التفسير الكبير - ج24

- الفخر الرازي‏ المزيد...
608 /
395

الجزء الرابع و العشرون‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

تتمة سورة النور

في قوله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ إلى قوله لِيَجْزِيَهُمُ اَللََّهُ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ يقتضي محذوفا يكون فيها و ذكروا فيه وجوه: أحدها:

أن التقدير كمشكاة فيها مصباح فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ و هو اختيار كثير من المحققين، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين: الأول: أن المقصود من ذكر المصباح المثل و كون المصباح في بيوت أذن اللََّه لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة و إضاءة الثاني: أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحدا كقوله: كَمِشْكََاةٍ و قوله: فِيهََا مِصْبََاحٌ و قوله: فِي زُجََاجَةٍ و قوله: كَأَنَّهََا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور:

35]و لفظ البيوت جمع و لا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت و الجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم و أضخم فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم و أكمل و عن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت، و تكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة اللََّه تعالى، و لو أن رجلا قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم و كفاية و قناعة يلتزم بيته لكان و إن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره اللََّه سبحانه في هذه الآية و ثانيها: التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن اللََّه أن ترفع و ثالثها: و هو قول/أبي مسلم أنه راجع إلى قوله: وَ مَثَلاً مِنَ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [النور: 34] أي و مثلا من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن اللََّه أن ترفع، و يكون المراد بالذين خلوا الأنبياء و المؤمنين و البيوت المساجد، و قد اقتص اللََّه أخبار الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و ذكر أماكنهم فسماها محاريب‏ (1) بقوله:

إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ [ص: 21]و كُلَّمََا دَخَلَ عَلَيْهََا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرََابَ [آل عمران: 37]فيقول: و لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، و أنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء و المؤمنين في بيوت أذن اللََّه أن ترفع و رابعها: قول

____________

(1) و من تسمية اللََّه تعالى للمساجد محاريب قوله تعالى في سورة سبأ[13] يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ الآية.

396

الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم و التقدير صلوا في بيوت أذن اللََّه أن ترفع و خامسها: و هو قول الفراء و الزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم و تأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن اللََّه أن ترفع رجال صفتهم كيت و كيت، و أما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين: الأول: أن قوله: وَ مَثَلاً مِنَ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [النور: 34]المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه الثاني: أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النور: 35]و أما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة و على التأويل الذي ذكره الفراء و الزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضا لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن اللََّه يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكرارا من غير فائدة، فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ذلك النقصان؟قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى.

المسألة الثانية: أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله: فِي بُيُوتٍ المساجد و عن عكرمة فِي بُيُوتٍ قال هي البيوت كلها و الأول أولى لوجهين: الأول: أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن اللََّه تعالى أذن أن ترفع الثاني: أنه تعالى وصفها بالذكر و التسبيح و الصلاة و ذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان: أحدهما: أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، و بيت المقدس بناه داود و سليمان عليهما الصلاة و السلام، و مسجد بناه النبي صلى اللََّه عليه و سلم و مسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه النبي صلى اللََّه عليه و سلم و عن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل و الثاني: أن المراد هو جميع المساجد و الأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد، قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما المساجد بيوت اللََّه في الأرض و هي تضي‏ء لأهل السماء كما تضي‏ء النجوم لأهل الأرض.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من قوله: أَنْ تُرْفَعَ على أقوال أحدها: المراد من رفعها بناؤها لقوله: بَنََاهََا*`رَفَعَ سَمْكَهََا فَسَوََّاهََا [النازعات: 27، 28]و قوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ [البقرة: 127]و عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما هي المساجد أمر اللََّه أن تبنى و ثانيها: ترفع أي تعظم و تطهر عن الأنجاس و عن اللغو من الأقوال عن الزجاج و ثالثها: المراد مجموع الأمرين.

و القول الثاني: أولى لأن قوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ ظاهره أنها كانت بيوتا قبل الرفع فأذن اللََّه أن ترفع.

المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد من قوله: وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ فالقول الأول: أنه عام في كل ذكر و الثاني: أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس و الثالث: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي و الأول أولى لعموم اللفظ.

المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر و أبو بكر عن عاصم يُسَبِّحُ بفتح الباء و الباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتدا إلى آخر الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو و الآصال، ثم قال الزجاج رِجََالٌ مرفوع لأنه لما قال يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا فكأنه قيل من يسبح؟فقيل يسبح رجال.

المسألة السادسة: اختلفوا في هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس الصلاة، ثم اختلفوا فمنهم من‏

397

حمله على كل الصلوات الخمس و منهم من حمله على صلاتي الصبح و العصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما، و منهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه اللََّه تعالى عما لا يليق به في ذاته و فعله، و احتج عليه بأن الصلاة و الزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر اللََّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و هذا الوجه أظهر.

المسألة السابعة: الآصال جمل أصل و الأصل جميع أصيل و هو العشي و إنما وجد الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع و الأصيل اسم جمع، قال صاحب «الكشاف» بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات و قرئ و الإيصال و هو الدخول في الأصيل يقال آصل كأعتم و أظهر، قال ابن عباس رحمهما اللََّه إن صلاة الضحى لفي كتاب اللََّه تعالى مذكورة و تلا هذه الآية و

روى أبو هريرة عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «ما من أحد يغدو و يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا و له عند اللََّه نزل يعد له في الجنة»

و

في رواية سهل بن سعد مرفوعا «من غدا إلى المسجد و راح ليعلم خيرا أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل اللََّه يرجع غانما» .

المسألة الثامنة: اختلفوا في قوله تعالى: لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ فقال بعضهم نفى كونهم تجارا و باعة أصلا، و قال بعضهم بل أثبتهم تجارا و باعة و بين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات، و هذا قول الأكثرين، قال الحسن أما و اللََّه إن كانوا ليتجرون، و لكن إذا جاءت فرائض اللََّه لم يلههم عنها شي‏ء فقاموا بالصلاة و الزكاة، و عن سالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم و ذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم: لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ ، و عن ابن مسعود مثله، و اعلم أن هذا القول أولى من الأول، لأنه لا يقال إن فلانا لا تلهيه التجارة عن كيت و كيت إلا و هو تاجر، و إن احتمل الوجه الأول و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: لما قال: لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع؟ قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحت أنواع الشراء و البيع إلا أنه/سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز، و الربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني: أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد، و الشراء بالعكس و الرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث: قال الفراء:

التجارة لأهل الجلب، يقال: اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده، و البيع ما باعه على يديه.

السؤال الثاني: لم خص الرجال بالذكر؟ و الجواب: لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات.

المسألة التاسعة: اختلفوا في المراد بذكر اللََّه تعالى، فقال قوم: المراد الثناء على اللََّه تعالى و الدعوات، و قال آخرون: المراد الصلوات، فإن قيل فما معنى قوله: وَ إِقََامِ اَلصَّلاََةِ ؟قلنا عنه جوابان: أحدهما: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها و الثاني: يجوز أن يكون قوله: وَ إِقََامِ اَلصَّلاََةِ تفسيرا لذكر اللََّه فهم يذكرون اللََّه قبل الصلاة و في الصلاة.

المسألة العاشرة: قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة[3]في قوله: وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها، و الوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج، يقال أقمت الصلاة إقامة و كان الأصل إقواما، و لكن قلبت الواو ألفا فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاما،

398

فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف و قامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، قال و هذا إجماع من النحويين.

المسألة الحادية عشرة: اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض، و منهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس، و الأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب و كذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك، و قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما المراد من الزكاة طاعة اللََّه تعالى و الإخلاص، و كذا في قوله: وَ كََانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ [مريم: 55]و قوله: مََا زَكى‏ََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [النور: 21]و قوله: تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهََا [التوبة: 103]و هذا ضعيف لما تقدم و لأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، و هذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال.

المسألة الثانية عشرة: أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال و إن تعبدوا بذكر اللََّه و الطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل و الخوف فقال: يَخََافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ وَ اَلْأَبْصََارُ و ذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا اللََّه حق عبادته. و اختلفوا في المراد بتقلب القوب و الأبصار على أقوال: فالقول الأول: أن القلوب تضطرب من الهول و الفزع و تشخص الأبصار لقوله: وَ إِذْ زََاغَتِ اَلْأَبْصََارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ [الأحزاب: 10]الثاني: أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها لا تفقه و تبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن، و من الظن إلى اليقين، و من اليقين إلى المعاينة، لقوله:

وَ بَدََا لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مََا لَمْ/يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: 47]و قوله: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ [ق: 22]، الثالث: أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعا في النجابة و حذرا من الهلاك و الأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟و من أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل؟و المعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم ألبتة في ذلك اليوم، و أهل العقاب لا يرجون العفو، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع: أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر، و الأبصار تصير زرقا، قال الضحاك: يحشر الكافر و بصره حديد و تزرق عيناه ثم يعمى، و يتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصا حتى يقع في الحنجرة فهو قوله: إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ كََاظِمِينَ [غافر: 18]، الخامس: قال الجبائي المراد بتقلب القلوب و الأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار و مرة بهيئة ما احترق، قال و يجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم و هو معنى قوله تعالى: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 110].

المسألة الثالثة عشرة: قوله: لِيَجْزِيَهُمُ اَللََّهُ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم اللََّه و يثيبهم على أحسن ما عملوا، و فيه وجوه: الأول: المراد بالأحسن الحسنات أجمع، و هي الطاعات فرضها و نفلها، قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم. الثاني:

أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشرا إلى سبعمائة الثالث: قال القاضي: المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم و إنما يجزيهم اللََّه تعالى بأحسن الأعمال، و هذا مستقيم على مذهبه في الإحباط و الموازنة.

أما قوله تعالى: وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال و لا يقتصر على قدر

399

استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى في سائر الآيات من التضعيف، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثرا في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل و أنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئا، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق و الزائد عليه هو الفضل ثم قال: وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ نبه به على كمال قدرته و كمال جوده و نفاذ مشيئته و سعة إحسانه، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد و الاجتهاد في الطاعة، و مع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، و يزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.

في قوله تعالى وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مََاءً حَتََّى إِذََا جََاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن، و أنه في الدنيا يكون في النور و بسببه يكون متمسكا بالعمل الصالح، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزا بالنعيم المقيم و الثواب العظيم، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، و في الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، و ضرب لكل واحد منهما مثلا، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ قال الأزهري: السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري و ليس بماء و لكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جاريا يقال سرب الماء يسرب سروبا إذا جرى فهو سارب، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيرا، و ظاهر كلام الخليل أن الآل و السراب واحد، و أما القيعة فقال الفراء: هو جمع قاع مثل جار و جيرة و القاع المنبسط المستوي من الأرض و قال صاحب «الكشاف» القيعة بمعنى القاع، و قال الزجاج الظمآن: قد يخفف همزه، و هو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثوابا، مع أنه يعتقد أن له ثوابا عليه، و إن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقابا مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثوابا، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثوابا عند اللََّه تعالى، فإذا وافى عرصات القيامة، و لم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته و تناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به و يرجو به النجاة و يقوى طمعه فإذا جاءه و أيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه و هذا المثال في غاية الحسن، قال مجاهد السراب عمل الكافر و إتيانه إياه موته و مفارقة الدنيا فإن قيل قوله: حَتََّى إِذََا جََاءَهُ يدل على كونه شيئا و قوله: لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مناقض له؟قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجده شيئا نافعا كما يقال فلان ما عمل شيئا و إن كان قد اجتهد الثاني: /حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث: الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب و هباء و إذا قرب منه رق و انتثر و صار كالهواء.

أما قوله: وَ وَجَدَ اَللََّهَ عِنْدَهُ فَوَفََّاهُ حِسََابَهُ أي وجد عقاب اللََّه الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم، أو وجد زبانية اللََّه عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه‏

400

الحميم و الغساق، و هم الذين قال اللََّه تعالى فيهم‏ عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ [الغاشية: 3]، وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف: 104]، وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [الفرقان: 23]و قيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان قد تعبد و لبس المسوح و التمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

أما قوله: وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب، و قال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن، و لو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك، }و أما المثل الثاني فهو قوله: أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ و في لفظة (أو) هاهنا وجوه: أحدها: اعلم أن اللََّه تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب و إن كانت قبيحة فهي الظلمات و ثانيها: تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة و ذلك في الآخرة و إما كظلمات في بحر و ذلك في الدنيا و ثالثها: الآية الأولى في ذكر أعمالهم و أنهم لا يتحصلون منها على شي‏ء، و الآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال: يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ* [البقرة: 257]أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى:

وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 40]و أما البحر اللجي فهو ذو اللجة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر، و في اللجى لغتان كسر اللام و ضمها، و أما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة، و لما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها و من أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى: لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا و بين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده و هو ضد المؤمن في قوله تعالى: نُورٌ عَلى‏ََ نُورٍ [النور: 35]و في قوله: يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ [الحديد: 12]و لهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه و عمله و مدخله و مخرجه و مصيره إلى النار، و في كيفية هذا التشبيه وجوه أخر: أحدها: أن اللََّه تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر و ظلمة الأمواج و ظلمة السحاب و كذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد و ظلمة القول و ظلمة القول و ظلمة العمل عن الحسن و ثانيها: شبهوا قلبه و بصره و سمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس و ثالثها: أن الكافر لا يدري أنه و لا يدري أنه لا يدري و يعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثالث تشبه تلك الظلمات و رابعها: أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه/الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها و خامسها: قلب مظلم في صدر مظلم.

أما قوله: ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ فروي عن ابن كثير أنه قرأ (سحاب) و قرأ (ظلمات) بالجر على البدل من قوله: أَوْ كَظُلُمََاتٍ و عنه أيضا أنه قرأ سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ كما يقال سحاب رحمة و سحاب عذاب على الإضافة و قراءة الباقين سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ كلاهما بالرفع و التنوين و تمام الكلام عند قوله: سَحََابٌ ثم ابتدأ ظُلُمََاتٌ أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض.

أما قوله: لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا ففيه قولان: أحدهما: أن كاد نفيه إثبات و إثباته نفي فقوله: وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71]نفي في اللفظ و لكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك و

قوله عليه الصلاة و السلام: «كاد الفقر أن يكون كفرا»

إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا هاهنا قوله: لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا

401

معناه أنه رآها و الثاني: أن كاد معناه المقاربة فقوله: لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا معناه لم يقارب الوقوع و معلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضا و هذا القول هو المختار و الأول ضعيف لوجهين: الأول: أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شي‏ء فكيف مع هذه الظلمات الثاني: أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار و ذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات.

