصوله في ذلك الوقت ثم نقول هذه الصفات الثلاثة التي هي المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص إن كانت حادثة افتقر حدوثها إلى تخصيص آخر و لزم التسلل و هو محال و إن كانت‏

382

قديمة فالقديم يمتنع تغيره لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه و لما كان التغير على تلك الصفات المؤثرة في ذلك الاختصاص ممتنعا كان التغير في تلك الأشياء المقدرة ممتنعا فثبت بهذا البرهان صحة قوله تعالى: وَ لاََ تَجِدُ لِسُنَّتِنََا تَحْوِيلاً .

في قوله تعالى أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في النظم وجوه. الأول: أنه تعالى لما قرر أمر الإلهيات و المعاد و النبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان و أشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها. الثاني: أنه تعالى لما قال: وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ [الإسراء: 76]أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك و لا تلتفت إليهم و اشتغل بعبادة اللّه تعالى و داوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم و شرهم عنك و يجعل يدك فوق أيديهم و دينك غالبا على أديانهم و نظيره قوله في سورة طه: فَاصْبِرْ عَلى‏ََ مََا يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهََا، وَ مِنْ آنََاءِ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرََافَ اَلنَّهََارِ لَعَلَّكَ تَرْضى‏ََ [طه: 130]و قال: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمََا يَقُولُونَ*`فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ اَلسََّاجِدِينَ*`وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ [الحجر: 97-99]و الوجه الثالث: في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلّى اللّه عليه و سلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد و ما النصرة و الدولة إلا بتأييده و نصرته فداوم على الصلوات و ارجع إلى مقرك و مسكنك و إذا دخلته و رجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق و اجعل لي في هذا البلد سلطانا نصيرا في تقرير دينك و إظهار شرعك و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اختلف أهل اللغة و المفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين. أحدهما: أن دلوكها غروبها و هذا القول مروي عن جماعة من الصحابة،

فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها.

و روى زر بن حبيش أن عبد اللّه بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، و روى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس و هذا القول اختيار الفراء و ابن قتيبة من المتأخرين. و القول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء و هو اختيار الأكثرين من الصحابة و التابعين و احتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه. الحجة الأولى:

روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال: «طعم عندي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم هذا حين دلكت الشمس» .

الحجة الثانية:

روى صاحب «الكشاف» عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر» .

الحجة الثالثة: قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال و لذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، و قيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة. هكذا قاله الأزهري و قال القفال: أصل الدلوك‏

383

الميل، يقال: مالت الشمس للزوال، و يقال: مالت للغروب، إذا عرفت هذا/فنقول: وجب أن يكون المراد من الدلوك هاهنا الزوال عن كبد السماء و ذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك، و الدلوك عبارة عن الميل و الزوال، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل و الزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة و ذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء و هذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة: أن الدلوك عبارة عن الميل و الزوال و اللّه أعلم. الحجة الرابعة: قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار، و المعنى أَقِمِ اَلصَّلاََةَ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل و على هذا التقدير فيدخل فيه الظهر و العصر و المغرب و العشاء، ثم قال: وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية، و إن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات و هي المغرب و العشاء و الفجر و حمل كلام اللّه تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال، و احتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر:

هذا مقام قدمي رباح # وقفت حتى دلكت براح‏

و براح اسم الشمس أي حتى غابت، و احتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة:

مصابيح ليست باللواتي يقودها # نجوم و لا أفلاكهن الدوالك‏

و اعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل و التغير و هذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعا من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس و منهم من احتج أيضا على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها و هذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها و معلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها[و]عند ما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب.

و الجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: اللام في قوله: لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ لام الأجل و السبب و ذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.

المسألة الرابعة: قوله: إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ غسق الليل سواده و ظلمته قال الكسائي: غسق الليل غسوقا، و الغسق: الاسم، بفتح السين. و قال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، و أتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط و يسد المناظر، و أصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين تغسق. و هو هملان العين بالماء، و الغاسق السائل، و من هذا يقال لما يسيل من/أهل النار: الغساق، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه، و ذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم، و أما قول المفسرين، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟قال أوله حين يدخل. و سأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق؟قال دخول الليل بظلمته، و قال‏

384

الأزهري: غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة و اشتدادها، يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعا، و غسقت الجراحة إذا امتلأت دما، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه و هي الظهر و العصر و المغرب و العشاء، و لو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر و المغرب فوجب أن يكون الأول أولى، و اعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب و على هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال و وقت أول المغرب و وقت الفجر و هذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر و العصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين و أن يكون أول المغرب وقتا للمغرب و العشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر و لا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر و عذر المطر و غيره، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض و كلمة إلى لانتهاء الغاية و الحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعا قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض و هذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: قوله وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح و انتصابه بالعطف على الصلاة في قوله: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ و التقدير أقم الصلاة و أقم قرآن الفجر و فيه فوائد. الأولى: أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة. الفائدة الثانية: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر و التقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر و هي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجرا لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح و ظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك و أن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل و هذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير و اللّه أعلم. الفائدة الثالثة: أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل/على كونه أكمل من غيره. الفائدة الرابعة: أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهودا. قال الجمهور: معناه أن ملائكة الليل و ملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم و هم في صلاة الغداة و قبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل و مكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك و تقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك و هم يصلون فيقول اللّه تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم.

و أقول هذا أيضا دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة و تكثيرها زالت الظلمة و ظهر الضوء و حضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل و ملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا

385

يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى: إنه كََانَ مَشْهُوداً دليل قوي على أن التغليس أفضل و عندي في تفسير قوله تعالى: إنه كََانَ مَشْهُوداً احتمال آخر و ذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم و أكمل كان الاستدلال بها على كمال قدرة اللّه تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم، فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء و الظلمة مناسبة للموت و العدم، و الضوء مناسب للحياة و الوجود. و على هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة و من العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء و من الموت إلى الحياة و من السكون إلى الحركة و من العدم إلى الوجود. و هذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول و الأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب و التحويل و التبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة و القوة الغير المتناهية و حينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة و ينفتح على العقل و الروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهودا عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة و لذلك فكل من له ذوق سليم و طبع مستقيم إذا قام من منامه و أدى صلاة الصبح في أول الوقت و اعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور و من السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحا و راحة و مزيدا في نور المعرفة و قوة اليقين فهذا هو المراد من قوله: إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً و ظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال و اللّه أعلم بمراده. و في الآية احتمال ثالث و هو أن يكون المراد من قوله: إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة و يكون المعنى كونه مشهودا بالجماعة الكثيرة و مزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب و في تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد/لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة اللّه تعالى و نور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة و لهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم و أدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة و نورا و راحة. الفائدة الخامسة: قوله: وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهودا هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله و فكره و عقله و صارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت و أزيلت تلك النقوش عنها، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله و فكره و خياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة. فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة اللّه تعالى و قراءة الكلمات الدالة على تنزيهه و الإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم اللّه تعالى انتقش في لوح عقله و فكره و خياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة، و هي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا و شهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة اللّه تعالى و محبته و طاعته و يضعف الميل إلى الدنيا و شهواتها. إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس. و ذلك يدل على المقصود و اعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب و هي حب الدنيا و الحرص و الحسد و التفاخر و التكاثر و هذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى و الأنبياء

386

كالأطباء الحاذقين و المريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية و ربما كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب و يخالفه في أكثر الأمر، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقا حاذقا فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله و تخفيفه. إذا عرفت هذا فنقول:

مرض حب الدنيا مستول على الخلق و لا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة اللّه تعالى و خدمته و طاعته و هذا علاج شاق على النفوس، و قل من يقبله و ينقاد له. لا جرم‏[أن‏]الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض و حمل الخلق على الشروع في الطاعة و العبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعا و اللّه أعلم بأسرار كلامه.

أما قوله تعالى: وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نََافِلَةً لَكَ فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز و الإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل و فيه مباحث:

البحث الأول: التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله فَتَهَجَّدْ بِهِ أي بالقرآن كما قال: قُمِ اَللَّيْلَ إِلاََّ قَلِيلاً إلى قوله: وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل: 2-4].

البحث الثاني: قال الواحدي الهجود في اللغة النوم و هو معروف كثير في الشعر يقال: /أهجدته و هجدته أي أنمته و منه قول لبيد:

هجدنا فقد طال السرى‏

كأنه قال: نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم و روى أبو عبيد عن أبي عبيدة الهاجد النائم و الهاجد المصلي بالليل و روى ثعلب عن ابن الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل و هجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد و أما الأزهري فإنه توسط في تفسير هذا اللفظ و قال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمي متهجدا لإلقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه و هو الإثم. و يقال فلان رجل متحرج و متأثم و متحوب أي يلقي الحرج و الإثم و الحوب عن نفسه. و أقول فيه احتمال آخر و هو أن الإنسان إنما يترك لذة النوم و يحتمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده و هجوده عند الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام طلبا لذلك الهجود فسمي تهجدا لهذا السبب. و فيه وجه ثالث: و هو ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال:

أ يحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. إذا عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجودا و رقادا فلا يبعد أنه سمي تهجدا لهذا السبب.

البحث الثالث: قوله: (من) في قوله: وَ مِنَ اَللَّيْلِ لا بد له من متعلق و الفاء في قوله: فَتَهَجَّدْ لا بدله من معطوف عليه و التقدير قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد به و قوله: بِهِ أي بالقرآن و المراد منه الصلاة المشتملة على القرآن.

البحث الرابع: معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ‏

387

اَلْأَنْفََالِ [الأنفال: 1]و معناها أيضا في هذه الآية الزيادة و في تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبي صلّى اللّه عليه و سلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة، أي تطوعا و زيادة على الفرائض، و ذكر مجاهد و السدي في تفسير كونها (نافلة) وجها حسنا قالا إنه تعالى غفر للنبي صلّى اللّه عليه و سلم ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات و كثرة الثواب و كان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب و السيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد و نوافل في حق النبي صلّى اللّه عليه و سلم لا في حق غيره فلهذا السبب قال: نََافِلَةً لَكَ يعني أنها زوائد و نوافل في حقك لا في حق غيرك و تقريره ما ذكرناه. و أما الذين قالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلّى اللّه عليه و سلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك و يمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد/أمر و صيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجبا فلو حملنا قوله: نََافِلَةً لَكَ على عدم الوجوب لزم التعارض و هو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائدا على وجوب الصلوات الخمس و اللّه أعلم.

البحث الخامس: قوله: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ و إن كان ظاهر الأمر فيه مختصا بالرسول صلّى اللّه عليه و سلم إلا أنه في المعنى عام في حق الأمة و الدليل عليه أنه قال: وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نََافِلَةً لَكَ فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول و هذا يدل على أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام و إلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا القيد فائدة أصلا و اللّه أعلم. ثم قال تعالى: عَسى‏ََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من اللّه واجب قال أهل المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع و من أطمع إنسانا في شي‏ء ثم حرمه كان عارا و اللّه تعالى أكرم من أن يطمع أحدا في شي‏ء ثم لا يعطيه ذلك.

و قوله: مَقََاماً مَحْمُوداً فيه بحثان:

البحث الأول: في انتصاب قوله مَحْمُوداً وجهان. الأول: أن يكون انتصابه على الحال من قوله يَبْعَثَكَ أي يبعثك محمودا. و الثاني: أن يكون نعتا للمقام و هو ظاهر.

البحث الثاني: في تفسير المقام المحمود أقوال. الأول: أنه الشفاعة قال الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم في هذه الآية «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» .

و أقول اللفظ مشعر به و ذلك لأن الإنسان إنما يصير محمودا إذا حمده حامد و الحمد إنما يكون على الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاما أنعم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام و ذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين و تعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلا في الحال و قوله: عَسى‏ََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً تطميع و تطميع الإنسان في الشي‏ء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محمودا إنعاما سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس و ما ذاك إلا شفاعته عند اللّه فدل هذا على أن لفظ الآية و هو قوله: عَسى‏ََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً يدل على هذا المعنى و أيضا التنكير في قوله: مَقََاماً مَحْمُوداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل و من المعلوم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان‏

388

إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها و إذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: عَسى‏ََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة و لما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويا ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حمل اللفظ عليه و مما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور و ابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون و الآخرون/و اتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة. و القول الثاني:

قال حذيفة، يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلّى اللّه عليه و سلم فيقول «لبيك و سعديك و الشر ليس إليك و المهدي من هديت و عبدك بين يديك و بك و إليك لا ملجأ و لا منجا منك إلا إليك تباركت و تعاليت سبحانك رب البيت» .

