التفسير الكبير - ج27

- الفخر الرازي‏ المزيد...
683 /
463

الجزء السابع و العشرون‏

تتمة سورة الزمر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في قوله تعالى قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا إلى قوله هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته و فضله و إحسانه في حق العبيد و فيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر، فقالوا: إنا بينا في هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين‏ (1) قال تعالى: وَ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ/اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: 63]

____________

(1) الصواب أن يقال: «بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين إذا أضيف إلى اللّه تعالى، كما في الآية و الآيتين اللتين استشهد بها، و إلا فإن هذا يعارضه قول اللّه تعالى: يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس: 30]فالذين يستهزئون برسل اللّه ليسوا بمؤمنين و الذين يتحسر عليهم لم يذكروا في معرض التعظيم و إنما ذكروا في الذم و الإهانة كما هو صريح الآية و لو صح ذلك لم يحتج إلى نعت العباد و وصفهم بصفات تقتضي المدح أو القدح، فلفظ العباد يشمل المؤمن و الكافر، و لذا خصصه بالصفة.

464

و قال: عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ [الإنسان: 6]و لأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله يََا عِبََادِيَ مختص بالمؤمنين، و لأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد اللّه، أما المشركون فإنهم يسمعون أنفسهم بعبد اللات و العزى و عبد المسيح‏ (1) ، فثبت أن قوله يََا عِبََادِيَ لا يليق إلا بالمؤمنين، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال:

اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ و هذا عام في حق جميع المسرفين.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً و هذا يقتضي كونه غافرا لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين، و ذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، و إلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعا، و أنتم لا تقولون به، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به، و الذي تقولون به لا تدل عليه هذه الآية، فسقط الاستدلال، و أيضا إنه تعالى قال عقيب هذه الآية وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذََابُ ثُمَّ لاََ تُنْصَرُونَ إلى قوله بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ و لو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعا لما أمر عقيبه بالتوبة، و لما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، و أيضا قال: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و لو كانت الذنوب كلها مغفورة، فأي حاجة به إلى أن يقول:

يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ ؟و أيضا فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي و إطلاقا في الإقدام عليها، و ذلك لا يليق بحكمة اللّه، و إذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة اللّه، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا و متى تاب زال عقابه و صار من أهل المغفرة و الرحمة، فمعنى قوله إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً أي بالتوبة و الإنابة و الجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعا و أنتم لا تقولون به، قلنا بل نحن نقول به و نذهب إليه، و ذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع، و هي للاستقبال، و عندنا أن اللّه تعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، و على هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعا، إما قبل الدخول في نار جهنم، و إما بعد الدخول فيها، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا.

أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة و خوف العقاب قائم، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية، بل نقول لعله يعفو مطلقا، و لعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك، و بهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى/المذنب بالعبد و العبودية مفسرة بالحاجة و الذلة و المسكنة، و اللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير و الرحمة على المسكين المحتاج الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا و شرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب الثالث: أنه تعالى قال: أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ و معناه أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، و لا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم الرابع:

____________

(1) و هذا أيضا هو الغالب، و إلا فقد سموا عبد اللّه كثيرا قبل الإسلام و بعده، لأن الكافرين لا ينكرون وجود اللّه بدليل قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ [الزمر: 38].

465

أنه قال: لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمرا بالرجاء و الكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم الخامس: أنه تعالى قال أولا: يََا عِبََادِيَ و كان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ و قال: لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ لأن قولنا اللّه أعظم أسماء اللّه و أجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة و الفضل السادس: أنه لما قال: لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعا و لكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم اللّه و قرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، و كل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن السابع: أنه لو قال: يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ لكان المقصود حاصلا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعا و هذا أيضا من المؤكدات الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفورا، و لفظ الغفور يفيد المبالغة التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيما و الرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، و قوله اَلرَّحِيمُ إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة و الثواب العاشر: أن قوله إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ يفيد الحصر، و معناه أنه لا غفور و لا رحيم إلا هو، و ذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران و الرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، و هي بأسرها دالة على كمال الرحمة و الغفران، و نسأل اللّه تعالى الفوز بها و النجاة من العقاب بفضله و رحمته.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوها، قيل إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان و قتل النفس لم يغفر له، و قد عبدنا و قتلنا فكيف نسلم؟و

قيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم و خاف أن لا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم، فقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟فقال بل للمسلمين عامة

و قيل نزلت في أناس أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل اللّه توبتهم، و قيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد و نفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا و كان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل اللّه منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر، و بعث بها إليهم فأسلموا و هاجروا، و اعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها.

المسألة الرابعة: قرأ نافع و ابن كثير و ابن عامر و عاصم يََا عِبََادِيَ بفتح الياء و الباقون/و عاصم في بعض الروايات بغير فتح و كلهم يقفون عليه بإثبات الياء لأنها ثابتة في المصحف، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء، و قرأ أبو عمرو و الكسائي تقنطوا بكسر النون و الباقون بفتحها و هما لغتان، قال صاحب «الكشاف» ، و في قراءة ابن عباس، و ابن مسعود يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء .

ثم قال تعالى: وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ قال صاحب «الكشاف» أي و توبوا إليه و أسلموا له أي و أخلصوا له العمل، و إنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة و للدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه، و أقول هذا الكلام ضعيف جدا لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة، فإن قالوا لو كان الوعد بالمغفرة حاصلا قطعا لما احتيج إلى التوبة، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب، فإذا سقط العقاب بعفو اللّه عنه فلا حاجة إلى التوبة، فنقول هذا ضعيف لأن مذهبنا أنه تعالى و إن كان يغفر الذنوب قطعا و يعفو عنها قطعا إلا أن هذا العفو و الغفران يقع على وجهين تارة

466

يقع ابتداء و تارة يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار و يعفو عنه، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب، فثبت أن الذي قاله صاحب «الكشاف» ضعيف و لا فائدة فيه.

ثم قال: وَ اِتَّبِعُوا أَحْسَنَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ و اعلم أنه تعالى لما وعد بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بأشياء فالأول: أمر بالإنابة و هو قوله تعالى: وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ و الثاني: أمر بمتابعة الأحسن، و في المراد بهذا الأحسن وجوه الأول: أنه القرآن و معناه و اتبعوا القرآن و الدليل عليه قوله تعالى: اَللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتََاباً [الزمر: 23]الثاني: قال الحسن معناه، و التزموا طاعة اللّه و اجتنبوا معصية اللّه، فإن الذي أنزل على ثلاثة أوجه، ذكر القبيح ليجتنب عنه، و الأدون لئلا يرغب فيه، و الأحسن ليتقوى به و يتبع الثالث: المراد بالأحسن الناسخ دون المنسوخ لأن الناسخ أحسن من المنسوخ، لقوله تعالى: مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا أَوْ مِثْلِهََا [البقرة: 106]و لأن اللّه تعالى لما نسخ حكما و أثبت حكما آخر كان اعتمادنا على المنسوخ.

ثم قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذََابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ و المراد منه التهديد و التخويف و المعنى أنه يفجأ العذاب و أنتم غافلون عنه، و اعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين تعالى أن بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون فحكى اللّه تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلمات فالأول: قوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ اَلسََّاخِرِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله أَنْ تَقُولَ مفعول له أي كراهة أن تقول: يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و أما تنكير لفظ النفس ففيه وجهان الأول: يجوز أن تراد نفس ممتازة عن سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما لا ينفي رغبتها في المعاصي و الثاني: يجوز أن/يراد به الكثرة، و ذلك لأنه ثبت في علم أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد الظن بأن ذلك الحكم معلل بذلك الوصف، فقوله يََا حَسْرَتى‏ََ يدل على غاية الأسف و نهاية الحزن و أنه مذكور عقيب قوله تعالى: عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و التفريط في طاعة اللّه تعالى يناسب شدة الحسرة و هذا يقتضي حصول تلك الحسرة عند حصول هذا التفريط، و ذلك يفيد العموم بهذا الطريق.

المسألة الثانية: القائلون بإثبات الأعضاء للّه تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية، و اعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت، فلا فائدة في الإعادة، و نقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضوا مخصوصا للّه تعالى، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه، فثبت أنه لا بد من المصير إلى التأويل و للمفسرين فيه عبارات، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب اللّه، و قال مقاتل ضيعت من ذكر اللّه، و قال مجاهد في أمر اللّه، و قال الحسن في طاعة اللّه، و قال سعيد بن جبير في حق اللّه، و اعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور و شفاء الغليل، فنقول: الجنب سمي جنبا لأنه جانب من جوانب ذلك الشي‏ء و الشي‏ء الذي يكون من لوازم الشي‏ء و توابعه يكون كأنه جند من جنوده و جانب من جوانبه فلما حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو و بين ما يكون لازما للشي‏ء و تابعا له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق و الأمر و الطاعة قال الشاعر:

أ ما تتقين اللّه جنب وامق # له كبد حرا عليك تقطع‏

ـ

467

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرئ يََا حَسْرَتى‏ََ على الأصل و يا حسرتاي على الجمع بين العوض و المعوض عنه.

أما قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ اَلسََّاخِرِينَ أي أنه ما كان مكتفيا بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة اللّه حتى سخر من أهلها، و محل وَ إِنْ كُنْتُ نصب على الحال كأنه قال: فرطت في جنب اللّه و أنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي.

النوع الثاني: من الكلمات التي حكاها اللّه تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ .

النوع الثالث: قوله أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى اَلْعَذََابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ و حاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء أولها: الحسرة على التفريط في الطاعة و ثانيها: التعلل بفقد الهداية و ثالثها: بتمني الرجعة، ثم أجاب اللّه تعالى عن كلامهم بأن قال التعلل بفقد الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاضرة و الأعذار زائلة، و هو المراد بقوله بَلى‏ََ قَدْ جََاءَتْكَ آيََاتِي فَكَذَّبْتَ بِهََا وَ اِسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قال الزجاج بلى جواب النفي و ليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل/فيه معنى النفي، لأن معنى قوله لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي أنه ما هداني، فلا جرم حسن ذكر لفظة بَلى‏ََ بعده.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه اللّه: القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله بَلى‏ََ قَدْ جََاءَتْكَ آيََاتِي فَكَذَّبْتَ بِهََا وَ اِسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ لأن النفس تقع على الذكر و الأنثى فخوطب المذكر، و

روى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى اللّه عليه و سلّم كان يقرأ على التأنيث،

قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها و لكنه ليس بمسند، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة، و أما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس و لفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله‏ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [طه: 96]و إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف: 53]و يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: 27].

المسألة الثالثة: قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه الأول: أنه لا يقال: فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله، و ذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل اللّه تعالى، و ثانيها: أن طلب الغفران و الرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد، و ثالثها: إضافة الإنابة و الإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب و ذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما قبل نزول العذاب، و مذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك و رابعها: قوله تعالى: وَ اِتَّبِعُوا أَحْسَنَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ و ذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع و خامسها: ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب و ذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل، و سادسها: قولهم يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و لا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا و كان يصح منه أن يفعله، و سابعها: قوله تعالى: عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و من لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم و لا يكون الإيمان من فعله لا يكون مفرطا، و ثامنها: ذمه لهم بأنهم من الساخرين، و ذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم و كان يصح منهم أن لا يفعلوه، و تاسعها: قوله لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي أي مكنني لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ و على هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك‏

468

منه، }و عاشرها: قوله لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ و على قولهم لو رده اللّه أبدا كرة بعد كرة، و ليس فيه إلا قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسنا، و الحادي عشر: قوله تعالى موبخا لهم بَلى‏ََ قَدْ جََاءَتْكَ آيََاتِي فَكَذَّبْتَ بِهََا وَ اِسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ فبيّن تعالى أن الحجة عليهم للّه لا أن الحجة لهم على اللّه، و لو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا: قد جاءتنا الآيات و لكنك خلقت فينا التكذيب بها و لم تقدرنا على التصديق بها.

و الثاني عشر: أنه تعالى وصفهم بالتكذيب و الاستكبار و الكفر على وجه الذم و لو لم تكن هذه الأشياء أفعالا لهم لما صح الكلام، و الجواب عنه أن هذه الوجوه معارضة، بما أن القرآن مملوء من أن اللّه تعالى يضل و يمنع و يصدر منه اللين/و القسوة و الاستدراج، و لما كان هذا التفسير مملوءا منه لم يكن إلى الإعادة حاجة.

اعلم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد و الوعد، أما الوعيد فقوله تعالى: وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ و فيه بحثان: أحدهما: أن هذا التكذيب كيف هو؟و الثاني: أن هذا السواد كيف هو؟ البحث الأول: عن حقيقة هذا التكذيب، فنقول: المشهور أن الكذب هو الإخبار عن الشي‏ء على خلاف ما هو عليه، و منهم من قال هذا القدر لا يكون كذبا بل الشرط في كونه كذبا أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه، إذا عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس في هذه الآية:

قال الكعبي: و يرد الخبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله‏ لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي [الزمر: 58]يعني أنه ما هداني بل أضلني، فلما حكى اللّه عن الكفار ثم ذكر عقيبه تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ وجب أن يكون هذا عائدا إلى ذلك الكلام المتقدم، ثم‏

روي عن الحسن عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «ما بال أقوام يصلون و يقرءون القرآن، يزعمون أن اللّه كتب الذنوب على العباد، و هم كذبة على اللّه، و اللّه مسود وجوههم»

و اعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية: أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ و هذا يدل على أن أولئك الذين صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون، و التكبر لا يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق و الإعادة و الإيجاد، و إنما القادر عليه هو اللّه سبحانه و تعالى، أما الذين يقولون إن اللّه يريد شيئا و أنا أريد بضده، فيحصل مرادي و لا يحصل مراد اللّه، فالتكبر بهذا القائل أليق، فثبت أن هذا التأويل الذي ذكروه فاسد، و من الناس من قال إن هذا الوعيد مختص باليهود و النصارى، و منهم من قال إنه مختص بمشركي العرب، قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة و المجبرة و كذلك كل من وصف اللّه بما لا يليق به نفيا و إثباتا، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف إليه، فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية، لأنهم كلهم كذبوا على اللّه، فتخصيص الآية بالمجبرة و المشبهة أو اليهود و النصارى لا يجوز، و اعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي/لزمه تكفير الأمة، لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا و قد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات اللّه تعالى، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم و أهل السنة في مسائل كثيرة من صفات اللّه تعالى، و يلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما، فثبت أنه‏

469

يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشي‏ء مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول، و مثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات، و كانوا يقولون إن اللّه تعالى حرم البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام، مع أنهم كانوا ينكرون القول بأن اللّه حرم كذا و أباح كذا، و كان قائله عالما بأنه كذب و إذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل‏[يكون‏]مناسبا، أما من لم يقصد إلا الحق و الصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به.