أما قوله: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء و الظهور عقبها بأن قال: يَهْدِي اَللََّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشََاءُ و لما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ و المقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان و ظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق اللََّه تعالى و هدايته و تكوينه، و قال القاضي المراد بقوله: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً أي في الدنيا بالألطاف فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ أي لا يهتدي فيتحير و يحتمل وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً أي مخلصا في الآخرة و فوزا بالثواب فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ و الكلام عليه تزييفا و تقريرا معلوم.

اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين و ظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد:

فالنوع الأول: ما ذكره في هذه الآية في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و لا شبهة في أن المراد أ لم تعلم لأن التسبيح لا/تتناوله الرؤية بالبصر و يتناوله العلم بالقلب، و هذا الكلام و إن كان ظاهره استفهاما فالمراد التقرير و البيان، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السموات يسبح له و كذلك من في الأرض.

و اعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال، و إما أن يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح و تتكلم به، و إما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه و في حق الباقين النطق باللسان، و القسم الأول أقرب لأن القسم الثاني متعذر، لأن في الأرض من لا يكون مكلفا لا يسبح بهذا المعنى، و المكلفون منهم من لا يسبح أيضا بهذا المعنى كالكفار، أما القسم الثالث و هو أن يقال إن من في السموات و هم الملائكة يسبحون باللسان، و أما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان و منهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة و المجاز معا و هو غير جائز فلم يبق إلا القسم الأول و ذلك لأن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها و صفاتها دالة على تنزيه اللََّه سبحانه و تعالى و على قدرته و إلهيته و توحيده و عدله فسمى ذلك تنزيها على وجه التوسع. فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هاهنا بالعقلاء؟قلنا لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب و الغرائب في خلقهم أكثر و هي العقل و النطق و الفهم.

أما قوله تعالى: وَ اَلطَّيْرُ صَافََّاتٍ فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما قبله؟و الجواب: أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات و أهل الأرض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء الذي هو بين السماء و الأرض

402

و هو الطير يسبحون، و ذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض و البسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه و جعل طيرانها سجودا منها له سبحانه، و ذلك يؤكد ما ذكرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق اللساني.

أما قوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاََتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ ففيه ثلاثة أوجه: الأول: المراد كل قد علم اللََّه صلاته و تسبيحه قالوا و يدل عليه قوله سبحانه: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِمََا يَفْعَلُونَ و هو اختيار جمهور المتكلمين و الثاني: أن يعود الضمير في الصلاة و التسبيح على لفظ كُلٌّ أي إنهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة و التسبيح و الثالث: أن تكون الهاء راجعة على ذكر اللََّه يعني قد علم كل مسبح و كل مصل صلاة اللََّه التي كلفه إياها و على هذين التقديرين فقوله: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ استئناف و

روي عن أبي ثابت قال كنت جالسا عند محمد بن جعفر الباقر رضي اللََّه عنه فقال لي: أ تدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس و بعد طلوعها؟قال لا، قال فإنهن يقدسن ربهن و يسألنه قوت يومهن.

و استبعد المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة باللََّه تعالى لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا و إشارتنا لكنها ليست كذلك، فإنا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصانا من الصبي الذي/لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، و إذا ثبت أنها لا تعرف اللََّه تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق، فثبت أنها لا تسبح اللََّه إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره.

قال بعض العلماء إنا نشاهد أن اللََّه تعالى ألهم الطيور و سائر الحشرات أعمالا لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، و إذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته و دعاءه و تسبيحه، و بيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه: أحدها: احتيالها في كيفية الاصطياد فتأمل في العنكبوت كيف يأتي بالحيل اللطيفة في اصطياد الذباب، و يقال إن الدب يستلقي في ممر الثور فإذا أرام نطحه شبث ذراعيه بقرينه و لا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه، و أنه يرمي بالحجارة و يأخذ العصا و يضرب الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه و ربما عاود يتشممه و يتجسس نفسه و يصعد الشجر أخف صعود و يهشم الجوز بين كفيه تعريضا بالواحدة و صدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره و يستف لبه، و يحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. و ثانيها: أمر النحل و مالها من الرياسة و بناء البيوت المسدسة التي لا بتمكن من بنائها أفاضل المهندسين و ثالثها: انتقال الكراكي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلبا لما يوافقها من الأهوية، و يقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتا ما و الكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها، و الفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله، و التماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها كالعقعق و ينظف ما بين أسنانها، و على رأس ذلك الطير كالشوك فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج الطائر، و السلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعترا جبليا ثم تعود و قد عوفيت من ذلك، و حكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى و تنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود و لا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ قاعدا في كن غائر فعل القنصة و كانت البقلة قريبة من مكمنه فلما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها ففقدته و أخذت تدور حول منبتها دورانا متتابعا حتى خر ميتا فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها من اللسعة، و تلك البقلة كانت هي الجرجير البري، و أما ابن عرس فيستظهر في قتال‏

403

الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى و الكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح، و إذا جرحت اللقالق بعضها بعضا داوت جراحها بالصعتر الجبلى و رابعها: القنافذ قد تحس بالشمال و الجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها و كان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها و ينتفع الناس بإنذاره و كان السبب فيه قنفذا في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به، و الخطاف صانع جيد في اتخاذ العش من الطين و قطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل و تمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين، و إذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ و يأخذ ذرقها بمنقاره و يرميها عن العش، ثم يعلمها إلقاء الذرق نحو طرف العش، و إذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبجة و قربت منه مطمعة له/ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها، و ناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دودا، و الغرانيق تصعد في الجو جدا عند الطيران فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا يلزم به بعضها بعضا، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه، و إذا سمع حرسا صاح، و حال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب، و اعلم أن الاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان، و المقصود أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنها ملهمة من عند اللََّه تعالى بمعرفته و الثناء عليه و إن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس؟و للََّه در شهاب الإسلام السمعاني حيث قال: جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال.

أما قوله سبحانه: وَ لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِلَى اَللََّهِ اَلْمَصِيرُ فهو مع و جازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ و المعاد، فقوله: وَ لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن و محدث و الممكن و المحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل في هذه القضية جميع الأجرام و الأعراض و أفعال العباد و أقوالهم و خواطرهم.

و أما قوله: وَ إِلَى اَللََّهِ اَلْمَصِيرُ فهو عبارة تامة في معرفة المعاد و هو أنه لا بد من مصير الكل إليه سبحانه، و له وجه آخر و هو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف نازلا إلى الأخس فالأخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقيا إلى الأشرف فالأشرف، فإنه يكون جسما ثم يصيره موصوفا بالنباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، فالاعتبار الأول هو قوله: وَ لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و الثاني هو قوله: وَ إِلَى اَللََّهِ اَلْمَصِيرُ .

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدلائل‏ في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: أَ لَمْ تَرَ بعين عقلك و المراد التنبيه و الإزجاء السوق قليلا قليلا، و منه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد و إزجاء السير في الإبل الرفق بها حتى تسير شيئا فشيئا ثم يؤلف بينه، قال الفراء

404

(بين) لا يصلح إلا مضافا إلى اسمين فما زاد، و إنما قال بَيْنَهُ لأن السحاب واحد في اللفظ، و معناه الجمع و الواحد سحابة، قال اللََّه تعالى: وَ يُنْشِئُ اَلسَّحََابَ اَلثِّقََالَ [الرعد: 12]و التأليف ضم شي‏ء إلى شي‏ء أي يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحابا واحدا ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً أي مجتمعا، و الركم جمعك شيئا فوق شي‏ء حتى تجعله مركوما، و الودق: المطر، قاله ابن عباس و عن مجاهد: القطر، و عن أبي مسلم الأصفهاني: الماء.

مِنْ خِلاََلِهِ من (شقوقه و مخارقه) (1) جمع خلل كجبال في جمع جبل، و قرئ من خلله .

المسألة الثانية: اعلم أن قوله: يُزْجِي سَحََاباً يحتمل أنه سبحانه ينشئه شيئا بعد شي‏ء، و يحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا في حالة واحدة، فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثا، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه، و على الثاني يكون المحدث من قبل اللََّه تعالى تلك الصفات التي باعتبارها صارت تلك الأجسام سحابا، و في قوله: ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ دلالة على وجودها متقدما متفرقا إذ التأليف لا يصح إلا بين موجودين، ثم إنه سبحانه يجعله ركاما، و ذلك بتركب بعضها على البعض، و هذا مما لا بد منه لأن السحاب إنما يحمل الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة و كل ذلك من عجائب خلقه و دلالة ملكه و اقتداره، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب و المطر و الثلج و البرد و الطل و الصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار و في الأقل من تكاثف الهواء، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلا و كان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل و ينقلب هواء. و أما إن كان البخار كثيرا و لم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فإن بلغت فإما أن يكون البرد هناك قويا أو لا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد، و اجتمع و تقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب، و المتقاطر هو المطر، و الديمة و الوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم، و أما إن كان البرد شديدا فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها و انحلالها جبات كبارا أو بعد صيرورتها كذلك، فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجا، و إن كان على الوجه الثاني نزل بردا، و أما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة، فإن كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحابا ماطرا و قد لا تنعقد، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة: أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة و ثانيها: أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح. و ثالثها: /أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ و رابعها: أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله و بطء حركته، ثم يلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة العدد و خامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض. و قد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعودا يسيرا حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة، و يكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة و الذين يكونون تحت الغمامة يمطرون و الذين يكونون فوقها يكونون في الشمس، و أما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل كثفها و عقدها ماء محسوسا فنزل نزولا متفرقا لا يحس به إلا عند اجتماع شي‏ء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلا، و إن جمد كان صقيعا، و نسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر، و أما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عند ما يبرد الهواء و ينقبض، و حينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة و الجواب: أنا لما دللنا على حدوث الأجسام و توسلنا بذلك إلى كونه قادرا مختارا يمكنه إيجاد

____________

(1) في الكشاف (فتوقه و مخارجه) 3/70 ط. دار الفكر.

405

الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه، و أيضا فهب أن الأمر كما ذكرتم، و لكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر. ثم إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود و الهبوط و اللطافة و الكثافة و الحرارة و البرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبائع و تلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال و خالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحابا، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها و التصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاما، فثبت على جميع التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة و الحكمة ظاهر بين.

أما قوله سبحانه: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن في السماء جبالا من برد خلقها اللََّه تعالى كذلك، ثم ينزل منها ما شاء و هذا القول عليه أكثر المفسرين، قال مجاهد و الكلبي: جبال من برد في السماء و القول الثاني:

أن السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمي بذلك لسموه و ارتفاعه، و أنه تعالى أنزل من هذا الغيم الذي هو سماء البرد و أراد بقوله مِنْ جِبََالٍ السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال، كما يقال فلان يملك جبالا من مال و وصفت بذلك توسعا و ذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه اللََّه تعالى في السحاب، ثم أنزله إلى الأرض، و قال بعضهم إنما سمى اللََّه ذلك الغيم جبالا، لأنه سبحانه خلقها من البرد، و كل جسم شديد متحجر فهو من الجبال، و منه قوله تعالى: وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ [الشعراء: 184]و منه فلان مجبول على كذا، قال المفسرون و الأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فجعله اسما للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز، و كما يصح أن يجعل اللََّه الماء في السحاب ثم ينزله بردا، فقد يصح أن يكون في /السماء جبال من برد، و إذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قوله تعالى: مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، و الثانية للتبعيض لأن ما ينزله اللََّه بعض تلك الجبال التي في السماء و الثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد، ثم قال و مفعول الإنزال محذوف و التقدير و ينزل من السماء من جبال فيها من برد، إلا أنه حذف للدلالة عليه.

أما قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ فالظاهر أنه راجح إلى البرد، و معلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان و نبات، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة و يصرفه، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه، و من الناس من حمل البرد على الحجر و جعل نزوله جاريا مجرى عذاب الاستئصال و ذلك بعيد.

أما قوله تعالى: يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ على الإدغام و قرئ (برقه) جمع برقة و هي المقدار من البرق و برقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات، و (سناء برقه) على المد و المقصور بمعنى الضوء و الممدود بمعنى العلو و الارتفاع من قولك سنى للمرتفع و يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ على زيادة الباء كقوله: وَ لاََ

406

تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ [البقرة: 195]عن أبي جعفر المدني.

المسألة الثانية: وجه الاستدلال بقوله: يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد و أن يكون نارا عظيمة خالصة، و النار ضد الماء و البرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد، و ذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم.

المسألة الثالثة: اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهبا معه إلى الدار، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية.

أما قوله: يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ فقيل فيه وجوه: منها تعاقبهما و مجي‏ء أحدهما بعد الآخر و هو كقوله: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ خِلْفَةً [الفرقان: 62]و منها ولوج أحدهما في الآخر و أخذ أحدهما من الآخر. و منها تغير أحوالهما في البرد و الحر و غيرهما و لا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام و الاعتبار أولى و أقوى.

أما قوله تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر و يتفكر في هذه الأمور، و يدل أيضا على فساد التقليد.

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية و ذلك لأنه لما استدل أولا بأحوال السماء و الأرض و ثانيا بالآثار العلوية استدل ثالثا بأحوال الحيوانات، و اعلم أن على هذه الآية سؤالات:

السؤال الأول: لم قال اللََّه تعالى: وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من الماء؟أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عددا و هم مخلوقون من النور، و أما الجن فهم مخلوقون من النار، و خلق اللََّه آدم من التراب لقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ [آل عمران: 59]و خلق عيسى من الريح لقوله: فَنَفَخْنََا فِيهِ مِنْ رُوحِنََا [التحريم: 12]و أيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات متولد لا عن النطفة و الجواب من وجوه:

أحدها: و هو الأحسن ما قاله القفال و هو أن قوله: مِنْ مََاءٍ صلة كل دابة و ليس هو من صلة خلق، و المعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة للََّه تعالى و ثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما

يروى «أول ما خلق اللََّه تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار و الهواء و النور» ،

و لما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة و كان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه و ثالثها:

أن المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض و مسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة و الجن، و لما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدة من النطفة، و إما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل.

407

السؤال الثاني: لم نكر الماء في قوله: مِنْ مََاءٍ و جاء معرفا في قوله: وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30]و الجواب: إنما جاء هاهنا منكرا لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة، و إنما جاء معرفا في قوله: وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، و هاهنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة.

السؤال الثالث: قوله: فَمِنْهُمْ ضمير العقلاء و كذلك قوله: مِنْ فلم استعمله في غير العقلاء؟ و الجواب: أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل و هم الملائكة و الإنس و الجن فغلب/اللفظ اللائق بمن يعقل، لأن جعل الشريف أصلا و الخسيس تبعا أولى من العكس، و يقال في الكلام: من المقبلان؟لرجل و بعير.

