التفسير الكبير - ج25

- الفخر الرازي‏ المزيد...
218 /
5

الجزء الخامس و العشرون‏

تتمة سورة القصص‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

/اعلم أن في قوله تعالى: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ مسائل:

المسألة الأولى: هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ثم قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب و ذلك أن‏

أبا طالب قال عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمدا و صدقوه تفلحوا و ترشدوا، فقال عليه السلام «يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم و تدعها لنفسك!قال فما تريد يا ابن أخي؟ قال أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله إلا اللّه، أشهد لك بها عند اللّه تعالى، قال يا أخي قد علمت أنك صادق و لكني أكره أن يقال جزع عند الموت و لولا أن يكون عليك و على بني أبيك غضاضة و مسبة بعدي لقلتها و لأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك و نصحك، و لكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب و هاشم و عبد مناف» .

المسألة الثانية: أنه تعالى قال في هذه الآية: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ و قال في آية أخرى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52]و لا تنافي بينهما فإن الذي أثبته و أضافه إليه الدعوة و البيان و الذي نفى عنه هداية التوفيق، و شرح الصدر و هو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه: أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً [الأنعام: 122]الآية.

المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى و الضلال، فقالوا: قوله إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي شيئا و في قوله: وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ شيئا آخر لاختل النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف/طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى اللّه عمومها، و كذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، و أما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضا غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة و تعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على اللّه تعالى و الواجب لا يكون‏

6

معلقا على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت، و أما الهداية بمعنى الإلجاء و القسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من اللّه تعالى في حق المكلف و فعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة و هما محالان و مستلزم المحال محال فذلك محال من اللّه تعالى و المحال لا يجوز تعليقه في المشيئة، و لما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية و المعرفة و يمنع البعض منها، و لا يسأل عما يفعل، و متى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرا عن ذلك.

أما قوله: وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد و من لا يهتدي، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم و أجاب عنها بالأجوبة الواضحة، و بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية اللّه تعالى، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا و هي قولهم: إِنْ نَتَّبِعِ اَلْهُدى‏ََ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنََا [القصص: 57]قال المبرد: الخطف، الانتزاع بسرعة،

روي أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: إنا لنعلم أن الذي تقوله حق، و لكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا،

أي يجتمعون على محاربتنا و يخرجوننا من أرضنا، فأجاب اللّه سبحانه و تعالى عنها من وجوه الأول: قوله: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً أي أعطيناكم مسكنا لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم و ما كانوا يتعرضون البتة لسكانه، فإنه‏

يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب و الغارة، و ما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم،

أو لقوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً [آل عمران: 97] و أما قوله: يُجْبى‏ََ إِلَيْهِ ثَمَرََاتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليا عن المخاوف و الآفات بين كثرة النعم فيه، و معنى:

يُجْبى‏ََ يجمع من قولهم: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء، و أهل الكوفة، و أبو عمرو بالياء، و ذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع و ليس بتأنيث حقيقي، فيجوز تأنيثه على اللفظ و تذكيره على المعنى، و معنى الكلية الكثرة كقوله: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 23]و حاصل الجواب: أنه تعالى لما جعل الحرم آمنا و أكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة اللّه تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى، قال القاضي: و لو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقا لم يكن عذرا لكم في أن لا تؤمنوا و قد ظهرت الحجة لانقطعوا، أو قال لهم إن تخطفهم لكم بالقتل و غيره، و قد آمنتم كالشهادة لكم فهو/نفع عائد عليكم لانقطعوا أيضا، و لو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة، أن ذلك لا يجري إن آمنوا، و مثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا، فلذلك قدمه اللّه تعالى، و الآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين. بقي هاهنا بحثان:

الأول: قال صاحب «الكشاف» في انتصاب رزقا إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شي‏ء، و يرزق ثمرات كل شي‏ء واحد، و أن يكون مفعولا له، و إن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة.

الثاني: احتج الأصحاب بقوله: رِزْقاً مِنْ لَدُنََّا في أن فعل العبد خلق اللّه تعالى، و بيانه أن تلك الأرزاق‏

7

إنما كانت تصل إليهم، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا للّه تعالى لما صحت تلك الإضافة، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان، فقد حصل الوجوب و حينئذ يحصل المقصود، و إن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية. و اعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من اللّه تعالى، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدا سوى اللّه تعالى و لا يرجون أحدا غير اللّه تعالى، فيبقى نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق، و ذلك يوجب كمال الإيمان و الإعراض بالكلية عن غير اللّه تعالى و الإقبال بالكلية على طاعة اللّه تعالى.

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة، و ذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله اللّه تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا، فلما كذبوا الرسل أزال اللّه عنهم تلك النعم و المقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا، فاللّه تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم، لا الإقدام على الإيمان، قال صاحب «الكشاف» : البطر سوء احتمال الغنى و هو أن لا يحفظ حق اللّه تعالى فيه و انتصبت معيشتها إما بحذف الجار و اتصال الفعل كقوله:

وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ [الأعراف: 155]أو بتقدير حذف الزمان المضاف و أصله بطرت أيام معيشتها، و إما تضمين بطرت معنى كفرت.

فأما قوله: فَتِلْكَ مَسََاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاََّ قَلِيلاً ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لم يسكنها إلا المسافر و مار الطريق يوما أو ساعة. و ثانيها: يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا و كنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها، و إذا لم يبق للشي‏ء مالك معين قيل إنه ميراث اللّه لأنه الباقي بعد فناء خلقه، }ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها، فكأن سائلا أورد السؤال من وجهين الأول: لما ذا ما أهلك اللّه الكفار قبل محمد صلى الله عليه و آله و سلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر و العناد؟الثاني: لما ذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه و آله و سلم مع تمادي القوم في الكفر باللّه تعالى و التكذيب بمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم؟فأجاب عن السؤال الأول بقوله: وَ مََا كََانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ اَلْقُرى‏ََ حَتََّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهََا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا و حاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة، ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما: وَ مََا كََانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ اَلْقُرى‏ََ حَتََّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهََا رَسُولاً أي في القرية التي هي أمها و أصلها و قصبتها التي هي أعمالها و توابعها رسولا لإلزام الحجة و قطع المعذرة الثاني: و ما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولا و هو محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم خاتم الأنبياء، و معنى: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا يؤدي و يبلغ، و أجاب عن‏

8

بقوله: وَ مََا كُنََّا مُهْلِكِي اَلْقُرى‏ََ إِلاََّ وَ أَهْلُهََا ظََالِمُونَ أنفسهم بالشرك و أهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن و بعضهم علم اللّه منهم أنهم سيؤمنون و بعض آخرون علم اللّه أنهم و إن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنا.

اعلم أن هذا هو الجواب الثالث عن تلك الشبهة لأن حاصل شبهتهم أن قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند اللّه خير و أبقى، أما أنه خير فلوجهين أحدهما: أن المنافع هناك أعظم و ثانيهما: أنها خالصة عن الشوائب و منافع الدنيا مشوبة بالمضار بل المضار فيها أكثر، و أما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة و منافع الدنيا منقطعة و متى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما فكيف و نصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر، فظهر من هذا أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة ألبتة فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستبقاء منافع الدنيا و لما نبه سبحانه على ذلك قال: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجا عن حد العقل، و رحم اللّه الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة اللّه تعالى، لأن أعقل الناس من أعطى القليل و أخذ الكثير و ما هم إلا المشتغلون بالطاعة فكأنه رحمه اللّه إنما أخذه من هذه الآية، }ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر و هو أنا لو قدرنا أن نعم اللّه كانت تنتهي إلى الانقطاع و الفناء و ما كانت تتصل بالعذاب الدائم لكان صريح العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة على نعم الدنيا فكيف إذا اتصلت نعم الدنيا بعقاب الآخرة فأي عقل يرتاب في أن نعم الآخرة راجحة عليها، و هذا هو المراد بقوله: أَ فَمَنْ وَعَدْنََاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاََقِيهِ [الصافات: 57]فهو يكون كمن أعطاه اللّه قدرا قليلا من متاع الدنيا ثم يكون في الآخرة من المحضرين للعذاب، و المقصود أنهم لما قالوا تركنا الدين للدنيا فقال اللّه لهم لو لم يحصل عقيب دنياكم مضرة العقاب لكان العقل يقتضي ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا، فكيف و هذه الدنيا يحصل بعدها العقاب الدائم، و أورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بالترجيح و تخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن قال تعالى: لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ [الصافات: 57] فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: 127]و في لفظه إشعار به لأن الإحضار مشعر بالتكليف و الإلزام، و ذلك لا يليق بمجالس اللذة إنما يليق بمجالس الضرر و المكاره.

9

اعلم أنه سبحانه و تعالى ذكر في هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة عن ثلاثة أشياء أحدها: قوله:

وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ لما ثبت أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه و عرفوا صحة التوحيد و النبوة بالضرورة فيقول لهم أين ما كنتم تعبدونه و تجعلونه شريكا في العبادة و تزعمون أنه يشفع؟أين هو لينصركم و يخلصكم من هذا الذي نزل بكم. }ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول، و المراد من القول هو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ* [هود: 119]و معنى حق عليه القول أي حق عليه مقتضاه، و اختلفوا في أن الذين حق عليهم هذا القول من هم؟فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال، و قال بعضهم الشياطين قوله: رَبَّنََا هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا هؤلاء مبتدأ و الذين أغوينا صفته و الراجع إلى الموصوف محذوف و أغويناهم الخبر و الكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا و المراد كما أن غينا باختيارنا فكذا غيهم باختيارهم يعني أن إغواءنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين بالإقدام على تلك العقائد و الأعمال، و هذا معنى ما حكاه اللّه عن الشيطان أنه قال: إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: 22]و قال تعالى لإبليس: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ إِلاََّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغََاوِينَ [الحجر: 42]فقوله: إِلاََّ مَنِ اِتَّبَعَكَ يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم لا من قبل إلجاء الشيطان إلى ذلك، ثم قال تبرأنا إليك منهم و من عقائدهم و أعمالهم ما كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون أهواءهم، و الحاصل أنهم يتبرءون منهم كما قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا [البقرة: 166]و أيضا فلا يمتنع في قوله تعالى: أَيْنَ شُرَكََائِيَ أن يريد به هؤلاء الرؤساء و الشياطين فإنهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة بمنزلة الشريك للّه تعالى، و إذا حمل الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن يقولوا إلهنا هؤلاء ما عبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة}و ثانيها: قوله تعالى: وَ قِيلَ اُدْعُوا شُرَكََاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ و الأقرب أن هذا على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة و أن العذاب ثابت فيهم، و كل ذلك على وجه التوبيخ، و في ذكره ردع و زجر في دار الدنيا، فأما قوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كََانُوا يَهْتَدُونَ فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف و ذكروا فيه وجوها أحدها: قال الضحاك و مقاتل يعني المتبوع و التابع يرون العذاب و لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة و ثانيها: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق و ثالثها:

ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون و رابعها: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب و خامسها: قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب و يؤكد ذلك قوله تعالى:

لاََ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتََّى يَرَوُا اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ [الشعراء: 201]و عندي أن الجواب غير محذوف و في تقريره وجوه أحدها: أن اللّه تعالى إذا خاطبهم بقوله: اُدْعُوا شُرَكََاءَكُمْ فههنا يشتد الخوف عليهم و يلحقهم شي‏ء كالسدر و الدوار و يصيرون بحيث لا يبصرون شيئا فقال تعالى: و رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون شيئا أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئا لا جرم ما رأوا العذاب و ثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء

10

و هي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ لَوْ أَنَّهُمْ كََانُوا يَهْتَدُونَ أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين و لكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله: وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام؟قلنا هذا كقوله:

فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف: 52]و إنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا و ثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي و الكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون و هذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية}}الأمر الثالث:

من الأمور التي يسأل اللّه الكفار عنها قوله: وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ فَيَقُولُ مََا ذََا أَجَبْتُمُ اَلْمُرْسَلِينَ*`فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَنْبََاءُ أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا لا تهتدي إليهم فهم لا يتساءلون لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعا في عمي الأنباء عليهم و العجز عن الجواب، و قرئ فعميت و إذا كانت الأنبياء لهول ذلك يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، و يفوضون الأمر إلى علم اللّه و ذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اَللََّهُ اَلرُّسُلَ فَيَقُولُ مََا ذََا أُجِبْتُمْ قََالُوا لاََ عِلْمَ لَنََا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاََّمُ اَلْغُيُوبِ [المائدة: 109]فما ظنك بهؤلاء الضلال، قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقا من اللّه تعالى و يجب وقوعه بالقدرة و الإرادة لما عميت عليهم الأنبياء و لقالوا إنما أتينا في تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم و القدرة الموجبة لذلك، فكانت حجتهم على اللّه تعالى ظاهرة و كذلك القول فيما تقدم لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية، و إنما قبل من دعوته لمثل ذلك/فتكون الحجة لهم في ذلك قوية و العذر ظاهرا و الجواب: أن القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح و الذم و الثواب و العقاب إلا و يعيد استدلاله بها، و كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف فكذا وجه جوابنا حرف واحد و هو أن علم اللّه تعالى بعدم الإيمان مع وقوع الإيمان متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمر بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمر بالجمع بين الضدين، و الذي اعتمد القاضي عليه في دفع هذا الحرف في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن و خطأ قول من يقول إنه لا يمكن بل الواجب السكوت و لو أورد الكافر هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت، فتكون حجة الكافر قوية و عذره ظاهرا فثبت أن الإشكال مشترك و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار و ما يجري عليهم من التوبيخ أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيبا في التوبة و زجرا عن الثبات على الكفر فقال: فَأَمََّا مَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً فَعَسى‏ََ أَنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمُفْلِحِينَ و في عسى وجوه: أحدها: أنه من الكرام تحقيق و اللّه أكرم الأكرمين و ثانيها: أن يراد ترجي التائب و طمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح و ثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة و الإيمان لجواز

11

أن لا يدوموا، }و اعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى و يقولون: لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31]يعنون الوليد بن المغيرة أو أبا مسعود الثقفي، فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله:

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَ يَخْتََارُ و المراد أنه المالك المطلق و هو منزه عن النفع و الضر فله أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض عليه ألبتة، و على طريقة المعتزلة لما ثبت أنه حكيم مطلق علم أنه كل ما فعله كان حكمة و صوابا فليس لأحد أن يعترض عليه و قوله: مََا كََانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ و الخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر /و الخيرة أيضا اسم للمختار يقال محمد خيرة اللّه في خلقه إذا عرفت هذا فنقول في الآية و جهان: الأول: و هو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله: وَ يَخْتََارُ و يكون ما نفيا، و المعنى: و ربك يخلق ما يشاء و يختار ليس لهم الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على اللّه أن يفعل و الثاني: أن يكون ما بمعنى الذي فيكون الوقف عند قوله: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ ثم يقول: وَ يَخْتََارُ مََا كََانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ ، قال أبو القاسم الانصاري و هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح و الأصلح عليه، و أي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن و لو لم يكلفه لاستحق الجنة و النعيم من فضل اللّه، فإن قيل لما كلفه استوجب على اللّه ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا إذا علم قطعا إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه في العقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة، ثم قولهم المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي ما حصل الذات و الصفات إلا بخلقه و بفضله و إحسانه فكيف يستنكف من تفضله، ثم قال:

سُبْحََانَ اَللََّهِ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ و المقصود أن يعلم أن الخلق و الاختيار و الإعزاز و الإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة و منازعة}ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و ما يعلنون من مطاعنهم فيه و قولهم هلا اختير غيره في النبوة، }و لما بين علمه بما هم عليه من الغل و الحسد و السفاهة قال:

وَ هُوَ اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و فيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات، و عالما بكل المعلومات، منزها عن النقائص و الآفات يجازي المحسنين على طاعتهم و يعاقب العصاة على عصيانهم و فيه نهاية الزجر و الردع للعصاة و نهاية تقوية القلب للمطيعين، و يحتمل أيضا أنه لما بين فساد طريق المشركين من قوله: وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكََائِيَ [القصص: 62]ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد و بيان أن الحمد و الثناء لا يليق إلا به.

أما قوله: لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْأُولى‏ََ وَ اَلْآخِرَةِ فهو ظاهر على قولنا لأن الثواب غير واجب عليه بل هو سبحانه يعطيه فضلا و إحسانا فله الحمد في الأولى و الآخرة، و يؤكد ذلك قول أهل الجنة اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ [فاطر: 34] اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ [الزمر: 74] وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [يونس: 10]أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، و أما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم، قال القاضي إنه يستحق الحمد و الشكر من أهل النار أيضا بما فعله بهم في الدنيا من التمكين و التيسير و الإلطاف و سائر النعم، لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم اللّه عليهم من أن يوجب الشكر، و هذا فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على اللّه قبولها و علموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على اللّه الثواب و هم قادرون على ذلك و عالمون بأن ذلك مما يخلصهم عن العذاب و يدخلهم في استحقاق الثواب أفترى أن الإنسان مع

12

العلم بذلك و القدرة عليه يترك هذه التوبة؟كلا، بل لا بد أن يتوبوا و أن يشتغلوا بالشكر، و متى فعلوا ذلك فقد بطل العقاب.

أما قوله: وَ لَهُ اَلْحُكْمُ فهو إما في الدنيا أو في الآخرة فأما في الدنيا فحكم كل أحد سواه إنما نفذ بحكمه، فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده و لا على الزوجة حكم زوجها و لا على الابن حكم أبيه و لا على الرعية حكم سلطانهم و لا على الأمة حكم الرسول، فهو الحاكم في الحقيقة، و أما في الآخرة فلا شك أنه هو الحاكم، لأنه الذي يتولى الحكم بين العباد في الآخرة، فينتصف للمظلومين من الظالمين.

أما قوله: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالمعنى و إلى محل حكمه و قضائه ترجعون، فإن كلمة إلى لانتهاء الغاية و هو تعالى منزه من المكان و الجهة.

اعلم أنه تعالى لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله: وَ هُوَ اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْأُولى‏ََ وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُ اَلْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 70]فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواه فقال لرسوله: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اَللََّهُ عَلَيْكُمُ اَللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فنبه على أن الوجه في كون الليل و النهار نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء في الدنيا و في حال التكليف مدفوع إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، و لا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، و لأجله يحصل الاجتماع فيمكن المعاملات و معلوم أن ذلك لا يتم لولا الراحة و السكون بالليل فلا بد منهما و الحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب و لا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل فلذلك يدوم لهم الضياء و اللذات، فبين تعالى أنه لا قادر على ذلك إلا اللّه تعالى، و إنما قال: أَ فَلاََ تَسْمَعُونَ / أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون و يبصرون من جهة التدبر فلما لم ينتفعوا نزلوا منزلة من لا يسمع و لا يبصر قال الكلبي قوله: أَ فَلاََ تَسْمَعُونَ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك و قوله: أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ و الضلال، قال صاحب «الكشاف» السرمد الدائم المتصل من السرد و هو المتابعة، و منه قولهم في الأشهر الحرم ثلاثة سرد و واحد فرد، فإن قيل هلا قال: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل: بليل تسكنون فيه؟قلنا ذكر الضياء و هو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده و الظلام ليس بتلك المنزلة، و إنما قرن بالضياء أفلا تسمعون، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه و وصف فوائده، و قرن بالليل أفلا تبصرون لأن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون و نحوه، و من رحمته زاوج بين الليل و النهار لأغراض ثلاثة لتسكنوا في أحدهما و هو الليل، و لتبتغوا من فضله في الآخر و هو النهار و لأداء الشكر على المنفعتين معا.

