التفسير الكبير - ج22

- الفخر الرازي‏ المزيد...
196 /
5

الجزء الثاني و العشرون‏

سورة طه‏

و هي مائة و ثلاثون و خمس آيات بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة طه بسم اللََّه الرحمن الرحيم اعلم أن قوله طه فيه مسألتان:

المسألة الاولى: قرأ أبو عمرو بفتح الطاء و كسر الهاء و قرأ أهل المدينة بين الفتح و الكسر و قرأ ابن كثير و ابن عامر بفتح الطاء و الهاء و قرأ حمزة و الكسائي بكسر الطاء و الهاء، قال الزجاج و قرئ طه بفتح الطاء و سكون الهاء و كلها لغات. قال الزجاج من فتح الطاء و الهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح و من كسر الطاء و الهاء فأمال الكسرة لأن الحرف مقصور و المقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسرة.

المسألة الثانية: للمفسرين فيه قولان: أحدهما: أنه من حروف التهجي و الآخر أنه كلمة مفيدة، أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول سورة البقرة و الذي زادوه هاهنا أمور: /أحدها: قال الثعلبي: طا

6

شجرة طوبى و الهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة و النار. و ثانيها:

يحكى عن جعفر الصادق عليه السلام الطاء طهارة أهل البيت و الهاء هدايتهم.

و ثالثها: يا مطمع الشفاعة للأمة و يا هادي الخلق إلى الملة. و رابعها: قال سعيد بن جبير هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. و خامسها: الطاء من الطهارة و الهاء من الهداية كأنه قيل يا طاهرا من الذنوب و يا هاديا إلى علام الغيوب. و سادسها: الطاء طول القراء و الهاء هيبتهم في قلوب الكفار. قال اللََّه تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ [آل عمران: 151]. و سابعها: الطاء تسعة في الحساب و الهاء خمسة تكون أربعة عشر و معناه يا أيها البدر و قد عرفت فيما تقدم أن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها. القول الثاني: قول من قال: إنها كلمة مفيدة و على هذا القول ذكروا وجهين: أحدهما: معناه يا رجل و هو مروي عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و سعيد بن جبير و قتادة و عكرمة و الكلبي رضي اللََّه عنهم ثم قال سعيد بن جبير بلسان النبطية و قال قتادة بلسان السريانية و قال عكرمة بلسان الحبشة و قال الكلبي بلغة عك و أنشد الكلبي لشاعرهم:

إن السفاهة طه في خلائقكم # لا قدس اللََّه أرواح الملاعين‏

و قد تكلم الناس على هذا القول من وجهين: الأول: أنه بمعنى يا رجل في اللغة حمل عليه لكنه لا يجوز إن ثبت على هذا المعنى إلا في لغة العرب إذ القرآن بهذه اللغة نزل فيحتمل أن تكون لغة العرب في هذه اللفظة موافقة لسائر اللغات التي حكيناها، فأما على غير هذا الوجه فلا يحتمل و لا يصح. الثاني: قال صاحب «الكشاف» : إن كان طه في لغة عك بمعنى يا رجل فلعلهم تصرفوا في يا هذا فقلبوا الياء طاء فقالوا: طا و اختصروا في هذا و اقتصروا على ها فقوله طه بمعنى يا هذا و اعترض بعضهم عليه و قالوا: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طا ها. }و ثانيهما: أنه عليه السلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا و كان الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قالوا هياك في أرقت و يجوز أن يكون الأصل من وطئ على ترك الهمزة فيكون أصله طأ يا رجل ثم أثبت الهاء فيها للوقف و الوجهان ذكرهما الزجاج، أما قوله تعالى: مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : إن جعلت طه تعديدا لأسماء الحروف فهذا ابتداء كلام و إن جعلتها اسما للسورة احتمل أن يكون قوله: مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ خبرا عنها و هي في موضع المبتدأ و القرآن ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن و أن يكون جوابا لها و هي قسم.

المسألة الثانية: قرئ مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ .

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب نزول الآية وجوها: أحدها:

قال مقاتل إن أبا جهل و الوليد بن المغيرة و مطعم بن عدي و النضر بن الحارث قالوا لرسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال عليه السلام: «بل بعثت رحمة للعالمين» قالوا: بل أنت تشقى فأنزل اللََّه تعالى/هذه الآية

ردا عليهم و تعريفا لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم بأن دين الإسلام هو السلام و هذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز و السبب في إدراك كل سعادة و ما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. و ثانيها:

أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام:

«أبق على نفسك فإن لها عليك حقا»

أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة و تذيقها المشقة العظيمة و ما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، و

روي أيضا أنه عليه السلام: «كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام»

و قال‏

7

بعضهم كان يقوم على رجل واحدة، و قال بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله: لِتَشْقى‏ََ ذلك، قال القاضي هذا بعيد لأنه عليه السلام إن فعل شيئا من ذلك فلا بد و أن يكون قد فعله بأمر اللََّه تعالى، و إذا فعله بأمره فهو من باب السعادة فلا يجوز أن يقال له: ما أمرناك بذلك. و ثالثها: قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك و لا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به، فمن آمن و أصلح فلنفسه و من كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا البلاغ و هو كقوله تعالى: فَلَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف: 6] الآية، وَ لاََ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس: 65]. و رابعها: أنك لا تلام على كفر قومك كقوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: 22]، وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ* [الأنعام: 107]أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت و لا تؤاخذ بذنبهم. و خامسها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة و في ذلك الوقت كان عليه السلام مقهورا تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبدا بل يعلو أمرك و يظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم بل تصير معظما مكرما. و أما قوله تعالى: إِلاََّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ََ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في كلمة إلا هاهنا قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع بمعنى لكن. و الثاني: التقدير ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة كما يقال ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك.

المسألة الثانية: إنما خص من يخشى بالتذكرة لأنهم المنتفعون بها و إن كان ذلك عاما في الجميع و هو كقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]و قال سبحانه و تعالى: تَبََارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعََالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: 1]و قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ [يس: 6]و قال: وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [مريم: 97]و قال: و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين‏[الذاريات: 55].

المسألة الثالثة: وجه كون القرآن تذكرة أنه عليه السلام كان يعظمهم به و ببيانه فيدخل تحت قوله لمن يخشى الرسول صلى اللََّه عليه و سلم لأنه في الخشية و التذكرة بالقرآن كان فوق الكل. و أما قوله تعالى: تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ اَلْأَرْضَ وَ اَلسَّمََاوََاتِ اَلْعُلى‏ََ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في نصب تنزيلا وجوها. أحدها: تقديره نزل تنزيلا ممن خلق الأرض فنصب تنزيلا بمضمر. و ثانيها: أن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه/تذكرة. و ثالثها: أن ينصب على المدح و الاختصاص. و رابعها: أن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله اللََّه تعالى: تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ََ تنزيل اللََّه و هو معنى حسن و إعراب بين و قرئ تنزيل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.

المسألة الثانية: فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور، أحدها: أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة. و ثانيها: أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة و التمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين. و ثالثها: يجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل عليه السلام و الملائكة النازلين معه.

المسألة الثالثة: أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض و خلق السموات على علوها

8

و إنما قال ذلك لأن تعظيم اللََّه تعالى يظهر بتعظيم خلقه و نعمه و إنما عظم القرآن ترغيبا في تدبره و التأمل في معانيه و حقائقه و ذلك معتاد في الشاهد فإنه تعظم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون المرسل إليه أقرب إلى الامتثال.

المسألة الرابعة: يقال سماء عليا و سموات علا و فائدة وصف السموات بالعلا الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها و بعد مرتقاها أما قوله تعالى: اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ الرحمن مجرورا صفة لمن خلق و الرفع أحسن لأنه إما أن يكون رفعا على المدح و التقدير هو الرحمن و إما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى من خلق فإن قيل الجملة التي هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟قلنا: إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير و إن رفعت جاز أن يكون كذلك و أن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ.

المسألة الثانية: المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش و هذا باطل بالعقل و النقل من وجوه. أحدها: أنه سبحانه و تعالى كان و لا عرش و لا مكان، و لما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنيا عنه فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع اللََّه عرش. و ثانيها: أن الجالس على العرش لا بد و أن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلفا مركبا و كل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف و المركب و ذلك محال. و ثالثها: أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الانتقال و الحركة أو لا يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار محل الحركة و السكون فيكون محدثا لا محالة و إن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزمن بل أسوأ منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه و حدقته أمكنه ذلك و هو غير ممكن على معبودهم. و رابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات و القاذورات و ذلك لا يقوله عاقل، و إن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه/بذلك المكان فيكون محتاجا و هو على اللََّه محال. و خامسها: أن قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شي‏ء إلا في الجلوس و إلا في المقدار و إلا في اللون و صحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته، فلو كان جالسا لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية. و سادسها: قوله تعالى: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمََانِيَةٌ [الحاقة: 17]فإذا كانوا حاملين للعرش و العرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم و معبودهم و ذلك غير معقول لأن الخلق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق و لا يحمله. و سابعها: أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلها فكيف يعلم أن الشمس و القمر ليس بإله لأن طريقنا إلى نفس إلهية الشمس و القمر أنهما موصوفان بالحركة و السكون و ما كان كذلك كان محدثا و لم يكن إلها فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية الشمس و القمر. و ثامنها: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض و بالعكس، فلو كان المعبود مختصا بجهة فتلك الجهة و إن كانت فوقا لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين، و باتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء.

و تاسعها: أجمعت الأمة على أن قوله: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]من المحكمات لا من المتشابهات‏

9

فلو كان مختصا بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركبا منقسما فلا يكون أحدا في الحقيقة فيبطل قوله: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ . و عاشرها: أن الخليل عليه السلام قال: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ [الأنعام: 76]و لو كان المعبود جسما لكان آفلا أبدا غائبا أبدا فكان يندرج تحت قوله: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ فثبت بهذه الدلائل أن الاستقرار على اللََّه تعالى محال و عند هذا للناس فيه قولان، الأول: أنا لا نشتغل بالتأويل بل نقطع بأن اللََّه تعالى منزه عن المكان و الجهة و نترك تأويل الآية و روى الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل أنه أول ثلاثة من الأخبار:

قوله عليه السلام «الحجر الأسود يمين اللََّه في الأرض» ،

و

قوله عليه السلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»

و

قوله عليه السلام: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن»

و اعلم أن هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أنه إن قطع بأن اللََّه تعالى منزه عن المكان و الجهة فقد قطع بأن ليس مراد اللََّه تعالى من الإستواء الجلوس و هذا هو التأويل. و إن لم يقطع بتنزيه اللََّه تعالى عن المكان و الجهة بل بقي شاكا فيه فهو جاهل باللََّه تعالى، اللهم إلا أن يقول أنا قاطع بأنه ليس مراد اللََّه تعالى ما يشعر به ظاهره بل مراده به شي‏ء آخر و لكني لا أعين ذلك المراد خوفا من الخطأ فهذا يكون قريبا، و هو أيضا ضعيف لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في لسان العرب و إذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار و الاستيلاء و قد تعذر حمله على الاستقرار فوجب حمله على الاستيلاء و إلا لزم تعطيل اللفظ و إنه غير جائز. و الثاني: و هو دلالة قاطعة على أنه لا بد من المصير إلى التأويل و هو أن/الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار و دل ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار، فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين، و إما أن نتركهما معا، و إما أن نرجح النقل على العقل، و إما أن نرجح العقل و نؤول النقل. و الأول باطل و إلا لزم أن يكون الشي‏ء الواحد منزها عن المكان و حاصلا في المكان و هو محال. و الثاني: أيضا محال لأنه يلزم رفع النقيضين معا و هو باطل. و الثالث: باطل لأن العقل أصل النقل فإنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع و علمه و قدرته و بعثته للرسل لم يثبت النقل فالقدح في العقل يقتضي القدح في العقل و النقل معا، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل و نشتغل بتأويل النقل و هذا برهان قاطع في المقصود إذا ثبت هذا فنقول قال بعض العلماء المراد من الإستواء الاستيلاء قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق # من غير سيف و دم مهراق‏

فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه. أحدها: أن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز و ذلك في حق اللََّه تعالى محال. و ثانيها: أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه، و كان المستولى عليه موجودا قبل ذلك، و هذا في حق اللََّه تعالى محال، لأن العرش إنما حدث بتخليقه و تكوينه. و ثالثها: الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة. و الجواب: أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، قال صاحب الكشاف لما كان الاستواء على العرش، و هو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على البلد يريدون ملك، و إن لم يقعد على السرير ألبتة، و إنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح و أقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك و نحوه قولك: يد فلان مبسوطة، و يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد و بخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة لأنه لا فرق عندهم بينه و بين قوله جواد،

10

و منه قوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: 64]أي هو بخيل‏ بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ [المائدة: 64]أي هو جواد من غير تصور يد و لا غل و لا بسط، و التفسير بالنعمة و التمحل بالتسمية من ضيق العطن. و أقول: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضا يقولون المراد من قوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 12]الاستغراق في خدمة اللََّه تعالى من غير تصور فعل، و قوله: يََا نََارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاََماً عَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ [ابراهيم: 69]المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار و خطاب ألبتة، و كذا القول في كل ما ورد في كتاب اللََّه تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، و ليت من لم يعرف شيئا لم يخض فيه، فهذا تمام الكلام في هذه الآية، و من أراد الاستقصاء في الآيات و الأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس و باللََّه التوفيق. أما قوله تعالى: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا/بَيْنَهُمََا وَ مََا تَحْتَ اَلثَّرى‏ََ فاعلم أنه سبحانه لم شرح ملكه بقوله: اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ و الملك لا ينتظم إلا بالقدرة و العلم، لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم. أما القدرة فهي هذه الآية و المراد أنه سبحانه مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من ملك و نجم و غيرهما، و مالك لما في الأرض من المعادن و الفلزات‏ (1)

و مالك لما بينهما من الهواء. و مالك لما تحت الثرى، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شي‏ء فكيف يكون اللََّه مالكا له قلنا: الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن يكون تحته شي‏ء و هو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات، أما العلم فقوله تعالى: وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ و فيه قولان، أحدهما: أن قوله: وَ أَخْفى‏ََ بناء المبالغة، و على هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: الجهر، و السر. و الأخفى. فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به، و قد يسر في النفس و إن ظهر البعض، و قد يسر و لا يظهر على ما قال بعضهم. و يحتمل أن يكون المراد بالسر و بالأخفى ما ليس بقول و هذا أظهر فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع و ما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر، و المقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة، و الترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر و الأخفى على ما فيه ثواب أو عقاب، و السر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها، و الأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة، و يحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه و ما وقع في و همه الذي لم يعزم عليه، و يتحمل ما لم يقع في سره بعد فيكون أخفى من السر، و يحتمل أيضا ما سيكون من قبل اللََّه تعالى من الأمور التي لم تظهر، و إن كان الأقرب ما قدمناه مما يدخل تحت الزجر و الترغيب. القول الثاني: أن أخفى فعل يعني أنه يعلم أسرار العباد و أخفى عنهم ما يعلمه و هو كقوله: يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: 255]فإن قيل كيف يطابق الجزاء الشرط؟قلنا معناه إن تجهر بذكر اللََّه تعالى من دعاء أو غيره، فاعلم أنه غني عن جهرك، و إما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله: وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ اَلْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ [الأعراف: 205]و إما تعليما للعباد أن الجهر ليس لاستماع اللََّه تعالى، و إنما هو لغرض آخر، و اعلم أن اللََّه تعالى لذاته عالم و أنه عالم بكل المعلومات في كل الأوقات بعلم واحد و ذلك العلم غير متغير، و ذلك العلم من

____________

(1) في الأصل الأميري: و الفلوات جمع فلاة و هي الخلاء و الفضاء في الأرض كالصحاري لا نبات بها، و هي محرفة عن الفلزات، و هي جواهر الأرض و عناصرها المكونة منها.

11

لوازم ذاته من غير أن يكون موصوفا بالحدوث أو الإمكان و العبد لا يشارك الرب إلا في السدس الأول‏ (1) و هو أصل العلم ثم هذا السدس بينه و بين عباده أيضا نصفان فخمسة دوانيق و نصف جزء من العلم مسلم له و النصف الواحد لجملة عباده، ثم هذا الجزء الواحد مشترك بين الخلائق كلهم من الملائكة الكروبية و الملائكة الروحانية و حملة/العرش و سكان السموات و ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و كذا جميع الأنبياء الذين أولهم آدم و آخرهم محمد صلى اللََّه عليه و سلم و عليهم أجمعين و كذا جميع الخلائق كلهم في علومهم الضرورية و الكسبية و الحرف و الصناعات و جميع الحيوانات في إدراكاتها و شعوراتها و الاهتداء إلى مصالحها في أغذيتها و مضارها و منافعها، و الحاصل لك من ذلك الجزء أقل من الذرة المؤلفة، ثم إنك بتلك الذرة عرفت أسرار إلهيته و صفاته الواجبة و الجائزة و المستحيلة. فإذا كنت بهذه الذرة عرفت هذه الأسرار فكيف يكون علمه بخمس دوانيق و نصف. أفلا يعلم بذلك العلم أسرار عبوديتك؟فهذا تحقيق قوله: وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ بل الحق أن الدينار بتمامه له، لأن الذي علمته فإنما علمته بتعليمه على ما قال: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: 166]و قال: أَ لاََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك: 14]و لهذا مثال و هو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئا، و لا ينتقص ألبتة من ضوئها شي‏ء، فكذا هاهنا فكيف لا يكون عالما بالسر و الأخفى، فإن من تدبيراته في خلق الأشجار و أنواع النبات أنها ليس لها فم و لا سائر آلات الغذاء فلا جرم أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان و منها إلى العروق و منها إلى الأوراق، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب التي بها يمكن ضرب الخيام. و كما أنه لا بد من مد الطنب من كل جانب لتبقى الخيمة واقفة، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة، ثم لو نظرت إلى كل ورقة و ما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب من الورقة ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعا، و هي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم و الروح فتكون مقوية للبدن، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب و الخلاف، و لا حاصل لهما، و أقبحها شجرة التين و العنب، و[لكن‏]انظر إلى منفعتهما، فهذه الأشياء و أشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الأرض.

أما قوله تعالى: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فالكلام فيه على قسمين: الأول: في التوحيد اعلم أن دلائل التوحيد ستأتي إن شاء اللََّه في تفسير قوله تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا [الأنبياء: 22]و إنما ذكره هاهنا ليبين أن الموصوف بالقدرة و بالعلم على الوجه الذي تقدم واحد لا شريك له، و هو الذي يستحق العبادة دون غيره، و لنذكر هاهنا نكتا متعلقة بهذا الباب و هي أبحاث:

البحث الأول: اعلم أن مراتب التوحيد أربع: أحدها: الإقرار باللسان. و الثاني: الاعتقاد بالقلب.

و الثالث: تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة. و الرابع: أن يصير العبد مغمورا في بحر التوحيد بحيث لا يدور في خاطره شي‏ء غير عرفان الأحد الصمد. أما الإقرار باللسان فإن وجد خاليا عن الاعتقاد بالقلب فذلك هو المنافق، و أما الاعتقاد بالقلب إذا وجد خاليا عن الإقرار باللسان ففيه صور. الصورة الأولى: أن من نظر و عرف اللََّه تعالى و كما عرفه مات قبل أن يمضي عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بكلمة الشهادة فقال قوم إنه لا يتم إيمانه و الحق أنه يتم لأنه أدى ما كلف به و عجز عن التلفظ به فلا يبقى مخاطبا، و رأيت في‏[بعض‏]الكتب أن

____________

(1) بنى الفخر الرازي هذه القسمة السداسية من تقسيمه السابق للأشياء إلى ثلاثة أقسام الجهر و السر و الأخفى.

12

ملك الموت/مكتوب على جبهته لا إله إلا اللََّه لكي إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك التذكر عن الذكر. الصورة الثانية: أن من عرف اللََّه و مضى عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بالكلمة و لكنه قصر فيه، قال الشيخ الغزالي: يحتمل أن يقال اللسان ترجمان القلب فإذا حصل المقصود في القلب كان امتناعه من التلفظ جاريا مجرى امتناعه من الصلاة و الزكاة و كيف يكون من أهل النار، و

قد قال عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان»

و قلب هذا الرجل مملوء من الإيمان؟و قال آخرون: الإيمان و الكفر أمور شرعية نحن نعلم أن الممتنع من هذه الكلمة كافر. الصورة الثالثة: من أقر باللسان و اعتقد بالقلب من غير دليل فهو مقلد و الاختلاف في صحة إيمانه مشهور. أما المقام الثالث: و هو إثبات التوحيد بالدليل و البرهان فقد بينا في تفسير قوله تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا [الأنبياء: 22]أنه يمكن إثبات هذا المطلوب بالدلائل العقلية و السمعية و استقصينا القول فيها هناك. أما المقام الرابع: و هو الفناء في بحر التوحيد فقال المحققون: العرفان مبتدأ من تفريق و نقض و ترك و رفض ممكن في جميع صفات هي من صفات الحق للذات المريدة بالصدق منتبه إلى الواحد القهار، ثم وقوف هذه الكلمات محيطة بأقصى نهايات درجات السائرين إلى اللََّه تعالى.