السؤال الرابع: لم سمى الزحف على البطن مشيا؟ و يبين صحة هذا السؤال أن الصبي قد يوصف بأنه يحبو و لا يقال إنه يمشي و إن زحف على حد ما تزحف الحية و الجواب: هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، و يقال فلان لا يتمشى له أمر أو على طريق المشاكلة (لذلك) (1) الزاحف مع الماشين.

السؤال الخامس: أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثال العناكب و العقارب و الرتيلات بل مثل الحيوان الذي له أربعة و أربعون رجلا الذي يسمى دخال الأذن و الجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا بالعدم و لأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع، و لأن قوله تعالى: يَخْلُقُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ كالتنبيه على سائر الأقسام.

السؤال السادس: لم جاءت الأجناس الثابثة على هذا الترتيب؟ و الجواب: قد قدم ما هو (أعجب) (2) و هو الماشي بغير آله مشى من أجل أو قوائم ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع، و اعلم أن قوله: يَخْلُقُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ تنبيه على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور أخر، فلنذكر هاهنا بعض التقسيمات:

التقسيم الأول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء و قد تتباين بأعضاء، أما الشركة فمثل اشتراك الإنسان و الفرس في أن لهما لحما و عصبا و عظما، و أما التباين فإما أن يكون في نفس العضو أو في صفته، أما التباين في نفس العضو فعلى وجهين: أحدهما: أن لا يكون العضو حاصلا للآخر، و إن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني كالفرس و الإنسان، فإن الفرس له ذنب و الإنسان ليس له ذنب و لكن أجزاء الذنب ليست إلا العظم و العصب و اللحم و الجلد و الشعر، و كل ذلك حاصل للإنسان و الثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا بذاته و لا بأجزائه مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به و ليس للإنسان ذلك و كذا للسمك فلوس و للقنفذ شوك و ليس شي‏ء منها للإنسان و أما التباين في صفة العضو، فإما أن يكون من باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال، أما الذي في الكم، فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة و عين العقاب صغيرة أو بالعدد مثل أن أرجل

____________

(1) في الكشاف للزمخشري (لذكر) 3/71 ط. دار الفكر.

(2) في الكشاف للزمخشري (أعرق في القدرة) 3/71 ط. دار الفكر.

408

ضرب من العناكب ستة و أرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، و الذي في الكيف فكاختلافها في الألوان و الأشكال و الصلابة و اللين، و الذي في الوضع فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه يكون قريبا من الصدر و ثدي الفرس فإنه عند السرة. و أما الذي في الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحا للذب مع كونه آلة للسمع و ليس كذلك في الإنسان و كون/أنفه آلة للقبض دون أنف غيره. و أما الذي في الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الضوء و عين الخطاف بخلاف ذلك.

التقسيم الثاني: الحيوان إما أن يكون مائيا بمعنى أن مسكنه الأصلي هو الماء أو أرضيا أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا، أما الحيوانات المائية فتغير أحوالها من وجوه: الأول: أنه إما أن يكون مكانه و غذاؤه و نفسه مائيا فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائي فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده و لا يعيش إذا فارقه، و السمك كله كذلك و منه ما مكانه و غذاؤه مائي و لكنه يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية، و منه ما مكانه و غذاؤه مائي و ليس يتنفس و لا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء و لا تستدخل الماء إلى باطنها الوجه الثاني:

الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية و بعضها مياه البطائح مثل الضفادع و بعضها مأواها مياه البحر الوجه الثالث: منها لجية و منها شطية و منها طينية و منها صخرية الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه و في السباحة على أجنحته كالسمك و منه ما يعتمد في السباحة على رجليه كالضفدع و منه ما يمشي في قعر الماء كالسرطان و منه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له و كالدود، أما الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضا من وجهين: الأول: أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم و الخيشوم و منها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من مسامه مثل الزنبور و النحل الثاني: أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى معلوم، و منها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة و اللواتي لها مأوى فبعضها مأواه شق و بعضها حفر و بعضها مأواه قلة رابية و بعضها مأواه وجه الأرض الثالث: الحيوان البري كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشي برجليه، و من جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود و الخفاش. و أما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير الرابع: الطير يختلف فبعضها يتعايش معا كالكراكي و بعضها يؤثر التفرد كالعقاب و جميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد و منافستها فيه، و منها ما يتعايش زوجا و يكون معا كالقطا، و منه ما يجتمع تارة و ينفرد أخرى و الحيوانات المنفردة قد تكون مدنية و قد تكون برية صرفة و قد تكون بستانية و الإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده فإن أسباب حياته و معيشته تلتئم بالمشاركة المدنية و النحل و النمل و بعض الغرانيق يشارك الإنسان في ذلك لكن النحل و الكراكي تطيع رئيسا واحدا و النمل له اجتماع و لا رئيس الخامس: الطير منه آكل لحم و منه لا قط حب و منه آكل عشب، و قد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فإن غذاءه زهر و العنكبوت فإن غذاءه الذباب و قد يكون بعضه متفق الطعم أما القسم الثالث: و هو الحيوان الذي يكون تارة مائيا، و أخرى بريا فيقال إنه حيوان يكون في البحر و يعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر و يبقى فيه.

التقسيم الثالث: الحيوان منه ما هو إنسي بالطبع كالإنسان و منه ما هو إنسي بالمولد كالهرة و الفرس و منه ما هو إنسي بالقسر كالفهد و منه ما لا يأنس كالنمر و المستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه و يبقى مستأنسا كالفيل و منه ما يبطئ كالأسد و يشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسي و صنف وحشي حتى من الناس.

409

التقسيم الرابع: من الحيوان ما هو مصوت و منه ما لا صوت له و كل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام و حركة شهوة الجماع أشد تصويتا إلا الإنسان، و أيضا لبعض الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك و منه عفيف له وقت معين.

التقسيم الخامس: بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب مثل البقرة و بعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري و بعضها حليم خدوع كالبعير و بعضها ردي‏ء الحركات مغتال كالحية و بعضها جري‏ء قوي شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد و منها قوي مغتال وحشي كالذئب و بعضها محتال مكار ردي‏ء الحركات كالثعلب و بعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب و بعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل و القرد و بعضها حسود متباه بجماله كالطاووس و بعضها شديد التحفظ كالجمل و الحمار.

التقسيم السادس: من الحيوان ما تناسله بأن تلد أنثاه حيوانا و بعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دودا كالنحل و العنكبوت فإنها تلد دودا، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد و بعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضا.

و اعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال، و وجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها و قواها و مقادير أبدانها و أعمارها و أخلاقها لا بد و أن يكون بتدبير مدبر قاهر حكيم سبحانه و تعالى عما يقول الجاحدون. و أحسن كلام في هذا الموضع قوله سبحانه: يَخْلُقُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ لأنه هو القادر على الكل و العالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها و أي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها، بل هو الذي يخلق ما يشاء و لا يمنعه منه مانع و لا دافع.

و أما قوله: لَقَدْ أَنْزَلْنََا آيََاتٍ مُبَيِّنََاتٍ فالأولى حمله على كل الأدلة و العبر، و لما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد.

أما قوله: وَ اَللََّهُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ فاستدلال أصحابنا به كما تقدم و الجواب: أجاب القاضي عنه بأن المراد يهدي من بلغه حد التكليف دون غيره، أو يكون المراد من أطاعه و استحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما تقدم في نظائره، و جوابنا عن هذا الجواب أيضا كما تقدم في نظائره و اللََّه أعلم.

اعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم و لكنهم لم يقبلوه بقلوبهم و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق و كان قد خاصم يهوديا في أرض و كان اليهودي يجره إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ليحكم بينهما، و جعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، و يقول إن محمدا

410

يحيف علينا و قد مضت قصتهما في سورة النساء، و

قال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه و بين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فوقع إلى علي منها ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة بمعني أرضك فباعها إياه و تقابضا فقيل للمغيرة أخذت سبخة لا ينالها الماء. فقال لعلي اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها و لم أرضها فلا ينالها الماء فقال علي بل اشتريتها و رضيتها و قبضتها و عرفت حالها لا أقبلها منك، و دعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فقال المغيرة أما محمد فلست آتيه و لا أحاكم إليه فإنه يبغضني و أنا أخاف أن يحيف علي فنزلت هذه الآية،

و قال الحسن نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان و يسرون الكفر.

المسألة الثانية: قوله: وَ يَقُولُونَ آمَنََّا إلى قوله: وَ مََا أُولََئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول إذ لو كان به لما صح أن ينفي كونهم مؤمنين. و قد فعلوا ما هو إيمان في الحقيقة، فإن قيل إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا، ثم حكى عن فريق منهم التولي/فكيف يصح أن يقول في جميعهم وَ مََا أُولََئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ مع أن الذي تولى منهم هو البعض؟قلنا إن قوله: وَ مََا أُولََئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، و أيضا فلو رجع إلى الأول يصح و يكون معنى قوله: ثُمَّ يَتَوَلََّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه، }ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى اللََّه و رسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، و هذا ترك للرضا بحكم الرسول، }و نبه بقوله تعالى: وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ اَلْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض بل سارعوا إلى الحكم و أذعنوا ببذل الرضا، و في ذلك دلالة على أنه ليس بهم اتباع الحق، و إنما يريدون النفع المعجل، و ذلك أيضا نفاق.

أما قوله تعالى: أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتََابُوا أَمْ يَخََافُونَ أَنْ يَحِيفَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ ففيه سؤالات:

السؤال الأول: كلمة (أم) للاستفهام و هو غير جائز على اللََّه تعالى و الجواب: اللفظ استفهام و معناه الخبر كما قال جرير:

أ لستم خير من ركب المطايا # [و أندى العالمين بطون راح‏ (1) ]

السؤال الثاني: أنهم لو خافوا أن يحيف اللََّه عليهم فقد ارتابوا في الدين و إذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في التعديد؟ الجواب: قوله: أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إشارة إلى النفاق و قوله: أَمِ اِرْتََابُوا إشارة إلى أنه حدث هذا الشك و الريب بعد تقرير الإسلام في القلب، و قوله: أَمْ يَخََافُونَ أَنْ يَحِيفَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه.

السؤال الثالث: هب أن هذه الثلاثة متغايرة و لكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة (أم) ؟ الجواب:

الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض و هو النفاق، و كان فيها شك و ارتياب، و كانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة و السلام و كل واحد من ذلك كفر و نفاق، ثم بين تعالى بقوله: بَلْ أُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ بطلان ما هم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالما لنفسه أو ظالما لغيره، و يمكن أن يقال أيضا لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف، أبطل ذلك بقوله: بَلْ أُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ أي لا يخافون أن يحيف

____________

(1) معناه إثبات أنهم كذلك، و لو كان الاستفهام على حقيقته لكان ذما لهم.

411

الرسول عليه الصلاة و السلام عليهم لمعرفتهم بأمانته و صيانته و إنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم و هم له جحود، و ذلك شي‏ء لا يستطيعونه في مجلس رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ثم يأبون المحاكمة إليه.

اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين و ما قالوه و ما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه و ما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: إِنَّمََا كََانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الحسن قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ بالرفع، و النصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسما لكان أو غلهما في التعريف و أَنْ يَقُولُوا أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ .

المسألة الثانية: قوله: إِنَّمََا كََانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ معناه كذلك يجب أن يكون قولهم و طريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب اللََّه و رسوله أن يقولوا سمعنا و أطعنا، فيكون إتيانهم إليه و انقيادهم له سمعا و طاعة، و معنى سَمِعْنََا أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع اللََّه لمن حمده أي قبل و أجاب، ثم قال: وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أي فيما ساءه و سره وَ يَخْشَ اَللََّهَ فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي وَ يَتَّقْهِ فيما بقي من عمره فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََائِزُونَ و هذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه.

أما قوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ فقال مقاتل: من حلف باللََّه/فقد أجهد في اليمين، ثم قال لما بين اللََّه تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول اللََّه، فقالوا و اللََّه لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا و أموالنا و نسائنا لخرجنا، و إن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله:

قُلْ لاََ تُقْسِمُوا و لو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر و الواجب لا يجوز أن ينهى عنه، و إذا ثبت ذلك أن قسمهم كان لنفاقهم و أن باطنهم خلاف ظاهرهم، و من نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحا.

أما قوله: طََاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه، و قيل معناه دعوا القسم و لا تغتروا به و عليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها. و قرأ اليزيدي طََاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بالنصب على معنى أطيعوا طاعة (اللََّه) (1)

____________

(1) لفظ (اللََّه) غير مثبت في الكشاف للزمخشري حيث إن الكلام منقول عنه. 3/73 ط. دار الفكر.

412

إِنَّ اَللََّهَ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ أي بصير لا يخفى عليه شي‏ء من سرائركم، و إنه فاضحكم لا محالة و مجازيكم على نفاقكم.

أما قوله: قُلْ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمََا عَلَيْهِ مََا حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ مََا حُمِّلْتُمْ فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، و هو أبلغ في تبكيتهم فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني إن تولوا عن طاعة اللََّه و طاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة و عليكم ما حملتم من الطاعة وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا أي تصيبوا الحق و إن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين، و البلاغ بمعنى التبليغ، و المبين الواضح، و الموضح لما بكم إليه الحاجة، و عن نافع أنه قرأ فَإِنَّمََا عَلَيْهِ مََا حُمِّلَ بفتح الحاء و التخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية.

في قوله تعالى وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ اعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول و أطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد اللََّه الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان و العمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء و الغالبين و المالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود و سليمان عليهما السلام و غيرهما، و أنه يمكن لهم دينهم و تمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة و الإعزاز و يبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم و يأمنوا بذلك شرهم، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا و لا يخافون وَ مَنْ كَفَرَ أي من بعد هذا الوعد و ارتد فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ .

و اعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر إلى معاقدها:

المسألة الأولى: قوله تعالى: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام و الموصوف بالنوع موصوف بالجنس، و لأنه سبحانه ملك مطاع و الملك المطاع لا بد و أن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه و وعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم.

المسألة الثانية: الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن الحكم، فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها و وجه الاستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شي‏ء في المستقبل إخبارا على التفصيل و قد وقع المخبر مطابقا للخبر و مثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات لأنه قال: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ... وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‏ََ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً و قد فعل كل ذلك و صدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات.

المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال يَعْبُدُونَنِي ، و قالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل اللََّه تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني و قالوا أيضا الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل، لأن من فعل فعلا لغرض فلا بد و أن يكون مريدا لذلك الغرض.

413

المسألة الخامسة: دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله: لاََ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً و ذلك يدل على نفي الإله الثاني، و على أنه لا يجوز عبادة غير اللََّه تعالى سواء كان كوكبا كما تقوله الصابئة أو صنما كما تقوله عبدة الأوثان.

