التفسير الكبير - ج28

- الفخر الرازي‏ المزيد...
261 /
5

الجزء الثامن و العشرون‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة الأحقاف‏

و هي ثلاثون و خمس آيات مكية و قيل اربع و ثلاثون آية

اعلم أن نظم أول هذه السورة كنظم أول سورة الجاثية، و قد ذكرنا ما فيه.

و أما قوله مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ فهذا يدل على إثبات الإله بهذا العالم، و يدل على أن ذلك الإله يجب أن يكون عادلا رحيما بعباده، ناظرا لهم محسنا إليهم، و يدل على أن القيامة حق.

أما المطلوب الأول: و هو إثبات الإله بهذا العالم، و ذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير، و آثار التقدير ظاهرة في السموات و الأرض من الوجوه العشرة المذكورة في سورة الأنعام، و قد بينا أن تلك الوجوه تدل على وجود الإله القادر المختار.

و أما المطلوب الثاني: و هو إثبات أن إله العالم عادل رحيم فيدل عليه قوله تعالى: إِلاََّ بِالْحَقِّ لأن قوله إِلاََّ بِالْحَقِّ معناه إلا لأجل الفضل و الرحمة و الإحسان، و أن الإله يجب أن يكون فضله زائدا و أن يكون إحسانه راجحا، و أن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من وصول المضار إليهم، قال الجبائي هذا يدل على أن كل ما بين السموات و الأرض من القبائح فهو ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده، و إلا لزم أن يكون خالقا لكل باطل، و ذلك ينافي قوله‏ مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ [الدخان: 39]أجاب أصحابنا و قالوا:

خلق الباطل غير، و الخلق بالباطل غير، فنحن نقول إنه هو الذي خلق الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق‏

6

لأن ذلك تصرف من اللّه تعالى في ملك نفسه و تصرف المالك في ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل، قالوا و الذي يقرر ما ذكرناه أن قوله تعالى: مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا يدل على كونه تعالى خالقا لكل أعمال العباد، لأن أعمال العباد من جملة ما بين السموات و الأرض، فوجب كونها مخلوقة للّه تعالى و وقوع التعارض في الآية الواحدة محال فلم يبق إلا أن يكون المراد ما ذكرناه فإن قالوا أفعال العباد أعراض، و الأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السماوات و الأرض، فنقول فعلى هذا التقدير سقط ما ذكرتموه من الاستدلال و اللّه أعلم.

و أما المطلوب الثالث: فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث و القيامة، و تقريره أنه لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، و لتعطل توفية الثواب على المطيعين و توفية العقاب على الكافرين و ذلك يمنع من القول بأنه تعالى خلق السموات و الأرض و ما بينهما لا (1) بالحق.

و أما قوله تعالى: وَ أَجَلٍ مُسَمًّى فالمراد أنه ما خلق هذه الأشياء إلا بالحق و إلا لأجل مسمى و هذا يدل على أن إله العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلدا سرمدا، بل إنما خلقه ليكون دارا للعمل، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم يعيده، فيقع الجزاء في الدار الآخرة، فعلى هذا الأجل المسمى هو الوقت الذي عينه اللّه تعالى لإفناء الدنيا.

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَمََّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ و المراد أن مع نصب اللّه تعالى هذه الدلائل و مع إرسال الرسل و إنزال الكتب و مع مواظبة الرسل على الترغيب و الترهيب و الإعذار و الإنذار، بقي هؤلاء الكفار معرضين عن هذه الدلائل غير ملتفتين إليها، و هذا يدل على وجوب النظر و الاستدلال، و على أن الإعراض عن الدليل مذموم في الدين و الدنيا.

في قوله تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إلى قوله إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ و اعلم أنه تعالى لما قرر هذا الأصل الدال على إثبات الإله، و على إثبات كونه عادلا رحيما، و على إثبات البعث و القيامة بنى عليه التفاريع.

فالفرع الأول: الرد على عبدة الأصنام فقال: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ و هي الأصنام أَرُونِي أي أخبروني مََا ذََا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمََاوََاتِ و المراد أن/هذه الأصنام، هل يعقل أن يضاف إليها خلق جزء من أجزاء هذا العالم؟فإن لم يصح ذلك فهل يجوز أن يقال إنها أعانت إله العالم في خلق جزء من أجزاء هذا العالم، و لما كان صريح العقل حاكما بأنه لا يجوز إسناد خلق جزء من أجزاء هذا العالم إليها، و إن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، و لا يجوز أيضا إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال و أذلها، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو اللّه سبحانه، و أن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو اللّه سبحانه، و العبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم، و ذلك لا يليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام، فلما كان الخالق الحق و المنعم الحقيقي هو اللّه سبحانه و تعالى، وجب أن لا يجوز الإتيان بالعبادة و العبودية إلا له و لأجله، بقي أن يقال إنا لا نعبدها لأنها تستحق هذه العبادة، بل إنما نعبدها لأجل أن الإله الخالق المنعم أمرنا بعبادتها، فعند هذا ذكر اللّه تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا السؤال، فقال: اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ و تقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي و الرسالة، فنقول هذا الوحي الدال

____________

(1) في الأصل «إلا بالحق» و هو خطأ و الصواب حذف الألف و جعل إلا الاستثنائية، لا النافية، و هو الممنوع.

7

على الأمر بعبادة هذه الأوثان، إما أن يكون على محمد أو في سائر الكتب الإلهية المنزلة على سائر الأنبياء، و إن لم يوجد ذلك في الكتب الإلهية لكنه من تقابل العلوم المنقولة عنهم و الكل باطل، أما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد صلى اللّه عليه و سلم فهو معلوم البطلان، و أما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه، فهو أيضا باطل، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب الإلهية على المنع من عبادة الأصنام، و هذا هو المراد من قوله تعالى: اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا ، و أما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن الأنبياء سوى ما جاء في الكتب فهذا أيضا باطل، لأن العلم الضروري حاصل بأن أحدا من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام، و هذا هو المراد من قوله أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ و لما بطل الكل ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل و قول فاسد و بقي في قوله تعالى: أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ نوعان من البحث.

النوع الأول: البحث اللغوي قال أبو عبيدة و الفراء و الزجاج أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أي بقية و قال المبرد أَثََارَةٍ ما يؤثر من علم أي بقية، و قال المبرد أَثََارَةٍ تؤثر مِنْ عِلْمٍ كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان، و من هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار يقال جاء في الأثر كذا و كذا، قال الواحدي: و كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال: الأول: البقية و اشتقاقها من أثرت الشي‏ء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني: من الأثر الذي هو الرواية و الثالث: هو الأثر بمعنى العلامة، قال صاحب «الكشاف» و قرئ أثرة أي من شي‏ء أوثرتم به و خصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم و قرئ أثرة بالحركات الثلاث مع سكون الثاء فالإثرة بالكسر بمعنى الأثر، و أما الإثر فالمرأة من مصدر أثر الحديث إذا رواه، و أما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر كالخطبة اسم لما يخطب به، و هاهنا قول آخر في تفسير قوله تعالى: أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ /و هو ما روي عن ابن عباس أنه قال: أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ هو علم الخط الذي يخط في الرمل و العرب كانوا يخطونه و هو علم مشهور، و

عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه»

و على هذا الوجه فمعنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم و بأقوالهم و دلائلهم و اللّه تعالى أعلم.

اعلم أنه تعالى بيّن فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل، من حيث إنها لا قدرة لها ألبتة على الخلق و الفعل و الإيجاد و الإعدام و النفع و الضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، و هي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين، و لا تعم حاجات المحتاجين، و بالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، و إذا انتفى العلم و القدرة من كل الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل فقوله وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ استفهام على سبيل الإنكار و المعنى أنه لا أمرا أبعد عن الحق، و أقرب إلى‏

8

الجهل ممن يدعوا من دون اللّه الأصنام، فيتخذها آلهة و يعبدها و هي إذا دعيت لا تسمع، و لا تصح منها الإجابة لا في الحال و لا بعد ذلك اليوم إلى يوم القيامة، و إنما جعل ذلك غاية لأن يوم القيامة قد قيل إنه تعالى يحييها و تقع بينها و بين من/يعبدها مخاطبة فلذلك جعله تعالى حدا، }و إذا قامت القيامة و حشر الناس فهذه الأصنام تعادي هؤلاء العابدين، و اختلفوا فيه فالأكثرون على أنه تعالى يحيي هذه الأصنام يوم القيامة و هي تظهر عداوة هؤلاء العابدين و تتبرأ منهم، و قال بعضهم بل المراد عبدة الملائكة و عيسى فإنهم في يوم القيامة يظهرون عداوة هؤلاء العابدين فإن قيل ما المراد بقوله تعالى: وَ هُمْ عَنْ دُعََائِهِمْ غََافِلُونَ و كيف يعقل وصف الأصنام و هي جمادات بالغفلة؟و أيضا كيف جاز وصف الأصنام بما لا يليق إلا بالعقلاء؟و هي لفظة من و قوله هم غافلون قلنا إنهم لما عبدوها و نزلوها منزلة من يضر و ينفع صح أن يقال فيها إنها بمنزلة الغافل الذي لا يسمع و لا يجيب. و هذا هو الجواب أيضا عن قوله إن لفظة من و لفظة هُمْ كيف يليق بها، و أيضا يجوز أن يريد كل معبود من دون اللّه من الملائكة و عيسى و عزير و الأصنام إلا أنه غلب غير الأوثان على الأوثان.

و اعلم أنه تعالى لما تكلم في تقرير التوحيد و نفي الأضداد و الأنداد تكلم في النبوة و بيّن أن محمّدا صلى اللّه عليه و سلم كلما عرض عليهم نوعا من أنواع المعجزات زعموا أنه سحر فقال و إذا تتلى عليهم الآيات البينة و عرضت عليهم المعجزات الظاهرة سموها بالسحر، و لما بيّن أنهم يسمون المعجزة بالسحر بيّن أنهم متى سمعوا القرآن قالوا إن محمدا افتراه و اختلقه من عند نفسه، و معنى الهمزة في أم للإنكار و التعجب كأنه قيل دع هذا و اسمع القول المنكر العجيب، }ثم إنه تعالى بيّن بطلان شبهتهم فقال إن افتريته على سبيل الفرض، فإن اللّه تعالى يعاجلني بعقوبة بطلان ذلك الافتراء و أنتم لا تقدرون على دفعه عن معاجلتي بالعقوبة فكيف أقدم على هذه الفرية، و أعرض نفسي لعقابه؟يقال فلان لا يملك نفسه إذا غضب و لا يملك عنانه إذا صمم، و مثله‏ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ أَنْ يُهْلِكَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ [المائدة: 17]، وَ مَنْ يُرِدِ اَللََّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً (المائدة: 41) و

من قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا أملك لكم من اللّه شيئا»

.

ثم قال تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِمََا تُفِيضُونَ فِيهِ أي تندفعون فيه من القدح في وحي اللّه تعالى و الطعن في آياته و تسميته سحرا تارة و فرية أخرى كَفى‏ََ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ يشهد لي بالصدق و يشهد عليكم بالكذب و الجحود، و معنى ذكر العلم و الشهادة وعيد لهم على إقامتهم في الطعن و الشتم.

ثم قال: وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ بمن رجع عن الكفر و تاب و استعان بحكم اللّه عليهم مع عظم ما ارتكبوه.

9

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم في كون القرآن. معجزا، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام اللّه على سبيل الفرية، حكى عنهم نوعا آخر من الشبهات، و هو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة قاهرة، و يطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب اللّه تعالى عنه بأن قال: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ و البدع و البديع من كل شي‏ء المبدأ و البدعة ما اخترع مما لم يكن موجودا قبله بحكم السنة، و فيه وجوه الأول: مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ أي ما كنت أولهم، فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول اللّه إليكم، و لا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، و نهيي عن عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق الوجه الثاني:

أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة و أخبارا عن الغيوب فقال: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ و المعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة و الإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر، و أنا من جنس الرسل واحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه؟ الوجه الثالث: أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام و يمشي في الأسواق و بأن أتباعه فقراء فقال: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ و كلهم كانوا على هذه الصفة و بهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في نبوتهم.

ثم قال: وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير الآية وجهان أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا و الثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة أما الأول: ففيه وجوه الأول: لا أدري ما يصير إليه أمري و أمركم، و من الغالب منا و المغلوب و الثاني:

قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل و شجر و ماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك و رأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك، ، فقالوا يا رسول اللّه ما رأينا الذي قلت و متى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟فسكت النبي صلى اللّه عليه و سلم فأنزل اللّه تعالى: مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ و هو شي‏ء رأيته في المنام، و أنا لا أتبع إلا ما أوحاه اللّه إليّ‏

الثالث: قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به و لا أؤمر به في باب التكاليف و الشرائع و الجهاد و لا في الابتلاء و الامتحان و إنما أنذركم بما أعلمني اللّه به من أحوال الآخرة في الثواب و العقاب و الرابع: المراد أنه يقول لا أدري ما يفعل بي في الدنيا أ أموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي و لا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون، أ ترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون و المنافقون و اليهود و قالوا كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به و بنا؟فأنزل اللّه تعالى: إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً*`لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ إلى قوله‏ وَ كََانَ ذََلِكَ عِنْدَ اَللََّهِ فَوْزاً عَظِيماً [الفتح: 1-5]فبيّن تعالى ما يفعل به و بمن أتبعه و نسخت هذه الآية، و أرغم اللّه أنف المنافقين و المشركين.

و أكثر المحققين استبعدوا هذا القول و احتجوا عليه بوجوه الأول: أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لا بد و أن يعلم من نفسه كونه نبيا و متى علم كونه نبيا علم أنه لا تصدر عنه الكبائر و أنه مغفور له، و إذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في أنه هل هو مغفور له أم لا الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء، فلما قال في هذا إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَ‏

10

اِسْتَقََامُوا فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: 13]فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء و قدوة الأنبياء و الأولياء شاكا في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟الثالث: أنه تعالى قال:

اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124]و المراد منه كمال حاله و نهاية قربه من حضرة اللّه تعالى، و من هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكا في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟فثبت أن هذا القول ضعيف.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرئ ما يفعل يفتح الياء أي يفعل اللّه عزّ و جلّ فإن قالوا ما يفعل مثبت و غير منفي و كان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي و بكم؟قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي و ما أدري ما يفعل بكم.

ثم قال تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ يعني إني لا أقول قولا و لا أعمل عملا إلا بمقتضى الوحي و احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى اللّه عليه و سلم ما قال قولا و لا عمل عملا إلا بالنص الذي أوحاه اللّه إليه، فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول: قوله تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ بيان الثاني: قوله تعالى:

وَ اِتَّبِعُوهُ [الأعراف: 158]و قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور: 63].

ثم قال تعالى: وَ مََا أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة و بالإخبار عن الغيوب فقال قل: وَ مََا أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ و القادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر و العالم بتلك الغيوب ليس إلا اللّه سبحانه.

قوله تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ إلى قوله إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ ثم قال تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: جواب الشرط محذوف و التقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند اللّه ثم كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب، و نظيره قولك إن أحسنت إليك و أسأت إليّ و أقبلت عليك و أعرضت عني فقد ظلمتني، فكذا هاهنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند اللّه بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به و حصل أيضا شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزا من عند اللّه فلو استكبرتم و كفرتم ألستم أضل الناس و أظلمهم، و اعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات و قد يذكر، أما الحذف فكما في هذه الآية، و كما في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْتى‏ََ [الرعد: 31]و أما المذكور، فكما في قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ [فصلت: 52]و قوله‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اَللََّهُ عَلَيْكُمُ اَللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اَللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيََاءٍ [القصص: 71].

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ على قولين الأول: و هو الذي قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد اللّه بن سلاّم،

روى صاحب «الكشاف» أنه لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب و تأمله و تحقق أنه هو النبي صلى اللّه عليه و سلم المنتظر، فقال له إني سائلك عن ثلاث ما يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعات، و ما أول طعام يأكله أهل الجنة، و الولد ينزع إلى أبيه أو

11

إلى أمه؟فقال صلى اللّه عليه و سلم: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، و أما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، و أما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له و إن سبق ماء المرأة نزع لها» فقال أشهد أنك لرسول اللّه حقا، ثم قال يا رسول اللّه إن اليهود قوم بهت و إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى اللّه عليه و سلم أي رجل عبد اللّه فيكم؟فقالوا خيرنا و ابن خيرنا و سيدنا و ابن سيدنا و أعلمنا و ابن أعلمنا فقال أرأيتم إن أسلم عبد اللّه؟فقالوا أعاذه اللّه من ذلك فخرج عبد اللّه فقال أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه فقالوا شرنا و ابن شرنا و انتقصوه فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول اللّه فقال سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول لأحد يمشي على الأرض/إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللّه بن سلاّم، و فيه نزل وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ .

و اعلم أن الشعبي و مسروقا و جماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور في هذه الآية هو عبد اللّه بن سلاّم قالوا لأن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعامين و هذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في آخر عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالمدينة، و أجاب الكلبي بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية و كانت الآية تنزل فيؤمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بأن يضعها في سورة كذا فهذا الآية نزلت بالمدينة و إن اللّه تعالى أمر رسوله صلى اللّه عليه و سلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين، و لقائل أن يقول إن الحديث الذي رويتم عن عبد اللّه بن سلاّم مشكل، و ذلك لأن ظاهر الحديث يوهم أنه لما سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم عن المسائل الثلاثة، و أجاب النبي صلى اللّه عليه و سلم بتلك الجوابات من عبد اللّه بن سلاّم لأجل أن النبي صلى اللّه عليه و سلم ذكر تلك الجوابات و هذا بعيد جدا لوجهين الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة و عن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن وقوع شي‏ء من الممكنات، و ما هذا سبيله فإنه لا يعرف كون ذلك الخبر صدقا إلا إذا عرف أولا كون المخبر صادقا فلو أنا عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر صدقا لزم الدور و إنه محال و الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة، بل نقول الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت إلى حد الإعجاز و الجواب: يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر الزمان يسأل عن هذه المسائل و هو يجيب عنها بهذه الجوابات و كان عبد اللّه بن سلام عالما بهذا المعنى فلما سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم و أجاب بتلك الأجوبة عرف بهذا الطريق كونه رسولا حقا من عند اللّه، و على هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز و اللّه أعلم.