فهذا هو المراد من قوله: عَسى‏ََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً و أقول القول الأول أولى لأن سعيه في الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محمودا و أما ذكر هذا الدعاء فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الإنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته و هذا أيضا ضعيف للوجه الذي ذكرناه في القول الثاني. القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: «يقعد اللّه محمدا على العرش» و عن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي و هذا قول رذل موحش فظيع و نص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير و يدل عليه وجوه. الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل و القاعد فانبعث و يقال بعث اللّه الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد و هو فاسد. و الثاني: أنه تعالى قال مَقََاماً مَحْمُوداً و لم يقل مقعدا و المقام موضع القيام لا موضع القعود.

و الثالث: لو كان تعالى جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة و السلام لكان محدودا متناهيا و من كان كذلك فهو محدث. و الرابع: يقال إن جلوسه مع اللّه على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال و الحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون اللّه تعالى و إنهم يجلسون معه و إنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا و إذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلّى اللّه عليه و سلم بها مزيد شرف و رتبة. و الخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلانا فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم و لا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين و اللّه أعلم‏}ثم قال تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ و فيه مباحث:

البحث الأول: أنا ذكرنا في تفسير قوله: وَ إِنْ كََادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ [الإسراء: 76]قولين:

أحدهما: المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها. و الثاني: المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له: أقم الصلاة و اشتغل بعبادة اللّه تعالى و لا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك و معينك ثم عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة إلى المدينة و قال له: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ -و هو المدينة- وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ -و هو مكة. و هذا قول الحسن و قتادة و إن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليهود/حملوه على الخروج من المدينة و الذهاب إلى الشام فخرج رسول‏

389

اللّه صلّى اللّه عليه و سلم منها ثم أمره اللّه بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة و السلام عند العود إلى المدينة قال: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ و هو المدينة- وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني أخرجني منها إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي. و القول الثاني: في تفسير هذه الآية و هو أكمل مما سبق أن المراد وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي -في الصلاة- وَ أَخْرِجْنِي منها مع الصدق و الإخلاص و حضور ذكرك و القيام بلوازم شكرك. و القول الثالث: و هو أكمل مما سبق أن المراد: و قل رب أدخلني-في القيام بمهمات أداء دينك و شريعتك-و أخرجني منها بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى علي منها تبعة ربقية. و القول الرابع: و هو أعلى مما سبق: و قل رب أدخلني في بحار دلائل توحيدك و تنزيهك و قدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول و من التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات و التغيرات. و القول الخامس: أدخلني في كل ما تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك و الاستغراق بمعرفتك و أخرجني عن كل ما تخرجني عنه مع الصدق في العبودية و المعرفة و المحبة و المقصود منه أن يكون صدق العبودية حاصلا في كل دخول و خروج و حركة و سكون. و القول السادس: أدخلني القبر مدخل صدق و أخرجني منه مخرج صدق.

البحث الثاني: مُدْخَلَ بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلا كما قال: وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبََارَكاً [المؤمنون: 29]و معنى إضافة المدخل و المخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل اللّه تعالى إدخالا حسنا و إخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى: وَ اِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطََاناً نَصِيراً أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني. و بالجملة فقد سأل اللّه تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة و بالقهر و القدرة، و قد أجاب اللّه تعالى دعاءه و أعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: 67]و قال: أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22]و قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ* [التوبة: 33]و لما سأل اللّه النصرة بين اللّه له أنه أجاب دعاءه فقال: وَ قُلْ جََاءَ اَلْحَقُّ و هو دينه و شرعه- وَ زَهَقَ اَلْبََاطِلُ و هو كل ما سواه من الأديان و الشرائع، و زهق بطل و اضمحل، و أصله من زهقت نفسه تزهق أي هلكت، و

عن ابن مسعود: «أنه دخل مكة يوم الفتح و حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده و يقول جاء الحق و زهق الباطل فجعل الصنم ينكب على وجهه» .

و قوله: إِنَّ اَلْبََاطِلَ كََانَ زَهُوقاً يعني أن الباطل و إن اتفقت له دولة و صولة إلا أنها الا تبقى بل تزول على أسرع الوجوه و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاََ يَزِيدُ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ خَسََاراً اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات و النبوات و الحشر و المعاد و البعث و إثبات القضاء و القدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة و نبه على ما فيها من الأسرار، و إنما ذكر كل ذلك في القرآن أتبعه ببيان كون القرآن شفاء و رحمة فقال: وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ و لفظة (من) هاهنا ليست للتبعيض بل هي للجنس كقوله: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ [الحج: 30]و المعنى و ننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء. فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، و اعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، و شفاء أيضا من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، و ذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات‏

390

الباطلة و الأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات و النبوات و المعاد و القضاء و القدر و القرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، و إبطال المذاهب الباطلة فيها، و لما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب و القرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني. و أما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها و تعريف ما فيها من المفاسد و الإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة و الأعمال المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية، و أما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض. و لما اعترف الجمهور من الفلاسفة و أصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى المجهولة و العزائم التي لا يفهم منها شي‏ء آثارا عظيمة في تحصيل المنافع و دفع المفاسد، فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم المشتمل على ذكر اللّه و كبريائه و تعظيم الملائكة المقربين و تحقير المردة و الشياطين سببا لحصول النفع في الدين و الدنيا كان أولى و يتأكد ما ذكرنا بما

روى أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللّه تعالى»

و أما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة و الأخلاق الفاسدة و القرآن قسمان بعضهما يفيد/الخلاص عن شبهات الضالين و تمويهات المبطلين و هو الشفاء. و بعضهما يفيد تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية، و الأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب العالمين، و الاختلاط بزمرة الملائكة المقربين و هو الرحمة، و لما كان إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة لا جرم بدأ اللّه تعالى في هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة، و اعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء و رحمة للمؤمنين بين كونه سببا للخسار و الضلال في حق الظالمين و المراد به المشركون و إنما كان كذلك لأن سماع القرآن يزيدهم غيظا و غضبا و حقدا و حسدا و هذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى الأعمال الباطلة و تزيد في تقوية تلك الأخلاق الفاسدة في جواهر نفوسهم ثم لا يزال الخلق الخبيث النفساني يحمل على الأعمال الفاسدة و الإتيان بتلك الأعمال يقوي تلك الأخلاق فبهذا الطريق يصير القرآن سببا لتزايد هؤلاء المشركين الضالين في درجات الخزي و الضلال و الفساد و النكال ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجاهلين الضالين في أودية الضلال و مقامات الخزي و النكال و هو حب الدنيا و الرغبة في المال و الجاه و اعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم و اجتهادهم‏}فقال: وَ إِذََا أَنْعَمْنََا عَلَى اَلْإِنْسََانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ََ بِجََانِبِهِ و فيه مباحث:

الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة و هذا بعيد، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده و وصل إلى مطلوبه اغتر و صار غافلا عن عبودية اللّه تعالى متمردا عن طاعة اللّه كما قال: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ [العلق: 6، 7].

البحث الثاني: قوله أَعْرَضَ أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية و نأى بجانبه أي تباعد، و معنى النأي في اللغة البعد و الإعراض عن الشي‏ء أن يوليه عرض وجهه و النأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه و يوليه ظهره و أراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين و في قوله نَأى‏ََ قراءات. إحداها: و هي قراءة العامة بفتح النون و الهمزة و في حم السجدة مثله و هي اللغة الغالبة و النأي البعد يقال نأى أي بعد. و ثانيها: قراءة ابن عامر ناء و له وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى و يجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض. و ثالثها: قراءة حمزة و الكسائي‏

391

بإمالة الفتحتين و ذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون اتباعا للكسرة مثل رأى. و رابعها: قرأ أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر و نصير عن الكسائي و حمزة نأى بفتح النون و كسر الهمزة على الأصل في فتح النون و إمالة الهمزة. ثم قال تعالى: وَ إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ كََانَ يَؤُساً أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسا شديد اليأس من رحمة اللّه: لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ [يوسف: 87]و الحاصل أنه إن فاز بالنعمة و الدولة اغتر بها فنسي ذكر اللّه، و إن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف و الحزن و لم يتفرغ لذكر اللّه تعالى فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر اللّه و نظيره قوله تعالى: فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: 15]/إلى قوله: رَبِّي أَهََانَنِ [الفجر: 16]و كذلك قوله:

إِنَّ اَلْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعاً*`إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً*`وَ إِذََا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج: 19-21] ثم قال تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ََ شََاكِلَتِهِ قال الزجاج: الشاكلة الطريقة و المذهب. و الدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ََ سَبِيلاً و فيه وجه آخر و هو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه و مقتضى روحه فإن كانت نفسه نفسا مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة و إن كانت نفسه نفسا كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة، و أقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية و إن اختلاف أفعالها و أحوالها لأجل اختلاف جواهرها و ماهياتها، و منهم من قال إنها متساوية في الماهية و اختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها.

و المختار عندي هو القسم الأول و القرآن مشعر بذلك، و ذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء و الرحمة و بالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة و الخزي ثم أتبعه بقوله: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ََ شََاكِلَتِهِ و معناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء و الكمال، و بتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي و الضلال كما أن الشمس تعقد الملح و تلين الدهن و تبيض ثوب القصار و تسود وجهه. و هذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح و النفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور و بعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال و نكال على نكال.

اعلم أنه تعالى لما ختم الآية المتقدمة بقوله: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ََ شََاكِلَتِهِ [الإسراء: 84]و ذكرنا أن المراد منه مشاكلة الأرواح للأفعال الصادرة عنها وجب البحث هاهنا عن ماهية الروح و حقيقته فلذلك سألوا عن الروح و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال أظهرها أن المراد منه الروح الذي هو سبب الحياة،

روى أن اليهود قالوا لقريش اسألوا محمدا عن ثلاث فإن أخبركم باثنتين و أمسك عن الثالثة فهو نبي: اسألوه عن أصحاب الكهف و عن ذي القرنين و عن الروح فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن هذه الثلاثة فقال عليه السلام: غدا أخبركم و لم يقل إن شاء/اللّه فانقطع عنه الوحي أربعين يوما ثم نزل الوحي بعده: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً*`إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [الكهف: 23، 24]ثم فسر لهم قصة أصحاب الكهف و قصة ذي‏

392

القرنين و أبهم قصة الروح و نزل فيه قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و بين أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة حقيقة الروح فقال: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً

و من الناس من طعن في هذه الرواية من وجوه. أولها: أن الروح ليس أعظم شأنا و لا أعلى مكانا من اللّه تعالى فإذا كانت معرفة اللّه تعالى ممكنة بل حاصلة فأي مانع يمنع من معرفة الروح. و ثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصة أصحاب الكهف و قصة ذي القرنين و لم يجب عن الروح فهو نبي و هذا كلام بعيد عن العقل لأن قصة أصحاب الكهف و قصة ذي القرنين ليست إلا حكاية من الحكايات و ذكر الحكاية يمتنع أن يكون دليلا على النبوة و أيضا فالحكاية التي يذكرها إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته أو بعد العلم بنبوته فإن كان قبل العلم بنبوته كذبوه فيها و إن كان بعد العلم بنبوته فحينئذ صارت نبوته معلومة قبل ذلك فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية. و أما عدم الجواب عن حقيقة الروح فهذا يبعد جعله دليلا على صحة النبوة. و ثالثها: أن مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة و أراذل المتكلمين فلو قال الرسول صلّى اللّه عليه و سلم إني لا أعرفها لأورث ذلك ما يوجب التحقير و التنفير فإن الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أي إنسان كان فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماء و أفضل الفضلاء. و رابعها: أنه تعالى قال في حقه: اَلرَّحْمََنُ*`عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ [الرحمن: 1، 2] وَ عَلَّمَكَ مََا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كََانَ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: 113]و قال: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114]و قال في صفة القرآن: وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59]، و

كان عليه السلام يقول: «أرنا الأشياء كما هي»

فمن كان هذا حاله و صفته كيف يليق به أن يقول أنا لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح و أنه صلّى اللّه عليه و سلم أجاب عنه على أحسن الوجوه و تقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح و السؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أحدها: أن يقال ماهية الروح أهو متحيز أو حال في المتحيز أو موجود غير متحيز و لا حال في التحيز. و ثانيها: أن يقال الروح قديمة أو حادثة. و ثالثها:

أن يقال الأرواح هل تبقى بعد موت الأجسام أو تفنى. و رابعها: أن يقال ما حقيقة سعادة الأرواح و شقاوتها و بالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، و قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ ليس فيه ما يدل على أنهم عن هذه المسائل سألوا أو عن غيرها إلا أنه تعالى ذكر له في الجواب عن هذا السؤال قوله: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و هذا الجواب لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها إحداهما السؤال عن ماهية الروح و الثانية عن قدمها و حدوثها.