13

و اعلم أنه و إن كان السكون في النهار ممكنا و ابتغاء فضل اللّه بالليل ممكنا إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره اللّه تعالى به فلهذا خصه به.

اعلم أنه سبحانه لما هجن طريقة المشركين، أولا ثم ذكر التوحيد و دلائله، ثانيا عاد إلى تهجن طريقتهم مرة أخرى و شرح حالهم في الآخرة فقال: وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ أي القيامة فَيَقُولُ: أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ و المعنى أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم، أو أين قولكم تقربنا إلى اللّه زلفى و قد علموا أن لا إله إلا اللّه فيكون ذلك زائدا في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول.

أما قوله: وَ نَزَعْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فالمراد ميزنا واحدا ليشهد عليهم، ثم قال بعضهم هم الأنبياء يشهدون بأنهم بلغوا القوم الدلائل و بلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زائدا في غمهم، و قال آخرون بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان و يدخل في جملتهم الأنبياء و هذا أقرب لأنه تعالى عم كل أمة و كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه الأحوال التي لم يوجد فيها النبي و هي أزمنة الفترات و الأزمنة التي حصلت بعد/محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم فعلموا حينئذ أن الحق للّه و لرسله وَ ضَلَّ عَنْهُمْ غاب عنهم غيبة الشي‏ء الضائع مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ من الباطل و الكذب.

اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام، و ظاهر ذلك يدل على أنه كان ممن قد أمن به و لا يبعد أيضا حمله على القرابة، قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى عليه السلام، لأنه كان قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى، و موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى و قال محمد بن إسحاق إنه كان عم موسى عليه السلام، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث و قارون بن يصهر بن قاهث. و عن ابن عباس أنه كان ابن خالته، ثم قيل إنه كان يسمى المنور لحسن صورته و كان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق كما نافق السامري.

أما قوله: فَبَغى‏ََ عَلَيْهِمْ ففيه وجوه أحدها: أنه بغى بسبب ماله، و بغيه أنه استخف بالفقراء و لم يرع لهم‏

14

حق الإيمان و لا عظمهم مع كثرة أمواله و الثاني: أنه من الظلم، قيل ملكه فرعون على/بني إسرائيل فظلمهم الثالث: قال القفال: بغى عليهم، أي طلب الفضل عليهم و أن يكونوا تحت يده الرابع: قال الضحاك: طغى عليهم و استطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس: قال ابن عباس: تجبر و تكبر عليهم و سخط عليهم السادس:

قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبرا، و هذا يعود إلى التكبر السابع: قال الكلبي:

بغيه عليهم أنه حسد هارون على الحبورة،

يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر و أغرق اللّه تعالى فرعون جعل الحبورة لهرون، فحصلت له النبوة و الحبورة و كان صاحب القربان و المذبح، و كان لموسى الرسالة، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فقال يا موسى لك الرسالة، و لهرون الحبورة، و لست في شي‏ء و لا أصبر أنا على هذا، فقال موسى عليه السلام: و اللّه ما صنعت ذلك لهرون و لكن اللّه جعله له، فقال و اللّه لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية أعرف بها أن اللّه جعل ذلك لهرون، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجي‏ء كل رجل منهم بعصاه، فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له، و كان ذلك بأمر اللّه تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر و كانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع اللّه لهرون!فقال و اللّه ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون و معه ناس كثير، و ولى هارون الحبورة و المذبح و القربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون فيضعها في المذبح و تنزل النار من السماء فتأكلها، و اعتزل قارون بأتباعه و كان كثير المال و التبع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام و لا يجالسه،

و

روى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام اللّه تعالى» .

أما قوله: وَ آتَيْنََاهُ مِنَ اَلْكُنُوزِ مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي اَلْقُوَّةِ ففيه أبحاث:

الأول: قال الكعبي: ألستم تقولون إن اللّه لا يعطي الحرام فكيف أضاف اللّه مال قارون إلى نفسه بقوله:

وَ آتَيْنََاهُ و أجاب بأنه لا حجة في أنه كان حراما، و يجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا و كنزوا فظفر قارون بذلك، و كان هذا الظفر طريق التملك، أو وصل إليه بالإرث من جهات، ثم بالتكسب من جهة المضاربات و غيرها و كان الكل محتملا.

البحث الثاني: المفتاح جمع مفتح بكسر الميم و هو ما يفتح به، و قيل هي الخزائن و قياس واحدها مفتح بفتح الميم، و يقال ناء به المحل إذا أثقله حتى أماله، و العصبة الجماعة الكثيرة و العصابة مثلها، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام: وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ* [يوسف: 8]و كانوا عشرة لأن يوسف و أخاه لم يكونا معهم.

إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول: هاهنا قولان أحدهما: أن المراد بالمفاتح المفاتيح و هي التي يفتح بها الباب، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل و كل مفتاح مثل إصبع، و كان لكل خزانة مفتاح، و كان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلا، و من الناس من طعن في هذا القول/من وجهين الأول: أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، و لو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب و الجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني: أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح و الجواب: عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى‏

15

هذا الحد، و أيضا فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملا، ليس مذكورا في القرآن فلا تقبل هذه الرواية، و تفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة، و كان كل واحد منها معينا لشي‏ء آخر، فكان يثقل على العصبة ضبطها و معرفتها بسبب كثرتها، و على هذا الوجه يزول الاستبعاد، و عن الثاني أن ظاهر الكنز و إن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني: و هو اختيار ابن عباس و الحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال و هذا أبين و عن الشبهة أبعد. قال ابن عباس: كانت خزائنه يحملها أربعون رجلا أقوياء، و كانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث:

و هو اختيار أبي مسلم: أن المراد من المفاتح العلم و الإحاطة كقوله: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ [الأنعام: 59] و المراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها و الاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة و الهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها و اختلاف أصنافها تتعب حفظتها و القائمين عليها أن يحفظوها، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها: قوله: لاََ تَفْرَحْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْفَرِحِينَ و المراد لا يلحقه من البطر و التمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلا، و قال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها و اطمأن إليها، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها و ما أحسن ما قال المتنبي:

أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا

و أحسن و أوجز منه ما قال تعالى: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ [الحديد: 23]قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركا، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة اللّه تعالى و ثانيها: قوله: وَ اِبْتَغِ فِيمََا آتََاكَ اَللََّهُ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ و الظاهر أنه كان مقرا بالآخرة، و المراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة و يسلك طريقة التواضع و ثالثها: قوله: وَ لاََ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيََا و فيه وجوه أحدها: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم و الالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك و ثانيها: لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة و ثالثها: المراد منه الإنفاق في طاعة اللّه فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل و يشرب‏

قال عليه السلام: «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، و من دنياه لآخرته، و من الشبيبة قبل الكبر، و من الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب و لا بعد الدنيا دار إلا الجنة و النار»

و رابعها: قوله: وَ أَحْسِنْ كَمََا أَحْسَنَ اَللََّهُ إِلَيْكَ لما أمره /بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقا و يدخل فيه الإعانة بالمال و الجاه و طلاقة الوجه و حسن اللقاء و حسن الذكر، و إنما قال: كَمََا أَحْسَنَ اَللََّهُ إِلَيْكَ تنبيها على قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7]و خامسها:

قوله: وَ لاََ تَبْغِ اَلْفَسََادَ فِي اَلْأَرْضِ و المراد ما كان عليه من الظلم و البغي و قيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام، و قال آخرون بل مؤمنو قومه، و كيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد، لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال: إنما أوتيته على علم عندي و فيه وجوه: أحدها: قال قتادة و مقاتل و الكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي و استحقاقي لذلك و ثانيها: قال سعيد بن المسيب و الضحاك: كان موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم و يوشع ثلثه و كالب ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة و النحاس فيجعله ذهبا و ثالثها: أراد به علمه بوجوه المكاسب و التجارات و رابعها: أن يكون قوله: إِنَّمََا أُوتِيتُهُ‏

16

عَلى‏ََ عِلْمٍ عِنْدِي أي اللّه أعطاني ذلك مع كونه عالما بي و بأحوالي فلو لم يكن ذلك مصلحة لما فعل و قوله:

عِنْدِي أي عندي أن الأمر كذلك، كما يقول المفتي عندي أن الأمر كذلك أي مذهبي و اعتقادي ذلك، ثم أجاب اللّه تعالى عن كلامه بقوله: أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ اَلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً و فيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون هذا إثباتا لعلمه بأن اللّه تعالى قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه و أغنى لأنه قد قرأه في التوراة و أخبر به موسى عليه السلام و سمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله و قوته: الثاني: يجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك كأنه لما قال أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم و تعظم به، قيل أ عنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، و رأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، و لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين؟ أما قوله: وَ أَكْثَرُ جَمْعاً فالمعنى أكثر جمعا للمال أو أكثر جماعة و عددا، و حاصل الجواب أن اغتراره بماله و قوته و جموعه من الخطأ العظيم، و أنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك و لا ما يزيد عليه أضعافا.

فأما قوله: وَ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ فالمراد أن اللّه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم و كميتها، لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بينه و بين قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92]قلنا يحمل ذلك على وقتين على ما قررناه، و ذكر أبو مسلم وجها آخر فقال: السؤال قد يكون للمحاسبة، و قد يكون للتقرير و التبكيت، و قد يكون للاستعتاب، و أليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله: ثُمَّ لاََ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لاََ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:

84] هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ*`وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 35، 36].

أما قوله: فَخَرَجَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ فيدل على أنه خرج بأظهر زينة و أكملها و ليس في القرآن إلا هذا القدر، إلا أن الناس ذكروا وجوها مختلفة في كيفية تلك الزينة، قال مقاتل خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب و معه أربعة آلاف فارس على الخيول و عليها الثياب الأرجوانية و معه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي و الثياب الحمر على البغال الشهب، و قال بعضهم: بل خرج في تسعين ألفا هكذا، و قال آخرون بل على ثلاثمائة. و الأولى ترك هذه التقريرات لأنها متعارضة، ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا يََا لَيْتَ لَنََا مِثْلَ مََا أُوتِيَ قََارُونُ من هذه الأمور و الأموال، و الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار و أن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا، و أما العلماء و أهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا ويلكم ثواب اللّه خير من هذه النعم، لأن للثواب منافع عظيمة و خالصة عن شوائب المضار و دائمة، و هذه النعم العاجلة

17

على الضد من هذه الصفات الثلاث، قال صاحب «الكشاف» : ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر و الردع و البعث على ترك ما لا يرتضى.

أما قوله: وَ لاََ يُلَقََّاهََا إِلاَّ اَلصََّابِرُونَ فقال المفسرون: لا يوفق لها و الضمير في يلقاها إلى ماذا يعود؟فيه وجهان أحدهما: إلى ما دل عليه قوله: آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصابرون و الثاني: قال الزجاج: يعني، و لا يلقى هذه الكلمة و هي قولهم ثواب اللّه خير إلا الصابرون على أداء الطاعات و الاحتراز عن المحرمات، و على الرضا بقضاء اللّه في كل ما قسم من المنافع و المضار.

و أما قوله: فَخَسَفْنََا بِهِ وَ بِدََارِهِ اَلْأَرْضَ ففيه وجهان أحدهما: أنه لما أشر و بطر و عتا خسف اللّه به و بداره الأرض جزاء على عتوه و بطره، و الفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية و ثانيها: قيل إن قارون كان يؤذي نبي اللّه موسى عليه السلام كل وقت و هو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، و عن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت نفسه فجمع بني إسرائيل، و قال:

إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت سيدنا و كبيرنا فمرنا بما شئت، قال: نبرطل فلانة البغي حتى تنسبه إلى نفسها فيرفضه بنو إسرائيل فجعل لها طستا من ذهب مملوءا ذهبا فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، و من زنى و هو[غير]محصن جلدناه و إن أحصن رجمناه، فقال قارون و إن كنت أنت؟قال: و إن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يقولون إنك فجرت بفلانة فأحضرت فناشدها موسى باللّه الذي فلق البحر و أنزل التوراة أن تصدق فتداركها اللّه تعالى، فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي، و قال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى اللّه عز و جل إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك، فقال: يا بني إسرائيل، إن اللّه بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه و من كان معي فليعتزل فاعتزلوا جميعا غير رجلين، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق و قارون و أصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام و يناشدونه باللّه و الرحم، و موسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم فانطبقت الأرض عليهم فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام ما أفظك استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم، أما و عزتي لودعوني مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره و كنوزه فدعا اللّه حتى خسف بداره و أمواله، ثم إن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة، قال القاضي: إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك فإنه لا يمتنع ما روي على وجه المبالغة في الزجر، و أما قولهم إنه تعالى قال لو استغاث بي لأغثته، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة فأما و هو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف لأن موسى عليه السلام ما فعله إلا عن أمره فبعيد، و قولهم إنه يتجلجل في الأرض أبدا فبعيد لأنه لا بد له من نهاية و كذا القول فيما ذكر من عدد القامات، و الذي عندي في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين، و ليست المسألة مسألة عملية حتى يكتفى فيها بالظن، ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها و الاكتفاء بما دل عليه نص القرآن و تفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.

أما قوله: وَ مََا كََانَ مِنَ اَلمُنْتَصِرِينَ فالمراد من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب/اللّه‏

18

تعالى يقال نصره من عدوه فانتصر، أي منعه منه فامتنع.

اعلم أن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف صار ذلك زاجرا لهم عن حب الدنيا و مخالفة موسى عليه السلام و داعيا إلى الرضا بقضاء اللّه تعالى و قسمته و إلى إظهار الطاعة و الانقياد لأنبياء اللّه و رسله.

أما قوله: وَيْكَأَنَّ اَللََّهَ فاعلم أن وي كلمة مفصولة عن كأن و هي كلمة مستعملة عند التنبه للخطأ و إظهار التندم، فلما قالوا: يََا لَيْتَ لَنََا مِثْلَ مََا أُوتِيَ قََارُونُ [القصص: 79]ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطئهم فقالوا: وي ثم قالوا: كأن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب مشيئته و حكمته لا لكرامته عليه، و يضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته و قضائه ابتلاء و فتنة قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف فقال إن وي مفصولة من كأن و أن القوم تنبهوا و قالوا متندمين على ما سلف منهم وي. و ذكر الفراء وجهين أحدهما: أن المعنى ويلك فحذف اللام و إنما جاز هذا الحذف لكثرتها في الكلام و جعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم أن اللّه، و هذا قول قطرب حكاه عن يونس الثاني: وي منفصلة من كأن و هو للتعجب يقول الرجل لغيره وي أما ترى ما بين يديك فقال اللّه وي ثم استأنف كان اللّه يبسط فاللّه تعالى إنما ذكرها تعجيبا لخلقه، قال الواحدي: و هذا وجه مستقيم غير أن العرب لم تكتبها منفصلة و لو كان على ما قالوه لكتبوها منفصلة، و أجاب الأولون بأن خط المصحف لا يقاس عليه، ثم قالوا: لَوْ لاََ أَنْ مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْنََا لَخَسَفَ بِنََا وَيْكَأَنَّهُ لاََ يُفْلِحُ اَلْكََافِرُونَ و هذا تأكيد لما قبله.

أما قوله: تِلْكَ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ فتعظيم لها و تفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها و بلغك وصفها و لم يعلق الوعد بترك العلو و الفساد، و لكن بترك إرادتهما و ميل القلب إليهما، و

عن علي/عليه السلام: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها،

قال صاحب «الكشاف» : و من الطماع من يجعل العلو لفرعون لقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاََ فِي اَلْأَرْضِ [القصص: 4]و الفساد لقارون لقوله:

وَ لاََ تَبْغِ اَلْفَسََادَ فِي اَلْأَرْضِ [القصص: 77]و يقول من لم يكن مثل فرعون و قارون فله تلك الدار الآخرة و لا يتدبر قوله: وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ كما تدبره علي بن أبي طالب عليه السلام.

ـ

19

اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض و لا فسادا، بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا و فيه وجوه أحدهما: المعنى من جاء بالحسنة حصل له من تلك الكلمة خير و ثانيها: حصل له شي‏ء هو أفضل من تلك الحسنة، و معناه أنهم يزادون على ثوابهم و قد مر تفسيره في آخر النمل، و أما قوله: وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاََ يُجْزَى اَلَّذِينَ عَمِلُوا اَلسَّيِّئََاتِ إِلاََّ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ فظاهره أن لا يزادوا على ما يستحقون. /و إذا صح ذلك في السيئات دل أن المراد في الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل على الثواب، قال صاحب «الكشاف» تقدير الآية: و من جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكنه كرر ذلك لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررا فضل تهجين لحالهم و زيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين، و هذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، و يجزي بالحسنة عشر أمثالها، و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهََا [الإسراء: 7]كرر ذلك الإحسان و اكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة، و في هذه الآية كرر ذكر الإساءة مرتين و اكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة، فما السبب؟الجواب: لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة، فكانت المبالغة في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب، لأن المبالغة في الزجر عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة. و أما الآية الأخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى.