المسألة السادسة: دلت الآية على صحة نبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم لأنه أخبر عن الغيب في قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ... وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‏ََ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً و قد وجد هذا المخبر موافقا للخبر و مثل هذا الخبر معجز، و المعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى اللََّه عليه و سلم.

المسألة السابعة: دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافا للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان و المعطوف عليه.

المسألة الثامنة: دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة و ذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا و عملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد صلى اللََّه عليه و سلم و هو المراد بقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و أن يمكن لهم دينهم المرضي و أن يبدلهم بعد الخوف أمنا، و معلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده و معلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة و معلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر و عمر و عثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة و حصل التمكين و ظهور الدين و الأمن و لم يحصل ذلك في أيام علي رضي اللََّه عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء، فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن و عمل صالحا و لم يكن الأمر كذلك نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ هو أنه تعالى يسكنهم الأرض و يمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة اللََّه تعالى و مما يدل عليه قوله: كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ و استخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضا كذلك نزلنا عنه، لكن هاهنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول اللََّه لأن من مذهبكم أنه عليه الصلاة و السلام لم يستخلف أحدا و

روي عن علي عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم رسول اللََّه.

نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه عليا عليه السلام و الواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ [القدر: 1]و قال في حق علي عليه السلام: اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ [المائدة: 55]نزلنا عنه، و لكن نحمله على الأئمة الإثني عشر و الجواب عن الأول أن كلمة من للتبعيض فقوله: مِنْكُمْ يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم و عن الثاني: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق فالذكور هاهنا في معرض البشارة لا بد و أن يكون مغايرا له.

و أما قوله تعالى: كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة و تارة بسبب الإمامة و الخلافة حاصلة في الصورتين و عن الثالث: أنه و إن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة و السلام لم يستخلف أحدا بالتعيين و لكنه قد استخلف بذكر الوصف و الأمر بالاختيار فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم و أن الرسول استخلفهم، و على هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول اللََّه، فالذي قيل إنه‏

414

عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين و إذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف و الأمر و عن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز و هو خلاف الأصل و عن الخامس: أنه باطل لوجهين: أحدهما:

قوله تعالى: مِنْكُمْ يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين و هؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة و الشوكة و النفاذ في العالم و لم يوجد ذلك فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة/الأربعة و بطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر و عمر و عثمان و على بطلان قول الخوارج الطاعنين على عثمان و علي، و لنرجع إلى التفسير.

أما قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام و النون في لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ، قلنا: هو محذوف تقديره: وعدهم اللََّه‏[و أقسم‏] (1) ليستخلفنهم أو نزل وعد اللََّه في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قال اقسم اللََّه ليستخلفنهم.

أما قوله: كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني كما استخلف هارون و يوشع و داود و سليمان و تقدير النظم ليستخلفنهم استخلافا كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، و قرئ كما استخلف بضم التاء و كسر اللام، و قرئ بالفتح.

أما قوله تعالى: وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‏ََ لَهُمْ فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذي ارتضى لهم و هو الإسلام، و قرأ ابن كثير و عاصم و يعقوب وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ و من الإبدال بالتخفيف و الباقون بالتشديد، و قد ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى: بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا [النساء: 56].

أما قوله: يَعْبُدُونَنِي لاََ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة اللََّه تعالى إلى الشرك. و قال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد اللََّه الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات في حال عبادتهم و إخلاصهم للََّه ليفعلن بهم كيت و كيت و يجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم.

أما قوله: وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذََلِكَ أي جحد حق هذه النعم فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ أي العاصون.

أما تفسير إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و لفظة لعل و لفظة الرحمة، فالكل قد تقدم مرارا.

و أما قوله: لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ فالمعنى لا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين فائقين حتى يعجزونني عن إدراكهم. و قرئ لا يحسبن بالياء المعجمة من تحتها، و فيه أوجه:

أحدها: أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان، و المعنى لا يحسبن الذين كفروا/أحدا يعجز اللََّه في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك و ثانيها: أن يكون فيه ضمير الرسول صلى اللََّه عليه و سلم لتقدم ذكره في قوله: وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ [النور: 54]و المعنى: }لا يحسبن الذين كفروا معجزين و ثالثها: أن يكون الأصل و لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول.

____________

(1) زيادة من الكشاف 3/74 ط. دار الفكر.

415

و أما قوله: وَ مَأْوََاهُمُ اَلنََّارُ وَ لَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ فقال صاحب‏[الكشاف‏]: النظم لا يحتمل أن يكون متصلا بقوله: لاََ تَحْسَبَنَّ لأن ذلك نفي و هذا إيجاب، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم مقهورون و مأواهم النار.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال القاضي: قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ و إن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال و النساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الكل و يبين ذلك قوله تعالى: اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ لأن ذلك يقال في الرجال و النساء و الأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي، و ذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالا من الرجال، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ يدخل فيه البالغون و الصغار، و حكي عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما أن المراد الصغار، و احتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه، قال ابن المسيب: لا يغرنكم قوله: و ما ملكت أيمانكم لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها و شعرها و شي‏ء من محاسنها، و قال الآخرون: بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته و ما شاكله، و ظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين و الأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره اللََّه تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله: لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور: 27]فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة و جوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن و دخول الموالي عليهم بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاََ عَلَيْهِمْ جُنََاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوََّافُونَ عَلَيْكُمْ أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة، و أكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات و ألحقهم بمن دخل تحت قوله: لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَهْلِهََا .

المسألة الثالثة: قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ إن أريد به العبيد و الإماء إذا كانوا بالغين فغير

416

ممتنع أن يكون أمرا لهم في الحقيقة، و إن أريد اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ لم يجز أن يكون أمرا لهم، و يجب أن يكون أمرا لنا بأن نأمرهم بذلك و نبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي، و قد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا و لهم بعد البلوغ، و لا يبعد أن يكون لفظ الأمر و إن كان في الظاهر متوجها عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجها على المولى كقولك للرجل: ليخفك أهلك و ولدك، فظاهر الأمر لهم و حقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

المسألة الرابعة:

قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما إن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بعث غلاما من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائما في البيت فدفع الباب و سلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب/و قام من خلفه و حركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي و دفع الباب ثم ناداه فاستيقظ و جلس و دخل الغلام فانكشف من عمر شي‏ء و عرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن اللََّه نهى أبناءنا و نساءنا و خدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى اللََّه عليه و سلم فوجده قد نزل عليه يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ فحمد اللََّه تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام و ما ذاك يا عمر؟فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم من صنعه و تعرف اسمه و مدحه، و قال: إن اللََّه يحب الحليم الحي العفيف المتعفف، و يبغض البذي‏ء الجري‏ء السائل الملحف»

فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر. و قال بعضهم: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل و المرأة و لعلهما يكونان في لحاف واحد، و قيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فقالت إن خدمنا و غلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية.

المسألة الخامسة: قال ابن عمر و مجاهد قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله:

اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ صيغة الذكور لا صيغة الإناث، و عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما هي في الرجال و النساء يستأذنون على كل حال بالليل و النهار، و الصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضا اطلاع النساء عليها و لكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه.

المسألة السادسة: من العلماء من قال الأمر في قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ على الندب و الاستحباب و منهم من قال إنه على الإيجاب و هذا أولى، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب.

أما قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ مِنْكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عمر الحلم بالسكون.

المسألة الثانية: اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ و اختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة و لم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه اللََّه لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة و يستكملها و في الجارية سبع عشرة سنة، و قال الشافعي و أبو يوسف و محمد رحمهم اللََّه في الغلام و الجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى:

وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ مِنْكُمْ يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن اللََّه تعالى لم يفرق بين من بلغها و بين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، و

روي عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم من جهات كثيرة: «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، و عن المجنون حتى يفيق، و عن الصبي حتى يحتلم»

و لم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة و بين من لم يبلغها، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضا بثماني عشرة سنة

417

أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة و كل ما كان مبنيا على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه و النقصان منه، و قد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة، و قد بينا أن الزيادة على/المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه اللََّه الزيادة كالنقصان، و هي ثلاث سنين، و قد حكى عن أبي حنيفة رحمه اللََّه تسع عشرة سنة للغلام، و هو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة و الدخول في التاسعة عشرة. حجة الشافعي رحمه اللََّه ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى اللََّه عليه و سلم يوم أحد و له أربع عشرة سنة فلم يجزه و عرض عليه يوم الخندق و له خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحدا كان في سنة ثلاث و الخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة؟ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه و يؤذن غير البالغ لقوته و لطاقته حمل السلاح و يدل على ذلك أنه عليه الصلاة و السلام ما سأله عن الاحتلام و السن.

البحث الثاني: اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغا، فأبو حنيفة و أصحابه ما جعلوه بلوغا و الشافعي رحمه اللََّه جعله بلوغا، قال أبو بكر الرازي رحمه اللََّه ظاهر قوله: وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ مِنْكُمْ ينفي أن يكون الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا و كذلك‏

قوله عليه السلام «و عن الصبي حتى يحتلم»

حجة الشافعي رحمه اللََّه تعالى ما

روى عطية القرظي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أمر بقتل من أنبت من قريظة و استحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني‏

قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به و بمثله لوجوه: أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية، و الخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام و ثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، و في بعضها من اخضر عذاره و معلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا و قد تقدم بلوغه و لا يكون قد جرت عليه الموسى إلا و هو رجل كبير، فجعل الإنبات و جرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن و هي ثماني عشرة سنة فأكثر و ثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ، قال الشافعي رحمه اللََّه هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي اللََّه عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره؟و هذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة.

البحث الثالث: و يروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار،

روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود و يقتص له و يقتص منه،

و عن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه، و هذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله:

ما زال مذ عقدت يداه إزاره # و سما فأدرك خمسة الأشبار

و أكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ و يكون طويلا، و فوق البلوغ و يكون قصيرا فلا عبرة به.

المسألة الثالثة: قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ، و قد عقل يؤمر بفعل الشرائع و ينهى عن ارتكاب القبائح فإن اللََّه أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، و

قال عليه السلام: «مروهم بالصلاة و هم أبناء سبع و اضربوهم عليها و هم أبناء عشر»

و عن ابن عمر رضي اللََّه عنه قال نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه

418

من شماله، و

عن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر و العصر جميعا و المغرب و العشاء جميعا، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها،

و عن ابن مسعود رضي اللََّه عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات و لا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم، ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم و ليعتاده و يتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ و أقل نفورا منه، و كذلك يجنب شرب الخمر و لحم الخنزير و ينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، و قال اللََّه تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نََاراً [التحريم: 6]قيل في التفسير أدبوهم و علموهم.

المسألة الرابعة: قال الأخفش: يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام، يحلم حلما بضم اللام، و من الحلم حلم بضم اللام، يحلم حلما بكسر اللام.

أما قوله تعالى: ثَلاََثَ مَرََّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاََةِ اَلْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيََابَكُمْ مِنَ اَلظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاََةِ اَلْعِشََاءِ ثَلاََثُ عَوْرََاتٍ لَكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: ثَلاََثَ مَرََّاتٍ يعني ثلاث أوقات، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات، و إنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة، ثم بين الأوقات فقال: مِنْ قَبْلِ صَلاََةِ اَلْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيََابَكُمْ مِنَ اَلظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاََةِ اَلْعِشََاءِ ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجردا عن الثياب مكشوف العورة.

المسألة الثانية: قوله: ثَلاََثُ عَوْرََاتٍ قرأ أهل الكوفة: ثلاث بالنصب على البدل من قوله: ثَلاََثَ مَرََّاتٍ و كأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه و قراءة الباقين بالرفع أي: هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات و المراد وقت الانكشاف.

المسألة الثالثة: العورة الخلل و منه أعور الفارس و أعور المكان و الأعور المختل العين، فسمى اللََّه تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة، لأن الناس يختل حفظهم و تسترهم فيها.

المسألة الرابعة: الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما: بقوله تعالى: ثَلاََثُ عَوْرََاتٍ لَكُمْ و الثاني: بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة و بين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، و أنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها و ليس كذلك ما عدا هذه الأوقات.

المسألة الخامسة: من الناس من قال إن قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَهْلِهََا [النور: 27] فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، و صار ذلك منسوخا بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة، و من الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن، و ما ذكره اللََّه تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن، و في بعضها بغير إذن. فلا وجه لحمل ذلك على النسخ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلا، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى: اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ يدخل فيه من قد بلغ‏

419

فالنسخ لازم، قلنا لا يجب ذلك أيضا، لأن قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة، و إذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد و الإماء، فلا يجب النسخ أيضا على هذا القول، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين.

المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رحمه اللََّه: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ.

و روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب اللََّه تركهن الناس و لا أرى أحدا يعمل بهن، قال عطاء حفظت اثنتين و نسيت واحدة، و قرأ هذه الآية و قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ [الحجرات:

13]و ذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله: وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‏ََ [النساء: 8]الآية.

أما قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاََ عَلَيْهِمْ جُنََاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوََّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ ففيه سؤالات:

السؤال الأول: أ تقولون في قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاََ عَلَيْهِمْ جُنََاحٌ أنه يقتضي الإباحة على كل حال؟ الجواب: قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة، و مباح لنا تمكينهم من ذلك و الدخول عليهم أيضا.

السؤال الثاني: فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم؟ الجواب: لا و إنما أباح اللََّه تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضا إذا ظن أن هناك كشف عورة، فإن قيل أ ليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال. و فيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة على ما تقدم ذكره.

السؤال الثالث: أ تقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم؟ الجواب: نعم/و في قوله:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاََ عَلَيْهِمْ جُنََاحٌ بَعْدَهُنَّ دلالة على أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره و قد نص تعالى على ذلك من بعد فقال: } وَ إِذََا بَلَغَ اَلْأَطْفََالُ مِنْكُمُ اَلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ و المراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه في وجوب الاستئذان، فهذا معنى قوله: كَمَا اِسْتَأْذَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ و قد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن و يفارق حاله حال من لم يخدم و لم يملك، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا و إن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن.

السؤال الرابع: الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك و من لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوي الرحم؟ و الأجنبي أيضا لو كان المملوك من ذوي الرحم هل يجب عليه الاستئذان؟الجواب: أما الصورة الأولى فنعم، إما لعموم قوله تعالى: لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا [النور: 27]أو بالقياس على المملوك، و من لم يبلغ الحلم بطريق الأولى، و أما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية.