القول الثاني: في تفسير قوله تعالى: وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ أنه ليس المراد منه شخصا معينا بل المراد منه أن ذكر محمد صلى اللّه عليه و سلم موجود في التوراة و البشارة بمقدمه حاصله فيها فتقدير الكلام لو أن رجلا منصفا عارفا بالتوراة أقر بذلك و اعترف به، ثم إنه آمن بمحمد صلى اللّه عليه و سلم و أنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق؟فهذا الكلام مقرر سواء كان المراد بذلك الشاهد شخصا معينا أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلي من هذا الكلام أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند اللّه و ثبت أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى اللّه عليه و سلم و مع هذين الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: عَلى‏ََ مِثْلِهِ ذكروا فيه وجوها، و الأقرب أن نقول إنه صلى اللّه عليه و سلم قال لهم أرأيتم إن

12

كان هذا القرآن من عند اللّه كما أقول و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن و استكبرتم ألستم كنتم ظالمين أنفسكم.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه تهديد و هو قائم مقام الجواب المحذوف و التقدير قل أرأيتم إن كان من عند اللّه ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولا، فإن قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان و الهداية أن يكون الحال فيها كما هاهنا و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كََانَ خَيْراً مََا سَبَقُونََا إِلَيْهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و في سبب نزوله وجوه: الأول: أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمدا الفقراء و الأراذل مثل عمار و صهيب و ابن مسعود، و لو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني: قيل لما أسلمت جهينة و مزينة و أسلم و غفار، قالت بنو عامر و غطفان و أسد و أشجع لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم الثالث: قيل إن أمة لعمر أسلمت و كان عمر يضربها حتى يفتر، و يقول لولا أني فترت لزدتك ضربا، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقا ما سبقتنا إليه فلانة. الرابع: قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد اللّه بن سلاّم.

المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: لِلَّذِينَ آمَنُوا ذكروا فيه وجهين: الأول: أن يكون المعنى: و قال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب و تنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى: حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22]الثاني: قال صاحب «الكشاف» لِلَّذِينَ آمَنُوا لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه، و عندي فيه وجه الثالث: و هو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين، و قالوا لهم لو كان هذا الدين خيرا لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا.

في قوله تعالى وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هََذََا إِفْكٌ قَدِيمٌ و اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هََذََا إِفْكٌ قَدِيمٌ و المعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزا، فلا بد من عامل في الظرف في قوله وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ و من متعلق لقوله فَسَيَقُولُونَ و غير مستقيم أن يكون فَسَيَقُولُونَ هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي و الاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟و أجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه، و التقدير وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظهر عنادهم فَسَيَقُولُونَ هََذََا إِفْكٌ قَدِيمٌ .

ثم قال تعالى: وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ إِمََاماً وَ رَحْمَةً كتاب موسى مبتدأ، و من قبله ظرف/واقع خبرا مقدما عليه، و قوله إِمََاماً نصب على الحال كقولك في الدار زيد قائما، و قرئ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسى‏ََ و التقدير: و آتينا الذي قبله التوراة، و معنى إِمََاماً أي قدوة وَ رَحْمَةً يؤتم به في دين اللّه و شرائعه، كما يؤتم‏

13

بالإمام وَ رَحْمَةً لمن آمن به و عمل بما فيه، و وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن، و قالوا لو كان خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الصعاليك، و كأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، و جعل هذا الكتاب إماما يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى اللّه عليه و سلم فإذا سلمتم كون التوراة إماما يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلى اللّه عليه و سلم حقا من اللّه.

ثم قال تعالى: وَ هََذََا كِتََابٌ مُصَدِّقٌ لِسََاناً عَرَبِيًّا أي هذا القرآن مصدق لكتاب موسى في أن محمدا رسول حقا من عند اللّه و قوله تعالى: لِسََاناً عَرَبِيًّا نصب على الحال، ثم قال: لِيُنْذِرَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قال ابن عباس مشركي مكة، و في قوله لتنذر قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله تعالى:

لِتُنْذِرَ بِهِ وَ ذِكْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: 2]و الياء لتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول، و قوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ إلى قوله‏ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [الكهف: 1، 2].

ثم قال تعالى: وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُحْسِنِينَ قال الزجاج الأجود أن يكون قوله وَ بُشْرى‏ََ في موضع رفع، و المعنى و هو بشرى للمحسنين، قال و يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى لِيُنْذِرَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُحْسِنِينَ و حاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين و بشارة المطيعين.

في قوله تعالى إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد و النبوّة و ذكر شبهات المنكرين و أجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين و المحققين فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا و قد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة و الفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون و يقولون‏ أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا [فصلت: 30]و هاهنا رفع الواسطة من البين و ذكر أنه فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة، و أن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضا من غير واسطة.

و اعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن باللّه و عمل صالحا فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف و لا حزن، و لهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال، و قال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم، أما خوف‏

14

الجلال و الهيبة فلا يزول ألبتة عن العبد، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم و كمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى: يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 50]و هذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ [الأنبياء: 103].

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مسائل أولها: قوله تعالى: أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ و هذا يفيد الحصر، و هذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا، و هذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة و ثانيها: قوله تعالى: جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ و هذا يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء و ثالثها: أن قوله تعالى: بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ يدل على إثبات العمل للعبد و رابعها: أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر، أو أي أثر كان موجودا قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر}و خامسها: كون العبد/مستحقا على اللّه تعالى، و أعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين، لا جرم أردفه بهذا المعنى، فقال تعالى: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً و قد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت، و في سورة لقمان، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً و الباقون حسنا .

و اعلم أن الإحسان خلاف الإساءة و الحسن خلاف القبيح، فمن قرأ إِحْسََاناً فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل‏ وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً [الإسراء: 43]و المعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً، و حجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت‏ وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت: 8]و لم يختلفوا فيه، و المراد أيضا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلا حسنا، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة، كما يقال: هذا الرجل علم و كرم، و انتصب حسنا على المصدر، لأن معنى وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ أمرناه أن يحسن إليهما إحسانا.

ثم قال تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر و عاصم و حمزة و الكسائي كرها بضم الكاف، و الباقون بفتحها، قيل هما لغتان: مثل الضعف و الضعف، و الفقر و الفقر، و من غير المصادر: الدف و الدف، و الشهد و الشهد، قال الواحدي: الكره مصدر من كرهت الشي‏ء أكرهه، و الكره الاسم كأنه الشي‏ء المكروه قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: 216]فهذا بالضم، و قال: أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً [النساء: 19]فهذا في موضع الحال، و لم يقرأ الثانية بغير الفتح، فما كان مصدرا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، و ما كان اسما نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن.

المسألة الثانية: قال المفسرون. حملته أمه على مشقة و وضعته في مشقة، و ليس يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، و قد قال تعالى: فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً [الأعراف: 189]يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، فالحمل نطفة و علقة و مضغة، فإذا أثقلت فحينئذ حملته كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً يريد شدة الطلق.

15

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن حق الأم أعظم، لأنه تعالى قال أولا: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً فذكرهما معا، ثم خص الأم بالذكر، فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً و ذلك يدل على أن حقها أعظم، و أن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر، و الأخبار مذكورة في هذا الباب.

ثم قال تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذا من باب حذف المضاف، و التقدير و مدة حمله و فصاله ثلاثون شهرا و الفصال الفطام و هو فصله عن اللبن، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام، فكيف عبّر عنه بالفصال؟قلنا: لما كان الرضاع يليه الفصال و يلائمه، لأنه ينتهي و يتم به سمي فصالا.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل و الرضاع ثلاثون شهرا، قال: وَ اَلْوََالِدََاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاََدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كََامِلَيْنِ [البقرة: 233]فإذا أسقطت الحولين الكاملين و هي أربعة و عشرون شهرا من الثلاثين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر.

روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه، و كانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم عليها، و ذكر الطريق الذي ذكرناه،

و عن عثمان أنه هم بذلك، فقرأ ابن عباس عليه ذلك.

و اعلم أن العقل و التجربة يدلان أيضا على أن الأمر كذلك، قال أصحاب التجارب: إن لتكوين الجنين زمانا مقدرا، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم، فلنفرض أنه يتم خلقه في ثلاثين يوما، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه و هو مائة و عشرون حتى صار المجموع مائة و ثمانين و هو ستة أشهر، فحينئذ ينفصل الجنين، فلنفرض أنه يتم خلقه في خمسة و ثلاثين يوما فيتحرك في سبعين يوما، فإذا انضاف إليه مثلاه و هو مائة و أربعون يوما صار المجموع مائة و ثمانين و عشرة أيام، و هو سبعة أشهر انفصل الولد، و لنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يوما، فيتحرك في ثمانين يوما، فينفصل عند مائتين و أربعين يوما، و هو ثمانية أشهر، و لنفرض أنه تمت الخلقة في خمسة و أربعين يوما، فيتحرك في تسعين يوما، فينفصل عند مائتين و سبعين يوما، و هو تسعة أشهر، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب. قال جالينوس: إن كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة و الأربع و الثمانين ليلة، و زعم أو علي بن سينا أنه شاهد ذلك، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن، و بحسب التجارب الطيبة شيئا واحدا، و هو ستة أشهر، و أما أكثر مدة الحمل، فليس في القرآن ما يدل عليه، قال أبو علي بن سينا: في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء، بلغني من حيث وثقت به كل الثقة، أن المرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولدا قد نبتت أسنانه و عاش. و حكي عن أرسطاطاليس أنه قال: أزمنة الولادة، و حبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر، و ربما وضعت في الثامن، و قلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر، و الغالب هو الولادة بعد التاسع. قال أهل التجارب: و الذي قلناه من أنه إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين، و إذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربة، و اللّه أعلم.

16

ثم قال المدة التي فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام فأولها: أن الرحم إذا اشتملت على المني و لم تقذفه إلى الخارج استدار المني على نفسه منحصرا إلى ذاته و صار كالكرة، و لما كان من شأن المني أن يفسده الحركات، لا جرم يثخن في هذا الوقت و بالحري أن خلق المني من مادة تجف/بالحر إذا كان الغرض منه تكون الحيوان و استحصاف أجزائه و يصير المني زبدا في اليوم السادس و ثانيها: ظهور النقط الثلاثة الدموية فيه إحداها: في الوسط و هو الموضع الذي إذا تمت خلقته كان قلبا و الثاني: فوق و هو الدماغ و الثالث: على اليمين و هو الكبد، ثم إن تلك النقط تتباعد و يظهر فيما بينها خيوط حمر، و ذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع تسعة أيام و ثالثها: أن تنفذ الدموية في الجميع فيصير علقة و ذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير المجموع خمسة عشر يوما و رابعها: أن يصير لحما و قد تميزت الأعضاء الثلاثة، و امتدت رطوبة النخاع، و ذلك إنما يتم باثني عشر يوما فيكون المجموع سبعة و عشرين يوما و خامسها: أن ينفصل الرأس عن المنكبين و الأطراف عن الضلوع و البطن يميز الحسن في بعض و يخفى في بعض و ذلك يتم في تسعة أيام أخرى فيكون المجموع ستة و ثلاثين يوما و سادسها: أن يتم انفصال هذه الأعضاء بعضها عن بعض و يصير بحيث يظهر ذلك الحس ظهورا بينا، و ذلك يتم في أربعة أيام أخرى فيكون المجموع أربعين يوما و قد يتأخر إلى خمسة و أربعين يوما قال و الأقل هو الثلاثون، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق‏

في قوله صلى اللّه عليه و سلم: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما»

قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة و وضع في الماء البارد ظهر شي‏ء صغير متميز الأطراف.

المسألة الثالثة: هذه الآية دلّت على أقل الحمل و على أكثر مدة الرضاع، أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه، و أما أنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى: وَ اَلْوََالِدََاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاََدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كََامِلَيْنِ لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضََاعَةَ [البقرة: 233]و الفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاما كثيرة في الفقه، و أيضا فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة، فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصونا عن تهمة الزنا و الفاحشة و بتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن الأجانب، و عند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر و تقدير أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار و الفواحش و أنواع التهمة عن المرأة، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة و نفائس لطيفة، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها.

و روى الواحدي في «البسيط» عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحدا و عشرين شهرا، و إذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة و عشرين شهرا، و الصحيح ما قدمناه.

ثم قال تعالى: حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلف المفسرون في تفسير الأشد، قال ابن عباس في رواية عطاء يريد ثماني عشرة سنة و الأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة و ثلاثون سنة، و احتج الفراء عليه/بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث و ثلاثين منها إلى ثمانية عشر، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله، و مثله قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ

17

[المزمل: 20]فبعض هذه الأقسام قريب من بعض فكذا هاهنا، و قال الزجاج الأولى حمله على ثلاث و ثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان، و أقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة، و ذلك لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية و حرارة غريزية، و لا شك أن الرطوبة الغريزية غالبة في أول العمر و ناقصة في آخر العمر، و الانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام أولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية و حينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد في ذواتها و للزيادة بحسب الطول و العرض و العمق و هذا هو سن النشوء و النماء.

و المرتبة الثانية: و هي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة و لا نقصان و هذا هو سن الوقوف و هو سن الشباب.

و المرتبة الثالثة: و هي المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول: هو النقصان الخفي و هو سن الكهولة و الثاني: هو النقصان الظاهر و هو سن الشيخوخة، فهذا ضبط معلوم. ثم هاهنا مقدمة أخرى و هي أن دور القمر إنما يكمل في مدة ثمانية و عشرين يوما و شي‏ء، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام كان كل قسم منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة، و لهذه الأسابيع تأثيرات عظيمة في اختلاف أحوال هذا العالم، إذا عرفت هذا فنقول إن المحققين من أصحاب التجارب قسموا مدة سن النماء و النشوء إلى أربعة أسابيع و يحصل للآدمي بحسب انتهاء كل سابوع من هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير يؤدي إلى كماله أما عند تمام السوابيع الأول من العمر فتصلب أعضاءه بعض الصلابة، و تقوى أفعاله أيضا بعض القوة، و تتبدل أسنانه الضعيفة الواهية بأسنان قوية و تكون قوة الشهوة في هذا السابوع أقوى في الهضم مما كان قبل ذلك، و أما في نهاية السابوع الثاني فتقوى الحرارة و تقل الرطوبات و تتسع المجاري و تقوى قوة الهضم و تقوى الأعضاء و تصلب قوة و صلابة كافية و يتولد فيه مادة الزرع، و عند هذا يحكم الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعي رضي اللّه عنه، و هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة الغريزية قلت الرطوبات و اعتدل الدماغ فتكمل القوى النفسانية التي هي الفكر و الذكر، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل، فلا جرم حكمت الشريعة بالبلوغ و توجه التكاليف الشرعية فما أحسن قول من ضبط البلوغ الشرعي بخمس عشرة سنة.

و اعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال في ظاهر البدن أحدها: انفراق طرف الأرنبة لأن الرطوبة الغريزية التي هناك تنتقص فيظهر الانفراق و ثانيها: نتوء الحنجرة و غلظ الصوت لأن الحرارة التي تنهض في ذلك الوقت توسع الحنجرة فتنتوء و يغلظ الصوت و ثالثها: تغير ريح الإبط و هي الفضلة العفينة التي يدفعها القلب إلى ذلك الموضع و ذلك لأن القلب لما قويت حرارته، لا جرم قويت على إنضاج المادة، و دفعها إلى اللحم الغددي الرخو الذي في الإبط و رابعها: نبات الشعر و حصول الاحتلام، و كل ذلك لأن الحرارة قويت فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر و على توليد مادة الزرع، و في هذا الوقت تتحرك الشهوة في الصبايا و ينهد ثديهن و ينزل حيضهن و كل ذلك بسبب أن الحرارة الغريزية التي فيهن قويت في آخر هذا السابوع، و أما في السابوع الثالث فيدخل في حد الكمال و ينبت للذكر اللحية و يزداد حسنه و كماله، و أما في السابوع الرابع فلا

18

تزال هذه الأحوال فيه متكاملة متزايدة، و عند انتهاء السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد، أما مدة سن الشباب و هي مدة الوقوف السابوع واحد فيكون المجموع خمسة و ثلاثين سنة. و لما كانت هذه المدة إما قد تزداد، و إما قد تنقص بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة أربعين سنة. و هذا هو السن الذي يحصل فيه الكمال اللائق بالإنسان شرعا و طبا، فإن في هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعية بعض السكون و تنتهي له أفعال القوة الحيوانية غايتها، و تبتدئ أفعال القوة النفسانية بالقوة و الكمال، و إذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شي‏ء و بلوغه إلى الأربعين شي‏ء آخر، فإن بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن النشوء و النماء، و أن بلوغه إلى الأربعين عبارة عن الوصول إلى آخر مدة الشباب، و من ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية و الحيوانية في الانتقاص، و تأخذ القوة العقلية و النطقية في الاستكمال و هذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن، فإن البدن عند الأربعين يأخذ في الانتقاص، و النفس من وقت الأربعين تأخذ في الاستكمال، و لو كانت النفس عين البدن لحصل للشي‏ء الواحد في الوقت الواحد الكمال و النقصان و ذلك محال، و هذا الكلام الذي ذكرناه و لخصناه مذكور في صريح لفظ القرآن، لأنا بينا أن عند الأربعين تنتهي الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية و الحيوانية، و أما الكمالات الحاصلة بحسب القوى النطقية و العقلية فإنها تبتدئ بالاستكمال، و الدليل عليه قوله تعالى: حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ فهذا يدل على أن توجه الإنسان إلى عالم العبودية و الاشتغال بطاعة اللّه إنما يحصل من هذا الوقت، و هذا تصريح بأن القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدئ بالاستكمال من هذا الوقت فسبحان من أودع في هذا الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة، قال المفسرون لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة، و أقول هذا مشكل بعيسى عليه السلام فإن اللّه جعله نبيا من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال/الأغلب أنه ما جاءه الوحي إلا بعد الأربعين، و هكذا كان الأمر في حق رسولنا صلى اللّه عليه و سلم و يروى أن عمر بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول: اللّهم أوزعني أن أشكر نعمتك إليّ تمام الدعاء، و

روي أنه جاء جبريل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: «يؤمر الحافظان أن ارفقا بعبدي من حداثة سنه، حتى إذا بلغ الأربعين قيل احفظا و حققا» فكان راوي هذا الحديث إذا ذكر هذا الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضي في «التفسير» .

المسألة الثانية: اعلم أن قوله حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة، و ذلك لأن العقل كالناقص، فلا بد له من رعاية الأبوين على رعاية المصالح و دفع الآفات، و فيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد دخوله في الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة، و ذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه يخرج عن وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء و الذكر الجميل.

المسألة الثالثة: حكى الواحدي عن ابن عباس و قوم كثير من متأخري المفسرين و متقدميهم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، قالوا و الدليل عليه أن اللّه تعالى قد وقت الحمل و الفصال هاهنا بمقدار يعلم أنه قد ينقص و قد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس في هذه الأحوال فوجب أن يكون المقصود منه شخصا واحدا حتى يقال إن هذا التقدير إخبار عن حاله فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله و فصاله هذا القدر.

ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ و معلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول، فوجب أن يكون المراد من

19

هذه الآية إنسانا معينا قال هذا القول، و أما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السن، لأنه كان أقل سنا من النبي صلى اللّه عليه و سلم بسنتين و شي‏ء، و النبي صلى اللّه عليه و سلم بعث عند الأربعين و كان أبو بكر قريبا من الأربعين و هو قد صدق النبي صلى اللّه عليه و سلم و آمن به، فثبت بما ذكرناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر، و إذا ثبت القول بهذه الصلاحية فنقول: ندعي أنه هو المراد من هذه الآية، و يدل عليه أنه تعالى قال في آخر هذه الآية أُولََئِكَ اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا وَ نَتَجََاوَزُ عَنْ سَيِّئََاتِهِمْ فِي أَصْحََابِ اَلْجَنَّةِ و هذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذي يتقبل اللّه عنه أحسن أعماله و يتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من أفاضل الخلق و أكابرهم، و أجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إما أبو بكر و إما علي، و لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد و عند القرب من الأربعين، و علي بن أبي طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا، فثبت أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: أَوْزِعْنِي قال ابن عباس معناه ألهمني، قال صاحب «الصحاح» أوزعته بالشي‏ء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي مغرى به، و استوزعت اللّه شكره، فأوزعني أي استلهمته فألهمني.

المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من اللّه تعالى ثلاثة أشياء: أحدها: أن يوفقه اللّه للشكر على نعمه و الثاني: أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند اللّه الثالث: أن يصلح له في ذريته، و في ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان: الأول: أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية و أوسطها البدنية و أدونها الخارجية و السعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء اللّه و نعمائه، و السعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة و الخدمة، و السعادات الخارجية هي سعادة الأهل و الولد، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها اللّه تعالى على هذا الوجه.

و السبب الثاني: لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل، لأن الشكر من أعمال القلوب، و العمل من أعمال الجوارح، و عمل القلب أشرف من عمل الجارحة، و أيضا المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي [طه: 14]بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، و الأشرف يجب تقديمه في الذكر، و أيضا الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية، و الاشتغال بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة، و قضاء الحقوق الماضية يجري مجرى قضاء الدين، و طلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد. و معلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات، و أيضا أنه قدم طلب التوفيق على الشكر، و طلب التوفيق على الطاعة على طلب أن يصلح له ذريته، و ذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر اللّه، و المطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق اللّه، و معلوم أن التعظيم لأمر اللّه يجب تقديمه على الشفقة على خلق اللّه.

المسألة السادسة: قال أصحابنا إن العبد طلب من اللّه تعالى أن يلهمه الشكر على نعم اللّه، و هذا يدلّ على أنه لا يتم شي‏ء من الطاعات و الأعمال إلا بإعانة اللّه تعالى، و لو كان العبد مستقلا بأفعاله لكان هذا الطلب عبثا، و أيضا المفسرون قالوا المراد من قوله أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ هو الإيمان أو الإيمان‏

20

يكون داخلا فيه، و الدليل عليه قوله تعالى: اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ*`صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 6، 7]و المراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان و إذا ثبت هذا فنقول العبد يشكر اللّه على نعمة الإيمان، فلو كان الإيمان من العبد لا من اللّه لكان ذلك شكرا للّه تعالى على فعله لا على فعل غيره، و ذلك قبيح لقوله تعالى: وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمََا لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: 188]فإن قيل: فهب أن يشكر اللّه على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي أنعم/بها على والديه؟و إنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم، قلنا كل نعمة وصلت من اللّه تعالى إلى والديه، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه اللّه تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين.

في قوله تعالى وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ و أما المطلوب الثاني: من المطالب المذكورة في هذا الدعاء، فهو قوله وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ .

و اعلم أن الشي‏ء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحا على قسمين: أحدهما: الذي يكون صالحا عنده و يكون صالحا أيضا عند اللّه تعالى و الثاني: الذي يظنه صالحا و لكنه لا يكون صالحا عند اللّه تعالى، فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من اللّه أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحا عند اللّه و يكون مرضيا عند اللّه.

في قوله تعالى وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي و المطلوب الثالث: من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي لأن ذلك من أجل نعم اللّه على الوالد، كما قال إبراهيم عليه السلام: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ [إبراهيم: 35] فإن قيل ما معنى (في) في قوله وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ؟قلنا تقدير الكلام هب لي الصلاح في ذريتي و أوقعه فيهم.

و اعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة، قال بعد ذلك إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ و المراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، و إلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر و من كل قبيح، و بعد أن دخلت في الإسلام و الانقياد لأمر اللّه تعالى و لقضائه.

و اعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه، و لم يتفق لأحد من الصحابة و المهاجرين إسلام الأبوين إلا له، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو و أمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، و قوله وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ قال ابن عباس فأجابه اللّه إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في اللّه منهم بلال و عامر بن فهيرة و لم يترك شيئا من الخير إلا أعانه اللّه عليه، و قوله تعالى: وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي قال ابن عباس لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور و الإناث إلا و قد آمنوا، و لم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه و جميع أولاده الذكور و الإناث إلا لأبي بكر.

في قوله تعالى أُولََئِكَ اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا ثم قال تعالى: أُولََئِكَ أي أهل هذا القول اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول و قرئ بالنون المفتوحة، و كذلك نتجاوز و كلاهما في المعنى واحد، لأن الفعل و إن كان مبنيا للمفعول فمعلوم أنه للّه سبحانه و تعالى، فهو كقوله‏ يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]فبيّن تعالى بقوله أُولََئِكَ اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء، و يسلك هذه الطريقة التي تقدم‏

21

ذكرها نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ و التقبل من اللّه هو إيجاب الثواب له على عمله، /فإن قيل و لم قال تعالى: أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا و اللّه يتقبل الأحسن و ما دونه؟قلنا الجواب من وجوه الأول: المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى:

وَ اِتَّبِعُوا أَحْسَنَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: 55]كقولهم: الناقص و الأشج أعدلا بني مروان، أي عادلا بني مروان الثاني: أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب و لا عقاب و الأحسن ما يغاير ذلك، و هو و كل ما كان مندوبا واجبا.

ثم قال تعالى: وَ نَتَجََاوَزُ عَنْ سَيِّئََاتِهِمْ و المعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم و يتجاوز عن سيئاتهم. ثم قال:

فِي أَصْحََابِ اَلْجَنَّةِ قال صاحب «الكشاف» و معنى هذا الكلام مثل قولك: أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم و ضمني في عدادهم، و محله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة و معدودين منهم، و قوله وَعْدَ اَلصِّدْقِ مصدر مؤكد، لأن قوله نَتَقَبَّلُ ، نَتَجََاوَزُ وعد من اللّه لهم بالتقبل و التجاوز، و المقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، و ذلك وعد من اللّه تعالى فبيّن أنه صدق و لا شك فيه.

اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة، وصف الولد العاق لوالديه في هذه الآية، فقال: وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا و في هذه الآية قولان الأول: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، و هو أُفٍّ لَكُمََا و احتج القائلون بهذا القول على صحته، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أ تبايعون لأبنائكم؟فقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال اللّه فيه وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا . و القول الثاني: أنه ليس المراد منه شخص معين، بل المراد منه كل من كان موصوفا بهذه الصفة، و هو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه و أنكره، و هذا القول هو الصحيح عندنا، }و يدل عليه وجوه الأول: أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أ تعدانني بقوله أُولََئِكَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنَّهُمْ كََانُوا خََاسِرِينَ و لا شك أن عبد الرحمن آمن و حسن إسلامه، و كان من سادات المسلمين، فبطل حمل الآية عليه، فإن قالوا: روي أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام و أخبراه بالبعث بعد الموت، قال: أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ من القبر، يعني أبعث بعد الموت وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي يعني الأمم الخالية، فلم أر أحدا منهم بعث فأين عبد اللّه بن جدعان، و أين فلان و فلان؟إذا عرفت هذا فنقول قوله أُولََئِكَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله، و هم الذين حق عليهم القول، و بالجملة

22

فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي لا إلى المشار إليه بقوله وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل، و هو حسن و الوجه الثاني: في إبطال ذلك القول، ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت و قالت: و اللّه ما هو به، و لكن اللّه لعن أباك و أنت في صلبه الوجه الثالث: و هو الأقوى، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة، و وصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية، و ذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق، و هو الإقرار بالبعث و القيامة أصر على الإنكار و أبى و استكبر، و عول في ذلك الإنكار على شبهات خسيسة و كلمات واهية، و إذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات المذكورة و لا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين، قال صاحب «الكشاف» : قرئ أُفٍّ بالفتح و الكسر بغير تنوين، و بالحركات الثلاث مع التنوين، و هو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس، علم أنه متوجع، و اللام للبيان معناه هذا/التأفيف لكما خاصة، و لأجلكما دون غيركما، و قرئ أَ تَعِدََانِنِي بنونين، و أ تعداني بأحدهما و أ تعداني بالإدغام، و قرأ بعضهم: أ تعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين و الكسرين و الياء، ففتح الأولى تحريا للتخفيف كما تحراه من أدغم و من طرح أحدهما.

ثم قال: أَنْ أُخْرَجَ أي أن أبعث و أخرج من الأرض، و قرئ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي يعني و لم يبعث منهم أحد.

ثم قال: وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ أي الوالدان يستغيثان اللّه، فإن قالوا: كان الواجب أن يقال يستغيثان باللّه؟ قلنا الجواب: من وجهين الأول: أن المعنى أنهما يستغيثان اللّه من كفره و إنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني: يجوز أن يقال الباء حذف، لأنه أريد بالاستغاثة هاهنا الدعاء على ما قاله المفسرون يدعوان اللّه فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار، لأن الدعاء لا يقتضيه، و قوله وَيْلَكَ أي يقولان له ويلك آمِنْ و صدق بالبعث و هو دعاء عليه بالثبور، و المراد به الحث، و التحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.

ثم قال: إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ بالبعث حَقٌّ فَيَقُولُ لهما مََا هََذََا الذي تقولان من أمر البعث و تدعوانني إليه إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ .

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ أي حقت عليهم كلمة العذاب، ثم هاهنا قولان: فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله، و الذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن، بل كل ولد كان موصوفا بالصفة المذكورة، قالوا هذا الوعيد مختص بهم، و قوله فِي أُمَمٍ نظير لقوله فِي أَصْحََابِ اَلْجَنَّةِ و قد ذكرنا أنه نظير لقوله: أكرمني الأمير في أناس من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم.

ثم قال: إِنَّهُمْ كََانُوا خََاسِرِينَ و قرئ أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد اللّه حق.

ثم قال: وَ لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ مِمََّا عَمِلُوا و فيه قولان الأول: أن اللّه تعالى ذكر الولد البار، ثم أردفه بذكر الولد العاق، فقوله وَ لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ مِمََّا عَمِلُوا خاص بالمؤمنين، و ذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة، و مراتب مختلفة في هذا الباب و القول الثاني: أن قوله لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ مِمََّا عَمِلُوا عائد إلى الفريقين،

23

و المعنى و لكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل النار، و قد جاء في الأثر الجنة الدرجات، و النار دركات؟قلنا فيه وجوه الأول: يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني: قال ابن زيد: درج أهل الجنة يذهب علوا، و درج أهل النار ينزلوا هبوطا.

الثالث: أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات و الطاعات، و زيادات أهل النار في المعاصي و السيئات.

ثم قال تعالى: وَ لِيُوَفِّيَهُمْ و قرئ بالنون و هذا تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه كأنه و ليوفيهم أعمالهم و لا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات و العقاب دركات، و لما بيّن اللّه تعالى أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولا، }فقال: وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ قيل يدخلون النار، و قيل تعرض عليهم النار ليروا أهوالها أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ فِي حَيََاتِكُمُ اَلدُّنْيََا قرأ ابن كثير أَذْهَبْتُمْ استفهام بهمزة و مدة، و ابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة و الباقون أَذْهَبْتُمْ بلفظ الخبر و المعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات و الراحات فقد استوفيتموه في الدنيا و أخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شي‏ء منها، و عن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاما و أحسنكم لباسا، و لكني أستبقي طيباتي، و

عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه دخل على أهل الصفة و هم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا فقال: «أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة و يروح في أخرى، و يغدى عليه بجفنة و يراح عليه بأخرى و يستر بيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير؟» ، رواه صاحب «الكشاف»

قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف و الزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، و إنما وبخ اللّه الكافر لأنه يتمتع بالدنيا و لم يؤد شكر المنعم بطاعته و الإيمان به، و أما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه، و الدليل عليه قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ [الأعراف: 32]نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز و الانقباض، و حينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي، و ذلك مما يجر بعضه إلى بعض و يقع في البعد عن اللّه تعالى بسببه.

ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ أي الهوان، و قرئ عذاب الهوان بِمََا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمََا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين: (أولهما) : الاستكبار و الترفع و هو ذنب القلب الثاني: الفسق و هو ذنب الجوارح، و قدم الأول على الثاني لأن أحوال القلوب أعظم وقعا من أعمال الجوارح، و يمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق، و يستنكفون عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة و السلام، و أما الفسق فهو المعاصي و احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين: أولهما: الكفر و ثانيهما: الفسق، و هذا الفسق لا بد و أن يكون مغايرا لذلك الكفر، لأن العطف يوجب المغايرة، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، و لا معنى للفسق إلا ترك المأمورات و فعل المنهيات، و اللّه أعلم.

24

اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد و النبوّة، و كان أهل مكة بسبب/استغراقهم في لذات الدنيا و اشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها، و لم يلتفتوا إليها، و لهذا السبب قال تعالى في حقهم وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ فِي حَيََاتِكُمُ اَلدُّنْيََا فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالا و قوة و جاها منهم، ثم إن اللّه تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة هاهنا ليعتبر بها أهل مكة، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا و يقبلوا على طلب الدين، فلهذا المعنى ذكر اللّه تعالى هذه القصة في هذا الموضع، و هو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال، و تقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا و كذا، و قوله تعالى: وَ اُذْكُرْ أَخََا عََادٍ أي و اذكر يا محمد لقومك أهل مكة هودا عليه السلام إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ أي حذرهم عذاب اللّه إن لم يؤمنوا، و قوله بِالْأَحْقََافِ قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج، و منه قيل للمعوج محقوف و قال الفراء الأحقاف واحدها حقف و هو الكثيب المكسر غير العظيم و فيه اعوجاج، قال ابن عباس الأحقاف واد بين عمان و مهرة و النذر جمع نذير بمعنى المنذر مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ من قبله وَ مِنْ خَلْفِهِ من بعده و المعنى أن هودا عليه السلام قد أنذرهم و قال لهم أن لا تعبدوا إلا اللّه إني أخاف عليكم العذاب.

و اعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله و الذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.

ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قالوا أَ جِئْتَنََا لِتَأْفِكَنََا الإفك الصرف، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه، و قيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب عَنْ آلِهَتِنََا و عن عبادتها فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا معاجلة العذاب على الشرك إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ في وعدك، فعند هذا قال هود إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللََّهِ و إنما صلح هذا الكلام جوابا لقولهم فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا لأن قولهم فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، }إنما علم ذلك عند اللّه تعالى وَ أُبَلِّغُكُمْ مََا أُرْسِلْتُ بِهِ و هو التحذير عن العذاب، و أما العلم بوقته فما أوحاه اللّه إليّ وَ لََكِنِّي أَرََاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ و هذا يحتمل وجوها الأول: المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه و إنما بعثوا مبلغين الثاني:

أراكم قوما تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم و جهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي‏

25

ينزل عليكم العذاب بسبب هذا الجهل المفرط و الوقاحة التامة الثالث: لََكِنِّي أَرََاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقا، و لكن لم يظهر أيضا لكم كوني كاذبا فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم.

ثم قال تعالى: فَلَمََّا رَأَوْهُ ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما: أنه عائد إلى غير مذكور و بينه قوله عََارِضاً كما قال: مََا تَرَكَ عَلى‏ََ ظَهْرِهََا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: 45]و لم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضا و هذا اختيار الزجاج/و يكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير و القول الثاني: أن يكون الضمير عائدا إلى ما في قوله فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضا، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق، و قوله مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما فساق اللّه إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد يقال له المغيث فَلَمََّا رَأَوْهُ عََارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ استبشروا و قََالُوا هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا و المعنى ممطر إيانا، قيل كان هود قاعدا في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا فقال: بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال: رِيحٌ فِيهََا عَذََابٌ أَلِيمٌ . }ثم وصف تلك الريح فقال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أي تهلك كل شي‏ء من الناس و الحيوان و النبات بِأَمْرِ رَبِّهََا و المعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب و القرانات، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة اللّه تعالى لأجل تعذيبكم فَأَصْبَحُوا يعني عادا لاََ يُرى‏ََ إِلاََّ مَسََاكِنُهُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى:

روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة،

و قيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار، و

روي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم،

أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم و مواشيهم يطير به الريح بين السماء و الأرض فدخلوا بيوتهم و غلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب و صرعتهم، و أحال اللّه عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال و ثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، و

روي أن هودا لما أحس بالريح خط على نفسه و على المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحا لينة هادئة طيبة، و الريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض و تطيرهم إلى السماء و تضربهم على الأرض،

و أثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه، و

عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ما أمر اللّه خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم»

ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم، و المقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة اللّه تعالى، و

عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه كان إذا رأى الريح فزع و قال: «اللّهم إني أسألك خيرها و خير ما أرسلت به، و أعوذ بك من شرها و من شر ما أرسلت به» .

المسألة الثانية: قرأ عاصم و حمزة لاََ يُرى‏ََ بالياء و ضمها مَسََاكِنُهُمْ بضم النون، قال الكسائي معناه لا يرى شي‏ء إلا مساكنهم، و قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و الكسائي‏ لاََ تَرى‏ََ على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب، و في بعض الروايات عن عاصم لا ترى بالتاء مَسََاكِنُهُمْ بضم النون و هي قراءة الحسن و التأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم. و قال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية.

ثم قال تعالى: كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْقَوْمَ اَلْمُجْرِمِينَ و المقصود منه تخويف كفار مكة، فإن قيل/لما قال اللّه

26

تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33]فكيف يبقى التخويف حاصلا؟قلنا: قوله‏ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلا قبل نزوله.

ثم إنه تعالى خوف كفار مكة، و ذكر فضل عاد بالقوة و الجسم عليهم فقال: وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ فِيمََا إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ قال المبرّد ما في قوله فِيمََا بمنزلة الذي. و إِنْ بمنزلة ما و التقدير: و لقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، و المعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة و أكثر منكم أموالا، و قال ابن قتيبة كلمة إن زائدة. و التقدير و لقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، و هذا غلط لوجوه الأول: أن الحكم بأن حرفا من كتاب اللّه عبث لا يقول به عاقل و الثاني: أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب اللّه فكيف يكون حالكم، و هذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث: أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى، قال تعالى: هُمْ أَحْسَنُ أَثََاثاً وَ رِءْياً [مريم: 74]و قال: كََانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثََاراً فِي اَلْأَرْضِ [غافر: 82].