السؤال الثاني: كيف قال: لا تجزي السيئة إلا بمثلها؟مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد و الجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه. قال الجبائي:

و هذا يدل على بطلان مذهب من يجوز على اللّه تعالى أن يعذب الأطفال عذابا دائما بغير جرم، قلنا لا يجوز أن يفعله و ليس في الآية ما يدل عليه، ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة و استقصى في ذلك، شرح له ما يتصل بأحواله فقال: إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرََادُّكَ إِلى‏ََ مَعََادٍ قال أبو علي: الذي فرض عليك أحكامه و فرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد، و تنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال إلى معاد و أي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله. و قيل المراد به مكة، و وجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح، و وجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن عظيم لاستيلاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم عليها و قهره لأهلها و إظهار عز الإسلام و إذلال حزب الكفر و السورة مكية، فكأن اللّه تعالى وعده و هو بمكة في أذى و غلبة من أهلها أنه يهاجر منها و يعيده إليها ظاهرا ظافرا. و

قال مقاتل: إنه عليه السلام خرج من الغار و سار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق و نزل بالجحفة بين مكة و المدينة، و عرف الطريق إلى مكة و اشتاق إليها و ذكر مولده و مولد أبيه، فنزل جبريل عليه السلام و قال: تشتاق إلى بلدك و مولدك، فقال عليه السلام: نعم، فقال جبريل عليه السلام: فإن اللّه تعالى يقول: إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرََادُّكَ إِلى‏ََ مَعََادٍ

يعني إلى مكة ظاهرا عليهم و هذا أقرب، لأن ظاهر

20

المعاد أنه كان فيه و فارقه و حصل العود، و ذلك لا يليق إلا بمكة، و إن كان سائر الوجوه محتملا لكن ذلك أقرب، قال أهل التحقيق: و هذا أحد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب و وقع كما أخبر فيكون معجزا، ثم قال قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جََاءَ بِالْهُدى‏ََ وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ و وجه تعلقه بما قبله أن/اللّه تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد، قال: قُلْ للمشركين رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جََاءَ بِالْهُدى‏ََ يعني نفسه و ما يستحقه من الثواب في المعاد و الإعزاز بالإعادة إلى مكة وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ يعنيهم و ما يستحقون من العقاب في معادهم، ثم قال لرسوله وَ مََا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ََ إِلَيْكَ اَلْكِتََابُ إِلاََّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ففي كلمة إلا وجهان أحدهما: أنها للاستثناء، ثم قال صاحب «الكشاف» : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل: (و ما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) و يمكن أيضا إجراؤه على ظاهره، أي و ما كنت ترجو إلا أن يرحمك اللّه برحمته فينعم عليك بذلك، أي ما كنت ترجو إلا على هذا و الوجه الثاني: أن إلا بمعنى لكن للاستدراك، أي و لكن رحمة من ربك ألقى إليك و نظيره قوله: وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلطُّورِ إِذْ نََادَيْنََا وَ لََكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: 46]خصصك به، ثم إنه كلفه بأمور أحدها: كلفه بأن لا يكون مظاهرا للكفار فقال: فَلاََ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكََافِرِينَ و ثانيها: أن قال: وَ لاََ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيََاتِ اَللََّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ الميل إلى المشركين، قال الضحاك و ذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوجوه و يقاسموه شطرا من مالهم، أي لا تلتفت إلى هؤلاء و لا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات اللّه و ثالثها: قوله: وَ اُدْعُ إِلى‏ََ رَبِّكَ أي: إلى دين ربك، و أراد التشدد في دعاء الكفار و المشركين، فلذلك قال: وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ لأن من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم و رابعها: قوله: وَ لاََ تَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ و هذا و إن كان واجبا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا لأجل التعظيم، فإن قيل الرسول كان معلوما منه أن لا يفعل شيئا من ذلك ألبتة فما فائدة هذا النهي؟قلنا لعل الخطاب معه و لكن المراد غيره، و يجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على غير اللّه و لا تتخذ غيره وكيلا في أمورك، فإن من وثق بغير اللّه تعالى فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بين أنه لا إله إلا هو، أي لا نافع و لا ضار و لا معطي و لا مانع إلا هو، كقوله: رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً [المزمل: 9]فلا يجوز اتخاذ إله سواء، ثم قال: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم، و المعنى أن اللّه تعالى يعدم كل شي‏ء سواه، و منهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعا به، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء، و إن كانت أجزاؤه باقية، فإنه يقال هلك الثوب و هلك المتاع و لا يريدون به فناء أجزائه، بل خروجه عن كونه منتفعا به، و منهم من قال: معنى كونه هالكا كونه قابلا للهلاك في ذاته، فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته و كل ما كان ممكن الوجود كان قابلا للعدم فكان قابلا للهلاك، فأطلق عليه اسم الهلاك نظرا إلى هذا الوجه.

و اعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شي‏ء سوى اللّه تعالى يقبل العدم و الهلاك قالوا:

ثبت أن العالم محدث، و كل ما كان محدثا فإن حقيقته قابلة للعدم و الوجود، و كل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبدا، لأن الإمكان من لوازم الماهية، و لازم الماهية/لا يزول قط، إلا أنا لما نظرنا في هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض، لأنهم إنما أقاموا الدلالة على حدوث الأجسام و الأعراض، فلو قدروا على إقامة الدلالة على أن ما سوى اللّه تعالى إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم، إلا أن الخصم يثبت‏

21

موجودات لا متحيزة و لا قائمة بالمتحيز، فالدليل الذي يبين حدوث المتحيز و القائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ما سوى اللّه تعالى إلا بعد قيام الدلالة على نفي ذلك القسم الثالث، و لهم في نفي هذا القسم الثالث طريقان أحدهما: قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه و هذه طريقة ركيكة بينا سقوطها في الكتب الكلامية و الثاني: قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركا للّه تعالى في نفي المكان و الزمان و الإمكان، و لو كان كذلك لصار مثلا للّه تعالى و هو ضعيف، لاحتمال أن يقال إنهما و إن اشتركا في هذا السلب إلا أنه يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية و حقيقة، و إذا كان كذلك ظهر أن دليلهم العقلي لا يفي بإثبات أن كل شي‏ء هالك إلا وجهه، و الذي يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول ثبت أن صانع العالم واجب الوجود لذاته فيستحيل وجود موجود آخر واجب لذاته، و إلا لاشتركا في الوجوب و امتاز كل واحد منهما عن الآخر بخصوصيته، و ما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركبا عما به المشاركة و عما به الممايزة و كل مركب ممكن مفتقر إلى جزئه، ثم إن الجزأين إن كانا واجبين كانا مشتركين في الوجوب و متمايزين باعتبار آخر فيلزم تركب كل واحد منهما أيضا و يلزم التسلسل و هو محال، و إن لم يكونا واجبين فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون واجبا، فثبت أن واجب الوجود واحد و أن كل ما عداه فهو ممكن و كل ممكن فلا بد له من مرجح، و افتقاره إلى المرجح، إما حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول ثبت أنه محدث، و إن كان الثاني فافتقار الموجود إلى المؤثر، إما حال حدوثه أو حال بقائه، و الثاني باطل لأنه يلزم إيجاد الموجود و هو محال فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث، و ثبت أن كل ما سوى اللّه تعالى محدث سواء كان متحيزا أو قائما بالمتحيز أو لا متحيزا و لا قائما بالمتحيز، فإن نقضت هذه الدلالة بذات اللّه و صفاته، فاعلم أن هناك فرقا قويا و إذا ثبت حدوث كل ما سواه و ثبت أن كل ما كان محدثا كان قابلا للعدم ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شي‏ء هالك إلا وجهه، بمعنى كونه قابلا للهلاك و العدم، ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى و ذلك لأنه سبحانه حكم بكونها هالكة في الحال، و على ما قلناه فهي هالكة في الحال، و على ما قلتموه أنها ستهلك لا إنها هالكة في الحال، فكان قولنا أولى و أيضا فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقا لا للوجود و لا للعدم من ذاته، فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته، و أما الوجود فوارد عليه من الخارج فالوجود له كالثوب المستعار له و هو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذي استعار ثوبا من رجل غني، فإن الفقير لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيرا كذا الممكنات عارية عن الوجود من حيث هي هي، و إنما الوجود ثوب حصل لها بالعارية فصح أنها أبدا هالكة من حيث هي هي، أما الذين حملوه على أنها/ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا: الهلاك في اللغة له معنيان أحدهما: خروج الشي‏ء عن أن يكون منتفعا به و الثاني: الفناء و العدم لا جائز حمل اللفظ على الأول لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال، لأنها و إن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم، و هذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة، و سواء بقيت موجودة أو صارت معدومة. و إذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على الفناء. أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال: هلاك الشي‏ء خروجه عن المنفعة التي يكون الشي‏ء مطلوبا لأجلها، فإذا مات الإنسان قيل هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته و عقله، و إذا تمزق الثوب قيل هلك، لأن المقصود منه صلاحيته للبس، فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السموات و الكواكب و الجبال و البحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعا بها انتفاعا خاصا، فلا جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة

22

خاصة بالشمس من حيث هي شمس و القمر من حيث هو قمر، فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ [إبراهيم: 48]و هذا صريح بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما في هذا الموضع.

المسألة الثانية: احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن اللّه تعالى شي‏ء، قالوا لأنه استثنى من قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت اللفظ، فوجب كونه شيئا يؤكده ما ذكرناه في سورة الأنعام، و هو قوله: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً قُلِ اَللََّهُ [الأنعام: 19]و احتجاجهم على أنه ليس بشي‏ء بقوله:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]و الكاف معناه المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شي‏ء و مثل مثل اللّه هو اللّه فوجب أن لا يكون اللّه شيئا، جوابه: أن الكاف صلة زائدة.

المسألة الثالثة: استدلت المجسمة بهذه الآية على أن اللّه تعالى جسم من وجهين الأول: قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه و ذلك يقتضي الجسمية (و الثاني) : قوله: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و كلمة إلى لانتهاء الغاية و ذلك لا يعقل إلا في الأجسام و الجواب: لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه و أن لا يبقى منه إلا الوجه.

و قد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة. و هو بيان ابن سمعان و ذلك لا يقول به عاقل، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود و الحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته، و منهم من قال الوجه صلة، و المراد كل شي‏ء هالك إلا هو، و أما كلمة إلى فالمعنى و إلى موضع حكمه و قضائه ترجعون.

المسألة الرابعة: استدلت المعتزلة به على أن الجنة و النار غير مخلوقتين، قالوا لأن الآية تقتضي فناء الكل فلو كانتا مخلوقتين لفنيتا، و هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة: أُكُلُهََا دََائِمٌ [الرعد: 35]و الجواب: هذا معارض بقوله تعالى في صفة الجنة: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133]و في صفة النار وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ [البقرة: 24]ثم إما أن يحمل قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ على الأكثر، كقوله:

/ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 23]أو يحمل قوله: أُكُلُهََا دََائِمٌ على أن زمان فنائهما لما كان قليلا بالنسبة إلى زمان بقائهما لا جرم أطلق لفظ الدوام عليه.

المسألة الخامسة: قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ يدل على أن الذات ذات بالفعل، لأنه حكم بالهلاك على الشي‏ء فدل على أن الشي‏ء في كونه شيئا قابل للهلاك، فوجب أن لا يكون المعدوم شيئا و اللّه أعلم. و الحمد للّه رب العالمين.

23

سورة العنكبوت‏

مكية و قيل مدنية و قيل نزلت من أولها إلى رأس عشر بمكة و باقيها بالمدينة أو نزل إلى آخر العشر بالمدينة و باقيها بمكة بالعكس، و هي سبعون أو تسع و ستون آية بسم اللّه الرحمن الرحيم

}في تفسير الآية و فيما يتعلق بالتفسير مسائل:

المسألة الأولى: في تعلق أول هذه السورة بما قبلها و فيه وجوه الأول: لما قال اللّه تعالى قبل هذه السورة: إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرََادُّكَ إِلى‏ََ مَعََادٍ [القصص: 85]و كان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهرا غالبا على الكفار ظافرا طالبا للثأر، و كان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال اللّه تعالى: الم‏`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا و لا يؤمروا بالجهاد الوجه الثاني: هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة وَ اُدْعُ إِلى‏ََ رَبِّكَ [القصص: 87]و كان في الدعاء إليه الطعان و الحراب و الضراب، لأن النبي عليه السلام و أصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا الوجه الثالث: هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال: لَهُ اَلْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] يعني ليس كل شي‏ء هالكا من غير رجوع بل كل هالك و له رجوع إلى اللّه. إذا تبين هذا، فاعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال و لا فائدة لها في المآل إذ لا مآل و لا مرجع بعد الهلاك و الزوال، فلا فائدة فيها. فلما بين اللّه أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل حسن التكليف ليثيب/الشكور و يعذب الكفور فقال: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم.

المسألة الثانية: في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي، و لنقدم عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف فنقول: الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه و يقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. إذا

24

ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاما له معنى مفعوم، كقول القائل اسمع، و اجعل بالك إلي، و كن لي، و قد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد و يا زيد و ألا يا زيد، و قد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، و قد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه. ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم و الكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر. و لهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد و البعيد بيا فيقال يا زيد، و الغافل ينبه أولا فيقال ألا يا زيد. إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و إن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاما منظوما و قولا مفهوما فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود و لا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه و لا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟فنقول عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز و اللّه أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا اللّه له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: الم*`ذََلِكَ اَلْكِتََابُ [البقرة: 1، 2] الم*`اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ*`نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ [آل عمران: 1-3] المص*`كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: 1، 2]، يس*`وَ اَلْقُرْآنِ [يس: 1، 2]، ص وَ اَلْقُرْآنِ [ص: 1] ق وَ اَلْقُرْآنِ [ق: 1]، الم*`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ [السجدة: 1، 2]، حم*`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ* [الجاثية: 1، 2]إلا ثلاث سور كهيعص [مريم: 1]، الم* `أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ ، الم*`غُلِبَتِ اَلرُّومُ [الروم: 1، 2]و الحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم و الإنزال له ثقل و الكتاب له عب‏ء كما قال تعالى: إِنََّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: 5]و كل سورة في أولها ذكر القرآن و الكتاب و التنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه، لا يقال كل سورة قرآن و استماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظا أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، و أيضا فقد وردت/سور فيها ذكر الإنزال و الكتاب و لم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ [الكهف: 1]و قوله:

سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا [النور: 1]و قوله: تَبََارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ [الفرقان: 1]و قوله: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ [القدر: 1]لأنا نقول جوابا عن الأول لا ريب في أن كل سورة من القرآن لكن السورة التي فيها ذكر القرآن و الكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى: طه*`مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ [طه:

1، 2]مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، و كتاب آخر يرد منه عليه فيه: إنا كتبنا إليك كتبا فيها أوامرنا فامتثلها، لا شك أن عب‏ء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول و عن الثاني أن قوله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ* ، و تَبََارَكَ اَلَّذِي* تسبيحات مقصودة و تسبيح اللّه لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر و النواهي، و أما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح و سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها و في السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن

25

فهو أعظم في النفس و أثقل.

و أما قوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ* فنقول هذا ليس واردا على مشغول القلب بشي‏ء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها و هي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم و قوله: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ* الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فكان متنبها له فلم ينبه، و اعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1]و قوله‏ يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللََّهَ [الأحزاب:

1]و يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم: 1]لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى اللّه حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيها، و أما هذه السورة افتتحت بالحروف و ليس فيها الابتداء بالكتاب و القرآن، و ذلك لأن القرآن ثقله و عبئه بما فيه من التكاليف و المعاني، و هذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر و النواهي فإن قيل مثل هذا الكلام، و في معناه ورد في سورة التوبة و هو قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: 16]و لم يقدم عليه حروف التهجي فنقول الجواب عنه في غاية الظهور، و هو أن هذا ابتداء كلام، و لهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال أَ حَسِبَ و ذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم و التنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه، و أما الم*`غُلِبَتِ اَلرُّومُ [الروم: 1، 2]فسيجي‏ء في موضعه إن شاء اللّه تعالى هذا تمام الكلام في الحروف.

المسألة الثالثة: في إعراب الم و قد ذكر تمام ذلك في سورة البقرة مع الوجوه المنقولة في تفسيره و نزيد هاهنا على ما ذكرناه أن الحروف لا إعراب لها لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة.

المسألة الرابعة: في سبب نزول هذه الآيات و فيه أقوال: الأول: أنها نزلت في عمار بن ياسر و عياش بن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد و سلمة بن هشام و كانوا يعذبون بمكة الثاني: /أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا و تبعهم الكفار فاستشهد بعضهم و نجا الباقون الثالث: أنها نزلت في مهجع بن عبد اللََّه قتل يوم بدر.

المسألة الخامسة: في التفسير قوله: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا يعني أ ظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم آمنا و هم لا يفتنون لا يبتلون بالفرائض البدنية و المالية، و اختلف أئمة النحو في قوله: أَنْ يَقُولُوا فقال بعضهم: أن يتركوا بأن يقولوا، و قال بعضهم: أن يتركوا يقولون آمنا، و مقتضى ظاهر هذا بعيد أنهم يمنعون من قولهم آمنا، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب زيد أي تمنع من ذلك، و هذا بعيد فإن اللّه لا يمنع أحدا من أن يقول آمنت، و لكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم.

المسألة السادسة: في الفوائد المعنوية و هي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة و المقصد الأعلى في العبادة حصول محبة اللّه كما ورد في الخبر «لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه و كل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة اللّه فهو أعظم درجة عند اللّه، لكن للقلب ترجمان و هو اللسان، و للسان مصدقات هي الأعضاء، و لهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة اللّه في الجنان، فلا بد له من شهود فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فإذا بذل في‏

26

سبيل اللّه نفسه و ماله، و زكى بترك ما سواه أعماله، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله، فيحرر في جرائد المحبين اسمه، و يقرر في أقسام المقربين قسمه، و إليه الإشارة بقوله: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا يعني أ ظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود و شهودهم بلا مزكين، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين.

فائدة ثانية: و هي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلما فإن ما دونه دركات الكفر، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه و أثبت قسمه، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضا في شغله ماضيا في فعله، فينقل من خدمة إلى خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة، و منهم من يكون كسلانا متخلفا فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها، و منهم من يترك على شغله من غير تغيير، و منهم من يقطع رسمه و يمحى من الجرائد اسمه، فكذلك عباد اللّه قد يكون المسلم عابدا مقبلا على العبادة مقبولا للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين و هي درجة المقربين و منهم من يكون قليل الطاعة مشتغلا بالخلاعة، فينقل إلى مرتبة دونه و هي مرتبة العصاة و منزلة القساة، و قد يستصغر العيوب و يستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروما و يلحق بأهل العناد مرجوما، و منهم من يبقى في أول درجة الجنة و هم البله، فقال اللّه بشارة للمطيع الناهض أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا يعني أ ظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجََاتٍ [المجادلة: 11] فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ ... عَلَى اَلْقََاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء: 95]. و قال بضده للكسلان أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا يعني إذا قال آمنت و يتخلف/بالعصيان يترك و يرضى منه، لا بل ينقل إلى مقام أدنى و هو مقام العاصي أو الكافر. ثم قال تعالى:

ذكر اللّه ما يوجب تسليتهم فقال: كذلك فعل اللّه بمن قبلكم و لم يتركهم بمجرد قولهم آمَنََّا بل فرض عليهم الطاعات و أوجب عليهم و في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وجوه: الأول: قول مقاتل فليرين اللّه الثاني: فليظهرن اللّه الثالث: فليميزن اللّه، فالحاصل على هذا هو أن المفسرين ظنوا أن حمل الآية على ظاهرها يوجب تجدد علم اللّه و اللّه عالم بالصادق و الكاذب قبل الامتحان، فكيف يمكن أن يقال بعلمه عند الامتحان فنقول الآية محمولة على ظاهرها و ذلك أن علم اللّه صفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فقبل التكليف كان اللّه يعلم أن زيدا مثلا سيطيع و عمرا سيعصي، ثم وقت التكليف و الإتيان يعلم أنه مطيع و الآخر عاص و بعد الإتيان يعلم أنه أطاع و الآخر عصى و لا يتغير علمه في شي‏ء من الأحوال، و إنما المتغير المعلوم و نبين هذا بمثال من الحسيات و للّه المثل الأعلى، و هو أن المرآة الصافية الصقيلة إذا علقت من موضع و قوبل بوجهها جهة و لم تحرك ثم عبر عليها زيد لابسا ثوبا أبيض ظهر فيها زيد في ثوب أبيض، و إذا عبر عليها عمرو في لباس أصفر يظهر فيها كذلك فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديدا تغيرت، أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت، أو يذهب فهمه إلى أنها في صقالتها اختلفت أو يخطر بباله أنها عن سكانها انتقلت، لا يقع لأحد شي‏ء من هذه الأشياء و يقطع بأن المتغير الخارجات، فافهم علم اللّه من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فإن المرآة ممكنة التغير و علم اللّه غير ممكن عليه ذلك فقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا يعني يقع ممن يعلم اللّه أن يطيع الطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ يعني من قال أنا مؤمن و كان صادقا عند فرض العبادات‏

27

يظهر منه ذلك و يعلم و من قال ذلك و كان منافقا كذلك يبين، و في قوله: اَلَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل و قوله اَلْكََاذِبِينَ باسم الفاعل فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة، و هي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل و رسوخه فيه و الفعل الماضي لا يدل عليه كما يقال فلان شرب الخمر و فلان شارب الخمر و فلان نفذ أمره و فلان نافذ الأمر فإنه لا يفهم من صيغة الفعل التكرار و الرسوخ، و من اسم الفاعل يفهم ذلك إذا ثبت هذا فنقول وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أوائل إيجاب التكاليف و عن قوم مستديمين للكفر مستمرين عليه فقال في حق المؤمنين اَلَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل أي وجد منهم الصدق و قال في حق الكافر اَلْكََاذِبِينَ بالصيغة المنبئة عن الثبات و الدوام و لهذا قال:

يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: 119]بلفظ اسم الفاعل، و ذلك لأن في اليوم المذكور الصدق قد يرسخ في قلب/المؤمن و هو اليوم الآخر و لا كذلك في أوائل الإسلام.