السؤال الخامس: ما محل لَيْسَ عَلَيْكُمْ ؟ الجواب: إذا رفعت ثَلاََثُ عَوْرََاتٍ كان ذلك في محل‏

420

الرفع على الوصف، و المعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، و إذا نصبت لم يكن له محل، و كان كلاما مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

السؤال السادس: ما معنى قوله: طَوََّافُونَ عَلَيْكُمْ ؟ الجواب: قال الفراء و الزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم و طوافون عليكم، و الطوافون الذين يكثرون الدخول و الخروج و التردد، و أصله من الطواف، و المعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن.

السؤال السابع: بم ارتفع بَعْضُكُمْ ؟ الجواب: بالابتداء و خبره عَلى‏ََ بَعْضٍ على معنى طائف على بعض، و إنما حذف لأن طَوََّافُونَ يدل عليه.

أما قوله: وَ اَلْقَوََاعِدُ مِنَ اَلنِّسََاءِ اَللاََّتِي لاََ يَرْجُونَ نِكََاحاً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن السكيت: امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض و الجمع قواعد، و إذا أردت القعود قلت قاعدة، و قال المفسرون: القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض و الولد من الكبر و لا مطمع لهن في الأزواج، و الأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع و الرغبة فيهن باقية، فالمراد قعودهن عن حال الزوج، و ذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال.

المسألة الثانية: قوله تعالى في النساء: لاََ يَرْجُونَ كقوله: إِلاََّ أَنْ يَعْفُونَ [البقرة: 237].

المسألة الثالثة: لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة، فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب هاهنا الجلباب و البرد و القناع الذي فوق الخمار، و روي/عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما أنه قرأ أن يضعن جلابيبهن و عن السدي عن شيوخه (أن يضعن خمرهن رؤوسهن) و عن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن) ، و إنما خصهن اللََّه تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن، و قد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب و لذلك قال: وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ و إنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة و ذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة.

المسألة الرابعة: حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها، و البرج سعة العين التي يرى بياضها محيطا بسوادها كله، لا يغيب منه شي‏ء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها و إظهار محاسنها.

421

في قوله تعالى لَيْسَ عَلَى اَلْأَعْمى‏ََ حَرَجٌ وَ لاََ عَلَى اَلْأَعْرَجِ حَرَجٌ إلى قوله أَوْ صَدِيقِكُمْ اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى و الأعرج و المريض فقال/ابن زيد:

المراد أنه لا حرج عليهم و لا إثم في ترك الجهاد، و قال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع اللََّه الجهاد عنه و كان أعمى و هذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله: أَنْ تَأْكُلُوا فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج في ذلك، و قال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة و في هذه المنازل، فاللََّه تعالى رفع ذلك الحظر و أزاله، و اختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر، أما في حق الأعمى و الأعرج و المريض فذكروا فيه وجوها: أحدها: أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه، و لا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين، و كذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح، قال الفراء: فعلى هذا التأويل تكون (على) بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج و ثانيها: أن العميان و العرجان و المرضى تركوا مواكلة الأصحاء، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئا فربما آخذ الأجود و أترك الأردأ، و أما الأعرج و المريض فخافا أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى، و لأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم و لأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره و قلبه بلقمة الغير، و ذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء، فاللََّه تعالى أطلق لهم في ذلك و ثالثها: روى الزهري عن سعيد بن المسيب و عبيد اللََّه بن عبد اللََّه في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم و كانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم و يقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها و هم غائبون، فنزلت هذه الآية رخصة لهم و هذا قول عائشة رضي اللََّه عنها فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو و رابعها: نقل عن ابن عباس و مقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو و ذلك أنه خرج مع رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم غازيا و خلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، و أما في حق سائر الناس فذكروا وجهين: الأول: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء و ذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم و أولادهم و قراباتهم و أصدقائهم فيطعمونهم منها، فلما نزل قوله تعالى: لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ إِلاََّ أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً [النساء: 29]أي بيعا فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية الثاني: قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة و كانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشي‏ء من الطعام فيتحرج، لأنه ليس ثم رب البيت. فأنزل اللََّه تعالى هذه الرخصة.

المسألة الثانية: قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق و معناه في الدين الإثم.

المسألة الثالثة: أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع و ظاهر الآية يدل على/أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان، و اختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح و لكن لا يجمل، و جمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه: الأول: كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك‏

بقوله عليه الصلاة و السلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»

و مما يدل على هذا النسخ قوله: لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاََّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى‏ََ طَعََامٍ غَيْرَ نََاظِرِينَ إِنََاهُ [الأحزاب: 53]و كان في أزواج النبي صلى اللََّه عليه و سلم من لهن الآباء و الأخوة

422

و الأخوات، فعم بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بعد الإذن في الدخول و في الأكل، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك الثاني:

قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين، و ذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ [المجادلة: 22]ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال و يدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَهْلِهََا [النور: 27]و في بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم، و الحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة، لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات الثالث: أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم و العادة كالإذن في ذلك، فيجوز أن يقال خصهم اللََّه بالذكر، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم و لذلك ضم إليهم الصديق، و لما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

المسألة الرابعة: أن اللََّه تعالى ذكر أحد عشر موضعا في هذه الآية أولها: قوله: وَ لاََ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ و فيه سؤال و هو أن يقال أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته؟و جوابه المراد في بيوت أزواجكم و عيالكم أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج، و هذا قول الفراء. و قال ابن قتيبة: أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده و ماله كماله،

قال عليه السلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، و إن ولده من كسبه»

و الدليل على هذا أنه سبحانه و تعالى عدد الأقارب و لم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى و ثانيها: بيوت الآباء و ثالثها: بيوت الأمهات و رابعها: بيوت الإخوان و خامسها: بيوت الأخوات و سادسها: بيوت الأعمام و سابعها: بيوت العمات و ثامنها: بيوت الأخوال و تاسعها: بيوت الخالات و عاشرها: قوله تعالى: أَوْ مََا مَلَكْتُمْ مَفََاتِحَهُ و قرئ مفتاحه و فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: وكيل الرجل و قيمه في ضيعته و ماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر/ضيعته، و يشرب من لبن ماشيته، و ملك المفاتح كونها في يده و في حفظه الثاني: قال الضحاك: يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة الثالث: المراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم، و واحد المفاتيح مفتح بالكسر الحادي عشر: قوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ و المعنى أو بيوت أصدقائكم، و الصديق يكون واحدا و جمعا، و كذلك الخليط و القطين و العدو و يحكى عن الحسن أنه دخل داره و إذا حلقة من أصدقائه و قد (أخرجوا) (1) سلالا من تحت سريره فيها الخبيص و أطايب الأطعمة و هم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورا و ضحك و قال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة. و عن ابن عباس رضي اللََّه عنهما: الصديق أكثر من الوالدين، لأن أهل الجنة لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء و الأمهات بل بالأصدقاء، فقالوا مالنا من شافعين و لا صديق حميم، و حكي أن أخا للربيع بن خيثم في اللََّه دخل منزله في حال غيبة فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل، فلما عاد أخبرته بذلك، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة.

____________

(1) في الكشاف (استلوا) 3/77 ط. دار الفكر.

423

المسألة الخامسة: احتج أبو حنيفة رحمه اللََّه بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة اللََّه تعالى بهذه الآية الأكل من بيوتهم و دخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزا منهم، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له.

أما قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتََاتاً فقال أكثر المفسرين: نزلت الآية في بني ليث بن عمرو و هم حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا، و ربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فأعلم اللََّه تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه، هذا قول ابن عباس رضي اللََّه عنهما، و قال عكرمة و أبو صالح رحمهما اللََّه: كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا و ضيفه معه، فرخص اللََّه لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين و متفرقين. و قال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى طعاما على حدة، و كذلك للزمن و المريض، فبين اللََّه لهم أن ذلك غير واجب، و قال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفا من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذي، فبين اللََّه تعالى أنه غير واجب و قوله: جَمِيعاً نصب على الحال و أَشْتََاتاً جمع شت و شتى جمع شتيت و شتان تثنية شت قاله المفضل و قيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به و يجمع.

أما قوله تعالى: فَإِذََا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29]قال ابن عباس: فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا، و إذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول اللََّه و علينا من ربنا. قال قتادة:

و حدثنا أن الملائكة ترد عليه. قال القفال: و إن كان في البيت أهل الذمة/فليقل السلام على من اتبع الهدى و قوله تَحِيَّةً نصب على المصدر، كأنه قال: فحيوا تحية من عند اللََّه، أي مما أمركم اللََّه به. قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: من قال السلام عليكم معناه اسم اللََّه عليكم و قوله: مُبََارَكَةً طَيِّبَةً قال الضحاك: معنى البركة فيه تضعيف الثواب و قال الزجاج: أعلم اللََّه سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر و الثواب و أنه إذا أطاع اللََّه فيه أكثر خيره و أجزل أجره كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ أي يفصل اللََّه شرائعه لكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لتفهموا عن اللََّه أمره و نهيه، و

روى حميد عن أنس قال: «خدمت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم عشر سنين فما قال لي في شي‏ء فعلته لم فعلته و لا قال لي في شي‏ء تركته لم تركته، و كنت واقفا على رأس النبي صلى اللََّه عليه و سلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي و قال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن؟قلت بأبي و أمي أنت يا رسول اللََّه بلى، فقال من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، و إذا دخلت بيتا فسلم عليهم يكثر خير بيتك، و صل صلاة الضحى فإنها صلاة [الأبرار] (1) الأوابين» .

____________

(1) زيادة من الكشاف 3/78 ط. دار الفكر.

424

في قوله تعالى إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذََا كََانُوا مَعَهُ عَلى‏ََ أَمْرٍ جََامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتََّى يَسْتَأْذِنُوهُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرئ على أمر جميع ثم ذكروا في قوله عَلى‏ََ أَمْرٍ جََامِعٍ وجوها: أحدها: أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، و ذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره و نفعه و في قوله: إِذََا كََانُوا مَعَهُ عَلى‏ََ أَمْرٍ جََامِعٍ إشارة إلى أنه خطب جليل لا بد لرسول صلى اللََّه عليه و سلم من أرباب التجارب و الآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه و ثانيها: عن الضحاك في أمر جامع الجمعة و الأعياد و كل شي‏ء تكون فيه الخطبة و ثالثها: عن مجاهد في الحرب و غيره.

المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزوله‏

قال الكلبي: كان صلى اللََّه عليه و سلم يعرض في خطبته بالمنافقين و يعيبهم فينظر المنافقون يمينا و شمالا فإذا لم يرهم أحد انسلوا و خرجوا و لم يصلوا، و إن أبصرهم أحد ثبتوا و صلوا خوفا، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و كان المنافقون يخرجون بغير إذن.

المسألة الثالثة: قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، و لو لا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان و إن تركوا الاستئذان، و ذلك يدل على أن كل فرض للََّه تعالى و اجتناب محرم من الإيمان و الجواب: هذا بناء على أن كلمة إِنَّمَا للحصر و أيضا فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا و لا نزاع في أنه كفر.

أما قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ إلى قوله: إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ المعنى تعظيما لك و رعاية للأدب أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ أي يعملون بموجب الإيمان و مقتضاه، قال الضحاك و مقاتل: المراد عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه، و ذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له و قال له انطلق فو اللََّه ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، و إذا استأذناه لم يأذن لنا فو اللََّه ما نراه يعدل، و

قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما إن عمر استأذن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم في العمرة فأذن له، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك،

و في قوله: وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اَللََّهَ وجهان: أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيها على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم و إن أذن، لأن الاستغفار يدل على الذنب و ربما ذكر عند بعض الرخص الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب اللََّه تعالى في الاستئذان.

المسألة الثانية: قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43].

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه.

أما قوله تعالى: لاََ تَجْعَلُوا دُعََاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعََاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ففيه وجوه: أحدها: و هو اختيار

425

المبرد و القفال، و لا تجعلوا أمره إياكم و دعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان/أمره فرضا لازما، و الذي يدل على هذا قوله عقيب هذا فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ و ثانيها: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا يا محمد، و لكن قولوا يا رسول اللََّه يا نبي اللََّه، عن سعيد بن جبير و ثالثها: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه و هو المراد من قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوََاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اَللََّهِ [الحجرات: 3]عن ابن عباس و رابعها:

احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، و الوجه الأول أقرب إلى نظم الآية.

أما قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوََاذاً فالمعنى يتسللون قليلا قليلا، و نظير تسلل تدرج و تدخل، و اللواذ: الملاوذة و هي أن يلوذ هذا بذاك و ذاك بهذا، يعني يتسللون عن الجماعة (على سبيل الخفية) (1) و استتار بعضهم ببعض، و (لواذا) حال أي ملاوذين و قيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه، و قرئ لِوََاذاً بالفتح ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: قال مقاتل: كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى اللََّه عليه و سلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه و يخرجون من غير استئذان و ثانيها:

قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال و ثالثها: قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق و رابعها: يتسللون عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و عن كتابه و عن ذكره، و قوله: قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ معناه التهديد بالمجازاة.

أما قوله: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الأخفش (عن) صلة و المعنى يخالفون أمره و قال غيره معناه يعرضون عن أمره و يميلون عن سنته فدخلت (عن) لتضمين المخالفة معنى الإعراض.

المسألة الثانية: كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر اللََّه تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية، و قال أبو بكر الرازي: الأظهر أنها للََّه تعالى لأنه يليه، و حكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، و وجه الاستدلال به أن نقول: تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر و مخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب و لا معنى للوجوب إلا ذلك، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، و المخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف، و إنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب، و الأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب، فثبت أن مخالف أمر اللََّه تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه و مخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه، قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، فما الدليل عليه؟ثم/إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما: أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب، و أنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني:

____________

(1) في الكشاف (في الخفية على سبيل الملاوذة) 3/79 ط. دار الفكر.