ثم قال تعالى: وَ جَعَلْنََا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصََاراً وَ أَفْئِدَةً و المعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم و أعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل، و أعطيناهم أبصارا فما استعملوها في تأمل العبر، و أعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة اللّه تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا و لذاتها، فلا جرم ما أغنى سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من عذاب اللّه شيئا.

ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات اللّه، و قوله إِذْ كََانُوا يَجْحَدُونَ بمنزلة التعليل، و لفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول: ضربته إذ أساء، و المعنى ضربته لأنه أساء، و في هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم و أعرضوا عن قبول الدليل و الحجة نزل بهم عذاب اللّه، و لم تغن عنهم قوتهم و لا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم و ضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب اللّه تعالى و يخافوا.

ثم قال تعالى: وَ حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب و إنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء و اللّه أعلم.

اعلم أن المراد و لقد أهلكنا ما حولكم يا كفار مكة من القرى، و هي قرى عاد و ثمود باليمن و الشام وَ صَرَّفْنَا اَلْآيََاتِ بيناها لهم لَعَلَّهُمْ أي لعلّ أهل القرى يرجعون، فالمراد بالتصريف الأحوال الهائلة التي وجدت قبل الإهلاك. قال الجبائي: قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ معناه لكي يرجعوا عن كفرهم، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم و لم يرد إصرارهم و الجواب: أنه فعل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة، و إنما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات.

ثم قال تعالى: فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ قُرْبََاناً آلِهَةً القربان ما يتقرب به إلى اللّه تعالى،

27

أي اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى اللّه حيث قالوا هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ [يونس: 18]و قالوا مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ [الزمر: 3]و في إعراب الآية وجوه الأول: قال صاحب «الكشاف» : أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف و الثاني: آلهة و قربانا حال، و قيل عليه إن الفعل المتعدي إلى مفعولين لا يتم إلا بذكرهما لفظا، و الحال مشعر بتمام الكلام، و لا شك أن إتيان الحال بين المفعولين على خلاف الأصل الثاني: قال بعضهم قُرْبََاناً مفعول ثان قدم على المفعول الأول و هو آلهة، فقيل عليه إنه يؤدي إلى خلو الكلام عن الراجع إلى الذين و الثالث: قال بعض المحققين: يضمر أحد مفعولي اتخذوا و هو الراجع إلى الذين، و يجعل قربانا مفعولا ثانيا، و آلهة عطف بيان، إذا عرفت الكلام في الإعراب، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم اللّه هلا نصرهم الذين عبدوهم، و زعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى اللّه ليشفعوا لهم بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي غابوا عن نصرتهم، و ذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم أمر ممتنع.

ثم قال تعالى: وَ ذََلِكَ إِفْكُهُمْ أي و ذلك الامتناع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، و ثمرة شركهم و افترائهم على اللّه الكذب في إثبات الشركاء له، قال صاحب «الكشاف» : و قرئ أفكهم و الإفك و الأفك كالحذر و الحذر، و قرئ و ذلك إفكهم بفتح الفاء و الكاف، أي ذلك الاتخاذ الذي هذا أثره و ثمرته صرفهم عن الحق، و قرئ إفكهم على التشديد للمبالغة أفكهم جعلهم آفكين و آفكهم، أي قولهم الإفك، أي ذو الإفك كما تقول قول كاذب.

ثم قال: وَ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ و التقدير و ذلك إفكهم و افتراؤهم في إثبات الشركاء للّه تعالى، و اللّه أعلم.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أن في الإنس من آمن و فيهم من كفر، بيّن أيضا أن الجن فيهم من آمن و فيهم من كفر، و أن مؤمنهم معرض للثواب، و كافرهم معرض للعقاب، و في كيفية هذه الواقعة قولان الأول:

قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشي‏ء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب، و كان قد اتفق أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة، و كان ببطن نخل قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جن نصيبين، لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن و عرفوا أن ذلك هو السبب‏

و القول الثاني: أن اللّه تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن و يدعوهم إلى اللّه تعالى و يقرأ

28

عليهم القرآن، فصرف اللّه إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه القرآن و ينذروا قومهم.

و يتفرع على ما ذكرناه فروع الأول: نقل عن القاضي في تفسيره الجن أنه قال: إنهم كانوا يهودا، لأن في الجن مللا كما في الإنس من اليهود و النصارى و المجوس و عبدة الأصنام، و أطبق المحققون على أن الجن مكلفون، سئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟فقال نعم لهم ثواب و عليهم عقاب، يلتقون في الجنة و يزدحمون على أبوابها الفرع الثاني: قال صاحب «الكشاف» : النفر دون العشرة و يجمع على أنفار، ثم روى محمد بن جرير الطبري عن ابن عباس: أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم رسلا إلى قومهم، و عن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ذوبعة، و عن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة الفرع الثالث: اختلفوا في أنه هل كان عبد اللّه بن مسعود مع النبي صلى اللّه عليه و سلم ليلة الجن؟و الروايات فيه مختلفة و مشهورة الفرع الرابع:

روى القاضي في «تفسيره» عن أنس قال: «كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في جبال مكة إذ أقبل شيخ متوكئ على عكازة، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم مشية جني و نغمته، فقال أجل، فقال من أي الجن أنت؟فقال أنا هامة بن هيم بن لا قيس بن إبليس، فقال لا أرى بينك و بين إبليس إلا أبوين فكم أتى عليك؟فقال أكلت عمر الدنيا إلا أقلها، و كنت وقت قتل قابيل هابيل أمشي بين الآكام، و ذكر كثيرا مما مرّ به، و ذكر في جملته أن قال: قال لي عيسى بن مريم إن لقيت محمدا فأقرئه مني السلام، و قد بلغت سلامه و آمنت بك، فقال عليه السلام، و على عيسى السلام، و عليك يا هامة ما حاجتك؟فقال إن موسى عليه السلام علمني التوراة، و عيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن، فعلمه عشر سور، و قبض صلى اللّه عليه و سلم و لم ينعه»

قل عمر بن الخطاب و لا أراه إلا حيا و اعلم أن تمام الكلام في قصة الجن مذكور في سورة الجن.

المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير قوله وَ إِذْ صَرَفْنََا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ فقال بعضهم: لما لم يقصد الرسول صلى اللّه عليه و سلم قراءة القرآن عليهم، فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا و داعية إلى استماع القرآن، فلهذا السبب قال:

وَ إِذْ صَرَفْنََا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ .

ثم قال تعالى: فَلَمََّا حَضَرُوهُ الضمير للقرآن أو لرسول اللّه قََالُوا أي قال بعضهم لبعض أَنْصِتُوا أي اسكتوا مستمعين، يقال أنصت لكذا و استنصت له، فلما فرغ من القراءة وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ينذرونهم، و ذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن و التصديق به إلا و قد آمنوا، فعنده‏} قََالُوا يََا قَوْمَنََا إِنََّا سَمِعْنََا كِتََاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ََ و وصفوه بوصفين الأول: كونه مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ أي مصدقا لكتب الأنبياء، و المعنى أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد و النبوّة و المعاد و الأمر بتطهير الأخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني الثاني: قوله يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلى‏ََ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ .

و اعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلهية في الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة، و الوصف الثاني يفيد أن هذه المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في أنفسها، يعلم كل أحد بصريح عقله كونها كذلك، سواء وردت الكتب الإلهية قبل ذلك بها أو لم ترد، فإن قالوا كيف قالوا مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ََ ؟قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال إنهم كانوا على اليهودية، و عن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى، ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا يََا

29

قَوْمَنََا أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ و اختلفوا في أنه هل المراد بداعي اللّه الرسول أو الواسطة التي تبلغ عنه؟و الأقرب أنه هو الرسول لأنه هو الذي يطلق عليه هذا الوصف.

و اعلم أن قوله أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه صلى اللّه عليه و سلم كان مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الإنس قال مقاتل، و لم يبعث اللّه نبيا إلى الإنس و الجن قبله.

المسألة الثانية: قوله أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ أمر بإجابته في كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل أنه أهم الأقسام و أشرفها، و قد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله‏ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ [البقرة: 98]و قوله‏ وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ [الأحزاب: 7]و لما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان و هي قوله يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال بعضهم كلمة مِنْ هاهنا زائدة و التقدير: يغفر لكم ذنوبكم، و قيل بل الفائدة فيه أن كلمة مِنْ هاهنا لابتداء الغاية، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى و الأكمل.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم، و احتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: 31]و هو قول أبي حنيفة، و الصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية، و هذا القول قول ابن أبي ليلى و مالك، و جرت بينه و بين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة، قال الضحاك يدخلون الجنة و يأكلون و يشربون، و الدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن، و الفرق بين البابين بعيد جدا.

و اعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول و الإيمان به حذرهم من تلك تلك الإجابة فقال: وَ مَنْ لاََ يُجِبْ دََاعِيَ اَللََّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي اَلْأَرْضِ أي لا ينجي منه مهرب و لا يسبق قضاءه سابق، و نظيره قوله تعالى: وَ أَنََّا ظَنَنََّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اَللََّهَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً [الجن: 12]و لا نجد له أيضا وليا و لا نصيرا، و لا دافعا من دون اللّه ثم بيّن أنهم في ضلال مبين.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم المختار، ثم‏

30

فرع عليه فرعين: الأول: إبطال قول عبدة الأصنام و الثاني: إثبات النبوّة و ذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة، و أجاب عنها، و لما كان أكثر إعراض كفار مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا و استغراقهم في استيفاء طيباتهم و شهواتها، و بسبب أنه كان يثقل عليهم الانقياد لمحمد و الاعتراف بتقدمه عليهم ضرب لذلك مثلا و هم قوم عاد فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أبادهم اللّه و أهلكهم، فكان ذلك تخويفا لأهل مكة بإصرارهم على إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه بإثبات نبوته في الجن، و إلى هاهنا قد تم الكلام في التوحيد و في النبوة، ثم ذكر عقيبهما تقرير مسألة المعاد و من تأمل في هذا البيان الذي ذكرناه علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد و النبوّة و المعاد، و أما القصص فالمراد من ذكرها ما يجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول.

المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادرا على البعث، و الدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة على أنه هو اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ و لا شك أن خلقها أعظم و أفخم من إعادة هذا الشخص حيا بعد أن صار ميتا، و القادر على الأقوى الأكمل لا بد و أن يكون قادرا على الأقل و الأضعف، ثم ختم الآية بقوله إِنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و المقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن ممكنا في نفسه لما وقع أولا، و اللّه تعالى قادر على كل الممكنات، فوجب كونه قادرا على تلك الإعادة، و هذه الدلائل يقينية ظاهرة.

المسألة الثالثة: في قوله تعالى: بِقََادِرٍ إدخاله الباء على خبر إن، و إنما جاز ذلك لدخول حرف النفي على أن و ما يتعلق بها، فكأنه قيل أليس اللّه بقادر، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيدا بقائم جاز، و لا يجوز ظننت أن زيدا بقائم و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه و منه‏ أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ [ق: 15].

و اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر و النشر ذكر بعض أحوال الكفار فقال: وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ قََالُوا بَلى‏ََ وَ رَبِّنََا قََالَ فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فقوله أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ التقدير يقال لهم أليس هذا بالحق و المقصود التهكم بهم و التوبيخ على استهزائهم بوعد اللّه و وعيده، و قولهم‏ وَ مََا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* [الصافات: 59].

و اعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة و هي التوحيد و النبوة و المعاد، و أجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ و النصيحة للرسول صلى اللّه عليه و سلم، و ذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه و يوجسون صدره، فقال تعالى:

فَاصْبِرْ كَمََا صَبَرَ أُولُوا اَلْعَزْمِ مِنَ اَلرُّسُلِ أي أولو الجد و الصبر و الثبات، و في الآية قولان.

الأول: أن تكون كلمة (من) للتبعيض و يراد بأولو العزم بعض الأنبياء قيل هم نوح صبر على أذى قومه و كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، و إبراهيم على النار و ذبح الولد، و إسحاق على الذبح، و يعقوب على فقدان الولد و ذهاب البصر، و يوسف على الجب و السجن، و أيوب على الضر و موسى قال له قومه‏ إِنََّا لَمُدْرَكُونَ*

31

`قََالَ كَلاََّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 61، 62]و داود بكى على زلته أربعين سنة، و عيسى لم يضع لبنة على لبنة و قال: إنها معبرة فاعبروها و لا تعمروها، و قال اللّه تعالى في آدم‏ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115]و في يونس‏ وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ [القلم: 48].

و القول الثاني: أن كل الرسل أولو عزم و لم يبعث اللّه رسولا إلا كان ذا عزم و حزم، و رأي و كمال و عقل، و لفظة من في قوله مِنَ اَلرُّسُلِ تبيين لا تبعيض كما يقال كسيته من الخز و كأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم، و وصفهم بالعزم لصبرهم و ثباتهم.

ثم قال: وَ لاََ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ و مفعول الاستعجال محذوف، و التقدير لا تستعجل لهم بالعذاب، قيل إن النبي صلى اللّه عليه و سلم ضجر من قومه بعض الضجر، و أحب أن ينزل اللّه العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر و ترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب، و أنه نازل بهم لا محالة و إن تأخر، و عند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار، و المعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا و البرزخ، كأنه ساعة من النهار، أو كأن لم يكن لهول ما عاينوا، أو لأن الشي‏ء إذا مضى صار كأنه لم يكن، و إن كان طويلا قال الشاعر:

كأن شيئا لم يكن إذا مضى # كأن شيئا لم يزل إذا أنى‏

و اعلم أنه تم الكلام هاهنا، ثم قال تعالى: بَلاََغٌ أي هذا بلاغ، و نظيره قوله تعالى: هََذََا بَلاََغٌ لِلنََّاسِ [إبراهيم: 52]أي هذا الذي وعظتم به فيه كفاية في الموعظة أو هذا تبليغ من الرسل، فهل يهلك إلا الخارجون عن الاتعاظ به و العمل بموجبه و اللّه أعلم.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث و ستمائة و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله و أصحابه و أزواجه و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

32

سورة محمد صلى اللّه عليه و سلم‏

ثلاثون و تسع آيات مكية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة، فإن آخرها قوله تعالى: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْفََاسِقُونَ [الأحقاف: 35]فإن قال قائل كيف يهلك الفاسق و له أعمال صالحة كإطعام الطعام و صلة الأرحام و غير ذلك؟مما لا يخلو عنه الإنسان في طول عمره فيكون في إهلاكه إهدار عمله و قد قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7]و قال تعالى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ أي لم يبق لهم عمل و لم يوجد فلم يمتنع الإهلاك، و سنبين كيف إبطال الأعمال مع تحقيق القول فيه، و تعالى اللّه عن الظلم، و في التفسير مسائل:

المسألة الأولى: من المراد بقوله اَلَّذِينَ كَفَرُوا ؟ قلنا فيه وجوه الأول: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل و الحرث ابنا هشام و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و غيرهم الثاني: كفار قريش الثالث: أهل الكتاب الرابع: هو عام يدخل فيه كل كافر.

المسألة الثانية: في الصد وجهان أحدهما: صدوا أنفسهم معناه أنهم صدوا أنفسهم عن السبيل و منعوا عقولهم من اتباع الدليل و ثانيهما: صدوا غيرهم و منعوهم كما قال تعالى عن المستضعفين‏ يَقُولُ اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْ لاََ أَنْتُمْ لَكُنََّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: 31]و على هذا بحث: و هو أن إضلال الأعمال مرتب على الكفر و الصد، و المستضعفون لم يصدوا فلا يضل أعمالهم، فنقول التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، و لا سيما إذا كان المذكور أولى بالذكر من غيره/و هاهنا الكافر الصاد أدخل في الفساد فصار هو أولى بالذكر أو نقول كل من كفر صار صادا لغيره، أما المستكبر فظاهر، و أما المستضعف فلأنه بمتابعته أثبت للمستكبر ما يمنعه من اتباع الرسول فإنه بعد ما يكون متبوعا يشق عليه بأن يصير تابعا، و لأن كل من كفر صار صادا لمن بعده لأن عادة الكفار اتباع المتقدم كما قال عنهم‏ إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 22]أو مقتدون، فإن قيل فعلى هذا كل كافر صاد فما الفائدة في ذكر الصد بعد الكفر نقول هو من باب ذكر السبب و عطف المسبب عليه تقول أكلت كثيرا و شبعت، و الكفر على هذا سبب الصد، ثم إذا قلنا بأن‏

33

المراد منه أنهم صدوا أنفسهم ففيه إشارة إلى أن ما في الأنفس من الفطرة كان داعيا إلى الإيمان، و الامتناع لمانع و هو الصد لنفسه.

المسألة الثالثة: في المصدود عنه وجوه الأول: عن الإنفاق على محمد عليه السلام و أصحابه الثاني: عن الجهاد الثالث: عن الإيمان الرابع: عن كل ما فيه طاعة اللّه تعالى و هو اتباع محمد عليه السلام، و ذلك لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم على الصراط المستقيم هاد إليه، و هو صراط اللّه قال تعالى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏`صِرََاطِ اَللََّهِ [الشورى: 52، 53]فمن منع من اتباع محمد عليه السلام فقد صد عن سبيل اللّه.

المسألة الرابعة: في الإضلال وجوه الأول: المراد منه الإبطال، و وجهه هو أن المراد أنه أضله بحيث لا يجده، فالطالب إنما يطلبه في الوجود، و ما لا يوجد في الوجود فهو معدوم. فإن قيل كيف يبطل اللّه حسنة أوجدها؟نقول إن الابطال على وجوه أحدها: يوازن بسيئاتهم الحسنات التي صدرت منهم و يسقطها بالموازنة و يبقي لهم سيئات محضة، لأن الكفر يزيد على غير الإيمان من الحسنات و الإيمان يترجح على غير الكفر من السيئات و ثانيها: أبطلها لفقد شرط ثبوتها و إثباتها و هو الإيمان لأنه شرط قبول العمل قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ* [غافر: 40]و إذا لم يقبل اللّه العمل لا يكون له وجود لأن العمل لا بقاء له في نفسه بل هو يعدم عقيب ما يوجد في الحقيقة غير أن اللّه تعالى يكتب عنده بفضله أن فلانا عمل صالحا و عندي جزاؤه فيبقى حكما، و هذا البقاء حكما خير من البقاء الذي للأجسام التي هي محل الأعمال حقيقة، فإن الأجسام و إن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء و العمل الصالح من الباقيات عند اللّه أبدا، و إذا ثبت هذا تبين أن اللّه بالقبول متفضل، و قد أخبر أني لا أقبل إلا من مؤمن فمن عمل و تعب من غير سبق الإيمان فهو المضيع تعبه لا اللّه تعالى و ثالثها: لم يعمل الكافر عمله لوجه اللّه تعالى فلم يأت بخير فلا يرد علينا قوله‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7]و بيانه هو أن العمل لا يتميز إلا بمن له العمل لا بالعامل و لا بنفس العمل، و ذلك لأن من قام ليقتل شخصا و لم يتفق قتله، ثم قال ليكرمه و لم يتفق الإكرام و لا القتل، و أخبر عن نفسه أنه قام في اليوم الفلاني لقتله و في اليوم الآخر لإكرامه يتميز القيامان لا بالنظر إلى القيام فإنه واحد و لا بالنظر إلى القائم/فإنه حقيقة واحدة، و إنما يتميز بما كان لأجله القيام، و كذلك من قام و قصد بقيامه إكرام الملك و قام و قصد بقيامه إكرام بعض العوام يتميز أحدهما عن الآخر بمنزلة العمل لكن نسبة اللّه الكريم إلى الأصنام فوق نسبة الملوك إلى العوام فالعمل للأصنام ليس بخير ثم إن اتفق أن يقصد واحد بعمله وجه اللّه تعالى و مع ذلك يعبد الأوثان لا يكون عمله خيرا، لأن مثل ما أتى به لوجه اللّه أتى به للصنم المنحوت فلا تعظيم الوجه الثاني: الإضلال هو جعله مستهلكا و حقيقته هو أنه إذا كفر و أتى للأحجار و الأخشاب بالركوع و السجود فلم يبق لنفسه حرمة و فعله لا يبقى معتبرا بسبب كفره، و هذا كمن يخدم عند الحارس و السائس إذا قام فالسلطان لا يعمل قيامه تعظيما لخسته كذلك الكافر، و أما المؤمن فبقدر ما يتكبر على غير اللّه يظهر تعظيمه للّه، كالملك الذي لا ينقاد لأحد إذا انقاد في وقت لملك من الملوك يتبين به عظمته الوجه الثالث: أَضَلَّهُ أي أهمله و تركه، كما يقال أضل بعيره إذا تركه مسيبا فضاع.

ثم إن اللّه تعالى لما بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين فقال:

34

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا مرارا أن اللّه تعالى كلما ذكر الإيمان و العمل الصالح، رتب عليهما المغفرة و الأجر كما قال: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [الحج: 50]و قال: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ [العنكبوت: 7]و قلنا بأن المغفرة ثواب الإيمان و الأجر على العمل الصالح و استوفينا البحث فيه في سورة العنكبوت فنقول هاهنا جزاء ذلك قوله كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ إشارة إلى ما يثيب على الإيمان، و قوله وَ أَصْلَحَ بََالَهُمْ إشارة إلى ما يثيب على العمل الصالح.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة تكفير السيئات مرتب على الإيمان و العمل الصالح فمن آمن و لم يفعل الصالحات يبقى في العذاب خالدا، فنقول لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتبا على الكفر و الضد، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله، أو نقول قد ذكرنا أن اللّه رتب أمرين على أمرين فمن آمن كفر سيئاته و من عمل صالحا أصلح باله أو نقول أي مؤمن يتصور أنه غير آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة و لا صيام و لا صدقة و لا إطعام، و على هذا فقوله وَ عَمِلُوا عطف المسبب على السبب، كما قلنا في قول القائل أكلت كثيرا و شبعت.

المسألة الثالثة: قوله وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ عَلى‏ََ مُحَمَّدٍ مع أن قوله آمنوا و عملوا الصالحات أفاد هذا المعنى فما الحكمة فيه و كيف وجهه؟فنقول: أما وجهه فبيانه من وجوه الأول: قوله وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أي باللّه و رسوله و اليوم الآخر، و قوله وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ أي بجميع الأشياء الواردة في كلام اللّه و رسوله تعميم بعد أمور خاصة و هو حسن، تقول خلق اللّه السموات و الأرض و كل شي‏ء إما على معنى و كل شي‏ء غير ما ذكرنا و إما على العموم بعد ذكر الخصوص الثاني: أن يكون المعنى آمنوا و آمنوا من قبل بما نزل على محمد و هو الحق المعجز الفارق بين الكاذب و الصادق يعني آمنوا أولا بالمعجز و أيقنوا بأن القرآن لا يأتي به غير اللّه، فآمنوا و عملوا الصالحات و الواو للجمع المطلق، و يجوز أن يكون المتأخر ذكرا متقدما وقوعا، و هذا كقول القائل آمن به، و كان الإيمان به واجبا، أو يكون بيانا لإيمانهم كأنهم وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ عَلى‏ََ مُحَمَّدٍ أي آمنوا و آمنوا بالحق كما يقول القائل خرجت و خرجت مصيبا أي و كان خروجي جيدا حيث نجوت من كذا و ربحت كذا فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان بما أمر اللّه و أنزل اللّه لا بما كان باطلا من عند غير اللّه الثالث: ما قاله أهل المعرفة، و هو أن العلم العمل و العمل العلم، فالعلم يحصل ليعمل به لما جاء: إذا عمل العالم العمل الصالح علم ما لم يكن يعلم، فيعلم الإنسان مثلا قدرة اللّه بالدليل و علمه و أمره فيحمله الأمر على الفعل و يحثه عليه علمه فعلمه بحاله و قدرته على ثوابه و عقابه، فإذا أتى بالعمل الصالح علم من أنواع مقدورات اللّه و معلومات اللّه تعالى ما لم يعلمه أحد إلا باطلاع اللّه عليه و بكشفه ذلك له فيؤمن، و هذا هو المعنى في قوله‏ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدََادُوا إِيمََاناً مَعَ إِيمََانِهِمْ [الفتح: 4]فإذا آمن المكلف بمحمد بالبرهان و بالمعجزة و عمل صالحا حمله علمه على أن يؤمن بكل ما قاله محمد و لم يجد في نفسه شكا، و للمؤمن في المرتبة الأولى أحوال و في المرتبة الأخيرة أحوال، أما في الإيمان باللّه ففي الأول يجعل اللّه معبودا، و قد يقصد غيره في حوائجه فيطلب الرزق من‏

35

زيد و عمر و يجعل أمرا سببا لأمر، و في الأخيرة يجعل اللّه مقصودا و لا يقصد غيره، و لا يرى إلا منه سره و جهره، فلا ينيب إلى شي‏ء في شي‏ء فهذا هو الإيمان الآخر باللّه و ذلك الإيمان الأول.

و أما ما في النبي صلى اللّه عليه و سلم فيقول أولا هو صادق فيما ينطق، و يقول آخر لا نطق له إلا باللّه، و لا كلام يسمع منه إلا و هو من اللّه، فهو في الأول يقول بالصدق و وقوعه منه، و في الثاني يقول بعدم إمكان الكذب منه لأن حاكي كلام الغير لا ينسب إليه الكذب و لا يمكن إلا في نفس الحكاية، و قد علم هو أنه حاك عنه كما قاله، و أما في المرتبة الأولى فيجعل الحشر مستقبلا و الحياة العاجلة حالا و في المرتبة الأخيرة يجعل الحشر حالا و الحياة الدنيا ماضيا، فيقسم حياة نفسه في كل لحظة، و يجعل الدنيا كلها عدما لا يلتفت إليها و لا يقبل عليها.

المسألة الرابعة: قوله وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ عَلى‏ََ مُحَمَّدٍ هو في مقابلة قوله في حق الكافر وَ صَدُّوا [محمد: 1] لأنا بينا في وجه أن المراد بهم صدوا عن اتباع محمد صلى اللّه عليه و سلم، و هذا حث على اتباع محمد/صلى اللّه عليه و سلم، فهم صدوا أنفسهم عن سبيل اللّه، و هو محمد عليه السلام و ما أنزل عليه، و هؤلاء حثوا أنفسهم على اتباع سبيله، لا جرم حصل لهؤلاء ضد ما حصل لأولئك، فأضل اللّه حسنات أولئك و ستر على سيئات هؤلاء.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: وَ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ هل يمكن أن يكون من ربهم وصفا فارقا، كما يقال رأيت رجلا من بغداد، فيصير وصفا للرجل فارقا بينه و بين من يكون من الموصل و غيره؟نقول لا، لأن كل ما كان من اللّه فهو الحق، فليس هذا هو الحق من ربهم، بل قوله مِنْ رَبِّهِمْ خبر بعد خبر، كأنه قال و هو الحق و هو من ربهم، أو إن كان وصفا فارقا فهو على معنى أنه الحق النازل من ربهم لأن الحق قد يكون مشاهدا، فإن كون الشمس مضيئة حق و هو ليس نازل من الرب، بل هو علم حاصل بطريق يسره اللّه تعالى لنا.

ثم قال تعالى: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بََالَهُمْ أي سترها و فيه إشارة إلى بشارة ما كانت تحصل بقوله أعدمها و محاها، لأن محو الشي‏ء لا ينبئ عن إثبات أمر آخر مكانه، و أما الستر فينبئ عنه، و ذلك لأن من يريد ستر ثوب بال أو وسخ لا يستره بمثله، و إنما يستره بثوب نفيس نظيف، و لا سيما الملك الجواد إذا ستر على عبد من عبيده ثوبه البالي أمر بإحضار ثوب من الجنس العالي لا يحصل إلا بالثمن الغالي، فيلبس هذا هو الستر بينه و بين المحبوبين، و كذلك المغفرة، فإن المغفرة و التكفير من باب واحد في المعنى، و هذا هو المذكور في قوله تعالى: فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ [الفرقان: 70]و قوله وَ أَصْلَحَ بََالَهُمْ إشارة إلى ما ذكرنا من أنه يبدلها حسنة، فإن قيل كيف تبدل السيئة حسنة؟نقول معناه أنه يجزيه بعد سيئاته ما يجزى المحسن على إحسانه، فإن قال الإشكال باق و باد، و ما زال بل زاد، فإن اللّه تعالى لو أثاب على السيئة كما يثيب عن الحسنة، لكان ذلك حثا على السيئة، نقول ما قلنا إنه يثيب على السيئة و إنما قلنا إنه يثيب بعد السيئة بما يثيب على الحسنة، و ذلك حيث يأتي المؤمن بسيئة، ثم يتنبه و يندم و يقف بين يدي ربه معترفا بذنبه مستحقرا لنفسه، فيصير أقرب إلى الرحمة من الذي لم يذنب، و دخل على ربه مفتخرا في نفسه، فصار الذنب شرطا للندم، و الثواب ليس على السيئة، و إنما هو على الندم، و كأن اللّه تعالى قال عبدي أذنب و رجع إليّ، ففعله شي‏ء لكن ظنه بي حسن حيث لم يجد ملجأ غيري فاتكل على فضلي، و الظن عمل القلب، و الفعل عمل البدن، و اعتبار عمل القلب أولى، ألا ترى أن النائم و المغمى عليه لا يلتفت إلى عمل بدنه، و المفلوج الذي لا حركة له يعتبر قصد قلبه، و مثال الروح و البدن راكب دابة يركض فرسه بين يدي ملك يدفع عنه العدو بسيفه و سنانه، و الفرس‏

36

يلطخ ثوب الملك بركضه في استنانه، فهل يلتفت إلى فعل الدابة مع فعل الفارس، بل لو كان الراكب فارغا /الفرس يؤذي بالتلويث يخاطب الفارس به، فكذلك الروح راكب و البدن مركوب، فإن كانت الروح مشغولة بعبادة اللّه و ذكره، و يصدر من البدن شي‏ء لا يلتفت إليه، بل يستحسن منه ذلك و يزاد في تربية الفرس الراكض و يهجر الفرس الواقف، و إن كان غير مشغول فهو مؤاخذ بأفعال البدن ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الباطل وجوه الأول: ما لا يجوز وجوده، و ذلك لأنهم اتبعوا إلها غير اللّه، و إله غير اللّه محال الوجود، و هو الباطل و غاية الباطل، لأن الباطل هو المعدوم، يقال بطل كذا، أي عدم، و المعدوم الذي لا يجوز وجوده و لا يمكن أن يوجد، و لا يجوز أن يصير حقا موجودا، فهو في غاية البطلان، فعلى هذا فالحق هو الذي لا يمكن عدمه و هو اللّه تعالى، و ذلك لأن الحق هو الموجود، يقال تحقق الأمر، أي وجد و ثبت، و الموجود الذي لا يجوز عدمه هو في غاية الثبوت الثاني: الباطل الشيطان بدليل قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 85]فبيّن أن الشيطان متبوع و أتباعه هم الكفار و الفجار، و على هذا فالحق هو اللّه، لأنه تعالى جعل في مقابلة حزب الشيطان حزب اللّه الثالث: الباطل، هو قول كبرائهم و دين آبائهم، كما قال تعالى عنهم: إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 22]و مقتدون فعلى هذا الحق ما قاله النبي عليه السلام عن اللّه الرابع: الباطل كل ما سوى اللّه تعالى، لأن الباطل و الهالك بمعنى واحد. و كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]و على هذا فالحق هو اللّه تعالى أيضا.

المسألة الثانية: لو قال قائل من ربهم لا يلائم إلا وجها واحدا من أربعة أوجه، و هو قولنا المراد من الحق هو ما أنزل اللّه و ما قال النبي عليه السلام من اللّه، فأما على قولنا الحق هو اللّه فكيف يصح قوله اِتَّبَعُوا اَلْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ نقول على هذا مِنْ رَبِّهِمْ لا يكون متعلقا بالحق، و إنما يكون تعلقه بقوله تعالى: اِتَّبَعُوا أي اتبعوا أمر ربهم، أي من فضل اللّه أو هداية ربهم اتبعوا الحق، و هو اللّه سبحانه.

المسألة الثالثة: إذا كان الباطل هو المعدوم الذي لا يجوز وجوده، فكيف يمكن اتباعه؟ نقول لما كانوا يقولون إنما يفعلون للأصنام و هي آلهة و هي تؤجرهم بذلك كانوا متبعين في زعمهم، و لا متبع هناك.

المسألة الرابعة: قال في حق المؤمنين اِتَّبَعُوا اَلْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ و قال في حق الكفار اِتَّبَعُوا اَلْبََاطِلَ من آلهتهم أو الشيطان، نقول أما آلهتهم فلأنهم لا كلام لهم و لا عقل، و حيث ينطقهم اللّه ينكرون فعلهم، كما قال تعالى: وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: 14]و قال تعالى: وَ كََانُوا بِعِبََادَتِهِمْ كََافِرِينَ [الأحقاف: 6]و اللّه تعالى رضي بفعلهم و ثبتهم عليه، و يحتمل أن يقال قوله مِنْ رَبِّهِمْ عائد إلى الأمرين جميعا، أي من ربهم اتبع هؤلاء الباطل، و هؤلاء الحق، أي من حكم ربهم، و من عند ربهم.

ثم قال تعالى: كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ و فيه أيضا مسائل:

المسألة الأولى: أي مثل ضربه اللّه تعالى حتى يقول كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ ؟ نقول فيه وجهان أحدهما: إضلال أعمال الكفار و تكفير سيئات الأبرار الثاني: كون الكافر متبعا للباطل، و كون المؤمن متبعا

37

للحق، و يحتمل وجهين آخرين أحدهما: على قولنا مِنْ رَبِّهِمْ أي من عند ربهم اتبع هؤلاء الباطل و هؤلاء الحق، نقول هذا مثل يضرب عليه جميع الأمثال، فإن الكل من عند اللّه الإضلال و غيره و الاتباع و غيره و ثانيهما: هو أن اللّه تعالى لما بيّن أن الكافر يضل اللّه عمله و المؤمن يكفر اللّه سيئاته، و كان بين الكفر و الإيمان مباينة ظاهرة فإنهما ضدان، نبه على أن السبب كذا أي ليس الإضلال و التكفير بسبب المضادة و الاختلاف بل بسبب اتباع الحق و الباطل، و إذا علم السبب فالفعلان قد يتحدان صورة و حقيقة و أحدهما يورث إبطال الأعمال و الآخر يورث تكفير السيئات بسبب أن أحدهما يكون فيه اتباع الحق و الآخر اتباع الباطل، فإن من يؤمن ظاهرا و قلبه مملوء من الكفر، و من يؤمن بقلبه و قلبه مملوء من الإيمان اتحد فعلاهما في الظاهر، و هما مختلفان بسبب اتباع الحق و اتباع الباطل، لا بدع من ذلك فإن من يؤمن ظاهرا و هو يسر الكفر، و من يكفر ظاهرا بالإكراه و قلبه مطمئن بالإيمان اختلف الفعلان في الظاهر، و إبطال الأعمال لمن أظهر الإيمان بسبب أن اتباع الباطل من جانبه فكأنه تعالى قال الكفر و الإيمان مثلان يثبت فيهما حكمان و علم سببه، و هو اتباع الحق و الباطل، فكذلك اعلموا أن كل شي‏ء اتبع فيه الحق كان مقبولا مثابا عليه، و كل أمر اتبع فيه الباطل كان مردودا معاقبا عليه فصار هذا عاما في الأمثال، على أنا نقول قوله كَذََلِكَ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب بل معناه أنه تعالى لما بيّن حال الكافر و إضلال أعماله و حال المؤمن و تكفير سيئاته و بيّن السبب فيهما، كان ذلك غاية الإيضاح فقال:

كَذََلِكَ أي مثل هذا البيان يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ و يبين لهم أحوالهم.

المسألة الثانية: الضمير في قوله أَمْثََالَهُمْ عائد إلى من؟ فيه وجهان: أحدهما: إلى الناس/كافة قال تعالى: يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ على أنفسهم، و ثانيهما: إلى الفريقين في الذكر معناه: يضرب اللّه للناس أمثال الفريقين السابقين.

ثم قال تعالى: فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ حَتََّى إِذََا أَثْخَنْتُمُوهُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الفاء في قوله فَإِذََا لَقِيتُمُ يستدعي متعلقا يتعلق به و يترتب عليه، فما وجه التعلق بما قبله؟ نقول هو من وجوه: الأول: لما بيّن أن الذين كفروا أضل اللّه أعمالهم و اعتبار الإنسان بالعمل، و من لم يكن له عمل فهو همج فإن صار مع ذلك يؤذي حسن إعدامه فَإِذََا لَقِيتُمُ بعد ظهور أن لا حرمة لهم و بعد إبطال أعمالهم، فاضربوا أعناقهم الثاني: إذا تبين تباين الفريقين و تباعد الطريقين، و أن أحدهما يتبع الباطل و هو حزب الشيطان، و الآخر يتبع الحق و هو حزب الرحمن حق القتال عند التحزب، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم الثالث: أن من الناس من يقول لضعف قلبه و قصور نظره إيلام الحيوان من الظلم و الطغيان، و لا سيما القتل الذي هو تخريب بنيان، فيقال ردا عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق و الباطل فمن يقتل في سبيل اللّه لتعظيم أمر اللّه لهم من الأجر ما للمصلي و الصائم، فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم و لا تأخذكم بهما رأفة فإن ذلك اتباع للحق و الاعتبار به لا بصورة الفعل.