البحث الثاني: الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم، و الأقرب أنه سواد مخالف لسائر أنواع السواد، و هو سواد يدل على الجهل باللّه و الكذب على اللّه، و أقول إن الجهل ظلمة، و الظلمة تتخيل كأنها سواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم، و تحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة، فلما ذكر اللّه هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال: وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ الآية، قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان هذا حاله، فيقال له: أمرك عجيب جدا فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى: لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ [الزمر: 57]وجب أن يحمل قوله وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ على الذين قالوا لَوْ أَنَّ اَللََّهَ هَدََانِي فعلى هذا القانون لما تقدم قوله وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ .

ثم قال تعالى بعده: وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنه يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ و أن يكون قولك اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسدا، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة، بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي بالاتقاء و الآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء، و بهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشي‏ء الذي سبق ذكره و هذا هو الكذب على اللّه تعالى، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم.

ثم قال تعالى: بِمَفََازَتِهِمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع، و الباقون بمفازتهم على التوحيد، و حكى الواحدي عن الفرّاء أنه قال: كلاهما صواب، إذ يقال في الكلام/قد تبين أمر القوم و أمور القوم، قال أبو علي الفارسي: الإفراد للمصدر و وجه الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا [الأحزاب: 10]و لا شك أن لكل متق نوعا آخر عن المفازة.

المسألة الثانية: المفازة مفعلة من الفوز و هو السعادة، فكأن المعنى أن النجاة في القيامة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات و الخيرات، فعبر عن الفوز بأوقاتها و مواضعها.

ثم قال: لاََ يَمَسُّهُمُ اَلسُّوءُ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ و المراد أنه كالتفسير لتلك النجاة، كأنه قيل كيف ينجيهم؟ فقيل: لاََ يَمَسُّهُمُ اَلسُّوءُ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ و هذه كلمة جامعة لأنه إذا علم أنه لا يمسه السوء كان فارغ البال‏

470

بحسب الحال عما وقع في قلبه بسبب فوات الماضي، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات، و نسأل اللّه الفوز بهذه الدرجات بمنه و كرمه.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف و الرعب في القيامة، و تأكد هذا بقوله‏ لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ [الأنبياء: 103].

في قوله تعالى اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و اعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد و الوعيد عاد إلى دلائل الإلهية و التوحيد، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [الأنعام: 102]على أن أعمال العباد مخلوقة للّه تعالى، و أطنبنا هناك في الأسئلة و الأجوبة، فلا فائدة هاهنا/في الإعادة، إلا أن الكعبي ذكر هاهنا كلمات فنذكرها و نجيب عنها، فقال إن اللّه تعالى مدح نفسه بقوله اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و ليس من المدح أن يخلق الكفر و القبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به، و أيضا فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد، بل كان الخلاف بينهم و بين المجوس و الزنادقة في خلق الأمراض و السباع و الهوام، فأراد اللّه تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه، و أيضا لفظة (كل) قد لا توجب العموم لقوله تعالى:

وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 23] تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [الأحقاف: 25]و أيضا لو كانت أعمال العباد من خلق اللّه لما ضافها إليهم بقوله‏ كُفََّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109]و لما صح قوله‏ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ [آل عمران: 78]و لما صح قوله‏ وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً [ص: 27]فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره، و قال الجبائي: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر و النهي و استحقوا بها الثواب و العقاب، و لو كانت أفعالهم خلقا للّه تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم و صورهم، و قال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر اللّه عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه و إن لم يكن موجدا له.

و اعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضع من هذا الكتاب، و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها و تدبيرها من غير منازع و لا مشارك، و هذا أيضا يدل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى اللّه تعالى، فلم يكن اللّه تعالى وكيلا عليه، و ذلك ينافي عموم الآية.

471

ثم قال تعالى: لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و المعنى أنه سبحانه مالك أمرها و حافظها و هو من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن و مدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها، و منه قولهم: فلان ألقيت مقاليد الملك إليه و هي المفاتيح، قال صاحب «الكشاف» : و لا واحد لها من لفظها، و قيل مقليد و مقاليد، و قيل مقلاد و مقاليد مثل مفتاح و مفاتيح، و قيل إقليد و أقاليد، قال صاحب «الكشاف» : و الكلمة أصلها فارسية، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية.

و اعلم أن الكلام في تفسير قوله لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قريب من الكلام في قوله تعالى:

وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ [الأنعام: 59]و قد سبق الاستقصاء هناك،

قيل سأل عثمان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم عن تفسير قوله لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فقال: «يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، سبحان اللّه و بحمده، أستغفر اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه، هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن بيده الخير، يحيي و يميت و هو على كل شي‏ء قدير» هكذا نقله صاحب «الكشاف» .

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر، و هذا يدل على أن كل من لم يكن كافرا فإنه لا بد و أن يحصل له حظ من رحمة اللّه.

المسألة الثانية: أورد صاحب «الكشاف» سؤالا، و هو أنه بم اتصل قوله وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ؟ و أجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى: وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا [الزمر: 61]أي ينجي اللّه المتقين بمفازتهم وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و اعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها، و أن له مقاليد السموات و الأرض.

و أقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول: أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف و المعطوف عليه بعيد الثاني: أن قوله وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ جملة فعلية، و قوله وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ جملة اسمية، و عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف اللّه تعالى نفسه بالصفات الإلهية و الجلالية، و هو كونه خالقا للأشياء كلها، و كونه مالكا لمقاليد السموات و الأرض بأسرها، قال بعده: و الذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون.

ثم قال تعالى: قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء و كذلك هي في مصاحف الشام، قال الواحدي و هو الأصل، و قرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى و إدغامها في الثانية، و قرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة، على حذف إحدى النونين و الباقون بنون واحدة مكسورة مشددة.

المسألة الثانية: أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ منصوب بأعبد و تأمروني اعتراض، و معناه: أ فغير اللّه أعبد بأمركم؟و ذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا و نؤمن بإلهك، و أقول نظير هذه الآية، قوله تعالى: قُلْ أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الأنعام: 14]و قد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل.

المسألة الثالثة: إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقا للأشياء و بكونه مالكا لمقاليد السموات و الأرض، و ظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر و لا تنفع، و من أعرض عن عبادة الإله‏

472

الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، و اشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغا لا مزيد عليه، فلهذا السبب قال: أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ و لا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع.

ثم قال تعالى: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ و اعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية، و الجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فلا نعيده، قال صاحب «الكشاف» قرئ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ على/البناء للمفعول و قرئ بالياء و النون أي: ليحبطن اللّه أو الشرك و في الآية سؤالات:

السؤال الأول: كيف أوحي إليه و إلى من قبله حال شركه على التعيين؟ و الجواب تقدير الآية: أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، و إلى الذين من قبلك مثله أو أوحي إليك و إلى كل واحد منهم لئن أشركت، كما تقول كسانا حلة أي كل واحد منا.

السؤال الثاني: ما الفرق بين اللامين؟ الجواب الأولى: موطئة للقسم المحذوف و الثانية: لام الجواب.

السؤال الثالث: كيف صح هذا الكلام مع علم اللّه تعالى أن رسله لا يشركون و لا تحبط أعمالهم؟ و الجواب أن قوله لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ قضية شرطية و القضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجا لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال اللّه تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا [الأنبياء: 22]و لم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة و بأنهما قد فسدتا.

السؤال الرابع: ما معنى قوله وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ ؟ و الجواب كما أن طاعات الأنبياء و الرسل أفضل من طاعات غيرهم، فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: إِذاً لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ [الإسراء: 75]فكان المعنى ضعف الشرك الحاصل منه، و بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في جانب غضب اللّه أقوى و أعظم.

و اعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: بَلِ اَللََّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ ، و المقصود منه ما أمروه به من الإسلام ببعض آلهتهم، كأنه قال إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلا غير اللّه لأن قوله قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير اللّه، فقال اللّه إنهم بئسما قالوا و لكن أنت على الضد مما قالوا، فلا تعبد إلا اللّه، و ذلك لأن قوله بَلِ اَللََّهَ فَاعْبُدْ يفيد الحصر. ثم قال: وَ كُنْ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة الإله القادر عن الإطلاق العليم الحكيم، و على ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى اللّه.

473

و اعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم و أمر الرسول بأن يعبد اللّه و لا يعبد شيئا آخر سواه، بين أنهم لو عرفوا اللّه حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية، فقال: وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة اللّه، قالوا لأن قوله وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا اللّه حق قدره وصف المؤمنين بذلك، فسقط هذا الكلام.

المسألة الثانية: قوله وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموه حق تعظيمه، و هذه الآية مذكورة في سور ثلاث، في سورة الأنعام، و في سورة الحج، و في هذه السورة.

و اعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيما لائقا به أردفه بما يدل على كمال عظمته و نهاية جلالته، فقال: وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ قال القفال: وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كقول القائل و ما قدرتني حق قدري و أنا الذي فعلت كذا و كذا، أي لما عرفت أن حالي و صفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحطني عن قدري و منزلتي، و نظيره قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ [البقرة: 28]أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه و حال ملكه فكذا هاهنا، و المعني وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذ زعموا أن له شركاء و أنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض و السموات في قبضته و قدرته، قال صاحب «الكشاف» الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته و مجموعه تصوير عظمته/و التوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة و لا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، و كذلك ما

روي أن يهوديا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فقال: يا أبا القاسم إن اللّه يمسك السموات يوم القيامة على إصبع و الأرضين على إصبع و الجبال على إصبع و الشجر على إصبع و الثرى على إصبع و سائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم تعجبا مما قال،

قال صاحب «الكشاف» و إنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك و لا إصبع و لا هز و لا شي‏ء من ذلك، و لكن فهمه وقع أول كل شي‏ء و آخره على الزبدة و الخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، و أن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام و لا تكتنهها الأذهان هينة عليه، قال و لا نرى بابا في علم البيان أدق و لا ألطف من هذا الباب، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، و أنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا و كذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود، و لا ألتفت إلى الظواهر، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة و عقاب أهل النار، قال المقصود بيان سعادات المطيعين و شقاوة المذنبين، و أنا أحمل هذه الآيات

474

على هذا المقصود و لا أثبت الأكل و الشرب و لا سائر الأحوال الجسمانية، و من تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر اللّه، فأنا أكتفي بهذا القدر و لا أوجب هذه الأعمال المخصوصة، و إذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية و الفروعية، و حينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية و الفروعية، و ذلك باطل قطعا، و أما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين، فنقول هاهنا لفظ القبضة و لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة، و لا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازا عن تلك الحقيقة، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره، و إذا ثبتت هذه المقدمات و ترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة و كلام غريب، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد، دال على قلة وقوفه على المعاني، و لنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة و اليمين مشعر بهذه الأعضاء و الجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء و الجوارح/للّه تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره و تسخيره. قال تعالى: إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ* [المعارج: 30]و المراد منه كونه مملوكا له، و يقال هذه الدار في يد فلان، و فلان صاحب اليد، و المراد من الكل القدرة، و الفقهاء يقولون في الشروط و قبض فلان كذا و صار في قبضته، و لا يريدون إلا خلوص ملكه، و إذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب، و لنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه اللّه تعالى عن الجسمية و المكان، سميناه بتأسيس التقديس، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه.

المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية قوله وَ اَلْأَرْضُ المراد منه الأرضون السبع، و يدل عليه وجوه الأول: قوله جَمِيعاً فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع و نظيره قوله‏ كُلُّ اَلطَّعََامِ* [آل عمران: 93]و قوله تعالى: أَوِ اَلطِّفْلِ اَلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ََ عَوْرََاتِ اَلنِّسََاءِ [النور: 31]و قوله تعالى:

وَ اَلنَّخْلَ بََاسِقََاتٍ [ق: 10]و قوله تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ*`إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ [العصر: 2، 3]فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا هاهنا و الثاني: أنه قال بعده وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث: أن الموضع موضع تعظيم و تفخيم فهذا مقتضى المبالغة، و أما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض، قال تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ اَلرَّسُولِ [طه: 96]و القبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، و يقال أيضا أعطني قبضة من كذا، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، و المعنى و الأرضون جميعا قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة و البسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، أما إذا أريد معنى القبضة،

475

فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب، قلنا جعل القبضة ظرفا (1) و قوله مَطْوِيََّاتٌ من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ [الأنبياء: 104]و عادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، ثم قال صاحب الكشاف:

و قيل قبضته ملكه و يمينه قدرته، و قيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها، و لما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة، و أن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، و بالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب، و أقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته، و تقبيح طريقة القدماء عجيب جدا، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ، و المصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن و إخراج له عن أن يكون حجة في شي‏ء، و إن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة، و أنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟و أين العلم الذي لم يعرفه غيره؟مع أنه وقع في التأويلات/العسر و الكلمات الركيكة، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة و اليمين هذه الأعضاء، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر و لا نشتغل بتعيين المراد، بل نفوض علمه إلى اللّه تعالى، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد اللّه من هذه الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد، فإنا نفوض ذلك العلم إلى اللّه تعالى، و هذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شي‏ء من الفائدة أصلا، و اللّه أعلم.

و اعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال: سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول و الألباب في وصف عظمته تنزّه و تقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول: أن العرش أعظم من السموات السبع و الأرضين السبع، ثم إنه قال في صفة العرش‏ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمََانِيَةٌ [الحاقة: 17]و إذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم، فكيف يجوز تقدير عظمة اللّه بكونه حاملا للسموات و الأرض؟ السؤال الثاني: أن قوله وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة، و القوم ما شاهدوا ذلك، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين، للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء للّه تعالى، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، و إن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوة و هم ينكرون قوله وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟.

السؤال الثالث: حاصل القول في القبضة و اليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة، و كما أن حفظها و إمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة اللّه فكذلك الآن، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟.

الجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة اللّه بكونه قادرا على حفظ هذه الأجسام العظيمة، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش.

____________

(1) يريد انه منصوب نزع على الخافض و التقدير «في قبضته» .

476

الجواب عن الثاني: أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات و الأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت، و هو المتولي لتخريبها و إفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد و الإعدام، و تنبيه أيضاً على كونه غنيا على الإطلاق، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة و يريد إفناءها، و ذلك يدل على كمال الاستغناء.

الجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا و اللّه أعلم.

و اعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضا على كمال قدرته و عظمته، و ذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ و اختلفوا في الصعقة، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام‏ وَ خَرَّ مُوسى‏ََ صَعِقاً [الأعراف: 143]مع أنه لم يمت، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد، و على هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة و من نفخ الفزع واحد، و هو المذكور في سورة النمل في قوله‏ وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ [النمل: 87]و على هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين.

و القول الثاني: أن الصعقة عبارة عن الموت و القائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع و شدة الصوت، و على هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها: نفخة الفزع و هي المذكورة في سورة النمل و الثانية: نفخة الصعق و الثالثة: نفخة القيام و هما مذكورتان في هذه السورة.

و أما قوله إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ ففيه وجوه الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: عند نفخة الصعق يموت من في السموات و من في الأرض إلا جبريل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت ثم يميت اللّه ميكائيل و إسرافيل و يبقي جبريل و ملك الموت ثم يميت جبريل.