البحث الثاني: في الأخبار الواردة في التهليل، أولها:

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال: «أفضل الذكر لا إله إلا اللََّه، و أفضل الدعاء: أستغفر اللََّه ثم تلا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فاعلم أنه لا إله إلا اللََّه و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات» .

و ثانيها:

قال عليه السلام: «إن اللََّه تعالى خلق ملكا من الملائكة قبل أن خلق السموات و الأرض و هو يقول:

أشهد أن لا إله إلا اللََّه مادا بها صوته لا يقطعها و لا يتنفس فيها و لا يتمها، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور و قامت القيامة تعظيما للََّه عز و جل» .

و ثالثها:

عن أنس بن مالك رضي اللََّه عنه قال: قال عليه السلام: «ما زلت أشفع إلى ربي و يشفعني و أشفع إليه و يشفعني حتى قلت: يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا اللََّه قال يا محمد هذه ليست لك و لا لأحد و عزتي و جلالي لا أدع أحدا في النار قال لا إله إلا اللََّه» .

و ثانيها:

قال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن حم عسق قال: الحاء حكمه و الميم ملكه و العين عظمته و السين سناؤه و القاف قدرته، يقول اللََّه جل ذكره: بحكمي و ملكي و عظمتي و سنائي و قدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا اللََّه محمد رسول اللََّه.

و خامسها: أن‏

عمر قال: قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «من قام في السوق فقال لا إله إلا اللََّه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير، كتب له اللََّه ألف ألف حسنة و محا عنه ألف ألف سيئة و بنى له بيتا في الجنة» .

البحث الثالث: في النكت. أحدها: ينبغي لأهل لا إله إلا اللََّه أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا اللََّه: التصديق و التعظيم و الحلاوة و الحرية، فمن ليس له التصديق فهو/منافق و من ليس له التعظيم فهو مبتدع و من ليس له الحلاوة فهو مراء و من ليس له الحرية فهو فاجر. و ثانيها: قال بعضهم قوله:

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: 24]إنه لا إله إلا اللََّه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]لا إله إلا اللََّه: وَ تَوََاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر: 3]لا إله إلا اللََّه: قُلْ إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ [سبأ: 46]لا إله إلا اللََّه: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: 24]عن قول لا إله إلا اللََّه: بَلْ جََاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ اَلْمُرْسَلِينَ [الصافات: 37]هو لا إله إلا اللََّه: يُثَبِّتُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ‏

13

اَلثََّابِتِ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ [إبراهيم: 27]هو لا إله إلا اللََّه: وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ [إبراهيم: 27] عن قول لا إله إلا اللََّه. و ثالثها:

أن موسى بن عمران عليه السلام قال: «يا رب علمني شيئا أذكرك به، قال: قل لا إله إلا اللََّه قال كل عبادك يقولون لا إله إلا اللََّه!فقال: قل لا إله إلا اللََّه قال إنما أردت شيئا تحصني به!قال يا موسى لو أن السموات السبع و من فيهن في كفة و لا إله إلا اللََّه في كفة لمالت بهن لا إله إلا اللََّه» .

البحث الرابع: في إعرابه قالوا كلمة لا هاهنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، و إذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية. و أما اللََّه فإنه اسم علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملا للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد، فقالوا: لا استحقت عمل أن لمشابهتها لها من وجهين، أحدهما: ملازمة الأسماء، و الآخر تناقضهما فإن أحدهما لتأكيد الثبوت و الآخر لتأكيد النفي، و من عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا: إن زيدا ذاهب كان يجب أن يقولوا لا رجلا ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسما واحدا، و أما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقا بين الدليل الموجب للإعراب و الدليل الموجب للبناء. الثاني: خبره محذوف و الأصل لا إله في الوجود و لا حول و لا قوة لنا و هذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية.

البحث الخامس: قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم هاهنا السلب على الثبوت. و جوابه: أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه. القسم الثاني: من الكلام في الآية البحث عن أسماء اللََّه تعالى و فيه أبحاث:

البحث الأول:

قال عليه السلام: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيها الناس أنا جعلت لكم نسبا و أنتم جعلتم لأنفسكم نسبا، أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم و أنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي و أضع نسبكم، أين المتقون الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون!» ،

و اعلم أن الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقاسم: كامل لا يحتمل النقصان، و ناقص لا يحتمل الكمال، و ثالث يقبل الأمرين، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو اللََّه تعالى و ذلك في حقه بالوجوب الذاتي و بعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم: لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ [التحريم: 6]و من صفاتهم أنهم: عِبََادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26]و من/صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، و أما الناقص الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات و النبات و البهائم، و أما الذي يقبل الأمرين جميعا فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55] و تارة في التسفل بحيث يقال: ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ [التين: 5]و إذا كان كذلك استحال أن يكون الإنسان كاملا لذاته، و ما لا يكون كاملا لذاته استحال أن يصير موصوفا بالكمال إلى أن يصير منتسبا إلى الكامل لذاته.

لكن الانتساب قسمان: قسم يعرض للزوال و قسم لا يكون يعرض للزوال. أما الذي يكون يعرض للزوال، فلا فائدة فيه و مثاله الصحة و المال و الجمال، و أما الذي لا يكون يعرض للزوال فعبوديتك للََّه تعالى فإنه كما يمتنع زوال صفة الإلهية عنه يمتنع زوال صفة العبودية عنك فهذه النسبة لا تقبل الزوال، و المنتسب إليه و هو الحق سبحانه لا يقبل الخروج عن صفة الكمال. ثم إذا كنت من بلد أو منتسبا إلى قبيلة فإنك لا تزال تبالغ في مدح تلك البلدة و القبيلة بسبب ذلك الانتساب العرضي فلأن تشتغل بذكر اللََّه تعالى و نعوت كبريائه بسبب الانتساب

14

الذاتي كان أولى فلهذا قال: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا [الأعراف: 180]و قال: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ .

البحث الثاني: في تقسيم أسماء اللََّه تعالى. اعلم أن اسم كل شي‏ء، إما أن يكون واقعا عليه بحسب ذاته أو بحسب أجزاء ذاته أو بحسب الأمور الخارجة عن ذاته. أما القسم الأول: فقد اختلفوا في أنه هل للََّه تعالى اسم على هذا الوجه و هذه المسألة مبنية على أن حقيقة اللََّه تعالى هل هي معلومة للبشر أم لا؟فمن قال إنها غير معلومة للبشر قال: ليس لذاته المخصوصة اسم، لأن المقصود من الاسم أن يشار به إلى المسمى و إذا كانت الذات المخصوصة غير معلومة امتنعت الإشارة العقلية إليها، فامتنع وضع الاسم لها، و قد تكلمنا في تحقيق ذلك في تفسير اسم اللََّه، و أما الاسم الواقع عليه بحسب أجزاء ذاته فذلك محال لأنه ليس لذاته شي‏ء من الأجزاء لأن كل مركب ممكن و واجب الوجود لا يكون ممكنا فلا يكون مركبا، و أما الاسم الواقع بحسب الصفات الخارجة عن ذاته، فالصفات إما أن تكون ثبوتية حقيقية أو ثبوتية إضافية أو سلبية أو ثبوتية مع إضافية أو ثبوتية مع سلبية أو إضافية مع سلبية أو ثبوتية و إضافية و سلبية و لما كانت الإضافات الممكنة غير متناهية، و كذا السلوب غير متناهية، أمكن أن يكون للباري تعالى أسماء متباينة لا مترادفة غير متناهية. فهذا هو التنبيه على المأخذ.

البحث الثالث: يقال: إن للََّه تعالى أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمها إلا اللََّه تعالى و ألف لا يعلمها إلا اللََّه و الملائكة و ألف لا يعلمها إلا اللََّه و الملائكة و الأنبياء. و أما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونها فثلاثمائة منها في التوراة و ثلاثمائة في الإنجيل و ثلاثمائة في الزبور و مائة في الفرقان تسع و تسعون منها ظاهرة و واحد مكتوم فمن أحصاها دخل الجنة.

البحث الرابع: الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناء و مدحا، كقوله جاعل/و فالق و خالق فإذا قيل: فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ وَ جَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً [الأنعام: 96]صار مدحا، و أما الاسم الذي يكون مدحا فمنه ما إذا قرن بغيره صار أبلغ نحو قولنا: حي فإذا قيل الحي القيوم أو الحي الذي لا يموت كان أبلغ و أيضا قولنا بديع فإنك إذا قلت بديع السموات و الأرض ازداد المدح، و من هذا الباب ما كان اسم مدح و لكن لا يجوز إفراده كقولك: دليل. و كاشف فإذا قيل: يا دليل المتحيرين، و يا كاشف الضر و البلوى جاز، و منه ما يكون اسم مدح مفردا أو مقرونا كقولنا الرحمن الرحيم.

البحث الخامس: من الأسماء ما يكون مقارنتها أحسن كقولك الأول الآخر المبدئ المعيد الظاهر الباطن و مثاله قوله تعالى في حكاية قول المسيح: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ [المائدة: 118]و بقية الأبحاث قد تقدمت في تفسير بسم اللََّه الرحمن الرحيم.

البحث السادس: في النكت‏[أولها]رأى بشر الحافي كاغذا مكتوبا فيه: بسم اللََّه الرحمن الرحيم فرفعه و طيبه بالمسك و بلعه فرأى في النوم قائلا يقول: يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا و الآخرة.

و ثانيها: قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الأعراف: 180]و ليس حسن الأسماء لذواتها لأنها ألفاظ و أصوات بل حسنها لحسن معانيها ثم ليس حسن أسماء اللََّه حسنا يتعلق بالصورة و الخلقة فإن ذلك محال على من ليس بجسم بل حسن يرجع إلى معنى الإحسان مثلا اسم الستار و الغفار و الرحيم إنما كانت حسناء لأنها دالة

15

على معنى الإحسان، و

روي أن حكيما ذهب إليه قبيح و حسن و التمسا الوصية فقال للحسن: أنت حسن و الحسن لا يليق به الفعل القبيح، و قال للآخر أنت قبيح و القبيح إذا فعل الفعل القبيح عظم قبحه.

فنقول: إلهنا أسماؤك حسنة و صفاتك حسنة فلا تظهر لنا من تلك الأسماء الحسنة و الصفات الحسنة إلا الإحسان، إلهنا يكفينا قبح أفعالنا و سيرتنا فلا نضم إليه قبح العقاب و وحشة العذاب. و ثالثها:

قوله عليه السلام: «اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه»

إلهنا حسن الوجه عرضي أما حسن الصفات و الأسماء فذاتي فلا تردنا عن إحسانك خائبين خاسرين. و رابعها: ذكر أن صيادا كان يصيد السمك فصاد سمكة و كان له ابنة فأخذتها ابنته فطرحتها الماء و قالت: إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها، إلهنا تلك الصبية رحمت غفلة هاتيك السمكة و كانت تلقيها مرة أخرى في البحر و نحن قد اصطادتنا وسوسة إبليس و أخرجتنا من بحر رحمتك فارحمنا بفضلك و خلصنا منها و ألقنا في بحار رحمتك مرة أخرى. و خامسها: ذكرت من الأسماء خمسة في الفاتحة، و هي اللََّه و الرب و الرحمن و الرحيم و الملك فذكرت الإلهية و هي إشارة إلى القهارية و العظمة فعلم أن الأرواح لا تطيق ذلك القهر و العلو فذكر بعده أربعة أسماء تدل على اللطف، الرب و هو يدل على التربية و المعتاد أن من ربي أحدا فإنه لا يهمل أمره ثم ذكر الرحمن الرحيم و ذلك هو النهاية في اللطف و الرأفة ثم ختم الأمر بالملك و الملك العظيم لا ينتقم من الضعيف العاجز و لأن عائشة قالت لعلي عليه السلام: «ملكت فأسجح فأنت أولى بأن تعفو عن هؤلاء الضعفاء» . و سادسها:

عن محمد بن كعب القرظي قال موسى عليه السلام: «إلهي أي خلقك أكرم عليك؟قال /الذي لا يزال لسانه رطبا من ذكري، قال: فأي خلقك أعلم؟قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره، قال:

فأي خلقك أعدل؟قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس، قال: فأي خلقك أعظم جرما؟ قال:

الذي يتهمني و هو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له» .

إلهنا إنا لا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل و كل ما تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا. و سابعها: قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد سيعلم الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم يقال: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللََّه؟ثم ينادي مناد أين الحامدون اللََّه على كل حال؟ثم تكون التبعة و الحساب على من بقي إلهنا فنحن حمدناك و أثنينا عليك بمقدار قدرتنا و منتهى طاقتنا فاعف عنا بفضلك و رحمتك. و من أراد الاستقصاء في الأسماء و الصفات فعليه بكتاب لوامع البينات في الأسماء و الصفات و باللََّه التوفيق.

اعلم أنه تعالى لما عظم حال القران و حال الرسول فيما كلفه اتبع ذلك بما يقوي قلب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم من ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام تقوية لقلبه في الإبلاغ كقوله: وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ [هود: 120]و بدأ بموسى عليه السلام لأن المحنة و الفتنة الحاصلة له كانت أعظم ليسلي قلب الرسول صلى اللََّه عليه و سلم بذلك و يصبره على تحمل المكاره فقال: وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ و هاهنا مسائل:

16

المسألة الأولى: قوله: وَ هَلْ أَتََاكَ يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر موسى عليه السلام فقال: وَ هَلْ أَتََاكَ أي لم يأتك إلى الآن و قد أتاك الآن فتنبه له، و هذا قول الكلبي. و يحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك، و هذا قول مقاتل و الضحاك عن ابن عباس.

المسألة الثانية: قوله: وَ هَلْ أَتََاكَ و إن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على اللََّه/تعالى لكن المقصود منه تقرير الجواب في قلبه، و هذه الصيغة أبلغ في ذلك كما يقول المرء لصاحبه هل بلغك خبر كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يرمى إليه، و لو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل النبي عليه السلام لا من قبل اللََّه تعالى.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: إِذْ رَأى‏ََ نََاراً أي هل أتاك حديثه حين رأى نارا قال المفسرون: استأذن موسى عليه السلام شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة و كانت ليلة الجمعة و قد حاد عن الطريق فقدح موسى عليه السلام النار فلم تور المقدحة شيئا، فبينا هو مزاولة ذلك إذ نظر نارا من بعيد عن يسار الطريق. قال السدي: ظن أنها نار من نيران الرعاة و قال آخرون: إنه عليه السلام رآها في شجرة و ليس في لفظ القرآن ما يدل على ذلك، و اختلفوا فقال بعضهم الذي رآه لم يكن نارا بل تخيله نارا و الصحيح أنه رأى نارا ليكون صادقا في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء، قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل و لا تشرب و هي نار الدنيا، و نار تشرب و لا تأكل و هي نار الشجر لقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً [يس: 80]و نار تأكل و تشرب و هي نار المعدة، و نار لا تأكل و لا تشرب و هي نار موسى عليه السلام و قيل أيضا النار على أربعة أقسام: أحدها: نار لها نور بلا حرقة و هي نار موسى عليه السلام.

و ثانيها: حرقة بلا نور و هي نار جهنم. و ثالثها: الحرقة و النور و هي نار الدنيا. و رابعها: لا حرقة و لا نور و هي نار الأشجار، فلما أبصر النار توجه نحوها فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا . فيجوز أن يكون الخطاب للمرأة و ولدها و الخادم الذي معها و يجوز أن يكون للمرأة وحدها و لكن خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع، و أيضا فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة أي تفخيما أي أقيموا في مكانكم: إِنِّي آنَسْتُ نََاراً أي أبصرت، و الإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه و منه إنسان العين فإنه يبين به الشي‏ء و الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم و قيل هو أيضا ما يؤنس به و لما وجد منه الإيناس و كان منتفيا حقيقة لهم أتى بكلمة إني لتوطين أنفسهم و لما كان الإيناس بالقبس و وجود الهدى مترقبين متوقعين بني الأمر فيهما على الرجاء و الطمع فقال: لَعَلِّي آتِيكُمْ و لم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به. و النكتة فيه أن قوما قالوا:

كذب إبراهيم للمصلحة و هو محال لأن موسى عليه السلام قبل نبوته احترز عن الكذب فلم يقل آتيكم و لكن قال لعلي آتيكم و لم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به و القبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما: أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً و الهدى ما يهتدى به و هو اسم مصدر فكأنه قال أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة، و معنى الاستعلاء على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها و لأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها} فَلَمََّا أَتََاهََا أي أتى النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار و شدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها و لا كثرة ماء الشجرة/تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة و رأى نورا عظيما،

قال وهب: فظن موسى عليه‏

17

السلام أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها و هابها ثم لم تزل تطمعه و يطمع فيها ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء. و إذا نور بين السماء و الأرض له شعاع تكل عنه الأبصار فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي يا موسى‏

قال القاضي الذي يروى من أن الزند ما كان يورى فهذا جائز و أما الذي يروى من أن النار كانت تتأخر عنه فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك و إلا فهو ممتنع إلا أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء عليهم السلام و في قوله: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ [طه: 13]دلالة على أن في هذه الحالة أوحى اللََّه إليه و جعله نبيا، و على هذا الوجه يبعد ما ذكروه من تأخر النار عنه و بين فساد ذلك قوله تعالى: فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ و إن كانت تتأخر عنه حالا بعد حال لما صح ذلك و لما بقي لفاء التعقيب فائدة قلنا: القاضي إنما بنى هذا الاعتراض على مذهبه في أن الإرهاص غير جائز و ذلك عندنا باطل فبطل قوله و أما التمسك بفاء التعقيب فقريب لأن تخلل الزمان القليل فيما بين المجي‏ء و النداء لا يقدح في فاء التعقيب.

المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو و ابن كثير (أنى) بالفتح أي نودي أنا ربك و الباقون بالكسر أي نودي فقيل: يا موسى أو لأن النداء ضرب من القول فعومل معاملته.

المسألة الخامسة: قال الأشعري إن اللََّه تعالى أسمعه الكلام القديم الذي ليس بحرف و لا صوت، و أما المعتزلة فإنهم أنكروا وجود ذلك الكلام فقالوا: إنه سبحانه خلق ذلك النداء في جسم من الأجسام كالشجرة أو غيرها لأن النداء كلام اللََّه تعالى و اللََّه قادر عليه و متى شاء فعله، و أما أهل السنة من أهل ما وراء النهر فقد أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى عليه السلام صوت خلقه اللََّه تعالى في الشجرة و احتجوا بالآية على أن المسموع هو الصوت المحدث قالوا: إنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار و المرتب على المحدث محدث فالنداء محدث.

المسألة السادسة: اختلفوا في أن موسى عليه السلام كيف عرف أن المنادي هو اللََّه تعالى فقال أصحابنا:

يجوز أن يخلق اللََّه تعالى له علما ضروريا بذلك و يجوز أن يعرفه بالمعجزة، قالت المعتزلة: أما العلم الضروري فغير جائز لأنه لو حصل العلم الضروري بكون هذا النداء كلام اللََّه تعالى لحصل العلم الضروري بوجود الصانع العالم القادر لاستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة و الذات تكون معلومة بالاستدلال و لو كان وجود الصانع تعالى معلوما له بالضرورة لخرج موسى عن كونه مكلفا لأن حصول العلم الضروري ينافي التكليف، و بالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف فعلمنا أن اللََّه تعالى عرفه ذلك بالمعجز ثم اختلفوا في ذلك المعجز على وجوه. أولها: منهم من قال نعلم قطعا أن اللََّه تعالى عرفه ذلك بواسطة المعجز و لا حاجة بنا إلى أن نعرف ذلك المعجز ما هو. و ثانيها:

يروى أن موسى عليه السلام لما شاهد النور الساطع من الشجرة إلى السماء و سمع تسبيح الملائكة/وضع يديه على عينيه فنودي يا موسى؟فقال: لبيك إني أسمع صوتك و لا أراك فأين أنت؟ قال: أنا معك و أمامك و خلفك و محيط بك و أقرب إليك منك. ثم إن إبليس أخطر بباله هذا الشك و قال: ما يدريك أنك تسمع كلام اللََّه؟فقال: لأني أسمعه من فوقي و من تحتي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي كما أسمعه من قدامي، فعلمت أنه ليس بكلام المخلوقين.

و معنى إطلاقه هذه الجهات أنى أسمعه بجميع أجزائي و أبعاضي حتى كأن كل جارحة مني صارت أذنا. و ثالثها: لعله سمع النداء من جماد كالحصى و غيرها فيكون‏

18

ذلك معجزا. و رابعها: أنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث أن تلك الخضرة ما كانت تطفئ تلك النار و تلك النار ما كانت تضر تلك الخضرة، و هذا لا يقدر عليه أحد إلا اللََّه سبحانه.