المسألة الثانية: فَضَرْبَ منصوب على المصدر، أي فاضربوا ضرب الرقاب.

38

المسألة الثالثة: ما الحكمة في اختيار ضرب الرقبة على غيرها من الأعضاء نقول فيه: لما بيّن أن المؤمن ليس يدافع إنما هو دافع، و ذلك أن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولا مقتله بل يتدرج و يضرب على غير المقتل، فإن اندفع فذاك و لا يترقى إلى درجة الإهلاك، فقال تعالى ليس المقصود إلا دفعهم عن وجه الأرض، و تطهير الأرض منهم، و كيف لا و الأرض لكم مسجد، و المشركون نجس، و المسجد يطهر من النجاسة، فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولا إلى قتلهم بخلاف دفع الصائل، و الرقبة أظهر المقاتل لأن قطع الحلقوم و الأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك، و الرقبة ظاهرة في الحرب ففي ضربها حز العنق و هو مستلزم للموت بخلاف سائر المواضع، و لا سيما في الحرب، و في قوله لَقِيتُمُ ما ينبئ عن مخالفتهم الصائل لأن قوله لَقِيتُمُ يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا لقيكم، و لذلك قال في غير هذا الموضع‏ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ* [البقرة: 191].

المسألة الرابعة: قال هاهنا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ بإظهار المصدر و ترك الفعل، و قال في الأنفال‏ فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنََاقِ [الأنفال: 12]بإظهار الفعل، و ترك المصدر، فهل فيه فائدة؟نقول نعم و لنبينها بتقديم مقدمة، و هي أن المقصود أولا في بعض السور قد يكون صدور الفعل من فاعل و يتبعه المصدر/ضمنا، إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا و يقع منه المصدر في الوجود، و قد يكون المقصود أولا المصدر و لكنه لا يوجد إلا من فاعل فيطلب منه أن يفعل، مثاله من قال: إني حلفت أن أخرج من المدينة. فيقال له: فاخرج، صار المقصود منه صدور الفعل منه و الخروج في نفسه غير مقصود الانتفاء، و لو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه إلا أن يخرج لكن من ضرورات الخروج أن يخرج، فإذا قال قائل ضاق بي المكان بسبب الأعداء فيقال له مثلا الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب حتى لو أمكن الخروج من غير فاعل لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل، إذا عرفت هذا فنقول في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة و هم كانوا فيها و الملائكة أنزلوا لنصرة من حضر في صف القتال فصدور الفعل منه مطلوب، و هاهنا الأمر وارد و ليس في وقت القتال بدليل قوله تعالى: فَإِذََا لَقِيتُمُ و المقصود بيان كون المصدر مطلوبا لتقدم المأمور على الفعل قال:

فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ و فيما ذكرنا تبيين فائدة أخرى و هي أن اللّه تعالى قال هناك‏ وَ اِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنََانٍ [الأنفال: 12]و ذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل و غيره إن لم يصيبوا المقتل، و هاهنا ليس وقت القتال فبيّن أن المقصود القتل و غرض المسلم ذلك.

المسألة الخامسة: حَتََّى لبيان غاية الأمر لا لبيان غاية القتل أي حتى إذا أثخنتموهم لا يبقى الأمر بالقتل، و يبقى الجواز و لو كان لبيان القتل لما جاز القتل، و القتل جائز إذا التحق المثخن بالشيخ الهرم، و المراد كما إذا قطعت يداه و رجلاه فنهى عن قتله.

ثم قال تعالى: فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ أمر إرشاد.

ثم قال تعالى: فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: (إما) و إنما للحصر و حالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل و الاسترقاق و المن و الفداء، نقول هذا إرشاد فذكر الأمر العام الجائز في سائر الأجناس، و الاسترقاق غير جائز

39

في أسر العرب، فإن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان معهم فلم يذكر الاسترقاق، و أما القتل فلأن الظاهر في المثخن الإزمان، و لأن القتل ذكره بقوله فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ فلم يبق إلا الأمران.

المسألة الثانية: منا و فداء منصوبان لكونهما مصدرين تقديره: فإما تمنون منا و إما تفدون فداء و تقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال، و الفداء يجوز أن يكون مالا يكون و أن يكون غيره من الأسرى أو يشرط عليهم أو عليه وحده.

المسألة الثالثة: إذا قدرنا الفعل و هو تمنون أو تفدون على تقدير المفعول، حتى نقول إما تمنون عليهم منا أو تفدونهم فداء، نقول لا لأن المقصود المن و الفداء لا عليهم و بهم كما يقول/القائل: فلان يعطي و يمنع و لا يقال يعطي زيدا و يمنع عمرا لأن غرضه ذكر كونه فاعلا لا بيان المفعول، و كذلك هاهنا المقصود إرشاد المؤمنين إلى الفضل.

ثم قال تعالى: حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا .

و في تعلق حَتََّى وجهان أحدهما: تعلقها بالقتل أي اقتلوهم حتى تضع و ثانيهما: بالمن و الفداء، و يحتمل أن يقال متعلقة بشدوا الوثاق و تعلقها بالقتل أظهر و إن كان ذكره أبعد، و في الأوزار وجهان أحدهما:

السلاح و الثاني: الآثام و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إن كان المراد الإثم، فكيف تضع الحرب الإثم و الإثم على المحارب؟ و كذلك السؤال في السلاح لكنه على الأول أشد توجها، فيقول تضع الحرب الأوزار لا من نفسها، بل تضع الأوزار التي على المحاربين و السلاح الذي عليهم.

المسألة الثانية: هل هذا كقوله تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82] حتى يكون كأنه قال حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها؟نقول ذلك محتمل في النظر الأول، لكن إذا أمعنت في المعنى تجد بينهما فرقا، و ذلك لأن المقصود من قوله حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزبا من أحزاب الإسلام، و لو قلنا حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة و يتركوا الحرب و هي باقية بمادتها كما تقول خصومتي ما انفصلت و لكني تركتها في هذه الأيام، و إذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم يبق.

المسألة الثالثة: لو قال حتى لا يبقى حزب أو ينفر من الحرب هل يحصل معنى قوله حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا نقول لا و التفاوت بين العبارتين مع قطع النظر عن النظم، بل النظر إلى نفس المعنى كالتفاوت بين قولك انقرضت دولة بني أمية، و قولك لم يبق من دولتهم أثر، و لا شك أن الثاني أبلغ، فكذلك هاهنا قوله تعالى: أَوْزََارَهََا معناه آثارها فإن من أوزار الحرب آثارها.

المسألة الرابعة: وقت وضع أوزار الحرب متى هو؟ نقول فيه أقوال حاصلها راجع إلى أن ذلك الوقت هو الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من أحزاب الإسلام و حزب من أحزاب الكفر و قيل ذلك عند قتال الدجال و نزول عيسى عليه السلام.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ وَ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ .

40

في معنى ذلك وجهان أحدهما: الأمر ذلك و المبتدأ محذوف و يحتمل أن يقال ذلك واجب أو مقدم، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أي فذاك مقصود و مطلوب، ثم بيّن أن قتالهم ليس طريقا متعينا بل اللّه لو أراد أهلكهم من غير جند.

قوله تعالى: وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ .

أي و لكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إياكم لهذا الأمر. فإن قيل ما التحقيق في قولنا التكليف ابتلاء و امتحان و اللّه يعلم السر و أخفى، و ماذا يفهم من قوله وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ؟نقول فيه وجوه الأول: أن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أي كما يفعل المبتلى المختبر، و منها أن اللّه تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة و إما للناس، و التحقيق هو أن الابتلاء و الامتحان و الاختبار فعل يظهر بسببه أمر غير متعين عند العقلاء بالنظر إليه قصدا إلى ظهوره، و قولنا فعل يظهر بسببه أمر ظاهر الدخول في مفهوم الابتداء، لأن ما لا يظهر بسببه شي‏ء أصلا لا يسمى ابتلاء، أما قولنا أمر غير متعين عند العقلاء، و ذلك لأن من يضرب بسيفه على القثاء و الخيار لا يقال إنه يمتحن، لأن الأمر الذي يظهر منه متعين و هو القطع و القد بقسمين، فإذا ضرب بسيفه سبعا يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه و قد يقده و قد لا يقده، و أما قولنا ليظهر منه ذلك فلأن من يضرب سبعا بسيفه ليدفعه عن نفسه لا يقال إنه ممتحن لأن ضربه ليس لظهور أمر متعين، إذا علم هذا فنقول اللّه تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين، و هو إما الطاعة أو المعصية في العقول ليظهر ذلك يكون ممتحنا، و إن كان عالما به لكون عدم العلم مقارنا فينا لابتلائنا فإذا ابتلينا و عدم العلم فينا مستمر أمرنا و ليس من ضرورات الابتلاء، فإن قيل الابتلاء فائدته حصول العلم عند المبتلى، فإذا كان اللّه تعالى عالما فأية فائدة فيه؟ نقول ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء، فإن قول القائل: لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر و هو مستغن، و لم خلق النار محرقة و هو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع و لا تضر؟و جوابه: لا يسأل عما يفعل، و نقول حينئذ ما قاله المتقدمون إنه لظهور الأمر المتعين لإله، و بعد هذا فنقول: المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذي يظهر من الابتلاء، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجا، كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن و قوله لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ إشارة إلى عدم الحاجة تقريرا لقوله ذََلِكَ وَ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ .

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ .

قرئ قتلوا و قاتلوا و الكل مناسب لما تقدم، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال: فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ و معناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ ردا على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل اللّه أعمال الكفار، و لن يضل القاتلين، فكيف يكون القتل سيئة، و أما من قرأ قاتلوا فهو أكثر فائدة و أعم تناولا، لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل، و أما من قرأ وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه أحدها: هو أنه تعالى/لما قال: فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ أي اقتلوا و القتل لا يتأتى إلا بالإقدام و خوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل اللّه له من الأجر و الثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه و ثانيها: هو أنه تعالى لما قال: لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ

41

و المبتلى بالشي‏ء له على كل وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال، فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن يقطع و تنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله و يهدى و يكرم و يدخل الجنة، و أما إن قتل فلا يخفى (أمره) (1) عاجلا و آجلا، و ترك بيانه على تقدير كونه قاتلا لظهوره و بين حاله على تقدير كونه مقتولا و ثالثها: هو أن تعالى لما قال: ليبلوكم و لا يبتلي الشي‏ء النفيس بما يخاف منه هلاكه، فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشي‏ء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار، و لكن الآدمي مكرم كرمه اللّه و شرفه و عظمه، فلما ذا ابتلاه بالقتال و هو يفضي إلى القتل و الهلاك إفضاء غير نادر، فكيف يحسن هذا الابتلاء؟فنقول القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير أن يقتل مكرم و على تقدير أن لا يقتل مكرم هذا إن قاتل و إن لم يقاتل، فالموت لا بد منه و قد فوت على نفسه الأجر الكبير.

و أما قوله تعالى: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ قد علم معنى الإضلال، بقي الفرق بين العبارتين في حق الكافر و الضال قال‏ أَضَلَّ [محمد: 1]و قال في حق المؤمن الداعي فَلَنْ يُضِلَّ ، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب، و ذلك حيث يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم و إما أن تقتل، فهو داع و الكافر صاد و بينهما تباين و تضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي، و لم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم، و كأنه لم يوجد من أصله، و قال في حق المؤمن فلن يضل، و لم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له، فلن يضل للتأبيد و بينهما غاية الخلاف، كما أن بين الداعي و الصاد غاية التباين و التضاد، فإن قيل ما معنى الفاء في قوله فَلَنْ يُضِلَّ ؟جوابه لأن في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا معنى الشرط.

قوله تعالى: سَيَهْدِيهِمْ .

إن قرئ قُتِلُوا أو قاتلوا فالهداية محمولة على الآجلة و العاجلة، و إن قرئ قُتِلُوا فهو الآخرة سَيَهْدِيهِمْ طريق الجنة من غير وقفة من قبورهم إلى موضع حبورهم.

و قوله: وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ .

قد تقدم تفسيره في قوله تعالى: أَصْلَحَ بََالَهُمْ [محمد: 2]و الماضي و المستقبل راجع إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان و العمل الصالح، و ذلك كان واقعا منهم فأخبر عن الجزاء بصيغة تدل على /الوقوع، و هاهنا وعدهم بسبب القتال و القتل، فكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال، لأن قوله تعالى: فَإِذََا لَقِيتُمُ [محمد: 4]يدل على الاستقبال فقال: وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ ثم قال تعالى:

و كأن اللّه تعالى عند حشرهم يهديهم إلى طريق الجنة و يلبسهم في الطريق خلع الكرامة، و هو إصلاح البال وَ يُدْخِلُهُمُ اَلْجَنَّةَ فهو على ترتيب الوقوع.

و أما قوله عَرَّفَهََا لَهُمْ . ففيه وجوه: أحدها: هو أن كل أحد يعرف منزلته و مأواه، حتى أن أهل الجنة

____________

(1) في النسخة التي بين أيدينا من تفسير الرازي هنا كلمة غير واضحة و لعل ما أثبته هو الصواب.

42

يكونون أعرف بمنازلهم فيها من أهل الجمعة ينتشرون في الأرض كل أحد يأوي إلى منزله، و منهم من قال الملك الموكل بأعماله يهديه الوجه الثاني: عَرَّفَهََا لَهُمْ أي طيبها يقال طعام معرف الوجه الثالث: قال الزمخشري يحتمل أن يقال عرفها لهم حددها من عرف الدار و أرفها أي حددها، و تحديها في قوله‏ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ [آل عمران: 133]و يحتمل أن يقال المراد هو قوله تعالى: وَ تِلْكَ اَلْجَنَّةُ اَلَّتِي أُورِثْتُمُوهََا [الزخرف: 72]مشيرا إليها معرفا لهم بأنها هي تلك و فيه وجه آخر و هو أن يقال معناه عَرَّفَهََا لَهُمْ قبل القتل فإن الشهيد قبل وفاته تعرض عليه منزلته في الجنة فيشتاق إليها و وجه ثان: معناه وَ يُدْخِلُهُمُ اَلْجَنَّةَ و لا حاجة إلى وصفها فإنه تعالى: عَرَّفَهََا لَهُمْ مرارا و وصفها و وجه ثالث: و هو من باب تعريف الضالة فإن اللّه تعالى لما قال: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ [التوبة: 111] فكأنه تعالى قال من يأخذ الجنة و يطلبها بماله أو بنفسه فالذي قتل سمع التعريف و بذل ما طلب منه عليها فأدخلها، ثم إنه تعالى لما بيّن ما على القتال من الثواب و الأجر وعدهم بالنصر في الدنيا زيادة في الحث ليزداد منهم الإقدام فقال:

و في نصر اللّه تعالى وجوه: الأول: إن تنصروا دين اللّه و طريقه و الثاني: إن تنصروا حزب اللّه و فريقه الثالث: المراد نصرة اللّه حقيقة، فنقول النصرة تحقيق مطلوب أحد المتعاديين عند الاجتهاد و الأخذ في تحقيق علامته، فالشيطان عدو اللّه يجتهد في تحقيق الكفر و غلبة أهل الإيمان، و اللّه يطلب قمع الكفر و إهلاك أهله و إفناء من اختار الإشراك بجهله، فمن حقق نصرة اللّه حيث حقق مطلوبه لا تقول حقق مراده فإن مراد اللّه لا يحققه غيره، و مطلوبه عند أهل السنة غير مراده فإنه طلب الإيمان من الكافر و لم يرده و إلا لوقع.

ثم قال: يَنْصُرْكُمْ فإن قيل فعلام قلت إذا نصر المؤمنين اللّه تعالى، فقد حقق ما طلبه، فكيف/يحقق ما طلبه العبد و هو شي‏ء واحد، فنقول المؤمن ينصر اللّه بخروجه إلى القتال و إقدامه، و اللّه ينصره بتقويته و تثبيت أقدامه، و إرسال الملائكة الحافظين له من خلفه و قدامه ثم قال تعالى:

هذا زيادة في تقوية قلوبهم، لأنه تعالى لما قال: وَ يُثَبِّتْ أَقْدََامَكُمْ [محمد: 7]جاز أن يتوهم أن الكافر أيضا يصير و يثبت للقتال فيدوم القتال و الحراب و الطعان و الضراب، و فيه المشقة العظيمة فقال تعالى: لكم الثبات و لهم الزوال و التغير و الهلاك فلا يكون الثبات، و سببه ظاهر لأن آلهتهم جمادات لا قدرة لها و لا ثبات عند من له قدرة، فهي غير صالحة لدفع ما قدره اللّه تعالى عليهم من الدمار، و عند هذا لا بد عن زوال القدم و العثار، و قال في حق المؤمنين وَ يُثَبِّتْ بصيغة الوعد لأن اللّه تعالى لا يجب عليه شي‏ء، و قال في حقهم بصيغة الدعاء، و هي أبلغ من صيغة الإخبار من اللّه لأن عثارهم واجب لأن عدم النصرة من آلهتهم واجب الوقوع إذ لا قدرة لها و التثبيت من اللّه ليس بواجب الوقوع، لأنه قادر مختار يفعل ما يشاء.

و قوله وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ إشارة إلى بيان مخالفة موتاهم لقتلى المسلمين، حيث قال في حق قتلاهم‏

43

فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ [محمد: 4]و قال في موتى الكافرين وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ ثم بيّن اللّه تعالى سبب ما اختلفوا فيه فقال:

و فيه وجوه الأول: المراد القرآن، و وجهه هو أن كيفية العمل الصالح لا تعلم بالعقل و إنما تدرك بالشرع و الشرع بالقرآن فلما أعرضوا لم يعرفوا العمل الصالح و كيفية الإتيان به، فأتوا بالباطل فأحبط أعمالهم الثاني:

كَرِهُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ من بيان التوحيد كما قال اللّه تعالى عنهم‏ أَ إِنََّا لَتََارِكُوا آلِهَتِنََا [الصافات: 36]و قال تعالى: أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً إلى أن قال: إِنْ هََذََا إِلاَّ اِخْتِلاََقٌ [ص: 5-7]و قال تعالى: وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر: 45]و وجهه أن الشرك محبط للعمل، قال اللّه تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]و كيف لا و العمل من المشرك لا يقع لوجه اللّه فلا بقاء له في نفسه و لا بقاء له ببقاء من له العمل، لأن ما سوى وجه اللّه تعالى هالك محبط الثالث: كَرِهُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها، و الدنيا و ما فيها و مآلها باطل، فأحبط اللّه أعمالهم. و قوله:

فيه مناسبة للوجه الثالث يعني فينظروا إلى حالهم و يعلموا أن الدنيا فانية.

و قوله دَمَّرَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ أي أهلك عليهم متاع الدنيا من الأموال و الأولاد و الأزواج و الأجساد.

و قوله تعالى: وَ لِلْكََافِرِينَ أَمْثََالُهََا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد لهم أمثالها في الدنيا، و حينئذ يكون المراد من الكافرين هم الكافرون بمحمد عليه الصلاة و السلام و ثانيهما: أن يكون المراد لهم أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من تقدم كأنه يقول: دمر اللّه عليهم في الدنيا و لهم في الآخرة أمثالها، و في العائد إليه ضمير المؤنث في قوله أَمْثََالُهََا وجهان أحدهما: هو المذكور و هو العاقبة و ثانيهما: هو المفهوم و هو العقوبة، لأن التدمير كان عقوبة لهم، فإن قيل على قولنا المراد للكافرين بمحمد عليه السلام أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة يرد سؤال، و هو أن الأولين أهلكوا بوقائع شديدة كالزلازل و النيران و غيرهما من الرياح و الطوفان، و لا كذلك قوم محمد صلى اللّه عليه و سلم، نقول جاز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم السلام عليه و إخبارهم عنه و إنذارهم به على أنهم قتلوا و أسروا بأيديهم من كانوا يستخفونهم و يستضعفونهم و القتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام و سؤال آخر: إذا كان الضمير عائدا إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟قلنا يجوز أن يقال المراد العذاب الذي هو مدلول العاقبة أو الألم الذي كانت العاقبة عليه ثم قال تعالى:

ذََلِكَ يحتمل أن يكون إشارة إلى النصر و هو اختيار جماعة ذكره الواحدي، و يحتمل وجها آخر أغرب من حيث النقل، و أقرب من حديث العقل، و هو أنا لما بينا أن قوله تعالى: وَ لِلْكََافِرِينَ أَمْثََالُهََا [محمد: 10] إشارة إلى أن قوم محمد عليه الصلاة و السلام أهلكوا بأيدي أمثالهم الذين كانوا لا يرضون بمجالستهم و هو آلم‏

44

من الهلاك بالسبب العام، قال تعالى: ذََلِكَ أي الإهلاك و الهوان بسبب أن اللّه تعالى ناصر المؤمنين، و الكافرون اتخذوا آلهة لا تنفع و لا تضر، و تركوا اللّه فلا ناصر لهم و لا شك أن من ينصره اللّه تعالى يقدر على القتل و الأسر و إن كان له ألف ناصر فضلا عن أن يكون لا ناصر لهم، فإن قيل كيف الجمع بين قوله تعالى: لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ و بين قوله‏ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ* [الأنعام: 62]نقول المولى ورد بمعنى السيد و الرب و الناصر فحيث قال: لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ أراد لا ناصر لهم، و حيث قال: مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ* أي ربهم و مالكهم، كما قال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ* [النساء: 1]و قال: رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبََائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ* [الشعراء: 26]/و في الكلام تباين عظيم بين الكافر و المؤمن لأن المؤمن ينصره اللّه و هو خير الناصرين، و الكافر لا مولى له بصيغة نافية للجنس، فليس له ناصر و إنه شر الناصرين ثم قال تعالى:

لما بيّن اللّه تعالى حال المؤمنين و الكافرين في الدنيا بيّن حالهم في الآخرة و قال إنه يدخل المؤمن الجنة و الكافر النار و فيه مسائل:

المسألة الأولى: كثيرا ما يقتصر اللّه على ذكر الأنهار في وصف الجنة لأن الأنهار يتبعها الأشجار و الأشجار تتبعها الثمار و لأنه سبب حياة العالم، و النار سبب الإعدام، و للمؤمن الماء ينظر إليه و ينتفع به، و للكافر النار يتقلب فيها و يتضرر بها.

المسألة الثانية: ذكرنا مرارا أن من في قوله مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ يحتمل أن يكون صلة معناه تجري تحتها الأنهار، و يحتمل أن يكون المراد أن ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، فيقال هذا النهر منبعه من أين؟ يقال من عين كذا من تحت جبل كذا.

المسألة الثالثة: قال: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ خصهم بالذكر مع أن المؤمن أيضا له التمتع بالدنيا و طيباتها، نقول من يكون له ملك عظيم و يملك شيئا يسيرا أيضا لا يذكر إلا بالملك العظيم، يقال في حق الملك العظيم صاحب الضيعة الفلانية و من لا يملك إلا شيئا يسيرا فلا يذكر إلا به، فالمؤمن له ملك الجنة فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه في حقه و الكافر ليس له إلا الدنيا، و وجه آخر: الدنيا للمؤمن سجن كيف كان، و من يأكل في السجن لا يقال إنه يتمتع، فإن قيل كيف تكون الدنيا سجنا مع ما فيها من الطيبات؟نقول للمؤمن في الآخرة طيبات معدة و إخوان مكرمون نسبتها و نسبتهم إلى الدنيا و من فيها تتبين بمثال، و هو أن من يكون له بستان فيه من كل الثمرات الطيبة في غاية اللذة و أنهار جارية في غاية الصفاء و دور و غرف في غاية الرفعة و أولاده فيها، و هو قد غاب عنهم سنين ثم توجه إليهم و هم فيها، فلما قرب منهم عوق في أجمة فيها من بعض الثمار العفصة و المياه الكدرة، و فيها سباع و حشرات كثيرة، فهل يكون حاله فيها كحال مسجون في بئر مظلمة و في بيت خراب أم لا؟و هل يجوز أن يقال له اترك ما هو لك و تعلل بهذه الثمار و هذه الأنهار أم لا؟. /كذلك حال المؤمن، و أما الكافر فحاله كحال من يقدم إلى القتل فيصبر عليه أياما في مثل تلك الأجمة التي ذكرناها يكون في جنة، و نسبة الدنيا إلى الجنة و النار دون ما ذكرنا من المثال، لكنه ينبئ ذا البال، عن حقيقة الحال.

45

و قوله تعالى: كَمََا تَأْكُلُ اَلْأَنْعََامُ يحتمل وجوها أحدها: أن الأنعام يهمها الأكل لا غير و الكافر كذلك و المؤمن يأكل ليعمل صالحا و يقوى عليه و ثانيها: الأنعام لا تستدل بالمأكول على خالقها و الكافر كذلك و ثالثها: الأنعام تعلف لتسمن و هي غافلة عن الأمر، لا تعلم أنها كلما كانت أسمن كانت أقرب إلى الذبح و الهلاك، و كذلك الكافر و يناسب ذلك قوله تعالى: وَ اَلنََّارُ مَثْوىً لَهُمْ .

المسألة الرابعة: قال في حق المؤمن إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ بصيغة الوعد، و قال في حق الكافر وَ اَلنََّارُ مَثْوىً لَهُمْ بصيغة تنبئ عن الاستحقاق لما ذكرنا أن الإحسان لا يستدعي أن يكون عن استحقاق، فالمحسن إلى من لم يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم، و المعذب من غير استحقاق ظالم.

لما ضرب اللّه تعالى لهم مثلا بقوله‏ أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ [محمد: 10]و لم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي عليه السلام مثلا تسلية له فقال: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ اَلَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنََاهُمْ و كانوا أشد من أهل مكة كذلك نفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم، و قوله فَلاََ نََاصِرَ لَهُمْ قال الزمخشري كيف قوله فَلاََ نََاصِرَ لَهُمْ مع أن الإهلاك ماض، و قوله فَلاََ نََاصِرَ لَهُمْ للحال و الاستقبال؟ و الجواب أنه محمول على الحكاية و الحكاية كالحال الحاضر، و يحتمل أن يقال أهلكناهم في الدنيا فلا ناصر لهم ينصرهم و يخلصهم من العذاب الذي هم فيه، و يحتمل أن يقال قوله فَلاََ نََاصِرَ لَهُمْ عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من تقدم أهل قريتك و لا ناصر لأهل قريتك ينصرهم و يخلصهم مما جرى على الأولين ثم قال تعالى:

اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام و الكفار ليعلم أن إهلاك الكفار و نصرة/النبي عليه السلام في الدنيا محقق، و أن الحال يناسب تعذيب الكافر و إثابة المؤمن، و قوله عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ فرق فارق، و قوله مِنْ رَبِّهِ مكمل له، و ذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين المتمسك بها و بين القائل قولا لا دليل عليه، فإذا كانت البينة منزلة من اللّه تعالى تكون أقوى و أظهر فتكون أعلى و أبهر، و يحتمل أن يقال قوله مِنْ رَبِّهِ ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله‏ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ* [المدثر: 31]و قولنا الهداية من اللّه، و كذلك قوله تعالى: كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فرق فارق، و قوله وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ تكملة و ذلك أن من زين له سوء عمله و راجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان و قبله، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر و يرجع إلى الحق، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان، و قد يتبع هواه و لا يتدبر في البرهان و لا يتفكر في البيان فيكون في غاية البعد، فإذن حصل النبي صلى اللّه عليه و سلم و المؤمن مع الكافر في طرفي التضاد و غاية التباعد حتى مدهم بالبينة، و الكافر له الشبهة و هو مع اللّه و أولئك مع الهوى و على قولنا مِنْ رَبِّهِ معناه الإضافة إلى اللّه، كقولنا الهداية من اللّه، فقوله اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ مع ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى: مََا أَصََابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ وَ مََا أَصََابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79]و قوله كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بصيغة التوحيد محمول على لفظة من، و قوله وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ محمول على معناه فإنها للجميع و العموم، ـ

46

و ذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ لقربه منه في الحس و الذكر، و عند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه، فظهر التعدد فحمل على المعنى.

قوله تعالى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ الي قوله وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لما بيّن الفرق بين الفريقين في الاهتداء و الضلال بيّن الفرق بينهما في مرجعهما و مآلهما، و كما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه، قدم حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله، و في التفسير مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ يستدعي أمرا يمثل به فما هو؟ نقول فيه وجوه: الأول: قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف الجنة، و ذلك لا يقتضي ممثلا به، و على هذا ففيه احتمالان أحدهما: أن يكون الخبر محذوفا و يكون مَثَلُ اَلْجَنَّةِ مبتدأ تقديره فيما قصصناه مثل الجنة، ثم يستأنف و يقول فِيهََا أَنْهََارٌ ، و كذلك القول في سورة الرعد يكون قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ [الرعد: 35]ابتداء بيان و الاحتمال الثاني: أن يكون فيها أنهار و قوله‏ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا خبرا كما يقال صف لي زيدا، فيقول القائل: زيد أحمر قصير، و القول الثاني: أن المثل زيادة و التقدير: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار. الوجه الثاني: هاهنا الممثل به محذوف غير مذكور و هو يحتمل قولين أحدهما: قال الزجاج حيث قال:

مَثَلُ اَلْجَنَّةِ جنة تجري فِيهََا أَنْهََارٌ كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد في رجل منكر لا يكون هو في الحقيقة إلا زيدا الثاني: من القولين هو أن يقال معناه مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ مثل عجيب، أو شي‏ء عظيم أو مثل ذلك، و على هذا يكون قوله فِيهََا أَنْهََارٌ كلاما مستأنفا محققا لقولنا مثل عجيب الوجه الثالث: الممثل به مذكور و هو قول الزمخشري حيث قال: كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ مشبه به على طريقة الإنكار، و حينئذ فهذا كقول القائل حركات زيد أو أخلاقه كعمرو، و كذلك على أحد التأويلين، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر، و كذلك على أحد التأويلين، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر، و كذلك هاهنا كأنه تعالى قال: مثل الجنة كمن هو خالد في النار، و هذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول الزمخشري، و على هذا فقوله تعالى: فِيهََا أَنْهََارٌ و ما بعد هذا جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ و الخبر كما يقال نظير زيد فيه مروءة و عنده علم و له أصل عمرو.

ثم قال تعالى: فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهََارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ وَ أَنْهََارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى .

اختار الأنهار من الأجناس الأربعة، و ذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه، و إما أن يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم، فإن كان للطعم فالطعوم تسعة: المر و المالح و الحريف و الحامض و العفص و القابض و التفه و الحلو و الدسم ألذها الحلو و الدسم، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره و أما أدسم الأشياء فالدهن، لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل و لا للشرب، فإن الدهن لا يؤكل و لا يشرب كما هو في الغالب، و أما

47

اللبن فيه الدسم الكائن في غيره و هو طيب للأكل و به تغذية الحيوان أولا فذكره اللّه تعالى، و أما ما يشرب لا لأمر عائد إلى الطعم فالماء و الخمر فإن الخمر فيها أمر يشربها الشارب لأجله، هي كريهة الطعم باتفاق من يشربها و حصول التواتر به ثم عرى كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التي هي فيها و تتغير بها الدنيا فالماء يتغير يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن يأمن فهو آسن و أسن اللبن إذا بقي زمانا تغير طعمه، و الخمر يكرهه الشارب عند الشرب، و العسل يشوبه أجزاء من الشمع و من النحل يموت فيه كثيرا، ثم إن اللّه تعالى خلط الجنسين فذكر الماء الذي يشرب لا للطعم و هو عام الشرب، و قرن به اللبن الذي يشرب لطعمه و هو عام الشرب إذ ما من أحد إلا و كان شربه اللبن، ثم ذكر الخمر الذي يشرب لا للطعم و هو قليل الشرب، و قرن به العسل الذي يشرب للطعم و هو قليل الشرب، فإن قيل العسل/لا يشرب، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل و السكر قريب الزمان، ألا ترى أن السكنجبين من «سركه و انكبين» و هو الخل و العسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولا من الخل و العسل و لم يعرف السكر إلا في زمان متأخر، و لأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل للتمييز (1) و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قال في الخمر لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ و لم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين و لا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص و يعافه الآخر، فقال:

لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ بأسرهم و لأن الخمر كريهة الطعم فقال: لَذَّةٍ أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم، و أما الطعم و اللون فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو و الحامض و غيرهما يدركه كل أحد كذلك، لكنه قد يعافه بعض الناس و يلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعما واحدا و كذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة، و قوله لَذَّةٍ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ و لذيذ و أطعمة لذة و لذيذة و ثانيهما: أن يكون ذلك وصفا بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله و للعاقل كله.

ثم قال تعالى: وَ لَهُمْ فِيهََا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ .

بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول، و لما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز و اللحم، و هذا كقوله تعالى في سورة الرعد مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ أُكُلُهََا دََائِمٌ وَ ظِلُّهََا [الرعد: 35]حيث أشار إلى المأكول و المشروب، و هاهنا لطيفة و هي أنه تعالى قال فيها وَ ظِلُّهََا و لم يقل هاهنا ذلك، نقول قال هاهنا وَ مَغْفِرَةٌ و الظل فيه معنى الستر و المغفرة كذلك، و لأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير، و ظلها هو رحمة اللّه و مغفرته حيث لا يمسهم حر و لا برد.

المسألة الثالثة: المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة؟ فنقول الجواب عنه من وجهين: الأول: ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها، بل يكون عطفا على قوله (لهم) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها و لهم المغفرة قبل دخولها و الثاني: هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع

____________

(1) كانت العرب تشرب العسل ممزوجا بالماء، و قد شربه الرسول كذلك و أمر بأن يسقي مريض البطن عسلا، و الأحاديث الدالة على هذا كثيرة، و المراد به في كلها عسل النحل و العسل إذا أطلق لا يراد إلا عسل النحل كما أنه لم يسمه إلا عسلا بدون إضافة.

48

التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب، و وجه آخر و هو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز، فقال: وَ لَهُمْ فِيهََا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ وَ مَغْفِرَةٌ لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور، و هذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون/وقت حاجتهم إلى إراقة البول و غيره: يا معلم غفر اللّه لك، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم، فقلت في نفسي معناه هو أن اللّه تعالى في الجنة غفر لمن أكل، و أما في الدنيا، فلأن للأكل توابع و لوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم.

ثم قال تعالى: كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ و فيه أيضا مسائل:

المسألة الأولى: على قول من قال: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ معناه وصف الجنة فقوله كَمَنْ هُوَ بما ذا يتعلق؟ نقول قوله لَهُمْ فِيهََا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار، فالمشبه يكون محذوفا مدلولا عليه بما سبق، و يحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار.

المسألة الثانية: قال الزجاج قوله تعالى: كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال:

أ فمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله و هو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا؟نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف و نظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلا عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ على كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ أو كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ ، و أما التعسف فبيّن نظرا إلى الحذف و إلى الإضمار مع الفاضل الطويل بين المشبه و المشبه به، و أما طريقة البدل ففاسدة و إلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال: أ فمن كان على بينة كمن هو خالد؟و هو سمج في التشبيه تعالى كلام اللّه عن ذلك، و القول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضا يصير مستقلا في التشبيه، اللّهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع كأنه يقول: أ فمن كان على بينة من ربه، و هو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار، كمن زين له سوء عمله و هو خالد في النار، و على هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه، و بين من زين له سوء عمله، و بين من في الجنة و بين من هو خالد في النار، و قد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية، و كيف و على ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار و سقوا ماء حميما و بين من هو على بينة من ربه و أية مناسبة بينهما، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار و بين النار التي فيها الماء الحميم و ذلك تشبيه إنكار مناسب.

المسألة الثالثة: قال: كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ حملا على اللفظ الواحد و قال: وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً على المعنى و هو جمع و كذلك قال من قبل كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد: 14]على التوحيد و الإفراد وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ على الجمع فما الوجه فيه؟نقول المسند إلى من إذا كان متصلا فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولا، لأن اللفظ لا يبقى في السمع، و المعنى يبقى في ذهن/السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى و حمل الأول على اللفظ أولى، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع‏ مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً* [سبأ: 37]و فَمَنْ تََابَ ... وَ أَصْلَحَ [المائدة: 39]؟نقول إذا كان المعطوف مفردا أو شبيها بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد و كذلك لو قال: كمن‏

49

هو خالد في النار و معذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة، و أما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع، فإن قوله سُقُوا مََاءً جملة غير مشابهة لقوله هُوَ خََالِدٌ و قوله تعالى: وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن، و لهم ماء حميم، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت، و قد ذكرت البعض و قلت بأن قوله عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ في مقابلة زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ و مِنْ رَبِّهِ في مقابلة قوله وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ و الجنة في مقابلة النار في قوله خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ و الماء الحميم في مقابلة الأنهار، فأين ما يقابل قوله وَ لَهُمْ فِيهََا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ وَ مَغْفِرَةٌ فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية (1) أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة و الأمراض و غيرها، كأنه قال: للمؤمن أكل و شرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم و يحوجهم إلى قضاء حاجة، و للكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم و يشتهون خروجه من جوفهم، و أما الثمار فلم يذكر مقابلها، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زائد.

المسألة الرابعة: الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة، و هي الحدة التي تكون في السموم المدوفة (2) ، و إلا فمجرد الحرارة لا يقطع، فإن قيل قوله تعالى: فَقَطَّعَ بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر، نقول نعم، لكنه لا يقتضي أن يقال: يقطع، لأنه ماء حميم فحسب، بل ماء حميم مخصوص يقطع. ثم قال تعالى:

لما بيّن اللّه تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار، و قوله وَ مِنْهُمْ يحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الناس، كما قال تعالى في سورة البقرة وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ [البقرة: 8]بعد ذكر الكفار، و يحتمل أن يكون راجعا إلى أهل مكة، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ اَلَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنََاهُمْ [محمد: 13]و يحتمل أن يكون راجعا إلى معنى قوله كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ/وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً [محمد: 15]يعني و من الخالدين في النار قوم يستمعون إليك، و قوله حَتََّى إِذََا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ على ما ذكرنا حمل على المعنى الذي هو الجمع، و يستمع حمل على اللفظ، و قد سبق التحقيق فيه، و قوله حَتََّى للعطف في قول المفسرين، و على هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءا من المعطوف عليه إما أعلاه أو دونه، كقول القائل: أكرمني الناس حتى الملك، و جاء الحاج حتى المشاة، و في الجملة ينبغي أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى، و لا يشترط في العطف بالواو ذلك، فيجوز أن تقول في الواو: جاء الحاج و ما علمت، و لا يجوز مثل ذلك في حتى، إذا علمت هذا فوجه التعلق هاهنا هو أن قوله حَتََّى إِذََا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ يفيد معنى زائدا في الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعا بالغا جيدا، لأنهم يستمعون و إذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم، فإن قلت فعلى هذا

____________

(1) في المطبوع الأميري (تعربة) بالباء الموحدة.

(2) فيه أيضا (المدونة) بالنون و كلاهما تصحيف و معنى المدوفة المعدة للشرب.

50

يكون هذا صفة مدح لهم، و هو ذكرهم في معرض الذم، نقول يتميز بما بعده، و هو أحد أمرين: إما كونهم بذلك مستهزئين، كالذكي يقول للبليد: أعد كلامك حتى أفهمه، و يرى في نفسه أنه مستمع إليه غاية الاستماع، و كل أحد يعلم أنه مستهزى‏ء غير مستفيد و لا مستعيد، و إما كونهم لا يفهمون مع أنهم يستمعون و يستعيدون، و يناسب هذا الثاني قوله تعالى: كَذََلِكَ يَطْبَعُ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِ اَلْكََافِرِينَ [الأعراف: 101]، و الأول: يؤكده قوله تعالى: وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14]. و الثاني: يؤكده قوله تعالى: قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا وَ لَمََّا يَدْخُلِ اَلْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]و قوله آنِفاً قال بعض المفسرين: معناه الساعة، و منه الاستئناف و هو الابتداء، فعلى هذا فالأولى أن يقال يقولون ماذا قال آنفا بمعنى أنهم يستعيدون كلامه من الابتداء، كما يقول المستعيد للمعيد: أعد كلامك من الابتداء حتى لا يفوتني شي‏ء منه.

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ .

أي تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة و اتبعوا ضده ثم قال تعالى:

لما بيّن اللّه تعالى أن المنافق يستمع و لا ينتفع، و يستعيد و لا يستفيد، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإنه يستمع فيفهم، و يعمل بما يعلم، و المنافق يستعيد، و المهتدي يفسر و يعيد، و فيه فائدتان إحداهما:

ما ذكرنا من بيان التباين بين الفريقين و ثانيهما: قطع عذر المنافق و إيضاح كونه مذموم الطريقة، فإنه لو قال ما فهمته لغموضه و كونه معمى، يرد عليه و يقول ليس/كذلك، فإن المهتدي فهم و استنبط لوازمه و توابعه، فذلك لعماء القلوب، لا لخفاء المطلوب و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الفاعل للزيادة في قوله زََادَهُمْ ؟ نقول فيه وجوه الأول: المسموع من النبي عليه الصلاة و السلام من كلام اللّه و كلام الرسول يدل عليه قوله وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [محمد: 16]فإنه يدل على مسموع، و المقصود بيان التباين بين الفريقين، فكأنه قال: هم لم يفهموه، و هؤلاء فهموه و الثاني: أن اللّه تعالى زادهم و يدل عليه قوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ [محمد: 16]و كأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم عمى، و المهتدين زاده هدى و الثالث: استهزاء المنافق زاد المهتدي هدى، و وجهه أنه تعالى لما قال: وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ قال: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ اتباعهم الهدى هدى، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه.

المسألة الثانية: ما معنى قوله وَ آتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ ؟ نقول فيه وجوه منقولة و مستنبطة، أما المنقولة فنقول:

قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب تقواهم، و قيل آتاهم نفس تقواهم من غير إضمار، يعني بيّن لهم التقوى، و قيل آتاهم توفيق العمل بما علموا. و أما المستنبط فنقول: يحتمل أن يكون المراد به بيان حال المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له بيانا لغاية الخلاف بين المنافق، فإنه استمع و لم يفهمه، و استعاد و لم يعلمه، و المهتدي فإنه علمه و بينه لغيره، و يدل عليه قوله تعالى: زََادَهُمْ هُدىً و لم يقل اهتداء، و الهدى مصدر من هدى، قال اللّه تعالى: فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ [الأنعام: 90]أي خذ بما هدوا و اهتد كما هدوا، و على هذا فقوله‏

51

تعالى: وَ آتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ معناه جنبهم عن القول في القرآن بغير برهان، و حملهم على الاتقاء من التفسير بالرأي، و على هذا فقوله زََادَهُمْ هُدىً معناه كانوا مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين و يحتمل أن يقال قوله زََادَهُمْ هُدىً إشارة إلى العلم وَ آتََاهُمْ تَقْوََاهُمْ إشارة إلى الأخذ بالاحتياط فيما لم يعلموه، و هو مستنبط من قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبََادِ*`اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 17، 18]و قوله‏ وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ [آل عمران: 7].

المعنى الثالث: يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى من غيره، و تحقيقه هو أنه لما قال: زََادَهُمْ هُدىً أفاد أنهم ازداد علمهم، و قال تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]فقال آتاهم خشيتهم التي يفيدها العلم.

و المعنى الرابع: تقواهم من يوم القيامة كما قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اِخْشَوْا يَوْماً لاََ يَجْزِي وََالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان: 33]و يدل عليه قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسََّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً [محمد: 18] كأن ذكر الساعة عقيب التقوى يدل عليه.

المعنى الخامس: آتاهم تقواهم، التقوى التي تليق بالمؤمن، و هي التقوى التي لا يخاف معها لومة لائم.

ثم قال تعالى: اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسََالاََتِ اَللََّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاََ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللََّهَ [الأحزاب: 39] و كذلك قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ [الأحزاب: 1]و هذا الوجه مناسب لأن الآية لبيان تباين الفريقين، و هذا يحقق ذلك، من حيث إن المنافق كان يخشى الناس و هم الفريقان، المؤمنون و الكافرون فكان يتردد بينهما و يرضي الفريقين و يسخط اللّه فقال اللّه تعالى المؤمن المهتدي بخلاف المنافق حيث علم ذاك و لم يعلم ذلك و اتقى اللّه لا غير، و اتقى ذلك غير اللّه. ثم قال تعالى:

يعني الكافرون و المنافقون لا ينظرون إلا الساعة، و ذلك لأن البراهين قد صحت و الأمور قد اتضحت و هم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة و هو من قبيل بدل الاشتمال على تقدير لا ينظرون إلا الساعة إتيانها بغتة، و قرئ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسََّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ على الشرط و جزاؤه لا ينفعهم ذكراهم، يدل عليه قوله تعالى: فَأَنََّى لَهُمْ إِذََا جََاءَتْهُمْ ذِكْرََاهُمْ ، و قد ذكرنا أن القيامة سميت بالساعة لساعة الأمور الواقعة فيها من البعث و الحشر و الحساب.

و قوله فَقَدْ جََاءَ أَشْرََاطُهََا يحتمل وجهين أحدهما: لبيان غاية عنادهم و تحقيقه هو أن الدلائل لما ظهرت و لم يؤمنوا لم يبق إلا إيمان اليأس و هو عند قيام الساعة لكن أشراطها بانت فكان ينبغي أن يؤمنوا و لم يؤمنوا فهم في لجة الفساد و غاية العناد ثانيهما: يكون لتسلية قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما قال: فَهَلْ يَنْظُرُونَ فهم منه تعذيبهم و الساعة عند العوام مستبطأة فكأن قائلا قال متى الساعة؟فقد جاء أشراطها كقوله تعالى: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ [القمر: 1]و الأشراط العلامات، قال المفسرون هي مثل انشقاق القمر و رسالة محمد عليه السلام، و يحتمل أن يقال معنى الأشراط البينات الموضحة لجواز الحشر، مثل خلق الإنسان‏

52

ابتداء و خلق السموات و الأرض، كما قال تعالى: أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: 81]و الأول هو التفسير.

ثم قال تعالى: فَأَنََّى لَهُمْ إِذََا جََاءَتْهُمْ ذِكْرََاهُمْ يعني لا تنفعهم الذكرى إذ لا تقبل التوبة و لا يحسب الإيمان، و المراد فكيف لهم الحال إذا جاءتهم ذكراهم، و معنى ذلك يحتمل أن يكون هو قوله تعالى: هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103] هََذََا يَوْمُ اَلْفَصْلِ اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات: 21] فيذكرون به للتحسر، و كذلك قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيََاتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا [الزمر: 71]. /ثم قال تعالى:

و لبيان المناسبة وجوه الأول: هو أنه تعالى لما قال: فَقَدْ جََاءَ أَشْرََاطُهََا [محمد: 18]قال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ يأتي بالساعة، كما قال تعالى: أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ*`لَيْسَ لَهََا مِنْ دُونِ اَللََّهِ كََاشِفَةٌ [النجم: 57، 58]و ثانيها:

فَقَدْ جََاءَ أَشْرََاطُهََا و هي آتية فكأن قائلا قال متى هذا؟فقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ فلا تشتغل به و اشتغل بما عليك من الاستغفار، و كن في أي وقت مستعدا للقائها و يناسبه قوله تعالى: وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ، الثالث:

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ ينفعك، فإن قيل النبي عليه الصلاة و السلام كان عالما بذلك فما معنى الأمر، نقول عنه من وجهين أحدهما: فاثبت على ما أنت عليه من العلم كقول القائل لجالس يريد القيام: اجلس أي لا تقم ثانيهما: الخطاب مع النبي عليه الصلاة و السلام، و المراد قومه و الضمير في أنه للشأن، و تقدير هذا هو أنه عليه السلام لما دعا القوم إلى الإيمان و لم يؤمنوا و لم يبق شي‏ء يحملهم على الإيمان إلا ظهور الأمر بالبعث و النشور، و كان ذلك مما يحزن النبي عليه الصلاة و السلام، فسلى قلبه و قال أنت كامل في نفسك مكمل لغيرك فإن لم يكمل بك قوم لم يرد اللّه تعالى بهم خيرا فأنت في نفسك عامل بعلمك و علمك حيث تعلم أن اللّه واحد و تستغفر و أنت بحمد اللّه مكمل و تكمل المؤمنين و المؤمنات و أنت تستغفر لهم، فقد حصل لك الوصفان، فاثبت على ما أنت عليه، و لا يحزنك كفرهم، و قوله تعالى: وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الخطاب معه و المراد المؤمنون و هو بعيد لإفراد المؤمنين و المؤمنات بالذكر. و قال بعض الناس لِذَنْبِكَ أي لذنب أهل بيتك و للمؤمنين و المؤمنات أي الذين ليسوا منك بأهل بيت و ثالثهما: المراد هو النبي و الذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب و حاشاه من ذلك و ثالثها: وجه حسن مستنبط و هو أن المراد توفيق العمل الحسن و اجتناب العمل السي‏ء، و وجهه أن الاستغفار طلب الغفران، و الغفران هو الستر على القبيح و من عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى، و معنى طلب الغفران أن لا تفضحنا و ذلك قد يكون بالعصمة منه فلا يقع فيه كما كان للنبي صلى اللّه عليه و سلم و قد يكون بالستر عليه بعد الوجود كما هو في حق المؤمنين و المؤمنات، و في هذه الآية لطيفة و هي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم له أحوال ثلاثة حال مع اللّه و حال مع نفسه و حال مع غيره، فأما مع اللّه وحده، و أما مع نفسك فاستغفر لذنبك و اطلب العصمة من اللّه، و أما مع المؤمنين فاستغفر لهم و اطلب الغفران لهم من اللّه وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْوََاكُمْ يعني حالكم في الدنيا و في الآخرة و حالكم في الليل و النهار/ثم قال تعالى:

53

لما بيّن اللّه حال المنافق و الكافر و المهتدي المؤمن عند استماع الآيات العلمية من التوحيد و الحشر و غيرهما بقوله‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [محمد: 16]و قوله‏ وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمد: 17] بين حالهم في الآيات العملية، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها و يطلب تنزيلها و إذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشي‏ء من العبادة خوفا من أن لا يؤهل لها، و المنافق إذا نزلت السورة أو الآية و فيها تكليف شق عليه، ليعلم تباين الفريقين في العلم و العمل، حيث لا يفهم المنافق العلم و لا يريد العمل، و المؤمن يعلم و يحب العمل و قولهم لَوْ لاََ نُزِّلَتْ سُورَةٌ المراد منه سورة فيها تكليف بمحن المؤمن و المنافق.

ثم إنه تعالى أنزل سورة فيها القتال فإنه أشق تكليف و قوله سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ فيها وجوه: أحدها: سورة لم تنسخ ثانيها: سورة فيها ألفاظ أريدت حقائقها بخلاف قوله‏ اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ [طه: 5]و قوله فِي جَنْبِ اَللََّهِ [الزمر: 56]فإن قوله تعالى: فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ [محمد: 4]أراد القتل و هو أبلغ من قوله فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: 191]و قوله‏ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ* [النساء: 91]صريح و كذلك غير هذا من آيات القتال و على الوجهين فقوله مُحْكَمَةٌ فيها فائدة زائدة من حيث إنهم لا يمكنهم أن يقولوا المراد غير ما يظهر منه، أو يقولوا هذه آية و قد نسخت فلا نقاتل، و قوله رَأَيْتَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي المنافقين يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ اَلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ لأن عند التكليف بالقتال لا يبقى لنفاقهم فائدة، فإنهم قبل القتال كانوا يترددون إلى القبيلتين و عند الأمر بالقتال لم يبق لهم إمكان ذلك فَأَوْلى‏ََ لَهُمْ دعاء كقول القائل فويل لهم، و يحتمل أن يكون هو خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره و هو الموت كأن اللّه تعالى لما قال: نَظَرَ اَلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ قال فالموت أولى لهم، لأن الحياة التي لا في طاعة اللّه و رسوله الموت خير منها، و قال الواحدي يجوز أن يكون المعنى فأولى لهم طاعة أي الطاعة أولى لهم.

ثم قال تعالى: طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أي أحسن و أمثل، لا يقال طاعة نكرة لا تصلح/للابتداء.

لأنا نقول هي موصوفة بدل عليه قوله وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: طََاعَةٌ مخلصة وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ خير، و قيل معناه قالوا: طاعة و قول معروف أي قولهم أمرنا طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ و يدل عليه قراءة أبي يقولون طاعة و قول معروف .

و قوله فَإِذََا عَزَمَ اَلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اَللََّهَ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ .

جوابه محذوف تقديره: فإذا عزم الأمر خالفوا و تخلفوا، و هو مناسب لمعنى قراءة أبي كأنه يقول في أول الأمر قالوا سمعا و طاعة، و عند آخر الأمر خالفوا و أخلفوا موعدهم، و نسب العزم إلى الأمر و العزم لصاحب الأمر معناه: فإذا عزم صاحب الأمر. هذا قول الزمخشري، و يحتمل أن يقال هو مجاز كقولنا جاء الأمر و ولى‏

54

فإن الأمر في الأول يتوقع أن لا يقع و عند إظلاله و عجز الكاره عن إبطاله فهو واقع فقال عَزَمَ و الوجهان متقاربان، و قوله تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا فيه وجهان على قولنا المراد من قوله طاعة أنهم قالوا طاعة فمعناه لو صدقوا في ذلك القول و أطاعوا لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ و على قولنا طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ خير لهم و أحسن، فمعناه لو صدقوا في إيمانهم و اتباعهم الرسول لكان خيرا لهم ثم قال تعالى:

و هذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه، و هو أنهم كانوا يقولون كيف نقاتل و القتل إفساد و العرب من ذوي أرحامنا و قبائلنا؟فقال تعالى: إن توليتم لا يقع منكم إلا الفساد في الأرض فإنكم تقتلون من تقدرون عليه و تنهبونه و القتال واقع بينكم، أليس قتلكم البنات إفسادا و قطعا للرحم؟فلا يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر اللّه و هذا طاعة و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في استعمال عسى ثلاثة مذاهب أحدها: الإتيان بها على صورة فعل ماض معه فاعل تقول عسى زيد و عسينا و عسوا و عسيت و عسيتما و عسيتم و عست و عستا و الثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل معه مفعول تقول عساه و عساهما و عساك و عساكما و عساي و عسانا. و الثالث: الإتيان بها من غير أن يقرن بها شي‏ء تقول عسى زيد يخرج و عسى أنت تخرج و عسى أنا أخرج و الكل له وجه و ما عليه كلام اللّه أوجه، و ذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة و اقتران الفاعل بالفعل أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل و لهذا لم يجز فيه أربع متحركات في مثل قول القائل نصرت و جوز في مثل قولهم نصرك و لأن كل فعل له فاعل سواء كان لازما أو متعديا و لا كذلك المفعول به، فعسيت و عساك كعصيت و عصاك في اقتران الفاعل بالفعل/و المفعول به، و أما قول من قال عسى أنت تقوم و عسى أن أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه.

المسألة الثانية: الاستفهام للتقرير المؤكد، فإنه لو قال على سبيل الإخبار عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا و أنت لا تقدر أن تجيب إلا بلا أو نعم، فهو مقرر عندك و عندي.

المسألة الثالثة: عسى للتوقيع و اللّه تعالى عالم بكل شي‏ء فنقول فيه ما قلنا في لعل، و في قوله‏ لِنَبْلُوَهُمْ [الكهف: 7]إن بعض الناس قال يفعل بكم فعل المترجي و المبتلي و المتوقع، و قال آخرون كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك و نحن قلنا محمول على الحقيقة و ذلك لأن الفعل إذا كان ممكنا في نفسه فالنظر إليه غير مستلزم لأمر، و إنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة و لا يحصل منه أخرى فيكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه و سواء أن لم يكن يعلم، مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع، غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم للمتوقع، و ليس كذلك بل المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظرا ذلك الأمر فحسب سواء كان له به علم أو لم يكن و قوله إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فيه وجهان: أحدهما: أنه من الولاية يعني إن أخذتم الولاية و صار الناس بأمركم أفسدتم و قطعتم الأرحام و ثانيهما: هو من التولي الذي هو الإعراض و هذا مناسب لما ذكرنا، أي كنتم‏