أما البحث الأول: فهم قالوا ما حقيقة الروح و ماهيته؟أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع و الأخلاط، أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج و التركيب أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام، أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه/الأجسام و الأعراض؟فأجاب اللّه عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام و لهذه الأعراض و ذلك لأن هذه الأجسام أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط و العناصر، و أما الروح فإنه ليس كذلك بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله: كُنْ فَيَكُونُ* [آل عمران: 47]فقالوا لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام و لهذه الأعراض فأجاب اللّه عنه بأنه موجود يحدث بأمر اللّه و تكوينه و تأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد و لا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء و ماهياتها مجهولة. فأنا نعلم أن السكنجبين له خاصية تقتضي قطع الصفراء فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الخاصية

393

و حقيقتها المخصوصة فذاك غير معلوم فثبت أن أكثر الماهيات و الحقائق مجهولة و لم يلزم من كونها مجهولة نفيها فكذلك هاهنا و هذا هو المراد من قوله: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً .

و أما البحث الثاني: فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى: وَ مََا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود: 97]و قال: فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا* [هود: 66]أي فعلنا فقوله: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من فعل ربي و هذا الجواب يدل على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هي حادثة و إنما حصلت بفعل اللّه و تكوينه و إيجاده ثم احتج على حدوث الروح بقوله: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً يعني أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم و المعارف ثم يحصل فيها العلوم و المعارف فهي لا تزال تكون في التغيير من حال إلى حال و في التبديل من نقصان إلى كمال و التغيير و التبديل من أمارات الحدوث فقوله: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي يدل على أنهم سألوه أن الروح هل هي حادثة فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق اللّه و تكوينه و هو المراد من قوله:

قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال و هو المراد من قوله: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً فهذا ما نقوله في هذا الباب و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: في ذكر سائر الأقوال المقولة في نفس الروح المذكورة في هذه الآية. اعلم أن الناس ذكروا أقوالا أخرى سوى ما تقدم ذكره. فالقول الأول: أن المراد من هذا الروح هو القرآن قالوا و ذلك لأن اللّه تعالى سمى القرآن في كثير من الآيات روحا و اللائق بالروح المسؤول عنه في هذا الموضع ليس إلا القرآن فلا بد من تقرير مقامين. المقام الأول: تسمية اللّه القرآن بالروح يدل عليه قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورى: 52]و قوله: يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل: 2]و أيضا السبب في تسمية القرآن بالروح أن بالقرآن تحصل حياة الأرواح و العقول لأن به تحصل معرفة اللّه تعالى و معرفة ملائكته و معرفة كتبه و رسله و الأرواح إنما تحيا بهذه المعارف و تمام تقرير هذا الموضع ذكرناه في تفسير قوله: يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل: 2]، و أما بيان المقام الثاني و هو أن الروح اللائق بهذا الموضع هو القرآن لأنه تقدمه قوله: وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82]و الذي تأخر عنه قوله: وَ لَئِنْ شِئْنََا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ [الإسراء: 86]إلى قوله: قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‏ََ/أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ لاََ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88]فلما كان قبل هذه الآية في وصف القرآن و ما بعدها كذلك وجب أيضا أن يكون المراد من هذا الروح القرآن حتى تكون آيات القرآن كلها متناسبة متناسقة و ذلك لأن القوم استعظموا أمر القرآن فسألوا أنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم اللّه تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر و إنما هو كلام ظهر بأمر اللّه و وحيه و تنزيله فقال: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي القرآن ظهر بأمر ربي و ليس من جنس كلام البشر. و القول الثاني: أن الروح المسؤول عنه في هذه الآية ملك من ملائكة السموات و هو أعظمهم قدرا و قوة و هو المراد من قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا [النبأ: 38]و

نقلوا عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح اللّه تعالى بتلك اللغات كلها و يخلق اللّه من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة قالوا و لم يخلق اللّه تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش و لو شاء أن يبتلع السموات السبع و الأرضين السبع و من فيهن بلقمة واحدة لفعل،

و لقائل أن يقول‏

394

هذا القول ضعيف و بيانه من وجوه. الأول: أن هذا التفصيل لما عرفه علي، فالنبي أولى أن يكون قد عرفه فلم لم يخبرهم به، و أيضا أن عليا ما كان ينزل عليه الوحي، فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صلّى اللّه عليه و سلم فلم ذكر النبي صلّى اللّه عليه و سلم ذلك الشرح و البيان لعلي و لم يذكره لغيره. الثاني: أن ذلك الملك إن كان حيوانا واحدا و عاقلا واحدا لم يكن في تكثير تلك اللغات فائدة و إن كان المتكلم بكل واحدة من تلك اللغات حيوانا آخر لم يكن ذلك ملكا واحدا بل يكون ذلك مجموع ملائكة. و الثالث: أن هذا شي‏ء مجهول الوجود فكيف يسأل عنه، أما الروح الذي هو سبب الحياة فهو شي‏ء تتوفر دواعي العقلاء على معرفته فصرف هذا السؤال إليه أولى. و القول الرابع: و هو قول الحسن و قتادة أن هذا الروح جبريل و الدليل عليه أنه تعالى سمى جبريل بالروح في قوله: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194]و في قوله: فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا [مريم: 17]و يؤكد هذا أنه تعالى قال: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [في جبريل‏]و قال‏[حكاية عن‏]جبريل: وَ مََا نَتَنَزَّلُ إِلاََّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64]فسألوا الرسول كيف جبريل في نفسه و كيف قيامه بتبليغ الوحي إليه. و القول الخامس: قال مجاهد: الروح خلق ليسوا من الملائكة على صورة بني آدم يأكلون و لهم أيد و أرجل و رؤوس و قال أبو صالح يشبهون الناس و ليسوا بالناس و لم أجد في القرآن و لا في الأخبار الصحيحة شيئا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول و أيضا فهذا شي‏ء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال إليه فحاصل ما ذكرناه في تفسير الروح المذكور في هذه الآية هذه الأقوال الخمسة و اللّه أعلم بالصواب.

المسألة الثالثة: في شرح مذاهب الناس في حقيقة الإنسان، اعلم أن العلم الضروري حاصل بأن هاهنا شيئا إليه يشير الإنسان بقوله أنا و إذا قال الإنسان علمت و فهمت و أبصرت/و سمعت و ذقت و شممت و لمست و غضبت فالمشار إليه لكل أحد بقوله أنا إما أن يكون جسما أو عرضا أو مجموع الجسم و العرض أو شيئا مغايرا للجسم و العرض أو من ذلك الشي‏ء الثالث فهذا ضبط معقول. أما القسم الأول: و هو أن يقال إن الإنسان جسم فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه البنية أو جسما داخلا في هذه البنية أو جسما خارجا عنها، أما القائلون بأن الإنسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة و عن هذا الجسم المحسوس فهم جمهور المتكلمين و هؤلاء يقولون الإنسان لا يحتاج تعريفه إلى ذكر حد أو رسم بل الواجب أن يقال الإنسان هو الجسم المبني بهذه البنية المحسوسة و اعلم أن هذا القول عندنا باطل و تقريره أنهم قالوا: الإنسان هو هذا الجسم المحسوس، فإذا أبطلنا كون الإنسان عبارة عن هذا الجسم و أبطلنا كون الإنسان محسوسا فقد بطل كلامهم بالكلية و الذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الإنسان عبارة[عن‏]هذا الجسم وجوه. الحجة الأولى: أن العلم البديهي حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة بالزيادة و النقصان تارة بحسب النمو و الذبول و تارة بحسب السمن و الهزال و العلم الضروري حاصل بأن المتبدل المتغير مغاير للثابت الباقي و يحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة العلم القطعي بأن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة. الحجة الثانية: أن الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجه الهمة نحو أمر معين مخصوص فإنه في تلك الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه و عن أعضائه و أبعاضه مجموعها و مفصلها و هو في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة بدليل أنه في تلك الحالة قد يقول غضبت و اشتهيت و سمعت كلامك و أبصرت وجهك، و تاء الضمير كناية عن نفسه فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة و غافل عن جملة بدنه و عن كل واحد من أعضائه و أبعاضه و[يكون‏]المعلوم غير معلوم، فالإنسان يجب أن‏

395

يكون مغايرا لجملة هذا البدن و لكل واحد من أعضائه و أبعاضه. الحجة الثالثة: أن كل أحد يحكم عقله بإضافة كل واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول رأسي و عيني و يدي و رجلي و لساني و قلبي و المضاف غير المضاف إليه فوجب أن يكون الشي‏ء الذي هو الإنسان مغايرا لجملة هذا البدن و لكل واحد من هذه الأعضاء. فإن قالوا:

قد يقول نفسي و ذاتي فيضيف النفس و الذات إلى نفسه فيلزم أن يكون الشي‏ء و ذاته مغايرة لنفسه و هو محال قلنا قد يراد به هذا البدن المخصوص و قد يراد بنفس الشي‏ء و ذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا فإذا قال نفسي و ذاتي فإن كان المراد البدن فعندنا أنه مغاير لجوهر الإنسان، أما إذا أريد بالنفس و الذات المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلا نسلم أن الإنسان يمكنه أن يضيف ذلك الشي‏ء إلى نفسه بقوله إنساني و ذلك لأن عين الإنسان ذاته فكيف يضيفه مرة أخرى إلى ذاته. الحجة الرابعة: أن كل دليل على أن الإنسان يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم و سيأتي تقرير تلك الدلائل.

الحجة الخامسة: أن الإنسان قد يكون حيا حال ما يكون البدن ميتا فوجب كون/الإنسان مغايرا لهذا البدن و الدليل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]فهذا النص صريح في أن أولئك المقتولين أحياء و الحس يدل على أن هذا الجسد ميت.

الحجة السادسة: أن قوله تعالى: اَلنََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا [غافر: 46]و قوله: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نََاراً [نوح: 25]يدل على أن الإنسان يحيا بعد الموت و كذلك‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «أنبياء اللّه لا يموتون و لكن ينقلون من دار إلى دار»

و كذلك‏

قوله عليه السلام: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»

و كذلك‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «من مات فقد قامت قيامته»

كل هذه النصوص تدل على أن الإنسان يبقى بعد موت الجسد، و بديهة العقل و الفطرة شاهدان بأن هذا الجسد ميت. و لو جوزنا كونه حيا جاز مثله في جميع الجمادات، و ذلك عين السفسطة. و إذا ثبت أن الإنسان شي‏ء و كان الجسد ميتا لزم أن الإنسان شي‏ء غير هذا الجسد.

الحجة السابعة:

قوله عليه السلام في خطبة طويلة له «حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش، و يقول يا أهلي و يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حله و غير حله فالغنى لغيري و التبعة علي فاحذروا مثل ما حل بي»

وجه الاستدلال أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم صرح بأن حال ما يكون الجسد محمولا على النعش بقي هناك شي‏ء ينادي و يقول يا أهلي و يا ولدي جمعت المال من حله و غير حله و معلوم أن الذي كان الأهل أهلا له و كان جامعا للمال من الحرام و الحلال و الذي بقي في رقبته الوبال ليس إلا ذلك الإنسان فهذا تصريح بأن في الوقت الذي كان فيه الجسد ميتا محمولا كان ذلك الإنسان حيا باقيا فاهما و ذلك تصريح بأن الإنسان شي‏ء مغاير لهذا الجسد و لهذا الهيكل.

الحجة الثامنة: قوله تعالى: يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ*`اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: 27، 28]و الخطاب بقوله: اِرْجِعِي إنما هو متوجه عليها حال الموت فدل هذا على أن الشي‏ء الذي يرجع إلى اللّه بعد موت الجسد يكون حيا راضيا عن اللّه و يكون راضيا عنه اللّه و الذي يكون راضيا ليس إلا الإنسان فهذا يدل على أن الإنسان بقي حيا بعد موت الجسد و الحي غير الميت فالإنسان مغاير لهذا الجسد.