المسألة السابعة: قالوا: إن تكرير الضمير في إِنِّي أَنَا رَبُّكَ كان لتوليد الدلالة و إزالة الشبهة.

المسألة الثامنة: ذكروا في قوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ : وجوها. أحدها:

كانتا من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس و لذلك قال عقيبه: إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً و هذا قول علي عليه السلام

و قول مقاتل و الكلبي و الضحاك و قتادة و السدي. و الثاني: إنما أمر بخلعهما لينال قدميه بركة الوادي و هذا قول الحسن و سعيد بن جبير و مجاهد. و ثالثها: أن يحمل ذلك على تعظيم البقعة من أن يطأها إلا حافيا ليكون معظما لها و خاضعا عند سماع كلام ربه، و الدليل عليه أنه تعالى قال عقيبه: إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً و هذا يفيد التعليل فكأنه قال تعالى: اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى. و أما أهل الإشارة فقد ذكروا فيها وجوها: أحدها: أن النعل في النوم يفسر بالزوجة و الولد فقوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إشارة إلى أن لا يلفت خاطره إلى الزوجة و الولد و أن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما. و ثانيها: المراد بخلع النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا و الآخرة كأنه أمره بأن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة اللََّه تعالى و لا يلتفت بخاطره إلى ما سوى اللََّه تعالى و المراد من الوادي المقدس قدس جلال اللََّه تعالى و طهارة عزته يعني أنك لما وصلت إلى بحر المعرفة فلا تلتفت إلى المخلوقات. و ثالثها: أن الإنسان حال الاستدلال على الصانع لا يمكنه أن يتوصل إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول العالم المحسوس محدث أو ممكن و كل ما كان كذلك فله مدبر و مؤثر و صانع و هاتان المقدمتان تشبهان النعلين لأن بهما يتوصل العقل إلى المقصود و يتنقل من النظر في الخلق إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى معرفة الخالق وجب أن لا يبقى ملتفتا إلى تينك المقدمتين لأن بقدر الاشتغال بالغير يبقى محروما عن الاستغراق فيه فكأنه قيل له لا تكن مشتغل القلب و الخاطر بتينك المقدمتين فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر معرفة اللََّه تعالى و لجة ألوهيته.

المسألة التاسعة: استدلت المعتزلة بقوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ على أن كلام اللََّه تعالى ليس بقديم إذ لو كان قديما لكان اللََّه قائلا قبل وجود موسى اخلع نعليك يا موسى و معلوم أن ذلك سفه فإن/الرجل في الدار الخالية إذا قال: يا زيد افعل و يا عمرو لا تفعل مع أن زيدا و عمرا لا يكونان حاضرين بعد ذلك جنونا و سفها فكيف يليق ذلك بالإله سبحانه و تعالى و أجاب أصحابنا عنه من وجهين: الأول: أن كلامه تعالى و إن كان قديما إلا أنه في الأزل لم يكن أمرا و لا نهيا. و الثاني: أنه كان أمرا بمعنى أنه وجد في الأزل شي‏ء لما استمر إلى ما لا يزال صار الشخص به مأمورا من غير وقوع التغير في ذلك الشي‏ء كما أن القدرة تقتضي صحة الفعل ثم إنها كانت موجودة في الأزل من غير هذه الصحة فلما استمرت إلى ما لا يزال حصلت الصحة كذا هاهنا و هذا الكلام فيه غموض و بحث دقيق.

المسألة العاشرة: ليس في الآية دلالة على كراهة الصلاة و الطواف في النعل و الصحيح عدم الكراهة و ذلك لأنا إن عللنا الأمر بخلع النعلين بتعظيم الوادي و تعظيم كلام اللََّه كان الأمر مقصورا على تلك الصورة، و إن عللناه بأن النعلين كانا من جلد حمار ميت فجائز أن يكون قد كان محظورا لبس جلد الحمار الميت و إن كان مدبوغا فإن كان كذلك فهو منسوخ‏

بقوله عليه السلام: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»

و

قد صلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم في نعليه‏

19

ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: «ما لكم خلعتم نعالكم» قالوا: خلعت فخلعنا قال:

«فإن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا»

فلم يكره النبي صلى اللََّه عليه و سلم الصلاة في النعل و أنكر على الخالعين خلعهما و أخبرهم بأنه إنما خلعهما لما فيهما من القذر.

المسألة الحادية عشر: قرئ طوى بالضم و الكسر منصرفا و غير منصرف فمن نونه فهو اسم الوادي و من لم ينونه ترك صرفه لأنه معدول عن طاوي فهو مثل عمر المعدول عن عامر و يجوز أن يكون اسما للبقعة.

المسألة الثانية عشرة: في طوى وجوه: الأول: أنه اسم للوادي و هو قول عكرمة و ابن زيد. و الثاني: معناه مرتين نحو مثنى أي قدس الوادي مرتين أو نودي موسى عليه السلام نداءين يقال ناديته طوى أي مثنى.

و الثالث: طوى أي طيا قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما إنه مر بذلك الوادي ليلا فطواه فكان المعنى بالوادي المقدس الذي طويته طيا أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه و من ذهب إلى هذا قال طوى مصدر خرج عن لفظه كأنه قال: طويته طوى كما يقال هدى يهدي هدي و اللََّه أعلم.

قرأ حمزة: (و إنا اخترناك) و قرأ أبي بن كعب: (و إني اخترتك) و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: معناه اخترتك للرسالة و للكلام الذي خصصتك به، و هذه الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق لأن قوله: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن اللََّه تعالى اختاره له ابتداء لا أنه استحقه على اللََّه تعالى.

المسألة الثانية: قوله: فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ فيه نهاية الهيبة و الجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له و اجعل كل عقلك و خاطرك مصروفا إليه فقوله: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ يفيد نهاية اللطف و الرحمة و قوله: فَاسْتَمِعْ يفيد نهاية الهيبة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء و من الثاني نهاية الخوف.

المسألة الثالثة: قوله: إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاعْبُدْنِي يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع لأن التوحيد من علم الأصول و العبادة من علم الفروع و أيضا الفاء في قوله: فَاعْبُدْنِي تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهيته و هذا هو تحقيق العلماء أن اللََّه هو المستحق للعبادة.

المسألة الرابعة: أنه سبحانه بعد أن أمره بالتوحيد، أولا ثم بالعبادة ثانيا أمره بالصلاة ثالثا احتج أصحابنا بهذه الآية على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز من وجهين: الأول: أنه أمره بالعبادة و لم يذكر كيفية تلك العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكا عن البيان. الثاني: أنه قال: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي و لم يبين كيفية الصلاة قال: القاضي لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد اللََّه تعالى بها شعيبا عليه السلام و غيره من الأنبياء فصار الخطاب متوجها إلى ذلك و يحتمل أنه تعالى بين له في الحال و أن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القدر. و الجواب: أما العذر الأول فإنه لا يتوجه في قوله تعالى: فَاعْبُدْنِي و أيضا فحمل مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم لأن موسى عليه السلام ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب عليه السلام فلو حملنا قوله: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ على ذلك لم يحصل‏

20

من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت الفائدة الزائدة، قوله: لعل اللََّه تعالى بينه في ذلك الموضع و إن لم يحكه في القرآن قلنا لا نشك أن البيان أكثر فائدة من المجمل فلو كان مذكورا لكان أولى بالحكاية.

المسألة الخامسة: في قوله: لِذِكْرِي وجوه: أحدها: لذكري يعني لتذكرني فإن ذكري أن أعبد و يصلي لي.

و ثانيها: لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد. و ثالثها: لأني ذكرتها في الكتب و أمرت بها.

و رابعها: لأن أذكرك بالمدح و الثناء و اجعل لك لسان صدق. و خامسها: لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري.

و سادسها: لإخلاص ذكري و طلب وجهي لا ترائي بها و لا تقصد بها غرضا آخر. و سابعها: لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم كما قال تعالى: لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ [النور: 37]/و ثامنها: لأوقات ذكرى و هي مواقيت الصلاة لقوله تعالى: إِنَّ اَلصَّلاََةَ كََانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتََاباً مَوْقُوتاً [النساء: 103]. و تاسعها: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ حين تذكرها أي أنك إذا نسيت صلاة فاقضها إذا ذكرتها.

روى قتادة عن أنس رضي اللََّه عنهما قال قال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ثم قرأ: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي

قال الخطابي يحتمل هذا الحديث وجهين. أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها و الآخر أنه لا يلزم في نسيانها غرامة و لا كفارة كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر و كما يلزم المحرم إذا ترك شيئا من نسكه فدية من إطعام أو دم. و إنما يصلي ما ترك فقط فإن قيل حق العبارة أن يقول أقم الصلاة لذكرها كما

قال عليه السلام: «فليصلها إذا ذكرها»

قلنا قوله: لِذِكْرِي معناه للذكر الحاصل بخلقي أو بتقدير حذف المضاف أي لذكر صلاتي.

المسألة السادسة: لو فاتته صلوات يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي رحمه اللََّه و لو دخل عليه وقت فريضة و تذكر فائتة نظر إن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة و لو بدأ بصلاة الوقت جاز و إن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة الوقت حتى لا تفوت و لو تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة و يستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها و لا يجب و قال أبو حنيفة رحمه اللََّه يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم و ليلة حتى قال: لو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيقا فلا تبطل حجة أبي حنيفة رحمه اللََّه الآية و الخبر و الأثر و القياس، أما الآية فقوله تعالى:

أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي أي لتذكرها و اللام بمعنى عند كقوله: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ [الإسراء: 78]أي عند دلوكها فمعنى الآية أقم الصلاة المتذكرة عند تذكرها و ذلك يقتضي رعاية الترتيب و أما الخبر

فقوله عليه السلام: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها»

و الفاء للتعقيب و أيضا

روى جابر بن عبد اللََّه قال: «جاء عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنهما إلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش و يقول يا رسول اللََّه ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس قال النبي صلى اللََّه عليه و سلم و أنا و اللََّه ما صليتها بعد قال فنزل إلى البطحاء و صلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها و هذا الحديث مذكور في «الصحيحين»

قالت الحنفية و الاستدلال به من وجهين: أحدهما:

أنه عليه الصلاة و السلام قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»

فلما صلى الفوائت على الولاء وجب علينا ذلك. و الثاني: إن فعل النبي صلى اللََّه عليه و سلم إذ خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة و هذا الفعل خرج‏

21

بيانا لمجمل قوله تعالى: أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ* [النور: 56]و لهذا قلنا إن الفوائت إذا كانت في حد القلة يجب مراعاة الترتيب فيها و إذا دخلت في حد الكثرة يسقط الترتيب و أما الأثر فما

روي عن ابن عمر رضي اللََّه عنهما أنه قال: «من فاتته صلاة فلم يذكرها إلا في صلاة الإمام فليمض في صلاته فإذا قضى صلاته مع الإمام/يصلي ما فاته ثم ليعد التي صلاها مع الإمام» و قد يروى هذا مرفوعا إلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم،

و أما القياس فهو أنهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم و الليلة فأشبهتا صلاتي عرفة و المزدلفة فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم و الليلة كذلك حجة الشافعي رحمه اللََّه أنه‏

روى في حديث أبي قتادة: «أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي صلى اللََّه عليه و سلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها»

و لو كان وقت التذكر معينا للصلاة لما جاز ذلك فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع إذا ثبت هذا فنقول إيجاب قضاء الفوائت و إيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير بين الواجبين فوجب أن يكون المكلف مخيرا في تقديم أيهما شاء و لأنه لو كان الترتيب في الفوائت شرطا لما سقط بالنسيان ألا ترى أنه إذا صلى الظهر و العصر بعرفة في يوم غيم ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال و العصر بعد الزوال فإنه يعيدهما جميعا و لم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان شرطا فيهما فههنا أيضا لو كان شرطا فيهما لما كان يسقط بالنسيان.

في قوله تعالى إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ اعلم أنه تعالى لما خاطب موسى عليه السلام بقوله: فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي [طه: 14]أتبعه بقوله: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا و ما أليق هذا بتأويل من تأول قوله لِذِكْرِي أي لأذكرك بالأمانة و الكرامة فقال عقيب ذلك: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لأنها وقت الإثابة و وقت المجازاة ثم قال: أَكََادُ أُخْفِيهََا و فيه سؤالان:

السؤال الأول: هو أن كاد نفيه إثبات و إثباته نفي بدليل قوله: وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71]أي و فعلوا ذلك فقوله: أَكََادُ أُخْفِيهََا يقتضي أنه ما أخفاها و ذلك باطل لوجهين، أحدهما: قوله: إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ [لقمان: 34]. و الثاني: أن قوله: لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار.

و الجواب: من وجوه، أحدها: أن كاد موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفي و الإثبات فقوله: أَكََادُ أُخْفِيهََا معناه قرب الأمر فيه من الإخفاء و أما أنه هل حصل ذلك الإخفاء أو ما حصل فذلك غير مستفاد من اللفظ بل من قرينة قوله: لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. و ثانيها: أن كاد من اللََّه واجب فمعنى قوله: أَكََادُ أُخْفِيهََا أي أنا أخفيها/عن الخلق كقوله: عَسى‏ََ أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [الإسراء: 51] أي هو قريب قاله الحسن. و ثالثها: قال أبو مسلم: أَكََادُ بمعنى أريد و هو كقوله: كَذََلِكَ كِدْنََا لِيُوسُفَ [يوسف: 76]و من أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك و لا أكاد أي و لا أريد أن أفعله. و رابعها: معناه: أَكََادُ أُخْفِيهََا من نفسي و قيل إنها كذلك في مصحف أبي و في حرف ابن مسعود: أَكََادُ أُخْفِيهََا من نفسي فكيف أعلنها لكم قال القاضي هذا بعيد لأن الإخفاء إنما يصح فيمن يصلح له الإظهار و ذلك مستحيل على اللََّه تعالى لأن كل معلوم معلوم له فالإظهار و الإسرار منه مستحيل، و يمكن أن يجاب عنه بأن ذلك واقع على التقدير يعني لو صح مني إخفاؤه على نفسي لأخفيته عني و الإخفاء و إن كان محالا في نفسه إلا أنه لا يمتنع أن يذكر ذلك على

22

هذا التقدير مبالغة في عدم إطلاع الغير عليه، قال قطرب: هذا على عادة العرب في مخاطبة بعضهم بعضا يقولون: إذا بالغوا في كتمان الشي‏ء كتمته حتى من نفسي فاللََّه تعالى بالغ في إخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله. و خامسها: أَكََادُ صلة في الكلام و المعنى: إن الساعة آتية أخفيها، قال زيد الخيل:

سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # فما إن يكاد قرنه يتنفس‏

و المعنى فما يتنفس قرنه. و سادسها: قال أبو الفتح الموصلي أَكََادُ أُخْفِيهََا تأويله أكاد أظهرها و تلخيص هذا اللفظ أكاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد يأتي بمعنى السلب و النفي كقولك أعجمت الكتاب و أشكلته أي أزلت عجمته و إشكاله و أشكيته أي أزلت شكواه. و سابعها: قرئ أخفيها بفتح الألف أي أكاد أظهرها من خفاه إذا أظهره أي قرب إظهارها كقوله: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ [القمر: 1]قال امرؤ القيس:

فإن تدفنوا الداء لا نخفه # و إن تمنعوا الحرب لا نقعد

أي لا نظهره قال الزجاج و هذه القراءة أبين لأن معنى أكاد أظهرها يفيد أنه قد أخفاها. و ثامنها:

أراد أن الساعة آتية أكاد و انقطع الكلام ثم قال أخفيها ثم رجع الكلام الأول إلى أن الأولى الإخفاء: لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ و هذا الوجه بعيد و اللََّه أعلم. السؤال الثاني: ما الحكمة في إخفاء الساعة و إخفاء وقت الموت؟ الجواب: لأن اللََّه تعالى وعد قبول التوبة فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى قريب من ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية، و إنه لا يجوز. أما قوله: لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما حكم بمجي‏ء يوم القيامة ذكر الدليل عليه و هو أنه لو لا القيامة لما تميز المطيع عن العاصي و المحسن عن المسي‏ء و ذلك غير جائز و هو الذي عناه اللََّه تعالى بقوله: أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ. أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجََّارِ [ص: 28].

المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل لأن الباء للإلصاق فقوله:

بِمََا تَسْعى‏ََ يدل على أن المؤثر في ذلك الجزاء هو ذلك السعي.

المسألة الثالثة: احتجوا بها على أن فعل العبد غير مخلوق للََّه تعالى و ذلك لأن الآية صريحة في إثبات سعي العبد و لو كان الكل مخلوقا للََّه تعالى لم يكن للعبد سعي ألبتة}أما قوله: فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا مَنْ لاََ يُؤْمِنُ بِهََا فالصد المنع و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: في هذين الضميرين وجهان. أحدهما: قال أبو مسلم لا يصدنك عنها أي عن الصلاة التي أمرتك بها من لا يؤمن بها أي بالساعة فالضمير الأول عائد إلى الصلاة و الثاني إلى الساعة و مثل هذا جائز في اللغة فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل خبر حقه. و ثانيهما: قال ابن عباس فلا يصدنك عن الساعة أي عن الإيمان بمجيئها من لا يؤمن بها فالضميران عائدان إلى يوم القيامة. قال القاضي: و هذا أولى لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورين و هاهنا الأقرب هو الساعة و ما قاله أبو مسلم فإنما يصار إليه عند الضرورة و لا ضرورة هاهنا.

المسألة الثانية: الخطاب في قوله: فَلاََ يَصُدَّنَّكَ يحتمل أن يكون مع موسى عليه السلام و أن يكون مع‏

23

محمد صلى اللََّه عليه و سلم و الأقرب أنه مع موسى لأن الكلام أجمع خطاب له و على كلا الوجهين فلا معنى لقول الزجاج إنه ليس بمراد و إنما أريد به غيره و ذلك لأنه ظن أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم لما لم يجز عليه مع النبوة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون مخاطبا بذلك و ليس الأمر كما ظن، لأنه إذا كان مكلفا بأن لا يقبل الكفر بالساعة من أحد و كان قادرا على ذلك جاز أن يخاطب به و يكون المراد هو و غيره، و يحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله:

فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا النهي له عن الميل إليهم و مقاربتهم.

المسألة الثالثة: المقصود نهي موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث و لكن ظاهر اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صد موسى عليه السلام و فيه و جهان، أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب. و الثاني: أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين فذكر المسبب ليدل حمله على السبب كقوله: لا أرينك هاهنا المراد نهيه عن مشاهدته و الكون بحضرته، فكذا هاهنا كأنه قيل: لا تكن رخوا بل كن في الدين شديدا صلبا.

المسألة الرابعة: الآية تدل على أن تعلم علم الأصول واجب لأن قوله: فَلاََ يَصُدَّنَّكَ يرجع معناه إلى صلابته في الدين و تلك الصلابة إن كان المراد بها التقليد لم يتميز المبطل فيه من المحق فلا بد و أن يكون المراد بهذه الصلابة كونه قويا في تقرير الدلائل و إزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم من إزالته عن الدين بل هو يكون متمكنا من إزالة المبطل عن بطلانه.

المسألة الخامسة: قال القاضي قوله: فَلاََ يَصُدَّنَّكَ يدل على أن العباد هم الذين يصدون و لو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصاد دونهم فدل ذلك على بطلان القول بالجبر، و الجواب: المعارضة بمسألة العلم و الداعي و اللََّه أعلم، أما قوله تعالى: وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فالمعنى أن منكر/البعث إنما أنكره اتباعا للهوى لا لدليل و هذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد لأن المقلد متبع للهوى لا الحجة أما قوله: فَتَرْدى‏ََ فهو بمعنى و لا يصدنك فتردى و إن صدوك و قبلت فليس إلا الهلاك بالنار. و اعلم أن المتوغلين في أسرار المعرفة قالوا: المقام مقامان. أحدهما: مقام المحو و الفناء عما سوى اللََّه تعالى. و الثاني: مقام البقاء باللََّه و الأول مقدم على الثاني لأن من أراد أن يكتب شيئا في لوح مشغول بكتابة أخرى فلا سبيل له إليه إلا بإزالة الكتابة الأولى ثم بعد ذلك يمكن إثبات الكتابة الثانية و الحق سبحانه راعى هذا الترتيب الحسن في هذا الباب لأنه قال لموسى عليه السلام أولا: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ و هو إشارة إلى تطهير السر عما سوى اللََّه تعالى ثم بعد ذلك أمره بتحصيل ما يجب تحصيله و أصول هذا الباب ترجع إلى ثلاثة: علم المبدأ و علم الوسط و علم المعاد، فعلم المبدأ هو معرفة الحق سبحانه و تعالى و هو المراد بقوله: إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا [طه: 14]و أما علم الوسط فهو علم العبودية و معناها الأمر الذي يجب أن يشتغل الإنسان به في هذه الحياة الجسمانية و هو المراد بقوله: فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي [طه: 14]ثم في هذا أيضا تعثر لأن قوله: فَاعْبُدْنِي إشارة إلى الأعمال الجسمانية و قوله: لِذِكْرِي إشارة إلى الأعمال الروحانية و العبودية أولها الأعمال الجسمانية و آخرها الأعمال الروحانية و أما علم المعاد فهو قوله: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا ثم إنه تعالى افتتح هذه التكاليف بمحض اللطف و هو قوله: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 12]و اختتمها بمحض القهر و هو قوله: فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا مَنْ لاََ يُؤْمِنُ بِهََا وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَتَرْدى‏ََ تنبيها على أن رحمته سبقت غضبه و إشارة إلى أن العبد لا بد له في العبودية من الرغبة و الرهبة

24

و الرجاء و الخوف، و عند الوقوف على هذه الجملة تعرف أن هذا الترتيب هو النهاية في الحسن و الجودة و أن ذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.

اعلم أن قوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ لفظتان، فقوله: وَ مََا تِلْكَ إشارة إلى العصا، و قوله: بِيَمِينِكَ إشارة إلى اليد، و في هذا نكت، إحداها: أنه سبحانه لما أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزا قاهرا و برهانا باهرا، و نقله من حد الجمادية إلى مقام الكرامة، فإذا صار/الجماد بالنظر الواحد حيوانا، و صار الجسم الكثيف نورانيا لطيفا، ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة و ستين نظرة إلى قلب العبد، فأي عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى سعادة الطاعة و نور المعرفة. و ثانيها: أن بالنظر الواحد صار الجماد ثعبانا يبتلع سحر السحرة، فأي عجب لو صار القلب بمدد النظر الإلهي بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء. و ثالثها: كانت العصا في يمين موسى عليه السلام فبسبب بركة يمينه انقلبت ثعبانا و برهانا، و قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليمين موسى عليه السلام هذه الكرامة و البركة، فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب إصبعي الرحمن من ظلمة المعصية إلى نور العبودية، ثم هاهنا سؤالات: الأول: قوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ سؤال، و السؤال إنما يكون لطلب العلم و هو على اللََّه تعالى محال فما الفائدة فيه. و الجواب فيه فوائد: إحداها: أن من أراد أن يظهر من الشي‏ء الحقير شيئا شريفا فإنه يأخذه و يعرضه على الحاضرين و يقول لهم: هذا ما هو؟فيقولون هذا هو الشي‏ء الفلاني ثم إنه بعد إظهار صفته الفائقة فيه يقول لهم خذا منه كذا و كذا.

فاللََّه تعالى لما أراد أن يظهر من العصا تلك الآيات الشريفة كانقلابها حية، و كضربه البحر حتى انفلق، و في الحجر حتى انفجر منه الماء، عرضه أولا على موسى فكأنه قال له: يا موسى هل تعرف حقيقة هذا الذي بيدك و أنه خشبة لا تضر و لا تنفع، ثم إنه قلبه ثعبانا عظيما، فيكون بهذا الطريق قد نبه العقول على كمال قدرته و نهاية عظمته من حيث إنه أظهر هذه الآيات العظيمة من أهون الأشياء عنده فهذا هو الفائدة من قوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ . و ثانيها: أنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء و أسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه، ثم إنه مزج اللطف بالقهر فلاطفه أولا بقوله: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ ثم قهره بإيراد التكاليف الشاقة عليه و إلزامه علم المبدأ و الوسط و المعاد ثم ختم كل ذلك بالتهديد العظيم، تحير موسى و دهش و كاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ ليعرف موسى عليه السلام أن يمينه هي التي فيها العصا، أو لأنه لما تكلم معه أولا بكلام الإلهية و تحير موسى من الدهشة تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة و الحيرة، و النكتة فيه أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة أراد رب العزة إزالتها فسأله عن العصا و هو لا يقع الغلط فيه. كذلك المؤمن إذا مات و وصل إلى حضرة ذي الجلال فالدهشة

25

تغلبه و الحياء يمنعه عن الكلام فيسألونه عن الأمر الذي لم يغلط فيه في الدنيا و هو التوحيد، فإذا ذكره زالت الدهشة و الوحشة عنه. و ثالثها: أنه تعالى لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه اللََّه تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر، تنبيها على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات النبي الحاضر فلو لا التوفيق و العصمة كيف يمكنهم الوصول إلى معرفة أجل الأشياء و أعظمها. و رابعها:

فائدة هذا السؤال أن يقرر عنده أنه خشبة حتى إذا قلبها ثعبانا لا يخافها. السؤال الثاني: قوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ/يََا مُوسى‏ََ خطاب من اللََّه تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة، و لم يحصل ذلك لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد. الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمدا عليه السلام في قوله: فَأَوْحى‏ََ إِلى‏ََ عَبْدِهِ مََا أَوْحى‏ََ [النجم: 10]إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه اللََّه إلى الخلق، و الذي ذكره مع محمد صلى اللََّه عليه و سلم كان سرا لم يستأهل له أحد من الخلق. و الثاني:

إن كان موسى تكلم معه و هو[تكلم‏]مع موسى فأمة محمد صلى اللََّه عليه و سلم يخاطبون اللََّه في كل يوم مرات على ما

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «المصلي يناجي ربه»

و الرب يتكلم مع آحاد أمة محمد صلى اللََّه عليه و سلم يوم القيامة بالتسليم و التكريم و التكليم في قوله:

سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]. السؤال الثالث: ما إعراب قوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ الجواب، قال صاحب «الكشاف» : (تلك بيمينك) كقوله: وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً [هود: 72]في انتصاب الحال بمعنى الإشارة و يجوز أن يكون تلك اسما موصولا و صلته بِيَمِينِكَ قال الزجاج: معناه و ما التي بيمينك، قال الفراء: معناه ما هذه التي في يمينك، }و اعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه السلام بأربعة أشياء، ثلاثة على التفصيل و واحد على الإجمال. الأول قوله: هِيَ عَصََايَ قرأ ابن أبي إسحاق: (هي عصي) و مثلها: (يا بشرى) و قرأ الحسن (هي عصاي) بسكون الياء و النكث هاهنا ثلاثة. إحداها: أنه قال: هِيَ عَصََايَ فذكر العصا و من كان قلبه مشغولا بالعصا و منافعها كيف يكون مستغرقا في بحر معرفة الحق و لكن محمدا صلى اللََّه عليه و سلم عرض عليه الجنة و النار فلم يلتفت إلى شي‏ء: مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ وَ مََا طَغى‏ََ [النجم: 17] و لما قيل له امدحنا،

قال: «لا أحصي ثناء عليك»

ثم نسي نفسه و نسي ثناءه‏

فقال: «أنت كما أثنيت على نفسك» .

و ثانيها: لما قال: عَصََايَ قال اللََّه سبحانه و تعالى: أَلْقِهََا ، فلما ألقاها فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ ليعرف أن كل ما سوى اللََّه فالالتفات إليه شاغل و هو كالحية المهلكة لك. و لهذا قال الخليل عليه السلام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ [الشعراء: 77]و

في الحديث: «يجاء يوم القيامة بصاحب المال الذي لم يؤد زكاته و يؤتى بذلك المال على صورة شجاع أقرع» الحديث بتمامه.

و ثالثها: أنه قال هي عصاي فقد تم الجواب، إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض.

الثاني: قوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا و التوكي، و الاتكاء، واحد كالتوقي، و الاتقاء معناه اعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع أو عند الطفرة فجعل موسى عليه السلام نفسه متوكئا على العصا و

قال اللََّه تعالى لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم: «أتكئ على رحمتي»

بقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللََّهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64]و قال: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: 67]فإن قيل: أ ليس قوله: وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ يقتضي كون محمد يتوكأ على المؤمنين؟قلنا قوله: وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ معطوف على الكاف في قوله: حَسْبَكَ اَللََّهُ* و المعنى اللََّه حسبك، و حسب من اتبعك من المؤمنين. الثالث: قوله: وَ أَهُشُّ بِهََا عَلى‏ََ غَنَمِي أي أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمي فتأكله. و قال أهل/اللغة: هش‏

26

على غنمه، يهش بضم الهاء في المستقبل، و هششت الرجل أهش بفتح الهاء في المستقبل، و هش الرغيف يهش بكسر الهاء. قاله ثعلب، و قرأ عكرمة: (و أهس) بالسين غير المنقوطة، و الهش زجر الغنم، و اعلم أن غنمه رعيته فبدأ بمصالح نفسه في قوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا ثم بمصالح رعيته في قوله: وَ أَهُشُّ بِهََا عَلى‏ََ غَنَمِي فكذلك في القيامة يبدأ بنفسه فيقول: نفسي نفسي و محمد صلى اللََّه عليه و سلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمة: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33].

«اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»

فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضا بأمته فيقول: «أمتي أمتي» . و الرابع: قوله: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ أي حوائج و منافع واحدتها مأربة بفتح الراء و ضمها، و حكى ابن الأعرابي و قطرب بكسر الراء أيضا، و الأرب بفتح الراء، و الإربة بكسر الألف و سكون الراء الحاجة، و إنما قال أخرى لأن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى و لو جاءت أخر لكان صوابا كما قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ* [البقرة: 184]ثم هاهنا نكت. إحداها: أنه لما سمع قول اللََّه تعالى: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ عرف أن للََّه فيه أسرارا عظيمة فذكر ما عرف و عبر عن البواقي التي ما عرفها إجمالا لا تفصيلا بقوله: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ . و ثانيها: أن موسى عليه السلام أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة. فقال موسى: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها، لكنك لما سألت عنها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى و من جملتها أنك كلمتني بسببها فوجدت هذا الأمر العظيم الشريف بسببها. و ثالثها: أن موسى عليه السلام أجمل رجاء أن يسأل ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام اللََّه مرة أخرى و يطول أمر المكالمة بسبب ذلك. و رابعها: أنه بسبب اللطف انطلق لسانه ثم غلبته الدهشة فانقطع لسانه و تشوش فكره فأجمل مرة أخرى، ثم قال وهب: كانت ذات شعبتين كالمحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، و إذا حاول كسره لواه بالشعبتين، [و]إذا سار وضعها على عاتقه يعلق فيها أدواته من القوس و الكنانة و الثياب، و إذا كان في البرية ركزها و ألقى كساء عليها فكانت ظلا. و قيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر و تصير شعبتاها دلوا و يصيران شمعتين في الليالي، و إذا ظهر عدو حاربت عنه. و إذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت و أثمرت. و كان يحمل عليها زاده و ماءه و كانت تماشيه و يركزها فينبع الماء فإذا رفعها نصب و كانت تقيه الهوام.

و اعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذه الجوابات أمره اللََّه تعالى بإلقاء العصا فقال: أَلْقِهََا يََا مُوسى‏ََ و فيه نكت، إحداها: أنه عليه السلام لما قال: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ أراد اللََّه أن يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و لا يعرفها و أنها أعظم من سائر مآربه فقال: أَلْقِهََا يََا مُوسى‏ََ*`فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ . و ثانيتها:

كان في رجله شي‏ء و هو النعل و في يده شي‏ء و هو العصا، و الرجل آلة الهرب و اليد آلة الطلب فقال أولا: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 12]إشارة إلى ترك الهرب، ثم قال ألقها يا موسى و هو إشارة إلى ترك الطلب. كأنه سبحانه قال: إنك ما دمت في مقام الهرب و الطلب كنت مشتغلا بنفسك/و طالبا لحظك فلا تكون خالصا لمعرفتي فكن تاركا للهرب و الطلب لتكون خالصا لي. و ثالثتها: أن موسى عليه السلام مع علو درجته، و كمال منقبته لما وصل إلى الحضرة و لم يكن معه إلا النعلان و العصا أمره بالقائهما حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه. و رابعها: أن محمدا صلى اللََّه عليه و سلم كان مجردا عن الكل ما زاغ البصر فلا جرم وجد الكل، لعمرك أما موسى لما بقي معه تلك العصا لا جرم أمره بإلقاء العصا، و اعلم أن الكعبي تمسك به في أن الاستطاعة قبل الفعل فقال: القدرة على إلقاء العصا، إما أن توجد و العصا في يده أو خارجة من يده فإن أتته القدرة و هي في يده فذاك قولنا: وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ* [آل عمران: 182]و إذا

27

أتته و ليست في يده و إنما استطاع أن يلقي من يده ما ليس في يده فذلك محال، }أما قوله: فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت؟الجواب فيه وجوه: أحدها:

أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه و ذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء، و النداء و إن كان مخالفا للعادات إلا أنه لم يكن معجزا لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن فلا جرم قلب اللََّه العصا حية ليصير ذلك دليلا قاهرا و العجب أن موسى عليه السلام قال: أتوكأ عليها فصدقه اللََّه تعالى فيه و جعلها متكأ له بأن جعلها معجزة له. و ثانيها: أن النداء كان إكراما له فقلب العصا حية مزيدا في الكرامة ليكون توالي الخلع و الكرامات سببا لزوال الوحشة عن قلبه. و ثالثها: أنه عرض عليه ليشاهده أولا فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه. و رابعها: أنه كان راعيا فقيرا ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيها على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين. و خامسها: أنه لما قال: هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا إلى قوله: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ فقيل له: أَلْقِهََا فلما ألقاها و صارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له: ادعيت أنها عصاك و أن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها، تنبيها على سر قوله: فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ [الذاريات: 50]و قوله:

قُلِ اَللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام: 91]. السؤال الثاني: قال هاهنا حية و في موضع آخر ثعبان و جان، أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر و الأنثى و الصغير و الكبير، و أما الثعبان و الجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات و الجان الدقيق و فيه وجهان: أحدهما: أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت و تزايد جرمها حتى صارت ثعبانا فأريد بالجان أول حالها و بالثعبان مآلها. و الثاني: أنها كانت في شخص الثعبان و سرعة حركة الجان، و الدليل عليه قوله تعالى: فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ* . السؤال الثالث: كيف كانت صفة الحية. الجواب كان لها عرف كعرف الفرس و كان بين لحييها أربعون ذراعا، و ابتلعت كل ما مرت به من الصخور و الأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها و جوفها، }أما قوله تعالى: قََالَ خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ ففيه سؤالات: السؤال الأول: لما نودي موسى/و خص بتلك الكرامات العظيمة و علم أنه مبعوث من عند اللََّه تعالى إلى الخلق فلم خاف. و الجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط. و أيضا فهذه الأشياء معلومة بدلائل العقول. و عند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه. قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري رحمه اللََّه تعالى و ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة. و ثانيها: قال بعضهم: خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها. و ثالثها: أن مجرد تلك الطاعة لكن قوله: لاََ تَخَفْ لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى: وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ* [الأحزاب: 1]لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله: فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً* [النمل: 10]يدل عليه، و لكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه و بين محمد صلى اللََّه عليه و سلم فإنه عليه السلام أظهر تعلق القلب بالعصا و النفرة عن الثعبان، و أما محمد عليه السلام فما أظهر الرغبة في الجنة و لا النفرة عن النار. السؤال الثاني: متى أخذها، بعد انقلابها عصا أو قبل ذلك. و الجواب:

روي أنه أدخل يده بين أسنانها فانقلبت خشبة

و القرآن يدل عليه أيضا بقوله: سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ و ذلك يقع في الاستقبال، و أيضا فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب العصا حية معجزة فكذلك إدخال يده في فمها من غير ضرر معجزة و انقلابها خشبا معجز آخر فيكون فيه توالي المعجزات فيكون أقوى في الدلالة. السؤال الثالث: كيف أخذه،

28

أ مع الخوف أو بدونه. و الجواب:

روي مع الخوف‏

و لكنه بعيد، لأن بعد توالي الدلائل يبعد ذلك. و إذا علم موسى عليه السلام أنه تعالى عند الأخذ سيعيدها سيرتها الأولى فكيف يستمر خوفه، و قد علم صدق هذا القول و قال بعضهم لما قال له ربه: لاََ تَخَفْ بلغ من ذلك ذهاب خوفه و طمأنينة نفسه إلى أن أدخل يده في فمها و أخذ بلحييها. السؤال الرابع: ما معنى سيرتها الأولى، و الجواب: قال صاحب «الكشاف» : السيرة من السير كالركبة من الركوب يقال: سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب و الطريقة. السؤال الخامس: علام انتصب سيرتها، الجواب فيه وجهان: أحدهما: بنزع الخافض يعني إلى سيرتها. و ثانيهما: أن يكون سنعيدها مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها كانت أولا عصا فصارت حية فسنجعلها عصا كما كانت فنصب سيرتها بفعل مضمر أي تسير سيرتها الأولى يعني سنعيدها سائرة بسيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها و لك فيها المآرب التي عرفتها.

اعلم أن هذا هو المعجزة الثانية و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يقال لك ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه و جناحا الإنسان جنباه و الأصل المستعار منه جناحا الطائر لأنه يجنحهما عند الطيران، و روي عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما إلى جناحك إلى صدرك و الأول أولى لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر لأنه قال: تَخْرُجْ بَيْضََاءَ و لو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله: تَخْرُجْ معنى و اعلم أن معنى ضم اليد إلى الجناح ما قال في آية أخرى: وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [النمل: 12]لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان قد ضم يده إلى جناحه و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: السوء الرداءة و القبح في كل شي‏ء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة و البرص أبغض شي‏ء إلى العرب فكان جديرا بأن يكنى عنه‏

يروى أنه عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه و أدخلها تحت إبطه الأيسر و أخرجها كانت تبرق مثل البرق و قيل مثل الشمس من غير برص ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول بلا نور.

المسألة الثالثة: بيضاء و آية حالان معا و من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول ابيضت من غير سوء و في نصب آية وجه آخر و هو أن يكون بإضمار نحو خذ و دونك و ما أشبه ذلك حذف لدلالة الكلام، و قد تعلق بهذا المحذوف لنريك أي خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك، فإن قيل الكبرى من نعت الآيات فلم لم يقل الكبر؟ قلنا: بل هي نعت الآية و المعنى لنريك الآية الكبرى و لئن سلمنا ذلك فهو كما قدمنا في قوله: مَآرِبُ أُخْرى‏ََ [طه: 18]، و اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [طه: 8].

المسألة الرابعة: قال الحسن: اليد أعظم في الإعجاز من العصا لأنه تعالى: ذكر لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ عقيب ذكر اليد و هذا ضعيف لأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، و أما العصا ففيه تغير اللون و خلق

29

الزيادة في الجسم و خلق الحياة و القدرة و الأعضاء المختلفة و ابتلاع الحجر و الشجر، ثم عاد عصا بعد ذلك.

فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم، }و أما قوله: لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ فقد بينا أنه عائد إلى الكل و أنه غير مختص باليد.

المسألة الخامسة: أنه سبحانه و تعالى لما أظهر له هذه الآية عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون و بين العلة في ذلك و هي أنه طغى، و إنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل لأنه ادعى الإلهية و تكبر و كان متبوعا فكان ذكره أولى.

قال وهب: قال اللََّه تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي و احفظ وصيتي و انطلق برسالتي فإنك بعيني و سمعي و إن معك يدي و بصري و إني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي و أمن مكري و غرته الدنيا حتى جحد حقي و أنكر ربوبيتي، و إني أقسم بعزتي لو لا الحجة و العذر الذي وضعت بيني و بين خلقي لبطشت به بطشة جبار و لكن هان علي و سقط/من عيني فبلغه عني رسالتي و ادعه إلى عبادتي و حذره نقمتي: و قل له قولا لينا لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف و لا يتنفس إلا بعلمي، في كلام طويل، قال فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده» .

اعلم أن اللََّه تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون و كان ذلك تكليفا شاقا فلا جرم سأل ربه أمورا ثمانية، ثم ختمها بما يجري مجرى العلة لسؤال تلك الأشياء.

المطلوب الأول: قوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و اعلم أنه يقال شرحت الكلام أي بينته و شرحت صدره أي وسعته و الأول يقرب منه لأن شرح الكلام لا يحصل إلا ببسطة. و السبب في هذا السؤال ما حكى اللََّه تعالى عنه في موضع آخر و هو قوله: وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي [الشعراء: 13]فسأل اللََّه تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، و قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي فأفهم عنك ما أنزلت علي من الوحي، و قيل: شجعني‏

30

لأجترئ به على مخاطبة فرعون ثم الكلام فيه يتعلق بأمور. أحدها: فائدة الدعاء و شرائطه. و ثانيها:

في أن الإنسان لا يذكر وقت الدعاء من أسماء اللََّه تعالى إلا الرب. و ثالثها: ما معنى شرح الصدر. و رابعها:

بما ذا يكون شرح الصدر. و خامسها: كيف كان شرح الصدر في حق موسى عليه السلام و محمد صلى اللََّه عليه و سلم. و سادسها:

صفة صدر موسى عليه السلام هل كان منشرحا أو لم يكن منشرحا، فإن كان منشرحا كان طلب شرح الصدر تحصيلا للحاصل و هو محال، و إن لم يكن منشرحا فهو باطل من وجهين. الأول: أنه سبحانه بين له فيما تقدم كل ما يتعلق بالأديان من معرفة الربوبية و العبودية و أحوال المعاد و كل ما يتعلق بشرح الصدر في باب الدين فقد حصل، ثم إنه سبحانه تلطف له بقوله: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ [طه: 13]ثم كلمه على سبيل الملاطفة بقوله: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ [طه: 17]ثم أظهر له المعجزات/العظيمة و الكرامات الجسيمة، ثم أعطاه منصب الرسالة بعد أن كان فقيرا و كل ما يتعلق به الإعزاز و الإكرام فقد حصل، و لو أن ذرة من هذه المناصب حصلت لأدون الناس لصار منشرح الصدر فبعد حصولها لكليم اللََّه تعالى يستحيل أن لا يصير منشرح الصدر. و الثاني: أنه لما لم يصر منشرح الصدر بعد هذه الأشياء لم يجز من اللََّه تعالى تفويض النبوة إليه فإن من كان ضيق القلب مشوش الخاطر لا يصلح للقضاء على ما

قال عليه السلام: «لا يقضي القاضي و هو غضبان»

فكيف يصلح للنبوة التي أقل مراتبها القضاء؟فهذا مجموع الأمور التي لا بد من البحث عنها في هذه الآية.

أما الفصل الأول: و هو فائدة الدعاء و شرائطه فقد تقدم في تفسير قوله: رَبَّنََا لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا [البقرة: 286]إلا أنه نذكر منها هاهنا بعض الفوائد المتعلقة بهذا الموضع فنقول: اعلم أن للكمال مراتب و درجات و أعلاها أن يكون كاملا في ذاته مكملا لغيره، أما كونه كاملا في ذاته فكل ما كان كذلك كان كماله من لوازم ذاته، و كل ما كان كذلك كان كاملا في الأزل و لكنه يستحيل أن يكون مكملا في الأزل لأن التكميل عبارة عن جعل الشي‏ء كاملا و ذلك لا يتحقق إلا عند عدم الكمال، فإنه لو كان حاصلا في الأزل لاستحال التأثير فيه، فإن تحصيل الحاصل محال و تكوين الكائن ممتنع فلا جرم أنه سبحانه، و إن كان كاملا في الأزل إلا أنه يصير مكملا فيما لا يزال، فإن قيل: إذا كان التكميل من صفات الكمال فحيث لم يكن مكملا في الأزل فقد كان عاريا عن صفات الكمال فيكون ناقصا و هو محال، قلنا: النقصان إنما يلزم لو كان ذلك ممكنا في الأزل لكنا بينا أن الفعل الأزلي محال فالتكميل الأزلي محال فعدمه لا يكون نقصانا، كما أن قولنا: إنه لا يقدر على تكوين مثل نفسه لا يكون نقصانا لأنه غير ممكن الوجود في نفسه، و كقولنا: إنه لا يعلم عددا مفصلا كحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه، و حركات أهل الجنة غير متناهية فلا يكون له عدد مفصل، فامتنع ذلك لا لقصور في العلم، بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول. إذا ثبت هذا فنقول: إنه سبحانه و تعالى لما قصد إلى التكوين و كان الغرض منه تكميل الناقصين لأن الممكنات قابلة للوجود و صفة الوجود صفة كمال فاقتضت قدرة اللََّه تعالى على التكميل وضع مائدة الكمال للممكنات فأجلس على المائدة بعض المعدومات دون البعض لأسباب. أحدها: أن المعدومات غير متناهية فلو أجلس الكل على مائدة الوجود لدخل ما لا نهاية له في الوجود. و ثانيها: أنه لو أوجد الكل لما بقي بعد ذلك قادرا على الإيجاد لأن إيجاد الموجود محال، فكان ذلك و إن كان كمالا للناقص لكنه يقتضي نقصان الكامل فإنه ينقلب القادر من القدرة إلى العجز.

31

و ثالثها: أنه لو دخل الكل في الوجود لما بقي فيه تمييز فلا يتميز القادر عن الموجب و القدرة كمال و الإيجاب بالطبع نقصان، فلهذه الأسباب أخرج بعض الممكنات إلى الوجود فإن قيل عليه سؤالان: أحدهما: أن الموجودات متناهية و المعدومات غير متناهية و لا نسبة للمتناهي/إلى غير المتناهي، فتكون أيضا الضيافة ضيافة للأقل، و أما الحرمان فإنه عدد لما لا نهاية له، و هذا لا يكون وجودا. الثاني: أن البعض الذي خصه بهذه الضيافة إن كان لاستحقاق حصل فيه دون غيره فذلك الاستحقاق ممن حصل؟و إن كان لا لهذا الاستحقاق كان ذلك عبثا و هو محال كما قيل:

«يعطي و يمنع لا بخلا و لا كرما»

و إنه لا يليق بأكرم الأكرمين. و الجواب عن الكل أن هذه الشبهات إنما تدور في العقول و الخيالات لأن الإنسان يحاول قياس فعله على فعلنا، و ذلك باطل لأنه لا يسأل عما يفعل و هم يسألون. إذا عرفت هذا فهذا الوجود الفائض من نور رحمته على جميع الممكنات هو الضيافة العامة و المائدة الشاملة و هو المراد من قوله:

وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [الأعراف: 156]ثم إن الموجودات انقسمت إلى الجمادات و إلى الحيوانات، و لا شك أن الجماد بالنسبة إلى الحيوان كالعدم بالنسبة إلى الوجود لأن الجماد لا خبر عنده من وجوده فوجوده بالنسبة إليه كالعدم و عدمه كالوجود، و أما الحيوان فهو الذي يميز بين الموجود و المعدوم و يتفاوتان بالنسبة إليه و لأن الجماد بالنسبة إلى الحيوان آلة لأن الحيوانات تستعمل الجمادات في أغراض أنفسها و مصالحها و هي كالعبد المطيع المسخر و الحيوان كالمالك المستولي، فكانت الحيوانية أفضل من الجمادية فكما أن إحسان اللََّه و رحمته اقتضيا وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون البعض كذلك اقتضيا وضع مائدة الحياة لبعض الموجودات دون البعض، فلا جرم جعل بعض الموجودات أحياء دون البعض. و الحياة بالنسبة إلى الجمادية كالنور بالنسبة إلى الظلمة و البصر بالنسبة إلى العمى و الوجود بالنسبة إلى العدم، فعدن ذلك صار بعض الموجودات حيا مدركا للمنافي و الملائم و اللذة و الألم و الخير و الشر، فمن ثم قالت الأحياء عند ذلك: يا رب الأرباب إنا و إن وجدنا خلعة الوجود و خلعة الحياة و شرفتنا بذلك، لكن ازدادت الحاجة لأنا حال العدم و حال الجمادية ما كنا نحتاج إلى الملائم و الموافق و ما كنا نخاف المنافي و المؤذي، و لما حصل الوجود و الحياة احتجنا إلى طلب الملائم و دفع المنافي فإن لم تكن لنا قدرة على الهرب و الطلب و الدفع و الجذب لبقينا كالزمن المقعد على الطريق عرضة للآفات و هدفا لسهام البليات فأعطنا من خزائن رحمتك القدرة و القوة التي بها نتمكن من الطلب تارة و الهرب أخرى، فاقتضت الرحمة التامة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض الموجودات بالحياة و تخصيص بعض المعدومات بالوجود. فقال القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة و القدرة بلا عقل لا تكون إلا لأحد القسمين إما للمجانين المقيدين بالسلاسل و الأغلال، و إما للبهائم المستعملة في حمل الأثقال و كل ذلك من صفات النقصان و أنت قد رقيتنا من حضيض النقصان إلى أوج الكمال فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك و أعز مبدعاتك الذي شرفته بقولك: «بك أهين و بك أثيب و بك أعاقب» حتى تفوز من خزائن رحمتك بالخلع الكاملة و الفضيلة التامة فأعطاهم العقل و بعث في أرواحهم نور/البصيرة و جوهر الهداية فعند هذه الدرجة فازوا بالخلع الأربعة، الوجود و الحياة و القدرة و العقل، فالعقل خاتم الكل و الخاتم يجب أن يكون أفضل ألا ترى أن رسولنا صلى اللََّه عليه و سلم لما كان خاتم النبيين كان أفضل الأنبياء عليهم‏

32

الصلاة و السلام، و الإنسان لما كان خاتم المخلوقات الجسمانية كان أفضلها فكذلك العقل لما كان خاتم الخلع الفائضة من حضرة ذي الجلال كان أفضل الخلع و أكملها، ثم نظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالجفنة المملوءة من الجواهر النفيسة بل كأنها سماء مملوءة من الكواكب الزاهرة و هي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بدائه العقول و صرائح الأذهان، و كما أن الكواكب المركوزة في السموات علامات يهتدى بها في ظلمات البر و البحر، فكذلك الجواهر المركوزة في سماء العقل كواكب زاهرة يهتدي بها السائرون في ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار العالم الروحانية و فسحة السموات و أضوائها. فلما نظر العقل إلى تلك الكواكب الزاهرة و الجواهر الباهرة رأى رقم الحدوث على تلك الجواهر و على جميع تلك الخلع فاستدل بتلك الأرقام على راقم، و بتلك النقوش على ناقش. و عند ذلك عرف أن النقاش بخلاف النقش و الباني بخلاف البناء، فانفتح له من أعلى سماء عالم المحدثات روازن إلى أضواء لوائح عالم القدم و طالع عالم القدم الأزلية و الجلال و كان العقل إنما نظر إلى أضواء عالم الأزلية من ظلمات عالم الحدوث و الإمكان فغلبته دهشة أنوار الأزلية فعميت عيناه فبقي متحيرا فالتجأ بطبعه إلى مفيض الأنوار، فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي فإن البحار عميقة و الظلمات متكاثفة، و في الطريق قطاع من الأعداء الداخلة و الخارجة و شياطين الإنس و الجن كثيرة فإن لم تشرح لي صدري و لم تكن لي عونا في كل الأمور انقطعت، و صارت هذه الخلع سببا لنيل الآفات لا للفوز بالدرجات. فهذا هو المراد من قوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي }ثم قال: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي و ذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال و الأقوال و الحركات و السكنات فما لم يصر العبد مريدا له استحال أن يصير فاعلا له، فهذه الإرادة صفة محدثة و لا بد لها من فاعل و فاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى، و لزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم فيكون في الحقيقة هو الميسر للأمور و هو المتمم لجميع الأشياء و تمام التحقيق أن حدوث الصفة لا بد له من قابل و فاعل فعبر عن استعداد القابل بقوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و عبر عن حصول الفاعل بقوله: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي و فيه التنبيه على أنه سبحانه و تعالى هو الذي يعطي القابل قابليته و الفاعل فاعليته، و لهذا كان السلف رضي اللََّه عنهم يقولون: يا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها.

و مجموع هذين الكلامين كالبرهان القاطع على أن جميع الحوادث في هذا العالم واقعة بقضائه و قدره و حكمته و قدرته. و يمكن أن يقال أيضا: كأن موسى عليه السلام قال: إلهي لا أكتفي بشرح الصدر و لكن أطلب منك تنفيذ الأمر و تحصيل الغرض فلهذا قال: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي أو يقال: إنه سبحانه و تعالى لما أعطاه الخلع الأربع و هي الوجود و الحياة و القدرة و العقل فكأنه قال له يا موسى أعطيتك هذه الخلع الأربع فلا بد في/مقابلتها من خدمات أربع لتقابل كل نعمة بخدمة. فقال موسى عليه السلام: ما تلك الخدمات؟فقال: و أقم الصلاة لذكري فإن فيها أنواعا أربعة من الخدمة، القيام و القراءة و الركوع و السجود فإذا أتيت بالصلاة فقد قابلت كل نعمة بخدمة، ثم إنه تعالى لما أعطاه الخلعة الخامسة و هي خلعة الرسالة قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي حتى أعرف أني بأي خدمة أقابل هذه النعمة فقيل له بأن تجتهد في أداء هذه الرسالة على الوجه المطلوب فقال موسى: يا رب إن هذا لا يتأتى مني مع عجزي و ضعفي و قلة آلاتي و قوة خصمي فاشرح لي صدري و يسر لي أمري. الفصل الثاني: في قوله رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي اعلم أن الدعاء سبب القرب من اللََّه تعالى و إنما اشتغل موسى بهذا الدعاء طلبا للقرب فنفتقر إلى بيان أمرين إلى بيان أن الدعاء سبب القرب ثم إلى بيان أن موسى عليه السلام طلب القرب بهذا الدعاء، أما بيان أن الدعاء سبب القرب فيدل عليه وجوه. الأول: أن اللََّه تعالى ذكر السؤال‏

33

و الجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية و منها فروعية، أما الأصولية فأولها في البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوََاقِيتُ لِلنََّاسِ وَ اَلْحَجِّ [البقرة: 189]. و ثانيها: في بني إسرائيل‏ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85]. و ثالثها: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْجِبََالِ فَقُلْ يَنْسِفُهََا رَبِّي نَسْفاً [طه: 105].

و رابعها: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا* [النازعات: 42]و أما الفروعية فستة منها في البقرة على التوالي: أحدها:

يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلْ مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ [البقرة: 215]و ثانيها: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة: 217]. و ثالثها: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: 219]. و رابعها: وَ يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ [البقرة: 219]. و خامسها: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتََامى‏ََ قُلْ إِصْلاََحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: 220]. و سادسها: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: 222]. و سابعها: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفََالِ قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ [الأنفال: 1]. و ثامنها:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف: 83]. و تاسعها: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: 53]. و عاشرها: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ [النساء: 176].

و الحادية عشر: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: 186]إذا عرفت هذا فنقول جاءت هذه الأسئلة و الأجوبة على صور مختلفة، فالأغلب فيها أنه سبحانه و تعالى لما ذكر السؤال قال لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم قل و في صورة أخرى جاء الجواب بصيغة فقل مع فاء التعقيب و في صورة ثالثة ذكر السؤال و لم يذكر الجواب، و هو قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا* [الأعراف: 187]و في صورة رابعة ذكر الجواب و لم يذكر فيه لفظ قل و لا لفظ فقل و هو قوله تعالى: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ و لا بد لهذه الأشياء من الفائدة فنقول:

أما الأجوبة الواردة بلفظ قل فلا إشكال فيها لأن قوله تعالى قل كالتوقيع المحدد في ثبوت نبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم و كالتشريف المحدد في كونه مخاطبا من اللََّه تعالى بأداء الوحي و التبليغ. و أما الصورة الثانية و هي قوله: فَقُلْ يَنْسِفُهََا رَبِّي نَسْفاً [طه: 105]فالسبب أن قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْجِبََالِ [طه: 105]سؤال إما عن قدمها أو عن وجوب بقائها و هذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين فلا جرم أمر اللََّه تعالى محمدا صلى اللََّه عليه و سلم أن يجيب بلفظ/الفاء المفيد للتعقيب كأنه سبحانه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال و لا تقتصر فإن الشك فيه كفر و لا تمهل هذا الأمر لئلا يقعوا في الشك و الشبهة، ثم كيفية الجواب أنه قال: فَقُلْ يَنْسِفُهََا رَبِّي نَسْفاً و لا شك أن النسف ممكن لأنه ممكن في حق كل جزء من أجزاء الجبل و الحس يدل عليه فوجب أن يكون ممكنا في حق كل الجبل و ذلك يدل على أنه ليس بقديم و لا واجب الوجود لأن القديم لا يجوز عليه التغير و النسف، فإن قيل: إنهم قالوا: أخبرنا عن إلهك أهو ذهب أو فضة أو حديد فقال: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]و لم يقل فقل هو اللََّه أحد مع أن هذه المسألة من المهمات قلنا إنه تعالى لم يحك في هذا الموضع سؤالهم و حرف الفاء من الحروف العاطفة فيستدعي سبق كلام فلما لم يوجد ترك الفاء بخلاف هاهنا فإنه تعالى حكى سؤالهم فحسن عطف الجواب عليه بحرف الفاء. و أما الصورة الثالثة: فإنه تعالى لم يذكر الجواب في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا* فالحكمة فيه أن معرفة وقت الساعة على التعيين مشتملة على المفاسد التي شرحناها فيما سبق فلهذا لم يذكر اللََّه تعالى ذلك الجواب و ذلك يدل على أن من الأسئلة ما لا يجاب عنها. و أما الصورة الرابعة: و هي قوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ و لم يذكر في جوابه قل ففيه وجوه. أحدها: أن ذلك يدل على تعظيم حال الدعاء و أنه من أعظم العبادات فكأنه سبحانه قال: يا عبادي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير الدعاء أما في‏

34

مقام الدعاء فلا واسطة بيني و بينك يدل عليه أن كل قصة وقعت لم تكن معرفتها من المهمات. قال لرسوله صلى اللََّه عليه و سلم:

اذكر لهم تلك القصة كقوله تعالى: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة: 27]. وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا [الأعراف: 175]. وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ مُوسى‏ََ [مريم: 51]، وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ إِسْمََاعِيلَ [مريم: 54]. وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ إِدْرِيسَ [مريم: 56]. وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ [الحجر: 51]، ثم قال في قصة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ [يوسف: 3]و في أصحاب الكهف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف: 13]. و ما ذاك إلا لما في هاتين القصتين من العجائب و الغرائب، و الحاصل كأنه سبحانه و تعالى قال: يا محمد إذا سئلت عن غيري فكن أنت المجيب، و إذا سئلت عني فاسكت أنت حتى أكون أنا القائل. و ثانيها: أن قوله: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي يدل على أن العبد له‏[أن يسأل‏]و قوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ يدل على أن الرب قريب من العبد. و ثالثها: لم يقل فالعبد مني قريب، بل قال أنا منه قريب، و هذا فيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو، هو في مركز العدم و حضيض الفناء، فكيف يكون قريبا، بل القريب هو الحق سبحانه و تعالى فإنه بفضله و إحسانه جعله موجودا و قربه من نفسه فالقرب منه لا من العبد فلهذا قال: فَإِنِّي قَرِيبٌ . و رابعها: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير اللََّه تعالى فإنه لا يكون داعيا للََّه تعالى فإذا فنى عن الكل و صار مستغرقا بمعرفة اللََّه الأحد الحق امتنع أن يبقى في مقام الفناء عن غير اللََّه مع الالتفات إلى غير اللََّه تعالى فلا جرم رفعت الواسطة من البين فما قال: فقل إني قريب بل قال: فَإِنِّي قَرِيبٌ فثبت بما تقرر فضل الدعاء و أنه من أعظم القربات ثم من شأن العبد إذا أراد أن يتحف مولاه أن لا يتحفه إلا بأحسن التحف و الهدايا فلا/جرم أول ما أراد موسى أن يتحف الحضرة الإلهية بتحف الطاعات و العبادات أتحفها بالدعاء فلا جرم قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و الوجه الثاني: في بيان فضل الدعاء

قوله عليه السلام: «الدعاء مخ العبادة»

ثم إن أول شي‏ء أمر اللََّه تعالى به موسى عليه السلام (العبادة) لأن قوله: إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ [طه: 14]إخبار و ليس بأمر إنما الأمر قوله: فَاعْبُدْنِي [طه: 14]فلما كان أول ما أورد على موسى من الأوامر هو الأمر بالعبادة لا جرم أول ما أتحف به موسى عليه السلام حضرة الربوبية من تحف العبادة هو تحفة الدعاء فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و الوجه الثالث: و هو أن الدعاء نوع من أنواع العبادة فكما أنه سبحانه و تعالى أمر بالصلاة و الصوم فكذلك أمر بالدعاء و يدل عليه قوله تعالى: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ [البقرة: 186]. وَ قََالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]. وَ اُدْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً [الأعراف: 56]. اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً [الأعراف: 55]. هُوَ اَلْحَيُّ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ [غافر: 65]. قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ [الإسراء: 110]. وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً [الأعراف: 205]و

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «ادعوا بيا ذا الجلال و الإكرام»

فبهذه الآيات عرفنا أن الدعاء عبادة قال بعض الجهال: الدعاء على خلاف العقل من وجوه: أحدها: أنه علام الغيوب يعلم ما في الأنفس و ما تخفي الصدور، فأي حاجة بنا إلى الدعاء. و ثانيها: أن المطلوب إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء و إن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه. و ثالثها: الدعاء يشبه الأمر و النهي و ذلك من العبد في حق المولى سوء أدب. و رابعها: المطلوب بالدعاء إن كان من المصالح فالحكيم لا يهمله و إن لم يكن من المصالح لم يجز طلبه. و خامسها: فقد جاء أن أعظم مقامات الصديقين الرضا بقضاء اللََّه تعالى. و قد ندب إليه و الدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالالتماس و الطلب. و سادسها:

قال عليه السلام رواية عن اللََّه تعالى: «من شغله ذكري‏

35

عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين»

فدل على أن الأولى ترك الدعاء و الآيات التي ذكرتموها تقتضي وجوب الدعاء. و سابعها: أن إبراهيم عليه السلام لما ترك الدعاء و اكتفى بقوله: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» استحق المدح العظيم فدل على أن الأولى ترك الدعاء. و الجواب عن الأول أنه ليس الغرض من الدعاء الإعلام بل هو نوع تضرع كسائر التضرعات. و عن الثاني: أنه يجري مجرى أن نقول للجائع و العطشان إن كان الشبع معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الأكل و الشرب و إن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه. و عن الثالث: أن الصيغة و إن كانت صيغة الأمر إلا أن صورة التضرع و الخشوع تصرفه عن ذلك. و عن الرابع: يجوز أن يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء. و عن الخامس: أنه إذا دعا إظهارا للتضرع ثم رضي بما قدره اللََّه تعالى فذاك أعظم المقامات و هو الجواب عن البقية إذا ثبت أنه من العبادات، ثم إنه تعالى أمره بالعبادة و بالصلاة أمرا ورد مجملا لا جرم شرع في أجل العبادات و هو الدعاء. الوجه الرابع: في فضل الدعاء أنه سبحانه لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه يغضب إذا لم يسأل فقال: فَلَوْ لاََ إِذْ جََاءَهُمْ بَأْسُنََا تَضَرَّعُوا وَ لََكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ/وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 43]و

قال عليه السلام: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت»

و لكن يجزم فيقول: اللهم اغفر لي فلهذا السر جزم موسى عليه السلام بالدعاء و قال رب اشرح لي صدري. الوجه الخامس: في فضل الدعاء قوله تعالى: وَ قََالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]و فيه كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم اللََّه تفضيلا عظيما فقال في حقهم: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ* [البقرة: 47]و قال أيضا: وَ آتََاكُمْ مََا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ [المائدة: 20]ثم مع هذه الدرجة العظيمة قالوا لموسى عليه السلام: اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ* [البقرة: 68]و أن الحواريين مع جلالتهم في قولهم: نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ* [آل عمران: 52]سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل من السماء ثم إنه سبحانه و تعالى رفع هذه الواسطة في أمتنا فقال مخاطبا لهم من غير واسطة: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و قال: وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 32]فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة و كان موسى عليه السلام قد عرفها لا جرم فقال: «اللهم اجعلني من أمة محمد صلى اللََّه عليه و سلم» فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال:

رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و اعلم أنه تعالى قال: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: 186]ثم إنه تعالى جعل العباد على سبعة أقسام: أحدها: عبد العصمة: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ* [الحجر: 42] و موسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد العصمة: وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41]فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و ثانيها: عبد الصفوة: وَ سَلاََمٌ عَلى‏ََ عِبََادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‏ََ [النمل: 59]و موسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد الصفوة: يََا مُوسى‏ََ إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنََّاسِ بِرِسََالاََتِي وَ بِكَلاََمِي [الأعراف: 144]فلا جرم أراد مزيد الصفوة فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و ثالثها:

عبد البشارة: فَبَشِّرْ عِبََادِ*`اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 17، 18]و كان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك: وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمََا يُوحى‏ََ [طه: 13]فأراد مزيد البشارة فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و رابعها: عبد الكرامة: يََا عِبََادِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ [الزخرف: 68]و موسى عليه السلام كان مخصوصا بذلك: لاََ تَخََافََا إِنَّنِي مَعَكُمََا [طه: 46]فأراد الزيادة عليها فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي .

و خامسها: عبد المغفرة: نَبِّئْ عِبََادِي أَنِّي أَنَا اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ [الحجر: 49]، و كان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك: رب اغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ [ص: 35]فأراد الزيادة فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي .

36

و سادسها: عبد الخدمة: اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ* [البقرة: 21]و موسى عليه السلام كان مخصوصا بذلك:

وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي فطلب الزيادة فيها فقال: اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و سابعها: عبد القربة: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ [البقرة: 186]و موسى عليه السلام كان مخصوصا بالقرب: وَ نََادَيْنََاهُ مِنْ جََانِبِ اَلطُّورِ اَلْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْنََاهُ نَجِيًّا [مريم: 52]فأراد كمال القرب فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي .

الفصل الثالث: في قوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى لما خاطبه بالأشياء الستة[التي‏]أحدها: معرفة التوحيد: إِنَّنِي أَنَا اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا [طه: 14]، و ثانيها: أمره بالعبادة و الصلاة:

فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي [طه: 14]، و ثالثها: معرفة الآخرة: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ* [طه: 15]/و رابعها:

حكمة أفعاله في الدنيا: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ [طه: 17]، و خامسها: عرض المعجزات الباهرة عليه:

لِنُرِيَكَ مِنْ آيََاتِنَا اَلْكُبْرى‏ََ [طه: 23]، و سادسها: إرساله إلى أعظم الناس كفرا و عتوا فكانت هذه التكاليف الشاقة سببا للقهر فأراد موسى عليه السلام جبر هذا القهر بالمعجز فعرفه أن كل من سأله قرب منه فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي فأراد جبر القهر الحاصل من هذه التكاليف بالقرب منه فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي أو يقال خاف شياطين الإنس و الجن فدعا ليصل بسبب الدعاء إلى مقام القرب فيصير مأمونا من غوائل شياطين الجن و الإنس. و ثانيها: أن المراد أنه أراد الذهاب إلى فرعون و قومه فأراد أن يقطع طمع الخلق عن نفسه بالكلية فعرف أن من دعا ربه قربه له و قربه لديه فحينئذ تنقطع الأطماع بالكلية فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي .

و ثالثها: الوجود كالنور و العدم كالظلمة و كل ما سوى اللََّه تعالى فهو عدم محض فكل شي‏ء هالك إلا وجهه فالكل كأنهم في ظلمات العدم و إظلال عالم الأجسام و الإمكان فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي حتى يجلس قلبي في بهي ضوء المعرفة و سادة شرح الصدر و الجالس في الضوء لا يرى من كان جالسا في الظلمة فحين جلس في ضوء شرح الصدر لا يرى أحدا في الوجود فلهذا عقبه بقوله: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي فإن العبد في مقام الاستغراق لا يتفرغ لشي‏ء من المهمات. و رابعها: رب اشرح لي صدري فإن عين العين ضعيفة فأطلع يا إلهي شمس التوفيق حتى أرى كل شي‏ء كما هو، و هذا في معنى‏

قول محمد صلى اللََّه عليه و سلم: «أرنا الأشياء كما هي»

و اعلم أن شرح الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب و الاستماع مقدمة الفهم الحاصل من سماع الكلام فاللََّه تعالى أعطى موسى عليه السلام المقدمة الثانية و هي فاستمع لما يوحى فلا جرم نسج موسى على ذلك المنوال فطلب المقدمة الأخرى فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و لما آل الأمر إلى محمد صلى اللََّه عليه و سلم قيل له: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114]و العلم هو المقصود، فلما كان موسى عليه السلام كالمقدمة لمقدم محمد صلى اللََّه عليه و سلم لا جرم أعطى المقدمة، و لما كان محمد كالمقصود لا جرم أعطى المقصود فسبحانه ما أدق حكمته في كل شي‏ء. و سادسها:

الداعي له صفتان: إحداهما: أن يكون عبدا للرب: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: 186].

و ثانيتهما: أن يكون الرب له: وَ قََالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]أضاف نفسه إلينا و ما أضافنا إلى نفسه و المشتغل بالدعاء قد صار كاملا من هذين الوجهين فأراد موسى عليه السلام أن يرتع في هذا البستان فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و سابعها: أن موسى عليه السلام شرفه اللََّه تعالى بقوله: وَ قَرَّبْنََاهُ نَجِيًّا [مريم: 52]فكأن موسى عليه السلام قال إلهي لما قلت: وَ قَرَّبْنََاهُ نَجِيًّا صرت قريبا منك و لكن أريد قربك

37

مني فقال يا موسى أما سمعت قولي: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ فأشتغل بالدعاء حتى أصير قريبا منك فعند ذلك: قََالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و ثامنها: قال موسى عليه السلام: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و قال لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1]ثم إنه تعالى ما تركه على هذه الحالة بل قال:

وَ سِرََاجاً مُنِيراً [الأحزاب: 46]فانظر إلى التفاوت فإن شرح الصدر هو أن يصير الصدر/قابلا للنور و السراج المنير هو أن يعطي النور فالتفاوت بين موسى عليه السلام و محمد صلى اللََّه عليه و سلم كالتفاوت بين الآخذ و المعطي ثم نقول إلهنا إن ديننا و هي كلمة لا إله إلا اللََّه نور، و الوضوء نور، و الصلاة نور، و القبر نور، و الجنة نور، فبحق أنوارك التي أعطيتنا في الدنيا لا تحرمنا أنوار فضلك و إحسانك يوم القيامة.

الفصل الرابع: في قوله:

رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي

سئل رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم عن شرح الصدر فقال: نور يقذف في القلب، فقيل: و ما أمارته فقال: التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل النزول،

و يدل على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله تعالى: أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ فَهُوَ عَلى‏ََ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: 22]و اعلم أن اللََّه تعالى ذكر عشرة أشياء و وصفها بالنور، أحدها: وصف ذاته بالنور: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النور: 35]. و ثانيها: الرسول: قَدْ جََاءَكُمْ مِنَ اَللََّهِ نُورٌ وَ كِتََابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15]. و ثالثها: القرآن:

وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الأعراف: 157]. و رابعها: الإيمان: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ [التوبة: 32]. و خامسها: عدل اللََّه: وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهََا [الزمر: 69]. و سادسها: ضياء القمر:

وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح: 16]، و سابعها: النهار: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]. و ثامنها:

البينات: إِنََّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرََاةَ فِيهََا هُدىً وَ نُورٌ [المائدة: 44]. و تاسعها: الأنبياء: نُورٌ عَلى‏ََ نُورٍ [النور: 35]. و عاشرها: المعرفة: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ فِيهََا مِصْبََاحٌ [النور: 35]إذا ثبت هذا فنقول كأن موسى عليه السلام قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي بمعرفة أنوار جلالك و كبريائك. و ثانيها: رب اشرح لي صدري، بالتخلق بأخلاق رسلك و أنبيائك. و ثالثها: رب اشرح لي صدري، باتباع وحيك و امتثال أمرك و نهيك. و رابعها: رب اشرح لي صدري، بنور الإيمان و الإيقان بإلهيتك. و خامسها: رب اشرح صدري بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك و حكمك. و سادسها: رب اشرح لي صدري بالانتقال من نور شمسك و قمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام حيث انتقل من الكوكب و القمر و الشمس إلى حضرة العزة. و سابعها: رب اشرح لي صدري من مطالعة نهارك و ليلك إلى مطالعة نهار فضلك و ليل عدلك. و ثامنها:

رب اشرح لي صدري بالاطلاع على مجامع آياتك و معاقد بيناتك في أرضك و سمواتك. و تاسعها: رب اشرح لي صدري في أن أكون خلف صور الأنبياء المتقدمين و متشبها بهم في الانقياد لحكم رب العالمين. و عاشرها:

رب اشرح لي صدري بأن تجعل سراج الإيمان في قلبي كالمشكاة التي فيها المصباح، و اعلم أن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج و ذلك النور كالنار، و معلوم أن من أراد أن يستوقد سراجا احتاج إلى سبعة أشياء: زند و حجر و حراق و كبريت و مسرجة و فتيلة و دهن. فالعبد إذا طلب النور الذي هو شرح الصدر افتقر إلى هذه السبعة. فأولها: لا بد من زند المجاهدة: وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا [العنكبوت: 69]. و ثانيها: حجر التضرع: اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً [الأعراف: 55]. و ثالثها: حراق منع الهوى: وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ [النازعات: 40]. و رابعها: كبريت الإنابة: وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ [الزمر: 54]ملطخا رؤوس تلك/الخشبات بكبريت توبوا إلى اللََّه. و خامسها: مسرجة الصبر: وَ اِسْتَعِينُوا

38

بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ [البقرة: 45]. و سادسها: فتيلة الشكر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7]. و سابعها:

دهن الرضا: وَ اِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور: 48]أي ارض بقضاء ربك فإذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته: مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاََ مُمْسِكَ لَهََا [فاطر: 2]ثم اطلبها بالخشوع و الخضوع: وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوََاتُ لِلرَّحْمََنِ فَلاََ تَسْمَعُ إِلاََّ هَمْساً [طه: 108] فعند ذلك ترفع يد التضرع و تقول: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي فهنالك تسمع؛ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ [طه: 36]ثم نقول هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه: أحدها:

الشمس تحجبها غمامة و شمس المعرفة لا يحجبها السموات السبع: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10].

و ثانيها: الشمس تغيب ليلا و تعود نهارا قال إبراهيم عليه السلام: لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ [الأنعام: 76]أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلا: إِنَّ نََاشِئَةَ اَللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً [المزمل: 6] وَ اَلْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحََارِ [آل عمران: 17]بل أكمل الخلع الروحانية تحصل في الليل: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء: 1].

و ثالثها: الشمس تفنى: إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: 1]و شمس المعرفة لا تفنى: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]. و رابعها: الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما هاهنا فشمس المعرفة و هي معرفة أشهد أن لا إله إلا اللََّه ما لم يقابلها قمر أشهد أن محمدا رسول اللََّه لم يصل نوره إلى عالم الجوارح. و خامسها: الشمس تسود الوجوه و المعرفة تبيضها: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106]. و سادسها: الشمس تحرق و المعرفة تنجي من الحرق، جزيا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي. و سابعها: الشمس تصدع و المعرفة تصعد: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10]. و ثامنها: الشمس منفعتها في الدنيا و المعرفة منفعتها في العقبى: وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ* [الكهف: 46]. و تاسعها: الشمس في السماء زينة لأهل الأرض و المعرفة في الأرض زينة لأهل السماء. و عاشرها: الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى و ذلك يدل على الحسد مع التكبر، و المعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، و ذلك يدل على التواضع مع الشرف.

و حادي عشرها: الشمس تعرف أحوال الخلق و بالمعرفة يصل القلب إلى الخالق. و ثاني عشرها: الشمس تقع على الولي و العدو و المعرفة لا تحصل إلا للولي فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لا جرم قال موسى: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و أما النكت: فإحداها: الشمس سراج استوقدها اللََّه تعالى للفناء: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ [الرحمن: 26]و المعرفة استوقدها للبقاء فالذي خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق:

شِهََاباً رَصَداً [الجن: 9]و المعرفة التي خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي .

و ثانيتها: استوقد اللََّه الشمس في السماء و إنها تزيل الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك، و أوقد شمس المعرفة في قلبك أفلا تزيل ظلمة المعصية و الكفر عن قلبك مع قربها منك. و ثالثتها: من استوقد سراجا فإنه لا يزال يتعهده و يمده و اللََّه تعالى هو الموقد لسراج المعرفة: وَ لََكِنَّ اَللََّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ [الحجرات: 7]أفلا يمده و هو معنى قوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . و رابعتها: اللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه و اللََّه قد أوقد سراج المعرفة في/قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي .

و خامستها: المجوس أوقدوا نارا فلا يريدون إطفاءها و الملك القدوس أوقد سراج الإيمان في قلبك فكيف يرضى بإطفائه، و اعلم أنه سبحانه و تعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات، أحدها: الحياة: أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ [الأنعام: 122]فلما رغب موسى عليه السلام في الحياة الروحانية قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي ثم‏

39

النكتة

أنه عليه السلام قال من أحيا أرضا ميتة فهي له‏

فالعبد لما أحيا أرضا فهي له فالرب لما خلق القلب و أحياه بنور الإيمان فكيف يجوز أن يكون لغيره فيه نصيب: قُلِ اَللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام: 91]و كما أن الإيمان حياة القلب فالكفر موته: أَمْوََاتٌ غَيْرُ أَحْيََاءٍ وَ مََا يَشْعُرُونَ [النحل: 21]. و ثانيها: الشفاء: وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة: 14]فلما رغب موسى في الشفاء رفع الأيدي قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و النكتة أنه تعالى لما جعل الشفاء في العسل بقي شفاء أبدا فههنا لما وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى شفاء أبدا.

و ثالثها: الطهارة: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ََ [الحجرات: 3]فلما رغب موسى عليه السلام في تحصيل طهارة التقوى قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و النكتة أن الصائغ إذا امتحن الذهب مرة فبعد ذلك لا يدخله في النار فههنا لما امتحن اللََّه قلب المؤمن فكيف يدخله النار ثانيا و لكن اللََّه يدخل في النار قلب الكافر:

لِيَمِيزَ اَللََّهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ [الأنفال: 37]. و رابعها: الهداية و من يؤمن باللََّه يهد قلبه فرغب موسى عليه السلام في طلب زوائد الهداية فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و النكتة أن الرسول يهدي نفسك و القرآن يهدي روحك و المولى يهدي قلبك فلما كانت الهداية من الكفر من محمد صلى اللََّه عليه و سلم لا جرم تارة تحصل و أخرى لا تحصل:

إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ [القصص: 56]و هداية الروح لما كانت من القرآن فتارة تحصل و أخرى لا تحصل: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة: 26]أما هداية القلب فلما كانت من اللََّه تعالى فإنها لا تزول لأن الهادي لا يزول: وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: 25]. و خامسها:

الكتابة: أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ [المجادلة: 22]فلما رغب موسى عليه السلام في تلك الكتابة قال:

رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و فيه نكت: الأولى: أن الكاغدة ليس لها خطر عظيم و إذا كتب فيها القرآن لم يجز إحراقها فقلب المؤمن كتب فيه جميع أحكام ذات اللََّه تعالى و صفاته فكيف يليق بالكريم إحراقه. الثانية: بشر الحافي أكرم كاغدا فيه اسم اللََّه تعالى فنال سعادة الدارين فإكرام قلب فيه معرفة اللََّه تعالى أولى بذلك. و الثالثة:

كاغد ليس فيه خط إذا كتب فيه اسم اللََّه الأعظم عظم قدره حتى أنه لا يجوز للجنب و الحائض أن يمسه بل قال الشافعي رحمه اللََّه تعالى ليس له أن يمس جلد المصحف، و قال اللََّه تعالى: لاََ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: 79]فالقلب الذي فيه أكرم المخلوقات: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70]كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه و اللََّه أعلم. و سادسها: السكينة: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ [الفتح: 4] فلما رغب موسى عليه السلام في طلب السكينة قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و النكتة أن أبا بكر رضي اللََّه عنه كان مع رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و كان خائفا فلما نزلت السكينة عليه قال: لا تحزن فلما نزلت سكينة/الإيمان فرجوا أن يسمعوا خطاب: أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا [فصلت: 30]و أيضا لما نزلت السكينة صار من الخلفاء: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ [النور: 55]أي أن يصيروا خلفاء اللََّه في أرضه.

و سابعها: المحبة و الزينة: وَ لََكِنَّ اَللََّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 7]و النكتة أن من ألقى حبة في أرض فإنه لا يفسدها و لا يحرقها فهو سبحانه و تعالى ألقى حبة المحبة في أرض القلب فكيف يحرقها. و ثامنها: فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [الأنفال: 63]و النكتة أن محمدا صلى اللََّه عليه و سلم ألف بين قلوب أصحابه ثم إنه ما تركهم‏[في‏]غيبة و لا حضور: «سلام علينا و على عباد اللََّه الصالحين» فالرحيم كيف يتركهم. و تاسعها:

الطمأنينة: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ [الرعد: 28]و موسى طلب الطمأنينة فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و النكتة أن حاجة العبد لا نهاية لها فلهذا لو أعطى كل ما في العالم من الأجسام فإنه لا يكفيه لأن‏

40

حاجته غير متناهية و الأجسام متناهية و المتناهي لا يصير مقابلا لغير المتناهي بل الذي يكفي في الحاجة الغير المتناهية الكمال الذي لا نهاية له و ما ذاك إلا للحق سبحانه و تعالى فلهذا قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ و لما عرفت حقيقة شرح الصدر للمؤمنين فاعرف صفات قلوب الكافرين لوجوه: أحدها: فلما زاغوا أزاغ اللََّه قلوبهم. و ثانيها: ثم انصرفوا صرف اللََّه قلوبهم. و ثالثها: في قلوبهم مرض. و رابعها: جعلنا قلوبهم قاسية.

و خامسها: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. و سادسها: ختم اللََّه على قلوبهم. و سابعها: أم على قلوب أقفالها. و ثامنها: كلا بل ران على قلوبهم. و تاسعها: أولئك الذين طبع اللََّه على قلوبهم. إلهنا و سيدنا بفضلك و إحسانك أغلق هذه الأبواب التسعة من خذلانك عنا و اجبرنا بإحسانك و افتح لنا تلك الأبواب التسعة من إحسانك بفضلك و رحمتك إنك على ما تشاء قدير.

الفصل الخامس: في حقيقة شرح الصدر، ذكر العلماء فيه وجهين: الأول: أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا لا بالرغبة و لا بالرهبة أما الرغبة فهي أن يكون متعلق القلب بالأهل و الولد و بتحصيل مصالحهم و دفع المضار عنهم، و أما الرهبة فهي أن يكون خائفا من الأعداء و المنازعين فإذا شرح اللََّه صدره صغر كل ما يتعلق بالدنيا في عين همته، فيصير كالذباب و البق و البعوض لا تدعوه رغبة إليها و لا تمنعه رهبة عنها، فيصير الكل عنده كالعدم و حينئذ يقبل القلب بالكلية نحو طلب مرضاة اللََّه تعالى، فإن القلب في المثال كينبوع من الماء و القوة البشرية لضعفها كالينبوع الصغير فإذا فرقت ماء العين الواحدة على الجداول الكثيرة ضعفت الكل فأما إذا انصب الكل في موضع واحد قوي فسأل موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره بأن يوقفه على معايب الدنيا و قبح صفاتها حتى يصير قلبه نفورا عنها فإذا حصلت النفرة توجه إلى عالم القدس و منازل الروحانيات بالكلية. الثاني: أن موسى عليه السلام لما نصب لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة منها ضبط الوحي و المواظبة على خدمة الخالق سبحانه و تعالى و منها إصلاح العالم الجسداني فكأنه صار مكلفا بتدبير العالمين و الالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر، ألا ترى أن المشتغل بالإبصار يصير/ممنوعا عن السماع و المشتغل بالسماع يصير ممنوعا عن الإبصار و الخيال، فهذه القوى متجاذبة متنازعة و أن موسى عليه السلام كان محتاجا إلى الكل و من استأنس بجمال الحق استوحش من جمال الخلق فسأل موسى ربه أن يشرح صدره بأن يفيض عليه كمالا من القوة لتكون قوته وافية بضبط العالمين فهذا هو المراد من شرح الصدر. و ذكر العلماء لهذا المعنى أمثلة. المثال الأول: اعلم أن البدن بالكلية كالمملكة و الصدر كالقلعة و الفؤاد كالقصر و القلب كالتخت و الروح كالملك و العقل كالوزير و الشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة و الغضب كالاسفهسالار الذي يشتغل بالضرب و التأديب أبدا و الحواس كالجواسيس و سائر القوى كالخدم و العملة و الصناع ثم إن الشيطان خصم لهذه البلدة و لهذه القلعة و لهذا الملك فالشيطان هو الملك و الهوى و الحرص و سائر الأخلاق الذميمة جنوده فأول ما أخرج الروح وزيره و هو العقل فكذا الشيطان أخرج في مقابلته الهوى فجعل العقل يدعو إلى اللََّه تعالى و الهوى يدعو إلى الشيطان ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الشيطان في مقابلة الفطنة الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا و الشهوة تحركك إلى لذات الدنيا ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتقوي الفطنة بالفكرة فتقف على الحاضر و الغائب من المعائب على ما

قال عليه السلام: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة»

فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة ثم أخرج الروح الحلم و الثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحا و القبيح حسنا و الحلم يوقف العقل على قبح الدنيا فأخرج الشيطان في مقابلته العجلة و السرعة فلهذا

قال عليه السلام: «ما دخل الرفق في شي‏ء إلا زانه و لا الخرق في شي‏ء إلا

41

شانه»

و لهذا خلق السموات و الأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق و الثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصنفين، و قلبك و صدرك هو القلعة. ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقا و هو الزهد في الدنيا و عدم الرغبة فيها و له سور و هو الرغبة الآخرة و محبة اللََّه تعالى فإن كان الخندق عظيما و السور قويا عجز عسكر الشيطان عن تخريبه فرجعوا وراءهم و تركوا القلعة كما كانت و إن كان خندق الزهد غير عميق و سور حب الآخرة غير قوي قدر الخصم على استفتاح قلعة الصدر فيدخلها و يبيت فيها جنوده من الهوى و العجب و الكبر و البخل و سوء الظن باللََّه تعالى و النميمة و الغيبة فينحصر الملك في القصر و يضيق الأمر عليه فإذا جاء مدد التوفيق و أخرج هذا العسكر من القلعة انفسح الأمر و انشرح الصدر و خرجت ظلمات الشيطان و دخلت أنوار هداية رب العالمين و ذلك هو المراد بقوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي . المثال الثاني: اعلم أن معدن النور هو القلب و اشتغال الإنسان بالزوجة و الولد و الرغبة في مصاحبة الناس و الخوف من الأعداء هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر فإذا قوى اللََّه بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق و قلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه و لا شك في أنهم من حيث هم عدم محض على ما قال تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]فلا يزال العبد يتأمل فيما سوى اللََّه تعالى إلى أن يشاهد أنهم عدم محض فعند ذلك يزول /الحجاب بين قلبه و بين أنوار جلال اللََّه تعالى و إذا زال الحجاب امتلأ القلب من النور فذلك هو انشراح الصدر.

الفصل السادس: في الصدر اعلم أنه يجي‏ء و المراد منه القلب: أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ [الزمر: 22]، رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَ حُصِّلَ مََا فِي اَلصُّدُورِ [العاديات: 10]، يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ [غافر: 19]و قد يجي‏ء و المراد الفضاء الذي فيه الصدر: فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ [الحج: 46]و اختلف الناس في أن محل العقل هل هو القلب أو الدماغ و جمهور المتكلمين على أنه القلب، و قد شرحنا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194]و قال بعضهم المواد أربعة: الصدر و القلب و الفؤاد و اللب فالصدر مقر الإسلام: أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ [الزمر: 22]و القلب مقر الإيمان: وَ لََكِنَّ اَللََّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 7]و الفؤاد مقر المعرفة: مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ مََا رَأى‏ََ [النجم: 11]، إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤََادَ كُلُّ أُولََئِكَ كََانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً [الإسراء: 36]و اللب مقر التوحيد:

إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ* [الرعد: 19]و اعلم أن القلب أول ما بعث إلى هذا العالم بعث خاليا عن النقوش كاللوح الساذج و هو في عالم البدن كاللوح المحفوظ، ثم إنه تعالى يكتب فيه بقلم الرحمة و العظمة كل ما يتعلق بعالم العقل من نقوش الموجودات و صور الماهيات و ذلك يكون كالسطر الواحد إلى آخر قيام القيامة لهذا العالم الأصغر و ذلك هو الصورة المجردة و الحالة المطهرة، ثم إن العقل يركب سفينة التوفيق و يلقيها في بحار أمواج المعقولات و عوالم الروحانيات فيحصل من مهاب رياح العظمة و الكبرياء رخاء السعادة تارة و دبور الإدبار أخرى، فربما وصلت سفينة النظر إلى جانب مشرق الجلال فتسطع عليه أنوار الإلهية و يتخلص العقل عن ظلمات الضلالات، و ربما توغلت السفينة في جنوب الجهالات فتنكسر و تغرق فحيثما تكون السفينة في ملتطم أمواج العزة يحتاج حافظ السفينة إلى التماس الأنوار و الهدايات فيقول هناك: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و اعلم‏

42

أن العقل إذا أخذ في الترقي من سفل الإمكان إلى علو الوجوب كثر اشتغاله بمطالعة الماهيات و مقارفة المجردات و المفارقات، و معلوم أن كل ماهية فهي إما هي معه أو هي له، فإن كانت هي معه امتلأت البصيرة من أنوار جلال العزة الإلهية فلا يبقى هناك مستطلعا لمطالعة سائر الأنوار فيضمحل كل ما سواه من بصر و بصيرة، و إن وقعت المطالعة لما هو له حصلت هناك حالة عجيبة، و هي أنه لو وضعت كرة صافية من البلور فوقع عليها شعاع الشمس فينعكس ذلك الشعاع إلى موضع معين فذلك الموضع الذي إليه تنعكس الشعاعات يحترق فجميع الماهيات الممكنة كالبلور الصافي الموضوع في مقابلة شمس القدس و نور العظمة و مشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت للقلب نسبة إليها بأسرها فينعكس شعاع كبرياء الإلهية عن كل واحد منها إلى القلب فيحترق القلب، و معلوم أنه كلما كان المحرق أكثر، كان الاحتراق أتم فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات فأصل إلى/مقام الاحتراق بأنوار الجلال، و هذا هو المراد بقوله عليه السلام: «أرنا الأشياء كما هي» فلما شاهد احتراقها بأنوار الجلال قال: «لا أحصي ثناء عليك» .

الفصل السابع: في بقية الأبحاث إنما قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي و لم يقل رب اشرح صدري ليظهر أن منفعة ذلك الشرح عائدة إلى موسى عليه السلام لا إلى اللََّه، و أما كيفية شرح صدر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و المفاضلة بينه و بين شرح صدر موسى عليه السلام فنذكره إن شاء اللََّه في تفسير قوله: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1]و اللََّه أعلم بالصواب.

المطلوب الثاني: قوله: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي و المراد منه عند أهل السنة خلقها و عند المعتزلة تحريك الدواعي و البواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإن قيل: كل ما أمكن من اللطف فقد فعله اللََّه تعالى فأي فائدة في هذا السؤال، قلنا يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال ففائدة السؤال حسن فعل تلك الألطاف.

}المطلوب الثالث: قوله: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي، `يَفْقَهُوا قَوْلِي و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن النطق فضيلة عظيمة و يدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ* `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ [الرحمن: 3، 4]و لم يقل و علمه البيان لأنه لو عطفه عليه لكان مغايرا له، أما إذا ترك الحرف العاطف صار قوله: عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ كالتفسير لقوله: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ كأنه إنما يكون خالقا للإنسان إذا علمه البيان، و ذلك يرجع إلى الكلام المشهور من أن ماهية الإنسان هي الحيوان الناطق. و ثانيها: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان، قال زهير:

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم‏

و

قال علي: ما الإنسان لو لا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة.

و المعنى أنا لو أزلنا الإدراك الذهني و النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم، و قالوا: المرء بأصغريه قلبه و لسانه.

و

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «المرء مخبوء تحت لسانه» .

و ثالثها: أن في مناظرة آدم مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال: يََا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ فَلَمََّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ قََالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [البقرة: 33]. و رابعها: أن الإنسان جوهر مركب من الروح و القالب و روحه من عالم الملائكة فهو يستفيد أبدا

43

صور المغيبات من عالم الملائكة ثم بعد تلك الاستفادة يفيضها على عالم الأجسام و واسطته في تلك الاستفادة هي الفكر الذهني و واسطته في هذه الإفادة هي النطق اللساني فكما أن تلك الواسطة أعظم العبادات حتى‏

قيل: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة»

فكذلك الواسطة في الإفادة يجب أن تكون أشرف الأعضاء فقوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي إشارة إلى طلب النور الواقع في الروح، و قوله: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي إشارة إلى تحصيل ذلك و تسهيل ذلك التحصيل، و عند ذلك يحصل الكمال في تلك الاستفادة الروحانية فلا يبقى بعد هذا إلا المقام البياني و هو إفاضة ذلك الكمال على الغير و ذلك لا يكون/إلا باللسان. فلهذا قال: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي . و خامسها: و هو أن العلم أفضل المخلوقات على ما ثبت و الجود و الإعطاء أفضل الطاعات، و ليس في الأعضاء أفضل من اليد، فاليد لما كانت آلة في العطية الجسمانية

قيل: «اليد العليا خير من اليد السفلى»

فالعلم الذي هو خير من المال لما كانت آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف الأعضاء، و لا شك أن اللسان هو الآلة في إعطاء المعارف فوجب أن يكون أشرف الأعضاء، و من الناس من مدح الصمت لوجوه، أحدها:

قوله عليه السلام: «الصمت حكمة و قليل فاعله»

و

يروى أن الإنسان تفكر أعضاؤه اللسان و يقلن اتق اللََّه فينا فإنك إن استقمت استقمنا، و إن اعوججت اعوججنا.

و ثانيها: أن الكلام على أربعة أقسام منه ما ضرره خالص أو راجح، و منه ما يستوي الضرر و النفع فيه و منه ما نفعه راجح و منه ما هو خالص النفع، أما الذي ضرره خالص أو راجح فواجب الترك، و الذي يستوي الأمران فيه فهو عيب، فبقي القسمان الأخيران و تخليصهما عن زيادة الضرر عسر، فالأولى ترك الكلام. و ثالثها: أن ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا و اللسان يتناوله و يتعرض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه اللسان بحق أو باطل، و هذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان، و الصور و الآذان لا تصل إلا إلى الأصوات و الحروف، و اليد لا تصل إلى غير الأجسام، و كذا سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنه رحب الميدان ليس له نهاية و لا حد فله في الخير مجال رحب و له في الشر بحر سحب، و إنه خفيف المؤنة سهل التحصيل بخلاف سائر المعاصي فإنه يحتاج فيها إلى مؤن كثيرة لا يتيسر تحصيلها في الأكثر فلذلك كان الأولى ترك الكلام. و رابعها:

قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت و السكوت و الإنصات و الإصاخة، فأما الصمت فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق و فيما لا يقوى عليه و لهذا يقال: مال ناطق و صامت و أما السكوت فهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام و الإنصات سكوت مع استماع و متى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا [الأعراف: 204]و الإصاخة استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر و الصوت من المكان البعيد. و اعلم أن الصمت عدم و لا فضيلة فيه بل النطق في نفسه فضيلة و الرذيلة في محاورته و لو لاه لما سأل كليم اللََّه ذلك في قوله تعالى: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي .

المسألة الثانية: اختلفوا في تلك العقدة التي كانت في لسان موسى عليه السلام على قولين، الأول: كان ذلك التعقد خلقة اللََّه تعالى فسأل اللََّه تعالى إزالته. الثاني: السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية فرعون و نتفها فهم فرعون بقتله و قال هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل و علامته أن تقرب منه التمرة و الجمرة فقربا إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه و هؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد و لا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا و هي الحجة/و اللسان آلة الذكر فكيف يحترق و لأن إبراهيم عليه السلام‏

44

لم يحترق بنار نمرود و موسى عليه السلام لم يحترق حين ألقي في التنور فكيف يحترق هنا؟و منهم من قال:

احترقت اليد دون اللسان لئلا يحصل حق المواكلة و الممالحة. الثالث: احترق اللسان دون اليد لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت. و الرابع: احترقا معا لئلا تحصل المواكلة و المخاطبة.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على وجوه. أحدها: لئلا يقع في أداء الرسالة خلل ألبتة. و ثانيها: الإزالة التنفير لأن العقدة في اللسان قد تفضي إلى الاستخفاف بقائلها و عدم الالتفات إليه. و ثالثها: إظهارا للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه. و رابعها: طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته و كبره عسر جدا فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية، فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفا و تسهيلا.

المسألة الرابعة: قال الحسن رحمه اللََّه: إن تلك العقدة زالت بالكلية بدليل قوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ [طه: 36]و هو ضعيف لأنه عليه السلام لم يقل و احلل العقدة من لساني بل قال:

وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه اللََّه سؤله، و الحق أنه انحل أكثر العقد و بقي منها شي‏ء قليل لقوله: حكاية عن فرعون‏ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لاََ يَكََادُ يُبِينُ [الزخرف: 52]أي يقارب أن لا يبين و في ذلك دلالة على أنه كان يبين مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه و أجيب عنه من وجهين.

أحدهما: المراد بقوله: و لا يكاد يبين أي لا يأتي ببيان و لا حجة. و الثاني: إن كاد بمعنى قرب و لو كان المراد هو البيان اللساني لكان معناه أنه لا يقارب البيان فكان فيه نفي البيان بالكلية و ذلك باطل لأنه خاطب فرعون و الجمع و كانوا يفقهون كلامه فكيف يمكن نفي البيان أصلا بل إنما قال ذلك تمويها ليصرف الوجوه عنه قال أهل الإشارة إنما قال: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي لأن حل العقد كلها نصيب محمد صلى اللََّه عليه و سلم و قال تعالى: وَ لاََ تَقْرَبُوا مََالَ اَلْيَتِيمِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* [الأنعام: 152]فلما كان ذلك حقا ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله و اللََّه أعلم.

المطلوب الرابع: قوله: وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي و اعلم أن طلب الوزير إما أن يكون لأنه خاف من نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر فطلب المعين أو لأنه رأى أن للتعاون على الدين و التظاهر عليه مع مخالصة الود و زوال التهمة مزية عظيمة في أمر الدعاء إلى اللََّه و لذلك قال عيسى ابن مريم: مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ* [آل عمران: 52]و قال لمحمد صلى اللََّه عليه و سلم: حَسْبُكَ اَللََّهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64]و

قال عليه السلام: «إن لي في السماء وزيرين و في الأرض وزيرين، فاللذان في السماء جبريل و ميكائيل و اللذان في الأرض أبو بكر و عمر»

و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: الوزير من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره و مؤنه أو من الوزر/و هو الجبل الذي يتحصن به لأن الملك يعتصم برأيه في رعيته و يفوض إليه أموره أو من الموازرة و هي المعاونة، و الموازرة مأخوذة من إزار الرجل و هو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل أمر صعب قاله الأصمعي و كان القياس أزيرا فقلبت الهمزة إلى الواو.

المسألة الثانية:

قال عليه السلام: «إذا أراد اللََّه بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا إن نسي ذكره و إن نوى

45

خيرا أعانه و إن أراد شرا كفه»

و كان أنوشروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، و لا أكرم الدواب عن السوط، و لا أعلم الملوك عن الوزير.

المسألة الثالثة: إن قيل الاستعانة بالوزير إنما يحتاج إليها الملوك أما الرسول المكلف بتبليغ الرسالة و الوحي من اللََّه تعالى إلى قوم على التعيين فمن أين ينفعه الوزير؟و أيضا فإنه عليه السلام سأل ربه أن يجعله شريكا له في النبوة فقال: وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي فكيف يكون وزيرا. و الجواب: عن الأول أن التعاون على الأمر و التظاهر عليه مع مخالصة الود و زوال التهمة له مزية عظيمة في تأثير الدعاء إلى اللََّه تعالى فكان موسى عليه السلام واثقا بأخيه هارون فسأل ربه أن يشد به أزره حتى يتحمل عنه ما يمكن من الثقل في الإبلاغ.

المطلوب الخامس: أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه.

المطلوب السادس: أن يكون الوزير الذي من أهله هو أخوه هارون و إنما سأل ذلك لوجهين. أحدهما:

أن التعاون على الدين منقبة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه و الموافقة له، و قوله هارون في انتصابه وجهان. أحدهما: أنه مفعول الجعل على تقدير اجعل هارون أخي وزيرا لي. و الثاني: على البدل من وزيرا و أخي نعت لهرون أو بدل، و اعلم أن هارون عليه السلام كان مخصوصا بأمور منها الفصاحة لقوله تعالى عن موسى: وَ أَخِي هََارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسََاناً [القصص: 34]و منها أنه كان فيه رفق قال: يَا بْنَ أُمَّ لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي [طه: 94]و منها أنه كان أكبر سنا منه.

المطلوب السابع: قوله: اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي و فيه مسائل:

المسألة الأولى: القراءة العامة: اُشْدُدْ بِهِأَشْرِكْهُ على الدعاء و قرأ ابن عامر وحده: (أشدد، و أشركه) على الجزاء و الجواب، حكاية عن موسى عليه السلام أي أنا أفعل ذلك و يجوز لمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل أَخِي مرفوعا على الابتداء و اُشْدُدْ بِهِ خبره و يوقف على هارون.

المسألة الثانية: الأزر القوة و آزره قواه قال تعالى: فَآزَرَهُ أي أعانه قال أبو عبيدة أَزْرِي أي ظهري و في كتاب الخليل: الأزر: الظهر.

المسألة الثالثة: أنه عليه السلام لما طلب من اللََّه تعالى أن يجعل هارون وزيرا له طلب منه أن يشد به أزره و يجعله ناصرا له لأنه لا اعتماد على القرابة.

المطلوب الثامن: قوله: وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي و الأمر هاهنا النبوة، و إنما قال ذلك لأنه عليه السلام علم أنه يشد به عضده و هو أكبر منه سنا و أفصح منه لسانا}}ثم إنه سبحانه و تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً*`وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً و التسبيح يحتمل أن يكون باللسان و أن يكون بالاعتقاد، و على كلا التقديرين فالتسبيح تنزيه اللََّه تعالى في ذاته و صفاته و أفعاله عما لا يليق به، و أما الذكر فهو عبارة عن وصف اللََّه تعالى بصفات الجلال و الكبرياء و لا شك أن النفي مقدم على الإثبات، }أما قوله تعالى: إِنَّكَ كُنْتَ بِنََا بَصِيراً ففيه وجوه: أحدها: إنك عالم بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك و رضاك و لا نريد بها أحدا سواك. و ثانيها:

كُنْتَ بِنََا بَصِيراً لأن هذه الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها. و ثالثها: إنك بصير بوجوه‏

46

مصالحنا فأعطنا ما هو أصلح لنا، و إنما قيد الدعاء بهذا إجلالا لربه عن أن يتحكم عليه و تفويضا للأمر بالكلية إليه.

في قوله تعالى قََالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز و أكل بمعنى مأكول، و اعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، و كان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه اللََّه تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف به فقال: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ و عد ذلك من النعم العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح‏}ثم قال: وَ لَقَدْ مَنَنََّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى‏ََ فنبه بذلك على أمور: أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال. و ثانيها: إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول و إساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي. و ثالثها: إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه و رقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أنا نصبناك لمنصب عال و مهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب، و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية و المقام مقام التلطف؟ و الجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقا لشي‏ء منها بل إنما خصه اللََّه تعالى بها بمحض التفضل و الإحسان.

السؤال الثاني: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة؟ و الجواب: لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل و الكثير. و اعلم أن المنن المذكورة هاهنا ثمانية: }المنة الأولى: قوله: إِذْ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ أُمِّكَ مََا يُوحى‏ََ*`أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي اَلتََّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي اَلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُّ بِالسََّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ أما قوله: إِذْ أَوْحَيْنََا فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء و الرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء و كيف لا نقول ذلك و المرأة لا تصلح للقضاء

47

و الإمامة بل عند الشافعي رحمه اللََّه لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة و يدل عليه قوله تعالى:

وَ مََا أَرْسَلْنََا قَبْلَكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء: 7]و هذا صريح في الباب، و أيضا فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: وَ أَوْحى‏ََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ [النحل: 68]و قال: وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى اَلْحَوََارِيِّينَ [المائدة: 111]ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: أحدها: المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام و كان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت و قذفه في البحر و أن اللََّه تعالى يرده إليها.

و ثانيها: أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص و يقال لذلك الخاطر إنه وحي. و ثالثها: المراد منه الإلهام لكنا/متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال و غلبة على القلب فيصير هذا هو الوجه الثاني و هذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك و هو مساو للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني. و الجواب: لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون. و رابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها، إما مشافهة أو مراسلة، و اعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها. و الجواب: أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن اللََّه تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مرارا. و خامسها: لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم و إسحاق و يعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك و انتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة.

و سادسها: لعل اللََّه تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17]و أما قوله: مََا يُوحى‏ََ فمعناه و أوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى و إنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة و لا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجبا}أما قوله تعالى: أَنِ اِقْذِفِيهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول.

المسألة الثانية: القذف مستعمل في معنى الإلقاء و الوضع و منه قوله تعالى: وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ* [الأحزاب: 26].

المسألة الثالثة:

روى أنها اتخذت تابوتا و جعلت فيه قطنا محلوجا و وضعت فيه موسى عليه السلام و قيرت رأسه و شقوقه بالقار ثم ألقته في النيل و كان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجي‏ء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان و الجواري بإخراجه فأخرجوه و فتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه‏

و سيأتي تمام القصة في سورة القصص، قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون.

المسألة الرابعة: اليم هو البحر و المراد به هاهنا نيل مصر في قول الجميع و اليم اسم يقع على البحر و على النهر العظيم.

المسألة الخامسة: قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه.

48

المسألة السادسة: قال صاحب «الكشاف» الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام و رجوع بعضها إليه و بعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت و كذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف و الملقى هو موسى عليه السلام/في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر و لا يحصل التنافر.

المسألة السابعة: لما كان تقدير اللََّه تعالى أن يجري ماء اليم و يلقى بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز و جعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر و يمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ ففيه أبحاث:

البحث الأول: قوله: يَأْخُذْهُ جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه.

البحث الثاني: في كيفية الأخذ قولان، أحدهما: أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له و استحبابه إياه. الثاني: أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه.

البحث الثالث: قوله: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ فيه إشكال و هو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى. و جوابه: أما كونه عدوا للََّه من جهة كفره و عتوه فظاهر و أما كونه عدوا لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حاله لقتله و يحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة. المنة الثانية: قوله: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و فيه قولان: الأول: و ألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري:

مِنِّي لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك و من أحبه اللََّه أحبته القلوب، و إما أن يتعلق بمحذوف و هذا هو القول الثاني و يكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي و ألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لاََ تَقْتُلُوهُ [القصص: 9]

يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال و في عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه‏

و هو كقوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ اَلرَّحْمََنُ وُدًّا [مريم: 96]قال القاضي: هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة اللََّه تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب و المراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي و يغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون و امرأته و سهل اللََّه تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه و يمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار و هو أن يقال:

و ألقيت عليك محبة حاصلة مني و واقعة بتخليقي و على التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة اللََّه تعالى قلنا: لا نسلم فإن محبة اللََّه تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده و هذا المعنى كان حاصلا في حقه في حال صباه و علم اللََّه تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة. المنة الثالثة: قوله: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي قال القفال: لترى على عيني أي على وفق إرادتي، و مجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئا و هو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب و لا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا هاهنا و في كيفية المجاز قولان: الأول: المراد من العين العلم أي ترى على علم مني و لما كان العالم بالشي‏ء يحرسه عن الآفات/كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه. الثاني: المراد من العين الحراسة و ذلك لأن الناظر إلى الشي‏ء يحرسه عما يؤذيه‏

49

فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازا و هو كقوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ [طه: 46]و يقال: عين اللََّه عليك إذا دعا لك بالحفظ و الحياطة، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي الحفظ و الحياطة كقوله تعالى: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنََاكَ إِلى‏ََ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهََا وَ لاََ تَحْزَنَ فصار ذلك كالتفسير لحياطة اللََّه تعالى له، بقي هاهنا بحثان:

الأول: الواو في قوله: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي فيه ثلاثة أوجه. أحدها: كأنه قيل: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ متعلقا بأول الكلام و هو قوله: وَ لَقَدْ مَنَنََّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى‏ََ*`إِذْ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ أُمِّكَ مََا يُوحى‏ََ و إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ . و ثانيها: يجوز أن يكون قوله: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي متعلقا بما بعده و هو قوله: إِذْ تَمْشِي و ذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75]. و ثالثها: يجوز أن تكون الواو مقحمة أي و ألقيت عليك محبة مني لتصنع و هذا ضعيف.

الثاني: قرئ و لتصنع بكسر اللام و سكونها و الجزم على أنه أمر و قرئ و لتصنع بفتح التاء و النصب أي و ليكون عملك و تصرفك على علم مني. المنة الرابعة: قوله: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ و اعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو تصنع،

يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل و كان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن اللََّه تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ [القصص: 12]ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف اللََّه تعالى له من هذا التدبير.

أما قوله تعالى: فَرَجَعْنََاكَ إِلى‏ََ أُمِّكَ أي رددناك، و قال في موضع آخر: فَرَدَدْنََاهُ إِلى‏ََ أُمِّهِ [القصص: 13]و هو كقوله: قََالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ [المؤمنون: 99] أي ردوني إلى الدنيا، أما قوله: كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهََا وَ لاََ تَحْزَنَ فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها و زوال الحزن عنها، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن و تقر عينها كان الكلام مفيدا لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها، و أما لما قال أولا كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك: وَ لاََ تَحْزَنَ فضلا لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة، قلنا: المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك. و المنة الخامسة: قوله: وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنََاكَ مِنَ اَلْغَمِّ فالمراد به و قتلت بعد كبرك نفسا و هو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه و كان قبطيا فحصل له الغم من وجهين، أحدهما: من عقاب الدنيا و هو اقتصاص فرعون منه ما حكى اللََّه تعالى عنه: فَأَصْبَحَ فِي اَلْمَدِينَةِ خََائِفاً يَتَرَقَّبُ [القصص: 18]و الآخر من عقاب اللََّه تعالى حيث قتله لا بأمر اللََّه تعالى فنجاه اللََّه تعالى من الغمين، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين/و أما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه و تعالى غفر له ذلك. المنة السادسة: قوله: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً و فيه أبحاث:

البحث الأول: في قوله: فُتُوناً وجهان: أحدهما: أنه مصدر كالعكوف و الجلوس و المعنى و فتناك حقا و ذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى: وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً [النساء: 164]، و الثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز و بدور في حجزة و بدرة أي فتناك ضروبا من الفتن و هاهنا سؤالان. السؤال الأول: إن اللََّه تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف‏

50

يليق بهذا الموضع قوله: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً . الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفتنة تشديد المحنة، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: فَإِذََا أُوذِيَ فِي اَللََّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ كَعَذََابِ اَللََّهِ [العنكبوت: 10]و قال تعالى: الم*`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ* `وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ [العنكبوت: 1-3]و قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسََاءُ وَ اَلضَّرََّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتََّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ [البقرة: 214]فالزلزلة المذكورة في الآية و مس البأساء و الضراء هي الفتنة و الفتون، و لما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده اللََّه تعالى من جملة النعم. و ثانيها:

فَتَنََّاكَ فُتُوناً أي خلصناك تخليصا من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه و سأل سعيد بن جبير بن عباس عن الفتون فقال: نستأنف له نهارا يا ابن جبير. ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون و قتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم و التقاط آل فرعون إياه و امتناعه من الارتضاع من الأجانب، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون و وضعه الجمرة في فيه، ثم قصة قتل القبطي، ثم هربه إلى مدين و صيرورته أجيرا لشعيب عليه السلام، ثم عوده إلى مصر و أنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة و استئناسه بالنار من الشجرة و كان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير.

السؤال الثاني: هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقا من قوله: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً و الجواب لا لأنه صفة ذم في العرف و أسماء اللََّه تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي. المنة السابعة: قوله تعالى:

فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى‏ََ قَدَرٍ يََا مُوسى‏ََ و اعلم أن التقدير: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم: إنها مشروحة في قوله تعالى: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ -إلى قوله: فَلَمََّا قَضى‏ََ مُوسَى اَلْأَجَلَ [القصص: 29]و هي إما عشرة و إما ثمان لقوله تعالى:

عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمََانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص: 27]و قال وهب: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانيا و عشرين سنة منها عشر سنين/مهر امرأته، و الآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين و ليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، و اعلم أن قوله: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ بعد قوله: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون و كذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر و الغربة محنا كثيرة، و احتاج إلى أن آجر نفسه، أما قوله تعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلى‏ََ قَدَرٍ يََا مُوسى‏ََ فلا بد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور، و ذكروا في ذلك المحذوف وجوها. أحدها:

أنه سبق في قضائي و قدري أن أجعلك رسولا لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله و لا بعده، و منه قوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، و ثانيها: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، و هو رأس أربعين سنة. و ثالثها: أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه، و لا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيبا عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد، فإن قيل: كيف ذكر اللََّه تعالى مجي‏ء موسى عليه السلام في ذلك الوقت من جملة مننه عليه، قلنا: لأنه لو لا توفيقه له لما تهيأ شي‏ء من ذلك. المنة الثامنة: قوله تعالى: وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي و الاصطناع اتخاذ الصنعة، و هي افتعال من‏

51

الصنع. يقال: اصطنع فلان فلانا أي اتخذه صنيعه، فإن قيل: إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي.

و الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب و التكريم و التكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلا لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه و أشدهم قربا منه.

و ثانيها: قالت المعتزلة: إنه سبحانه و تعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم و من جملة الألطاف ما لا يعلم إلا سمعا فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على اللََّه تعالى، فصح أن يقول: و اصطنعتك لنفسي، قال القفال و اصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان و جريح فلان و قوله لنفسي: أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به و هو إقامة حجتي و تبليغ رسالتي و أن تكون في حركاتك و سكناتك لي لا لنفسك و لا لغيرك، و اعلم أنه سبحانه و تعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمرا و نهيا، أما الأمر فهو أنه سبحانه و تعالى أعاد الأمر بالأول فقال: اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي في قوله تعالى اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي و اعلم أنه سبحانه و تعالى لما قال: وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي }عقبه بذكر ماله اصطنعه و هو الإبلاغ و الأداء ثم هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: الباء هاهنا بمعنى مع و ذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان و ذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

المسألة الثانية: اختلفوا في الآيات المذكورة هاهنا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها اليد و العصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع و في سائر المواضع التي اقتص اللََّه تعالى فيها/حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم يذكر في شي‏ء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون و لا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه: قََالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ. `وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذََا هِيَ بَيْضََاءُ لِلنََّاظِرِينَ [الشعراء: 31-33]و قال: فَذََانِكَ بُرْهََانََانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ [القصص: 32]فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه: الأول: أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيوانا آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى: تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ* [النمل: 10]ثم كانت تعظم و هذه آية أخرى، ثم كانت تصير ثعبانا و هذه آية أخرى.

ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى، و كذلك اليد فإن بياضها آية و شعاعها آية أخرى ثم زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان. الثاني: هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم و يدل على نبوة موسى عليه السلام و يدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيوانا فهذه آيات كثيرة و لذلك قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبََارَكاً إلى قوله: فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ [آل عمران: 96، 97]فإذا وصف الشي‏ء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك. الثالث: من الناس من قال: أقل الجمع اثنان على ما عرفت في أصول الفقه. القول الثاني: أن قوله: اذهبا بآياتي معناه أني أمدكما بآياتي و أظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون و قومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني أمدك بهم متى احتجت.

52

القول الثالث: أن اللََّه تعالى آتاه العصا و اليد و حل عقدة لسانه و ذلك أيضا معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي فهو قوله تعالى: وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي الوني الفتور و التقصير و قرئ و لا تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال: أحدها: المعنى لا تنيا بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد و اعتقدا أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري و الحكمة فيه أن من ذكر جلال اللََّه استحقر غيره فلا يخاف أحدا و لأن من ذكر جلال اللََّه تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود، و لأن ذاكر اللََّه تعالى لا بد و أن يكون ذاكرا لإحسانه و ذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره. و ثانيها: المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات و تبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر. و ثالثها: قوله: وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي عند فرعون و كيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون و قومه أن اللََّه تعالى لا يرضى منهم بالكفر و يذكرا لهم أمر الثواب و العقاب و الترغيب و الترهيب. و رابعها: أن يذكرا لفرعون آلاء اللََّه و نعماءه و أنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك: اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ و فيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في ذلك بعد قوله: اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي قال القفال فيه وجهان. أحدهما: أن قوله: اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي يحتمل أن يكون كل واحد منهما/مأمورا بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعا لا أن ينفرد به هارون دون موسى. و الثاني: أن قوله: اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل و قوم فرعون، ثم إن قوله: اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ أمر بالذهاب إلى فرعون وحده.

السؤال الثاني: قوله: اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ خطاب مع موسى و هارون عليهما السلام و هذا مشكل لأن هارون عليه السلام لم يكن حاضرا هناك و كذلك في قوله تعالى: قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ [طه: 45]أجاب القفال عنه من وجوه. أحدها: أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطابا مع هارون و كلام هارون على سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة و إن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [البقرة: 72] و قوله: لَئِنْ رَجَعْنََا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ [المنافقون: 8]و حكي أن القائل هو عبد اللََّه بن أبي وحده. و ثانيها: يحتمل أن اللََّه تعالى لما قال: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ سكت حتى لقي أخاه، ثم إن اللََّه تعالى خاطبهما بقوله: اِذْهَبََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ . و ثالثها: أنه حكى أنه في مصحف ابن مسعود و حفصة: قال ربنا إننا نخاف أي قال موسى: أنا و أخي نخاف فرعون‏}أما قوله تعالى: فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ففيه سؤالان:

السؤال الأول: لم أمر اللََّه تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد. الجواب لوجهين: الأول:

أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق و هذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين. الثاني: أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتوا و تكبرا، و المقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر اللََّه تعالى بالرفق.

السؤال الثاني: كيف كان ذلك الكلام اللين. الجواب: ذكروا فيه وجوها. أحدها: ما حكى اللََّه تعالى بعضه فقال: هَلْ لَكَ إِلى‏ََ أَنْ تَزَكََّى*`وَ أَهْدِيَكَ إِلى‏ََ رَبِّكَ فَتَخْشى‏ََ [النازعات: 18، 19]و ذكر أيضا في هذه السورة بعض ذلك فقال: فَأْتِيََاهُ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولاََ رَبِّكَ إلى قوله: وَ اَلسَّلاََمُ عَلى‏ََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدى‏ََ [طه: 47]. و ثانيها: أن تعداه شبابا لا يهرم بعده و ملكا لا ينزع منه إلا بالموت و أن يبقى له لذة المطعم

53

و المشرب و المنكح إلى حين موته. و ثالثها: كنياه و هو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس و أبو الوليد و أبو مرة.

و رابعها:

حكي عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة سنة و تسع سنين فقال له موسى عليه السلام: إن أطعتني عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة

و اعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة. أما الأول: فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة اللََّه تعالى و ذلك لا يصح مع التكليف. و أما الثاني: فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله: فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً /بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد. و أما الثالث: فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكا في ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى و إنما المراد: فقولا له قولا لينا، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى. و اعلم أن أحوال القلب ثلاثة. أحدها: الإصرار على الحق. و ثانيها: الإصرار على الباطل. و ثالثها: التوقف في الأمرين، و أن فرعون كان مصرا على الباطل و هذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى: فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق و إن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار و إن كان لا ينتقل من الإنكار إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار و اعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا اللََّه تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضدا لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالما بامتناع ذلك الإيمان و إذا كان عالما بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق و كيف بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى اللََّه تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه؟ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال و لكنهم سلموا أنه كان عالما بأنه لا يحصل ذلك الإيمان و سلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب و الرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار و لا سبيل فيها إلا التسليم و ترك الاعتراض و السكوت بالقلب و اللسان، و يروى عن كعب أنه قال: و الذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولا لينا و سأقسي قلبه فلا يؤمن.

اعلم أن قوله: قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ فيه أسئلة:

السؤال الأول: قوله: قََالاََ رَبَّنََا يدل على أن المتكلم بذلك موسى و هارون عليهما السلام و هارون لم يكن حاضرا هذا المقال فكيف ذلك و جوابه قد تقدم.

السؤال الثاني: أن موسى عليه السلام قال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه: 25]فأجابه اللََّه تعالى بقوله:

54

قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ [طه: 36]و هذا يدل على أنه قد انشرح صدره و تيسر أمره فكيف قال بعده: إِنَّنََا نَخََافُ فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر. و الجواب: أن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر و النواهي و حفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليه السهو و التحريف و ذلك شي‏ء آخر غير زوال الخوف.

السؤال الثالث: أما علم موسى و هارون و قد حملهما اللََّه تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل الذي هو مقطعة عن الأداء. الجواب: قد أمنا ذلك و إن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده و أيضا فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه و ذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما قال: وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260].

السؤال الرابع: لما تكرر الأمر من اللََّه تعالى بالذهاب فعدم الذهاب و التعلل بالخوف هل يدل على المعصية. الجواب: لو اقتضى الأمر الفور لكان ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لا سيما و قد أكثر اللََّه تعالى من أنواع التشريف و تقوية القلب و إزالة الغم و لكن ليس الأمر على الفور فزال السؤال و هذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى:

أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ فاعلم أن في: أَنْ يَفْرُطَ وجوها. أحدها: فرط سبق و تقدم و منه الفارط الذي يتقدم الواردة و فرس فرط يسبق الخيل و المعنى نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة. و ثانيها: أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان موسى و هارون عليهما السلام خافا من أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة و ذلك الحامل هو إما الشيطان أو ادعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه و هم القبط المتمردون الذين حكى اللََّه تعالى عنهم: قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ* [الأعراف: 60]. و ثالثها: يفرط من الإفراط في الأذية أما قوله: أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ فالمعنى يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك و اعلم أن من أمر بشي‏ء فحاول دفعه بأعذار يذكرها فلا بد و أن يختم كلامه بما هو الأقوى و هذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله: وَجَدْتُهََا وَ قَوْمَهََا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [النمل: 24]فكذا هاهنا بدأ موسى بقوله: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا و ختم بقوله: أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ لما أن طغيانه في حق اللََّه تعالى أعظم من إفراطه في حق موسى و هارون عليهما السلام.

أما قوله: قََالَ لاََ تَخََافََا إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط و الطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد و لا من التكذيب بالآيات و معارضة السحرة أما قوله: إِنَّنِي مَعَكُمََا فهو عبارة عن الحراسة و الحفظ و على هذا الوجه يقال: اللََّه معك على وجه الدعاء و أكد ذلك بقوله: أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ فإن من يكون مع الغير و ناصرا له و حافظا/يجوز أن لا يعلم كل ما يناله و إنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه و تعالى أنه معهما بالحفظ و العلم في جميع ما ينالهما و ذلك هو النهاية في إزالة الخوف قال القفال قوله: أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ يحتمل أن يكون مقابلا لقوله: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ و المعنى: يَفْرُطَ عَلَيْنََا بأن لا يسمع منا: أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ بأن يقتلنا فقال اللََّه تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمََا أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما و أرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه، و اعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعا و بصيرا صفتان زائدتان على العلم لأن قوله: إِنَّنِي مَعَكُمََا دل على العلم فقوله: أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ لو دل على العلم لكان ذلك تكريرا و هو خلاف الأصل‏ في قوله تعالى فَأْتِيََاهُ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولاََ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ لاََ تُعَذِّبْهُمْ ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف‏