426

أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقا واجب القبول، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر، و هو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر اللََّه تعالى، و ذلك باطل و إلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ؟قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفا للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر؟فإن قلت لفظة (عن) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام اللََّه تعالى أن لا يكون زائدا، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر اللََّه تعالى مأمور بالحذر عن العذاب، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب؟أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب؟و هذا أول المسألة، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد و أن يدل على حسن الحذر، و حسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت: لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب و لهذا يحسن الاحتياط و عندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله عَنْ أَمْرِهِ لا يفيد إلا أمرا واحدا، و عند ما أن أمرا واحدا يفيد الوجوب، فلم قلت إن كل أمر كذلك؟ سلمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير في قوله: عَنْ أَمْرِهِ يحتمل عوده إلى اللََّه تعالى و عوده إلى الرسول، و الآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك؟الجواب: قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد و يجري على وفق أمره، و لو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه، و حسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله: افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، و إذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة و المخالفة واسطة قوله: الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك/الأمر حقا واجب القبول، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فإن موافقة الشي‏ء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه، فإذا دل على حقية الشي‏ء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول و إدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه. قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفا فوجب أن يستحق العقاب، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأمورا به و هو ممنوع، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله: فَلْيَحْذَرِ أمرا بالحذر عن المخالف لا أمرا للمخالف بالحذر؟قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذا عن الذين يخالفون أمره و حينئذ يبقى قوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ ضائعا لأن الحذر ليس فعلا يتعدى إلى مفعولين. قوله كلمة (عن) ليست بزائدة،

427

قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى. قوله لم قلتم إن قوله: فَلْيَحْذَرِ يدل على وجوب الحذر عن العقاب؟قلنا لا ندعي وجوب الحذر، و لكن لا أقل من جواز الحذر، و ذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب. قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب؟قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللا به، فيلزم عمومه لعموم العلة. قوله هب أن أمر اللََّه أو أمر رسوله للوجوب، فلم قلتم إن الأمر كذلك؟قلنا لأنه لا قائل بالفرق و اللََّه أعلم.

المسألة الرابعة: من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي و بين الشأن و الطريق، كما يقال أمر فلان مستقيم. و إذا ثبت ذلك كان قوله تعالى: عَنْ أَمْرِهِ يتناول قول الرسول و فعله و طريقته، و ذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة و السلام يكون واجبا علينا، و هذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله عَنْ أَمْرِهِ راجعة إلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم، أما لو كانت راجعة إلى اللََّه تعالى فالبحث ساقط بالكلية، و تمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه، و اللََّه أعلم.

أما قوله تعالى: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين، و المراد بالفتنة العقوبة في الدنيا، و العذاب الأليم عذاب الآخرة، و إنما ردد اللََّه تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا و قد يعرض له ذلك في الدنيا، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد، ثم قال الحسن: الفتنة هي ظهور نفاقهم، و قال ابن عباس رضي اللََّه عنهما: القتل. و قيل: الزلازل و الأهوال، و عن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر.

أما قوله تعالى: أَلاََ إِنَّ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما/و على ما بينهما و ما فيهما، و اقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب، و علمه بما يخفيه و يعلنه، و كل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره.

أما قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فإنما أدخل (قد) لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين و النفاق. و يرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: و ذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير. كما في قوله الشاعر:

فإن يمس مهجور الفناء فربما # أقام به بعد الوفود وفود

و الخطاب و الغيبة في قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين على طريق الالتفات، و يجوز أن يكون ما أنتم عليه عاما و يرجعون للمنافقين، و قد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته و اللََّه أعلم.

و صلى اللََّه على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم‏

428

سورة الفرقان‏

سبع و سبعون آية مكية بسم اللََّه الرحمن الرحيم

اعلم أن اللََّه سبحانه و تعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد و النبوة و أحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، و لما كان إثبات الصانع و إثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدما على الكل لا جرم افتتح اللََّه هذه السورة بذلك فقال: تَبََارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة، و البركة كثرة الخير و زيادته و فيه معنيان:

أحدهما: تزايد خيره و تكاثر، و هو المراد من قوله: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا [إبراهيم: 34]و الثاني:

تزايد عن كل شي‏ء و تعالى عنه في ذاته و صفاته و أفعاله، و هو المراد من قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى:

11]و أما تعاليه عن كل شي‏ء في ذاته، فيحتمل أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده و قدمه عن جواز الفناء و التغير عليه، و أن يكون المعنى جل بفردانيته و وحدانيته عن مشابهة شي‏ء من الممكنات، و أما تعاليه عن كل شي‏ء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضروريا أو كسبيا أو تصورا أو تصديقا و في قدرته أن يحتاج إلى مادة و مدة و مثال و جلب غرض و منال، و أما في أفعاله فحل أن يكون الوجود و البقاء و صلاح حال الوجود إلا من قبله، و قال آخرون: أصل الكلمة تدل على البقاء، و هو مأخوذ من بروك البعير، و من بروك الطير على الماء، و سميت البركة بركة لثبوت الماء فيها، و المعنى أنه سبحانه و تعالى باق في ذاته أزلا و أبدا ممتنع التغير و باق/في صفاته ممتنع التبدل، و لما كان سبحانه و تعالى هو الخالق لوجوه المنافع و المصالح و المبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك و تعالى.

المسألة الثانية: قال أهل اللغة: كلمة (الذي) موضوعة للإشارة إلى الشي‏ء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، و عند هذا يتوجه الإشكال، و هو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن هاهنا لفظ (الذي) ؟و جوابه: أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزا ظهر بحسب الدليل كونه من عند اللََّه، فلقوة الدليل و ظهوره أجراه سبحانه و تعالى مجرى المعلوم.

429

المسألة الثالثة: لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق و الباطل في نبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم و بين الحلال و الحرام، أو لأنه فرق في النزول كما قال: وَ قُرْآناً فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنََّاسِ عَلى‏ََ مُكْثٍ [الإسراء: 106]و هذا التأويل أقرب لأنه قال: نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ و لفظة (نزل) تدل على التفريق، و أما لفظة (أنزل) فتدل على الجمع، و لذلك قال في سورة آل عمران: نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ ... وَ أَنْزَلَ اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ [آل عمران: 3]و اعلم أنه سبحانه و تعالى لما قال أولا تَبََارَكَ و معناه كثرة الخير و البركة، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات و أعم البركات، لكن القرآن ليس إلا منبعا للعلوم و المعارف و الحكم، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات و أعظم الأشياء خيرا و بركة.

المسألة الرابعة: لا نزاع أن المراد من العبد هاهنا محمد صلى اللََّه عليه و سلم و عن ابن الزبير على عباده و هم رسول اللََّه و أمته كما قال: لَقَدْ أَنْزَلْنََا إِلَيْكُمْ* [الأنبياء: 10]، قُولُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْنََا [البقرة: 136]، و قوله:

لِيَكُونَ لِلْعََالَمِينَ نَذِيراً فالمراد ليكون هذا العبد نذيرا للعالمين، و قول من قال: إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله: إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي [الإسراء: 9]فبعيد و ذلك لأن المنذر و النذير من صفات الفاعل للتخويف، و إذا وصف به القرآن فهو مجاز، و حمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: الأول: أن العالم كل ما سوى اللََّه تعالى و يتناول جميع المكلفين من الجن و الإنس و الملائكة، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولا إلى الجن و الإنس جميعا، و يبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض الثاني: أن لفظ لِلْعََالَمِينَ يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء و الرسل الثالث: قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان و فعل الطاعات من الكل، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيرا للكل، و أراد من الكل الاشتغال بالحسن و الإعراض عن القبيح و عارضهم أصحابنا بقوله تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ [الأعراف: 179]الآية، الرابع: لقائل أن يقول إن قوله تَبََارَكَ كما دل على كثرة الخير و البركة لا بد و أن يكون المذكور عقيبه ما يكون سببا لكثرة الخير/و المنافع، و الإنذار يوجب الغم و الخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع؟جوابه: أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، و كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا هاهنا كلما كان الإنذار كثيرا كان رجوع الخلق إلى اللََّه أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم و أكثر، و هذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة، و ذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، و لم يذكر البتة شيئا من منافع الدنيا.

ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها: قوله: اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و هذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب و قوله: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ* إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها و زمان بقائها في ماهيتها و في وجودها، و أنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء و ثانيها: قوله: وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فبين سبحانه أنه هو المعبود أبدا، و لا يصح أن يكون غيره معبودا و وارثا للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله: تَبََارَكَ و لقوله: اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ‏

430

اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و هذا كالرد على النصارى و ثالثها: قوله: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي اَلْمُلْكِ و المراد أنه هو المنفرد بالإلهية، و إذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه و رجاؤه عن الكل، و لا يبقى مشغول القلب إلا برحمته و إحسانه. و فيه الرد على الثنوية و القائلين بعبادة النجوم و القائلين بعبادة الأوثان و رابعها: قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً و فيه سؤالات:

الأول: هل في قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد؟ و الجواب: نعم من وجهين: الأول: أن قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد، و الثاني: و هو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك، و التقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلا قال: هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء و الأنداد، و مع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر اللََّه تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقا في قوله: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ [المائدة: 110]و قال: فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [المؤمنون: 14]و ثانيها:

أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد و ثالثها: أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديرا و لا يجوز أن يريد به إلا الحسن و الحكمة دون غيره، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه، فكيف و لا دلالة فيها ألبتة، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير، و ذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض و الجواب:

أما قوله: وَ إِذْ تَخْلُقُ و قوله: أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ* فهما معارضان بقوله: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ* [الزمر:

62]/و بقوله: هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ [فاطر: 3]و أما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظرا إلى تقادير القدرة و إلى أن صفة الإيجاد من العدم و الإعدام من الوجود ليست إلا له؟و أما قوله: الخلق لا يتناول إلا الأجسام، فنقول لو كان كذلك لكان قوله خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها.

السؤال الثاني: في الخلق معنى التقدير (فقوله) (1) : وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (معناه) (2) و قدر كل شي‏ء فقدره تقديرا؟و الجواب: المعنى‏[أنه‏] (3) أحدث كل شي‏ء إحداثا يراعي فيه التقدير و التسوية، فقدره تقديرا و هيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر (المستوي) (4) الذي تراه، فقدره للتكاليف و المصالح المنوطة (به في باب) (5) الدين و الدنيا، و كذلك كل حيوان و جماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة و التدبير فقدره لأمر ما و مصلحة ما مطابقا لما قدر[له‏] (6) غير (متخلف) (7) عنه.

السؤال الثالث: هل في قوله: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً دلالة على مذهبكم؟ الجواب: نعم و ذلك من وجوه:

أحدها: أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن و الحسبان، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به و الإخبار

____________

(1) في الكشاف (فما معنى قوله) 3/81 ط. دار الفكر.

(2) في الكشاف (كأنه قال و قدر... ) .

(3) زيادة من الكشاف.

(4) في الكشاف (المسوى) .

(5) في الكشاف (في بابي) .

(6) زيادة من الكشاف.

(7) في الكشاف (متجاف) .

431

عنه، و ذلك متفق عليه بيننا و بين المعتزلة، فلما علم في الشي‏ء الفلاني أنه لا يقع فلو وقع ذلك الشي‏ء لزم انقلاب علمه جهلا و انقلاب خبره الصدق كذبا، و ذلك محال و المفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشي‏ء محال و المحال غير مراد فذلك الشي‏ء غير مراد و إنه مأمور به، فثبت أن الأمر و الإرادة لا يتلازمان، و ظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه، و الشقي من شقي في بطن أمه و ثانيها: أنه عند حصول القدرة و الداعية الخالصة إن وجب الفعل، كان فعل العبد يوجب فعل اللََّه تعالى، و حينئذ يبطل قول المعتزلة، و إن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح و تجويزه يسد باب إثبات الصانع و إن لم يستغن عن المرجح، فالكلام يعود في ذلك المرجح، و لا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود و ثالثها: أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشي‏ء الذي أراد تكوينه و إيجاده، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم و الحق فلا يحصل له إلا الجهل و الباطل، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل و هو محال فلا بد من الانتهاء إلى جهل أول، و وقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق، بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب، و ذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل و لا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده و أراده، و حيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار و قدر نافذ، و هو المراد من قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً .

اعلم أنه سبحانه و تعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال و العزة و العلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان و بين نقصانها من وجوه: أحدها: أنها ليست خالقة للأشياء، و الإله يجب أن يكون قادرا على الخلق و الإيجاد و ثانيها: أنها مخلوقة و المخلوق محتاج، و الإله يجب أن يكون غنيا و ثالثها: أنها لا تملك لأنفسها ضرا و لا نفعا، و من كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضا نفعا، و من كان كذلك فلا فائدة في عبادته و رابعها: أنها لا تملك موتا و لا حياة و لا نشورا، أي لا تقدر على الإحياء و الإماتة في زمان التكليف و ثانيا في زمان المجازاة، و من كان كذلك كيف يسمى إلها؟و كيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة، و هاهنا سؤالات:

الأول: قوله: وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى و عبدة الكواكب و عبدة الملائكة؟و الجواب: قال القاضي: بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون اللََّه آلهة على الجمع، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام، و يجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة، و لقائل أن يقول قوله وَ اِتَّخَذُوا صيغة جمع و قوله آلِهَةً جمع، و الجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد، فلم يكن كون معبود النصارى واحدا مانعا من دخوله تحت هذا اللفظ.

السؤال الثاني: احتج بعض أصحابنا بقوله: وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاََ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ على أن فعل العبد مخلوق للََّه تعالى فقال: إن اللََّه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئا، و ذلك‏

432

يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقا لكان معبودا إلها، أجاب الكعبي عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على اللََّه تعالى. و قال بعض أصحابنا في الخلق إنه الإحداث لا بعلاج و فكر و تعب، و لا يكون ذلك إلا للََّه تعالى، ثم قال: و قد قال تعالى: أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهََا [الأعراف: 195]في وصف الأصنام أ فيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد؟فإذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم، و قد قال تعالى:

فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [المؤمنون: 14]هذا كله كلام الكعبي و الجواب: قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير، و التقدير يرجع إلى الظن و الحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في/العبد مجازا في اللََّه تعالى، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟أما قوله تعالى: أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهََا فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن كل من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. و أما قوله تعالى: فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ فقد تقدم الكلام عليه.

و اعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا يحصل إلا بمجموع أمرين:

أحدهما: أنهم ليسوا بخالقين، و الثاني: أنهم مخلوقون، و العبد و إن كان خالقا إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلها معبودا.

السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على البعث؟ الجواب: نعم لأنه تعالى ذكر النشور و معناه أن المعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين و العقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للإلهية.

اعلم أنه سبحانه تكلم أولا في التوحيد، و ثانيا في الرد على عبدة الأوثان، و ثالثا في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة، و حكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم الشبهة الأولى: قولهم: إِنْ هَذََا إِلاََّ إِفْكٌ اِفْتَرََاهُ و أعانه عليه قوم آخرون، و نظيره قوله تعالى: إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: 103]و اعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه، و يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى اللََّه تعالى، ثم هاهنا بحثان:

الأول: قال أبو مسلم: الافتراء افتعال من فريت، و قد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت و افتريت و خلقت و اختلقت، و يقال فيمن شتم امرءا بما ليس فيه افترى عليه.

433

البحث الثاني: قال الكلبي و مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي قال هذا القول وَ أَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى و يسار (غلام عامر) (1) بن الحضرمي، و جبر مولى عامر، و هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، و كانوا يقرءون التوراة و يحدثون أحاديث منها فلما أسلموا و كان النبي صلى اللََّه عليه و سلم يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. و اعلم أن اللََّه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: فَقَدْ جََاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً و فيه أبحاث:

الأول: أن هذا القدر إنما يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن و هم النهاية في الفصاحة، و قد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، و لكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية و غيرها، و لو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم، لأن محمدا صلى اللََّه عليه و سلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة و في المكنة من الاستعانة، فلما لم يفعلوا ذلك و الحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة و انتهى إلى حد الإعجاز، و لما تقدمت هذه الدلالة مرات و كرات في القرآن و ظهر بسببها سقوط هذا السؤال، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل و العناد، فلذلك اكتفى اللََّه في الجواب بقوله: فَقَدْ جََاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً .

البحث الثاني: قال الكسائي: قوله تعالى: فَقَدْ جََاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً أي أتوا ظلما و كذبا و هو كقوله:

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا [مريم: 89]فانتصب بوقوع المجي‏ء عليه، و قال الزجاج: انتصب بنزع الخافض، أي جاءوا بالظلم و الزور.

البحث الثالث: أن اللََّه تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم و بأنه زور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشي‏ء في غير موضعه و ذلك هو الظلم، و أما الزور فلأنهم كذبوا فيه، و قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول و الرد عليه، و الزور كذبهم عليهم.

الشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً و فيه أبحاث:

البحث الأول: الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم و إسفنديار، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة اِكْتَتَبَهََا انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني عامرا و يسارا و جبرا، و معنى اكتتب هاهنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم و افتصد إذا أمر بذلك فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ أي تقرأ عليه و المعنى أنها كتبت له و هو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

أما قوله: بُكْرَةً وَ أَصِيلاً قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية، و ما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة.

البحث الثاني: قال الحسن قوله: فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً كلام اللََّه ذكره جوابا عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين، و أما جمهور

____________

(1) في الكشاف (مولى العلاء) 3/81 ط. دار الفكر.

434

المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، و أ أرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء و لا شك أن هذا القول أقرب لوجوه: أحدها: شدة تعلق هذا الكلام بما قبله، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه و ثانيها: أن هذا هو المراد بقولهم: وَ أَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ }و ثالثها: أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ قال صاحب «الكشاف» ، و قول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار و حق الحسن أن يقف على الأولين، و أجاب اللََّه عن هذه الشبهة بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً و فيه أبحاث:

البحث الأول: في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة؟ و تقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة و ظهر عجزهم عنها و لو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي اللََّه و كلامه، فلهذا قال: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ و ذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد و أن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها و خافيها من وجوه: أحدها: أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات و ثانيها: أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب، و ذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات و ثالثها: أن القرآن مبرأ عن النقص و ذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى: وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً [النساء: 82]و رابعها: اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم و نظام العباد، و ذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات و خامسها: اشتماله على أنواع العلوم و ذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل/المعلومات، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ .

البحث الثاني: اختلفوا في المراد بالسر، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر في السموات و الأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب، و قال أبو مسلم: المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لا لانتقم منه لقوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ‏`لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: 44]و قال آخرون: المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السموات و الأرض، و من جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة، و كذلك باطن أمر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و براءته مما تتهمونه به، و هو سبحانه مجازيكم و مجازيه على ما علم منكم و علم منه.

البحث الثالث: إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين: الأول: قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفورا رحيما غير مستعجل في العقوبة الثاني: أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا و لكن صرف ذلك عنهم كونه غفورا رحيما يمهل و لا يعجل.

الشبهة الثالثة: و هي في نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها تخل بالرسالة إحداها: قولهم:

مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ و ثانيتها: قولهم: وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوََاقِ يعني أنه لما كان كذلك فمن أين له الفضل علينا و هو مثلنا في هذه الأمور و ثالثتها: قولهم: لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يصدقه أو يشهد له و يرد على من خالفه‏}و رابعتها: قولهم: أَوْ يُلْقى‏ََ إِلَيْهِ كَنْزٌ أي من السماء فينفقه فلا يحتاج إلى التردد لطلب‏

435

المعاش و خامستها: قولهم: أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهََا قرأ حمزة و الكسائي‏ نَأْكُلَ مِنْهََا بالنون و قرأ الباقون بالياء و المعنى إن لم يكن لك كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه و سادستها: قولهم: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاََّ رَجُلاً مَسْحُوراً و قد تقدمت هذه القصة في آخر سورة بني إسرائيل فأجاب اللََّه تعالى عن هذه الشبهة من وجوه: } أحدها: قوله: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً و فيه أبحاث:

الأول: أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة؟و بيانه أن الذي يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة و هذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شي‏ء منها في المعجزة فلا يكون شي‏ء منها قادحا في النبوة، فكأنه تعالى قال انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا و أرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا البتة إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول و فيه وجه آخر و هو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق، و هذا إنما يصح على مذهبنا و تقريره بالعقل ظاهر، و ذلك لأن الإنسان إما أن يكون مستوى الداعي إلى الحق و الباطل، و إما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثاني، فإن كان الأول فحال الاستواء ممتنع الرجحان فيمتنع الفعل /و إن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعا، فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق، و ما كان محالا لم يكن عليه قدرة، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين.

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله: تَبََارَكَ اَلَّذِي إِنْ شََاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذََلِكَ أي من اللََّه ذكروه من نعم الدنيا كالكنز و الجنة و فسر ذلك الخير بقوله: جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، و لكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة و لا اعتراض لأحد عليه في شي‏ء من أفعاله، فيفتح على واحد أبواب المعارف و العلوم، و يسد عليه أبواب الدنيا، و في حس الآخر بالعكس و ما ذاك إلا أنه فعال لما يريد، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة و هو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة، و قال في رواية عكرمة: خَيْراً مِنْ ذََلِكَ أي من المشي في الأسواق و ابتغاء المعاش.

436

المسألة الثانية: قوله: إِنْ شََاءَ معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على اللََّه تعالى، و قال قوم: (إن) هاهنا بمعنى إذا، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات و بنينا لك قصورا و إنما أدخل إن تنبيها للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، و أنه معلق على/محض مشيئته و أنه ليس لأحد من العباد على اللََّه حق لا في الدنيا و لا في الآخرة.

المسألة الثالثة: القصور جماعة قصر و هو المسكن الرفيع و يحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكنا و متنزها، و يجوز أن يكون القصور مجموعة و الجنات مجموعة. و قال مجاهد: إن شاء جعل لك جنات في الآخرة و قصورا في الدنيا.

المسألة الرابعة: اختلف الفراء في قوله وَ يَجْعَلْ فرفع ابن كثير و ابن عامر و عاصم اللام و جزمه الآخرون، فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات و يجعل لك قصورا و من رفع فعلى الاستئناف و المعنى سيجعل لك قصورا، هذا قول الزجاج: قال الواحدي و بين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى إن شاء يجعل لك قصورا في الدنيا و لا يحسن الوقوف على الأنهار، و من رفع حسن له الوقوف على الأنهار، و استأنف أي و يجعل لك قصورا في الآخرة. و في مصحف أبي و ابن مسعود: (تبارك الذي إن شاء يجعل) .

المسألة الخامسة:

عن طاوس عن ابن عباس قال: «بينما رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم جالس و جبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك و سلم على رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و قال: «إن اللََّه يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شي‏ء لم يعطها أحدا قبلك و لا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئا، فقال عليه السلام بل يجمعها جميعا لي في الآخرة، فنزل قوله تبارك الذي إن شاء» الآية،

و

عن ابن عباس قال عليه السلام «عرض علي جبريل بطحاء مكة ذهبا فقلت بل شبعة و ثلاث جوعات»

و ذلك أكثر لذكري و مسألتي لربي، و

في رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام: «أشبع يوما و أجوع ثلاثا، فأحمدك إذا شبعت و أتضرع إليك إذا جعت»

و

عن الضحاك «لما عير المشركون رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بالفاقة حزن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزيا له، و قال إن اللََّه يقرؤك السلام و يقول: وَ مََا أَرْسَلْنََا قَبْلَكَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ إِلاََّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اَلطَّعََامَ [الفرقان: 20]الآية، قال فبينما جبريل عليه السلام و النبي صلى اللََّه عليه و سلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك فسلم عليه و قال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا و بين أن تكون نبيا عبدا و معه سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك اللََّه مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة فنظر النبي صلى اللََّه عليه و سلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، بل نبيا عبدا» قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئا حتى فارق الدنيا.

أما قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسََّاعَةِ وَ أَعْتَدْنََا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسََّاعَةِ سَعِيراً فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة في نفس المسألة، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالا للاستعداد لها، و يحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون/بالساعة فلا يرجون ثوابا و لا عقابا و لا يتحملون كلفة النظر و الفكر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل، ثم قال: وَ أَعْتَدْنََا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسََّاعَةِ سَعِيراً و فيه مسائل:

437

المسألة الأولى: قال أبو مسلم: وَ أَعْتَدْنََا أي جعلناها عتيدا و معدة لهم، و السعير النار الشديدة الاستعار، و عن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] و على أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية و هي قوله: وَ أَعْتَدْنََا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسََّاعَةِ سَعِيراً و قوله:

أَعْتَدْنََا إخبار عن فعل وقع في الماضي، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائي يحتمل و أعتدنا النار في الدنيا و بها نعذب الكفار و الفساق في قبورهم و يحتمل نار الآخرة و يكون معنى وَ أَعْتَدْنََا أي سنعدها لهم كقوله: وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ [الأعراف: 44]و اعلم أن هذا السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير، إما نار الدنيا و إما نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا، و الأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا، و التالي أيضا باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا، فثبت أن المراد نار الآخرة و ثبت أنها معدة، و حمل الآية على أن اللََّه سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير دليل، و على أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله: وَ أَعْتَدْنََا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسََّاعَةِ سَعِيراً صريح في أنه تعالى أعد جهنم.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن أمه فقالوا إن الذين أعد اللََّه تعالى لهم السعير و أخبر عن ذلك و حكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم اللََّه بكونهم من أهل السعير كذبا و انقلب بذلك علمه جهلا، و هذا الانقلاب محال و المؤدي إلى المحال محال فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا، و الشقي لا ينقلب سعيدا، ثم إنه سبحانه و تعالى وصف السعير بصفات إحداها قوله: إِذََا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: السعير مذكر و لكن جاء هاهنا مؤنثا لأنه تعالى قال: رَأَتْهُمْ و قال: سَمِعُوا لَهََا و إنما جاء مؤنثا على معنى النار.

المسألة الثانية: مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطا في الحياة، فالنار على ما هي عليه يجوز أن يخلق اللََّه الحياة و العقل و النطق فيها، و عند المعتزلة ذلك غير جائز، و هؤلاء المعتزلة ليس لهم في هذا الباب حجة إلا استقراء العادات، و لو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات في حق الرسل، فهؤلاء قولهم متناقض، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة، فعلى هذا قال أصحابنا قول اللََّه تعالى في صفة النار: إِذََا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً يجب إجراؤه على الظاهر، لأنه لا امتناع في أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار، أما/المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل و ذكروا فيه وجوها: أحدها: قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورهم تتراءى و تتناظر، و

قال عليه السلام: «إن المؤمن و الكافر لا تتراءى ناراهما»

أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر و المشرك، و يقال دور فلان متناظرة، أي متقابلة و ثانيها: أن النار لشدة اضطرامها و غليانها صارت ترى الكفار و تطلبهم و تتغيظ عليهم و ثالثها: قال الجبائي: إن اللََّه تعالى ذكر النار و أراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم و لا تصح من النار فهو كقوله:

وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أراد أهلها.

438

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب و ذلك لا يكون مسموعا، فكيف قال اللََّه تعالى: سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً ؟و الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن التغيظ و إن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت و هو كقوله: رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه، و كذلك يقال في المحبة فكذا هاهنا، و المعنى سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ و هو قول الزجاج و ثانيها: المعنى علموا لها تغيظا و سمعوا لها زفيرا و هذا قول قطرب، و هو كقول الشاعر: مقلدا سيفا و رمحا و ثالثها: المراد تغيظ الخزنة.

المسألة الرابعة: قال عبيد بن عمير: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا و ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه و يقول نفسي نفسي.

الصفة الثانية للسعير: قوله تعالى: وَ إِذََا أُلْقُوا مِنْهََا مَكََاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنََالِكَ ثُبُوراً و اعلم أن اللََّه سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون فيها، نعوذ باللََّه منه بما لا شي‏ء أبلغ منه، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في ضَيِّقاً قراءتان التشديد و التخفيف و هو قراءة ابن كثير.

المسألة الثانية: نقل في تفسير الضيق أمور،

قال قتادة: ذكر لنا عبد اللََّه بن عمر قال: «إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح» و سئل النبي صلى اللََّه عليه و سلم عن ذلك فقال: «و الذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط»

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهيب، و الأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة، قال صاحب «الكشاف» : الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، و لذلك وصف اللََّه الجنة بأن عرضها السموات و الأرض، و

جاء في الأحاديث «إن لكل مؤمن من القصور و الجنان كذا و كذا»

و لقد جمع اللََّه على أهل النار أنواع (البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق) (1) .

المسألة الثالثة: قالوا في تفسير قوله تعالى: مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ* إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد و الضيق الشديد، يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم و قيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة، و في أرجلهم الأصفاد، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبورا، و الثبور الهلاك، و دعاؤهم/أن يقولوا و وا ثبوراه، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك و زمانك، و

روى أنس مرفوعا: «أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه و يسحبها من خلفه ذريته و هو يقول يا ثبوراه و ينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار» .

أما قوله: لاََ تَدْعُوا اَلْيَوْمَ ثُبُوراً وََاحِداً أي يقال لهم ذلك، و هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك و إن لم يكن ثم قول، و معنى وَ اُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحدا، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع و ألوان لكل نوع منها ثبور لشدته و فظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من الأوقات التي لا نهاية لها ثبور، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعا من الخفة، فإن المعذب إذا صاح و بكى وجد بسببه نوعا من الخفة فيزجرون عن ذلك، و يخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم و غمهم نعوذ باللََّه منه، قال الكلبي نزل هذا كله

____________

(1) في الكشاف (التضييق و الإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا) 3/84 ط. دار الفكر.

439

في حق أبي جهل و الكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

في قوله تعالى قُلْ أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ كََانَتْ لَهُمْ جَزََاءً وَ مَصِيراً في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة و الندامة، فقال لرسوله: قُلْ أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ أن يلتمسوها بالتصديق و الطاعة، فإن قيل: كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد، و هل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر؟قلنا هذا يحسن في معرض التفريع، كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد و أبى و استكبر فيضربه ضربا وجيعا، و يقول على سبيل التوبيخ:

هذا أطيب أم ذاك؟ المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ على أن الثواب غير واجب على اللََّه تعالى، لأن من قال السلطان وعد فلانا أن يعطيه كذا، فإنه يحمل ذلك على التفضيل، فأما لو كان ذلك الإعطاء واجبا لا يقال إنه وعده به، أما المعتزلة فقد احتجوا به أيضا على مذهبهم قالوا لأنه سبحانه أثبت ذلك الوعد للموصوفين بصفة التقوى، و ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فكذا يدل هذا على أن ذلك الوعد إنما حصل معللا بصفة التقوى، و التفضيل غير مختص بالمتقين فوجب أن يكون المختص بهم واجبا.

المسألة الثالثة: قال أبو مسلم: جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، و الخلد و الخلود سواء، كالشكر /و الشكور قال اللََّه تعالى: لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً وَ لاََ شُكُوراً [الإنسان: 9]فإن قيل: الجنة اسم لدار الثواب و هي مخلدة فأي فائدة في قوله: جَنَّةُ اَلْخُلْدِ ؟قلنا الإضافة قد تكون للتمييز و قد تكون لبيان صفة الكمال، كما يقال اللََّه الخالق البارئ، و ما هنا من هذا الباب.

أما قوله: كََانَتْ لَهُمْ جَزََاءً وَ مَصِيراً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: الأول: أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الوعد بمحض التفضيل فإنه لا يسمى جزاء، و الثاني: لو كان المراد من الجزاء الأمر الذي يصيرون إليه بمجرد الوعد فحينئذ لا يبقى بين قوله: جَزََاءً و بين قوله: مَصِيراً تفاوت فيصير ذلك تكرارا من غير فائدة. قال أصحابنا رحمهم اللََّه لا نزاع في كونه جَزََاءً ، إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، و ليس في الآية ما يدل على التعيين.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن اللََّه تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين:

الأول: أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا يكون مستحقا للثواب، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر، و العقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع، و الجمع بينهما محال، و ما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثواب فنقول: لو عفا اللََّه عن صاحب الكبيرة لكان إما أن يخرجه من النار و لا يدخله الجنة، و ذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على أن المكلفين يوم القيامة، إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنه تعالى قال:

440

فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ [الشورى: 7]و إما أن يخرجه من النار و يدخله الجنة و ذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى: كََانَتْ لَهُمْ جَزََاءً وَ مَصِيراً فجعل الجنة لهم و مختصة بهم و بين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقا لهم، و إعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز، و لما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب أصحابنا لم لا يجوز أن يقال: المتقون يرضون بإدخال اللََّه أهل العفو في الجنة؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها، الوجه الثاني: قالوا: المتقي في عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر و الكبائر، و إن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمنا أم لا، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقيا، ثم قال في وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء و مصيرا و هذا للحصر، و المعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم، و إذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة، قلنا أقصى ما في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء و مصيرا، لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال اللََّه تعالى: كََانَتْ لَهُمْ جَزََاءً وَ مَصِيراً ؟جوابه من وجهين: الأول: أن ما وعد اللََّه فهو في تحققه كأنه قد كان و الثاني: أنه كان مكتوبا في اللوح قبل أن يخلقهم/اللََّه تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم و مصيرهم.

أما قوله تعالى: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ خََالِدِينَ فهو نطير قوله: وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [فصلت: 31]و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد و أن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص و الكامل تفاوت في الدرجة، و إن لم يعطها قدح ذلك في قوله: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ و أيضا فالأب إذا كان ولده في درجات النيران و أشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه اللََّه تعالى من ذلك العذاب فلا بد و أن يسأل ربه أن يخلصه منه، فإن فعل اللََّه تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد، و إن لم يفعل قدح ذلك في قوله: وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ و في قوله: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ و جوابه: أن اللََّه تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلا عن الالتفات إلى حال غيره.

المسألة الثانية: شرط نعيم الجنة أن يكون دائما، إذ لو انقطع لكان مشوبا بضرب من الغم و لذلك قال المتنبي:

أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا

و لذلك اعتبر الخلود فيه فقال: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ خََالِدِينَ .

المسألة الثالثة: قوله تعالى: لَهُمْ فِيهََا مََا يَشََاؤُنَ كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك، بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات، و لذلك

قال عليه السلام: «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه و لم يرزق، فقيل و ما هو يا رسول اللََّه؟فقال سرور يوم» .

أما قوله: كََانَ عَلى‏ََ رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: كلمة (على) للوجوب‏

قال عليه السلام: «من نذر و سمى فعليه الوفاء بما سمى»

فقوله:

كََانَ عَلى‏ََ رَبِّكَ يفيد أن ذلك واجب على اللََّه تعالى، و الواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم، أو أنه الذي يكون عدمه ممتنعا، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالا، لأن تركه لما

441

استلزم استحقاق الذم و استحقاق اللََّه تعالى الذم محال، و مستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالا و المحال غير مقدور، فلم يكن اللََّه تعالى قادرا على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل، و إن كان الوجوب على التفسير الثاني و هو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعا يكون القول بالإلجاء لازما، فلم يكن اللََّه قادرا، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد، فنقول لو لم يفعل لا نقلب خبره الصدق كذبا و علمه جهلا و ذلك محال، و المؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل و الملجأ إلى الفعل لا يكون قادرا، و لا يكون مستحقا للثناء و المدح، /تمام السؤال و جوابه: أن فعل الشي‏ء متقدم على الإخبار عن فعله و عن العلم بفعله، فيكون ذلك الفعل فعلا لا على سبيل الإلجاء، فكان قادرا و مستحقا للثناء و المدح.

المسألة الثانية: قوله: وَعْداً يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق و قد تقدم تقريره.

المسألة الثالثة: قوله: مَسْؤُلاً ذكروا فيه وجوها أحدها: أن المكلفين سألوه بقولهم: رَبَّنََا وَ آتِنََا مََا وَعَدْتَنََا عَلى‏ََ رُسُلِكَ [آل عمران: 194]، و ثانيها: أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته كان ذلك قائما مقام السؤال، قال المتنبي:

و في النفس حاجات و فيك فطانة # سكوتي كلام عندها و خطاب‏

و ثالثها: الملائكة سألوا اللََّه تعالى ذلك بقولهم: رَبَّنََا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ [غافر: 8]و رابعها:

وَعْداً مَسْؤُلاً أي واجبا، يقال لأعطينك ألفا وعدا مسؤولا أي واجبا و إن لم تسأل، قال الفراء. و سائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة، و ما قاله الفراء مجاز و خامسها: مسؤولا أي من حقه أن يكون مسؤولا لأنه حق واجب، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.

في قوله تعالى وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَ مََا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبََادِي هََؤُلاََءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا اَلسَّبِيلَ اعلم أن قوله تعالى: وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ راجع إلى قوله: وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الفرقان: 3]ثم هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: يَحْشُرُهُمْ فنقول كلاهما بالنون و الياء و قرئ نحشرهم بكسر الشين. ـ

442

المسألة الثانية: ظاهر قوله: وَ مََا يَعْبُدُونَ أنها الأصنام، و ظاهر قوله: فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبََادِي أنه من عبد من الأحياء كالملائكة و المسيح و غيرهما، لأن الإضلال و خلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا، فمن الناس من حمله على الأوثان، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه اللََّه تعالى، و كيف قدر على الجواب؟ فعند ذلك ذكروا وجهين: أحدهما: أن اللََّه تعالى يخلق فيهم الحياة، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب و ثانيها: أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات و كلام الأيدي و الأرجل، و كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك، و غرس أشجارك؟فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا!و أما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة و عيسى و عزير عليهم السلام، قالوا و يتأكد هذا القول بقوله تعالى: وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاََئِكَةِ أَ هََؤُلاََءِ إِيََّاكُمْ كََانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ: 40]و إذا قيل لهم: لفظة (ما) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة (ما) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا (من) لما لا يعقل و الثاني: أريد به الوصف كأنه قيل (و معبودهم) (1) ، و قوله تعالى: وَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا بَنََاهََا [الشمس: 5] وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ* [الكافرون: 3]لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين، و كيف كان فالسؤال ساقط.

المسألة الثالثة: حاصل الكلام أن اللََّه تعالى يحشر المعبودين، ثم يقول لهم أ أنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟قالت المعتزلة: و فيه كسر بين لقول من يقول إن اللََّه يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا هاهنا قسم ثالث غيرهما هو الحق و هو أنك أنت أضللتهم، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أن اللََّه تعالى لا يضل أحدا من عباده. فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، فإنهم قالوا: وَ لََكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى نَسُوا اَلذِّكْرَ و هذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل اللََّه بهم و هو أنه سبحانه و تعالى متعهم و آباءهم بنعيم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير اللََّه محجوبا في يد أولئك المعبودين، و معلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجا مفحما ملزما هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من اللََّه تعالى، و إن صحلت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من اللََّه تعالى، و عند/لذلك يعود السؤال، و أما ظاهر هذه الآية فهو و إن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا.

المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من اللََّه تعالى و إن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر اللََّه تعالى. بقي على الآية سؤالات.

الأول: ما فائدة أنتم و هم؟ و هلا قيل أ أضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟الجواب: ليس السؤال عن الفعل و وجوده، لأنه لو لا وجوده لما توجه هذا العتاب، و إنما هو عن فاعله فلا بد من ذكره و إيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.

السؤال الثاني: أنه سبحانه كان عالما في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟ الجواب: هذا

____________

(1) في الكشاف (و معبوديهم) 3/84 ط. دار الفكر.

443

استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [المائدة: 116]و لأن أولئك المعبودين لما برءوا أنفسهم، و أحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم و حيرتهم.

السؤال الثالث: قال تعالى: أَمْ هُمْ ضَلُّوا اَلسَّبِيلَ و القياس أن يقال ضل عن السبيل، الجواب: الأصل ذلك، إلا أن الإنسان إذا كان متناهيا في التفريط و قلة الاحتياط، يقال ضل السبيل.

أما قوله: سُبْحََانَكَ فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم، و في قوله: سُبْحََانَكَ وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة و أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس و حزبه و ثانيها: أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون (المقدسون المؤمنون) (1) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده و ثالثها: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، سواء كان و ثنا أو نبيا أو ملكا و رابعها:

قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئا عن الجرم، بل إنه إنما سألهم تقريعا للكفار و توبيخا لهم.

أما قوله: مََا كََانَ يَنْبَغِي لَنََا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيََاءَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: القراءة المعروفة أَنْ نَتَّخِذَ بفتح النون و كسر الخاء و عن أبي جعفر و ابن عامر برفع النون و فتح الخاء على ما لم يسم فاعله، قال الزجاج أخطأ من قرأ أن نتخذ بضم النون لأن (من) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولا أولا و لا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد وليا، و لا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي، قال صاحب «الكشاف» اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذت وليا، و إلى مفعولين كقولك اتخذ فلانا وليا، قال اللََّه تعالى: وَ اِتَّخَذَ اَللََّهُ إِبْرََاهِيمَ خَلِيلاً [النساء: 125]و القراءة الأولى من المتعدي إلى واحد و هو مِنْ أَوْلِيََاءَ ، و الأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي، و الثانية من المتعدي إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل، و الثاني مِنْ/أَوْلِيََاءَ من للتبعيض، أي لا نتخذ بعض أولياء و تنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون و هم الجن و الأصنام.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها: أولها: و هو الأصح الأقوى، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك و ثانيها: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما يوليهم الكفار، قال تعالى: فَقََاتِلُوا أَوْلِيََاءَ اَلشَّيْطََانِ [النساء: 76]يريد الكفرة، و قال وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ [البقرة: 257]عن أبي مسلم و ثالثها: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه، و الحاصل أنه حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و رابعها: قالت الملائكة إنهم عبيدك، فلا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك وليا و لا حبيبا، فضلا عن أن يتخذ عبد عبدا آخر إلها لنفسه و خامسها: أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء، قلنا: المراد إنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا و سادسها: أن هذا قول الأصنام، و أنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين، فكيف يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين.

____________

(1) في الكشاف (المتقدسون الموسومون) 3/86 ط. دار الفكر.

444

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية و العداوة إلا بإذن اللََّه، فكل ولاية مبنية على ميل النفس و نصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع.

أما قوله تعالى: وَ لََكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى نَسُوا اَلذِّكْرَ وَ كََانُوا قَوْماً بُوراً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم و على آبائهم من النعم و هي توجب الشكر و الإيمان لا الإعراض و الكفران، و المقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا، فإنه لو لا عنادهم الظاهر، و إلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة اللََّه تعالى و قال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله: إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ [الأعراف: 155]و ذلك لأن المجيب قال:

إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات، و استغراقه فيها صار صادا له عن التوجه إلى طاعتك و الاشتغال بخدمتك، فإن هي إلا فتنتك.

المسألة الثانية: الذكر اللََّه و الإيمان به (و) (1) القرآن و الشرائع، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا و الآخرة.

المسألة الثالثة: قال أبو عبيدة: يقال رجل بور و رجلان بور و رجال بور، و كذلك الأنثى، و معناه هالك، و قد يقال رجل بائر و قوم بور، و هو مثل هائر و هور، و البوار الهلاك، و قد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء و القدر، و لا شك أن المراد منه و كانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة بالعذاب و الهلاك، فالذي حكم اللََّه عليه بعذاب الآخرة و علم ذلك و أثبته/في اللوح المحفوظ و أطلع الملائكة عليه، لو صار مؤمنا لصار الخبر الصدق كذبا، و لصار العلم جهلا و لصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة، و لصار اعتقاد الملائكة جهلا و كل ذلك محال و مستلزم المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقيا، و الشقي لا يمكنه أن ينقلب سعيدا، و من وجه آخر هو أنهم ذكروا أن اللََّه تعالى آتاهم أسباب الضلال و هو إعطاء المرادات في الدنيا و استغراق النفس فيها، و دلت الآية على أن ذلك السبب بلغ مبلغا يوجب البوار، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر، و حينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقيا، و أن الشقي لا ينقلب سعيدا.

أما قوله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمََا تَقُولُونَ فاعلم أنه قرئ يقولون بالياء و التاء، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة، أي كذبوكم في قولكم إنهم آلهة، و من قرأ بالياء المنقوطة من تحت، فالمعنى أنهم كذبوكم (بقولكم) (2) سُبْحََانَكَ ، و مثاله قولك كتبت بالقلم.

أما قوله: فَمََا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَ لاََ نَصْراً فاعلم أنه قرئ يستطيعون بالياء أيضا، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم، و قيل الصرف التوبة، و قيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب (و) (3) أن يحتالوا لكم.

____________

(1) في الكشاف (أو) 3/86 ط. دار الفكر.

(2) في الكشاف (بقولهم) /63/86 ط. دار الفكر.

(3) في الكشاف (أو) 3/87 ط. دار الفكر.