الحجة التاسعة: قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ*`ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ

396

[الأنعام: 61، 62]أثبت كونهم مردودين إلى اللّه الذي هو مولاهم حال كون الجسد ميتا فوجب أن يكون ذلك المردود إلى اللّه مغايرا لذلك الجسد الميت.

الحجة العاشرة: نرى جميع فرق الدنيا من الهند و الروم و العرب و العجم و جميع أرباب الملل و النحل من اليهود و النصارى و المجوس و المسلمين و سائر فرق العالم و طوائفهم يتصدقون عن موتاهم و يدعون لهم بالخير و يذهبون إلى زياراتهم، و لولا أنهم بعد موت الجسد بقوا/أحياء لكان التصدق عنهم عبثا، و الدعاء لهم عبثا، و لكان الذهاب إلى زيارتهم عبثا، فالاطباق على هذه الصدقة و على هذا الدعاء و على هذه الزيارة يدل على أن فطرتهم الأصلية السليمة شاهدة بأن الإنسان شي‏ء غير هذا الجسد و أن ذلك الشي‏ء لا يموت، بل‏[الذي‏]يموت هذا الجسد.

الحجة الحادية عشرة: أن كثيرا من الناس يرى أباه أو ابنه بعد موته في المنام و يقول له اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبا دفنته لك و قد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه ثم عند اليقظة إذا فتش كان كما رآه في النوم من غير تفاوت، و لولا أن الإنسان يبقى بعد الموت لما كان كذلك، و لما دل هذا الدليل على أن الإنسان يبقى بعد الموت و دل الحس على أن الجسد ميت كان الإنسان مغايرا لهذا الجسد الميت.

الحجة الثانية عشرة: أن الإنسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه أو رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء فإن ذلك الإنسان يجد من قلبه و عقله أنه هو عين ذلك الإنسان و لم يقع في عين ذلك الإنسان تفاوت حتى أنه يقول أنا ذلك الإنسان الذي كنت موجودا قبل ذلك إلا أنه يقول إنهم قطعوا يدي و رجلي، و ذلك برهان يقيني على أن ذلك الإنسان شي‏ء مغاير لهذه الأعضاء و الأبعاض و ذلك يبطل قول من يقول الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة.

الحجة الثالثة عشرة: أن القرآن و الأحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم اللّه و جعلهم في صورة القردة و الخنازير فنقول: إن ذلك الإنسان هل بقي حال ذلك المسخ أو لم يبق؟فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الإنسان و خلقا لذلك الخنزير و ليس هذا من المسخ في شي‏ء. و إن قلنا إن ذلك الإنسان بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول على ذلك التقدير: ذلك الإنسان باق و تلك البنية و ذلك الهيكل غير باق، فوجب أن يكون ذلك الإنسان شيئا مغايرا لتلك البنية.

الحجة الرابعة عشرة: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان يرى جبريل عليه الصلاة و السلام في صورة دحية الكلبي و كان يرى إبليس في صورة الشيخ النجدي فهاهنا بنية الإنسان و هيكله و شكله حاصل مع أن حقيقة الإنسان غير حاصلة و هذا يدل على أن الإنسان ليس عبارة عن هذه البنية، و هذا الهيكل. و الفرق بين هذه الحجة و التي قبلها أنه حصلت صورة هذه البنية مع عدم هذه البنية و هذا الهيكل.

الحجة الخامسة عشرة: أن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره فوجب أن يكون الإنسان شيئا آخر سوى الفرج و سوى الظهر، و يقال إن ذلك الشي‏ء يستعمل الفرج في عمل و الظهر في عمل آخر، فيكون المتلذذ و المتألم هو ذلك الشي‏ء إلا أنه تحصل تلك اللذة بواسطة ذلك العضو و يتألم بواسطة الضرب على هذا العضو.

الحجة السادسة عشرة: أني إذا تكلمت مع زيد و قلت له افعل كذا أو لا تفعل كذا فالمخاطب بهذا

397

الخطاب و المأمور و المنهي ليس هو جبهة زيد و لا حدقته و لا أنفه و لا فمه و لا شيئا من أعضائه بعينه، فوجب أن يكون المأمور و المنهي و المخاطب شيئا مغايرا لهذه الأعضاء، و ذلك يدل على أن ذلك المأمور و المنهي غير هذا الجسد فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال المأمور و المنهي جملة هذا البدن لا شي‏ء من أعضائه و أبعاضه؟قلنا بوجه التكليف على الجملة إنما يصح لو كانت الجملة فاهمة عالمة فنقول لو كانت الجملة فاهمة عالمة فإما أن يقوم بمجموع البدن علم واحد أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم على حدة، و الأول يقتضي قيام العرض بالمحال الكثيرة و هو محال، و الثاني يقتضي أن يكون كل واحد من أجزاء البدن عالما فاهما مدركا على سبيل الاستقلال، و قد بينا أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالما فاهما مدركا بالاستقلال فسقط هذا السؤال.

الحجة السابعة عشرة: أن الإنسان يجب أن يكون عالما، و العلم لا يحصل إلا في القلب فيلزم أن يكون الإنسان عبارة عن الشي‏ء الموجود في القلب و إذا ثبت هذا بطل القول بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل، و هذه الجثة إنما قلنا إن الإنسان يجب أن يكون عالما لأنه فاعل مختار، و الفاعل المختار هو الذي يفعل بواسطة القلب و الاختيار و هما مشروطان بالعلم لأن ما لا يكون مقصودا امتنع القصد إلى تكوينه فثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالما بالأشياء و إنما قلنا إن العلم لا يوجد إلا في القلب للبرهان و القرآن. أما البرهان فلأنا نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب، و أما القرآن فآيات نحو قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا [الأعراف: 179]و قوله: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ [المجادلة: 22]و قوله: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194]و إذا ثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالما، و ثبت أن العلم ليس إلا في القلب ثبت أن الإنسان شي‏ء في القلب أو شي‏ء له تعلق بالقلب و على التقديرين فإنه يبطل قول من يقول الإنسان هو هذا الجسد و هذا الهيكل.

و أما البحث الثاني: و هو بيان أن الإنسان غير محسوس و هو أن حقيقة الإنسان شي‏ء مغاير للسطح و اللون و كل ما هو مرئي فهو إما السطح و إما اللون و هما مقدمتان قطعيتان و ينتج هذا القياس أن حقيقة الإنسان غير مرئية و لا محسوسة و هذا برهان يقيني.

المسألة الرابعة: في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إما أن تكون أحد العناصر الأربعة أو ما يكون متولدا من امتزاجها، و يمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص بل لا بد و أن يكون الحاصل جسما متولدا من امتزاجات هذه الأربعة فنقول: أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم و الغضروف و العصب و الوتر و الرباط و الشحم و اللحم و الجلد و لم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: الإنسان شي‏ء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء و ذلك لأن هذه الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية فلا جرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الإنسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء، و أما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو/الأخلاط الأربعة و لم يقل أحد في شي‏ء منها إنه الإنسان إلا في الدم فإن منهم من قال إنه هو الروح بدليل أنه إذا خرج لزم الموت، أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية و النارية فهو الأرواح و هي نوعان: أحدهما: أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولدة إما في القلب أو في الدماغ و قالوا إنها هي الروح و إنها هي الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من يقول الإنسان هو الروح الذي في القلب، و منهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، و منهم من‏

398

يقول الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية و الدماغية و تلك الأجزاء النارية و هي المسماة بالحرارة الغريزية و هي الإنسان، و من الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة، و الجوهر على طبيعة ضوء الشمس و هي لا تقبل التحلل و التبدل و لا التفرق و لا التمزق فإذا تكون البدن و تم استعداده و هو المراد بقوله: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ* نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعصاء البدن نفاذ النار في الفحم و نفاذ دهن السمسم في السمسم، و نفاذ ماء الورد في جسم الورد، و نفاذ تلك الأجسام السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي* [ص: 72]ثم إن البدن ما دام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة بقي حيا، فإذا تولدت في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط الغليظة من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت، فهذا مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الحياة و الموت، فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن، و أما أن الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى هذا القول. أما القسم الثاني: و هو أن يقال الإنسان عرض حال في البدن، فهذا لا يقول به عاقل لأن من المعلوم بالضرورة أن الإنسان جوهر لأنه موصوف بالعلم و القدرة و التدبر و التصرف، و من كان كذلك كان جوهرا و الجوهر لا يكون عرضا بل الذي يمكن أن يقول به كل عاقل هو أن الإنسان يشترط أن يكون موصوفا بأعراض مخصوصة، و على هذا التقدير فللناس فيه أقوال. القول الأول: أن العناصر الأربعة إذا امتزجت و انكسرت سورة كل واحدة منها بسورة الآخر حصلت كيفية معتدلة هي المزاج. و مراتب هذا المزاج غير متناهية فبعضها هي الإنسانية و بعضها هي الفرسية، فالإنسانية عبارة عن أجسام موصوفة متولدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، هذا قول جمهور الأطباء و منكري بقاء النفس و قول أبي الحسين البصري من المعتزلة. و القول الثاني: أن الإنسان عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة و العلم و القدرة و الحياة عرض قائم بالجسم و هؤلاء أنكروا الروح و النفس و قالوا ليس ها هنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بهذه الأعراض المخصوصة و هي الحياة و العلم و القدرة، و هذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة. و القول الثالث: أن الإنسان عبارة عن أجسام موصوفة بالحياة و العلم و القدرة و الإنسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده/و هيئة أعضائه و أجزائه إلا أن هذا مشكل فإن الملائكة قد يتشبهون بصور الناس فهاهنا صورة الإنسان حاصلة مع عدم الإنسانية و في صورة المسخ معنى الإنسانية حاصل مع أن هذه الصورة غير حاصلة فقد بطل اعتبار هذا الشكل في حصول معنى الإنسانية طردا و عكسا. أما القسم الثالث: و هو أن يقال الإنسان موجود ليس بجسم و لا جسمانية فهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين ببقاء النفس المثبتين للنفس معادا روحانيا و ثوابا و عقابا و حسابا روحانيا و ذهب إليه جماعة عظيمة من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني و الشيخ أبي حامد الغزالي رحمهما اللّه، و من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، و من الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد، و من الكرامية جماعة، و اعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان، الأول: و هم المحققون منهم من قال الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص، و هذا البدن و على هذا التقدير فالإنسان غير موجود في داخل العالم و لا في خارجه و غير متصل في داخل العالم و لا في خارجه و غير متصل بالعالم و لا منفصل عنه، و لكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف و التدبير.

و الفريق الثاني: الذين قالوا النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن فصارت النفس عين البدن، و البدن عين‏

399

النفس و مجموعهما عند الاتحاد هو الإنسان فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد و بقيت النفس و فسد البدن فهذه جملة مذاهب الناس في الإنسان و كان ثابت بن قرة يثبت النفس و يقول إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون و الفساد التفرق و التمزق و أن تلك الأجسام تكون سارية في البدن و ما دام يبقى ذلك السريان بقيت النفس مدبرة للبدن فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن انقطع تعلق النفس عن البدن.

المسألة الخامسة: في دلائل مثبتي النفس من ناحية العقل احتج القوم بوجوه كثيرة بعضها قوي و بعضها ضعيف و الوجوه القوية بعضها قطعية و بعضها إقناعية فلنذكر الوجوه القطعية.