و القول الثاني: أنهم هم الشهداء لقوله تعالى: بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]و

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش» .

القول الثالث: قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانيا.

القول الرابع: أنهم الحور العين و سكان العرش و الكرسي.

و القول الخامس: قال قتادة اللّه أعلم بأنهم من هم، و ليس في القرآن و الأخبار ما يدل على أنهم من هم.

ثم قال تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ و فيه أبحاث:

الأول: لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى، لأن لفظ (ثم) يفيد التراخي، قال الحسن رحمه اللّه القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى، و

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «أن بينهما أربعين»

و لا أدري أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة.

الثاني: قوله أُخْرى‏ََ تقدير الكلام و نفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، و إنما حسن‏

477

الحذف لدلالة أخرى عليها و لكونها معلومة.

الثالث: قوله فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة/في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله فَإِذََا هُمْ تدل على التعقيب.

الرابع: قوله يَنْظُرُونَ و فيه وجهان الأول: ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم و الثاني: ينظرون ماذا يفعل بهم، و يجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف و الخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة و الدهشة عليهم.

و لما بين اللّه تعالى هاتين النفختين قال: وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهََا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى:

يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ [إبراهيم: 48]و بدليل قوله تعالى: وَ حُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ فَدُكَّتََا دَكَّةً وََاحِدَةً [الحاقة: 14]بل هي أرض أخرى يخلقها اللّه تعالى لمحفل يوم القيامة.

المسألة الثانية: قالت المجسمة: إن اللّه تعالى نور محض، فإذا حضر اللّه في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور اللّه، و أكدوا هذا بقوله تعالى: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النور: 35].

و اعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أنه لا يجوز أن يكون اللّه سبحانه و تعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، و بينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور هاهنا على العدل، فنحتاج هاهنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك، و أضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك، و

قال صلى اللّه عليه و سلّم: «الظلم ظلمات يوم القيامة»

و أما بيان أن المراد من النور هاهنا العدل فقط أنه قال: وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ و معلوم أن المجي‏ء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، و أيضا قال في آخر الآية وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم، فكأنه تعالى فتح هذه الآية بإثبات العدل و ختمها بنفي الظلم و الوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهََا يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى اللّه تعالى، و لا يلزم كون ذلك صفة ذات اللّه تعالى، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق اللّه و شرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور اللّه، كقوله: بيت اللّه، و ناقة اللّه و هذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة و الذهاب إلى المجاز. و الوجه الثالث: أنه قد يقال فلان رب هذه الأرض و رب هذه الدار و رب هذه الجارية، و لا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكا من الملوك، و على هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورا.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء: أولها: قوله وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهََا و قد سبق الكلام فيه و ثانيها: قوله وَ وُضِعَ اَلْكِتََابُ /و في المراد بالكتاب وجوه الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني: المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان‏ وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً

478

[الإسراء: 13]و قال أيضا في آية أخرى‏ مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا [الكهف: 49]و ثالثها: قوله وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ و المراد أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنََا بِكَ عَلى‏ََ هََؤُلاََءِ شَهِيداً [النساء: 41]و قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اَللََّهُ اَلرُّسُلَ فَيَقُولُ مََا ذََا أُجِبْتُمْ [المائدة: 109]و رابعها: قوله وَ اَلشُّهَدََاءِ و المراد ما قوله في‏ وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ [البقرة: 143]أو أراد بالشهداء المؤمنين، و قال مقاتل: يعني الحفظة، و يدل عليه قوله تعالى: وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ [ق: 21]و قيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل اللّه، و لما بين اللّه تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات و قطع الخصومات، بيّن تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه، و عبّر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها: قوله تعالى: وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ و ثانيها: قوله وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ }و ثالثها: قوله وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ أي وفيت كل نفس جزاء ما عملت، و رابعها: قوله وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمََا يَفْعَلُونَ يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم، أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم و بكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم، فثبت أنه تعالى عبّر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة، و المقصود المبالغة في تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه.

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال: وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ [الزمر: 70]بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب، ثم كيفية أحوال أهل الثواب و ختم السورة.

أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية، و هو قوله وَ سِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ََ جَهَنَّمَ زُمَراً قال ابن زيدان: سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف و الدفع، و الدليل عليه قوله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى‏ََ نََارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: 13]أي يدفعون دفعا، نظيره قوله تعالى: فَذََلِكَ اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ [الماعون: 2]أي يدفعه، و يدل عليه قوله تعالى: وَ نَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ وِرْداً [مريم: 86].

و أما الزمر، فهي الأفواج المتفرقة بعض، في أثر بعض، فبين اللّه تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها، و هذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي من جنسكم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيََاتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم؟قلنا أراد لقاء وقتكم هذا و هو وقت دخولهم النار، لا يوم القيامة، و استعمال لفظ اليوم و الأيام في أوقات الشدة مستفيض، فعند هذا تقول الكفار: بلى قد أتونا و تلوا علينا وَ لََكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ و في هذه الآية مسألتان:

المسألة الأولى: تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب، و من حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه‏

479

الخلاص من العذاب، و هذا صريح في أن السعيد لا ينقلب شقيا، و الشقي لا ينقلب سعيداً، و كلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام معلومة، و أجوبتنا عنها أيضاً معلومة.

المسألة الثانية: دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجي‏ء الشرع، لأن الملائكة بينوا أنه ما بقي لهم علة و لا عذر بعد مجي‏ء الأنبياء عليهم السلام، و لو لم يكن مجي‏ء الأنبياء شرطا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة، }ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا لهم اُدْخُلُوا أَبْوََابَ جَهَنَّمَ خََالِدِينَ فِيهََا فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنه حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ فائدة، بل هذا الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء و لم يقبلوا قولهم، و لم يلتفتوا إلى دلائلهم، و ذلك يدل على صحة قولنا، و اللّه أعلم بالصواب.

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب في الآية المتقدمة، شرح أحوال أهل الثواب في هذه الآية، فقال: وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً فإن قيل السوق في أهل النار للعذاب معقول، لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب و الشقاوة لا بدّ و أن يساقوا إليه، و أما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة و الراحة و السعادة، فأي حاجة فيه إلى السوق؟ و الجواب من وجوه الأول: أن المحبة و الصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: اَلْأَخِلاََّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67]فإذا قيل لواحد منهم اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي و أصدقائي فيتأخرون لهذا السبب، فحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة و الثاني: أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا اللّه تعالى لا للجنة و لا للنار، فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال و الجمال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة و الثالث: أن‏

النبي صلى اللّه عليه و سلّم قال: «أكثر أهل الجنة البله و عليون للأبرار»

فلهذا السبب يساقون إلى الجنة و الرابع: أن أهل الجنة و أهل النار يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان و العنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس و القيد، و المراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، و المراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة و الرضوان كما يفعل بمن يشرف و يكرم من الوافدين على الملوك، فشتان ما بين السوقين.

ثم قال تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا الآية، و اعلم أن جملة هذا الكلام‏

480

شرط واحد مركب من قيود: القيد الأول: هو مجيئهم إلى الجنة و القيد الثاني: قوله تعالى: وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو، و قال هاهنا بالواو فما الفرق؟قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدما على وصولهم إليها بدليل قوله‏ جَنََّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ [ص: 50]فلذلك جي‏ء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاءوها و قد فتحت أبوابها. القيد الثالث: قوله وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ فبين تعالى أن خزنة الجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث فأولها: قولهم سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ و هذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات/و ثانيها: قولهم طِبْتُمْ و المعنى طبتم من دنس المعاصي و طهرتم من خبث الخطايا و ثالثها: قولهم فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ و الفاء في قوله فَادْخُلُوهََا يدل على كون ذلك الدخول معللا بالطيب و الطهارة، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحدا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرا عن كل المعاصي، قلنا هذا ضعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات، و حينئذ يصيرون طيبين طاهرين بفضل اللّه تعالى، فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو الشرط فأين الجواب؟قلنا فيه وجهان الأول: أن الجواب محذوف و المقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني: أن الجواب هو قوله تعالى: وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ و الواو محذوف، و الصحيح هو الأول، }ثم أخبر اللّه تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين بهذه الكلمات، قال المتقون عند ذلك اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ في قوله‏ أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30] وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ و المراد بالأرض أرض الجنة، و إنما عبر عنه بالإرث لوجوه الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام، لأنه تعالى قال: وَ كُلاََ مِنْهََا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمََا [البقرة: 35]فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا أورث كذا و هذا العمل أورث كذا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة، لا جرم قالوا وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ و المعنى أن اللّه تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غير منازع و لا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا و أرادوا، و المشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله حَيْثُ نَشََاءُ و هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره، قال حكماء الإسلام: الجنات نوعان، الجنات الجسمانية و الجنات الروحانية فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها، أما الروحانيات فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها للآخرين، و لما بيّن اللّه تعالى صفة أهل الجنة قال: فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة، بل من كلام اللّه تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة و بين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ }و لما قال تعالى: وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هي الجنة، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش و أطرافه، فلهذا قال: وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ أي محفين بالعرش. قال الليث: يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفاً إذا طافوا به.

إذا عرفت هذا، فنقول بيّن تعالى أن دار ثوابهم هو جوانب العرش و أطرافه ثم قال: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و هذا مشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التحميد و التسبيح، و حينئذ رجع حاصل الكلام إلى أن أعظم

481

درجات الثواب استغراق قلوب العباد في درجات التنزيه و منازل التقديس ثم قال: وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ و المعنى أنهم على درجات مختلفة و مراتب متفاوتة، فلكل واحد/منهم في درجات المعرفة و الطاعة حد محدود لا يتجاوزه و لا يتعداه، و هو المراد من قوله وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ أي الملائكة لما قضي بينهم بالحق قالوا الحمد للّه ربّ العالمين على قضائه بيننا بالحق، و هاهنا دقيقة أعلى مما سبق و هي أنه سبحانه لما قضى بينهم بالحق، فهم ما حمدوه لأجل ذلك القضاء، بل حمدوه بصفته الواجبة و هي كونه ربا للعالمين، فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم و إنما حمد الإنعام، و أما من حمد المنعم لا لأنه وصل إليه النعمة فههنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد، هذا إذا قلنا إن قوله وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ شرح أحوال الملائكة في الثواب، أما إذا قلنا إنه من بقية شرح ثواب المؤمنين، فتقريره أن يقال إن المتقين لما قالوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ فقد ظهر منهم أنهم في الجنة اشتغلوا بحمد اللّه و بذكره بالمدح و الثناء، فبيّن تعالى أنه كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال بهذا التحميد و التمجيد، فكذلك حرفة الملائكة الذين هم حافون حول العرش الاشتغال بالتحميد و التسبيح، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة، و حينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين و أن الملائكة المقربين يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد اللّه و تسبيحه، فكان ذلك سببا لمزيد التذاذهم بذلك التسبيح و التحميد.

ثم قال: وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي بين البشر، ثم قال: وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و المعنى أنهم يقدمون التسبيح، و المراد منه تنزيه اللّه عن كل ما لا يليق بالإلهية.

و أما قوله تعالى: وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فالمراد وصفه بصفات الإلهية، فالتسبيح عبارة عن الاعتراف بتنزيهه عن كل ما لا يليق به و هو صفات الجلال، و قوله وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ عبارة عن الإقرار بكونه موصوفا بصفات الإلهية و هي صفات الإكرام، و مجموعهما هو المذكور في قوله‏ تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 78]و هو الذي كانت الملائكة يذكرونه قبل خلق العالم و هو قولهم‏ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30]و في قوله وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ دقيقة أخرى و هي أنه لم يبين أن ذلك القائل من هو، و المقصود من هذا الإبهام التنبيه، على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة الجلال و الكبرياء ليس إلا أن يقولوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و تأكد هذا بقوله تعالى في صفة أهل الجنة وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [يونس: 10].

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: تم تفسير هذه السورة في ليلة الثلاثاء آخر ذي القعدة من سنة ثلاث و ستمائة، يقول مصنف هذا الكتاب الملائكة المقربون عجزوا عن إحصاء ثنائك، فمن أنا، و الأنبياء المرسلون اعترفوا بالعجز و القصور، فمن أنا، و ليس معي إلا أن أقول أنت أنت و أنا أنا، فمنك الرحمة و الفضل و الجود و الإحسان، و مني العجز و الذلة و الخيبة و الخسران، يا رحمن يا ديان يا حنان يا منان أفض علي سجال الرحمة و الغفران برحمتك يا أرحم الراحمين، و صلّى اللّه على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و أصحابه و أزواجه أمهات المؤمنين، و سلم تسليما كثيرا.

482

سورة المؤمن‏

ثمانون و خمس آيات مكية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

في قوله تعالى حم‏`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر و حمزة و الكسائي حم بكسر الحاء، و الباقون بفتح الحاء، و نافع في بعض الروايات، و ابن عامر بين الفتح و الكسر و هو أن لا يفتحها فتحا شديدا، قال صاحب «الكشاف» : قرئ بفتح الميم و تسكينها، و وجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين و إيثار أخف الحركات نحو:

أين و كيف، أو النصب بإضمار اقرأ، و منع الصرف إما/للتأنيث و التعريف، من حيث إنها اسم للسورة و للتعريف، و إنها على زنة أعجمي نحو قابيل و هابيل، و أما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر.

المسألة الثانية: الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة، و الأقرب هاهنا أن يقال حم اسم للسورة، فقوله حم مبتدأ، }و قوله تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ خبر و التقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب، فقوله تَنْزِيلُ مصدر، لكن المراد منه المنزل.

483

و أما قوله مِنَ اَللََّهِ فاعلم أنه لما ذكر أن حم*`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال: مِنَ اَللََّهِ ثم بيّن أن اللّه تعالى موصوف بصفات الجلال و سمات العظمة ليصير ذلك حاملا على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع و زجره عن التهاون و التواني فيه، فبين أن المنزل هو اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ .

و اعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم باللّه ما هو؟فقال جمع عظيم، أنه العلم بكونه قادرا و بعده العالم بكونه عالما، إذا عرفت هذا فنقول اَلْعَزِيزِ له تفسيران أحدهما: الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة و الثاني: الذي لا مثل له، و لا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر، لأن قوله تعالى: اَللََّهِ* يدل على كونه قادرا، فوجب حمل اَلْعَزِيزِ على المعنى الثاني و هو الذي لا يوجد له مثل، و ما كان كذلك وجب أن لا يكون جسما، و الذي لا يكون جسما يكون منزّها عن الشهوة و النفرة، و الذي يكون كذلك يكون منزّها عن الحاجة. و أما اَلْعَلِيمِ فهو مبالغة في العلم، و المبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالما بكل المعلومات، فقوله مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق، الغني المطلق، العالم المطلق، و من كان كذلك كان عالما بوجوه المصالح و المفاسد، و كان عالما بكونه غنيا عن جر المصالح و دفع المفاسد، و من كان كذلك كان رحيما جوادا، و كانت أفعاله حكمة و صوابا منزّهة عن القبيح و الباطل، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله تَنْزِيلُ هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة و صواب، و متى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقا و صوابا، و قيل الفائدة في ذكر اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ أمران أحدهما: أنه بقدرته و علمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح و الإعجاز، و لولا كونه عزيزا عليما لما صح ذلك و الثاني: أنه تكفل بحفظه و بعموم التكليف فيه و ظهوره إلى حين انقطاع التكليف، و ذلك لا يتم إلا بكونه عزيزا لا يغلب و بكونه عليما لا يخفى عليه شي‏ء، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد و الوعيد و الترهيب و الترغيب، فقال: غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ شَدِيدِ اَلْعِقََابِ ذِي اَلطَّوْلِ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ فهذه ستة أنواع من الصفات:

الصفة الأولى: قوله غََافِرِ اَلذَّنْبِ قال الجبائي: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه، و مراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة/كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها، و إن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة، و مذهب أصحابنا أن اللّه تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة، و هذه الآية تدل على ذلك و بيانه من وجوه الأول: أن غفران الكبيرة بعد التوبة و غفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد، و جميع الأنبياء و الأولياء و الصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه و بين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح و ذلك باطل، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة و هو المطلوب الثاني: أن الغفران عبارة عن الستر و معنى الستر إنما يعقل في الشي‏ء الذي يكون باقيا موجودا فيستر، و الصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها، فمعنى الغفر فيها غير معقول، و لا يمكن حمل قوله غََافِرِ اَلذَّنْبِ

484

على الكبيرة بعد التوبة، لأن معنى كونه قابلا للتوب ليس إلا ذلك، فلو كان المراد بكونه غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار و إنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافرا للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث: أن قوله غََافِرِ اَلذَّنْبِ مذكور في معرض المدح العظيم، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح، و ذلك هو كونه غافرا للكبائر قبل التوبة، و هو المطلوب.

الصفة الثانية: قوله تعالى: قََابِلِ اَلتَّوْبِ و فيه بحثان:

الأول: في لفظ التوب قولان: الأول: أنه مصدر و هو قول أبي عبيدة، و الثاني: أنه جماعة التوبة و هو قول الأخفش، قال المبرد يجوز أن يكون مصدرا يقال تاب يتوب توبا و توبة مثل قال يقول قولا و قولة، و يجوز أن يكون جمعا لتوبة فيكون توبة و توب مثل ثمرة و ثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل.

الثاني: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل، و ليس بواجب على اللّه، و قالت المعتزلة إنه واجب على اللّه و احتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلا للتوب على سبيل المدح و الثناء، و لو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، و هو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات و الاحتراز عن المحظورات.

الصفة الثالثة: قوله شَدِيدِ اَلْعِقََابِ و فيه مباحث:

البحث الأول: في هذه الآية سؤال و هو أن قوله شَدِيدِ اَلْعِقََابِ يصلح أن يكون نعتا للنكرة و لا يصلح أن يكون نعتا للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش، و لا تقول مررت بعبد اللّه شديد البطش، و قوله اللّه اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفا للنكرة؟قالوا و هذا بخلاف قولنا غافر الذنب و قابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين و أنه يغفر الذنب و يقبل التوبة الآن أو غدا، و إنما أريد/ثبوت ذلك و دوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق و رب العرش، و أما شَدِيدِ اَلْعِقََابِ فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة، و هذا تقرير السؤال و أجيب عنه بوجوه الأول: أن هذه الصفة و إن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله‏ وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلْوَدُودُ*`ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ*`فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ [البروج: 14-16] و الثاني: قال الزجاج إن خفض شَدِيدِ اَلْعِقََابِ على البدل، لأن جعل النكرة بدلا من المعرفة و بالعكس أمر جائز، و اعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلا من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث: أنه لا نزاع في أن قوله غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ يحسن جعلهما صفة، و إنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام و الاستمرار، فكذلك قوله شَدِيدِ اَلْعِقََابِ يفيد معنى الدوام و الاستمرار، لأن صفات اللّه تعالى منزّهة عن الحدوث و التجدد، فكونه شَدِيدِ اَلْعِقََابِ معناه كونه بحيث يشتد عقابه، و هذا المعنى حاصل أبدا، و غير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك، فهذا ما قيل في هذا الباب.

البحث الثاني: هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة و الفضل، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه‏

485

شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، و هو كونه غافر الذنب و قابل التوب و ذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة، و هو قوله ذِي اَلطَّوْلِ ، فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقا بتينك الصفتين و ملحوقا بهذه الصفة، دل ذلك على أن جانب الرحمة و الكرم أرجح.

البحث الثالث: لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ و لم يذكرها في قوله شَدِيدِ اَلْعِقََابِ فما الفرق؟ قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال، لأن عطف الشي‏ء على نفسه محال، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ فاستغنى به عن ذكر الواو.

الصفة الرابعة: قوله ذِي اَلطَّوْلِ أي ذي التفضل يقال طال علينا طولا أي تفضل علينا تفضلا، و من كلامهم طل علي بفضلك، و منه قوله تعالى: أُولُوا اَلطَّوْلِ مِنْهُمْ [الزمر: 86]و مضى تفسيره عند قوله وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً [النساء: 25]و اعلم أنه لم وصف نفسه بكونه شَدِيدِ اَلْعِقََابِ لا بد و أن يكون المراد بكونه تعالى آتيا بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتيا لفعل القبيح، و إذا ثبت هذا فنقول: ذكر بعده كونه ذا الطول و هو كونه ذا الفضل، فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول و لم يبين أنه ذو الطول في ما ذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره، و هو فعل العقاب الحسن دفعا للإجمال، و هذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي/يحسن منه تعالى فعله، و ذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز و هو المطلوب.

الصفة الخامسة: التوحيد المطلق و هو قوله لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و المعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة و الفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه و يساويه في صفة الرحمة و الفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحدا و ليس له شريك و لا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة، فكان الترغيب و الترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد.

الصفة السادسة: قوله إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ و هذه الصفة أيضا مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفا بصفات الفضل و الكرم و كان واحدا لا شريك له، إلا أن القول بالحشر و النشر إن كان باطلا لم يكن الخوف الشديد حاصلا من عصيانه، أما لما كان القول بالحشر و القيامة حاصلا كان الخوف أشد و الحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر اللّه تعالى هذه الصفات، و احتج أهل التشبيه بلفظة إلى، و قالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، و الجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.

و اعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله و إخفاء أمره فقال: مََا يُجََادِلُ فِي آيََاتِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق و جدال في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد صلى اللّه عليه و سلّم‏ وَ جََادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النمل: 125]و قال‏

486

حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام‏ يََا نُوحُ قَدْ جََادَلْتَنََا فَأَكْثَرْتَ جِدََالَنََا [هود: 32]و أما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم و هو المراد بهذه الآية حيث قال: مََا يُجََادِلُ فِي آيََاتِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و قال: مََا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاََّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58]و قال: وَ جََادَلُوا بِالْبََاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ و

قال صلى اللّه عليه و سلّم: «إن جدالا في القرآن كفر»

فقوله إن جدالا على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال و جدال، و اعلم أن لفظ الجدال في الشي‏ء مشعر بالجدال الباطل و لفظ الجدال عن الشي‏ء مشعر بالجدال لأجل تقريره و الذب عنه،

قال صلى اللّه عليه و سلّم: «إن جدالا في القرآن كفر»

و

قال: «لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر» .

المسألة الثانية: الجدال في آيات اللّه هو أن يقال مرة إنه سحر و مرة إنه شعر و مرة إنه قول الكهنة و مرة أساطير الأولين و مرة إنما يعلمه بشر، و أشباه هذا مما كانوا يقولونه من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا و أعرضوا عن الحق.

ثم قال تعالى: فَلاََ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي اَلْبِلاََدِ أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم و أتركهم سالمين في أبدانهم و أموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات و طلب المعاش، فإني و إن أمهلتهم فإني سآخذهم و أنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية، و كانت قريش كذلك/يتقلبون في بلاد الشام و اليمن و لهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها و يربحون، }ثم كشف عن هذا المعنى فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ اَلْأَحْزََابُ مِنْ بَعْدِهِمْ فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح و الأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد و ثمود و غيرهم، كما قال في سورة ص‏[12، 13] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عََادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو اَلْأَوْتََادِ*`وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحََابُ اَلْأَيْكَةِ أُولََئِكَ اَلْأَحْزََابُ و قوله وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي و عزمت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه و يعذبوه و يحبسوه وَ جََادَلُوا بِالْبََاطِلِ أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل أي بإيراد الشبهات لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق و الصدق فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كََانَ عِقََابِ أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، و أرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا، فكيف كان عقابي إياهم، أليس كان مهلكا مستأصلا مهيبا في الذكر و السماع، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر و الجدال في آيات اللّه، }ثم كشف عن هذا المعنى فقال: وَ كَذََلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أي و مثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضا على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب «الكشاف» : أَنَّهُمْ أَصْحََابُ اَلنََّارِ في محل الرفع بدل من قوله كَلِمَةُ رَبِّكَ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، و معناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل و إيصال الفعل، و احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء اللّه بالسعادة و الشقاوة لازم لا يمكن تغييره، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم و ذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة، و لتمكنوا من إبطال علم اللّه و حكمته، ضرورة أن المتمكن من الشي‏ء يجب كونه متمكنا من كل ما هو من لوازمه، و لأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه‏

487

الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبدا، و ذلك تكليف ما لا يطاق، و قرأ نافع و ابن عامر حقت كلمات ربك على الجمع و الباقون على الواحد.

في قوله تعالى اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين، بيّن أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش و الحافون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة و النصرة للمؤمنين، كأنه تعالى يقول إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تبال بهم و لا تلتفت إليهم و لا تقم لهم وزنا، فإن حملة العرش معك و الحافون من حول العرش معك ينصرونك و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى حكى عن نوعين من فرق الملائكة هذه الحكاية:

القسم الأول: اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ و قد حكى تعالى أن الذين يحملون العرش يوم القيامة ثمانية، فيمكن أن يقال الذين يحملون في هذا الوقت هم أولئك الثمانية الذين يحملونه يوم القيامة، و لا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة و أكابرهم، روى صاحب «الكشاف» أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى و رؤسهم قد خرقت العرش و هم خشوع لا يرفعون طرفهم، و

عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «لا تتفكروا في عظم ربكم و لكن تفكروا فيما خلق اللّه تعالى من الملائكة فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، و قدماه في الأرض السفلى، و قد مرق رأسه من سبع سموات و إنه ليتضاءل من عظمة اللّه حتى يصير كأنه الوضع»

قيل إنه طائر صغير، و

روي أن اللّه تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدو و يروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة،

و قيل خلق اللّه العرش من جوهرة خضراء، و بين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، و قيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين و من ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل و التكبير و من ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا و يسبح بما لا يسبح به الآخر، هذه الآثار نقلتها من «الكشاف» .

و أما القسم الثاني: من الملائكة الذين ذكرهم اللّه تعالى في هذه الآية فقوله تعالى: وَ مَنْ حَوْلَهُ و الأظهر أن المراد منهم ما ذكره في قوله‏ وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزمر: 75]و أقول العقل يدل على أن حملة العرش، و الحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل الملائكة، ـ

488

و ذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد، و أيضا يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعلية لجسم العرش أرواح أخر من جنسها، و هي متعلقة بأطراف العرش و إليهم الإشارة بقوله‏ وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ [الزمر: 75]و بالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية، و بالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح.

المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون في العرش، و ذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ و قال في آية أخرى‏ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمََانِيَةٌ .

[الحاقة: 17]و لا شك أن حامل العرش يكون حاملا لكل من في العرش، فلو كان إله العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم فحينئذ يكونون حافظين لإله العالم و الحافظ القادر أولى بالإلهية و المحمول المحفوظ أولى بالعبودية، فحينئذ ينقلب الإله عبدا و العبد إلها، و ذلك فاسد، فدل هذا على أن إله العرش و الأجسام متعال عن العرش و الأجسام.

و اعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش، و عن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء:

النوع الأول: قوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و نظيره قوله حكاية عن الملائكة وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [البقرة: 30]و قوله تعالى: وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزمر: 75] فالتسبيح عبارة عن تنزيه اللّه تعالى عما لا ينبغي، و التحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق، فالتسبيح إشارة إلى الجلال و التحميد إشارة إلى الإكرام، فقوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قريب من قوله‏ تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 78].

النوع الثاني: مما حكى اللّه عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى: وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فإن قيل فأي فائدة في قوله وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فإن الاشتغال بالتسبيح و التحميد لا يمكن إلا و قد سبق الإيمان باللّه؟قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب «الكشاف» ، و قد أحسن فيه جدا فقال إن المقصود منه التنبيه على أن اللّه تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش و الحافون حول العرش يشاهدونه و يعاينونه، و لما كان إيمانهم بوجود اللّه موجبا للمدح و الثناء لأن الإقرار بوجود شي‏ء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح و الثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس و كونها مضيئة لا يوجب/المدح و الثناء، فلما ذكر اللّه تعالى إيمانهم باللّه على سبيل الثناء و المدح و التعظيم، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك، و رحم اللّه صاحب «الكشاف» فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا و شرفا.

النوع الثالث: مما حكى اللّه عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى: وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر اللّه، و الشفقة على خلق اللّه، و يجب أن يكون التعظيم لأمر اللّه مقدما على الشفقة على خلق اللّه فقوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ مشعر بالتعظيم لأمر اللّه‏

489

و قوله وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مشعر بالشفقة على خلق اللّه.

ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر اللّه بالثناء و التقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم و هم المؤمنون، و هذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل‏

قوله صلى اللّه عليه و سلّم: «ابدأ بنفسك»

و أيضا قال تعالى لمحمد صلى اللّه عليه و سلّم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ [محمد: 19]فأمر محمدا أن يذكر أولا الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، و حكى عن نوح عليه السلام أنه قال: رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ [نوح: 28]و هذا يدل على أن كل من كان محتاجا إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدما على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم، و لما لم يذكر اللّه تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار، و أما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام‏ وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ* و إذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين، قال و ذلك لأن الملائكة قالوا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ قال و ليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصرا على الفسق أو لم يكن كذلك، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعا سبيل ربه و لا يطلق ذلك فيه، و أيضا إن الملائكة يقولون وَ أَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ و هذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا لا يقطعون على أن اللّه تعالى وعدهم الجنة و إنما يجوزون ذلك، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك، ضرورة أنه لا قائل بالفرق و الجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول: قوله وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ/آمَنُوا و الاستغفار طلب المغفرة، و المغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب. أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارا الثاني:

قوله تعالى: وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا و هذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث: قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا طلب المغفرة للذين تابوا، و لا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على اللّه عند الخصم، و ما كان فعله واجبا كان طلبه بالدعاء قبيحا، و لا يجوز أيضا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك أيضا واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، و لا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، و إذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق، أما الذي يتمسك به الكعبي و هو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول يجب أن يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر و اتبعوا سبيل‏

490

الإيمان، و قوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبا و لا متبعا سبيل اللّه، قلنا لا نسلم قوله، بل يقال إنه تائب عن الكفر و تابع سبيل اللّه في الدين و الشريعة، و إذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضاربا و ضاحكا صدور الضرب و الضحك عنه مرة واحدة، و لا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب و الضحك عنه‏ (1) فكذا هاهنا.