ثم قال تعالى: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ يَسْبِقُونََا سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ لما بين حسن التكليف بقوله: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا بين أن من كلف بشي‏ء و لم يأت به يعذب و إن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال و لا يفوت اللّه شي‏ء في الحال و لا في المآل، و هذا إبطال مذهب من يقول التكاليف إرشادات و الإيعاد عليه ترغيب و ترهيب و لا يوجد من اللّه تعذيب و لو كان يعذب ما كان عاجزا عن العذاب عاجلا فلم كان يؤخر العقاب فقال تعالى: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ يَسْبِقُونََا يعني ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب و يثيب من يثيب بحكم الوعد و الإيعاد و اللّه لا يخلف الميعاد، و أما الإمهال فلا يفضي إلى الإهمال و التعجيل في جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ثم قال تعالى: سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ يعني حكمهم بأنهم يعصون و يخالفون أمر اللّه و لا يعاقبون حكم سي‏ء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم الشرع و العقل لا يحكم على اللّه بذلك فإن اللّه له أن يفعل ما يريد و الشرع حكمه بخلاف ما قالوه، فحكمهم حكم في غاية السوء و الرداءة.

ثم قال: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ .

لما بين بقوله: أحسب الناس أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، و بين في قوله: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أن من ترك ما كلف به يعذب كذا بين أن يعترف بالآخرة و يعمل لها لا يضيع عمله و لا يخيب أمله، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنا ذكرنا في مواضع أن الأصول الثلاثة و هي الأول و هو اللّه تعالى و وحدانيته و الأصل الآخر و هو اليوم الآخر و الأصل المتوسط و هو النبي المرسل من الأول الموصل إلا الآخر لا يكاد ينفصل في الذكر الإلهي بعضها عن بعض، فقوله: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا [العنكبوت: 2]فيه إشارة إلى الأصل الأول يعني أ ظنوا أنه يكفي الأصل الأول و قوله وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ*`وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت: 2، 3]يعني بإرسال الرسل و إيضاح السبل فيه إشارة إلى الأصل الثاني و قوله: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ مع قوله: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فيه إشارة إلى الأصل الثالث و هو الآخر.

28

المسألة الثانية: ذكر بعض المفسرين في تفسير لقاء اللّه أنه الرؤية و هو ضعيف فإن اللقاء و الملاقاة بمعنى و هو في اللغة بمعنى الوصول حتى أن جمادين إذا تواصلا فقد لاقى أحدهما الآخر.

المسألة الثالثة: قال بعض المفسرين المراد من الرجاء الخوف و المعنى من قوله: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ من كان يخاف اللّه و هو أيضا ضعيف، فإن المشهور في الرجاء هو توقع الخير لا غير و لأنا أجمعنا على أن الرجاء ورد بهذا المعنى يقال أرجو فضل اللّه و لا يفهم منه أخاف فضل اللّه، و إذا كان واردا لهذا لا يكون لغيره دفعا للاشتراك.

المسألة الرابعة: يمكن أن يكون المراد بأجل اللّه الموت و يمكن أن يكون هو الحياة الثانية بالحشر، فإن كان هو الموت فهذا ينبئ عن بقاء النفوس بعد الموت كما ورد في الأخبار و ذلك لأن القائل إذا قال من كان يرجو الخير فإن السلطان و اصل يفهم منه أن متصلا بوصول السلطان يكون هو الخير حتى أنه لو وصل هو و تأخر الخير يصح أن يقال للقائل، أما قلت ما قلت و وصل السلطان و لم يظهر الخير، فلو لم يحصل اللقاء عند الموت لما حسن ذلك كما ذكرنا في المثال، و إذا تبين هذا فلولا البقاء لما حصل اللقاء.

المسألة الخامسة: قوله: مَنْ كََانَ يَرْجُوا شرط و جزاؤه فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ و المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فمن لا يرجو لقاء اللّه لا يكون أجل اللّه آتيا له، و هذا باطل فما الجواب عنه؟نقول المراد من ذكر إتيان الأجل و عد المطيع بما بعده من الثواب، يعني من كان يرجو لقاء اللّه فإن أجل اللّه لآت بثواب اللّه يثاب على طاعته عنده و لا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل اللّه آتيا على وجه يثاب هو.

المسألة السادسة: قال: وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ و لم يذكر صفة غيرهما كالعزيز الحكيم و غيرهما، و ذلك لأنه سبق القول في قوله: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا و سبق الفعل بقوله: وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ و بقوله:

فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا و بقوله: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ و لا شك أن القول يدرك بالسمع و العمل منه ما لا يدرك بالبصر و منه ما يدرك به كالقصود و العلم يشملهما و هو السميع يسمع ما قالوه و هو العليم يعلم من صدق فيما قال: ممن كذب و أيضا عليم يعلم ما يعمل فيثيب و يعاقب و هاهنا لطيفة و هي أن العبد له ثلاثة أمور هي أصناف حسناته أحدها: عمل قلبه و هو التصديق و هو لا يرى و لا يسمع، و إنما يعلم و عمل لسانه و هو يسمع و عمل أعضائه و جوارحه و هو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل اللّه لمسموعه ما لا أذن سمعت، و لمرئيه ما لا عين رأت، و لعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد، كما وصف في الخبر في وصف الجنة. ثم قال تعالى:

في قوله تعالى وَ مَنْ جََاهَدَ فَإِنَّمََا يُجََاهِدُ لِنَفْسِهِ لما بين أن التكليف حسن واقع و أن عليه وعدا و إيعادا ليس لهما دافع، بين أن طلب اللّه ذلك/من المكلف ليس لنفع يعود إليه فإنه غني مطلقا ليس شي‏ء غيره يتوقف كماله عليه و مثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صََالِحاً فَلِنَفْسِهِ* [فصلت: 46]و قوله تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الإسراء: 7] و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: الآية السابقة مع هذه الآية يوجبان إكثار العبد من العمل الصالح و إتقانه له، و ذلك لأن من يفعل فعلا لأجل ملك و يعلم أن الملك يراه و يبصره يحسن العمل و يتقنه، و إذا علم أن نفعه له و مقدر بقدر

29

عمله يكثر منه، فإذا قال اللّه إنه سميع عليم فالعبد يتقن عمله و يخلصه له و إذا قال بأن جهاده لنفسه يكثر منه.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول هذا يدل على أن الجزاء على العمل لأن اللّه تعالى لما قال: مَنْ جََاهَدَ فَإِنَّمََا يُجََاهِدُ لِنَفْسِهِ فهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح فنقول هو كذلك و لكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق، و بيانه هو أن اللّه تعالى لما بين أن المكلف إذا جاهد يثيبه فإذا أتى به هو يكون جهادا نافعا له و لا نزاع فيه، و إنما النزاع في أن اللّه يجب عليه أن يثيب على العمل لولا الوعد، و لا يجوز أن يحسن إلى أحد إلا بالعمل و لا دلالة للآية عليه.

المسألة الثالثة: قوله: فَإِنَّمََا يقتضي الحصر فينبغي أن يكون جهاد المرء لنفسه فحسب و لا ينتفع به غيره و ليس كذلك فإن من جاهد ينتفع به و من يريد هو نفعه، حتى أن الوالد و الولد ببركة المجاهد و جهاده ينتفعان فنقول ذلك نفع له فإن انتفاع الولد انتفاع للأب و الحصر هاهنا معناه أن جهاده لا يصل إلى اللّه منه نفع و يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ و فيه مسائل:

الأولى: تدل الآية على أن رعاية الأصلح لا يجب على اللّه لأنه بالأصلح لا يستفيد فائدة و إلا لكان مستكملا بتلك الفائدة و هي غيره و هي من العالم فيكون مستكملا بغيره فيكون محتاجا إليه و هو غني عن العالمين، و أيضا أفعاله غير معللة لما بينا.

المسألة الثانية: تدل الآية على أنه ليس في مكان و ليس على العرش على الخصوص فإنه من العالم و اللّه غني عنه و المستغني عن المكان لا يمكن دخوله في مكان لأن الداخل في المكان يشار إليه بأنه هاهنا أو هناك على سبيل الاستقلال، و ما يشار إليه بأنه هاهنا أو هناك يستحيل أن لا يوجد لا هاهنا و لا هناك و إلا لجوز العقل إدراك جسم لا في مكان و إنه محال.

المسألة الثالثة: لو قال قائل ليست قادريته بقدرة و لا عالميته بعلم و إلا لكان هو في قادريته محتاجا إلى قدرة هي غيره و كل ما هو غيره فهو من العالم فيكون محتاجا و هو غني، نقول لم قلتم إن قدرته من العالم و هذا لأن العالم كل موجود سوى اللّه بصفاته أي كل موجود هو خارج عن مفهوم الإله الحي القادر المريد العالم السميع البصير المتكلم و القدرة ليست خارجة عن مفهوم القادر، و العلم ليس خارجا عن مفهوم العالم.

المسألة الرابعة: الآية فيها بشارة و فيها إنذار، أما الإنذار فلأن اللّه إذا كان غنيا عن/العالمين فلو أهلك عباده بعذابه فلا شي‏ء عليه لغناه عنهم و هذا يوجب الخوف العظيم، و أما البشارة فلأنه إذا كان غنيا، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عباده لا شي‏ء عليه لاستغنائه عنه، و هذا يوجب الرجاء التام. ثم قال تعالى:

لما بين إجمالا أن من يعمل صالحا فلنفسه بين مفصلا بعض التفصيل أن جزاء المطيع الصالح عمله فقال:

وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنها تدل على أن الأعمال مغايرة للإيمان لأن العطف يوجب التغاير.

المسألة الثانية: أنها تدل على أن الأعمال داخلة فيما هو المقصود من الإيمان لأن تكفير السيئات و الجزاء

30

بالأحسن معلق عليها و هي ثمرة الإيمان، و مثال هذا شجرة مثمرة لا شك في أن عروقها و أغصانها منها، و الماء الذي يجري عليها و التراب الذي حواليها غير داخل فيها لكن الثمرة لا تحصل إلا بذلك الماء و التراب الخارج فكذلك العمل الصالح مع الإيمان و أيضا الشجرة لو احتفت بها الحشائش المفسدة و الأشواك المضرة ينقص ثمرة الشجرة و إن غلبتها عدمت الثمرة بالكلية و فسدت فكذلك الذنوب تفعل بالإيمان.

المسألة الثالثة: الإيمان هو التصديق كما قال: وَ مََا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنََا [يوسف: 17]أي بمصدق و اختص في استعمال الشرع بالتصديق بجميع ما قال اللّه و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم على سبيل التفصيل إن علم مفصلا أنه قول اللّه أو قول الرسول أو على سبيل الإجمال فيما لم يعلم، و العمل الصالح عندنا كل ما أمر اللّه به صار صالحا بأمره، و لو نهى عنه لما كان صالحا فليس الصلاح و الفساد من لوازم الفعل في نفسه، و قالت المعتزلة ذلك من صفات الفعل و يترتب عليه الأمر و النهي، فالصدق عمل صالح في نفسه و يأمر اللّه به لذلك، فعندنا الصلاح و الفساد و الحسن و القبح يترتب على الأمر و النهي، و عندهم الأمر و النهي يترتب على الحسن و القبح و المسألة بطولها في‏[كتب‏]الأصول.

المسألة الرابعة: العمل الصالح باق لأن الصالح في مقابلة الفاسد و الفاسد هو الهالك التالف، يقال فسدت الزروع إذا هلكت أو خرجت عن درجة الانتفاع و يقال هي بعد صالحة أي باقية على ما ينبغي. إذا علم هذا فنقول العمل الصالح لا يبقى بنفسه لأنه عرض، و لا يبقى بالعامل أيضا لأنه هالك كما قال تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ فبقاؤه لا بد من أن يكون بشي‏ء باق، لكن الباقي هو وجه اللّه/لقوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]فينبغي أن يكون العمل لوجه اللّه حتى يبقى فيكون صالحا، و ما لا يكون لوجهه لا يبقى لا بنفسه و لا بالعمل و لا بالمعمول له فلا يكون صالحا، فالعمل الصالح هو الذي أتى به المكلف مخلصا للّه.

المسألة الخامسة: هذا يقتضي أن تكون النية شرطا في الصالحات من الأعمال و هي قصد الإيقاع للّه، و يندرج فيها النية في الصوم خلافا لزفر، و في الوضوء خلافا لأبي حنيفة رحمه اللّه.

المسألة السادسة: العمل الصالح مرفوع لقوله تعالى: اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] لكنه لا يرتفع إلا بالكلم الطيب فإنه يصعد بنفسه كما قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10]و هو يرفع العمل فالعمل من غير المؤمن لا يقبل، و لهذا قدم الإيمان على العمل، و هاهنا لطيفة، و هي أن أعمال المكلف ثلاثة عمل قلبه و هو فكره و اعتقاده و تصديقه، و عمل لسانه و هو ذكره و شهادته، و عمل جوارحه و هو طاعته و عبادته.

فالعبادة البدنية لا ترتفع بنفسها و إنما ترتفع بغيرها، و القول الصادق يرتفع بنفسه كما بين في الآية، و عمل القلب و هو الفكر ينزل إليه كما

قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن اللّه ينزل إلى السماء الدنيا و يقول هل من تائب»

و التائب النادم بقلبه، و كذلك‏

قوله عليه السلام: «يقول اللّه عز و جل أنا عند المنكسرة قلوبهم»

يعني بالكفرة في عجزه و قدرتي و حقارته و عظمتي و من حيث العقل من تفكر في آلاء اللّه وجد اللّه و حضر ذهنه، فعلم أن لعمل القلب يأتي اللّه و عمل اللسان يذهب إلى اللّه و عمل الأعضاء يوصل إلى اللّه، و هذا تنبيه على فضل عمل القلب.

المسألة السابعة: ذكر اللّه من أعمال العبد نوعين: الإيمان و العمل الصالح، و ذكر في مقابلتهما من أفعال اللّه أمرين تكفير السيئات و الجزاء بالأحسن حيث قال: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، و الجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، و هذا يقتضى أمورا الأول: المؤمن لا

31

يخلد في النار لأن بإيمانه تكفر سيئاته فلا يخلد في العذاب الثاني: الجزاء الأحسن المذكور هاهنا غير الجنة، و ذلك لأن المؤمن بإيمانه يدخل الجنة إذ تكفر سيئاته و من كفرت سيئاته أدخل الجنة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة و هو ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و لا يبعد أن يكون هو الرؤية.

الأمر الثالث: هو أن الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا فيستر اللّه عيوبه في الأخرى، و العمل الصالح يحسن حال الصالح في الدنيا فيجزيه اللّه الجزاء الأحسن في العقبى، فالإيمان إذن لا يبطله العصيان بل هو يغلب المعاصي و يسترها و يحمل صاحبها على الندم، و اللّه أعلم.

المسألة الثامنة: قوله: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ بأسرها من أين يكون لهم سيئة؟فنقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي و عد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، مثاله: إذا قال الملك لأهل بلد إذا أطعتموني أكرم آباءكم و احترم أبناءكم و أنعم عليكم و أحسن/إليكم، لا يقتضي هذا أنه يكرم آباء من توفى أبوه، أو يحترم ابن من لم يولد له ولد، بل مفهومه أنه يكرم أب من له أب، و يحترم ابن من له ابن، فكذلك يكفر سيئة من له سيئة الجواب الثاني: ما من مكلف إلا و له سيئة أما غير الأنبياء فظاهر، و أما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، و لهذا قال تعالى: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43].

المسألة التاسعة: قوله: وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ يحتمل وجهين أحدهما: لنجزينهم بأحسن أعمالهم و ثانيهما: لنجزينهم أحسن من أعمالهم. و على الوجه الأول معناه نقدر أعمالهم أحسن ما تكون و نجزيهم عليها لا أنه يختار منها أحسنها و يجزى عليه و يترك الباقي، و على الوجه الثاني: معناه قريب من معنى قوله تعالى:

مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا [الأنعام: 160]و قوله: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا* [النمل: 89].

المسألة العاشرة: ذكر حال المسي‏ء مجملا بقوله: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ يَسْبِقُونََا إشارة إلى التعذيب مجملا. و ذكر حال المحسن مجملا بقوله: وَ مَنْ جََاهَدَ فَإِنَّمََا يُجََاهِدُ لِنَفْسِهِ و مفصلا بهذه الآية، ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه و فضله أعم من عدله.

في قوله تعالى وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جََاهَدََاكَ لِتُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاََ تُطِعْهُمََا و في الآية مسائل:

الأولى: ما وجه تعلق الآية بما قبلها؟ نقول: لما بين اللّه حسن التكاليف و وقوعها، و بين ثواب من حقق التكاليف أصولها و فروعها تحريضا للمكلف على الطاعة، ذكر المانع و منعه من أن يختار اتباعه، فقال الإنسان إن انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، و مع هذا لو أمراه بالمعصية لا يجوز اتباعهما فضلا عن غيرهما فلا يمنعن أحدكم شي‏ء من طاعة اللّه و لا يتبعن أحد من يأمر بمعصية اللّه.

المسألة الثانية: في القراءة قرئ حسنا و إحسانا و حسنا أظهر هاهنا، و من قرأ إحسانا فمن قوله تعالى:

وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً* [البقرة: 83]و التفسير على القراءة المشهورة هو أن اللّه تعالى وصى الإنسان بأن يفعل مع والديه حسن التأبي بالفعل و القول، و نكر حسنا ليدل على الكمال، كما يقال إن لزيد مالا.

32

المسألة الثالثة: في قوله: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً دليل على أن متابعتهم في الكفر لا يجوز، و ذلك لأن الإحسان بالوالدين وجب بأمر اللّه تعالى فلو ترك العبد عبادة اللّه تعالى بقول الوالدين لترك طاعة اللّه تعالى فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين، فاتباع العبد أبويه/لأجل الإحسان إليهم يفضي إلى ترك الإحسان إليهما، و ما يفضي وجوده إلى عدمه باطل فالاتباع باطل، و أما إذا امتنع من الشرك بقي على الطاعة و الإحسان إليهما من الطاعة فيأتي به فترك هذا الإحسان صورة يفضي إلى الإحسان حقيقة.

المسألة الرابعة: الإحسان بالوالدين مأمور به، لأنهما سبب وجود الولد بالولادة و سبب بقائه بالتربية المعتادة فهما سبب مجازا، و اللّه تعالى سبب له في الحقيقة بالإرادة، و سبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه، ثم قال تعالى: وَ إِنْ جََاهَدََاكَ لِتُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاََ تُطِعْهُمََا فقوله:

مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني التقليد في الإيمان ليس بجيد فضلا عن التقليد في الكفر، فإذا امتنع الإنسان من التقليد فيه و لا يطيع بغير العلم لا يطيعهما أصلا، لأن العلم بصحة قولهما محال الحصول، فإذا لم يشرك تقليدا و يستحيل الشرك مع العلم، فالشرك لا يحصل منه قط.

ثم قال تعالى: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني عاقبتكم و مآلكم إلي، و إن كان اليوم مخالطتكم و مجالستكم مع الآباء و الأولاد و الأقارب و العشائر، و لا شك أن من يعلم أن مجالسته مع واحد خالية منقطعة، و حضوره بين يدي غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضي من تدوم معه صحبته لرضا من يتركه في زمان آخر.

ثم قوله تعالى: فَأُنَبِّئُكُمْ فيه لطيفة و هي أن اللّه تعالى يقول لا تظنوا أني غائب عنكم و آباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتمادا على غيبتي و عدم علمي بمخالفتكم إياي فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون و لا أنسى فأنبئكم بجميعه. ثم قال تعالى:

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ما الفائدة في إعادة اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مرة أخرى؟ نقول: اللّه تعالى ذكر من المكلفين قسمين مهتديا و ضالا بقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ [العنكبوت: 3] و ذكر حال الضال مجملا و حال المهتدي مفصلا بقوله: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ و لما تمم ذلك ذكر قسمين آخرين هاديا و مضلا فقوله: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت:

8]يقتضي أن يهتدي بهما و قوله: وَ إِنْ جََاهَدََاكَ لِتُشْرِكَ بيان إضلالهما و قوله: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بطريق الإجمال تهديد المضل و قوله: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا على سبيل التفصيل وعد الهادي فذكر اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مرة لبيان حال المهتدي، و مرة أخرى لبيان حال الهادي و الذي يدل عليه هو أنه قال: أولا:

لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ ، و قال ثانيا: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي اَلصََّالِحِينَ و الصالحون هم الهداة لأنه مرتبة الأنبياء و لهذا قال كثير من الأنبياء أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ* [يوسف: 101].

المسألة الثانية: قد ذكرنا أن الصالح باق و الصالحون باقون و بقاؤهم ليس بأنفسهم بل بأعمالهم الباقية

33

فأعمالهم باقية و المعمول له و هو وجه اللّه باق، و العاملون باقون ببقاء أعمالهم و هذا على خلاف الأمور الدنيوية، فإن في الدنيا بقاء الفعل بالفاعل و في الآخرة بقاء الفاعل بالفعل.

المسألة الثالثة: قيل في معنى قوله: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي اَلصََّالِحِينَ لندخلنهم في مقام الصالحين أو في دار الصالحين و الأولى أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل يدخلهم في الصالحين أي يجعلهم منهم و يدخلهم في عدادهم كما يقال الفقيه داخل في العلماء.

المسألة الرابعة: قال الحكماء عالم العناصر عالم الكون و الفساد و ما فيه يتطرق إليه الفساد فإن الماء يخرج عن كونه ماء و يفسد و يتكون منه هواء، و عالم السموات لا كون فيه و لا فساد بل يوجد من عدم و لا يعدم و لا يصير الملك ترابا بخلاف الإنسان فإنه يصير ترابا أو شيئا آخر و على هذا فالعالم العلوي ليس بفاسد فهو صالح فقوله تعالى: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي اَلصََّالِحِينَ أي في المجردين الذين لا فساد لهم. ثم قال تعالى:

نقول أقسام المكلفين ثلاثة مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، و كافر مجاهر بكفره و عناده، و مذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه و يضمر الكفر في فؤاده، و اللّه تعالى لما بين القسمين بقوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ [العنكبوت: 3]و بين أحوالهما بقوله: أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ إلى قوله:

وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ [العنكبوت: 4-7]بين القسم الثالث و قال: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا و لم يقل آمنت مع أنه وحد الأفعال التي بعده كقوله تعالى: فَإِذََا أُوذِيَ فِي اَللََّهِ و قوله: جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ و ذلك لأن المنافق كان يشبه/نفسه بالمؤمن، و يقول إيماني كإيمانك فقال: آمَنََّا يعني أنا و المؤمن حقا آمنا، إشعارا بأن إيمانه كإيمانه، و هذا كما أن الجبان الضعيف إذا خرج مع الأبطال في القتال، و هزموا خصومهم يقول الجبان خرجنا و قاتلناهم و هزمناهم، فيصح من السامع لكلامه أن يقول و ماذا كنت أنت فيهم حتى تقول خرجنا و قاتلنا؟و هذا الرد يدل على أنه يفهم من كلامه أن خروجه و قتاله كخروجهم و قتالهم، لأنه لا يصح الإنكار عليه في دعوى نفس الخروج و القتال، و كذا قول القائل أنا و الملك ألفينا فلانا و استقبلناه ينكر، لأن المفهوم منه المساواة فهم لما أرادوا إظهار كون إيمانهم كإيمان المحقين كان الواحد يقول: آمَنََّا أي أنا و المحق.

المسألة الثانية: قوله: فَإِذََا أُوذِيَ فِي اَللََّهِ هو في معنى قوله: وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي [آل عمران: 195]غير أن المراد بتلك الآية الصابرون على أذية الكافرين و المراد هاهنا الذين لم يصبروا عليها فقال هناك: وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي [آل عمران: 195]و قال هاهنا: أُوذِيَ فِي اَللََّهِ و لم يقل في سبيل اللّه و اللطيفة فيه أن اللّه أراد بيان شرف المؤمن الصابر و خسة المنافق الكافر فقال هناك أوذي المؤمن في سبيل اللّه ليترك سبيله و لم يتركه، و أوذي المنافق الكافر فترك اللّه بنفسه، و كان يمكنه أن يظهر موافقتهم إن بلغ‏

34

الإيذاء إلى حد الإكراه، و يكون قلبه مطمئنا بالإيمان فلا يترك اللّه، و مع هذا لم يفعله بل ترك اللّه بالكلية، و المؤمن أوذي و لم يترك سبيل اللّه بل أظهر كلمتي الشهادة و صبر على الطاعة و العبادة.

المسألة الثالثة: قوله: جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ كَعَذََابِ اَللََّهِ قال الزمخشري: جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب اللّه صارف عن الكفر، و قيل جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب اللّه، و بالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها و انقطاعها كعذاب اللّه الأليم الدائم حتى ترددوا في الأمر، و قالوا إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس و إن تركنا الإيمان نتعرض لما توعدنا به محمد عليه الصلاة و السلام، و اختاروا الاحتراز عن التأذي العاجل و لا يكون التردد إلا عند التساوي و من أين إلى أين تعذيب الناس لا يكون شديدا، و لا يكون مديدا لأن العذاب إن كان شديدا كعذاب النار و غيره يموت الإنسان في الحال فلا يدوم التعذيب، و إن كان مديدا كالحبس و الحصر لا يكون شديدا و عذاب اللّه شديد و زمانه مديد، و أيضا عذاب الناس له دافع و عذاب اللّه ماله من دافع، و أيضا عذاب الناس عليه ثواب عظيم، و عذاب اللّه بعده عذاب أليم، و المشقة إذا كانت مستعقبة للراحة العظيمة تطيب و لا تعد عذابا كما تقطع السلعة المؤذية و لا تعد عذابا.

المسألة الرابعة: قال: فِتْنَةَ اَلنََّاسِ و لم يقل عذاب الناس لأن فعل العبد ابتلاء و امتحان من اللّه و فتنته تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فتبين منزلته كما جعل التكاليف ابتلاء و امتحانا و هذا إشارة إلى أن الصبر على البلية الصادرة ابتلاء و امتحانا من الإنسان كالصبر على العبادات.

المسألة الخامسة: لو قال قائل هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه، لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازا عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب اللّه، فنقول ليس كذلك، لأن من أكره على الكفر و قلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب اللّه، لأن عذاب اللّه يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهرا و باطنا، و هذا المؤمن المكره لم يجعل فتنة الناس كعذاب اللّه، بحيث يترك ما يعذب عليه ظاهرا و باطنا، بل في باطنه الإيمان، ثم قال تعالى: وَ لَئِنْ جََاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنََّا كُنََّا مَعَكُمْ يعني دأب المنافق أنه إن رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر و أظهر المعية و ادعى التبعية، و فيه فوائد نذكرها في مسائل:

الأولى: قال: وَ لَئِنْ جََاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ و لم يقل من اللّه، مع أن ما تقدم كان كله بذكر اللّه كقوله:

أُوذِيَ فِي اَللََّهِ و قوله: كَعَذََابِ اَللََّهِ و ذلك لأن الرب اسم مدلوله الخاص به الشفقة و الرحمة، و اللّه اسم مدلوله الهيبة و العظمة، فعند النصر ذكر اللفظ الدال على الرحمة و العاطفة، و عند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة.

المسألة الثانية: لم يقل و لئن جاءكم أو جاءك بل قال: وَ لَئِنْ جََاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ و النصر لو جاءهم ما كانوا يقولون: إِنََّا كُنََّا مَعَكُمْ و هذا يقتضي أن يكونوا قائلين: إنا معكم إذا جاء نصر سواء جاءهم أو جاء المؤمنين، فنقول هذا الكلام يقتضي أن يكونوا قائلين إنا معكم إذا جاء النصر، لكن النصر لا يجي‏ء إلا للمؤمن، كما قال تعالى: وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ [الروم: 47]و لأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة بدليل أن أحد الجيشين إن انهزم في الحال ثم كر المنهزم كرة أخرى و هزموا الغالبين، لا يطلق اسم المنصور إلا على من كان له العاقبة، فكذلك المسلم و إن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، فالنصر لهم في الحقيقة.

35

المسألة الثالثة: في ليقولن قراءتان إحداهما: الفتح حملا على قوله: مَنْ يَقُولُ آمَنََّا يعني من يقول آمنا إذا أوذي يترك ذلك القول، و إذا جاء النصر يقول إنا كنا معكم و ثانيتهما: الضم على الجمع إسنادا للقول إلى الجميع الذين دل عليهم المفهوم فإن المنافقين كانوا جماعة، ثم بين اللّه تعالى أنهم أرادوا التلبيس و لا يصح ذلك لهم لأن التلبيس إنما يكون عند ما يخالف القول القلب، فالسامع يبني الأمر على قوله و لا يدري ما في قلبه فيلتبس الأمر عليه و أما اللّه تعالى فهو عليم بذات الصدور، و هو أعلم بما في صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر، و هذا إشارة إلى أن الاعتبار بما في القلب، فالمنافق الذي يظهر الإيمان و يضمر الكفر كافر، و المؤمن المكره الذي يظهر الكفر و يضمر الإيمان مؤمن و اللّه أعلم بما في صدور العالمين، }و لما بين أنه أعلم بما في قلوب العالمين، بين أنه يعلم المؤمن المحق و إن لم يتكلم، و المنافق و إن تكلم فقال: وَ لَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْمُنََافِقِينَ و قد سبق تفسيره، لكن فيه مسألة واحدة و هي أن اللّه قال هناك: فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا و قال هاهنا: وَ لَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن/و الكافر، و الكافر في قوله كاذب، فإنه يقول: اللّه أكثر من واحد، و المؤمن في قوله صادق فإنه كان يقول اللّه واحد، و لم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر، فكان الحاصل هناك قسمين صادقا و كاذبا (1) و كان هاهنا المنافق صادقا في قوله فإنه كان يقول اللّه واحد، فاعتبر أمر القلب في المنافق فقال: وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْمُنََافِقِينَ و اعتبر أمر القلب في المؤمن و هو التصديق فقال: وَ لَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا . ثم قال تعالى:

لما بين اللّه تعالى الفرق الثلاثة و أحوالهم، و ذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، و بين أن عذاب اللّه فوقها، و كان الكافر يقول للمؤمن تصبر في الذل و على الإيذاء لأي شي‏ء و لم لا تدفع عن نفسك الذل و العذاب بموافقتنا؟فكان جواب المؤمن أن يقول خوفا من عذاب اللّه على خطيئة مذهبكم، فقالوا لا خطيئة فيه و إن كان فيه خطيئة فعلينا، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: و لنحمل صيغة أمر، و المأمور غير الآمر، فكيف يصح أمر النفس من الشخص؟ فنقول الصيغة أمر و المعنى شرط و جزاء، أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم، قال صاحب «الكشاف» : هو في معنى قول من يريد اجتماع أمرين في الوجود، فيقول ليكن منك العطاء و ليكن مني الدعاء، فقوله و لنحمل، أي ليكن منا الحمل و ليس هو في الحقيقة أمر طلب و إيجاب.

المسألة الثانية: قال: وَ مََا هُمْ بِحََامِلِينَ مِنْ خَطََايََاهُمْ و قال بعد هذا: وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ وَ أَثْقََالاً مَعَ أَثْقََالِهِمْ [العنكبوت: 13]فهناك نفى الحمل، و هاهنا أثبت الحمل، فكيف الجمع بينهما، فنقول قول القائل:

فلان حمل عن فلان يفيد أن حمل فلان خف، و إذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئا، فكذلك هاهنا ما هم بحاملين من خطاياهم يعني لا يرفعون عنهم خطيئة و هم يحملون أوزارا بسبب إضلالهم و يحملون أوزارا

____________

(1) في الأصول صادق و كاذب و لما كانا بدلا من خبر كان المنصوب فتعين نصبهما.

36

بسبب ضلالتهم، كما

قال النبي عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شي‏ء» .

المسألة الثالثة: الصيغة أمر، و الأمر لا يدخله التصديق و التكذيب، فكيف يفهم قوله: إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ نقول قد تبين أن معناه شرط و جزاء، فكأنهم قالوا: إن تتبعونا نحمل خطاياكم و هم كذبوا في هذا فإنهم لا يحملون شيئا.

ثم قال تعالى:

في الذي كانوا يفترونه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: كان قولهم: وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ [العنكبوت: 12] صادرا لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك فيسألون عن ذلك الافتراء و ثانيها: أن قولهم: وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ كان عن اعتقاد أن لا حشر، فإذا جاء يوم القيامة ظهر لهم خلاف ذلك فيسألون و يقال لهم أما قلتم أن لا حشر و ثالثها: أنهم لما قالوا إن تتبعونا نحمل يوم القيامة خطاياكم، يقال لهم فاحملوا خطاياهم فلا يحملون فيسألون و يقال لهم لم افتريتم. ثم قال تعالى:

وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن اللّه تعالى لما بين التكليف و ذكر أقسام المكلفين و وعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، و أوعد الكافر و المنافق بالعذاب الأليم، و كان قد ذكر أن هذا التكليف ليس مختصا بالنبي و أصحابه و أمته حتى صعب عليهم ذلك، بل قبله كان كذلك كما قال تعالى: وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت: 3]ذكر من جملة من كلف جماعة منهم نوح النبي عليه السلام و قومه و منهم إبراهيم عليه السلام و غيرهما، ثم قال تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاََّ خَمْسِينَ عََاماً و في الآية مسائل:

الأولى: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟ نقول كان النبي عليه السلام يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام و إصرارهم على الكفر فقال إن نوحا لبث ألف سنة تقريبا في الدعاء و لم يؤمن من قومه إلا قليل، و صبر و ما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك و كثرة عدد أمتك، و أيضا كان الكفار يغترون بتأخير العذاب عنهم أكثر و مع ذلك ما نجوا فبهذا المقدار من التأخير لا ينبغي أن يغتروا فإن العذاب يلحقهم.

المسألة الثانية: قال بعض العلماء الاستثناء في العدد تكلم بالباقي، فإذا قال القائل لفلان علي عشرة إلا ثلاثة، فكأنه قال علي سبعة، إذا علم هذا فقوله: أَلْفَ سَنَةٍ إِلاََّ خَمْسِينَ عََاماً كقوله تسعمائة و خمسين سنة، فما الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟فنقول قال الزمخشري فيه فائدتان إحداهما: أن الاستثناء يدل على التحقيق و تركه قد يظن به التقريب فإن من قال: /عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أن يقول: ألف سنة تقريبا لا تحقيقا، فإذا قال إلا شهرا أو إلا سنة يزول ذلك التوهم و يفهم منه التحقيق الثانية: هي أن ذكر لبث نوح عليه السلام في قومه كان لبيان أنه صبر كثيرا فالنبي عليه السلام أولى بالصبر مع قصر مدة دعائه و إذا كان كذلك فذكر العدد الذي في أعلى مراتب الأعداد التي لها اسم مفرد موضوع، فإن مراتب الأعداء هي الآحاد إلى‏

37

العشرة و العشرات إلى المائة و المئات إلى الألف، ثم بعد ذلك يكون التكثير بالتكرير فيقال عشرة آلاف، و مائة ألف، و ألف ألف.

المسألة الثالثة: قال بعض الأطباء العمر الإنساني لا يزيد على مائة و عشرين سنة و الآية تدل على خلاف قولهم، و العقل يوافقها فإن البقاء على التركيب الذي في الإنسان ممكن لذاته، و إلا لما بقي، و دوام تأثير المؤثر فيه ممكن لأن المؤثر فيه إن كان واجب الوجود فظاهر الدوام و إن كان غيره فله مؤثر، و ينتهي إلى الواجب و هو دائم، فتأثيره يجوز أن يكون دائما فإذن البقاء ممكن في ذاته، فإن لم يكن فلعارض لكن العارض ممكن العدم و إلا لما بقي هذا المقدار لوجوب وجود العارض المانع فظهر أن كلامهم على خلاف العقل و النقل ثم نقول لا نزاع بيننا و بينهم لأنهم يقولون العمر الطبيعي لا يكون أكثر من مائة و عشرين سنة و نحن نقول هذا العمر ليس طبيعيا بل هو عطاء إلهي، و أما العمر الطبيعي فلا يدوم عندنا و لا لحظة، فضلا عن مائة أو أكثر.

قوله تعالى: فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ وَ هُمْ ظََالِمُونَ .

فيه إشارة إلى لطيفة و هي أن اللّه لا يعذب على مجرد وجود الظلم و إلا لعذب من ظلم و تاب، فإن الظلم وجد منه، و إنما يعذب على الإصرار على الظلم، فقوله: وَ هُمْ ظََالِمُونَ يعني أهلكهم و هم على ظلمهم، و لو كانوا تركوه لما أهلكهم.

في الراجع إليه الهاء في قوله: جَعَلْنََاهََا وجهان أحدهما: أنها راجعة إلى السفينة المذكورة و على هذا ففي كونها آية وجوه أحدها: أنه اتخذت قبل ظهور الماء و لولا إعلام اللّه نوحا و إنباؤه إياه به لما اشتغل بها فلا تحصل لهم النجاة و ثانيها: أن نوحا أمر بأخذ قوم معه و رفع قدر من القوت و البحر العظيم لا يتوقع أحد نضوبه، ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد و لولا ذلك لما حصل النجاة فهو بفضل اللّه لا بمجرد السفينة و ثالثها:

أن اللّه تعالى كتب سلامة السفينة عن الرياح المرجفة و الحيوانات المؤذية، و لولا ذلك لما حصلت النجاة و الثاني: أنها راجعة إلى/الواقعة أو إلى النجاة أي جعلنا الواقعة أو النجاة آية للعالمين. ثم قال تعالى:

لما فرغ من الإشارة إلى حكاية نوح ذكر حكاية إبراهيم و في إبراهيم وجهان من القراءة أحدهما: النصب و هو المشهور، و الثاني: الرفع على معنى و من المرسلين إبراهيم، و الأول: فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب بفعل غير مذكور و هو معنى اذكر إبراهيم، و الثاني: أنه منصوب بمذكور و هو قوله: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا [العنكبوت: 14]فيكون كأنه قال و أرسلنا إبراهيم، و على هذا ففي الآية مسائل:

الأولى: قوله: إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ ظرف أرسلنا أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه لكن قوله: لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ دعوة و الإرسال يكون قبل الدعوة فكيف يفهم قوله، و أرسلنا إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلا قبله؟نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الإرسال أمر يمتد فهو حال قوله لقومه اعبدوا اللّه كان مرسلا، و هذا كما يقول القائل وقفنا للأمير إذ خرج من الدار و قد يكون الوقوف قبل الخروج، لكن لما كان

38

الوقوف ممتدا إلى ذلك الوقت صح ذلك الوجه الثاني: هو أن إبراهيم بمجرد هداية اللّه إياه كان يعلم فساد قول المشركين و كان يهديهم إلى الرشاد قبل الإرسال، و لما كان هو مشتغلا بالدعاء إلى الإسلام أرسله اللّه تعالى و قوله: اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ إشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله و نفي غيره فقوله: اُعْبُدُوا اَللََّهَ إشارة إلى الإثبات، و قوله: وَ اِتَّقُوهُ إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك م الملك غيره في ملكه يكون قد أتى بأعظم الجرائم، و يمكن أن يقال: اُعْبُدُوا اَللََّهَ إشارة إلى الإتيان بالواجبات، و قوله: وَ اِتَّقُوهُ إشارة إلى الامتناع عن المحرمات و يدخل في الأول الاعتراف باللّه، و في الثاني الامتناع من الشرك، ثم قوله: ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني عبادة اللّه و تقواه خير، و الأمر كذلك لأن خلاف عبادة اللّه تعالى تعطيل و خلاف تقواه تشريك و كلاهما شر عقلا و اعتبارا، أما عقلا فلأن الممكن لا بد له من مؤثر لا يكون ممكنا قطعا للتسلسل و هو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله، و أما التشريك فبطلانه عقلا و كون خلافه خيرا و هو أن شريك الواجب إن لم يكن واجبا فكيف يكون شريكا و إن كان واجبا لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب و يتباينان في الإلهية، و ما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل، و أما اعتبارا فلأن الشرف بأن يكون ملكا أو قريب ملك، لكن الإنسان لا يكون ملكا للسموات و الأرضين/فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك لكن القربة بالعبادة كما قال تعالى: وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ [العلق: 19]. و

قال:

«لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم»

و

قال: «لا يزال العبد يتقرب بالعبادة إلي»

فالمعطل لا ملك و لا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلا، و أما التشريك فلأن من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة ممن يكون سيده له شركاء خسيسة، فإذن من يقول إن ربي لا يماثله شي‏ء أعلى مرتبة ممن يقول سيدي صنم منحوت عاجز مثله، فثبت أن عبادة اللّه و تقواه خير و هو خير لكم أي خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل و الاعتبارات.

ثم قال تعالى: إِنَّمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً .

ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه، و ذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور، إما لكونه مستحقا للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه سواء أطعمه من الجوع أو منعه من الهجوع، و إما لكونه نافعا في الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة، و إما لكونه نافعا في المستقبل كمن يخدم غيره متوقعا منه أمرا في المستقبل، و إما لكونه خائفا منه. فقال إبراهيم: إِنَّمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها لكونها أوثانا لا شرف لها.

قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لاََ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللََّهِ اَلرِّزْقَ وَ اُعْبُدُوهُ وَ اُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .

إشارة إلى عدم المنفعة في الحال و في المآل، و هذا لأن النفع، إما في الوجود، و إما في البقاء لكن ليس منهم نفع في الوجود، لأن وجودهم منكم حيث تخلقونها و تنحتونها، و لا نفع في البقاء لأن ذلك بالرزق، و ليس منهم ذلك، ثم بين أن ذلك كله حاصل من اللّه فقال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللََّهِ اَلرِّزْقَ فقوله: اَللََّهِ إشارة إلى‏

39

استحقاق عبوديته لذاته و قوله: اَلرِّزْقَ إشارة إلى حصول النفع منه عاجلا و آجلا و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال: لاََ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً نكرة، و قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللََّهِ اَلرِّزْقَ معرفا فما الفائدة؟ فنقول قال الزمخشري قال: لاََ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً نكرة في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلا، و قال معرفة عند الإثبات عند اللّه أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه، و فيه وجه آخر و هو أن الرزق من اللّه معروف بقوله:

وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا [هود: 6]و الرزق/من الأوثان غير معلوم فقال: لاََ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً لعدم حصول العلم به و قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اَللََّهِ اَلرِّزْقَ الموعود به، ثم قال: وَ اُعْبُدُوهُ أي اعبدوه لكونه مستحقا للعبادة لذاته و اشكروا له أي لكونه سابق النعم بالخلق و واصلها بالرزق و إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي اعبدوه لكونه مرجعا منه يتوقع الخير لا غير. ثم قال تعالى:

لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال: وَ إِنْ تُكَذِّبُوا و في المخاطب في هذه الآية وجهان:

أحدهما: أنه قوم إبراهيم و الآية حكاية عن قوم إبراهيم كأن إبراهيم قال لقومه: إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ و أنا أتيت بما علي من التبليغ فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ و البيان و الثاني: أنه خطاب مع قوم محمد عليه السلام و وجهه أن الحكايات أكثرها إنما تكون لمقاصد لكنها تنسى لطيب الحكاية و لهذا كثيرا ما يقول الحاكي لأي شي‏ء حكيت هذه الحكاية فالنبي عليه السلام كان مقصوده تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب و يرتدعوا خوفا من التعذيب، فقال في أثناء حكايتهم يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام و أهلكوا فإن كذبتم أخاف عليكم ما جاء على غيركم، و على الوجه الأول في الآية مسائل:

الأولى: أن قوله: فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ كيف يفهم، مع أن إبراهيم لم يسبقه إلا قوم نوح و هم أمة واحدة و الجواب عنه وجهين: أحدهما: أن قبل نوح كان أقوام كقوم إدريس و قوم شيث و آدم و الثاني: أن نوحا عاش ألفا و أكثر و كان القرن يموت و يجي‏ء أولاده و الآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الاتباع فكفى بقوم نوح أمما.

المسألة الثانية: ما اَلْبَلاََغُ و ما اَلْمُبِينُ ؟ فنقول البلاغ هو ذكر المسائل، و الإبانة هي إقامة البرهان عليه.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز لأن الرسول إذا بلغ شيئا و لم يبينه فإنه لم يأت بالبلاغ المبين، فلا يكون آتيا بما عليه. ثم قال تعالى:

لما بين الأصل الأول و هو التوحيد و أشار إلى الأصل الثاني و هو الرسالة بقوله: وَ مََا عَلَى/اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ شرع في بيان الأصل الثالث و هو الحشر، و قد ذكرنا مرارا أن الأصول الثلاثة لا يكاد ينفصل بعضها عن بعض في الذكر الإلهي، فأينما يذكر اللّه تعالى منها اثنين يذكر الثالث. و في الآية مسائل:

الأولى: الإنسان متى رأى بدء الخلق حتى يقال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ ؟ فنقول المراد

40

العلم الواضح الذي كالرؤية و العاقل يعلم أن البدء من اللّه لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق و إلا لما كان الخلق الأول خلقا أول، فهو من اللّه هذا إن قلنا إن المراد إثبات نفس الخلق، و إن قلنا إن المراد بالبدء خلق الآدمي أولا و بالإعادة خلقه ثانيا، فنقول العاقل لا يخفى عليه أن خالق نفسه‏ (1) ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام، و يخلقه من نطفة في غاية الإتقان و الإحكام، فذلك الذي خلق أولا معلوم ظاهر فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، و قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أي ألم يعلموا علما ظاهرا واضحا كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ اَلْخَلْقَ يخلقه من تراب يجمعه فكذلك يجمع أجزاءه من التراب ينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسبة إليكم، فإن من نحت حجارات و وضع شيئا بجنب شي‏ء ففرقه أمر ما فإنه يقول وضعه شيئا بجنب شي‏ء في هذه النوبة أسهل علي لأن الحجارات منحوتة، و معلوم أن آية واحدة منها تصلح لأن تكون بجنب الأخرى، و على هذا المخرج خرج كلام اللّه في قوله‏ وَ هُوَ أَهْوَنُ [الروم: 27]و إليه الإشارة بقوله: إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ .

المسألة الثانية: قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ اَلْخَلْقَ علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق و ما قال: أ و لم يروا أن اللّه خلق، أو بدأ الخلق، و الكيفية غير معلومة؟فنقول هذا القدر من الكيفية معلوم، و هو أنه خلقه و لم يكن شيئا مذكورا، و أنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء و تراب و هذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة فإن الإعادة مثله.

المسألة الثالثة: لم قال: ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ فأبرز اسمه مرة أخرى، و لم يقل إن ذلك عليه يسير كما قال ثم يعيده من غير إبراز؟نقول مع إقامة البرهان على أنه يسير فأكده بإظهار اسمه فإنه يوجب المعرفة أيضا بكون ذلك يسيرا، فإن الإنسان إذا سمع لفظ اللّه و فهم معناه أنه الحي القادر، بقدرة كاملة، لا يعجزه شي‏ء، العالم بعلم محيط بذرات كل جسم، نافذ الإرادة لا راد لما أراده، يقطع بجواز الإعادة. ثم قال تعالى:

الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسي و هو الحاصل من غير طلب فقال أَ وَ لَمْ يَرَوْا على سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه، و قال في هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا في أقطار الأرض لتعلموا بالعلم الفكري، و هذا لأن الإنسان له مراتب في الإدراك بعضهم يدرك شيئا من غير تعليم و إقامة برهان له، و بعضهم لا يفهم إلا بإبانة و بعضهم لا يفهمه أصلا فقال: إن كنتم لستم من القبيل الأول فسيروا في الأرض، أي سيروا فكركم في الأرض و أجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق و في الآية مسائل:

الأولى: قال في الآية الأولى بلفظ الرؤية و في هذه بلفظ النظر ما الحكمة فيه؟ نقول العلم الحدسي أتم من العلم الفكري كما تبين، و الرؤية أتم من النظر لأن النظر يفضي إلى الرؤية، يقال نظرت فرأيت

____________

(1) -المراد بنفسه هنا نفس الإنسان فهو من إضافة اسم الفاعل لمفعوله له لا لفاعله كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، تعالى اللّه عن الشبه و المثل و النظير.

41

و المفضي إلى الشي‏ء دون ذلك الشي‏ء، فقال في الأول أما حصلت لكم الرؤية فانظروا في الأرض لتحصل لكم الرؤية.

المسألة الثانية: ذكر هذه الآية بصيغة الأمر و في الآية الأولى بصيغة الاستفهام لأن العلم الحدسي إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل، و إن لم يحصل فلا يحصل إلا بالطلب لأن بالطلب يصير الحاصل فكريا فيكون الأمر به تكليف ما لا يطاق، و أما العلم الفكري فهو مقدور فورد الأمر به.

المسألة الثالثة: أبرز اسم اللّه في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ و أضمره عند الإعادة و في هذه الآية أضمره عند البدء و أبرزه عند الإعادة حيث قال: ثُمَّ اَللََّهُ يُنْشِئُ لأن في الآية الأولى لم يسبق ذكر اللّه بفعل حتى يسند إليه البدء فقال: كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ ثم قال: ثُمَّ يُعِيدُهُ كما يقول القائل ضرب زيد عمرا ثم ضرب بكرا و لا يحتاج إلى إظهار اسم زيد اكتفاء بالأول، و في الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى اللّه فاكتفى به و لم يبرزه كقوله القائل أما علمت كيف خرج زيد، اسمع مني كيف خرج، و لا يظهر اسم زيد، و أما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثُمَّ اَللََّهُ يُنْشِئُ مع أنه كان يكفي أن يقول: ثم ينشئ النشأة الآخرة، فلحكمة بالغة و هي ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسما من يفهم المسمى به بصفات كماله و نعوت جلاله يقطع بجواز الإعادة فقال اللّه مظهرا مبرزا ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته و شمول علمه و نفوذ إرادته و يعترف بوقوع بدئه و جواز إعادته، فإن قيل فلم لم يقل ثم اللّه يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة و الفائدة؟نقول لوجهين أحدهما: أن اللّه كان مظهرا مبرزا بقرب منه و هو في قوله: كَيْفَ يُبْدِئُ اَللََّهُ اَلْخَلْقَ و لم يكن بينهما إلا لفظ الخلق و أما هاهنا فلم يكن/مذكورا عند البدء فأظهره و ثانيهما: أن الدليل هاهنا تم على جواز الإعادة لأن الدلائل منحصرة في الآفاق و في الأنفس، كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53]و في الآية الأولى أشار إلى الدليل النفسي الحاصل لهذا الإنسان من نفسه، و في الآية الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق بقوله: قُلْ سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ و عندهما تم الدليلان، فأكده بإظهار اسمه، و ما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني، فلم يقل ثم اللّه يعيده.

المسألة الرابعة: في الآية الأولى ذكر بلفظ المستقبل فقال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ و هاهنا قال بلفظ الماضي فقال: فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ و لم يقل كيف يبدأ، فنقول الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم الحدسي و هو في كل حال يوجب العلم ببدء الخلق، فقال إن كان ليس لكم علم بأن اللّه في كل حال يبدأ خلقا فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن اللّه بدأ خلقا، و يحصل المطلوب من هذا القدر فإنه ينشئ كما بدأ ذلك.

المسألة الخامسة: قال في هذه الآية إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و قال في الآية الأولى إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ و فيه فائدتان إحداهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي، و هو و إن كان موجبه العلم الحدسي التام و لكن عند انضمام دليل الآفاق إليه يحصل العلم العام، لأنه بالنظر في نفسه علم نفسه و حاجته إلى اللّه و وجوده منه، و بالنظر إلى الآفاق علم حاجة غيره إليه و وجوده منه، فتم علمه بأن كل شي‏ء من اللّه فقال عند تمام ذكر الدليلين إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و قال عند الدليل الواحد إِنَّ ذََلِكَ و هو إعادته عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ الثانية: هي أنا بينا أن العلم الأول أتم و إن كان الثاني أعم و كون الأمر يسيرا على الفاعل أتم من كونه مقدورا له‏

42

بدليل أن القائل يقول في حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه و لا يقول إنه سهل عليه، فإذا سئل عن حمله عشرة أمنان يقول إن ذلك عليه سهل يسير، فنقول قال اللّه تعالى إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند اللّه سهل يسير فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور، و نفس كونه مقدورا كاف في إمكان الإعادة. ثم قال تعالى:

لما ذكر النشأة الآخرة ذكر ما يكون فيه و هو تعذيب أهل التكذيب عدلا و حكمة، و إثابة أهل الإنابة فضلا و رحمة، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما

قال عليه السلام حاكيا عنه «سبقت رحمتي غضبي»

فنقول ذلك الوجهين أحدهما: أن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم الإيعاد و عقبه بالرحمة، و كما ذكر، بعد إثبات الأصل الأول و هو التوحيد-التهديد بقوله: وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ [العنكبوت: 18]و أهلكوا بالتكذيب كذلك ذكر بعد إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب، و ذكر الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده و هذا يحقق‏

قوله: (سبقت رحمتي غضبي)

و ذلك لأن اللّه حيث كان المقصود ذكر العذاب لم يمحضه في الذكر بل ذكر الرحمة معه.

المسألة الثانية: إذا كان ذكر هذا لتخويف العاصي و تفريح المؤمن فلو قال يعذب الكافر و يرحم المؤمن لكان أدخل في تحصيل المقصود و قوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ لا يزجر الكافر لجواز أن يقول لعلي لا أكون ممن يشاء اللّه عذابه، فنقول: هذا أبلغ في التخويف، و ذلك لأن اللّه أثبت بهذا إنفاذ مشيئته إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع، ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد و الإيعاد أنه شاء تعذيب أهل العناد، فلزم منه الخوف التام بخلاف ما لو قال يعذب العاصي، فإنه لا يدل على كمال مشيئته، لأنه لا يفيد أنه لو شاء عذاب المؤمن لعذبه، فإذا لم يفد هذا فيقول الكافر إذا لم يحصل مراده في تلك الصورة يمكن أن يحصل في صورة أخرى، و لنضرب له مثلا فنقول: إذا قيل إن الملك يقدر على ضرب كل من في بلاده و قال من خالفني أضربه يحصل الخوف التام لمن يخالفه، و إذا قيل إنه قادر على ضرب المخالفين و لا يقدر على ضرب المطيعين، فإذا قال من خالفني أضربه يقع في وهم المخالف أنه لا يقدر على ضرب فلان المطيع، فلا يقدر علي أيضا لكوني مثله، و في هذا فائدة أخرى و هو الخوف العام و الرجاء العام، لأن الأمن الكلي من اللّه يوجب الجراءة فيفضي إلى صيرورة المطيع عاصيا.

المسألة الثالثة: قال: وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ مع أن هذه المسألة قد سبق إثباتها و تقريرها فلم أعادها؟فنقول لما ذكر اللّه التعذيب و الرحمة و هما قد يكونان عاجلين، فقال تعالى: فإن تأخر عنكم ذلك فلا تظنوا أنه فات، فإن إليه إيابكم و عليه حسابكم و عنده يدخر ثوابكم و عقابكم، }و لهذا قال بعدها وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني لا تفوتون اللّه بل الانقلاب إليه و لا يمكن الانفلات منه، و في تفسير هذه الآية لطائف إحداها: هي إعجاز المعذب عن التعذيب إما بالهرب منه أو الثبات له و المقاومة معه للدفع، و ذكر اللّه القسمين فقال: وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ يعني بالهرب لو صعدتم إلى محل السماك في السماء أو هبطتم إلى موضع‏

43

السموك في الماء لا تخرجون من قبضة قدرة اللّه فلا مطمع في الإعجاز بالهرب، و أما بالثبات فكذلك لأن الإعجاز إما أن يكون بالاستناد إلى ركن شديد يشفع و لا يمكن للمعذب مخالفته فيفوته المعذب و يعجز عنه أو بالانتصار بقوم يقوم معه بالدفع و كلاهما محال، فإنكم مالكم من دون اللّه ولي يشفع و لا نصير يدفع فلا إعجاز /لا بالهروب و لا بالثبات الثانية: قال: وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ و لم يقل لا تعجزون بصيغة الفعل، و ذلك لأن نفي الفعل لا يدل على نفي الصلاحية، فإن من قال إن فلانا لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه قوله إنه ليس بخياط الثالثة: قدم الأرض على السماء، و الولي على النصير، لأن هربهم الممكن في الأرض، فإن كان يقع منهم هرب يكون في الأرض، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك فيكون لهم صعود في السماء، و أما الدفع فإن العاقل ما أمكنه الدفع بأجمل الطرق فلا يرتقي إلى غيره، و الشفاعة أجمل. و لأن ما من أحد في الشاهد إلا و يكون له شفيع يتكلم في حقه عند ملك و لا يكون كل أحد له ناصر يعادي الملك لأجله. ثم قال تعالى:

لما بين الأصلين التوحيد و الإعادة و قررهما بالبرهان و هدد من خالفه على سبيل التفصيل فقال: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ لِقََائِهِ إشارة إلى الكفار باللّه، فإن للّه في كل شي‏ء آية دالة على وحدانيته، فإذا أشرك كفر بآيات اللّه و إشارة إلى المنكر للحشر فإن من أنكره كفر بلقاء اللّه فقال: أُولََئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي لما أشركوا أخرجوا أنفسهم عن محل الرحمة لأن من يكون له جهة واحدة تدفع حاجته لا غير يرحم، و إذا كان له جهات متعددة لا يبقى محلا للرحمة، فإذا جعلوا لهم آلهة لم يعترفوا بالحاجة إلى طريق متعين فييأسوا من رحمة اللّه، و لما أنكروا الحشر و قالوا لا عذاب فناسب تعذيبهم تحقيقا للأمر عليهم، و هذا كما أن الملك إذا قال أعذب من يخالفني فأنكره بعيد عنه و قال هو لا يصل إلي، فإذا أحضر بين يديه يحسن منه أن يعذبه و يقول هل قدرت و هل عذبت أم لا، فإذن تبين أن عدم الرحمة يناسب الإشراك، و العذاب الأليم يناسب إنكار الحشر. ثم إن في الآية فوائد إحداها: قوله: أُولََئِكَ يَئِسُوا حتى يكون منبئا عن حصر الناس فيهم و قال أيضا أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ لذلك، و لو قال: أولئك الذين كفروا بآيات اللّه و لقائه يئسوا من رحمتي و لهم عذاب أليم، ما كان يحصل هذه الفائدة فإن قال قائل لو اكتفى بقوله أُولََئِكَ مرة واحدة كان يكفي في إفادة ما ذكر، ثم قلنا لا و ذلك لأنه لو قال أولئك يئسوا و لهم عذاب، كان يذهب وهم أحد إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم و لكن واحدا منهما وحده يمكن أن يوجد في غيرهم، فإذا قال أولئك يئسوا و أولئك لهم عذاب أفاد أن كل واحد لا يوجد إلا فيهم الثانية: عند ذكر الرحمة أضافها إلى نفسه فقال رحمتي و عند العذاب لم يضفه لسبق رحمة و إعلاما لعباده بعمومها لهم و لزومها له الثالثة: أضاف اليأس إليهم/بقوله: أُولََئِكَ يَئِسُوا فحرمها عليهم و لو طمعوا لأباحها لهم، فلو قال قائل ما ذكرت من مقابلة الأمرين و هما اليأس و العذاب بأمرين و هما الكفر بالآيات و الكفر باللقاء يقتضي أن لا يكون العذاب الأليم لمن كفر باللّه و اعترف بالحشر، أو لا يكون اليأس لمن كفر بالحشر و آمن باللّه فنقول: معنى الآية أنهم يئسوا و لهم عذاب أليم زائد بسبب كفرهم بالحشر، و لا شك أن التعذيب بسبب الكفر بالحشر لا يكون إلا للكافر بالحشر، و أما الآخر فالكافر بالحشر لا يكون مؤمنا باللّه لأن الإيمان به لا يصح إلا إذا صدقه فيما قاله و الحشر من جملة ذلك. ثم قال:

44

لما أتى إبراهيم عليه السلام ببيان الأصول الثلاثة و أقام البرهان عليه، بقي الأمر من جانبهم إما الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه فلم يأتوا إلا بقولهم اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: كيف سمى قولهم اُقْتُلُوهُ جوابا، مع أنه ليس بجواب؟ فنقول (الجواب عنه) من وجهين أحدهما: أنه خرج منهم مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف، مع أن السيف ليس بجواب، و إنما معناه لا أقابله بالجواب، و إنما أقابله بالسيف فكذلك قالوا لا تجيبوا عن براهينه و اقتلوه أو حرقوه الثاني هو أن اللّه أراد بيان ضلالهم و هو أنهم ذكروا في معرض الجواب هذا مع أنه ليس بجواب، فتبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا و ذلك لأن من لا يجيب غيره و يسكت، لا يعلم أنه لا يقدر على الجواب لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، أما إذا أجاب بجواب فاسد، علم أنه قصد الجواب و ما قدر عليه.

المسألة الثانية: القائلون الذين قالوا اقتلوه هم قومه و المأمورون بقولهم اقتلوه أيضا هم، فيكون الآمر نفس المأمور؟ فنقول: الجواب عنه: من وجهين أحدهما: أن كل واحد منهم قال لمن عداه اقتلوه، فحصل الأمر من كل واحد و صار المأمور كل واحد و لا اتحاد، لأن كل واحد أمر غيره و ثانيهما: هو أن الجواب لا يكون إلا من الأكابر و الرؤساء، فإذا قال أعيان بلد كلاما يقال اتفق أهل البلدة على هذا و لا يلتفت إلى عدم قول العبيد و الأرذال، فكان جواب قومه و هم الرؤساء أن قالوا لأتباعهم و أعوانهم اقتلوه، لأن الجواب لا يباشره إلا الأكابر و القتل لا يباشره إلا الأتباع.

المسألة الثالثة: (أو) يذكر بين أمرين الثاني منهما ينفك عن الأول كما يقال زوج أو فرد، و يقال هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنسانا فهو حيوان، و لا يصح أن يقال هذا حيوان/أو إنسان إذ يفهم منه أنه يقول هو حيوان فإن لم يكن حيوانا فهو إنسان و هو محال لكن التحريق مشتمل على القتل فقوله اقتلوه أو حرقوه كقول القائل حيوان أو إنسان، الجواب عنه: من وجهين أحدهما: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع و يكون (أو) مستعملا في موضع بل، كما يقول القائل أعطيته دينارا أو دينارين، و كما يقول القائل أعطه دينارا بل دينارين قال اللّه تعالى: قُمِ اَللَّيْلَ إِلاََّ قَلِيلاً*`نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً*`أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: 2-4] فكذلك هاهنا اقتلوه أو زيدوا على القتل و حرقوه (الجواب الثاني) : هو أنا نسلم ما ذكرتم و الأمر هنا كذلك، لأن التحريق فعل مفض إلى القتل و قد يتخلف عنه القتل فإن من ألقى غيره في النار حتى احترق جلده بأسره و أخرج منها حيا يصح أن يقال احترق فلان و أحرقه فلان و ما مات، فكذلك هاهنا قالوا اقتلوه أو لا تعجلوا قتله و عذبوه بالنار، و إن ترك مقالته فخلوا سبيله و إن أصر فخلوا في النار مقيله.

ثم قال تعالى: فَأَنْجََاهُ اَللََّهُ مِنَ اَلنََّارِ اختلف العقلاء في كيفية الإنجاء، بعضهم قال برد النار و هو الأصح الموافق لقوله تعالى: يََا نََارُ كُونِي بَرْداً [الأنبياء: 69]و بعضهم قال خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها النار و قال بعضهم ترك إبراهيم على ما هو عليه و النار على ما كانت عليه و منع أذى النار عنه، و الكل ممكن و اللّه قادر عليه، و أنكر بعض الأطباء الكل، أما سلب الحرارة عن النار، قالوا الحرارة في النار ذاتية كالزوجية في الأربعة

45

لا يمكن أن تفارقها، و أما خلق كيفية تستبرد النار فلأن المزاج الإنساني له طرفا تفريط و إفراط، فلو خرج عنهما لا يبقى إنسانا أو لا يعيش. مثلا المزاج إن كان البارد فيه عشرة أجزاء يكون إنسانا فإن صار أحد عشر لا يكون إنسانا و إن صارت الأجزاء الباردة خمسة يبقى إنسانا فإذا صارت أربعة لا يبقى إنسانا لكن البرودة التي يستبرد معها النار مزاج السمندل فلو حصل في الإنسان لمات أو لكان ذلك فإن النفس تابعة للمزاج، و أما الثالث فمحال أن تكون القطنة في النار و النار كما هي، و القطنة كما هي و لا تحترق، فنقول الآية رد عليهم و العقل موافق للنقل، أما الأول فلوجهين أحدهما: أن الحرارة في النار تقبل الاشتداد و الضعف، فإن النار في الفحم إذا نفخ فيه يشتد حتى يذيب الحديد و إن لم ينفخ لا يشتد لكن الضعف هو عدم بعض من الجرارة التي كانت في النار، فإذا أمكن عدم البعض جاز عدم بعض آخر من ذلك عليها إلى أن ينتهي إلى حد لا يؤذي الإنسان، و لا كذلك الزوجية فإنها لا تشتد و لا تضعف و الثاني: و هو أن في أصول الطب ذكر أن النار لها كيفية حارة كما أن الماء له كيفية باردة لكن رأينا أن الماء تزول عنه البرودة و هو ماء فكذلك النار تزول عنها الحرارة و تبقى نارا و هو نور غير محرق، و أما الثاني فأيضا ممكن و قولهم مدفوع من وجهين أحدهما: منع أصلهم من كون النفس تابعة للمزاج بل اللّه قادر على أن يخلق النفس الإنسانية في المزاج الذي مثل مزاج الجمد و ثانيهما: أن نقول على أصلكم لا يلزم المحال لأن الكيفية التي ذكرناها تكون في ظاهر الجلد كالأجزاء الرشية عليه و لا يتأدى إلى القلب و الأعضاء الرئيسة، ألا ترى أن الإنسان/إذا مس الجمد زمانا ثم مس جمرة نار لا تؤثر النار في إحراق يده مثل ما تؤثر في إحراق يد من أخرج يده من جيبه، و لهذا تحترق يده قبل يد هذا. فإذا جاز وجود كيفية في ظاهر جلد الإنسان تمنع تأثير النار فيه بالإحراق زمانا فيجوز أن تتجدد تلك الكيفية لحظة فلحظة حتى لا تحترق، و أما الثالث: فمجرد استبعاد بيان عدم الاعتياد و نحن نسلم أن ذلك غير معتاد لأنه معجز و المعجز ينبغي أن يكون خارقا للعادة.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني في إنجائه من النار لآيات، و هنا مسائل:

المسألة الأولى: قال في إنجاء نوح و أصحاب السفينة جَعَلْنََاهََا آيَةً [العنكبوت: 15]و قال هاهنا لَآيََاتٍ بالجمع لأن الإنجاء بالسفينة شي‏ء تتسع له العقول فلم يكن فيه من الآية إلا بسبب إعلام اللّه إياه بالاتخاذ وقت الحاجة، فإنه لولاه لما اتخذه لعدم حصول علمه بما في الغيب، و بسبب أن اللّه صان السفينة عن المهلكات كالرياح العاصفة، و أما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه آيات.

المسألة الثانية: قال هناك‏ آيَةً لِلْعََالَمِينَ [العنكبوت: 15] و قال هاهنا لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعواما حتى مر عليها الناس و رأوها فحصل العلم بها لكل أحد، و أما تبريد النار [فإنه‏]لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به و التصديق، و فيه لطيفة: و هي أن اللّه لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه و هدايته لأبناء جنسه، و قد قال اللّه للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن اللّه يبرد عليهم النار يوم القيامة، فقال إن في ذلك التبريد لآيات لقوم يؤمنون.

المسألة الثالثة: قال هناك‏ جَعَلْنََاهََا و قال هاهنا جعلناه لأن السفينة ما صارت آية في نفسها و لولا خلق اللّه الطوفان لبقي فعل نوح سفها، فاللّه تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، و أما تبريد النار فهو في نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية. ثم قال تعالى:

46

لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفار و بيان فساد ما هم عليه، و قال إذا بينت لكم فساد مذهبكم و ما كان لكم جواب و لا ترجعون عنه، فليس هذا إلا تقليدا، فإن بين بعضكم و بعض مودة/فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في السيرة و الطريقة أو بينكم و بين آبائكم مودة فورثتموهم و أخذتم مقالتهم و لزمتم ضلالتهم و جهالتهم فقوله: إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ ... مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ يعني ليس بدليل أصلا و فيه وجه آخر و هو تحقيق دقيق، و هو أن يقال قوله: إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ ... مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ أي مودة بين الأوثان و بين عبدتها، و تلك المودة هي أن الإنسان مشتمل على جسم و عقل، و لجسمه لذات جسمانية و لعقله لذات عقلية، ثم إن من غلبت فيه الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية، و من غلبت عليه العقلية لا يلتفت إلى اللذات الجسمانية، كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب أو إراقة ماء و هو بين قوم من الأكابر في مجمع يحصل ما فيه لذة جسمه من الأكل و إراقة الماء و غيرهما و لا يلتفت إلى اللذة العقلية من حسن السيرة و حمد الأوصاف و مكرمة الأخلاق. و العاقل يحمل الألم الجسماني و يحصل اللذة العقلية، حتى لو غلبت قوته الدافعة على قوته الماسكة و خرج منه ريح أو قطرة ماء يكاد يموت من الخجالة و الألم العقلي. إذا ثبت هذا فهم كانوا قليلي العقل غلبت الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم و لا تحتهم، و لا يمينهم و لا يسارهم، و لا قدامهم و لا وراءهم، و لا يكون جسما من الأجسام، و لا شيئا يدخل في الأوهام، و رأوا الأجسام المناسبة للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم و بين الأوثان، ثم قال تعالى: ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يعني يوم يزول عمى القلوب و تتبين الأمور للبيب و الغفول يكفر بعضكم ببعض و يعلم فساد ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودي، و يقول المعبود ما هؤلاء عبدتي و يعلن بعضكم بعضا، و يقول هذا لذاك أنت أوقعتني في العذاب حيث عبدتني، و يقول ذاك لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك، و يريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن و لا يتباعدون، بل هم مجتمعون في النار كما كانوا مجتمعين في هذه الدار كما قال تعالى: وَ مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ ثم قال تعالى: وَ مََا لَكُمْ مِنْ نََاصِرِينَ يعني ليس تلك النار مثل ناركم التي أنجى اللّه منها إبراهيم و نصره فأنتم في النار و لا ناصر لكم، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قال قبل هذا وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ [العنكبوت: 22]على لفظ الواحد، و قال هاهنا على لفظ الجمع وَ مََا لَكُمْ مِنْ نََاصِرِينَ و الحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام قالوا نحن ننصر آلهتنا كما حكى اللّه تعالى عنهم‏ حَرِّقُوهُ وَ اُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: 68]فقال أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم و لهم، أي للأوثان و عبدتها من ناصرين، و أما هناك ما سبق منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله: وَ لاََ نَصِيرٍ .

المسألة الثانية: قال هناك‏ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ و ما ذكر الولي هاهنا فنقول: قد بينا أن المراد بالولي الشفيع يعني ليس لكم شافع و لا نصير دافع، و هاهنا لما كان الخطاب دخل فيه الأوثان أي ما لكم كلكم لم يقل شفيع لأنهم كانوا معترفين أن كلهم ليس لهم شافع لأنهم كانوا يدعون أن آلهتهم شفعاء، كما قال‏

47

تعالى عنهم: هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا [يونس: 18]و الشفيع لا يكون/له شفيع، فما نفى عنهم الشفيع لعدم الحاجة إلى نفيه لاعترافهم به، و أما هناك فكان الكلام معهم و هم كانوا يدعون أن لأنفسهم شفعاء فنفى.

المسألة الثالثة: قال هناك‏ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ فذكر على معنى الاستثناء فيفهم أن لهم ناصرا و وليا هو اللّه و ليس لهم غيره ولي و ناصر و قال هاهنا مََا لَكُمْ مِنْ نََاصِرِينَ من غير استثناء فنقول كان ذلك واردا على أنهم في الدنيا فقال لهم في الدنيا، لا تظنوا أنكم تعجزون اللّه فما لكم أحد ينصركم، بل اللّه تعالى ينصركم إن تبتم، فهو ناصر معد لكم متى أردتم استنصرتموه بالتوبة و هذا يوم القيامة كما قال تعالى: ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ و عدم الناصر عام لأن التوبة في ذلك اليوم لا تقبل فسواء تابوا أو لم يتوبوا لا ينصرهم اللّه و لا ناصر لهم غيره فلا ناصر لهم مطلقا. ثم قال تعالى:

يعني لما رأى لوط معجزته آمن وَ قََالَ إبراهيم إِنِّي مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي أي إلى حيث أمرني بالتوجه إليه إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ عزيز يمنع أعدائي عن إيذائي بعزته، و حكيم لا يأمرني إلا بما يوافق لكمال حكمته، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ أي بعد ما رأى منه المعجز القاهر و درجة لوط كانت عالية، و بقاؤه إلى هذا الوقت مما ينقص من الدرجة ألا ترى أن أبا بكر لما قبل دين محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و كان نير القلب قبله قبل الكل، من غير سماع تكلم الحصى و لا رؤية انشقاق القمر، فنقول إن لوطا لما رأى معجزته آمن برسالته، و إما بالوحدانية فآمن حيث سمع حسن مقالته، و إليه أشار بقوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ و ما قال فآمن لوط.

المسألة الثانية: ما تعلق قوله و قال: إِنِّي مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي بما تقدم؟ فنقول (لما بالغ إبراهيم في الإرشاد و لم يهتد قومه، و حصل اليأس الكلي حيث رأى القوم الآية الكبرى و لم يؤمنوا وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه و لم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالا بما لا ينتفع به مع علمه فيصير كمن يقول للحجر صدق و هو عبث أو يسكت و السكوت دليل الرضا فيقال بأنه صار منا و رضي بأفعالنا، و إذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة.

المسألة الثالثة: قال: مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي و لم يقل مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة، فنقول قوله: مهاجر إلى حيث أمرني ربي ليس في الإخلاص كقوله: إِلى‏ََ رَبِّي لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى الموضع الفلاني، ثم إن واحدا منهم سافر إليه لغرض‏[في‏]نفسه يصيبه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك و لكن لا مخلصا لوجهه فقال: مُهََاجِرٌ إِلى‏ََ رَبِّي يعني توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا للجهة إنما هو طلب للّه/ثم قال تعالى:

قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ [العنكبوت: 7]أن أثر رحمة اللّه في‏

48

أمرين في الأمان من سوء العذاب و الامتنان بحسن الثواب و هو واصل إلى المؤمن في الدار الآخرة قطعا بحكم وعد اللّه نفي العذاب عنه لنفيه الشرك و إثبات الثواب لإثباته الواحد، و لكن هذا ليس بواجب الحصول في الدنيا، فإن كثيرا ما يكون الكافر في رغد و المؤمن جائع في يومه متفكر في أمر غده لكنهما مطلوبان في الدنيا، أما دفع العذاب العاجل فلأنه ورد في دعاء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم،

قوله: «و قنا عذاب الفقر و النار»

فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل، و أما الثواب العاجل ففي قوله: رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة:

201]إذا علم هذا فنقول إن إبراهيم عليه السلام لما أتى ببيان التوحيد أولا دفع اللّه عنه عذاب الدنيا و هو عذاب النار، و لما أتى به مرة بعد مرة مع إصرار القوم على التكذيب و إضرارهم به بالتعذيب، أعطاه الجزاء الآخر، و هو الثواب العاجل و عدده عليه بقوله: وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ و في الآية لطيفة: و هي أن اللّه بدل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذيبه بالنار و كان وحيدا فريدا فبدل وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، و لما كان أولا قومه و أقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم آزر، بدل اللّه أقاربه بأقارب مهتدين هادين و هم ذريته الذين جعل اللّه فيهم النبوة و الكتاب، و كان أولا لا جاه له و لا مال و هما غاية اللذة الدنيوية آتاه اللّه أجره من المال و الجاه، فكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم اللّه عدده، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب، و أما الجاه فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، فصار معروفا بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملا، حتى قال قائلهم: سَمِعْنََا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقََالُ لَهُ إِبْرََاهِيمُ [الأنبياء: 60]و هذا الكلام لا يقال إلا في مجهول بين الناس، ثم إن اللّه تعالى قال:

وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصََّالِحِينَ يعني ليس له هذا في الدنيا فحسب كما يكون لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجا ليكثر من سيئاته بل هذا له عجالة و له في الآخرة ثواب الدلالة و الرسالة و هو كونه من الصالحين، فإن كون العبد صالحا أعلى مراتبه، لما بينا أن الصالح هو الباقي على ما ينبغي، يقال الطعام بعد صالح، أي هو باق على ما ينبغي، و من بقي على ما ينبغي لا يكون في عذاب، و يكون له كل ما يريد من حسن ثواب و في الآية مسألتان:

إحداهما: أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين، و كان قد أسلم لأمر اللّه بالذبح و انقاد/لحكم اللّه، فلم لم يذكر؟فيقال هو مذكور في قوله: وَ جَعَلْنََا فِي ذُرِّيَّتِهِ اَلنُّبُوَّةَ و لكن لم يصرح باسمه لأنه كان غرضه تبيين فضله عليه بهبة الأولاد و الأحفاد، فذكر من الأولاد واحدا و هو الأكبر، و من الأحفاد واحدا و هو الأظهر كما يقول القائل إن السلطان في خدمته الملوك و الأمراء الملك الفلاني و الأمير الفلاني و لا يعدد [الكل‏]لأن ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصيته و لو ذكر غيره لفهم منه التعديد و استيعاب الكل بالذكر، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين.