الحجة الأولى: لا شك أن الإنسان جوهر فإما أن يكون جوهرا متحيزا أو غير متحيز و الأول باطل فتعين الثاني و الذي يدل على أنه يمتنع أن يكون جوهرا متحيزا أنه لو كان كذلك لكان كونه متحيزا غير تلك الذات و لو كان كذلك لكان كل ما علم الإنسان ذاته المخصوصة وجب أن يعلم كونه متحيزا بمقدار مخصوص و ليس الأمر كذلك فوجب أن لا يكون الإنسان جوهرا متحيزا فنفتقر في تقرير هذا الدليل إلى مقدمات ثلاثة. المقدمة الأولى: لو كان الإنسان جوهرا متحيزا لكان كونه متحيزا عين ذاته المخصوصة و الدليل عليه أنه لو كان تحيزه صفة قائمة لكان ذلك المحل من حيث هو مع قطع النظر عن هذه الصفة. إما أن يكون متحيزا أو لا يكون و القسمان باطلان فبطل القول بكون التحيز صفة قائمة بالمحل إنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز لأنه يلزم كون الشي‏ء الواحد متحيزا مرتين و لأنه يلزم اجتماع المثلين و لأنه ليس جعل أحدهما/ذاتا و الآخر صفة أولى من العكس و لأن التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود و إن كان صفة لزم التسلسل و هو محال و إنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز غير متحيز لأن حقيقة التحيز هو الذهاب في الجهات و الامتداد فيها، و الشي‏ء الذي لا يكون متحيزا لم يكن له اختصاص بالجهات و حصوله فيها ليس بمتحيز محال، فثبت بهذا أنه لو كان الإنسان جوهرا متحيزا لكان تحيزه غير ذاته المخصوصة. المقدمة الثانية: لو كان تحيز ذاته المخصوصة عين ذاته المخصوصة لكان متى عرف ذاته المخصوصة فقد عرف كونها متحيزة، و الدليل على أنه لو صارت ذاته المخصوصة معلومة و صار تحيزه مجهولا لزم اجتماع النفي و الإثبات في الشي‏ء الواحد و هو محال. المقدمة الثالثة: أنا قد نعرف ذاتنا حال كوننا جاهلين بالتحيز و الامتداد في الجهات الثلاثة و ذلك ظاهر عند الاختبار و الامتحان فإن الإنسان حال كونه مشتغلا بشي‏ء من المهمات مثل أن يقول لعبده لم فعلت كذا و لم خالفت أمري و إني أبالغ في تأديبك و ضربك فعند ما يقول لم خالفت أمري يكون عالما بذاته المخصوصة إذ لو لم يعلم ذاته المخصوصة لامتنع أن يعلم أن ذلك الإنسان خالفه و لامتنع أن يخبر عن نفسه بأنه على عزم أن يؤدبه و يضربه ففي هذه الحالة يعلم ذاته المخصوصة مع أنه في تلك الحالة لا يخطر بباله حقيقة التحيز و الامتداد في الجهات و الحصول في الحيز فثبت بما ذكرنا أنه لو كان ذات الإنسان جوهرا متحيزا لكان تحيزه عين ذاته المخصوصة و لو كان كذلك لكان كل ما علم ذاته المخصوصة فقد علم التحيز و ثبت أنه ليس كذلك فيلزم أن يقال ذات الإنسان ليس جوهرا متحيزا و ذلك هو المطلوب، فإن قالوا هذا معارض بأنه لو كان جوهرا مجردا لكان كل من عرف ذات نفسه عرف كونه جوهرا مجردا و ليس الأمر كذلك قلنا الفرق ظاهر لأن كونه مجردا معناه أنه ليس بمتحيز و لا حالا في المتحيز و هذا السلب ليس عين تلك الذات المخصوصة لأن السلب ليس عين الثبوت، و إذا كان

400

كذلك لم يبعد أن تكون تلك الذات المخصوصة معلومة و أن لا يكون ذلك السلب معلوما بخلاف كونه متحيزا فإنا قد دللنا على أن تقدير كون الإنسان جوهرا متحيزا يكون تحيزه عين ذاته المخصوصة و على هذا التقدير يمتنع أن تكون ذاته معلومة و يكون تحيزه مجهولا فظهر الفرق.

الحجة الثانية: النفس واحدة و متى كانت واحدة وجب أن تكون مغايرة لهذا البدن و لكل واحد من أجزائه فهذه الحجة مبنية على مقدمات، المقدمة الأولى: هي قولنا النفس واحدة و لنا هاهنا مقامان تارة ندعي العلم البديهي فيه و أخرى نقيم البرهان على صحته، أما المقام الأول: و هو ادعاء البديهية فنقول المراد من النفس هو الشي‏ء الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا و كل أحد يعلم بالضرورة أنه إذا أشار إلى ذاته المخصوصة بقوله أنا كان ذلك المشار إليه واحدا غير متعدد فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المشار إليه لكل أحد بقوله أنا و إن كان واحدا إلا أن ذلك الواحد يكون مركبا من أشياء كثيرة قلنا إنه لا حاجة لنا في هذا المقام إلى دفع هذا السؤال بل نقول المشار إليه بقول أنا معلوم بالضرورة أنه شي‏ء واحد فأما أن ذلك الواحد هل هو واحد مركب من أشياء/كثيرة أو هو واحد في نفسه واحد في حقيقته فهذا لا حاجة إليه في هذا المقام. أما المقام الثاني: و هو مقام الاستدلال فالذي يدل على وحدة النفس وجوه.

الحجة الأولى: أن الغضب حالة نفسانية تحدث عند إرادة دفع المنافر و الشهوة حالة نفسانية تحدث عند طلب الملايم مشروطا بالشعور بكون الشي‏ء ملائما و منافرا فالقوة الغضبية التي هي قوة دافعة للمنافر إن لم يكن لها شعور بكونه منافرا امتنع انبعاثها لدفع ذلك المنافر على سبيل القصد و الاختيار لأن القصد إلى الجذب تارة و إلى الدفع أخرى مشروط بالشعور بالشي‏ء فالشي‏ء المحكوم عليه بكونه دافعا للمنافر على سبيل الاختيار لا بد و أن يكون له شعور بكونه منافرا فالذي يغضب لا بد و أن يكون هو بعينه مدركا فثبت بهذا البرهان اليقيني مباينة حاصلة في ذوات متباينة.

الحجة الثانية: أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص مانعا للآخر من اشتغاله بفعله الخاص به. و إذا ثبت هذا فنقول لو كان محل الإدراك و الفكر جوهرا و محل الغضب جوهرا آخر و محل الشهوة جوهرا ثالثا وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها و لا بالعكس لكن الثاني باطل فإن اشتغال الإنسان بالشهوة و انصبابه إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب و انصبابه إليه و بالعكس فعلمنا أن هذه الأمور الثلاثة ليست مبادئ مستقلة بل هي صفات مختلفة بجوهر واحد فلا جرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقا له عن الإشتغال بالفعل الآخر.

الحجة الثالثة: أنا إذا أدركنا أشياء فقد يكون الإدراك سببا لحصول الشهوة و قد يصير سببا لحصول الغضب فلو كان الجوهر المدرك مغايرا للذي يغضب و الذي يشتهي فحين أدرك الجوهر المدرك لم يحصل عند الجوهر المشتهى من ذلك الإدراك أثر و لا خبر فوجب أن لا يترتب على ذلك الإدراك لا حصول الشهوة و لا حصول الغضب و حيث حصل هذا الترتيب و الاستلزام علمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة بعينها و صاحب الغضب بعينه.

الحجة الرابعة: أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالإرادة فالنفس لا يمكنها أن تتحرك‏

401

بالإدارة إلا عند حصول الداعي و لا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه و هذا يقتضي أن يكون المتحرك بالإرادة هو بعينه مدركا للخير و الشر و الملذ و المؤذي و النافع و الضار فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شي‏ء واحد و ثبت أن ذلك الشي‏ء هو المبصر و السامع و الشام و الذائق و اللامس و المتخيل و المتفكر و المتذكر و المشتهي و الغاضب و هو الموصوف بجميع الإدراكات و هو الموصوف بجميع الأفعال الاختيارية و الحركات الإرادية، و أما المقدمة الثانية: في بيان أنه لما كانت النفس شيئا واحدا وجب أن لا تكون النفس في هذا البدن و لا شيئا من أجزائه فنقول أما بيان أنه متى كان الأمر كذلك امتنع كون النفس عبارة عن جملة هذا البدن و كذا القوة السامعة و كذا سائر القوى كالتخيل و التذكر/و التفكر و العلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل هو من أقوى العلوم البديهية، و أما بيان أنه يمتنع أن تكون النفس جزءا من أجزاء هذا البدن فانا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء واحد هو بعينه موصوف بالأبصار و السماع و الفكر و الذكر بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن الأبصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء و السماع مخصوص بالأذن لا بسائر الأعضاء و الصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الأعضاء. و كذلك القول في سائر الإدراكات و سائر الأفعال فأما أن يقال إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الإدراكات و بكل هذه الأفعال فالعلم الضروري حاصل بأنه ليس الأمر كذلك فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شي‏ء واحد موصوف بجملة هذه الإدراكات و بجملة هذه الأفعال و ثبت بالبديهية أن جملة البدن ليست كذلك و ثبت أيضا أن شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شي‏ء مغاير لهذا البدن و لكل واحد من أجزائه و هو المطلوب.

و لنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى فنقول: إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه و إذا عرفناه اشتهيناه و إذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه فوجب القطع بأن الذي أبصر هو الذي عرف و أن الذي عرف هو الذي اشتهى و أن الذي اشتهى هو الذي حرك إلى القرب منه فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشي‏ء و العارف به و المشتهي و المتحرك إلى القرب منه شي‏ء واحد إذ لو كان المبصر شيئا و العارف شيئا ثانيا و المشتهي شيئا ثالثا و المتحرك شيئا رابعا لكان الذي أبصر لم يعرف، و الذي عرف لم يشته و الذي اشتهى لم يتحرك، و من المعلوم أن كون الشي‏ء مبصرا لشي‏ء لا يقتضي صيرورة شي‏ء آخر عالما بذلك الشي‏ء و كذلك القول في سائر المراتب و أيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات لما رآها فقد عرفها و لما عرفها فقد اشتهاها و لما اشتهاها طلبها و حرك الأعضاء إلى القرب منها و نعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية و بهذا العلم و بهذه الشهوة و بهذا التحرك هو لا غيره و أيضا العقلاء قالوا الحيوان لا بد أن يكون حساسا متحركا بالإرادة فإنه إن لم يحس بشي‏ء لم يشعر بكونه ملائما أو بكونه منافرا و إذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريدا للجذب أو الدفع فثبت أن الشي‏ء الذي يكون متحركا بالإرادة فإنه بعينه يجب أن يكون حساسا فثبت أن المدرك لجميع المدركات يدرك بجميع أصناف الإدراكات و أن المباشر لجميع التحريكات الاختيارية شي‏ء واحد و أيضا فلأنا إذا تكلمنا بكلام نقصد منه تفهيم الغير[عقلنا]معاني تلك الكلمات ثم لما عقلناها أردنا تعريف غيرنا تلك المعاني و لما حصلت هذه الإرادة في قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف و الأصوات في الوجود لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعاني. إذا ثبت هذا فنقول: إن كان محمل العلم و الإرادة و محل تلك الحروف و الأصوات جسما واحدا لزم أن يقال إن محل العلوم و الإرادات هو الحنجرة و اللهاة و اللسان، و معلوم أنه ليس كذلك، و إن قلنا محل العلوم و الإرادات هو القلب لزم أيضا أن يكون محل الصوت هو القلب و ذلك أيضا باطل بالضرورة، /و إن قلنا محل‏

402

الكلام هو الحنجرة و اللهاة و اللسان، و محل العلوم و الإرادات هو القلب، و محل القدرة هو الأعصاب و الأوتار و العضلات، كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء المختلفة لكنا أبطلنا ذلك. و بينا أن المدرك لجميع المدركات و المحرك لجميع الأعضاء بكل أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئا واحدا، فلم يبق إلا أن يقال في الإدراك و القدرة على التحريك‏[أنه‏]شي‏ء سوى هذا البدن و سوى أجزاء هذا البدن و أن هذه الأعضاء جارية مجرى الآلات و الأدوات فكما أن الإنسان يعقل أفعالا مختلفة بواسطة آلات مختلفة فكذلك النفس تبصر بالعين و تسمع بالأذن و تتفكر بالدماغ و تعقل بالقلب، فهذه الأعضاء آلات النفس و أدوات لها، و النفس جوهر مغاير لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف و التدبير و هذا البرهان شريف يقيني في ثبوت هذا المطلوب و اللّه أعلم.

المقدمة الثالثة: لو كان الإنسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم بكل واحد من الأجزاء حياة و علم و قدرة على حدة، و إما أن يقوم بمجموع الأجزاء حياة و علم و قدرة، و القسمان باطلان فبطل القول بكون الإنسان عبارة عن هذا الجسد، و أما بطلان القسم الأول فلأنه يقتضي كون كل واحد من أجزاء الجسد حيا عالما قادرا على سبيل الاستقلال فوجب أن لا يكون الإنسان الواحد حيوانا واحدا بل أحياء عالمين قادرين و حينئذ لا يبقى فرق بين الإنسان الواحد و بين أشخاص كثيرين من الناس و ربط بعضهم بالبعض بالتسلسل لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتا واحدة لا حيوانات كثيرين، و أيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا على حدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منهما خبر عن حال صاحبه فلا يمتنع أن يريد هذا أن يتحرك إلى هذا الجانب و يريد الجزء الآن أن يتحرك إلى الجانب الآخر فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الإنسان الواحد كما يقع بين شخصين. و فساد ذلك معلوم بالبديهة، و أما بطلان القسم الثاني فلأنه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة، و ذلك معلوم البطلان بالضرورة و لأنه لو جاز حلول الصفة الواحدة في المحال الكثيرة لم يبعد أيضا حصول الجسم الواحد في الأحياز الكثيرة و لأن بتقدير أن تحصل الصفة الواحدة في المحال المتعددة فحينئذ يكون كل واحد من تلك الأجزاء حيا عاقلا عالما فيتجرد الأمر إلى كون هذه الجثة الواحدة أناسا كثيرين، و لما ظهر فساد القسمين ثبت أن الإنسان ليس هو هذه الجثة. فإن قالوا: لم لا يجوز أن تقوم الحياة الواحدة بالجزء الواحد، ثم إن تلك الحياة تقتضي صيرورة جملة الأجزاء أحياء قلنا هذا باطل لأنه لا معنى للحياة إلا الحيية، و لا معنى للعلم إلا العالمية، و بتقدير أن نساعد على أن الحياة معنى يوجب الحيية و العلم معنى يوجب العالمية إلا أنا نقول إن حصل في مجموع جثة مجموع حياة واحدة و عالمية واحدة فقد حصلت الصفة الواحدة في المحال الكثيرة و هو محال، و إن حصل في كل جزء و جثة حياة على حدة /و عالمية على حدة عاد ما ذكرنا من كون الإنسان الواحد أناسا كثيرين و هو محال.

المقدمة الرابعة: أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم، و ذلك يدل على أن النفس ليست جسما، و تقرير هذه المنافاة من وجوه. الأول: أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى زوالا تاما مثاله: أن الشمع إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع و التدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه، نعم إنا وجدنا الحال في تصور النفس بصور المعقولات بالضد من ذلك فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية ألبتة يبعد قبولها شيئا

403

من الصور العقلية فإذا قبلت صورة واحدة صار قبولها للصورة الثانية أسهل، ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف ألبتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر صار قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل و أسرع، و لهذا السبب يزداد الإنسان فهما و إدراكا كلما ازداد تخرجا و ارتباطا في العلوم فثبت أن قبول النفس للصورة العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة و ذلك يوهم أن النفس ليست بجسم. و الثاني: أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس و أثر في البدن، أما أثرها في النفس فهو تأثيرها في إخراج النفس من القوة إلى الفعل في التعقلات و الإدراكات و كلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل و ذلك غاية كمالها و نهاية شرفها و جلالتها، و أما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن و استيلاء الذبول عليه، و هذه الحالة لو استمرت لانتقلت إلى الماليخوليا و سوق الموت فثبت بما ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس و شرفها و توجب نقصان البدن و موته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشي‏ء الواحد سببا لكماله و نقصانه معا و لحياته و موته معا، و أنه محال. و الثالث: أنا إذا شاهدنا أنه ربما كان بدن الإنسان ضعيفا نحيفا، فإذا لاح له نور من الأنوار القدسية و تجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الإنسان جراءة عظيمة و سلطنة قوية.

و لم يعبأ بحضور أكابر السلاطين و لم يقم لهم وزنا و لولا أن النفس شي‏ء سوى البدن لما كان الأمر كذلك.

الرابع: أن أصحاب الرياضات و المجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية و تجويع الجسد قويت قواهم الروحانية و أشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية و كلما أمعن الإنسان في الأكل و الشرب و قضاء الشهوة الجسدانية صار كالبهيمة و بقي محروما عن آثار النطق و العقل و المعرفة و لولا أن النفس غير البدن لما كان الأمر كذلك. الخامس: أنا نرى أن النفس تفعل أفاعيلها بآلات بدنية فإنها تبصر بالعين و تسمع بالأذن و تأخذ باليد و تمشي بالرجل، أما إذا آل الأمر إلى العقل و الإدراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شي‏ء من الآلات و لذلك فإن الإنسان لا يمكنه أن يبصر شيئا إذا أغمض عينيه و أن لا يسمع صوتا إذا سد أذنيه. كما لا يمكنه ألبتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالما به فعلمنا أن النفس غنية بذاتها/في العلوم و المعارف عن شي‏ء من الآلات البدنية، فهذه الوجوه الخمسة أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم، و في المسألة الأولى كثير من دلائل المتقدمين ذكرناها في كتبنا الحكمية فلا فائدة في الإعادة.

المسألة السادسة: في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية.

الحجة الأولى: قوله تعالى: وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: 19]و معلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شي‏ء آخر غير هذا البدن.

الحجة الثانية: قوله تعالى: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: 93]و هذا صريح أن النفس غير البدن و قد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه.

الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ* `ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: 12، 13]إلى قوله: فَكَسَوْنَا اَلْعِظََامَ لَحْماً [المؤمنون: 14] و لا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال: ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 14]و هذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من‏

404

التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية و ذلك يدل على أن الروح شي‏ء مغاير للبدن فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12]و كلمة من للتبعيض و هذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلا من هذه السلالة و نحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة.

الحجة الرابعة: قوله: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي* [الحجر: 29]ميز تعالى بين البشرية و بين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض و الأعضاء و تعديل المزاج و الأشباح فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله: مِنْ رُوحِي* دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد.

الحجة الخامسة: قوله تعالى: وَ نَفْسٍ وَ مََا سَوََّاهََا*`فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَ تَقْوََاهََا [الشمس: 7، 8]و هذه الآية صريحة في وجود شي‏ء موصوف بالإدراك و التحريك حقا لأن الإلهام عبارة عن الإدراك، و أما الفجور و التقوى فهو فعل و هذه الآية صريحة في أن الإنسان شي‏ء واحد و هو موصوف أيضا بالإدراك و التحريك و موصوف أيضا بفعل الفجور تارة و فعل التقوى تارة أخرى و معلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفا بكل هذه الأمور.

الحجة السادسة: قوله تعالى: إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشََاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنََاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان: 2]فهذا تصريح بأن الإنسان شي‏ء واحد و ذلك الشي‏ء هو المبتلي بالتكاليف الإلهية و الأمور الربانية و هو الموصوف بالسمع و البصر و مجموع البدن ليس كذلك و ليس عضوا من أعضاء البدن كذلك فالنفس شي‏ء مغاير لجملة البدن و مغاير لأجزاء البدن و هو موصوف بكل هذه الصفات. و اعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد و بعد انفصالها من الأجساد كثيرة و كل ذلك يدل على أن النفس شي‏ء غير هذا الجسد، و العجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة و يروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و ما كان يعرف الروح و هذا من العجائب و اللّه أعلم.

المسألة السابعة: في دلالة الآية التي نحن في تفسيرها على صحة ما ذكرناه أن الروح لو كان جسما منتقلا من حالة إلى حالة و من صفة إلى صفة لكان مساويا للبدن في كونه متولدا من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى فإذا سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا حتى صار روحا مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة، ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال إنه: مِنْ أَمْرِ رَبِّي بمعنى أنه لا يحدث و لا يدخل في الوجود إلا لأجل أن اللّه تعالى قال له: كُنْ فَيَكُونُ* [البقرة: 117]دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد و اعلم أن أكثر العارفين المكاشفين من أصحاب الرياضيات و أرباب المكاشفات و المشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب قال الواسطي: خلق اللّه الأرواح من بين الجمال و البهاء فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر، و أما بيان أن تعلقه الأول بالقلب ثم بواسطته يصل تأثيره إلى جملة الأعضاء فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 193، 194]و احتج المنكرون بوجوه: الأول:

405

لو كانت مساوية لذات اللّه في كونه ليس بجسم و لا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية و ذلك محال.

الثاني: قوله تعالى: قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ*`مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ*`مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ*`ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ* `ثُمَّ أَمََاتَهُ فَأَقْبَرَهُ*`ثُمَّ إِذََا شََاءَ أَنْشَرَهُ [عبس: 17-22]و هذا تصريح بأن الإنسان شي‏ء مخلوق من النطفة، و أنه يموت و يدخل القبر ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، و لو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: قوله: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ إلى قوله:

يُرْزَقُونَ*`فَرِحِينَ [آل عمران: 169، 170]و هذا يدل على أن الروح جسم لأن الأرزاق و الفرح من صفات الأجسام. الجواب عن الأول: أن المساواة في أنه ليس بمتحيز و لا حال في المتحيز مساواة في صفة سلبية و المساواة في الصفة السلبية لا توجب المماثلة و اعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس بمتحيز و لا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلا للإله أو جزءا للإله و ذلك جهل فاحش و غلط قبيح و تحقيقه ما ذكرناه من أن المساواة في السلوب/لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات و أن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد أن يشتركا في سلب كل ما عداهما، فلتكن هذه الدقيقة معلومة فإنها مغلطة عظيمة للجهال، و الجواب عن الثاني: أنه لما كان الإنسان في العرف و الظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان في العرف، و الجواب عن الثالث: أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم و يكمل كمالهم و هو معرفة اللّه و محبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت تحت التراب و اللّه تعالى يقول إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش و هذا يدل على أن الروح غير البدن و ليكن هذا آخر كلامنا في هذا الباب و لنرجع إلى علم التفسير ثم قال تعالى: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً و على قولنا قد ذكرنا فيه احتمالين، أما

المفسرون فقالوا إن النبي صلّى اللّه عليه و سلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا؟فقال عليه الصلاة و السلام: «بل نحن و أنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا» فقالوا ما أعجب شأنك يا محمد ساعة تقول: وَ مَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269]و ساعة تقول هذا. فنزل قوله: وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ [لقمان: 27]إلى آخره‏

و ما ذكروه ليس بلازم لأن الشي‏ء قد يكون قليلا بالنسبة إلى شي‏ء كثيرا بالنسبة إلى شي‏ء آخر فالعلوم الحاصلة عند الناس قليلة جدا بالنسبة إلى علم اللّه و بالنسبة إلى حقائق الأشياء و لكنها كثيرة بالنسبة إلى الشهوات الجسمانية و اللذات الجسدانية.

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه ما آتاهم من العلم إلا قليلا بين في هذه الآية أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضا لقدر عليه و ذلك بأن يمحو حفظه من القلوب و كتابته من الكتب و هذا و إن كان أمرا مخالفا للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه.

المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن القرآن مخلوق فقال و الذي يقدر على إزالته و الذهاب به يستحيل أن يكون قديما بل يجب أن يكون محدثا. و هذا الاستدلال بعيد لأن المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب و إزالة النقوش الدالة عليه من المصحف و ذلك لا يوجب كون ذلك المعلوم المدلول محدثا و قوله:

ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنََا وَكِيلاً أي لا تجد من تتوكل عليه في رد شي‏ء}منه ثم قال: إِلاََّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي‏

406

إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى و لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به و هذا امتنان من اللّه/ببقاء القرآن على أنه تعالى من على جميع العلماء بنوعين من المنة. أحدهما: تسهيل ذلك العلم عليه. الثاني: إبقاء حفظه عليه و قوله: إِنَّ فَضْلَهُ كََانَ عَلَيْكَ كَبِيراً فيه قولان: الأول: المراد أن فضله كان عليك كبيرا بسبب إبقاء العلم و القرآن عليك. الثاني: المراد أن فضله كان عليك كبيرا بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم و ختم بك النبيين و أعطاك المقام المحمود فلما كان كذلك لا جرم أنعم عليك أيضا بإبقاء العلم و القرآن عليك.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23]بالغنا في بيان إعجاز القرآن، و للناس فيه قولان منهم من قال: القرآن معجز في نفسه، و منهم من قال إنه ليس في نفسه معجزا إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعي كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة و المختار عندنا في هذا الباب أن نقول القرآن في نفسه إما أن يكون معجزا أو لا يكون فإن كان معجزا فقد حصل المطلوب، و إن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته و كانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة و ما كان لهم عنها صارف و مانع. و على هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجبا لازما فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون معجزا فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول هب أنه قد ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف عرفتم عجز الجن عن معارضته؟ و أيضا فلم لا يجوز أن يقال إن هذا الكلام نظم الجن ألقوه على محمد صلّى اللّه عليه و سلم و خصوه به على سبيل السعي في إضلال الخلق فعلى هذا إنما تعرفون صدق محمد صلّى اللّه عليه و سلم إذا عرفتم أن محمدا صادق في قوله أنه ليس من كلام الجن بل هو من كلام اللّه تعالى فحينئذ يلزم الدور و ليس لأحد أن يقول كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجن لأنا نقول إن هذه الآية دلت على وقوع التحدي مع الجن، و إنما يحسن هذا التحدي لو كانوا فصحاء بلغاء، و متى كان الأمر كذلك كان الاحتمال المذكور قائما. أجاب العلماء عن الأول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزا و عن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة اللّه أن يظهر ذلك التلبيس و حيث لم يظهر ذلك دل على عدمه و على أنه تعالى قد أجاب عن هذا/السؤال بالأجوبة الشافية الكافية في آخر سورة الشعراء في قوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى‏ََ مَنْ تَنَزَّلُ اَلشَّيََاطِينُ*`تَنَزَّلُ عَلى‏ََ كُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء: 221، 222]و قد شرحنا هذه الأجوبة هناك فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة الآية دالة على أن القرآن مخلوق لأن التحدي بالقديم و هذه المسألة قد ذكرناها أيضا بالاستقصاء في سورة البقرة فلا فائدة في الإعادة ثم قال تعالى:

ـ

407

و هذا الكلام يحتمل وجوها. أحدها: أنه وقع التحدي بكل القرآن كما في هذه الآية، و وقع التحدي أيضا بعشر سور منه كما في قوله تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيََاتٍ [هود: 13]و وقع التحدي بالسورة الواحدة كما في قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23]و وقع التحدي بكلام من سورة واحدة كما في قوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: 34]فقوله: وَ لَقَدْ صَرَّفْنََا لِلنََّاسِ فِي هََذَا اَلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يحتمل أن يكون المراد منه التحدي كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم في جميع هذه المراتب بقوا مصرين على كفرهم. و ثانيها: أن يكون المراد من قوله: وَ لَقَدْ صَرَّفْنََا لِلنََّاسِ فِي هََذَا اَلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أنا أخبرناهم بأن الذين بقوا مصرين على الكفر مثل قوم نوح و عاد و ثمود كيف ابتلاهم بأنواع البلاء و شرحنا هذه الطريقة مرارا و أطوارا ثم إن هؤلاء الأقوام يعني أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان بل بقوا مصرين على الكفر. و ثالثها: أن يكون المراد أنه تعالى ذكر دلائل التوحيد و نفي الشركاء و الأضداد في هذا القرآن مرارا كثيرة، و ذكر شبهات منكري النبوة و المعاد مرارا و أطوارا، و أجاب عنها ثم أردفها بذكر الدلائل القاطعة على صحة النبوة و المعاد، ثم إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها بل بقوا مصرين على الشرك و إنكار النبوة ثم قال تعالى:

يريد[أبى‏]أكثر أهل مكة إِلاََّ كُفُوراً أي جحودا للحق، و ذلك أنهم أنكروا ما لا حاجة إلى إظهاره، فإن قيل كيف جاز: فَأَبى‏ََ أَكْثَرُ اَلنََّاسِ إِلاََّ كُفُوراً و لا يجوز أن يقال ضربت إلا زيدا، قلنا لفظ أبي يفيد النفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا.

في قوله تعالى وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ إلى قوله كِتََاباً نَقْرَؤُهُ المسألة الأولى وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا و ظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلّى اللّه عليه و سلم فحينئذ تم الدليل على كونه نبيا صادقا لأنا نقول إن محمدا ادعى النبوة و ظهر المعجز على وفق دعواه و كل من كان كذلك فهو نبي صادق، فهذا يدل على أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم صادق و ليس من شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات الكثيرة و تواليها لأنا لو فتحنا هذا الباب للزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع و كلما أتى الرسول بمعجز اقترحوا عليه معجزا آخر و لا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين و تغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزا التمسوا من الرسول صلّى اللّه عليه و سلم ستة أنواع من المعجزات القاهرة كما

حكى عن ابن عباس: «أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و هم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها و فجر لنا فيها ينبوعا أي نهرا و عيونا نزرع فيها فقال لا أقدر عليه، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل و عنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا فقال لا أقدر عليه، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا فقال لا أقدر عليه، فقيل له أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك‏

408

فقال لا أستطيع، قالوا فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا

أي قطعا بالعذاب و قوله كما زعمت إشارة إلى قوله: إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ [الإنشقاق: 1]، إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ [الانفطار: 1]

فقال عبد اللّه بن أمية المخزومي و أمه عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لا و الذي يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلما فتصعد فيه و نحن ننظر إليك فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدري أ نؤمن بك أم لا!»

فهذا شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس.

المسألة الثانية: اعلم أنهم اقترحوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنواعا من المعجزات أولها: قولهم/ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً قرأ عاصم و حمزة و الكسائي تفجر بفتح التاء و سكون الفاء و ضم الجيم مخففة و اختاره أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد و الباقون بالتشديد و اختاره أبو عبيدة و لم يختلفوا في الثانية مشددة لأجل الأنهار، لأنها جمع يقال فجرت الماء فجرا و فجرته تفجيرا، فمن ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع و هو و إن كان واحدا فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب منه فيكثر فعله و إن كان الفاعل واحدا و من خفف فلأن الينبوع واحد، و قوله: يَنْبُوعاً ، يعني: عينا ينبع الماء منه، تقول نبع الماء ينبع نبعا و نبوعا و نبعا ذكره الفراء، قال القوم أزل عنا جبال مكة، و فجر لنا الينبوع ليسهل علينا أمر الزراعة و الحراثة. و ثانيها: قولهم: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهََارَ خِلاََلَهََا تَفْجِيراً و التقدير كأنهم قالوا هب أنك لا تفجر هذه الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك. و ثالثها: قولهم: أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمََاءَ كَمََا زَعَمْتَ عَلَيْنََا كِسَفاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر كِسَفاً بفتح السين هاهنا و في سائر القرآن بسكونها، و قرأ نافع و أبو بكر عن عاصم هاهنا، و في الروم بفتح السين، و في باقي القرآن بسكونها، و قرأ حفص في سائر القرآن بالفتح إلا في الروم، و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و الكسائي في الروم بفتح السين، و في سائر القرآن بسكون السين، قال الواحدي رحمه اللّه كِسَفاً ، فيه وجهان من القراءة سكون السين و فتحها، قال أبو زيد يقال: كسفت الثوب أكسفه كسفا إذا قطعته قطعا، و قال الليث: الكسف، قطع العرقوب، و الكسفة: القطعة، و قال الفراء:

سمعت أعرابيا يقول لبزاز: أعطني كسفة: يريد قطعة، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوها، أحدها: قال الفراء أن يكون جمع كسفة مثل: دمنة و دمن و سدرة و سدر. و ثانيها: قال أبو علي: إذا كان المصدر الكسف، فالكسف الشي‏ء المقطوع كما تقول في الطحن و الطبخ السقي، و يؤكد هذا قوله: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمََاءِ سََاقِطاً [الطور: 44]. و ثالثها: قال الزجاج: من قرأ: كِسَفاً كأنه قال أو يسقطها طبقا علينا و اشتقاقه من كسفت الشي‏ء إذا غطيته، و أما فتح السين فهو جمع كسفة مثل قطعة و قطع و سدرة و سدر، و هو نصب على الحال في القراءتين جميعا كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة.

المسألة الثانية: قوله: كَمََا زَعَمْتَ فيه وجوه. الأول: قال عكرمة كما زعمت يا محمد أنك نبي فأسقط السماء علينا. و الثاني: قال آخرون كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. الثالث: يمكن أن يكون المراد ما ذكره اللّه تعالى في هذه السورة في قوله: أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جََانِبَ اَلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حََاصِباً [الإسراء: 68] فقيل اجعل السماء قطعا متفرقة كالحاصب و أسقطها علينا. و رابعها: قولهم: أَوْ تَأْتِيَ بِاللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ قَبِيلاً و في لفظ القبيل وجوه. الأول: القبيل بمعنى المقابل كالعشير بمعنى المعاشر، و هذا القول منهم يدل على‏

409

جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المقابلة و يقرب منه قوله: وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً [الأنعام: 111]. و القول الثاني: ما قاله ابن عباس يريد فوجا/بعد فوج. قال الليث و كل جند من الجن و الإنس قبيل و ذكرنا ذلك في قوله: إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ [الأعراف: 27]. القول الثالث: إن قوله قَبِيلاً معناه هاهنا ضامنا و كفيلا، قال الزجاج: يقال قبلت به أقبل كقولك كفلت به أكفل، و على هذا القول فهو واحد أريد به الجمع كقوله تعالى: وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69]. و القول الرابع: قال أبو علي معناه المعاينة و الدليل عليه قوله تعالى: لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْنَا اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ نَرى‏ََ رَبَّنََا [الفرقان: 21]. و خامسها: قولهم: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد اللّه: أو يكون لك بيت من ذهب قال الزجاج: الزخرف الزينة يدل عليه قوله تعالى: حَتََّى إِذََا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهََا وَ اِزَّيَّنَتْ [يونس: 24]أي أخذت كمال زينتها و لا شي‏ء في تحسين البيت و تزيينه كالذهب. و سادسها: قولهم: أَوْ تَرْقى‏ََ فِي اَلسَّمََاءِ قال الفراء: يقال رقيت و أنا أرقى رقي و رقيا و أنشد:

أنت الذي كلفتني رقي الدرج # على الكلال و المشيب و العرج‏

و قوله: فِي اَلسَّمََاءِ أي في معارج السماء فحذف المضاف، يقال رقي السلم و رقي في الدرجة ثم قالوا:

وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ أي لن نؤمن لأجل رقيك. حَتََّى تُنَزِّلَ عَلَيْنََا كِتََاباً من السماء فيه تصديقك قال عبد اللّه بن أمية: لن نؤمن حتى تضع على السماء سلما ثم ترقى فيه و أنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول. و لما حكى اللّه تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم: قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً و فيه مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله: [الإسراء: 90-93] قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي و كل ذلك كلام القوم و إنا لا نجد بين تلك الكلمات و بين سائر آيات القرآن تفاوتا في النظم فصح بهذا صحة ما قاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا. و الجواب: أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة و البلاغة فزال هذا السؤال.

البحث الثاني: هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجي‏ء و الذهاب على اللّه محال لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغي، و قوله سُبْحََانَ رَبِّي تنزيه للّه تعالى عن شي‏ء لا يليق به أو نسب إليه مما تقدم ذكره و ليس فيما تقدم ذكره شي‏ء لا يليق باللّه إلا قولهم أو تَأْتِيَ بِاللََّهِ فدل هذا على أن قوله: سُبْحََانَ رَبِّي تنزيه للّه عن الإتيان و المجي‏ء و ذلك يدل على فساد قول المشبهة في أن اللّه تعالى يجي‏ء و يذهب، فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه اللّه تعالى عن أن يتحكم عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء؟قلنا القوم لم يتحكموا على اللّه، و إنما قالوا للرسول صلّى اللّه عليه و سلم إن كنت نبيا صادقا فاطلب من اللّه أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول و ما تحكموا على اللّه فلا يليق حمل قوله: سُبْحََانَ رَبِّي على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتي باللّه.

البحث الثالث: تقرير هذا الجواب أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء أو طلبتم مني أن أطلب من اللّه تعالى إظهارها على يدي لتدل على كوني رسولا حقا من عند اللّه. و الأول باطل لأني بشر و البشر لا قدرة له على هذه الأشياء و الثاني أيضا باطل لأني قد أتيتكم‏

410

بمعجزة واحدة و هي القرآن و الدلالة على كونها معجزة فطلب هذه المعجزات طلب لما لا حاجة إليه و لا ضرورة فكأن طلبها يجري مجرى التعنت و التحكم و أنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على اللّه فسقط هذا السؤال فثبت أن قوله: قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً جواب كاف في هذا الباب، و حاصل الكلام أنه سبحانه بين بقوله: سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً كونهم على الضلال في الإلهيات، و في النبوات. أما في الإلهيات فيدل على ضلالهم قوله سُبْحََانَ رَبِّي أي سبحانه عن أن يكون له إتيان و مجي‏ء و ذهاب و أما في النبوات فيدل على ضلالهم قوله: هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً و تقريره ما ذكرناه.

اعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة و أجاب عنها حكى عنهم شبهة أخرى و هي أن القوم استبعدوا أن يبعث اللّه إلى الخلق رسولا من البشر بل اعتقدوا أن اللّه تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. الأول: قوله:

وَ مََا مَنَعَ اَلنََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جََاءَهُمُ اَلْهُدى‏ََ* و تقرير هذا الجواب أن بتقدير أن يبعث اللّه ملكا رسولا إلى الخلق فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولا من عند اللّه لأجل قيام المعجز الدال على صدقه و ذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة ذلك الملك في ادعاء رسالة اللّه تعالى فالمراد من قوله تعالى: إِذْ جََاءَهُمُ اَلْهُدى‏ََ هو المعجز فقط فهذا المعجز سواء ظهر على يد الملك أو على يد البشر وجب الإقرار برسالته فثبت أن يكون قولهم بأن الرسول لا بد و أن يكون/من الملائكة تحكما فاسدا و تعنتا باطلا. }الوجه الثاني: من الأجوبة التي ذكرها اللّه في هذه الآية عن هذه الشبهة هو أن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة لأن الجنس إلى الجنس أميل أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر و هو المراد من قوله: لَوْ كََانَ فِي اَلْأَرْضِ مَلاََئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنََا عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ مَلَكاً رَسُولاً . }الوجه الثالث: من الأجوبة المذكورة في هذه الآية قوله: قُلْ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ و تقريره أن اللّه تعالى لما أظهر المعجزة على وفق دعواي كان ذلك شهادة من اللّه تعالى على كوني صادقا و من شهد اللّه على صدقه فهو صادق فبعد ذلك قول القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا لا إنسانا تحكم فاسد لا يلتفت إليه و لما ذكر اللّه تعالى هذه الأجوبة الثلاثة أردفها بما يجري مجرى التهديد و الوعيد فقال: إِنَّهُ كََانَ بِعِبََادِهِ خَبِيراً بَصِيراً يعني يعلم ظواهرهم و بواطنهم و يعلم من قلوبهم أنهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد و حب الرياسة و الاستنكاف من الانقياد للحق.

411

في قوله تعالى وَ مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِ إلى قوله تعالى مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة و أردفها بالوعيد الإجمالي و هو قوله: إِنَّهُ كََانَ بِعِبََادِهِ خَبِيراً بَصِيراً [الإسراء: 96]ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل، أما قوله: مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِهِ فالمقصود تسلية الرسول و هو أن الذين سبق لهم حكم اللّه بالإيمان و الهداية وجب أن يصيروا مؤمنين و من سبق لهم حكم اللّه بالضلال و الجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال و استحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال، و احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى و الضلال و المعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة و تارة على منع الألطاف و تارة على التخلية و عدم التعرض له بالمنع و هذه المباحث قد ذكرناها مرارا فلا فائدة في الإعادة، أما قوله تعالى:

وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا فإن قيل كيف يمكنهم المشي على وجوههم قلنا الجواب من وجهين: الأول: إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنََّارِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ [القمر: 48]. الثاني:

روى أبو هريرة قيل يا رسول اللّه كيف يمشون على وجوههم؟قال: إن الذي/يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم،

قال حكماء الإسلام الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا و لذاتها و ليس لها تعلق بعالم الأبرار و حضرة الإله سبحانه و تعالى فلما كانت وجوه قلوبهم و أرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم، و أما قوله: عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا فاعلم أن واحدا قال لابن عباس رضي اللّه عنه: أليس أنه تعالى يقول: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ [الكهف: 53]و قال: سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً [الفرقان: 12]و قال: دَعَوْا هُنََالِكَ ثُبُوراً [الفرقان: 13]و قال: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجََادِلُ عَنْ نَفْسِهََا [النحل: 111]و قال حكاية عن الكفار: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23]فثبت بهذه الآيات أنهم يرون و يسمعون و يتكلمون فكيف قال هاهنا: عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا أجاب ابن عباس و تلامذته عنه من وجوه. الأول: قال ابن عباس عميا لا يرون شيئا يسرهم صما لا يسمعون شيئا يسرهم بكما لا ينطقون بحجة.

الثاني: قال في رواية عطاء عميا عن النظر إلى ما جعله اللّه لأوليائه بكما عن مخاطبة اللّه و مخاطبة الملائكة المقربين صما عن ثناء اللّه تعالى على أوليائه. الثالث: قال مقاتل إنه حين يقال لهم: اِخْسَؤُا فِيهََا وَ لاََ تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]يصيرون عميا بكما صما، أما قبل ذلك فهم يرون و يسمعون و ينطقون. الرابع:

أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف و لولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم و لا أن يسمعوا إلزام حجة اللّه عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم اللّه عميا و بكما و صما. و الجواب: أن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون و يسمعون و يصيحون، أما قوله تعالى: مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ فظاهر، و أما قوله: كُلَّمََا خَبَتْ زِدْنََاهُمْ سَعِيراً ففيه مباحث:

البحث الأول: قال الواحدي الخبو سكون النار، يقال: خبت النار تخبو إذا سكن لهبها و معنى خبت سكنت و طفئت يقال في مصدره الخبو و أخبأها المخبئ إخباء أي أخمدها ثم قال: زِدْنََاهُمْ سَعِيراً قال ابن قتيبة زدناهم سعيرا أي تلهبا.

البحث الثاني: لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب و قوله: كُلَّمََا خَبَتْ يدل على أن العذاب يخف في ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضي سكون لهب النار، أما لا يدل هذا على أنه يخف العذاب

412

في ذلك الوقت‏ (1) .

البحث الثالث: قوله: كُلَّمََا خَبَتْ زِدْنََاهُمْ سَعِيراً ظاهره يقتضي وجوب أن تكون الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى و إذا كان كذلك كانت الحالة الأولى بالنسبة إلى الحالة الثانية تخفيفا. و الجواب: الزيادة حصلت في الحالة الأولى أخف من حصولها في الحالة الثانية فكان العذاب شديدا و يحتمل أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أوقاته غير مشعور به نعوذ باللّه منه‏}و لما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال: ذََلِكَ جَزََاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا و الباء في قوله: بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا باء السببية و هو حجة لمن يقول العمل علة الجزاء و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات منكري النبوة عاد إلى حكاية شبهة منكري الحشر و النشر ليجيب عنها و تلك الشبهة هي أن الإنسان بعد أن يصير رفاتا و رميما يبعد أن يعود هو بعينه و أجاب اللّه تعالى عنه بأن من قدر على خلق السموات و الأرض لم يبعد أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم و في قوله: قََادِرٌ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ قولان: الأول: المعنى قادر على أن يخلقهم ثانيا فعبر عن خلقهم ثانيا بلفظ المثل كما يقول المتكلمون أن الإعادة مثل الابتداء. القول الثاني: المراد قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحدونه و يقرون بكمال حكمته و قدرته و يتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة و على هذا التفسير فهو كقوله تعالى: وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* [إبراهيم: 19]و قوله: وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [التوبة: 39]قال الواحدي و القول هو الأول لأنه أشبه بما قبله و لما بين اللّه تعالى بالدليل المذكور أن البعث و القيامة أمر ممكن الوجود في نفسه أردفه بأن لوقوعه و دخوله في الوجود وقتا معلوما عند اللّه و هو قوله: وَ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاََ رَيْبَ فِيهِ ثم قال تعالى: فَأَبَى اَلظََّالِمُونَ إِلاََّ كُفُوراً أي بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر و النفور و الجحود.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أن الكفار لما قالوا، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90] طلبوا إجراء الأنهار و العيون في بلدتهم لتكثر أموالهم و تتسع عليهم معيشتهم فبين اللّه تعالى لهم أنهم لو ملكوا خزائن رحمة اللّه لبقوا على بخلهم و شحهم و لما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد و على هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه فهذا هو الكلام في وجه النظم و اللّه أعلم.

____________

(1) مقتضى الكلام أن يقال: لكن لا يدل هذا على أن يخفف العذاب إلخ.

413

المسألة الثانية: قوله: لَوْ أَنْتُمْ فيه بحث يتعلق بالنحو و بحث آخر يتعلق بعلم البيان، أما البحث النحوي: فهو أن كلمة «لو» من شأنها أن تختص بالفعل لأن كلمة «لو» تفيد انتفاء الشي‏ء/لانتفاء غيره و الاسم يدل على الذوات و الفعل هو الذي يدل على الآثار و الأحوال و المنتفى هو الأحوال و الآثار لا الذوات فثبت أن كلمة «لو» مختصة بالأفعال و أنشدوا قول المتلمس:

لو غير أخوالي أرادوا نقيصتي # نصبت لهم فوق العرانين مأتما

و المعنى لو أراد غير أخوالي و أما البحث المتعلق بعلم البيان فهو أن التقديم بالذكر يدل على التخصيص فقوله: أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ دلالة على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة و الشح الكامل.

المسألة الثالثة: خزائن فضل اللّه و رحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير و النعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح و هذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشي‏ء ثم قال تعالى: وَ كََانَ اَلْإِنْسََانُ قَتُوراً أي بخيلا يقال قتر يقتر قترا و أقتر إقتارا و قتر تقتيرا إذا قصر في الانفاق فإن قيل فقد دخل في الإنسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه. الأول: أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجا و المحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة و أن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل.

الثاني: أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء و الحمد و للخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل. الثالث: إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق: و هم الذين قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90].

في الآية مسائل:

في قوله تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسى‏ََ تِسْعَ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ إِذْ جََاءَهُمْ المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذا الكلام أيضا الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك/حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة فقال تعالى إنا آتينا موسى معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها و أعظم فلو حصل في علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا في حق موسى فدل هذا على إنا إنما لم نفعلها في زمانكم لعلمنا أنه لا مصلحة في فعلها.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه الصلاة و السلام.

أحدها: أن اللّه تعالى أزال العقدة من لسانه قيل في التفسير ذهبت العجمة و صار فصيحا. و ثانيها: انقلاب العصا حية. و ثالثها: تلقف الحية حبالهم و عصيهم مع كثرتها. و رابعها: اليد البيضاء. و خمسة أخر و هي الطوفان‏

414

و الجراد و القمل و الضفادع و الدم. و العاشر: شق البحر و هو قوله: وَ إِذْ فَرَقْنََا بِكُمُ اَلْبَحْرَ [البقرة: 50] و الحادي عشر: الحجر و هو قوله: أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ [الأعراف: 160]. الثاني عشر: إظلال الجبل و هو قوله تعالى: وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [الأعراف: 171]. و الثالث عشر: إنزال المن و السلوى عليه و على قومه. و الرابع عشر و الخامس عشر: قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَخَذْنََا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ [الأعراف: 130]. و السادس عشر: الطمس على أموالهم من النحل و الدقيق و الأطعمة و الدراهم و الدنانير، روى أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله: تِسْعَ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ فذكر محمد بن كعب في مسألة التسع حل عقدة اللسان و الطمس فقال عمر بن عبد العزيز هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال: يا غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا فيه بيض مكسور نصفين و جوز مكسور و فول و حمص و عدس كلها حجارة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة و السلام و قال في هذه الآية: وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسى‏ََ تِسْعَ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ و تخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول: أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها و هي العصا و اليد و الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و بقي الاثنان و لكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما و لما لم تكن تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلا عن حجة يقينية لا جرم تركت تلك الروايات، و في تفسير قوله تعالى: تِسْعَ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ أقوال أجودها ما

روى صفوان بن عسال أنه قال: إن يهوديا قال لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات فذهبا إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم و سألاه عنها فقال: هن أن لا تشركوا باللّه شيئا و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تقتلوا و لا تسحروا و لا تأكلوا الربا و لا تقذفوا المحصنة و لا تولوا الفرار يوم الزحف و عليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبب فقام اليهوديان فقبلا يديه و رجليه و قالوا نشهد إنك نبي و لولا نخاف القتل و إلا اتبعناك.

المسألة الثالثة: قوله: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ إِذْ جََاءَهُمْ فيه مباحث:

البحث الأول: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه اعتراض دخل في الكلام و التقدير: و لقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني إسرائيل فاسألهم و على هذا التقدير فليس المطلوب من/سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود و علمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. و الوجه الثاني: أن يكون قوله: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ أي سلهم عن فرعون. و قل له أرسل معي بني إسرائيل. و الوجه الثالث: سل بني إسرائيل أي سلهم أن يوافقوك و التمس منهم الإيمان الصالح. و على هذا التأويل فالتقدير فقلنا له سلهم أن يعاضدوك و تكون قلوبهم و أيديهم معك.

البحث الثاني: أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بأن يسأل بني إسرائيل معناه الذين كانوا موجودين في زمان النبي صلّى اللّه عليه و سلم و الذين جاءهم موسى عليه الصلاة و السلام هم الذين كانوا في زمانه إلا أن الذين كانوا في زمان محمد صلّى اللّه عليه و سلم لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا في زمان موسى حسنت هذه الكناية. ثم أخبر تعالى أن فرعون قال لموسى: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يََا مُوسى‏ََ مَسْحُوراً و في لفظ المسحور وجوه. الأول: قال الفراء: إنه بمعنى الساحر كالمشؤوم و الميمون و ذكرنا هذا في قوله: حِجََاباً مَسْتُوراً [الإسراء: 45]الثاني: أنه مفعول من السحر أي أن الناس سحروك و خبلوك فتقول هذه الكلمات لهذا السبب. الثالث: قال محمد بن جرير الطبري معناه أعطيت علم‏