المسألة الثالثة: قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت، و ذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ [البقرة: 30]فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ و هذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه.

و اعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين تابوا، بيّن كيفية ذلك الاستغفار، فحكى عنهم أنهم قالوا رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفظ رَبَّنََا و يدل عليه أن الملائكة عند الدعاء قالوا رَبَّنََا بدليل هذه الآية، و قال آدم عليه السلام‏ رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [الأعراف: 23]و قال نوح عليه السلام رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هود: 47]و قال أيضا: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهََاراً [نوح: 5]و قال أيضا: رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ [نوح: 28]و قال عن إبراهيم عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ [البقرة: 260]و قال: رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسََابُ [إبراهيم: 41]و قال: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128]و قال عن يوسف رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ [يوسف: 101]و قال عن موسى عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: 143]و قال في قصة الوكز رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي/فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ*`قََالَ رَبِّ بِمََا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص: 16، 17]و حكى تعالى عن داود فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رََاكِعاً وَ أَنََابَ [ص: 24]و عن سليمان أنه قال: رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً [ص: 35]و عن ذكريا أنه نََادى‏ََ رَبَّهُ نِدََاءً خَفِيًّا [مريم: 3]و عن عيسى عليه السلام أنه قال: رَبَّنََا أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ [المائدة: 114]و عن محمد صلى اللّه عليه و سلّم أن اللّه تعالى قال له: وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزََاتِ اَلشَّيََاطِينِ [المؤمنون: 97]و حكى عن المؤمنين أنهم قالوا رَبَّنََا مََا خَلَقْتَ هََذََا بََاطِلاً [آل عمران: 191]و أعادوا هذه اللفظة خمس مرات، و حكى أيضا عنهم أنهم قالوا غُفْرََانَكَ رَبَّنََا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ [البقرة: 285]إلى آخر السورة.

فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب و تمام الإشكال فيه أن يقال لفظ اللّه أعظم من لفظ الرب، فلم صار لفظ الرب مختصا بوقت الدعاء؟، و الجواب كأن العبد يقول: كنت في كتم

____________

(1) لعل الأنسب أن يقال: و لا يتوقف على تكرار الضرب و الضحك منه في جميع الأوقات لأن الضرب و الضحك ليست لها أنواع.

491

العدم المحض و النفي الصرف، فأخرجتني إلى الوجود، و ربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعا إليك في أن لا تخليني طرفة عين عن تربيتك و إحسانك و فضلك.

المسألة الثانية: السنة في الدعاء، يبدأ فيه بالثناء على اللّه تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه، و الدليل عليه هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء و الاستغفار للمؤمنين بدءوا بالثناء فقالوا رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً و أيضا أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولا فقال: اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* `وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ*`وَ إِذََا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ*`وَ اَلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ*`وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ اَلدِّينِ [الشعراء: 78-82]فكل هذا ثناء على اللّه تعالى، ثم بعده ذكر الدعاء فقال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصََّالِحِينَ [الشعراء: 83].

و اعلم أن العقل يدل أيضا على رعاية هذا الترتيب، و ذلك ذكر اللّه بالثناء و التعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهبا إبريزا (1) فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال اللّه تعالى على جوهر الروح النطقية، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس و بقاء عالم الطهارة، فثبت أن عند إشراق نور معرفة اللّه تعالى في جواهر الروح، يصير الروح أقوى صفاء و أكمل إشراقا، و متى صار كذلك كانت قوته أقوى و تأثيره أكمل، فكان حصول الشي‏ء المطلوب بالدعاء أقرب و أكمل، و هذا هو السبب في تقديم الثناء على اللّه على الدعاء.

المسألة الثالثة: اعلم أن الملائكة وصفوا اللّه تعالى بثلاثة أنواع من الصفات: الربوبية و الرحمة و العلم، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد و الإبداع، و فيه لطيفة أخرى و هي أن قولهم/ رَبَّنََا إشارة إلى التربية، و التربية عبارة عن إبقاء الشي‏ء على أكمل أحواله و أحسن صفاته، و هذا يدل على أن هذه الممكنات، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه و تعالى و إيجاده، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء اللّه، و أما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير و الرحمة و الإحسان راجح على جانب الضر، و أنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة و الخير، لا للإضرار و الشر، فإن قيل قوله رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فيه سؤال، لأن العلم وسع كل شي‏ء، أما الرحمة فما وصلت إلى كل شي‏ء، لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ذلك الضرر رحمة، و هذا السؤال أيضا مذكور في قوله‏ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [الأعراف: 156]قلنا كل وجود فقد نال من رحمة اللّه تعالى نصيبا و ذلك لأن الموجود إما واجب و إما ممكن، أما الواجب فليس إلا اللّه سبحانه و تعالى،

____________

(1) رحم اللّه الفخر فيظهر من كلامه هذا أنه كان مشغولا بصنعة الكيمياء التي فتنت عقول أكثر الناس و وقع بسببها مصائب كثيرة للمسلمين فشغلوا بها عن المطالب الحقيقة و عن العليات، مع أن التجارب و الأحداث دلت على أنها خدعة و وهم باطل و أنها لا حقيقة لها، و أحسن ما رد به على من يقول بالصنعة ما رأيته للصفدي في شرح اللامية: إن الذهب من عمل الطبيعة و ما كان من عمل الطبيعة لا يمكن للإنسان عمله كما أن ما يعمله الإنسان من المصنوعات لا يمكن للطبيعة أن تعمله ا هـ-. فسبحان من تفرد بالعزة و الخلق و الإيجاد، أكتب هذا عسى أن يهدي اللّه مسلما شغل نفسه بهذا الفن الزائف و الوهم الباطل، و أقول إن الكيمياء الحقيقية هي الاشتغال بالعلم و التجارة و الصناعة فهي سبب نماء المال الذي هو أفضل كيمياء.

492

و أما الممكن فوجوده من اللّه تعالى و بإيجاده، و ذلك رحمة، فثبت أنه لا موجود غير اللّه إلا و قد وصل إليه نصيب و نصاب من رحمة اللّه، فلهذا قال: رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً و في الآية دقيقة أخرى، و هي أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً و ذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة و أن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب، فالمطلوب بالذات هو الرحمة، و المطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم، و المطلوب بالذات مقدم على المطلوب بالعرض، ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوبا بالذات و إزالة المرض مطلوبا بالعرض لا جرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض، فقالوا الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح و يزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة و تسترد زائلة، فكذا هاهنا المطلوب بالذات هو الرحمة، و أما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض، لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب، فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة سابقا على ذكر العلم.

المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق و التكوين إنما هو الرحمة و الفضل و الجود و الكرم، و دلت الدلائل اليقينية على أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير و الشر و السعادة و الشقاوة فبقضاء اللّه و قدره، و الجمع بين هذين الأصلين في غاية الصعوبة، فعند هذا قالت الحكماء: الخير مراد مرضي، و الشر مراد مكروه، و الخير مقضي به بالذات، و الشر مقضي به بالعرض، و فيه غور عظيم.

المسألة الخامسة: قوله وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً يدل على كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات و الجزئيات، و أيضا فلولا ذلك لم يكن في الدعاء و التضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن اللّه سبحانه يعلمه و يعلم دعاءه و على هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة.

و اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على اللّه تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم، و هو أنهم قالوا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ و اعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء/من اللّه تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين، فالمطلوب الأول الغفران و قد سبق تفسيره في قوله فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب، و على هذا التقدير فلا فرق بين قوله: فاغفر لهم، و بين قوله وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز و الإشارة، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز و الإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد و المبالغة، }و اعلم أنهم لما طلبوا من اللّه إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من اللّه إيصال الثواب إليهم فقالوا رَبَّنََا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ فإن قيل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين و هذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنات عدن، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك، لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه في النار، و إذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعدا من اللّه تعالى لهم بأن يدخلهم في جنّات عدن، إما من غير دخول النار و إما بعد أن يدخلهم النار. قال تعالى: وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ أَزْوََاجِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ يعني و أدخل معهم في‏

493

الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث، و هم الصالحون من الآباء و الأزواج و الذريات، و ذلك لأن الرجل إذا حضر معه في موضع عيشه و سروره أهله و عشيرته كان ابتهاجه أكمل، قال الفرّاء و الزجاج مَنْ صَلَحَ نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله وَ أَدْخِلْهُمْ و إن شئت في وَعَدْتَهُمْ و المراد من قوله وَ مَنْ صَلَحَ أهل الإيمان، ثم قالوا: إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و إنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه لو لم يكن عزيزا بل كان بحيث يغلب و يمنع لما صح وقوع المطلوب منه، و لو لم يكن حكيما لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة و المصلحة، ثم قالوا بعد ذلك وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ قال بعضهم المراد و قهم عذاب السيئات، فإن قيل فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ و بينما تقدم من قوله وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ و حينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة و إنه لا يجوز، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين الأول: أن يكون قوله وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ دعاء مذكور للأصول و قوله وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ دعاء مذكورا للفروع الثاني: أن يكون قوله وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ مقصورا على إزالة الجحيم و قوله وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ يتناول عذاب الجحيم و عذاب موقف القيامة و عذاب الحساب و السؤال.

و القول الثاني: في تفسير قوله وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ و طلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم وَ أَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم اللّه تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة، و الأعمال الفاسدة، و هو المراد بقولهم وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ ثم قالوا وَ مَنْ تَقِ اَلسَّيِّئََاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يعني و من يتق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ثم قالوا وَ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع، و بأعمال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته.

اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات اللّه و هم الذين ذكرهم اللّه في قوله مََا يُجََادِلُ فِي آيََاتِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 4]بين أنهم في القيامة يعترفون بذنوبهم و استحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم و يسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنََادَوْنَ لَمَقْتُ اَللََّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في الآية حذف و فيها أيضا تقديم و تأخير، أما الحذف فتقديره لمقت اللّه إياكم، و أما التقديم و التأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت اللّه لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم‏

494

أنفسكم و في تفسير مقتهم أنفسهم وجوه الأول: أنهم إذا شاهدوا القيامة و الجنة و النار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا الثاني: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا، و الرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم، كما أنه تعالى قال: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 54]و المراد قتل بعضهم بعضا الثالث: قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس و هم في النار بقوله‏ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إلى قوله‏ وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: 22]ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم، و اعلم أنه لا نزاع أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل في يوم القيامة، أما مقت اللّه لهم ففيه وجهان الأول: أنه حاصل في الآخرة، و المعنى لمقت اللّه لكم في هذا الوقت‏ (1) أشد من مقتكم أنفسكم في هذا الوقت و الثاني: و عليه الأكثرون أن التقدير لمقت اللّه لكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ففي تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه الأول: أن الذين ينادونهم و يذكرون لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم الثاني: المقت أشد البغض و ذلك في حق اللّه تعالى محال، فالمراد منه أبلغ الإنكار و الزجر الثالث: قال الفرّاء يُنََادَوْنَ لَمَقْتُ اَللََّهِ معناه إنهم ينادون إن مقت اللّه/أكبر يقال ناديت إن زيدا قائم و إن زيدا لقائم الرابع: قوله إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى اَلْإِيمََانِ فيه حذف و التقدير لمقت اللّه لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم.

ثم إنه تعالى بيّن أن الكفار إذا خاطبوا بهذا الخطاب قََالُوا رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ إلى آخر الآية، و المعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا لكي يشتغلوا عند الرجوع إليها بالأعمال الصالحة، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، و تقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتا ثانيا، و ذلك يدل على حصول حياة في القبر، فإن قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة و علقة و الموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك، و الذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة: 28]و المراد من قوله‏ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً الحالة الحاصلة عند كونه نطفة و علقة و تحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما: إيجاد الشي‏ء ميتا و الثاني: تصيير الشي‏ء ميتا بعد أن كان حيا كقولك وسع الخياط ربي، يحتمل أنه خاطه واسعا و يحتمل أنه صيره واسعا بعد أن كان ضيقا، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة، و لا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية.

السؤال الثاني: أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.

السؤال الثالث: أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر، و بيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا، و ثانيها: في القبر، و ثالثها: في القيامة، و المذكور في

____________

(1) المناسب أن يقول هنا «لمقت اللّه لكم في ذلك الوقت» إشارة إلى بعده إذ المشار إليه يوم القيامة.

495

الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا و الحياة الثانية في القيامة و الموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا.

السؤال الرابع: أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فههنا ما يدل على عدمه و ذلك بالمنقول و المعقول، أما المنقول فمن وجوه الأول: قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اَللَّيْلِ سََاجِداً وَ قََائِماً يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة، و لو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلا، و لو كان الأمر كذلك لذكره، و لما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني: أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة أَ فَمََا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ‏`إِلاََّ مَوْتَتَنَا اَلْأُولى‏ََ [الصافات: 58، 59]و لا شك أن كلام أهل الجنة حق و صدق و لو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين، و ذلك على خلاف قوله‏ أَ فَمََا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ/`إِلاََّ مَوْتَتَنَا اَلْأُولى‏ََ قالوا و الاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها، لأن الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة و الآية التي تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار.

و أما المعقول فمن وجوه الأول: و هو أن الذي افترسته السباع و أكلته لو أعيد حيا لكان إما أن يعاد حيا بمجموعة أو بآحاد أجزائه، و الأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع، و الثاني باطل لأنه لما أكلته السباع، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع و في أمعائها، و ذلك في غاية الاستبعاد الثاني: أن الذي مات لو تركناه ظاهرا بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقيا على موته، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حيا لكان هذا تشكيكا في المحسوسات، و إنه دخول في السفسطة (و الجواب) قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة و علقة؟فنقول هذا لا يجوز، و بيانه أن المذكور في الآية أن اللّه أماتهم و لفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلا قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة، و إلا لزم تحصيل الحاصل و هو محال و هذا بخلاف قوله‏ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتا و ليس فيها أن اللّه أماتهم بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها، لأنها تدل على أن اللّه تعالى أماتهم مرتين، و قد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق.