المسألة الثانية: أن اللّه تعالى جعل في ذريته النبوة إجابة لدعائه و الوالد يستحب منه أن يسوي بين ولديه، فكيف صارت النبوة في أولاد إسحاق أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل؟فنقول: اللّه تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى القيامة قسمين و الناس أجمعين، فالقسم الأول من الزمان بعث اللّه فيه أنبياء فيهم فضائل جمة و جاءوا تترى واحدا بعد واحد، و مجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة إسحاق عليه السلام، ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده الآخر و هو إسماعيل واحدا جمع فيه ما كان فيهم و أرسله إلى كافة الخلق و هو

49

محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و جعله خاتم النبيين، و قد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة فلا يبعد أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار. ثم قال تعالى:

الإعراب في لوط، و التفسير كما ذكرنا في قوله: وَ إِبْرََاهِيمَ إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ [العنكبوت: 16]و هاهنا مسائل:

الأولى: قال إبراهيم لقومه‏ اُعْبُدُوا اَللََّهَ و قال عن لوط هاهنا أنه قال لقومه لَتَأْتُونَ اَلْفََاحِشَةَ فنقول لما ذكر اللّه لوطا عند ذكر إبراهيم و كان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قدمه بالتوحيد مع أن الرسول لا بد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط و غيرها/هاهنا ذكرها اللّه على سبيل الاختصار، فاقتصر على ما اختص به لوط و هو المنع من الفاحشة، و لم يذكر عنه الأمر بالتوحيد و إن كان قاله في موضع آخر حيث قال: اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ* [الأعراف: 59]لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم و سبقه فصار كالمختص به و لوط يبلغ ذلك عن إبراهيم. و أما المنع من عمل قوم لوط كان مختصا بلوط، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك‏[في زمنه‏]و لم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به و سبق به غيره.

المسألة الثانية: لم سمى ذلك الفعل فاحشة؟فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه، ثم إن الشهوة و الغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما اللّه في الإنسان، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء النوع بتوليد الشخص، و هذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد و بقائه بعد الأب، فإنه لو وجد و مات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول، لكن الزنا قضاء شهوة و لا يفضي إلى بقاء النوع، لأنا بينا أن البناء بالوجود و بقاء الولد بعد الأب لكن الزنا و إن كان يفضي إلى وجود الولد و لكن لا يفضي إلى بقائه، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته و الإنفاق عليه فيضيع و يهلك، فلا يحصل مصلحة البقاء، فإذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة، و إذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد و لكن لا يفضي إلى بقائه، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة.

المسألة الثالثة: الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة، لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‏ََ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً [الإسراء: 32]و اشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه، فما شرع زاجرا هناك يشرع زاجرا هاهنا، و هذا و إن كان قياسا إلا أن جامعه مستفاد من الآية، و وجه آخر، و هو أن اللّه جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلا، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلا و هو الرجم، و قوله: مََا سَبَقَكُمْ بِهََا مِنْ أَحَدٍ يحتمل وجهين أحدهما: أن قبلهم لم‏

50

يأت أحد بهذا القبيح و هذا ظاهر، و الثاني: أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد، كما يقال إن فلانا سبق البخلاء في البخل، و سبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم، }ثم قال تعالى: أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ وَ تَقْطَعُونَ اَلسَّبِيلَ بيانا لما ذكرنا، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة، و حينئذ يصير هذا كقوله تعالى: لَتَأْتُونَ اَلرِّجََالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ اَلنِّسََاءِ* [الأعراف: 81]يعني إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه و تتركونه و تأتون الرجال شهوة مع الفاحشة و قوله:

وَ تَأْتُونَ فِي نََادِيكُمُ اَلْمُنْكَرَ يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار، و قوله: فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ في التفسير، كقوله في قصة إبراهيم‏ وَ مََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ و في الآية مسائل:

/الأولى: قال قوم إبراهيم‏ اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت: 24]و قال قوم لوط اِئْتِنََا بِعَذََابِ اَللََّهِ و ما هددوه، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط، فإن لوطا كان من قومه، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم و يشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله: لا يسمع، و لا يبصر، و لا يغني و القدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل و التحريق، و لوط كان ينكر عليهم فعلهم و ينسبهم إلى ارتكاب المحرم و هم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام و اللّه يعذب عليه و نحن نقول لا يعذب، فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب، فإن قيل إن اللّه تعالى قال في موضع آخر فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [النمل: 56]و قال هاهنا فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا اِئْتِنََا فكيف الجمع؟فنقول لوط كان ثابتا على الإرشاد مكررا عليهم التغيير و النهي و الوعيد، فقالوا أولا ائتنا، ثم لما كثر منه ذلك و لم يسكت عنهم قالوا أخرجوا، }ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من اللّه و ذكرهم بما لا يحب اللّه فقال رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْمُفْسِدِينَ فإن اللّه لا يحب المفسدين، حتى ينجز النصر.

و اعلم أن نبيا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح:

إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً [نوح: 27]يعني المصلحة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا و لا مصلحة فيهم، فإنهم يضلون في الحال و في المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال و اشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد اللّه، بطلت المصلحة حالا و مآلا، فعدمهم صار خيرا، فطلب العذاب. ثم قال تعالى:

لما دعا لوط على قومه بقوله: رَبِّ اُنْصُرْنِي استجاب اللّه دعاءه، و أمر ملائكته بإهلاكهم و أرسلهم مبشرين و منذرين، فجاءوا إبراهيم و بشروه بذرية طيبة و قالوا: إِنََّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ يعني أهل سدوم، ـ

51

و في الآية لطيفتان: إحداهما: أن اللّه جعلهم مبشرين و منذرين، /لكن البشارة أثر الرحمة و الإنذار بالإهلاك أثر الغضب، و رحمته سبقت غضبه، فقدم البشارة على الإنذار. و قال: جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ ثم قال:

إِنََّا مُهْلِكُوا الثانية: حين ذكروا البشرى ما عللوا و قالوا إنا نبشرك لأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، و حين ذكروا الإهلاك عللوا، و قالوا: إِنَّ أَهْلَهََا كََانُوا ظََالِمِينَ لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، و العادل لا يكون عذابه إلا على جرم، و فيه مسألتان:

إحداهما: لو قال قائل أي تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار، نقول لما أراد اللّه إهلاك قوم و كان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

و الثانية: قال في قوم نوح‏ فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ [العنكبوت: 14]و قد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم، و لو يقل فأخذهم و كانوا ظالمين، و هاهنا قال: إِنَّ أَهْلَهََا كََانُوا ظََالِمِينَ و لم يقل و إنهم ظالمون، فنقول لا فرق في الموضعين في كونهم مهلكين و هم مصرون على الظلم، لكن هناك الإخبار من اللّه و عن الماضي حيث قال: فَأَخَذَهُمُ و كانوا ظالمين، فقال أخذهم و هم عند الوقوع في العذاب ظالمون، و هاهنا الإخبار من الملائكة و عن المستقبل حيث قالوا: إِنََّا مُهْلِكُوا فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في إبانة حسن الأمر من اللّه بالإهلاك، فقالوا: إنا مهلكوهم لأن اللّه أمرنا، و حال ما أمرنا به كانوا ظالمين، فحسن أمر اللّه عند كل أحد، و أما نحن فلا نخبر بما لا حاجة لنا إليه، فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، فنحن ما احتجنا إلا إلى هذا القدر، و هو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا اللّه بإهلاكهم بيانا لحسن الأمر، و أما أنهم ظالمون في وقتنا هذا أو يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن فيها لوطا إشفاقا عليه ليعلم حاله، أو لأن الملائكة لما قالوا: إِنََّا مُهْلِكُوا و كان إبراهيم يعلم أن اللّه لا يهلك قوما و فيهم رسوله، فقال تعجبا إن فيهم لوطا فكيف يهلكون، فقالت الملائكة نحن أعلم بمن فيها، يعني تعلم أن فيهم لوطا فلننجينه و أهله و نهلك الباقين، و هاهنا لطيفة: و هو أن الجماعة كانوا أهل الخير، أعني إبراهيم و الملائكة، و كل واحد كان يزيد على صاحبه في كونه خيرا. }أما إبراهيم فلما سمع قوله الملائكة إِنََّا مُهْلِكُوا أظهر الإشفاق على لوط و نسي نفسه و ما بشروه و لم يظهر بها فرحا، و قال: إِنَّ فِيهََا لُوطاً [العنكبوت: 32] ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه، و قالوا إنك ذكرت لوطا وحده و نحن ننجيه و ننجي معه أهله، ثم استثنوا من الأهل امرأته، و قالوا: إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كََانَتْ مِنَ اَلْغََابِرِينَ أي من المهلكين، و في استعمال الغابر في المهلك و جهان، و ذلك لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، و في الباقي يقال فيما غبر من الزمان أي فيما مضى و يقال الفعل ماض و غابر أي باق، و على الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: إِنََّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهََا كََانُوا ظََالِمِينَ ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم و جواب الملائكة، فقالت الملائكة إنها /من الغابرين أي الماضي ذكرهم لا من الذين ننجي منهم، أو نقول المهلك يفنى و يمضي زمانه و الناجي هو الباقي فقالوا إنها من الغابرين أي من الرائحين الماضين لا من الباقين المستمرين، و أما على الوجه الثاني فنقول لما قضى اللّه على القوم بالإهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ننجي منه فقالوا إنا ننجي لوطا و أهله، و أما امرأته فهي من الباقين في الهلاك. ثم قال تعالى:

52

في قوله تعالى وَ لَمََّا أَنْ جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً إلى قوله بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ ثم إنهم جاءوا من عند إبراهيم إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشرا فخاف عليهم من قومه لأنهم كانوا على أحسن صورة خلق اللّه و القوم كما عرف حالهم فسي‏ء بهم أي جاءه ما ساءه و خاف ثم عجز عن تدبيرهم فحزن و ضاق بهم ذرعا كناية عن العجز في تدبيرهم، قال الزمخشري يقال طال ذرعه و ذراعه للقادر و ضاق للعاجز، و ذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع و الاستعمال يحتمل وجها معقولا غير ذلك، و هو أن الخوف و الحزن يوجبان انقباض الروح و يتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضا و القلب هو المعتبر من الإنسان، فكان الإنسان انقبض و انجمع و ما يكون كذلك يقل ذرعه و مساحته فيضيق، و يقال في الحزين ضاق ذرعه و الغضب و الفرح يوجبان انبساط الروح فينبسط مكانه و هو القلب و يتسع فيقال اتسع ذرعه، ثم إن الملائكة لما رأوا خوفه في أول الأمر و حزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا لا تخف علينا و لا تحزن بسبب التفكر في أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه و حزنه فإن مجرد قول القائل لا تخف لا يوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم: إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ و إنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه و يزول روعه و في الآية مسائل:

إحداها: أنه تعالى قال من قبل: وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ [العنكبوت: 31] و قال هاهنا: وَ لَمََّا أَنْ جََاءَتْ رُسُلُنََا فما الحكمة فيه؟فنقول حكمة بالغة و هي أن الواقع في وقت المجي‏ء هناك قول /الملائكة إِنََّا مُهْلِكُوا و هو لم يكن متصلا بمجيئهم لأنهم بشروا أولا و لبثوا، ثم قالوا: إنا مهلكوا و أيضا فالتأني و اللبث بعد المجي‏ء ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء و معه خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجئ به، و الواقع هاهنا هو خوف لوط عليهم، و المؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئا من الجناية ينبغي أن يحزن و يخاف عليه من غير تأخير، إذا علم هذا فقوله هاهنا: وَ لَمََّا أَنْ جََاءَتْ رُسُلُنََا يفيد الاتصال يعني خاف حين المجي‏ء، فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية جاءت في سورة هود[77]، و قال: وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً من غير أن، فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك: وَ لَقَدْ جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ [هود: 69]فقوله هنالك: وَ لَقَدْ جََاءَتْ لا يدل على أن قولهم: إِنََّا أُرْسِلْنََا كان في وقت المجي‏ء. و قوله: وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ دل على أن حزنه كان وقت المجي‏ء. إذا علم هذا فنقول: هناك قد حصل ما ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم: وَ لَقَدْ جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرى‏ََ ثم جرى أمور من الكلام و تقديم الطعام، ثم قالوا: لاََ تَخَفْ و لا تحزن‏ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمِ لُوطٍ [هود: 70]فحصل تأخير الإنذار، و بقوله في حكاية لوط وَ لَمََّا جََاءَتْ رُسُلُنََا* حصل بيان تعجيل الحزن، و أما هنا لما قال في قصة إبراهيم‏ وَ لَمََّا جََاءَتْ قال في حكاية لوط وَ لَمََّا أَنْ جََاءَتْ لما ذكرنا من الفائدة.

المسألة الثانية: قال هنا إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ و قال لإبراهيم لَنُنَجِّيَنَّهُ [العنكبوت: 32]بصيغة الفعل فهل فيه‏

53

فائدة؟قلنا ما من حرف و لا حركة في القرآن إلا و فيه فائدة، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها و لا تصل إلى أكثرها، و ما أوتي البشر من العلم إلا قليلا، و الذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم: إِنَّ فِيهََا لُوطاً وعدوه بالتنجية و وعد الكريم حتم، و هاهنا لما قالوا للوط و كان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا: إِنََّا مُنَجُّوكَ أي ذلك واقع منا كقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: 30]لضرورة وقوعه.

المسألة الثالثة: قولهم: لاََ تَخَفْ وَ لاََ تَحْزَنْ لا يناسبه إِنََّا مُنَجُّوكَ لأن خوفه ما كان على نفسه، نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن، و هي أن لوطا لما خاف عليهم و حزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا و لا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة، ثم قالوا له: يا لوط خفت علينا و حزنت لأجلنا، ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك و ننجيك، و في مقابلة حزنك نزيل حزنك و لا نتركك تفجع في أهلك فقالوا: إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ .

المسألة الرابعة: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة و امرأته لم يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم؟ فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر، كما أن الدال على الخير كفاعله و هي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم، فبالدلالة صارت واحدة منهم، }ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب فقالوا: إِنََّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ََ أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ اَلسَّمََاءِ و اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم حجارة/و قيل نار و قيل خسف، و على هذا فلا يكون عينه من السماء و إنما يكون الأمر بالخسف من السماء أو القضاء به من السماء، ثم اعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم قدموا البشارة على الإنذار حيث قالوا: إِنََّا مُنَجُّوكَ ثم قالوا: إِنََّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ََ أَهْلِ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ و لم يعللوا التنجية، فما قالوا إنا منجوك لأنك نبي أو عابد، و عللوا الإهلاك بقولهم: بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ و قالوا بِمََا كََانُوا كما قالوا هناك: إِنَّ أَهْلَهََا كََانُوا ظََالِمِينَ [العنكبوت: 31] ثم قال تعالى: وَ لَقَدْ تَرَكْنََا مِنْهََا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي من القرية فإن القرية معلومة و فيها الماء الأسود و هي بين القدس و الكرك و فيها مسائل:

إحداها: جعل اللّه الآية في نوح و إبراهيم بالنجاة حيث قال: فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ وَ جَعَلْنََاهََا آيَةً [العنكبوت: 15]و قال: فَأَنْجََاهُ اَللََّهُ مِنَ اَلنََّارِ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ [العنكبوت: 24]و جعل هاهنا الهلاك آية فهل عندك فيه شي‏ء؟نقول نعم، أما إبراهيم فلأن الآية كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن إهلاك، و أما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي، و ما به النجاة و هو السفينة كان باقيا، و الغرق لم يبق لمن بعده أثره فجعل الباقي آية، و أما هاهنا فنجاة لوط لم يكن بأمر يبقى أثره للحس و الهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر الباقي و هو هاهنا البلاد و هناك السفينة و هاهنا لطيفة: و هي أن اللّه تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء و الإهلاك فذكر من كل باب آية و قدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة و أخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب و رحمته سابقة.

المسألة الثانية: قال في السفينة: وَ جَعَلْنََاهََا آيَةً و لم يقل بينة و قال هاهنا آيَةً بَيِّنَةً نقول لأن الإنجاء بالسفينة أمر يتسع له كل عقل و قد يقع في وهم جاهل أن الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر، و أما الآية هاهنا الخسف و جعل ديار معمورة عاليها و سافلها و هو ليس بمعتاد، و إنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان و في زمان دون زمان، فهي بينة لا يمكن لجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك و كان له أن يقول في السفينة

54

النجاة بها أمر يكون كذلك إلى أن يقال له فمن أين علم أنه يحتاج إليها و لو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة؟و لو سلط اللّه عليهم الريح العاصفة كيف يكون أحوالهم؟.

المسألة الثالثة: قال هناك‏ لِلْعََالَمِينَ و قال هاهنا: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ قلنا لأن السفينة موجودة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله، و إذا ركبوها يطلبون من اللّه النجاة و لا يثق أحد بمجرد السفينة، بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى اللّه تعالى طلبا للنجاة، و أما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها و يصل إليها و يكون له عقل يعلم أن ذلك من اللّه المريد، بسبب اختصاصه بمكان دون مكان و وجوده في زمان بعد زمان. /ثم قال تعالى:

في قوله تعالى وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ شُعَيْباً فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة و قال: وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ و اختلف المفسرون في مدين، فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل و حصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم و قيس و غيرهما، و قال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه، و اشتهر في القوم، و الأول كأنه أصح و ذلك لأن اللّه أضاف الماء إلى مدين حيث قال: وَ لَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ [القصص: 23]و لو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة و الأصل في الإضافة التغاير حقيقة، و قوله: أَخََاهُمْ قيل لأن شعيبا كان منهم نسبا، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال اللّه تعالى في نوح: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ [العنكبوت: 14]قدم نوحا في الذكر و عرف القوم بالإضافة إليه و كذلك في إبراهيم و لوط، و هاهنا ذكر القوم أولا و أضاف إليهم أخاهم شعيبا، فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولا إلى غير معين، و إنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح و إبراهيم و لوط لم يكن لهم اسم خاص و لا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح و قوم لوط، و أما قوم شعيب و هود و صالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله و قال اللّه:

وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ شُعَيْباً و قال: وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً* [الأعراف: 65].

المسألة الثانية: لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة و التوحيد، و ذكر عن شعيب ذلك؟ قلنا قد ذكرنا أن لوطا كان له قوم و هو كان من قوم إبراهيم و في زمانه، و إبراهيم سبقه بذلك و اجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط و إنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن الفاحشة و غيرها، و إن كان هو أيضا يأمر بالتوحيد، إذ ما من رسول إلا و يكون أكثر كلامه في التوحيد، و أما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلا أيضا في التوحيد فبدأ به و قال: اُعْبُدُوا اَللََّهَ .

المسألة الثالثة: الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد، و الأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد اللّه/و يعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله: اُعْبُدُوا اَللََّهَ ؟فنقول: هذا الأمر يفيد التوحيد، و ذلك لأن من يرى غيره يخدم‏