أما قوله إن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة، قلنا لما ذكروا ذلك لم يكذبهم اللّه تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر اللّه تكذيبهم، ألا ترى أنهم لما كذبوا في قولهم‏ وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ كذبهم اللّه في ذلك فقال:

اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا [الأنعام: 23، 24]و أما قوله ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبرة إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لا مرتين، فنقول (الجواب) عنه من وجوه: الأول: هو أن مقصودهم تعديل أوقات البلاء و المحنة و هي أربعة الموتة الأولى، و الحياة في القبر، و الموتة الثانية، و الحياة في القيامة، فهذه الأربعة أوقات البلاء و المحنة، فأما الحياة في الدنيا، فليست من أقسام أوقات البلاء و المحنة فلهذا السبب لم يذكروها الثاني: لعلهم ذكروا الحياتين، و هي الحياة في الدنيا، و الحياة في القيامة، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها و قصر مدتها الثالث: لعلهم لما صاروا أحياء في القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء، إما في السعادة، و إما في الشقاوة، و اتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم اللّه بالاستثناء في قوله‏ فَصَعِقَ‏

496

مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ [الزمر: 68]الرابع: لو لم تثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذبا و هو على خلاف لفظ القرآن، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات و المذكور في القرآن مرتين، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل اللفظ عليه، فاما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شي‏ء زائد/على ما دل عليه اللفظ مع أن اللفظ لا إشعار فيه بثبوته و لا بعدمه فكان هذا أولى، و أما ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول قوله‏ يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ [الزمر: 9]تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة، و أما المعارضة الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر.

و أما الوجهان العقليان فمدفوعان، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن كانت الإشكالات التي ذكرتموها غير واردة في هذا الباب و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل في حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة و ثلاثة أنواع من الموت، و الدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقََالَ لَهُمُ اَللََّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيََاهُمْ [البقرة: 243]فهؤلاء أربعة مراتب في الحياة، حياتان في الدنيا، و حياة في القبر، و حياة رابعة في القيامة.

المسألة الثالثة: قوله اِثْنَتَيْنِ نعت لمصدر محذوف و التقدير إماتتين اثنتين، ثم حكى اللّه عنهم أنهم قالوا فَاعْتَرَفْنََا بِذُنُوبِنََا فإن قيل الفاء في قوله فَاعْتَرَفْنََا تقتضي أن تكون الإماتة مرتين و الإحياء مرتين سببا لهذا الاعتراف فبينوا هذه السببية، قلنا لأنهم كانوا منكرين للبعث فلما شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء و تلك الإماتة، ثم قال: فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ أي هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطي‏ء من سبيل، أم اليأس وقع فلا خروج، و لا سبيل إليه؟و هذا كلام من غلب عليه اليأس و القنوط، و اعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال لا أو نعم و هو تعالى لم يفعل ذلك بل ذكر كلاما يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج‏}فقال: ذََلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذََا دُعِيَ اَللََّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا أي ذلكم الذي أنتم فيه، و هو أن لا سبيل لكم إلى خروج قط، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد اللّه تعالى، و إيمانكم بالإشراك به فَالْحُكْمُ لِلََّهِ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي، و قوله اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ دلالة على الكبرياء و العظمة، و على أن عقابه لا يكون إلا كذلك، و المشبهة استدلوا بقوله تعالى: اَلْعَلِيِّ على العلو الأعلى في الجهة، و بقوله اَلْكَبِيرِ على كبر الجثة و الذات، و كل ذلك باطل، لأنا دللنا على أن الجسمية و المكان محالان في حق اللّه تعالى، فوجب أن يكون المراد من اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ العلو و الكبرياء بحسب القدرة و الإلهية.

اعلم أنه تعالى لما ذكر ما يوجب التهديد الشديد في حق المشركين أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته و حكمته، ليصير ذلك دليلا على أنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة و الخشب المصورة شركاء للّه تعالى‏

497

في المعبودية، فقال: هُوَ اَلَّذِي يُرِيكُمْ آيََاتِهِ و اعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان، و مصالح الأبدان، فهو سبحانه و تعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات و الآيات، و راعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان، فالآيات لحياة الأديان، و الأرزاق لحياة الأبدان، و عند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات و أكمل الجهات.

ثم قال: وَ مََا يَتَذَكَّرُ إِلاََّ مَنْ يُنِيبُ و المعنى أن الوقوف على دلائل توحيد اللّه تعالى كالأمر المركوز في العقل، إلا أن القول بالشرك و الاشتغال بعبادة غير اللّه يصير كالمانع من تجلي تلك الأنوار، فإذا أعرض العبد عنها و أناب إلى اللّه تعالى زال الغطاء و الوطاء فظهر الفوز التام، }و لما قرر هذا المعنى صرح بالمطلوب و هو الإعراض عن غير اللّه و الإقبال بالكلية على اللّه تعالى فقال: فَادْعُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ من الشرك، و من الالتفات إلى غير اللّه وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ قرأ ابن كثير ينزل خفيفة و الباقون بالتشديد.

اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه و إكرامه كونه مظهرا للآيات منزلا للأرزاق، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال و العظمة و هو قوله رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ ذُو اَلْعَرْشِ/يُلْقِي اَلرُّوحَ قال صاحب «الكشاف» ثلاثة أخبار لقوله هُوَ مرتبة على قوله اَلَّذِي يُرِيكُمْ [غافر: 13]أو أخبار مبتدأ محذوف، و هي مختلفة تعريفا و تنكيرا، قرئ رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ بالنصب على المدح، و أقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة:

فالصفة الأولى: قوله رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ و اعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع و أن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول: أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء و الأولياء في الجنة و الثاني: رافع درجات الخلق في العلوم و الأخلاق الفاضلة، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة، كما قال: وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164]و عين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال: يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجََاتٍ [المجادلة: 11]و عين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية عنصرية، و بعضها فلكية كوكبية، و بعضها من جواهر العرش و الكرسي، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني، و أيضا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق و الرزق و الأجل، فقال: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ اَلْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ [الأنعام: 165]و جعل لكل أحد من السعداء و الأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة و موجبات الشقاوة، و في الآخرة آثار لظهور تلك السعادة و الشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه، و أما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال و الجلال، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته و ما سواه ممكن و محتاج إليه، و أما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته و هو الأزلي و الأبدي و السرمدي، الذي هو أول لكل ما سواه، و ليس له أول و آخر لكل ما سواه، و ليس له آخر، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات و الصفات و الكليات و الجزئيات، كما قال: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ‏

498

اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ [الأنعام: 59]و أما في القدرة: فهو أعلى القادرين و أرفعهم، لأنه في وجوده و جميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، و كل ما سواه فإنه محتاج في وجوده و في جميع كمالات وجوده إليه، و أما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد و ند و شريك و نظير، و أقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده و في جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده و في صفات وجوده، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع، كان معناه أنه أرفع الموجودات و أعلاها في جميع صفات الجلال و الإكرام، و إن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة و فضيلة و رحمة و منقبة حصلت لشي‏ء سواه، فإنما حصلت بإيجاده و تكوينه و فضله و رحمته.

الصفة الثانية: قوله ذُو اَلْعَرْشِ و معناه أنه مالك العرش و مدبره و خالقه، و احتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ ذُو اَلْعَرْشِ و حملوه على أن المراد بالدرجات، السموات، و بقوله ذُو اَلْعَرْشِ أنه موجود في العرش فوق سبع سموات، و قد أعظموا الفرية/على اللّه تعالى، فإنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسما و في جهة محال، و أيضا فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله ذُو اَلْعَرْشِ لا يفيد إلا إضافته إلى العرش و يكفي فيه إضافته إليه بكونه مالكا له و مخرجا له من العدم إلى الوجود، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل و المذهب الفاسد، و الفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، و المقصود بيان كمال إلهيته و نفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف و التدبير أعظم، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى.

الصفة الثالثة: قوله يُلْقِي اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ و فيه مباحث:

البحث الأول: اختلفوا في المراد بهذا الروح، و الصحيح أن المراد هو الوحي، و قد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله‏ يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل: 2]و قال أيضا: أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ [الأنعام: 122]و حاصل الكلام فيه: أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية و الجلايا القدسية، فإذا كان الوحي سببا لحصول هذه الأرواح سمي بالروح، فإن الروح سبب لحصول الحياة، و الوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية.

و اعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات، و ذلك لأن كمال كبرياء اللّه تعالى لا تصل إليه العقول و الأفهام، فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي، ثم يذكر عقيبه شي‏ء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضدا للعقل، فههنا أيضا كذلك، فقوله رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ إما أن يكون بمعنى كونه رافعا للدرجات، و هو إشارة إلى تأثير قدرة اللّه تعالى في إيجاد الممكنات على اختلاف درجاتها و تباين منازلها و صفاتها، أو إلى كونه تعالى مرتفعا في صفات الجلال و نعوت العزة عن كل الموجودات، فهذا الكلام عقلي برهاني، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير، و ذلك لأن ما سوى اللّه تعالى إما جسمانيات و إما روحانيات، فبين في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه و تعالى، أما الجسمانيات فأعظمها العرش، فقوله ذُو اَلْعَرْشِ يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام، و لما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكدا لذلك المعقول، أعني قوله رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ و أما الروحانيات‏

499

فكلها مسخرة للحق سبحانه، و إليه الإشارة بقوله يُلْقِي اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ .

و اعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي، و الوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها: المرسل و هو اللّه سبحانه و تعالى، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال: يُلْقِي اَلرُّوحَ و الركن الثاني: الإرسال و الوحي و هو الذي سماه بالروح و الركن الثالث: أن وصول الوحي من اللّه تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة، و هو المشار إليه في هذه الآية بقوله مِنْ أَمْرِهِ فالركن الروحاني يسمى أمرا، قال تعالى: / وَ أَوْحى‏ََ فِي كُلِّ سَمََاءٍ أَمْرَهََا [فصلت: 12]و قال: أَلاََ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ [الأعراف: 54]و الركن الرابع: الأنبياء الذين يلقي اللّه الوحي إليهم و هو المشار إليه بقوله عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ و الركن الخامس: تعيين الغرض و المقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم، و ذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، و يحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات و الإقبال على الروحانيات، و إليه الإشارة بقوله لِيُنْذِرَ يَوْمَ اَلتَّلاََقِ‏`يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية.

و بقي هاهنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق؟و كم الصفات التي ذكرها اللّه تعالى في هذه السورة ليوم التلاق؟ أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه:

الأول: أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني: أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث: أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء و أهل الأرض قال تعالى: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلسَّمََاءُ بِالْغَمََامِ وَ نُزِّلَ اَلْمَلاََئِكَةُ تَنْزِيلاً [الفرقان: 25]الرابع: أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق و هو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله الخامس: يمكن أن يكون ذلك مأخوذا من قوله‏ فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ [الكهف: 110]و من قوله‏ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاََمٌ [الأحزاب: 44]السادس: يوم يلتقي فيه العابدون و المعبودون السابع: يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام و آخر ولده الثامن: قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم و المظلوم فربما ظلم الرجل رجلا و انفصل عنه و لو أراد أن يجده لم يقدر عليه و لم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران و يلقى بعضهم بعضا، قرأ ابن كثير عنه التلاقي و التنادي بإثبات الياء في الوصل و الوقف، و هادي و واقي بالياء في الوقف و بالتنوين في الوصل.

و أما بين أن اللّه تعالى كم عدد من الصفات و وصف بها يوم القيامة في هذه الآية، فنقول:

الصفة الأولى: كونه يوم التلاق و قد ذكرنا تفسيره.

الصفة الثانية: قوله يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ و في تفسير هذا البروز وجوه الأول: أنهم برزوا عن بواطن القبور الثاني: بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شي‏ء من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، و ليس عليهم أيضا ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما

جاء في الحديث: «يحشرون عراة حفاة غرلا»

الثالث: أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم و انكشاف أسرارهم كما قال تعالى: يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ [الطارق: 9]

500

الرابع: أن هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات و توجهت بالكلية إلى عالم القيامة و مجمع الروحانيات، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في الجسمانيات مستترة بها.

الصفة الثالثة: قوله لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ و المراد يوم لا يخفى على اللّه منهم شي‏ء، و المقصود منه الوعيد فإنه تعالى بين أنهم إذا برزوا من قبورهم و اجتمعوا و تلاقوا فإن اللّه تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلا بحسبه إن خيرا فخير و إن شرا فشر، فهم و إن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه، فاللّه تعالى عالم بذلك و نظيره قوله‏ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاََ تَخْفى‏ََ مِنْكُمْ خََافِيَةٌ [الحاقة: 18]و قال: يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ [الطارق: 9]و قال: إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ*`وَ حُصِّلَ مََا فِي اَلصُّدُورِ [العاديات: 9، 10]و قال: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبََارَهََا [الزلزلة: 4]فإن قيل اللّه تعالى لا يخفى عليه منهم شي‏ء في جميع الأيام، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم؟قلنا إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان و الحجب أن اللّه لا يراهم و تخفى عليه أعمالهم، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز و الانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدنيا، قال تعالى: وَ لََكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يَعْلَمُ كَثِيراً مِمََّا تَعْمَلُونَ [فصلت: 22]و قال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنََّاسِ وَ لاََ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللََّهِ [النساء: 108]و هو معنى قوله: وَ بَرَزُوا لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ [إبراهيم: 48].

الصفة الرابعة: قوله تعالى: لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ و التقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم؟و هذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان:

الأول: قال المفسرون إذا هلك كل من السموات و من في الأرض فيقول الرب تعالى: لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ؟يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ قال أهل الأصول هذا القول ضعيف و بيانه من وجوه الأول: أنه تعالى بيّن أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق و يوم البروز و يوم تجزى كل نفس بما كسبت، و الناس في ذلك الوقت أحياء، فبطل قولهم إن اللّه تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات و الأرض و الثاني: أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال ما لا يحضر الغير، و الأول: باطل هاهنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، و الثاني: أيضا باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئا كالذي يكرر على الدرس و ذلك على اللّه محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله و ذلك أيضا على اللّه محال، أو لأجل أن يعبد اللّه بذلك الذكر و ذلك أيضا على اللّه محال، فثبت أن قول من يقول إن اللّه تعالى يذكر هذا النداء جال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له.

و القول الثاني: أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون و الآخرون و برزوا للّه نادى مناد لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ فالمؤمنون يقولونه تلذذا بهذا الكلام، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، و الكفار يقولونه على الصغار و الذلة على وجه التحسر و الندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا، و قال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس و غيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء، و أقول أيضا على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل/و المجيب هو اللّه تعالى، و لا يبعد أيضا أن يكون السائل جمعا من الملائكة و المجيب‏

501

جمعا آخرين، الكل ممكن و ليس على التعيين دليل، فإن قيل و ما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء؟.

فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة، و كان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي اللّه عنه يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، و في يوم القيامة زالت الأسباب، و انعزلت الأرباب، و لم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة، و اعلم أنه و إن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبدا، و ذلك لأن قولنا: اللّه اسم لواجب الوجود لذاته، و واجب الوجود لذاته واحد و كل ما سواه ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، و معنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم، و ذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبدا، و نداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحدا قهارا، فإذا كان كونه قهارا باقيا من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ باقيا في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد.

الصفة الخامسة: من صفات ذلك اليوم قوله اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ .

و اعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل و الفضل في ذلك اليوم فقال: اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: إثبات الكسب للإنسان و الثاني: أن كسبه يوجب الجزاء و الثالث: أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب، و هي أصول عظيمة الموقع في الدين، و قد سبق تقرير هذه الأصول مرارا، و لا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول: فهو إثبات الكسب للإنسان و هو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل و الترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل و الترك عنه، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه. و أما الثاني: و هو بيان ترتب الجزاء عليه، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا، و منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة و قد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا و في الجسمانيات، فعند الموت يحصل الفراق بينه و بين مطلوبه على أعظم الوجوه و يعظم عليه البلاء، و من غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض و يتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء و النعماء، فهذا هو معنى الكسب، و معنى كون ذلك الكسب موجبا للجزاء، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة، فهذا قانون كلي عقلي، و الشريعة/الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال و الأقوال و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه، و ذلك لأنا نقول لو كان شي‏ء من أنواع الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا لكونه جزاء على شي‏ء من الجنايات أو لا لكونه جزاء و القسمان باطلان، فبطل القول بكونه مشروعا، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعا ليكون جزاء على شي‏ء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الأجزية إلى يوم القيامة، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص، و أما بيان أنه لا

502

يجوز أن يكون مشروعا للجزاء لقوله تعالى: يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ [البقرة: 185]و لقوله تعالى: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]و

لقوله صلى اللّه عليه و سلّم: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام»

عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية، و فيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار و الآلام التحريم، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على الشرعية قضينا به تقديما للخاص على العام، و إلا فهو باق على أصل التحريم، و هذا أصل كلي منتفع به في الشريعة و اللّه أعلم.

الصفة السادسة: من صفات ذلك اليوم قوله لاََ ظُلْمَ اَلْيَوْمَ و المقصود أنه لما قال: اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام أحدها: أن يستحق الرجل ثوابا فيمنع منه و ثانيها: أن يعطي بعض بعض حقه و لكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام و ثالثها: أن يعذب من لا يستحق العذاب و رابعها: أن يكون الرجل مستحقا للعذاب فيعذب و يزاد على قدر حقه فقوله تعالى: لاََ ظُلْمَ اَلْيَوْمَ يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالبا و شاهدا إلا من اللّه، و لأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم و الجواب عنه معلوم.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ و ذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جدا، لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب. و ذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال و اللّه أعلم.

اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات الهائلة المهيبة، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في تفسير يوم الآزفة وجوها الأول: أن يوم الآزفة هو يوم القيامة، و الآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا و حضر لقوله في صفة يوم القيامة أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ*`لَيْسَ لَهََا مِنْ دُونِ اَللََّهِ كََاشِفَةٌ [النجم: 57، 58]و قال شاعر:

أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا و كأن قد

و المقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب و نظيره قوله تعالى: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ [القمر: 1]قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة و إن استبعد الناس مداها، و ما هو كائن فهو قريب.

503

و اعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث على تقدير يوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة الآزفة قال القفال:

و أسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة و الحاقة و نحوها كأنها يرجع معناها إلى الداهية و القول الثاني: أن المراد بيوم الآزفة وقت الآزفة و هي مسارعتهم إلى دخول النار، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف و القول الثالث: قال أبو مسلم يوم الآزفة يوم المنية و حضور الأجل، و الذي يدل عليه أنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق، و يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ ثم قال بعده وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْآزِفَةِ فوجب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، و أيضا هذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات بيوم الموت قال تعالى: فَلَوْ لاََ إِذََا/بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ*`وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [الواقعة: 83، 84]و قال: كَلاََّ إِذََا بَلَغَتِ اَلتَّرََاقِيَ [القيامة: 26]و أيضا فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب، و أيضا الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور الموت لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه، فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف، و يبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف و لا يكون لهم حميم و لا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف و القلق.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد من قوله إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ كََاظِمِينَ كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره، قيل المراد وصف ذلك اليوم بشدة الخوف و الفزع و نظيره قوله تعالى: وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا [الأحزاب: 10]و قال: فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ*`وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [الواقعة: 83، 84]و قيل بل هو محمول على ظاهره، قال الحسن: القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف و بلغت القلوب الحناجر فلا تخرج فيموتوا و لا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا و يتروحوا و لكنها مقبوضة كالسجال كما قال: فَلَمََّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [الملك: 27]و قوله كََاظِمِينَ أي مكروبين و الكاظم الساكت حال امتلائه غما و غيظا فإن قيل بم انتصب كََاظِمِينَ قلنا هو حال أصحاب القلوب على المعنى لأن المراد إذ قلوبهم لدى الحناجر حال كاظمين كونهم و يجوز أيضا أن يكون حال عن القلوب، و أن القلوب كاظمة على غم و كرب فيها مع بلوغها الحناجر، و إنما جمع الكاظمة جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال: رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ [يوسف: 4]و قال:

فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ [الشعراء: 4]و يعضده قراءة من قرأ كاظمون و بالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين أحدهما: الخوف الشديد و هو المراد من قوله إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ ، و الثاني: العجز عن الكلام و هو المراد من قوله كََاظِمِينَ فإن الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة و سكون، أما إذا لم يقدر على الكلام و بث الشكوى عظم قلقه و قوي خوفه.

المسألة الثالثة: احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى: مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع و هذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع و لا يقتضي نفي الكتاب و قالت العرب:

و لا ترى الضب بها ينجحر

و لفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه اللّه، لأنه ليس في‏

504

الوجود أحد أعلى حالا من اللّه تعالى حتى يقال إن اللّه يطيعه الوجه الثاني: في الجواب أن المراد من الظالمين، هاهنا الكفار و الدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار/الذين يجادلون في آيات اللّه فوجب أن يكون مختصا بهم، و عندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار و الثالث: أن لفظ الظالمين، إما أن يفيد الاستغراق، و إما أن لا يفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم و جملتهم و يدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، و عندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، و ليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، و إن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفا بهذه الصفة، و عندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع و هم الكفار، أجاب المستدلون عن السؤال الأول، فقالوا يجب حمل كلام اللّه تعالى على محمل مفيد و كل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شي‏ء يطيعه اللّه لأن المطيع أدون حالا من المطاع، و ليس في الوجود شي‏ء أعلى مرتبة من اللّه تعالى حتى يقال إن اللّه يطيعه و إذا كان هذا المعنى معلوما بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجا لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة و الذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر:

رب من أنضجت غيظا صدره # قد تمنى لي موتا لم يطع‏

أما السؤال الثاني: فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

أما السؤال الثالث: فجوابه أن قوله مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم و لا شفيع يطاع، فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال.

أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند اللّه و كانوا يقولون إنها تشفع لنا عند اللّه من غير حاجة فيه إلى إذن اللّه، و لهذا السبب رد اللّه تعالى عليهم ذلك بقوله‏ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ [البقرة: 255]فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على اللّه إجابة الأصنام في تلك الشفاعة، و هذا نوع طاعة، فاللّه تعالى نفى تلك الطاعة بقوله مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ و أجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع، و كان هناك معهود سابق انصرف إليه، و قد حصل في هذه الآية معهود سابق و هم الكفار الذين يجادلون في آيات اللّه، فوجب أن ينصرف إليه و أجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ يحتمل عموم السلب، و يحتمل سلب العموم، أما الأول: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم و لا شفيع، و أما الثاني: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الظالمين ليس لهم حميم و لا شفيع، و لا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع و الذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6]فقوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون، إن حملناه على أن كل/واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام اللّه، لأن كثيرا ممن كفر فقد آمن بعد ذلك، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق و تخلص عن الخلف، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم و لم نحملها على عموم السلب فكذا قوله مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يجب‏

505

حمله على سلب العموم لا على عموم السلب، و حينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب.

المسألة الرابعة: في بيان نظم الآية، فنقول إنه تعالى ذكر في هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف فأولها: أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة، أي يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم، لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان في أقصى غايات الخوف، حتى قيل إن تلك الغموم و الهموم أعظم في الإيحاش من عين تلك العقوبة و الثاني: قوله إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ و المعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر و ارتفع إلى الحنجرة و التصق بها و صار مانعا من دخول النفس و الثالث: قوله كََاظِمِينَ و المعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا و أن يشرحوا ما عندهم من الحزن و الخوف، و ذلك يوجب مزيد القلق و الاضطراب و الرابع: قوله مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم، و لا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته و الخامس: قوله يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ و المعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الأرض، و الحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديدا جدا، قال صاحب «الكشاف» : الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة، كالعافية المعافاة، و المراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب، و المراد بقوله وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ مضمرات القلوب، و الحاصل أن الأفعال قسمان: أفعال الجوارح و أفعال القلوب، أما أفعال الجوارح، فأخفاها خائنة الأعين و اللّه أعلم بها، فكيف الحال في سائر الأعمال. و أما أفعال القلوب، فهي معلومة للّه تعالى لقوله وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ فدل هذا على كونه تعالى عالما بجميع أفعالهم‏}السادس: قوله تعالى: وَ اَللََّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ و هذا أيضا يوجب عظم الخوف، لأن الحاكم إذا كان عالما بجميع الأحوال، و ثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق و جل، كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى السابع: أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام، و قد بيّن اللّه تعالى أنه لا فائدة فيها ألبتة، فقال: وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاََ يَقْضُونَ بِشَيْ‏ءٍ الثامن:

قوله إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، و لا يسمع منهم ثناءهم على اللّه و يبصر خضوعهم و سجودهم لهم، و لا يبصر خضوعهم و تواضعهم للّه، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت في حق المذنب الذي عظم ذنبه كان بالغا في التخويف إلى الحد الذي لا تعقل الزيادة عليه، }ثم إنه تعالى لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال: أَ وَ لَمْ/يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ كََانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ و المعنى أن العاقل من اعتبر بغيره، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار، و أقوى آثارا في الأرض منهم، و المراد حصونهم و قصورهم و عساكرهم، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم اللّه بضروب الهلاك معجلا حتى إن هؤلاء الحاضرين من الكفار يشاهدون تلك الآثار، فحذرهم اللّه تعالى من مثل ذلك بهذا القول، و بين بقوله وَ مََا كََانَ لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وََاقٍ أنه لما نزل العذاب بهم عند أخذه تعالى لهم لم يجدوا من يعينهم و يخلصهم، }ثم بين أن ذلك نزل بهم لأجل أنهم كفروا و كذبوا الرسل، فحذر قوم الرسول من مثله، و ختم الكلام بـ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ مبالغة في التحذير و التخويف، و اللّه أعلم.

و قرأ ابن عامر وحده كانوا هم أشد منكم بالكاف، و الباقون بالهاء أما وجه قراءة ابن عامر فهو انصراف‏

506

من الغيبة إلى الخطاب، كقوله‏ إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ بعد قوله‏ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ و الوجه في حسن هذا الخطاب أنه في شأن أهل مكة، فجعل الخطاب على لفظ المخاطب الحاضر لحضورهم، و هذه الآية في المعنى كقوله‏ مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الأنعام: 6]و أما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ الغيبة.

و اعلم أنه تعالى لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله و بمشاهدة آثارهم، سلاه أيضا بذكر موسى عليه السلام، و أنه مع قوة معجزاته‏}بعثه إلى فرعون و هامان و قارون فكذبوه و كابروه، و قالوا هو ساحر كذاب.

و اعلم أن موسى عليه السلام، لما جاءهم بتلك المعجزات الباهرة و بالنبوة و هي المراد بقوله فَلَمََّا جََاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنََا حكى اللّه تعالى عنهم ما صدر عنهم من الجهالات فالأول: أنهم وصفوه بكونه ساحرا كذابا، و هذا في غاية البعد، لأن تلك المعجزات كانت قد بلغت في القوة و الظهور إلى حيث يشهد كل ذي عقل سليم بأنه ليس من السحر البتة الثاني: أنهم قالوا اُقْتُلُوا أَبْنََاءَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَ اِسْتَحْيُوا نِسََاءَهُمْ و الصحيح أن هذا القتل غير القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى عليه السلام، لأن في ذلك الوقت أخبره المنجمون بولادة عدو له يظهر عليه، فأمر بقتل الأولاد في ذلك الوقت، و أما في هذا الوقت فموسى عليه السلام قد جاءه و أظهر المعجزات الظاهرة، فعند هذا أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه لئلا ينشئوا على دين موسى فيقوى بهم، و هذه العلة مختصة بالبنين دون البنات، فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء.

ثم قال تعالى: وَ مََا كَيْدُ اَلْكََافِرِينَ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ و معناه أن جميع ما يسعون فيه من مكايدة موسى و مكايدة من آمن معه يبطل، لأن ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها}النوع الثالث: من قبائح أفعال أولئك الكفار مع موسى عليه السلام ما حكاه اللّه تعالى: وَ قََالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ و هذا الكلام كالدلالة على أنهم كانوا يمنعونه من قتله، و فيه احتمالان.

و الاحتمال الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه الأول: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى صادقا، فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون من قتله الثاني: قال الحسن: أن أصحابه قالوا له لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف و لا يمكنه أن يغلب سحرتك، و إن قتلته أدخلت الشبهة على الناس و قالوا إنه كان محقا و عجزوا عن‏

507

جوابه فقتلوه الثالث: لعلّهم كانوا يحتالون في منعه من قتله، لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام، فإن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من شر ذلك الملك.

و الاحتمال الثاني: أن أحدا ما منع فرعون من قتل موسى و أنه كان يريد أن يقتله إلا أنه كان خائفا من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرة تمنعه عن قتله فيفتضح إلا أنه لوقاحته قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ و غرضه منه أنه إنما امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه و غرضه منه إخفاء خوفه.

أما قوله وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ فإنما ذكره على سبيل الاستهزاء يعني أني أقتله فليقل لربه حتى يخلصه مني.

و أما قوله إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: فتح ابن كثير الياء من قوله ذَرُونِي و فتح نافع و ابن كثير و أبو عمرو/الياء من إني أخاف و أيضا قرأ نافع و ابن عمرو و أن يظهر بالواو و بحذف أو، يعني أنه يجمع بين تبديل الدين و بين إظهار المفاسد، و الذين قرءوا بصيغة أو فمعناه أنه لا بد من وقوع أحد الأمرين و قرئ يظهر بضم الياء و كسر الهاء و الفساد بالنصب على التعدية، و قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر عن عاصم بلفظ أو يظهر بفتح الياء و الهاء و الفساد بالرفع، أما وجه القراءة الأولى فهو أنه أسند الفعل إلى موسى في قوله يُبَدِّلَ فكذلك في يظهر ليكون الكلام على نسق واحد، و أما وجه القراءة الثانية فهو أنه إذا بدل الدين فقد ظهر الفساد الحاصل بسبب ذلك التبديل.

المسألة الثانية: المقصود من هذا الكلام بيان السبب الموجب لقتله و هو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعيا في إفساده كان في اعتقادهم أنه ساع في إفساد الدين الحق و أما فساد الدنيا فهو أنه لا بد و أن يجتمع عليه قوم و يصير ذلك سببا لوقوع الخصومات و إثارة الفتن، و لما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ فرعون بذكر الدين فقال: إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ .

و اعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذا الكلام حكى بعده ما ذكره موسى عليه السلام فحكى عنه أنه قال: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاََ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ اَلْحِسََابِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ نافع و أبو بكر و حمزة و الكسائي عذت بإدغام الذال في التاء و الباقون بالإظهار.

المسألة الثانية: المعنى أنه لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ باللّه، و اعتمد على فضل اللّه لا جرم صانه اللّه عن كل بلية و أوصله إلى كل أمنية، و علم أن هذه الكلمات التي ذكرها موسى عليه السلام تشتمل على فوائد:

الفائدة الأولى: أن لفظة إِنِّي تدل على التأكيد فهذا يدل على أن الطريق المؤكد المعتبر في دفع الشرور و الآفات عن النفس الاعتماد على اللّه و التوكل على عصمة اللّه تعالى.

الفائدة الثانية: أنه قال: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ فكما أن عند القراءة يقول المسلم: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، فاللّه تعالى يصون دينه و إخلاصه عن وساوس شياطين الجن، فكذلك عند توجه الآفات‏

508

و المخافات من شياطين الإنس إذا قال المسلم: أعوذ باللّه فاللّه يصونه عن كل الآفات و المخافات.

الفائدة الثالثة: قوله بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ و المعنى كأن العبد يقول إن اللّه سبحانه هو الذي رباني و إلى درجات الخير رقاني، و من الآفات و قاني، و أعطاني نعما لا حد لها و لا حصر، فلما كان المولى ليس إلا اللّه وجب أن لا يرجع العاقل في دفع كل الآفات إلا إلى حفظ اللّه تعالى.

الفائدة الرابعة: أن قوله وَ رَبِّكُمْ فيه بعث لقوم موسى عليه السلام على أن يقتدوا به في الاستعاذة باللّه، و المعنى فيه أن الأرواح الطاهرة القوية إذا تطابقت على همة واحدة قوي ذلك التأثير جدا، و ذلك هو السبب الأصلي في أداء الصلوات في الجماعات.

الفائدة الخامسة: أنه لم يذكر فرعون في هذا الدعاء، لأنه كان قد سبق له حق تربية على موسى من بعض الوجوه، فترك التعيين رعاية لذلك الحق.

الفائدة السادسة: أن فرعون و إن كان أظهر ذلك الفعل إلا أنه لا فائدة في الدعاء على فرعون بعينه، بل الأولى الاستعاذة باللّه في دفع كل من كان موصوفا بتلك الصفة، حتى يدخل فيه كل من كان عدوا سواء كان مظهرا لتلك العداوة أو كان مخفيا لها.

الفائدة السابعة: أن الموجب للاقدام على إيذاء الناس أمران أحدهما: كون الإنسان متكبرا قاسي القلب و الثاني: كونه منكرا للبعث و القيامة، و ذلك لأن التكبر القاسي قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرا بالبعث و الحساب صار خوفه من الحساب مانعا له من الجري على موجب تكبره، فإذا لم يحصل عنده الإيمان بالبعث و القيامة كانت الطبيعة داعية له إلى الإيذاء و المانع و هو الخوف من السؤال و الحساب زائلا، و إذا كان الخوف من السؤال و الحساب زائلا فلا جرم تحصل القسوة و الإيذاء.

الفائدة الثامنة: أن فرعون لما قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ قال على سبيل الاستهزاء وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ فقال موسى إن الذي ذكرته يا فرعون بطريق الاستهزاء هو الدين المبين و الحق المنير، و أنا أدعو ربي و أطلب منه أن يدفع شرك عني، و سترى أن ربي كيف يقهرك، و كيف يسلطني عليك.

و اعلم أن من أحاط عقله بهذه الفوائد علم أنه لا طريق أصلح و لا أصوب في دفع كيد الأعداء و إبطال مكرهم إلا الاستعاذة باللّه و الرجوع إلى حفظ اللّه و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع مكر فرعون و شره على الاستعاذة باللّه، بيّن أنه تعالى قيض إنسانا أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه و بالغ في تسكين تلك الفتنة و اجتهد في إزالة ذلك الشر.

يقول مصنف هذا الكتاب رحمه اللّه، و لقد جربت في أحوال نفسي أنه كلما قصدني شرير بشر و لم أتعرض

509

له و أكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى اللّه، فإنه سبحانه يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة، يبالغون في دفع ذلك الشر، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في ذلك الرجل الذي كان من آل فرعون، فقيل إنه كان ابن عم له، و كان جاريا مجرى ولي العهد و مجرى صاحب الشرطة، و قيل كان قبطيا من آل فرعون و ما كان من أقاربه، و قيل إنه كان من بني إسرائيل، و القول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة و العشيرة قال تعالى: إِلاََّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنََاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: 34]و

عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، و مؤمن آل فرعون الذي قال: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللََّهُ و الثالث علي بن أبي طالب و هو أفضلهم»

و

عن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه و قال أبو بكر جهارا أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللََّهُ فكان ذلك سرا و هذا كان جهارا.

المسألة الثانية: لفظ من في قوله مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يجوز أن يكون متعلقا بقوله مُؤْمِنٌ أي كان ذلك المؤمن شخصا من آل فرعون و يجوز أن يكون متعلقا بقوله يَكْتُمُ إِيمََانَهُ و التقدير رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، و قيل إن هذا الاحتمال غير جائز لأنه يقال كتمت من فلان كذا، إنما يقال كتمته كذا قال تعالى:

وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً [النساء: 42].

المسألة الثالثة: رجل مؤمن الأكثرون قرءوا بضم الجيم و قرئ رجل بكسر الجيم كما يقال عضد في عضد.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللََّهُ استفهام على سبيل الإنكار، و قد ذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الاستنكار، و ذلك لأنه ما زاد على أن قال: رَبِّيَ اَللََّهُ و جاء بالبينات و ذلك لا يوجب القتل ألبتة و قوله وَ قَدْ جََاءَكُمْ بِالْبَيِّنََاتِ مِنْ رَبِّكُمْ يحتمل وجهين الأول: أن قوله رَبِّيَ اَللََّهُ إشارة إلى التوحيد، و قوله وَ قَدْ جََاءَكُمْ بِالْبَيِّنََاتِ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، و هو قوله في سورة طه [50] رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ و قوله في سورة الشعراء[24] رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ إلى آخر الآيات، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية في أن الإقدام على قتله غير جائز و هي حجة مذكورة على طريقة التقسيم، فقال إن كان هذا الرجل كاذبا كان وبال كذبه عائدا عليه فاتركوه و إن كان صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، فثبت أن على كلا التقديرين كان الأولى إبقاؤه حيا.

فإن قيل السؤال على هذا الدليل من وجهين الأول: أن قوله وَ إِنْ يَكُ كََاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ معناه أن ضرر كذبه مقصور عليه و لا يتعداه، و هذا الكلام فاسد لوجوه أحدها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذبا كان ضرر كذبه مقصورا عليه، لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل، فيغتر به جماعة منهم، و يقعون في المذهب الباطل و الاعتقاد الفاسد، ثم يقع بينهم و بين غيرهم الخصومات الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذبا لم يمكن ضرر كذبه مقصورا عليه، بل كان متعديا إلى الكل، و لهذا السبب العلماء أجمعوا على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى زندقته يجب قتله و ثانيها: أنه إن كان الكلام حجة له، فلا كذاب إلا و يمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة، فوجب تمكن جميع الزنادقة و المبطلين من تقرير أديانهم الباطلة و ثالثها: أن الكفار الذين أنكروا نبوة موسى عليه السلام وجب أن لا يجوز الإنكار عليهم، لأنه يقال: إن كان ذلك المنكر كاذبا في ذلك الإنكار فعليه كذبه، و إن يك‏

510

صادقا انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذا الطريق يوجب تصويب ضده، و ما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا.

السؤال الثاني: أنه كان من الواجب أن يقال و إن يك صادقا يصبكم كل الذي يعدكم لأن الذي يصيب في بعض ما يعد دون البعض هم أصحاب الكهانة و النجوم، أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقا في كل ما يقول فكان قوله يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ غير لائق بهذا المقام و الجواب:

عن الأسئلة الثلاثة بحرف واحد و هو أن تقدير الكلام أن يقال إنه لا حاجة بكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه عن إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذبا فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه، و إن يك صادقا انتفعتم به، و الحاصل أن المقصود من ذكر ذلك التقسيم بيان أنه لا حاجة إلى قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه و أن تمنعوه عن إظهار دينه فبهذا الطريق‏[تكون‏]الأسئلة الثلاثة مدفوعة.

و أما السؤال الثاني: و هو قوله كان الأولى أن يقال يصبكم كل الذي يعدكم، فالجواب عنه من وجوه الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف و ترك اللجاج لأن المقصود منه إن كان كاذبا كان ضرر كذبه مقصورا عليه، و إن كان صادقا فلا أقل من أن يصل إليكم بعض ما يعدكم، و إن كان المقصود من هذا الكلام ما ذكر صح، و نظيره قوله تعالى: وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]، و الوجه الثاني: أنه عليه السلام كان يتوعدهم بعذاب الدنيا و بعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض الذي يعدهم به، الوجه الثالث: حكي عن أبي عبيدة أنه قال ورود لفظ البعض بمعنى الكل جائز، و احتج بقول لبيد:

تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يرتبط بعض النفوس حمامها

و الجمهور على أن هذا القول خطأ، قالوا و أراد لبيد ببعض النفوس نفسه و اللّه أعلم.

ثم حكى اللّه تعالى عن هذا المؤمن حكاية ثالثة في أنه لا يجوز إيذاء موسى عليه السلام فقال: إن اللّه لا يهدي‏ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتََابٌ و تقرير هذا الدليل أن يقال: إن اللّه تعالى هدى موسى إلى الإتيان بهذه المعجزات الباهرة، و من هداه اللّه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفا كذابا فهذا يدل على أن موسى عليه السلام ليس من الكاذبين، فكان قوله إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذََّابٌ إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام على طريق الرمز و التعريض، و يحتمل أيضا أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الإلهية، و اللّه لا يهدي من هذا شأنه و صفته، بل يبطله و يهدم أمره.

511

اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى، خوفهم في ذلك بعذاب اللّه فقال: يََا قَوْمِ لَكُمُ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظََاهِرِينَ فِي اَلْأَرْضِ يعني قد علوتم الناس و قهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم و لا تتعرضوا لبأس اللّه و عذابه، فإنه لا قبل لكم به، و إنما قال: يَنْصُرُنََا و جََاءَنََا لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم و أن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه، و لما قال ذلك المؤمن هذا الكلام قََالَ فِرْعَوْنُ مََا أُرِيكُمْ إِلاََّ مََا أَرى‏ََ أي لا أشير إليكم/برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة وَ مََا أَهْدِيكُمْ بهذا الرأي إِلاََّ سَبِيلَ اَلرَّشََادِ و الصلاح، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال: إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزََابِ .

و اعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه، و الذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون، و لهذا السبب حصل هاهنا قولان الأول: أن فرعون لما قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ [غافر: 26]لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى، بل أوهم أنه مع فرعون و على دينه، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى اللّه و الإتيان بالمعجزات القاهرة و هذا لا يوجب القتل، و الإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات، بل الأولى أن يؤخر قتله و أن يمنع من إظهار دينه، لأن على هذا التقدير إن كان كاذبا كان وبال كذبه عائدا إليه، و إن كان صادقا حصل الانتفاع به من بعض الوجوه، ثم أكد ذلك بقوله إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذََّابٌ [غافر: 28]يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذََّابٌ أنه يريد موسى و هو إنما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذاب هو فرعون و القول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولا، فلما قال فرعون‏ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ أزال الكتمان و أظهر كونه على دين موسى، و شافه فرعون بالحق.

و اعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعا من الكلمات ذكرها لفرعون فالأول: قوله يََا قَوْمِ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزََابِ و التقدير مثل أيام الأحزاب، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب و فسرهم بقوم نوح و عاد و ثمود، فحينئذ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس، }ثم فسّر قوله إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزََابِ بقوله مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ و دأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار و التكذيب و سائر المعاصي، فيكون ذلك دائبا و دائما لا يفترون عنه، و لا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم، و الحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة، و هو قوله وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ و المقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة.

و النوع الثاني: من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى: وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، فتلك الجملة قائمة هاهنا، فوجب حصول الحكم هاهنا، قالت المعتزلة: وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا، و يدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما، و إذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، و ثبت أيضا أنه قادر على الظلم، إذ لو

512

لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك/الظلم، و هذا الاستدلال قد ذكرناه مرارا في هذا الكتاب مع الجواب، فلا فائدة في الإعادة.

النوع الثالث: من كلمات هذا المؤمن قوله وَ يََا قَوْمِ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ اَلتَّنََادِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: التنادي تفاعل من النداء، يقال تنادى القوم، أي نادى بعضهم بعضا، و الأصل الياء و حذف الياء حسن في الفواصل، و ذكرنا ذلك في‏ يَوْمَ اَلتَّلاََقِ [غافر: 15]و أجمع المفسرون على أن يَوْمَ اَلتَّنََادِ يوم القيامة، و في سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه الأول: أن أهل النار ينادون أهل الجنة، و أهل الجنة ينادون أهل النار، كما ذكر اللّه عنهم في سورة الأعراف‏ وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ [الأعراف: 50]، وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ [الأعراف: 44]الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ [الإسراء: 71]، الثالث: أنه ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل و الثبور فيقولون‏ يََا وَيْلَنََا* ، [الأنبياء: 14]، الرابع: ينادون إلى المحشر، أي يدعون الخامس: ينادي المؤمن‏ هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ [الحاقة: 19]و الكافر يََا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتََابِيَهْ [الحاقة: 25]، السادس: ينادى باللعنة على الظالمين السابع: يجاء بالموت على صورة كبش أملح، ثم يذبح و ينادى يا أهل القيامة لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا على فرحهم، و أهل النار حزنا على حزنهم الثامن: قال أبو علي الفارسي: التنادي مشتق من التناد، من قولهم ند فلان إذا هرب، و هو قراءة ابن عباس و فسرها، فقال يندون كما تند الإبل، و يدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [عبس: 34]الآية.

و قوله تعالى بعد هذه الآية يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

المسألة الثانية: انتصب قوله يَوْمَ اَلتَّنََادِ لوجهين أحدهما: الظرف للخوف، كأنه خاف عليهم في ذلك اليوم، لما يلحقهم من العذاب إن لم يؤمنوا و الآخر أن يكون التقدير إني أخاف عليكم-عذاب-يوم التناد و إذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به، لا انتصاب الظرف، لأن إعرابه إعراب المضاف المحذوف، ثم قال: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ و هو بدل من قوله يَوْمَ اَلتَّنََادِ عن قتادة: منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار، و عن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: مََا لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ عََاصِمٍ ثم نبه على قوة ضلالتهم و شدة جهالتهم فقال: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ .

و اعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ [غافر: 33]ذكر لهذا مثلا، و هو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك و الشبهة، و لم ينتفعوا بتلك الدلائل، و هذا يدل على أن من أضله اللّه فما له من هاد و في الآية مسائل: