بحوث في علم الأصول - ج2

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
435 /
7

مباحث الدليل اللفظي‏

بحوث الأوامر

- دلالات مادة الأمر- دلالات صيغة الأمر- مبحث الاجزاء- مقدمة الواجب- مبحث الضد- حالات خاصة للأمر- كيفيات تعلق الأمر

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

بحوث الأوامر

دلالات مادة الأمر

- معاني مادة الأمر- توحيد معاني المادة- دلالتها على العلو و الاستعلاء- دلالتها على الوجوب- ملاك دلالتها على الوجوب- دلالتها على الطلب و الإرادة- الجبر و الاختيار

11

مادة الأمر و يراد بها كلمة «الأمر» و يقع البحث عنها في جهات.

«الجهة الأولى- في معنى الأمر»

و قد ذكر لها معان عديدة منها الطلب و الشي‏ء و الفعل و الحادثة و الغرض و الشي‏ء العجيب.

و لا شك في ان الطلب من معانيها [1] و أما سائر المعاني فكثير مما ذكر منها ليس معنى له، و انما يستفاد في موارد استعماله من دوال و خصوصيات أخرى خارجة عن كلمة الأمر من قبيل استفادة الغرض من اللام في قولنا: جئتك لأمر كذا، فيكون من اشتباه المفهوم بالمصداق. و من هنا جاءت في كلمات المحققين محاولتان: إحداهما تحاول إرجاع معاني الأمر غير الطلب إلى معنى واحد فيكون مشتركا لفظيا بين معنيين، و الأخرى تحاول إرجاعها جميعا إلى معنى واحد.

أمّا المحاولة الأولى- فهي التي جاءت في كلمات المحقق الخراسانيّ (قده) من إرجاع سائر معاني الأمر إلى مفهوم واحد هو الشي‏ء (1).

____________

[1]- و لكنه ليس مساوقاً مع مفهوم الطلب تماماً فان الطلب بمعنى السعي نحو تحصيل شي‏ء سواء من قبل الطالب نفسه أو بدفع غيره إليه بينما الأمر موضوع بإزاء المفهوم الاسمي المنتزع من تحريك الغير و دفعه بصيغة الأمر أو غيرها نحو تحقيق شي‏ء.

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 90

12

و لاحظ عليه المحققون المتأخرون كالنائيني و الأصفهاني (قدهما) بأن مفهوم الشي‏ء بعرضه العريض لا يناسب ان يكون هو مدلول الأمر، لأن الشي‏ء يطلق على الجوامد أيضا فيقال: زيد شي‏ء، و لا يقال أمر و من هنا استقرب أن يكون المعنى الثاني الجامع بين المعاني الأخرى للأمر هو الواقعة و الحادثة أو الواقعة و الحادثة الخطيرة المهمة (1) و المحقق الأصفهاني أيضا يرى ان المناسب أن يكون المعنى الآخر للأمر هو الفعل و الحدث‏ (2).

و الصحيح ان مدلول كلمة الأمر حسب المستفاد من استعمالاتها في غير الطلب و ان لم يكن يساوق مفهوم الشي‏ء بعرضه العريض، إلّا انه ليس مخصوصا بالحادثة أو الواقعة المهمة أو الحدث بدليل عدم التناقض في قولك كلام فلان أمر غير مهم، و عدم العناية و المجاز في قولك اجتماع النقيضين أمر محال، أو شريك الباري أمر محال. و عدم مجي‏ء زيد أمر عجيب مع ان المحال و كذلك العدم ليس واقعة أو فعلا، بل نحن نرى ان كلمة الأمر تستعمل في الجوامد أيضا حينما تكون من قبيل أسماء الأجناس فيقال النار أمر ضروري في الشتاء. نعم العلم بالذات أو بالإشارة لا يطلق عليه أمر فمفهوم الأمر مساوق مع شي‏ء من الخصوصية بمعنى انه مطعم بجانب و صنعي فلا يطلق على ما يتمحض في العلمية و الذاتيّة.

و أمّا المحاولة الثانية- و هي توحيد معاني الأمر في معنى واحد جامع فقد وقعت هذه المحاولة بأحد أنحاء ثلاثة:

الأول- إرجاع غير المعنى الطلبي إلى الطلب كما استقربه المحقق الأصفهاني (قده) فانه بعد ان ارجع معنى الأمر إلى الفعل قال و يمكن القول بان استعماله في الفعل يرجع إلى استعماله في الطلب بنحو من العناية لأن الفعل في معرض ان يطلب فكما يعبر عنه بمطلب و لو لم يتعلق به الطلب بالفعل كذلك يعبر عنه بأمر بنكتة الشأنية و المعرضية لأن يتعلق به‏ (3).

____________

(1)- أجود التقريرات، ج 1، ص 86.

(2)- نهاية الدراية، ج 1، ص 103- 104.

(3)- نفس المصدر السابق.

13

و يرد عليه: ما عرفت من ان استعمال الأمر بغير المعنى الطلبي ليس مخصوصا بما يكون فعلا بل قد يطلق على ما لا يمكن أن يطلب كما في شريك الباري أمر مستحيل [1].

الثاني- إرجاع المعنى الطلبي إلى غير الطلب و هو ما استقربه المحقق النائيني (قده) على ما جاء في تقرير بحثه حيث قال يمكن القول بأن الطلب ليس معنى برأسه في قبال مفهوم الواقعة أو الحادثة بل مصداق من مصاديقها (1).

و فيه: أولا- انه لو كان يطلق على الطلب الأمر باعتباره مصداقا للواقعة لم يكن فرق بين الطلب التشريعي و التكويني لأن كليهما واقعة مع انه لا يصح ان يطلق على الطلب التكويني أمر فإذا طلب زيد المال لا يقال انه أمر به.

و ثانيا- ان الأمر يتعدى إلى متعلق الطلب كالطلب نفسه فيقال أمر بالصلاة مما يعني أنه يساوق مفهوم الطلب لا انه منتزع منه كواقعة و حادثة و إلّا لم يكن صالحا للتعدي و الإضافة إلى متعلقه.

الثالث- ان الأمر موضوع للجامع بين الطلب و الواقعة.

و يرد عليه مضافا على ما تقدم في إبطال النحو السابق ان هذا الجامع ان أريد به جامع أوسع انطباقا من مجموع مفهومي الطلب و الواقعة كمفهوم الشي‏ء مثلا فمن الواضح ان كلمة الأمر ليست أوسع انطباقا من كلا الأمرين و لو أريد به جامع مساو لمجموعهما فهو عبارة أخرى عن نفس الواقعة فانها تصدق على نفسها و على الطلب فرجع إلى النحو الثاني.

ثم ان محاولة إرجاع معاني الأمر إلى معنى‏ واحد جامع في نفسه بعيد جدا. و ذلك لأمرين:

أولهما- اختلاف صيغة جمع الأمر بمعنى الطلب عن صيغة جمعه بمعنى الواقعة. فان الأول يجمع على أوامر و الثاني على أمور و من البعيد جدا تعدد الجمع بلحاظ اختلاف‏

____________

[1]- على ان صدق المصدر في الأفعال ذات الإضافة على متعلقاتها فيقال هذا مطلبي أو طلبي انما يصح مع ملاحظة حيثية تعلق المبدأ، و هو الطلب، به و نحن بحسب وجداننا نرى اننا لا نحتاج في إطلاق كلمة الأمر على شي‏ء إلى ملاحظة هذه الحيثية أصلا.

____________

(1)- أجود التقريرات، ج 1، ص 86.

14

المصاديق مع وحدة المفهوم فان هذا غير معهود في اللغة (1).

ثانيهما- ان الأمر بمعنى الطلب يشتق منه فيقال آمر مأمور بينما الأمر بمعنى الواقعة جامد لا يشتق منه، و كون ذلك بملاك الاختلاف في المصاديق غير معهود في اللغة أيضا.

____________

(1)- هامش المصدر السابق.

15

«الجهة الثانية- في اعتبار العلو أو الاستعلاء في الأمر»

قد اختلف العلماء في اعتبار العلو أو الاستعلاء أو الجامع بينهما في صدق الأمر.

و التحقيق ان هذا البحث تارة يساق بلحاظ ما هو موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة، و حينئذ لا ينبغي الإشكال في اعتبار العلو الحقيقي لكي يحكم العقل بلزوم طاعة الأمر سواء كان بلسان الاستعلاء أو بلسان «من يقرض اللَّه قرضا حسنا».

و أخرى يساق بلحاظ تحديد ما هو المعنى اللغوي للأمر و حينئذ تكون ثمرة البحث فقهية لا أصولية تظهر في مثل ما إذا ورد مثلا تجب إطاعة أمر الوالد فهل يشترط فيه الاستعلاء من قبل الأب مثلا أم لا على إشكال في هذه الثمرة من ناحية وضوح ان ما هو ملاك مثل هذا الحكم بحسب المناسبات العرفية ليس هو استعلاء الوالدين بل علوهما الحقيقي.

و أيا ما كان فالظاهر اشتراط العلو في صدق الأمر دون الاستعلاء فليس بشرط كما ان طلب المستعلي لا يسمى امرا حقيقة و ان كان بحسب نظره و ادعائه أمرا.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

«الجهة الثالثة- في دلالة الأمر على الوجوب»

و البحث عن دلالته على الوجوب تارة في أصل الدلالة و أخرى في ملاكها و منشئها.

اما أصل الدلالة. فربما يستدل عليه بجملة من الآيات و الروايات من قبيل قوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) الدال على أن الأمر ظاهر في الطلب الوجوبيّ و إلّا لم يترتب على مخالفته عقوبة لكي يكون موضوعا للتحذر و لكان اللازم التقييد بالأمر الوجوبيّ بالخصوص.

و فيه: ان هذا من التمسك بأصالة العموم و الإطلاق في مورد الدوران بين التخصيص و التخصص حيث يعلم بعدم الموضوع للتحذر إذا كان الطلب استحبابيا فيتمسك بإطلاق الأمر لإثبات خروج الطلب الاستحبابي عن الأمر بعد العلم بخروجه عن الحكم على كل حال و لا يصح التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص حتى إذا قيل بهما كبرويا لأنه فرع ما إذا لم يكن في المورد على تقدير التخصيص قرينة متصلة تدل عليه و إلّا لما كان التخصيص خلاف الأصل و كان التخصيص و التخصص على حد سواء و ما نحن فيه من هذا القبيل لأن بداهة عدم‏

18

التحذر في الطلب الاستحبابي قرينة متصلة على الاختصاص بالطلب الوجوبيّ [1].

هذا و نحن في غنى عن مثل هذه الاستدلالات فانه مما اتفق عليه المحققون دلالة مادة الأمر على الوجوب بحكم التبادر و بناء العرف و العقلاء على كون الطلب الصادر من المولى بمادة الأمر وجوبا و لم يستشكل فقيه في استفادة الوجوب من لفظ أمر ورد في لسان الشارع عند عدم القرينة على الاستحباب.

و انما الّذي وقع فيه البحث هو كيفية تفسير هذه الدلالة و تحديد منشئها.

و قد اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة:

1- أن تكون الدلالة على أساس الوضع للوجوب.

2- أن تكون بحكم العقل.

3- أن تكون بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

و قد ذهب المشهور إلى القول الأول و ذهبت مدرسة المحقق النائيني (قده) إلى القول الثاني و ذهب المحقق العراقي إلى القول الثالث. و هذه الأقوال و الاحتمالات الثلاثة واردة في صيغة الأمر أيضا على حد واحد، لأن دلالتها على الوجوب كدلالة مادته مفروغ عنها بحكم التبادر و الوجدان العقلائي و انما البحث في تفسيرها و ملاكها و نحن هنا نبحث عن تفسير دلالة الأمر على الوجوب بلحاظ المادة و الهيئة معا. فنقول:

أما القول الأول فدليله التبادر مع إبطال سائر المناشئ الأخرى المدعاة لتفسير هذا التبادر.

و أما القول الثاني فقد ذكر المحقق النائيني في إثباته ان الوجوب ليس مدلولا للدليل اللفظي و انما مدلوله الطلب فحسب و كل طلب يصدر من العالي إلى الداني و لا يقترن بالترخيص في المخالفة يحكم العقل بلزوم امتثاله و إطاعته و بهذا اللحاظ ينتزع عنوان الوجوب منه بينما إذا اقترن بالترخيص المذكور لم يلزم العقل بموافقته و بهذا اللحاظ يتصف بالاستحباب فكل من الوجوب و الاستحباب شأن من شئون حكم‏

____________

[1]- لعل الأوفق ان يقال بأن الأمر في هذه الآية و أمثالها يعلم باستعماله في خصوص الطلب الوجوبيّ و لو بقرينة التحذر إلّا أن الاستعمال أعم من الحقيقة.

19

العقل المترتب على طلب المولى‏ (1).

و يرد عليه: أولا- ان موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال لا يكفي فيه مجرد صدور الطلب مع عدم اقترانه بالترخيص لوضوح ان المكلف إذا اطلع بدون ترخيص من قبل المولى على ان طلبه نشأ من ملاك غير لزومي و لا يؤذي المولى فواته لم يحكم العقل بلزوم الامتثال و هذا يعني ان الوجوب العقلي فرع مرتبة معينة في ملاك الطلب و هذه المرتبة لا كاشف عنها الا الدليل اللفظي فلا بد من أخذها في مدلول اللفظ لكي ينقح بذلك موضوع الوجوب العقلي و هو معنى كون الدلالة لفظية.

و ثانيا- ان الالتزام بهذا المبنى تترتب عليه آثار لا يمكن الالتزام بها فقهيا، و تكون منهجا جديدا في الفقه و فيما يلي نذكر بعض ما يمكن ان ينقض به على هذا المسلك مما لا يلتزم به حتى أصحاب هذا المسلك أنفسهم:

منها- لزوم رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب فيما إذا اقترن بأمر عام يدل على الإباحة و الترخيص كما إذا ورد أكرم الفقيه و لا بأس بترك إكرام العالم. و توضيحه:

ان بناء الفقهاء و الارتكاز العرفي على تخصيص العام في مثل ذلك و الالتزام بوجوب إكرام الفقيه و اعتباره من التعارض غير المستقر بينما على هذا المسلك لا تعارض أصلا و لو بنحو غير مستقر بين الأمر و العام ليقدم الأمر بالأخصية لأن الأمر لا يتكفل إلّا أصل الطلب و هو لا ينافي الترخيص في الترك، بل المتعين على هذا المسلك ان يكون العام رافعا لموضوع حكم العقل بالوجوب لأن حكم العقل معلق على عدم ورود الترخيص من المولى كما ذكر في شرح هذا المسلك. و دعوى ان موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو الطلب الّذي لو كان دالا لفظا على الوجوب لما قدم عليه الترخيص، تحكم واضح.

و منها- انه لو صدر امر و لم يقترن بترخيص متصل و لكن احتملنا وجود ترخيص منفصل فالبناء الفقهي و العقلائي على استفادة الوجوب من الأمر حتى يثبت خلافه مع ان هذا مما لا يمكن إثباته على هذا المسلك لأنه قد فرض فيه ان العقل انما يحكم‏

____________

(1)- أجود التقريرات، ج 1، ص 95- 96.

20

بالوجوب معلقا على عدم ورود الترخيص من الشارع و حينئذ نتساءل هل يراد بذلك كونه معلقا على عدم اتصال الترخيص بالأمر أو على عدم صدور الترخيص من المولى واقعا و لو بصورة منفصلة أو على عدم إحراز الترخيص و العلم به؟ و الكل باطل.

أما الأول- فلأنه يستلزم كون الترخيص المنفصل منافيا لحكم العقل بالوجوب فيمتنع و هو واضح البطلان و ما أكثر القرائن المنفصلة على عدم الوجوب.

و أما الثاني- فلأنه يستلزم عدم إمكان إحراز الوجوب عند الشك في الترخيص المنفصل مع القطع بعدم وروده متصلا لأنه معلق بحسب الفرض على عدم ورود الترخيص و لو منفصلًا فمع الشك فيه يشك في الوجوب لا محالة.

و أما الثالث- فهو خروج عن محل الكلام لأن البحث في الوجوب الواقعي الّذي يشترك فيه الجاهل و العالم لا في المنجزية [1].

و أما القول الثالث- و هو ان تكون الدلالة على الوجوب بالإطلاق فيمكن تقريبه بوجوه:

الأول- ما ذكره المحقق العراقي (قده) من ان الأمر مادة و صيغة يدل على إرادة المولى و طلبه و هي تارة شديدة كما في الواجبات و أخرى ضعيفة كما في المستحبات.

و حيث ان شدة الإرادة من سنخها بخلاف ضعفها التي تعني عدم المرتبة الشديدة من الإرادة فتتعين بالإطلاق الإرادة الشديدة لأنها بحدها لا تزيد على الإرادة بشي‏ء

____________

[1] على انه في أكثر الفروض يمكن إحراز الترخيص بأمثال أدلة رفع ما لا يعلمون لو اكتفي بالترخيص الظاهري أو استصحاب الإباحة و الترخيص الثابت في أول الشرع لو اكتفي بمطلق الإباحة لا خصوص ما يكون بعنوان الترخيص في مخالفة الأمر ثم انه يمكن ان ينقض على هذا المسلك أيضا بأمور أخرى لا يلتزم بها في الفقه عادة.

منها- ما سوف يأتي من عدم انثلام ظهور الأمر في الوجوب لو ورد في سياق أوامر استحبابية بل بأمر واحد كما إذا ورد صلّ للجمعة و الجماعة و العيدين لأن العلم بالترخيص في الترك بلحاظ بعض الفقرات ليس تصرفا في مدلول لفظي لها أصلًا لكي يؤثر ذلك على الظهور.

و منها- إذا نسخ الوجوب وقع بينهم البحث في انه هل يثبت الجواز أو الاستحباب؟ و المشهور عند المحققين عدم ثبوت الاستحباب مع انه على هذا المسلك يتعين ذلك لأن الناسخ انما يرفع حكم العقل بالوجوب و لا ينفي مدلول الأمر و هو الطلب فيثبت الاستحباب.

و منها- النقض بالأمر في موارد توهم الحظر حيث لا إشكال في عدم استفادة الوجوب منها مع انه على هذا المسلك لا بد من استفادته لوجود الطلب مع عدم الترخيص من المولى في الترك. اللهم إلّا ان يفترض بأن مقام الحظر بنفسه يكون قرينة على ان الأمر لم يستعمل في الطلب بل في مجرد رفع الحظر و الاذن في الفعل.

21

فلا يحتاج حدها إلى بيان زائد على بيان المحدود بينما تزيد الإرادة الضعيفة بحدها على حقيقة الإرادة فلو كانت هي المعبر عنها بالأمر لكان اللازم ان ينصب القرينة على حدّها الزائد لأن الأمر لا يدل إلّا على ذات الإرادة (1).

و هذا البيان و إن كان صناعيا في الجملة إلّا انه يرد عليه بان الإطلاق و مقدمات الحكمة ظهور حالي عرفي يقتضي في ما دار امر المتكلم فيه بين أن يكون مرامه سنخ مرام يفي به كلامه و ليس فيه مئونة زائدة بنظر العرف أو كونه سنخ مرام بحاجة إلى مئونة زائدة في نظر العرف لم يف بها الكلام تعين الأول و اما لو فرض ان هذا التمييز و الاختلاف بين المرامين و الحدين امر عقلي بالغ الدقة لا عرفي فلا تكون مقدمات الحكمة مؤثرة في إثبات إطلاق عرفي لتعيين أحدهما في قبال الآخر و ما ذكر من الفرق بين الوجوب و الاستحباب كذلك فان العرف لا يلتفت إليه حتى ارتكازا [1].

الثاني- و هو يتركب من مقدمتين:

أولاهما- ان الوجوب ليس عبارة عن مجرد الطلب لأن ذلك ثابت في المستحبات أيضا بل لا بد من عناية زائدة و ليست هذه العناية عبارة عن انضمام النهي أو المنع عن الترك إلى الطلب لأن النهي بدوره ثابت أيضا في باب المكروهات و انما العناية الزائدة هي عدم الترخيص في الترك خلافا للاستحباب الّذي تكون العناية فيه الترخيص في الترك و النتيجة ان الوجوب طلب متميز بقيد عدمي و الاستحباب طلب متميز بقيد وجودي و هو الترخيص في الترك.

ثانيهما- انه كلما كان الكلام وافيا بحيثية مشتركة و تردد أمرها بين حقيقتين المميز لإحداهما أمر عدمي و للأخرى أمر وجودي تعين بالإطلاق الحمل على الأول لأن الأمر العدمي لا مئونة فيه بحسب النّظر العرفي فإذا كان المقصود ما يتميز بالأمر الوجوديّ‏

____________

[1]- على ان هذا البيان انما ينفع في إثبات الوجوب بالأمر في مقام الإنشاء و لا ينفع في دلالة مادة الأمر على الطلب الوجوبيّ إذا لم تستعمل في مقام إنشاء الطلب و الإرادة التشريعية بها أي إذا لم يكن المرام الجدي للكلام الطلب بل الاخبار عن الطلب و من الواضح ان الوجدان العرفي قاض بان مادة الأمر المستعملة في مقام الاخبار أيضا ظاهر في إرادة الطلب الوجوبيّ منها فيكون دليلًا على القول الأول لا محالة و ان منشأ الدلالة على الوجوب لا بد و ان يكون هو الوضع. و هذا إشكال وارد على جميع التقريبات التي سوف تذكر لاستفادة الوجوب بالإطلاق و مقدمات الحكمة الّذي هو ظهور حالي.

____________

(1)- مقالات الأصول، ج 1، ص 65- 66.

22

الزائد مع انه لم يذكر ذلك الأمر الوجوديّ الزائد في الكلام فهذا خرق عرفي لظهور حال المتكلم في بيان تمام مرامه بكلامه، و اما إذا كان المقصود ما يتميز بالأمر العدمي فليس هناك خرق عرفا لأن المميز عند ما يكون أمرا عدميا فكأنه لا يزيد على الحيثية المشتركة التي يفي بها الكلام.

و يرد عليه المنع من المقدمة الثانية فانه ليس كل أمر عدمي لا يلحظ عرفا أمرا زائدا، و لهذا لا يرى في المقام ان النسبة بين الوجوب و الاستحباب نسبة الأقل و الأكثر بل النسبة بين مفهومين متباينين نعم هذه النكتة تقبل في باب الإطلاق اللحاظي الّذي هو مبنى المشهور في أسماء الأجناس القائلين باستحالة ان يكون موضوع الحكم ذات الطبيعة المحفوظة ضمن المطلق و المقيد فانه بناءً عليه لا يشك في أخذ خصوصية زائدة في المرام غير موجودة في الكلام الدال على ذات الطبيعة فيقال بأن العرف يرى بالمسامحة انه لو كان مرامه المطلق فقد بين تمام مرامه فلا خرق لذلك الظهور الحالي بخلاف ما إذا كان مرامه المقيد.

الثالث- نفس التقريب الثاني مع فرق في المقدمة الثانية حيث يقال هنا بأن المميز للوجوب و ان كان بحسب النّظر العرفي مئونة زائدة على ذات الطلب و بحاجة إلى بيان إلّا أنه حيث يعلم على كل حال بوجود مئونة زائدة على ذات الطلب و هذه الزيادة مرددة بين زيادة أخف هي الأمر العدمي أو زيادة أشد هي الأمر الوجوديّ فسكوت المتكلم عرفا عن بيان الزيادة الأشد يكون قرينة على إرادة الزيادة الأخف فيتعين الوجوب لا محالة.

و يرد عليه: ان هذه النكتة لو سلمت كبرى و صغرى فليست في تمام الموارد بل في خصوص ما إذا أحرز ان المولى بالرغم من سكوته عن بيان الزيادة يكون بصدد بيانها و هذه عناية لا تحصل دائما بينما البناء الفقهي و العرفي على فهم الوجوب في سائر الموارد.

الرابع- ان صيغة الأمر تدل على الإرسال و الدفع بنحو المعنى الحرفي و لما كان الإرسال و الدفع مساوقا لسدّ تمام أبواب العدم للاندفاع و التحرك فمقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي ان الطلب و الحكم المبرز أيضا سنخ‏

23

حكم يشتمل على سدّ تمام أبواب العدم و هذا يعني عدم الترخيص في المخالفة.

و هذا التقريب لا بأس به و هو جار في تمام موارد استعمالات صيغة الأمر [1].

ثم انه ربّما يرد هذا المسلك بعض ما أوردناه على مسلك المحقق النائيني (قده) من ان الوجوب إذا كان بالإطلاق و مقدمات الحكمة فإذا ورد الأمر بإكرام الفقيه و ورد ترخيص عام يدل على نفي البأس عن ترك إكرام العلماء لم يكن وجه للالتزام بالتخصيص و تقديم ظهور الدليل الخاصّ في الوجوب على عموم الدليل الدال على الترخيص لأن التعارض بحسب هذا المسلك سوف يكون بين عموم العام الترخيصي و إطلاق الخاصّ الإلزامي المقتضي للوجوب فيكون من قبيل التعارض بنحو العموم من وجه الّذي يمكن حله برفع اليد عن الإطلاق في الخاصّ. فإذا لم يقدم عموم العام على إطلاق الخاصّ فلا أقل من التعارض و التساقط بينهما مع أن البناء العرفي و الفقهي على التخصيص و هذا لا يتم إلّا على مسلك الوضع.

هذا و يمكن لأصحاب هذا المسلك ان يدفعوا أمثال هذا النقض بأحد وجهين:

الأول- ان الميزان في القرينية عرفاً بالأخصية من حيث الموضوع لا من حيث النتيجة و مجموع الجهات في الدليلين و هذه النكتة لها تطبيقات أخرى أيضاً فلو ورد مثلًا في المتنجس بالبول انه يصب عليه الماء مرتين و ورد في بول الصبي بالخصوص انه إذا أصاب الجسد يصب عليه الماء الدال بإطلاقه على كفاية الغسل فيه مرة واحدة قدم هذا الإطلاق على عموم البول في دليل التعدد بنفس النكتة.

الثاني- اننا لو سلمنا بان الأخصية لا بد ان تكون بلحاظ النتيجة و مجموع الجهات لا بحسب الموضوع في الدليلين فقط مع ذلك يمكننا ان نلتزم بالتخصيص في المقام بنكتة

____________

[1]- لا يقال هذا التقريب كما يجري في صيغة الأمر يجري في مادته أيضاً لأنه أيضا يستفاد منها الدفع و الإرسال.

فانه يقال- مادة الأمر لم توضع للإرسال الخارجي بل هي موضوعة أما للطلب و الإرادة التشريعية أو كما قلنا للحالة المنتزعة عن الإرسال و الدفع بالصيغة و ما شابهها بنحو المعنى الاسمي فلا يمكن دلالتها على الوجوب إلّا بأن يؤخذ فيها الاختصاص بالإرادة و الإرسال الوجوبيّ و هو معنى الوضع للوجوب.

ثم انه قد يناقش في هذا التقريب أيضاً بأن أصالة التطابق بين المدلول التصوري و التصديقي غاية ما تثبت هو وجود قصد جدي للنسبة الطلبية و الإرسال و اما أن مبدأ هذا القصد هو الشوق و الإرادة الشديدة أو الضعيفة فهو خارج عن مدلولها لأن الآمر في موارد الاستحباب أيضاً له قصد جدي حقيقي نحو الإرسال و النسبة الطلبية كما في موارد الوجوب و انما تختلف الحالتان بلحاظ المبادئ و الملاك.

24

أخرى و هي ان الإطلاق إذا كان مفاده التعيين لا السعة من قبيل تعيين الوجوب بالإطلاق أو تعيين سيد البلد مثلًا من إطلاق كلمة السيد فهو مقدم على الإطلاق الّذي يكون مفاده التوسعة لأن نتيجة الإطلاق الأول يكون أخص من نتيجة الإطلاق الثانية في الصدق و هذا كاف في التقديم فلو ورد مثلًا أكرم العلماء و ورد لا تكرم زيدا و عندنا زيدان أحدهما جاهل مجهول و الآخر عالم كبير ينصرف إليه الإطلاق فالعرف سوف يتعامل معهما تعامل التخصيص و ما نحن فيه من هذا القبيل.

هذا و هناك فوارق و ثمرات فقهية عديدة بين هذه المسالك الثلاثة اتضح بعضها من خلال المناقشات المتقدمة و نشير إلى جملة منها.

فمن جملتها- تطرق قواعد الجمع الدلالي و العرفي على مسلك الوضع و الإطلاق بخلاف مسلك حكم العقل فانه بناء عليه لا يكون الوجوب مدلولًا للفظ الأمر لكي يجمع بينه و بين دليل الترخيص على ضوء إحدى قواعد الجمع العرفي و انما يكون دليل الترخيص حينئذ وارداً على حكم العقل بالوجوب و رافعاً لموضوعه.

و منها- انه على مسلك الوضع و الإطلاق تثبت لوازم الوجوب أي لوازم الملاك و الشوق الأكيد و الشديد فلو علمنا من الخارج بان الدعاء عند رؤية الهلال و الدعاء في آخر الشهر متساويان في درجة الملاك و المحبوبية و ورد امر بأحدهما أثبتنا به وجوبه بالمطابقة و وجوب الآخر بالملازمة بينما لا يمكن ذلك بناء على مسلك حكم العقل لأن الوجوب حينئذ ليس مرتبة ثبوتية و لا ربط له بالمبادئ و الملاكات لكي يكشف عنها و عن ملازماتها و انما هو حكم عقلي ينتزع من طلب شي‏ء و عدم الترخيص في تركه.

و منها- ثبوت دلالة السياق على مسلك الوضع و سقوطه على مسلك الإطلاق و حكم العقل، و توضيح ذلك: ان مبنى الفقهاء عادة في الفقه على انه إذا وردت أوامر عديدة في سياق واحد و عرفنا من الخارج استحباب بعضها اختل ظهور الباقي في الوجوب على القول بوضع الأمر للوجوب إذ يلزم من إرادة الوجوب منه حينئذ تغاير مدلولات تلك الأوامر مع ظهور وحدة السياق في إرادة المعنى الواحد من الجميع، و اما بناء على مسلك حكم العقل فجميع الأوامر مستعملة في معنى واحد و هو الطلب و الوجوب حكم‏

25

عقلي خارج عن مدلول اللفظ مبني على تمامية مقدمة أخرى هي عدم الترخيص و التي تمت بالنسبة لبعضها دون بعض من دون ان يخل ذلك بالسياق و كذلك الحال على مسلك الإطلاق لأن المعنى المستعمل فيه واحد على كل حال لكنه أريد في بعضها المقيد بدال آخر كما هو محقق في بحوث المطلق و المقيد [1].

و منها- انه لو فرض ورود أمر واحد بشيئين كما لو ورد اغتسل للجمعة و الجنابة و علم من الخارج بان غسل الجمعة ليس بواجب فعلى مسلك الوضع لا يمكن إثبات الوجوب لغسل الجنابة بهذا الأمر أيضاً لأنه يلزم منه ما يشبه استعمال اللفظ في أكثر من معنى و هو غير صحيح عرفاً على كل حال.

و اما على مسلك حكم العقل فالأمر مستعمل في معنى واحد هو الطلب و الوجوب ينشأ منه و من عدم ورود الترخيص في الترك و هو ثابت في غسل الجنابة فقط دون الآخر و كذلك الحال بناء على الإطلاق فان الأمر ينحل إلى حصتين تقيد إطلاق إحداهما بدليل خاص و هو لا يستوجب تقييد الحصة الثانية فان التقييد ضرورة و الضرورات تقدر بقدرها كما إذا ورد أكرم العالم و عرفنا ان الفقيه لا يكرم إلّا إذا كان عادلا و لكن في غير الفقيه لم نعلم بذلك فنبني على الإطلاق.

و منها- انه لو ورد أمر بطبيعي فعل كما إذا ورد أكرم العالم و علمنا من الخارج بان إكرام غير الفقيه لا يجب فهل يمكن إثبات استحباب إكرام غير الفقيه من العلماء أم لا؟ فعلى مسلك الوضع لا يمكن ذلك إذ بعد حمله على الوجوب بمقتضى الوضع له لا بد من تخصيص غير الفقيه و إخراجه من الدليل و لا يوجد أمر آخر فيه لكي يحمل على الاستحباب و هذا بخلافه على مسلك حكم العقل بالوجوب لأن الأمر مستعمل في الطلب على كل حال غاية الأمر ثبت ترخيص في حصة و لم يثبت في أخرى فيثبت الاستحباب لا محالة في الأولى و الوجوب في الثانية. و كذلك الحال على مسلك الإطلاق‏

____________

[1]- اللهم إلّا ان يدعي ان وحدة السياق يشكل ظهوراً في وحدة الأوامر الواردة في سياق واحد من حيث الملاك و المدلول الجدي أيضاً فيصلح لأن يكون ذلك قرينة على عدم تمامية الإطلاق في باقي الأوامر أيضا. و هذا جار في الثمرة القادمة أيضاً.

26

إذ لا وجه لرفع اليد عن أصل الطلب في غير الفقهاء [1].

و منها- انه إذا كان لدينا امران و ورد ترخيص لأحدهما فقط و شك في انه ترخيص لهذا أو ذاك فانه بناء على ان الوجوب بحكم العقل يجب الاحتياط إذ لا تعارض بين الأمرين بلحاظ مدلوليهما و انما العقل يحكم بالوجوب فيما لم يرد فيه ترخيص و المفروض ان أحد الأمرين لم يرد فيه الترخيص فيتشكل علم إجمالي منجز و هذا بخلافه على المسلكين الآخرين؛ حيث يفضي إلى التعارض بين مدلوليهما فالإجمال و التساقط على تفصيل نتعرض له في بحث العام المخصص بالمردد بين متباينين.

و منها- انه بناء على مسلك الإطلاق بالتقريب الّذي ذكره المحقق العراقي (قده) من ان الأمر يكون ظاهراً بإطلاقه في الطلب الشديد يمكن ان نثبت بنفس النكتة أعلى مراتب الوجوب فلو وقع تزاحم بين واجبين أحدهما قد ثبت بالأمر و الآخر بدال آخر غير الأمر قدم دائما ما يثبت بالأمر اللفظي لأن دليله يدل بالإطلاق على كونه في أعلى مراتب الملاك و الوجوب.

____________

[1]- الوجه هو ظهور الأمر الواحد في وحدة الطلب الثبوتي لا تعدده فانه بناء على وجود طلب استحبابي (أي غير شديد) لإكرام العالم غير الفقيه يلزم ان يكون الأمر الواحد في مرحلة الإثبات كاشفاً عن طلبين أحدهما شديد متعلق بإكرام الفقيه و الآخر ضعيف متعلق بإكرام العالم غير الفقيه و هذا خلاف ظاهر الحال في وحدة الحكم ثبوتاً كوحدته إثباتاً و هذا من أوضح الظّهورات و أقواها و لا يقاس بما إذا كان التقييد في طرف الموضوع كما في مثال اشتراط العدالة في إكرام الفقيه بالخصوص فانه يرجع إلى وجود جعل واحد لوجوب إكرام العالم الّذي ليس بفقيه فاسق ..

27

«الجهة الرابعة- في الطلب و الإرادة»

و قد وقع البحث عند المحققين في ان الطلب المفاد بالأمر هل هو عين الإرادة أو غيرها و هل هو أمر نفساني كالقدرة أو فعل نفساني أو فعل خارجي؟ و قد ادعت الأشاعرة المغايرة بين الطلب و الإرادة و ادعت المعتزلة العينية بينهما و استدل الأشاعرة على المغايرة بوجوه أحدها مبتن على مسألة الجبر و هو ان الإرادة التشريعية لا تتعلق بشي‏ء غير مقدور و الأفعال مخلوقة للَّه سبحانه و تعالى و خارجة عن قدرة العبد مع اننا نرى انه في الشريعة قد تعلق الطلب بها فنعرف ان الطلب غير الإرادة و بهذه المناسبة وقع البحث في الجبر و التفويض و الاختيار فهنا مسألتان:

1- هل الطلب و الإرادة شي‏ء واحد أم شيئان؟.

2- ما انجر إليه البحث بالمناسبة من الجبر و التفويض و الاختيار.

و نحن هنا نقتصر على بحث المسألة الثانية و على سبيل الاختصار تاركين البحث عن وحدة الطلب و الإرادة مفهوما أو واقعا لعدم ترتب جدوى على ذلك.

فنقول:

ان مسألة الجبر و الاختيار تنحل إلى مسألتين.

الأولى- المسألة الكلامية التي وقع فيها البحث بين المعتزلة القائلين بالتفويض‏

28

و بين الأشاعرة القائلين بالجبر و الشيعة القائلين بالأمر بين الأمرين و روح البحث في هذه المسألة يرجع إلى النزاع في تشخيص فاعل الأفعال الصادرة من الإنسان فمذهب التفويض يقول بان الفاعل محضا هو الإنسان، و مذهب الجبر يقول بان الفاعل محضا هو اللَّه سبحانه و تعالى، و الشيعة يقولون بان لكل منهما نصيبا في الفاعلية بالنحو المناسب له.

الثانية- المسألة الفلسفية و روح البحث فيها يرجع إلى ان فاعل هذه الأفعال سواء فرضناه في المسألة الأولى الإنسان أو اللَّه أو هما معا هل تصدر منه اختياراً أو بلا اختيار و من هنا يعرف ان المسألة الكلامية لا تكفي وحدها لحسم النزاع في بحث الجبر و الاختيار فلنفرض اننا قلنا هناك بان الفاعل هو الإنسان وحده، لكن يبقى احتمال كونه فاعلًا بلا اختيار كفاعلية النار للإحراق التي قد يقال فيها بأن الإحراق فعل للنار محضا ..

أما البحث في المسألة الأولى- فيوجد فيها بدوا خمسة احتمالات كالتالي:

1- ان يكون الفاعل محضا هو الإنسان و لا نصيب لرب العباد في الفاعلية و هذا مذهب التفويض و هو مذهب المعتزلة و هذا يرجع بحسب الحقيقة إلى دعوى استغناء المعلول عن العلة بقاء إذ لو فرض حاجة الإنسان في وجوده البقائي إلى اللَّه تعالى و وجوده البقائي هو علة أفعاله، اذن لم يعقل إنكار ثبوت نصيب لله في الفعل عرضياً و طولياً و حيث ان هذا المبنى ساقط كما حقق في موضعه من الكلام و الفلسفة إذ برهن على ان المعلول بحاجة إلى العلة بقاء أيضاً يثبت بطلان التفويض و ليس هنا موضع البحث عن تلك البراهين.

2- ان يكون الفاعل محضاً هو اللَّه تعالى و انما الإنسان محل قابل لذلك الفعل من قبيل ما يفعله النجار في الخشب حيث ان الخشب ليس فاعلًا للفعل و انما هو قابل له و ليس لمبادئ الإرادة في نفس الإنسان أي دخل في الفعل و اقتران الفعل بالإرادة دائما انما هو صدفة متكررة فصدور الفعل من اللَّه يقترن صدفة دائما مع إرادة الإنسان و هذا مذهب الأشعري و هذا الاحتمال هو الّذي ينبغي ان يكون مقابلا بالوجدان المدعى في كلماتهم حيث قالوا ان هناك فرقاً بالضرورة بين حركة المرتعش و حركة

29

غير المرتعش و هذا البحث بحسب الحقيقة لا يختص بالافعال الاختيارية بل يأتي في كل عالم الأسباب و المسببات فقد يقال الإحراق شغل اللَّه مباشرة يقترن بنحو الصدفة الدائمية بالنار و الوجدان المبطل لذلك أيضاً عام يشمل كل عالم الأسباب و المسببات و هو وجدان سليم بالقدر المبين في الأسس المنطقية.

3- ان يكون لكل من الإنسان و اللَّه تعالى نصيب في الفاعلية بمعنى كونهما فاعلين طوليين أي ان الإنسان هو الفاعل المباشر للفعل بما أوتي من قدرة و سلطان و عضلات و تمام القوى التي استطاع بها ان يحرّك لسانه و يديه و رجليه و اللَّه هو الفاعل غير المباشر من باب ان هذه القوى مخلوقة حدوثاً و بقاء له تعالى و مفاضة آناً فآنا و معطاة .. من قبل اللَّه و هذا أحد الوجوه التي فسّر بها الأمر بين الأمرين.

4- ان يكون الفاعل المباشر هو اللَّه لكن الإرادة و مبادئها مقدمات إعدادية لصدورها من اللَّه تعالى ففرقه عن الثاني ان اقتران الفعل بالإرادة عن الثاني كان مجرد صدفة و على هذا الوجه يكون من باب كون الإرادة مقدمة إعدادية للفعل و فرقه عن الثالث أيضاً واضح إذ على الثالث يكون الفعل فعل الإنسان مباشرة و اللَّه فاعل الفاعل و اما على هذا الوجه فاللَّه هو الفاعل المباشر و الإرادة مقدمة إعدادية لقابلية المحل لإفاضة الفعل و هذا أحد وجوه الأمر بين الأمرين.

5- ما ذهب إليه عرفاء الفلاسفة و متصوفوهم و هو ان الفعل له فاعلان اللَّه و العبد لكن لا طوليان كما على الثالث و لا عرضيان كما على الرابع بل هي بحسب الحقيقة فاعلية واحدة بنظر تنسب إلى العبد و بنظر آخر تنسب إلى اللَّه تعالى مبنياً منهم على تصور عرفاني يقول ان نسبة العبد إلى اللَّه نسبة الربط و الفناء و المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي فبالنظر الاندكاكي هذه الفاعلية فعل اللَّه و بالنظر غير الاندكاكي فعل العبد هذه هي الاحتمالات الخمسة في المقام و الاحتمال الأول ساقط بالبرهان و الثاني ساقط بالوجدان و الخامس مبني على تصور صوفي لا نفهمه فيبقى الثالث و الرابع، و على كل منهما يمكن تطبيق «أمر بين الأمرين» الموروث عن الأئمة (عليهم السلام)، نعم الرابع يوجب الجبر إلّا ان هذا راجع إلى المسألة الثانية فمن زاوية المسألة الأولى و هي التي تعرض لها الأئمة (عليهم السلام) في روايات الجبر و التفويض يكون كلا الوجهين‏

30

الثالث و الرابع معقولين. و بعد هذا ننتقل إلى المسألة الفلسفية و هي التي تنحسم بها مسألة الجبر و الاختيار حيث ان مجرد اختيار المذهب الشيعي في المسألة الأولى القائل بان للإنسان دخلًا في الفاعلية كما ان للَّه تعالى دخلًا فيها أو اختيار المذهب المعتزلي القائل بأن الإنسان هو الفاعل محضاً لا يحتمّ كون الإنسان مختاراً غير مجبور في فعله فلعل صدور الفعل من الإنسان كصدور الإحراق من النار بناء على فاعلية النار للإحراق نعم لو اختير في المسألة الأولى المذهب الأشعري القائل بكون الفاعل هو اللَّه محضاً ثبت كون الإنسان غير مختار فهذا المسلك و ان كان يكفي لإثبات الجبر لكن المسلكين الآخرين لا يكفيان لإثبات الاختيار فلا بد من المسألة الثانية لحسم مسألة الجبر و الاختيار فنقول:

و أما المسألة الثانية- فهي في الحقيقة نشأت لدفع شبهة فلسفية تنفي الاختيار حتى بعد الاعتراف بان الفعل فعل الإنسان و هذه الشبهة مركبة من مقدمتين:

الأولى- ان الاختيار ينافي الضرورة فان الضرورة تساوق الاضطرار المقابل للاختيار من قبيل حركة يد المرتعش التي هي ضرورية.

الثانية- ان صدور الفعل من الإنسان يكون بالضرورة لأن الفعل الصادر منه ممكن من الممكنات فتسوده القوانين السائدة في كل عالم الإمكان القائلة بان الممكن ما لم يجب بالغير لم يوجد فبالجمع بين هاتين المقدمتين يثبت ان الإنسان غير مختار في أفعاله إذ لا يصدر منه فعل الا بالضرورة و الضرورة تنافي الاختيار.

و هذه الشبهة اختلفت المسالك و المباني في كيفية التخلص منها فبعضها يرجع إلى المناقشة في المقدمة الأولى و بعضها يرجع إلى المناقشة في المقدمة الثانية فنقول:

المسلك الأول- ما ذهب إليه المشهور من الفلاسفة فاعترفوا بالمقدمة الثانية و هي ان فعل الإنسان مسبوق بالضرورة، لكنهم ناقشوا المقدمة الأولى و هي ان الضرورة تنافي الاختيار، و ذلك انهم فسّروا الاختيار بان مرجعه إلى القضية الشرطية القائلة ان شاء و أراد فعل و إلّا لم يفعل و القضية الشرطية لا تتكفل حال شرطها و انه هل هو موجود بالضرورة أو معدوم بالضرورة أو لا فمتى ما صدقت هذه القضية الشرطية فقد صدق الاختيار حتى إذا فرض ان الشرط و هو الإرادة مثلا كان ضرورياً فكان‏

31

الجزاء ضرورياً بالغير أو كان ممتنعاً فكان الجزاء ممتنعاً بالغير من دون فرق بين ان يكون وجوب الشرط و امتناعه بالغير كما في الإنسان أو بالذات كما يفترضونه في حق الباري تعالى لأن صفاته واجبة بالذات لأنها عين ذاته و ضرورة الفعل الناشئة من الإرادة لا تنافي الاختيار بل تؤكده لأن الاختيارية تكون بصدق القضية الشرطية القائلة لو أراد لصلّى مثلًا فإذا ثبت ان الصلاة تصبح ضرورية عند الإرادة فهذا تأكيد للملازمة و تحقيق بتّي لصدق القضية الشرطية و بدون هذه الضرورة تكذب القضية الشرطية و ليست مضمونة الصدق و بالجملة الاختيار صادق متى ما صدقت هذه القضية الشرطية كما في حركة يد السليم و غير صادق متى ما لم تصدق القضية الشرطية كما في حركة يد المرتعش و هذا لا ينافي ضرورة الفعل بالإرادة و لا ضرورة الإرادة نفسها و هذا مرجع ما قاله صاحب الكفاية من ان الفعل الاختياري ما يكون صادراً عن الإرادة بمبادئها لا ما يكون صادراً عن إرادة صادرة عن الاختيار و هكذا.

و هذا الكلام الّذي قاله هؤلاء الفلاسفة و الحكماء بحسب الحقيقة مبني على ما ذكرناه من التفسير للاختيار و هو انه عبارة عن صدق تلك القضية الشرطية و بعد فرض التسليم بهذا التفسير يتم استدلالهم في المقام و هو ان هذه القضية الشرطية صادقة في جميع موارد الاختيار و لا يضر به الوجوب بالذات أو بالغير.

إلّا ان الشأن في صحة هذا التفسير لأنه ان كان مجرد اصطلاح للفلاسفة لأجل تغطية المسألة فلا مشاحة معهم في الاصطلاح و ان كان مرجعه إلى تشخيص معنى الاختيار لغة و ان واضع اللغة هكذا وضع لفظة الاختيار فأيضاً لا كلام لنا معهم إذ ليس بحثنا لغوياً لنرى ان الواضع لأي معنى وضع لفظ الاختيار و اما ان كان المنظور الاستطراق إلى التكليف و الحساب و توضيح الفارق بين حركة أمعاء الإنسان و حركة أصابعه الّذي جعل الإنسان يحاسب على الثانية دون الأولى (سواء فرضنا ان لكلمة الاختيار معنى في اللغة أو لا)، فحينئذ نقول تارة نتكلم على ما هو الحق من التسليم بالحسن و القبح العقليين و أخرى نتكلم بناء على إنكار ذلك كما أنكره الأشاعرة صريحاً و أنكره الفلاسفة بشكل مستور حيث أرجعوا الحسن و القبح العقليين إلى الأمور العقلائية و القضايا المشهورة:

32

أما بناء على ما هو الحق من التسليم بالحسن و القبح العقليين فلا محصل لكل هذه الكلمات في تخلصهم عن المشكلة فان حركة الأصابع إذا كانت ناشئة بالضرورة من الإرادة و الإرادة ناشئة بالضرورة من مبادئها و هي ناشئة بالضرورة من عللها و هكذا إلى ان ينتهي الأمر إلى الواجب بالذات فحالها تماماً حال حركة الأمعاء عند الخوف مثلًا الناشئة بالضرورة من عامل الخوف الناشئ بالضرورة من عوامل مؤثرة في النّفس الناشئة من عللها و هكذا إلى ان ينتهي إلى الواجب بالذات و كما يقبح المحاسبة و العقاب على الثاني كذلك يقبح على الأول بلا أي فرق بينهما سوى ان واضع اللغة سمّى الأول اختيارياً دون الثاني و اما بناء على إنكار الحسن و القبح العقليين فلا تبقى مشكلة من ناحية قبح المحاسبة و العقاب حتى نحتاج إلى حلها. نعم تبقى فقط مشكلة لغوية التكليف و أنه لا فائدة فيه بناء على عدم الاختيار فما الّذي يدعو المولى إلى التكليف و الخطاب؟ و حينئذ يكفي ما ذكروه لحل هذه المشكلة فان الحركة الناشئة من الإرادة و ان كانت ضرورية كحركة الأمعاء لكنها سنخ فعل يمكن التدخل التشريعي فيه (على خلاف سائر الأمور الضرورية)، بالتكليف و التخويف بالعقاب فمن يشتهي الأكل من الطعام الحرام لو علم بأنه يضرب ضرباً أشد من لذّة الطعام أحجم على ذلك و لو بلا اختيار بخلاف حركة الأمعاء مثلًا فانه حتى لو عرف الضرب على تقدير الحركة تبقى الأمعاء تتحرك. هذا صفوة ما يمكن ان يقال في التعليق على هذا المسلك.

المسلك الثاني- يعاكس المسلك الأول فيسلم بالمقدمة الأولى و أن الضرورة تساوق الاضطرار المنافي للاختيار و يناقش في المقدمة الثانية فينكر قوانين العلية و يفترض ان الشي‏ء يوجد رأساً من عالم الإمكان إلى عالم الوجود بلا حاجة إلى توسيط الضرورة و مال إلى هذا المسلك بعض الفلاسفة المتأخرين من غير المسلمين و تخيلوا ان هذا يساوق الاختيار و الحرّية إذ يبقى الفعل ممكناً حتى حين صدوره و هذا المسلك حاله حال أصل الشبهة يرتكبان خطأ فان أصل الشبهة جعلت الضرورة بقول مطلق منافية للاختيار و هذا المسلك جعل الإمكان و نفي الضرورة و نفي مبادئ العلية مساوقاً مع الاختيار و كلاهما غير صحيح (اما الأول) فلأن الضرورة إذا كانت في طول الاختيار

33

فهي لا تنافي الاختيار و إلّا فهي تنافيه و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى الكلام في ذلك، (و اما الثاني) فلان مجرد كون الفعل ليس ضرورياً لا يكفي في كونه اختيارياً للفاعل فان إنكار مبادئ العلية معناه بحسب الحقيقة التسليم بالصدفة و من الواضح ان الصدفة غير الاختيار فلو فرض- محالًا- ان الماء غلى بلا علّة و بلا نار فهذا معناه تحقق الغليان صدفة و ليس معناه ان الغليان كان اختيارياً للماء لأنه وجد بلا علة فان هذا غير ما يراه العقل اختياراً.

المسلك الثالث- ما قد يتمسّك به أيضاً بعض المحدثين و حاصله: نرى الكائنات التي تعيش في ظل هذه الطبيعة مختلفة في مقدار تحديد الطبيعة لها في مجال سيرها فمثلًا الحجر الّذي قذف به إلى أعلى يكون مجال سيره محددا مائة بالمائة و من جميع الجهات فقد فرض عليه ان يسير إلى أعلى بنحو مخصوص و إلى حد معين إلى ان تنتهي قوة الدفع فيرجع إلى أسفل محددا أيضاً سيره من جميع الجهات بحيث يمكن التنبؤ بالدقة عن حال صعوده و نزوله و تعيين وضعه في السير صعودا و نزولًا بالضبط هذا حال الحجر و اما الحيوان الّذي يضرب بحجر فيفر فالطبيعة لم تحدد له سيره تحديدا كاملًا بل له عدة فرص و لذا لا يتاح لنا بالدقة التنبؤ بأنه من أي جهة يهرب؟ و أكثر منه فرصة الإنسان و ذلك لأمرين: (الأول) ان ميوله و غرائزه أكثر تعقيدا و أشد من الحيوان فمثلا يفر الحيوان حينما يرى الحجر متوجها إليه في حين قد يميل الإنسان إلى ان يقف و يتلقف الحجر، (و الثاني) انه أوتي عقلًا يحكمه في أفعاله و يلحظ المصالح و المفاسد و هذه الفرص كلّها تصعّب التنبؤ بما سوف يفعل و الاختيار ينتزع من هذه الفرصة التي تعطيه الطبيعة.

و هذا الكلام و ان صدر من جملة من الفلاسفة المحدثين إلّا انه لا يرجع إلى محصل إذ مرجعه إلى ان الاختيار أمر وهمي إذ كون الفرصة في الإنسان أكثر منها في الحيوان و فيه أكثر منه في الحجر فتمنع الفرصة عن التنبؤ مرجعه إلى الاطلاع للمتنبئ على كل الخصوصيات الداخلية في تصرف الإنسان أو الحيوان لشدة تعقيدها و هذه الفرصة انتزعت و هما من هذه الخصوصيات المجهولة عند المتنبئ، و لو انه اطلع على كل الخصوصيات لتنبأ كما يتنبأ حال الحجر و هذا هو عين القول بالجبر.

34

المسلك الرابع- ما ذهب إليه المحقق النائيني (قده) حيث انه سلم بالمقدمة الأولى و الثانية معا إلّا انه لم يقبل إطلاق المقدمة الثانية و قال بان قوانين العلية لا تشمل الأفعال الاختيارية للإنسان فالإنسان حينما يلتفت إلى عمل ما كالصلاة و تنقدح في نفسه الإرادة الجدية الكاملة لا يحصل وجوب و ضرورة للصلاة بمعنى يخرجها عن قدرة الإنسان فالنفس حتى بعد الإرادة يبقى بإمكانها ان تتحرك نحو الصلاة أو لا تتحرك و حينما يصدر منها فعل الصلاة فقد صدر في الحقيقة من النّفس بعد ما تمت عندها الإرادة عملان طوليان:

(أحدهما) فعل خارجي و هو الصلاة (و الآخر) فعل نفساني قائم بصقع النّفس و هو أسبق رتبة من الفعل الخارجي و هو تأثير النّفس و حملتها و إعمالها للقدرة فالفعل يوجد بإعمال القدرة و الاختيار و هذا الفعل النفسانيّ و هو إعمال القدرة و التحرك و التأثير نسبته إلى النّفس نسبة الفعل إلى الفاعل لا نسبة العرض إلى محله كالإرادة و هذه الحملة و التحرك التي هي فعل نفساني ليست معلولة للإرادة وفقا لقوانين العلية بل النّفس بعد الإرادة يبقى بإمكانها ان تتحرك نحو الفعل و ان لا تتحرك و إذا لاحظنا هذين الفعلين نرى انهما اختياريان اما فعلها الأول و هو توجه النّفس و تأثيرها فهو أمر اختياري إذ لم يتحتم و لم يصبح وجوده ضروريا بالإرادة حتى يلزم خروجه من الاختيار و أما فعلها الثاني و هو الفعل الخارجي كالصلاة فهو و ان أصبح ضروريا بعد الاختيار لكن هذه الضرورة لا تنافي الاختيار لأنها ضرورة نشأت من الاختيار إذ نشأت من الفعل الأول الّذي هو عين اختيار النّفس و إعمالها لقدرتها و الضرورة في طول الاختيار لا تنافي الاختيار (1).

أقول: اننا نقبل من المحقق النائيني (قده) بنحو الإجمال ما ذكره من أنه لا بد من رفع اليد في الأفعال الاختيارية عن إطلاق قوانين العلية و قاعدة ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد كما سيأتي توضيحه و لكن ما ذكره في مقام تفصيل ذلك من افتراض فعلين للنفس و شرحه بالنحو الّذي عرفت يوجد لنا حوله عدة تعليقات.

____________

(1)- أجود التقريرات، ج 1 ص 90- 92.

35

الأولى- ان ما جعله فعلا نفسيا وراء الفعل الخارجي و هو تأثير النّفس و اختيارها و إعمالها لإمكانيتها في إيجاد الصلاة ليس بحسب الحقيقة أمرا وراء الفعل الخارجي فان الأعمال عين العلم و التأثير عين الأثر و هذه عناوين انتزاعية منتزعة من نفس العمل و الأثر فالإعمال و العمل و الإيجاد و الوجود و التأثير و الأثر مفهومان مختلفان بالاعتبار متحدان خارجا فمثلا الإحراق تارة يلحظ منسوبا إلى الفاعل فيسمى إحراقا و إيجادا للاحتراق و أخرى يلحظ منسوبا إلى المحل فيسمى وجودا و احتراقا.

الثانية- ان إدخال فرضية وجود عمل نفساني وراء العمل الخارجي و توسيطه بين الإرادة و الفعل لا دخل له في حل الشبهة فيمكننا ان نلتزم رأسا في الفعل الخارجي بما التزم به المحقق النائيني (قده) في الفعل النفسيّ من خروجه عن قانون ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد فان كان هذا التخصيص لذاك القانون كافيا لرفع الشبهة فيمكن ان يطبق ابتداء على الفعل الخارجي و ان لم يكن كافيا لذلك فافتراض فعل آخر متوسط بين الإرادة و الفعل لا يؤثر في رفع الشبهة.

الثالثة- اننا إذا لاحظنا الفعل الخارجي و نسبته إلى الفعل النفسانيّ رأينا ان حاله حال سائر الحوادث في عالم الطبيعة أي ينطبق عليه قانون ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد إذ هو وليد الفعل النفسانيّ و اما إذا لاحظنا الفعل النفسانيّ فقد افترض (قده) انه خارج عن قانون ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و سواء فرضنا ان هذا الفعل النفسانيّ هو الخارج عن هذا القانون أو فرضنا ان الفعل الخارجي ابتداء هو الخارج عن هذا القانون نقول: انه من الواضح ان هذا القانون لم يكن قانونا تعبديا يقبل التخصيص تعبدا و انما هو قانون عقلي فيأتي السؤال عن انه ما هو المصحح لوجود هذا الفعل بعد فرض عدم وجوبه الذاتي و كيف وجد؟ فنقول: ان الأمر في ذلك لا يخلو من أحد فروض:

1- ان يكون المصحح لوجوده هو الوجوب بالغير و الضرورة المكتسبة من العلة و هذا خلف الخروج من قاعدة ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد.

2- ان يكون المصحح له مجرد الإمكان الذاتي أي ان مجرد إمكان صدوره عن الفاعل يكفي في صدوره و هذا أيضا غير صحيح إذ من الواضح بالفطرة ان الإمكان‏

36

الذاتي الّذي معناه كون نسبة الشي‏ء إلى الوجود و العدم على حد سواء لا يكفي مرجحا لجانب الوجود و يأتي السؤال عن انه ما هو الفرق بين الإمكان هنا و الإمكان في سائر المجالات حيث لم يكف الإمكان في سائر المجالات للوجود و كفى له هنا. هذا مضافا إلى ان ذلك لا يصحح الاختيار إذ هذا معناه الصدفة لا الاختيار و الصدفة غير الاختيار.

3- ان يفترض ان الفعل الخارجي صادر بهجوم النّفس على حد تعبير المحقق النائيني (قده) و ذاك الهجوم صادر بهجوم آخر و هكذا و هذا أيضا باطل للزوم التسلسل.

فلم يبق الا الفرض الرابع الّذي هو الفرض المعقول في المقام و الّذي قصر عنه المنقول من كلمات المحقق النائيني (قده) فلعل هذا هو المقصود و لكن قصرت العبارة عن أدائه.

4- ان نطرح مفهوما ثالثا في مقابل مفهومي الوجوب و الإمكان و هو مفهوم السلطنة و هذا الوجه هو الّذي يبطل به البرهان على الجبر كما نوضح ذلك من خلال عدة نقاط:

الأولى- ان قاعدة ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد لو كان قاعدة قام عليها البرهان فلا معنى للالتزام بالتخصيص إذ ما يقوم عليه البرهان العقلي لا يقبل التخصيص و التقييد و لكن الصحيح انها ليست قاعدة مبرهنة بل هي قاعدة وجدانية من المدركات الأولية للعقل و ان كان قد يبرهن على ذلك بان الحادثة لو وجدت بلا علة و وجوب لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح و هو محال لكنك ترى ان استحالة الترجيح أو الترجح بلا مرجح هي عبارة أخرى عن ان المعلول لا يوجد بلا علة اذن فلا بدّ من الرجوع في هذه القاعدة إلى الفطرة السليمة مع التخلص من تشويش الاصطلاحات و الألفاظ لنرى ما هو مدى حكم الفطرة و الوجدان بهذه القاعدة فننتقل إلى النقطة الثانية.

الثانية- ان الفطرة السليمة تحكم بان مجرد الإمكان الذاتي لا يكفي للوجود و هنا أمران إذا وجد أحدهما رأى العقل انه يكفي لتصحيح الوجود (أحدهما) الوجوب بالغير فانه يكفي لخروجه عن تساوي الطرفين و يصحح الوجود (و الثاني) السلطنة فلو وجدت‏

37

ذات في العالم تملك السلطنة رأى العقل بفطرته السليمة ان هذه السلطنة تكفي للوجود و توضيح ذلك ان السلطنة تشترك مع الإمكان في شي‏ء و مع الوجوب في شي‏ء و تمتاز عن كل منهما في شي‏ء:

فهي تشترك مع الإمكان في ان نسبتها إلى الوجود و العدم متساوية لكن تختلف عن الإمكان في ان الإمكان لا يكفي لتحقق أحد الطرفين بل يحتاج تحققه إلى مئونة زائدة و أما السلطنة فيستحيل فرض الحاجة معها إلى ضم شي‏ء آخر إليها لأجل تحقق أحد الطرفين إذ بذلك تخرج السلطنة عن كونها سلطنة و هو خلف بينما في الإمكان لا يلزم من الحاجة إلى ضم ضميمة خلف مفهوم الإمكان اذن فالسلطنة لو وجدت فلا بد من الالتزام بكفايتها.

و هي تشترك مع الوجوب في الكفاية لوجود شي‏ء بلا حاجة إلى ضم ضميمة و تمتاز عنه بان صدور الفعل من الوجوب ضروري و لكن صدوره من السلطنة ليس ضروريا إذ لو كان ضروريا لكان خلف السلطنة و فرق بين حالة (له أن يفعل) و حالة (عليه أن يفعل) و قد فرضنا اننا وجدنا مصداقا للسلطنة و أن له ان يفعل و من السلطنة ينتزع العقل- باعتبار وجدانها لهذه النكات- مفهوم الاختيار لا من الوجوب و لا من الصدفة. و قد تحصل ان المطلوب في هذه النقطة الثانية انه لو كانت هناك سلطنة في العالم لكانت مساوقة للاختيار و كفت في صدور الفعل.

الثالثة- ان هذه السلطنة هل هي موجودة أم لا؟ يمكن البرهان على إثباتها في الجملة و تعيينها في اللَّه و هذا خارج عما نحن بصدده و يرجع إلى بحث قدرة اللَّه و اما في الإنسان الّذي هو الداخل في محل البحث فلا برهان عليه بل ينحصر الأمر في إثبات ذلك بالشرع أو بالوجدان بان يقال مثلا اننا ندرك مباشرة بالوجدان ثبوت السلطنة فينا و اننا حينما يتم الشوق الأكيد في أنفسنا نحو عمل لا نقدم عليه قهرا و لا يدفعنا إليه أحد بل نقدم عليه بالسلطنة بناء على دعوى ان حالة السلطنة من الأمور الموجودة لدى النّفس بالعلم الحضوري من قبيل حالة الجوع أو العطش أو حالة الحب أو البغض أو بان يقال اننا كثيرا ما نرى اننا نرجح بلا مرجح كما يقال في رغيفي الجائع و طريقي الهارب فلو كان الفعل لا يصدر إلّا بقانون الوجوب بالعلة اذن لبقي جائعا إلى ان يموت‏

38

لعدم المرجح لأحدهما بينما بناء على قاعدة السلطنة يرجح أحدهما بلا مرجح و ان عرض هذا الكلام على الحكماء لقالوا ان المرجح موجود في علم المولى أو بعض الملائكة المدبرين للأمور إلّا ان يقال في مقابل ذلك ان الوجدان يحكم بعدم المرجح دائما حتى في علم المولى أو الملائكة فأيضاً رجع إلى الوجدان.

(بقي في المقام التنبيه على أمرين) الأول- انه مضى في المسألة الأولى أي في تشخيص فاعل الأفعال و انه اللَّه أو الإنسان وجوه خمسة و قلنا هناك انه في حدود تلك المسألة يكون الوجه الثالث و الرابع كلاهما معقولا إلّا انه إذا ثبتت السلطنة بالشرع أو بالوجدان بطل على ضوئه الوجه الرابع هناك إذ هو مستلزم للجبر حيث انه يجعل مبادئ الإرادة مجرد مقدمات إعدادية موجبة لقابلية المحل لكي يقوم الفاعل و هو اللَّه بفعله فان فرضنا ان الإرادة حالة نفسانية نسبتها إلى النّفس نسبة العرض من المحل لم يبق اختيار للإنسان إذ الإرادة تحصل قهرا و ما يأتي بعدها من فعل يوجده اللَّه و ان فرضنا ان الإرادة فعل من افعال النّفس يأتي بعدها الفعل الخارجي فالوجه الرابع يقول ان هذا الفعل أيضا فعل اللَّه فان الوجه الرابع لا يختص بفعل دون فعل فأيضاً لا يبقى اختيار للإنسان فكل ما يثبت السلطنة يبطل هذا الوجه لا محالة.

الثاني- ان الاختيار المدعى ثبوته للإنسان ليس مطلقا إذ لا شك في ان كثيرا من الأمور قد تقع رغم أنف الإنسان و خارج حدود اختياره فهو اختيار محدود لا محالة و ضابطه ان كل فعل أو ترك يكون لاعتقاد الإنسان «بالمصلحة أو المفسدة فيه» دخل في تحققه هو امر اختياري، فيدخل تحت هذا الضابط أمران:

1- الأفعال الصادرة من جوارح الإنسان في الخارج كالصلاة و الصوم أو افعال الجوانح المنشآت من قبل النّفس كعقد القلب و الإنشاء، و نحو ذلك. و انطباق الضابط على هذا النوع واضح.

2- الحب و الشوق أو البغض و الكراهة التي هي من مبادئ الأفعال الاختيارية فانها أيضا قد تكون اختيارية و ينطبق عليها الضابط المذكور بأحد وجهين:

الأول- ان الحب و البغض يتولدان عادة من الاعتقاد بالمصلحة و الاعتقاد

39

بالمفسدة في المحبوب و المكروه فمن يعتقد المصلحة في أكل شي‏ء، يشتاق إلى الأكل.

و من يعتقد المفسدة فيه، يكرهه، و هكذا. و بهذا الاعتبار كانت هذه الصفات داخلة تحت اختيار الإنسان في كثير من الحالات و صح التكليف بها كالأمر بحب النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و بغض أعدائهم.

الثاني- ان يفرض المصلحة في نفس الشوق المؤكد فلو فرض انه لا يرى مثلا أي مصلحة في نفس القيام لكن قال له شخص لو أردت القيام و اشتقت إليه أعطيتك دينارا سواء قمت بالفعل أم لا فيقال انه سوف ينقدح في نفسه الإرادة و الشوق نحو القيام و قد طبق ذلك على بعض الفروع الفقهية و هذا ما ينبغي بحثه تحت عنوان نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها لا متعلقها.

نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها

ذكر بعض المحققين إمكان نشوء الإرادة و الشوق عن مصلحة في نفسها و جعلوا من تطبيقاته من يقصد عشرة أيام من أجل ان يصلي تماما أو يصوم و من دون غرض له في البقاء عشرة أيام سوى ذلك و هو متقوم بنفس القصد و الإرادة.

و اعترض على ذلك المحقق العراقي (قده) بان الفعل و الترك إذا كانا في نظر الإنسان سيان فكيف تتعلق إرادته بأحدهما، و هل هذا الا ترجيح بلا مرجح؟ و فيما يلي نتحدث:

أولا عن إمكان نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها ثم نبحث عن الفرع المذكور و كيفية تخريجه من الناحية الفقهية.

فنقول: الصحيح ان الحب و البغض و الإرادة و الكراهة التي هي من الصفات الحقيقية ذات الإضافة لا تحصل الا على أساس ما في متعلقاتها من المصالح و الملاكات لا من أجل ما ساقه المحقق العراقي (قده) كبرهان على الاستحالة و هو لزوم الترجيح بلا مرجح ليقال ان المرجح ليكن هو المصلحة في نفس الإرادة بل لحكم الوجدان الّذي هو المرجع في تشخيص صغرى العلية و السببية في سائر الموارد بأن الشوق و الإرادة و كذلك البغض و الكراهة لا تتحقق الا على أساس تشخيص الملاك من‏

40

المصلحة أو المفسدة في المتعلقات لأنها من الصفات ذات الإضافة و التعلق بغيرها فتنشأ عن ملاك فيه.

و أما علاج الفرع الفقهي المذكور و الّذي قد يبرز كنقض على دعوى استحالة نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها فقد حاول المحقق العراقي (قده) أن يتخلص عنه بدعوى ان الإرادة و القصد أيضا ناشئة من مصلحة في المتعلق إلّا أن المتعلق ليس هو الإقامة مطلقا بل الحصة الخاصة منها و هو الإقامة القصدية فالإقامة القصدية أو هذا الباب من أبواب وجود الإقامة هي التي تكون مصبا للنكتة الداعية للمكلف إلى ان يقصد الإقامة.

و هذا الكلام بحاجة إلى تمحيص فانه يحتمل فيه أحد وجهين.

الأول- ان المصلحة التي يتوخاها المسافر في الإقامة المقيدة بالقصد أي ما هو موضوع الحكم بصحة الصوم و الإتمام هو المقيد و التقيد بنحو التركيب الضمني و هذا واضح الجواب لأنه من الثابت فقهيا ان نفس الإقامة ليس لها دخل في صحة الصوم و التمام و لو ضمنا فلو نوى الإقامة و صلى رباعية ثم عدل كان عليه التمام و الصيام بلا إشكال.

الثاني- ان المصلحة في سد باب عدم الإقامة من ناحية عدم القصد و الإرادة للإقامة و لو فرض انفتاح باب آخر لعدمها كإجبار شخص إياه على الخروج أو غير ذلك فكأن هذا حفظ لمرتبة من مراتب وجود الإقامة و تقريب نحو وجودها و إيجاد ناقص لها. و هذا الوجه عبارة أخرى عن قيام المصلحة بنفس القصد لا المقصود لأن سد باب عدم الإقامة من ناحية عدم القصد عبارة أخرى عن القصد و ليس جزءا من الإقامة إلّا بنحو من المسامحة في التعبير فيقال الإقامة القصدية إذ ليس سد باب عدم شي‏ء بعدم إحدى مقدماته الا عبارة أخرى عن إيجاد تلك المقدمة فرجع الإشكال جذعا.

و التحقيق: ان يقال ان ما هو شرط في صحة الصوم و التمام و هو قصد الإقامة بعد وضوح ان نفس الإقامة خارجا ليس شرطا فيها يتصور بأحد تصورات ثلاثة:

الأول- ان يختار بأن الشرط نفس إرادة الإقامة لا غير كما هو ظاهر من نقض بهذا

41

الفرع في مسألتنا هذه فحينئذ لا محيص عن الإشكال في أكثر الفروض.

و توضيحه- انه تارة يتعلق غرض المسافر بصوم أقل من عشرة أيام فسوف تكون صحة صومه غير متوقفة على وقوع الإقامة منه بوجه من الوجوه أصلا، إذ هو يعلم انه لو عدل بعد الصوم عن الإقامة حصل غرضه أيضا و صح صومه بلا إشكال فلو حصل له قصد الإقامة و إرادتها لهذا الغرض فحسب أي لتصحيح الصوم أقل من عشرة أيام لزم نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها و هو محال.

و أخرى يتعلق غرضه بالصوم عشرة أيام فصاعدا و هذا من الناحية الفقهية متوقف على الجامع بين ان يصلي صلاة رباعية أو يبقى عشرة أيام حقيقة مع قصد الإقامة و لكن حيث انه عادة يتحقق الفرد الأول من هذا الجامع قبل الفرد الثاني فلا يبقى أثر للفرد الثاني منه فقصد الإقامة لا بد أن ينشأ من القصد نفسه مع صلاة رباعية لا الإقامة عشرة أيام لعدم تعلق غرض له فيها و هو محال أيضا.

نعم إذا فرض انه كان سنخ إنسان يصوم و لا يصلي و قلنا بأن ما يترتب عليه حكم الإقامة خصوص الصلاة الرباعية لا مطلق ترتيب أثر من آثار الإقامة سواء كان صلاة رباعية أو صوما فهنا يصبح بقاء قصده للإقامة إلى آخر العشرة دخيلا في إمكان الصوم إلى آخر العشرة و هذا يلازم نفس الإقامة خارجا فيتحقق منه قصد الإقامة لكونها مما يتوقف عليه محبوبه لا محالة و لا إشكال في كفاية ذلك في ترتب أحكام الإقامة و لا يشترط ان تكون الإقامة المحبوب النفسيّ للمقيم إلّا أن هذا فرض نادر جدا.

الثاني- ان يراد بقصد الإقامة الّذي يفترض شرطا لصحة الصوم البناء النفسيّ و الالتزام بالإقامة و لو لم يكن له شوق نحوها بل لعله يكرهها و الالتزام و البناء من افعال النّفس فقد يقال انه حينئذ يرتفع الإشكال السابق لأنه مسلط على نفسه و أفعالها كتسلطه على افعال جوارحه و ليس هذا من قبيل الحب و البغض اللذين هما من الصفات.

و لكن يرد على هذا ان داعيه إلى هذا البناء انما هو تصحيح الصوم و هو يعلم ان هذا الداعي سوف ينتفي و يزول في ظرف العمل و بعد أن يتحقق منه البناء حدوثا فلا يتمشى منه بناء جدي حقيقي على البقاء عشرة أيام الا من باب لقلقة اللسان فان‏

42

البناء على شي‏ء استقبالي انما يتأتى من الإنسان إذا كان داعية إلى البناء على ذلك موجودا- في أفق تصوره الآن- في ظرف العمل و لو حصل له البداء بعد ذلك و اما إذا كان يعلم ان داعيه سوف يزول و ينتهي في ظرف العمل فلا يتأتى منه بناء حقيقي.

الثالث- ان يراد بقصد الإقامة العلم أو الاطمئنان بالمكث عشرة أيام- و هذا هو الصحيح من الناحية الفقهية على ما قررناه في محله.

و هنا أيضا لا يرد إشكال نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها و لكن يرد نظير الإشكال على التقدير المتقدم من ان هذا العلم و الاطمئنان بالبقاء عشرة أيام لا يحصل إلّا إذا كان هناك بناء نفسي جدي على ذلك.

و هكذا يتلخص أنه في غالب الفروض عند عدم وجود رغبة و مصلحة مستقلة في الإقامة بقطع النّظر عن تصحيح العبادة لا يتأتى منه قصد الإقامة اما لأنه لا يتولد له القصد بمعنى الشوق إلى شي‏ء لمصلحة في نفس القصد و الإرادة كما هو الحال على التفسير الأول أو لأنه يعلم بأنه سوف يعدل عن الإقامة فلا بناء جدي و لا علم منه بالبقاء كما هو على التفسيرين الثاني و الثالث فلا بد من ان يجعل الإقامة ذاتها ذات مصلحة لكي يتمشى منه القصد و لو بالنذر و شبهه. و هناك فروع مشابهة لهذا الفرع.

منها- من يريد الوضوء قبل الوقت من أجل الصلاة بعد ذلك في الوقت بناء على عدم استحباب الوضوء في نفسه و اشتراط صحته بوقوعه لغاية من الغايات المكلف بها فعلا فيقال بأنه ينوي قراءة القرآن مثلا فيصح بذلك وضوؤه فانه في مثل ذلك أيضا يرد الإشكال بأن ما تتوقف عليه صحة وضوئه نفس قصد القراءة فلا داعي له حقيقة إلى قراءة القرآن بعد ذلك فيكون الغرض و الملاك في نفس القصد فيأتي الإشكال.

و لكن الصحيح عدم صحة المبنى فانه لا يلزم في تصحيح الوضوء كعبادة الا توفر امرين أحدهما ان يكون مطلوبا للمولى و الثاني ان يؤتى به بداع من الدواعي الحسنة و القربية و كلا الأمرين حاصل في المقام أما الأول فلما هو المحقق و الصحيح في محله من ثبوت الاستحباب النفسيّ للكون على الوضوء [1]. و لا نحتاج إلى وجوبه المقدمي أو

____________

[1]- بل الصحيح انه لا نحتاج حتى إلى استحبابه إذ لا وجه لاشتراط الأمر و الطلب التكليفي بالوضوء أو الغسل- الطهور- في تصحيحها بل يكفي الأمر الشرطي الشامل بإطلاقه للحصة الواقعة قبل الوقت أيضا إذا كان الإتيان به بداع قربي و الّذي يكفي فيه قصد التهيؤ. و هذا يعني اننا انما نحتاج إلى الأمر في تصحيح العبادة إذا كانت نفسية لا غيرية فتأمل جيدا.

43

ملاكه الّذي لا يتحقق- على المشهور- قبل الوقت و اما الثاني فلان قصد الصلاة التي سوف يأتي وقتها داع قربي و حسن لأنه مظهر من مظاهر الإخلاص في العبودية و لا يشترط ان يقصد امرا فعليا لكي يكون قصده قربيا.

و منها- ما إذا أراد الوضوء بماء في حوض المسجد مثلا و كان الوقف لمن ينوي الصلاة في ذلك المسجد، فانه إذا لم يكن له غرض في الصلاة في ذلك المسجد و لكن كان يريد الوضوء بذلك الماء وضوءاً صحيحا فسوف يكون غرضه في نفس قصد الصلاة في المسجد بهذا الوضوء و لو حصل له بعد ذلك البداء و لم يصل في المسجد. فانه سوف يعلم مسبقا بأن غرضه في نفس قصد الصلاة في المسجد و ان قصده هذا سوف يزول بمجرد تمامية الوضوء.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

بحوث الأوامر

دلالات صيغة الأمر

دلالتها على الطلب. كيفية دلالتها على الوجوب. الجمل الخبرية في مقام الإنشاء. دلالتها على التوصلية (التعبدي و التوصلي). دلالتها على النفسيّة و التعيينية و العينية. دلالتها في مورد الحظر. دلالتها على المرة أو التكرار

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

صيغة الأمر و البحث عنها من جهات أيضا

الجهة الأولى- في دلالتها على الطلب‏

لا إشكال في أصل الدلالة انما البحث في كيفية استفادة الطلب منها لأنها من الهيئات فلا يمكن ان تكون موضوعة لمفهوم الطلب الاسمي كلفظ الطلب بل لا بد ان تكون موضوعة بإزاء معنى نسبي يساوق مفهوم الطلب الاسمي.

و لا بد من ان نستبعد منذ البدء ما اختاره السيد الأستاذ من انها موضوعة بإزاء إبراز اعتبار نفساني هو اعتبار الفعل في ذمة المكلف‏ (1) فان هذا مبني على مسلكه في باب الوضع و هو مسلك التعهد و الّذي كان يقتضي كون الدلالة الوضعيّة تصديقية لا تصورية. اما على المسلك الصحيح من ان الدلالات الوضعيّة تصورية فلا بد من تشخيص ما هو المعنى التصوري الموضوع له صيغة الأمر قبل الانتهاء إلى المعنى التصديقي في نفس المتكلم الّذي يكشف عنه الظهور الحالي [1] إذا عرفت ذلك فنقول:

____________

[1]- بل على مسلك التعهد أيضا لا بد من البحث عن كيفية دلالة صيغة الأمر على الطلب تصورا و لو لم يكن هذا المدلول التصوري وحده الوضع لأن مسلك التعهد أيضا يميز بين المعاني الاسمية و الحرفية على مستوى التصور و ان لم يكن هذا التصور وحده هو المعنى الموضوع له بل الموضوع له قصد افهام ذلك التصور و إرادته اخبارا أو إنشاء و اعتبارا. و بعبارة أخرى القائل بمسلك التعهد أيضا لا بد ان يميز بين قصد إبراز معنى اسمي أو قصد إبراز معنى حرفي أي يميز بين ما إذا أخبر عن اعتباره للفعل على ذمة العبد بجملة اسمية أو بصيغة الأمر.

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه، ج 2، ص 130.

48

قد تقدم في بحث معاني الحروف و الهيئات ان الجمل الفعلية كجملة (ضرب زيد) تشتمل على نسبتين إحداهما نسبة ناقصة بين الحدث- كالضرب في المثال- و بين ذات مبهمة و هي نسبة صدورية في الفعل الماضي و المضارع و نسبة أخرى تامة بين الفاعل و هو زيد في المثال و بين تلك الذات المبهمة الواقعة ضمن النسبة الناقصة و قد سميناها بالنسبة التصادقية فكأنا قلنا ان الذات التي صدر منها الضرب هو زيد و قلنا هناك ان هذا ما يسوق إليه البرهان في مقام تحصيل مفاد الجملة الفعلية و بينا ان النسبة التصادقية لا تكون بين المفهومين بما هما مفهومان في عالم اللحاظ لأنهما في عالم اللحاظ متغايران و انما هي نسبة التصادق بين المفهومين بما هما فانيان في الخارج و من هنا لا بد في كل نسبة تامة من طرف ثالث و هو وعاء الفناء فانه تارة يكون وعاء الفناء هو عالم الحقيقة و الخارج فتكون الجملة اخبارا و أخرى يكون الوعاء عالم الاستفهام أو الترجي أو التمني فيكون استفهاما و ترجيا و تمنيا و بهذا يعرف وجه الفرق بين ضرب زيد و هل يضرب زيد و لعل زيدا يضرب.

و على ضوء هذا الّذي تقدم نقول في المقام بأن جملة (اضرب أنت) التي هي جملة فعلية أمرية لا بد ان يكون بينها و بين جملة (ضرب زيد) أو (ضربت أنت) فرق اما في النسبة التامة أو في النسبة الناقصة إذ لو كانت النسبتان معا فيها واحدة لما بقي فرق في المعنى بين الاخبار عن صدور الضرب و الأمر به مع بداهة الفرق. و حينئذ يطرح في المقام منذ البدء احتمالان.

الاحتمال الأول- ان يقال بان الفرق بين الجملتين كالفرق بين الجملة الفعلية الخبرية و الفعلية الإنشائية أي الاستفهام و الترجي و التمني بمعنى انهما يختلفان في وعاء النسبة التامة التصادقية فانه في الجملة الخبرية عالم التحقق و في جملة الأمر عالم الطلب.

إلّا ان هذا الاحتمال لا بد من رفضه إذ لو كان الفرق بينهما بلحاظ النسبة التامة لم يكن فرق بينهما في نفس الفعلين مع اننا نحس بالوجدان بالفرق بين الفعلين الأمر و الماضي أو المضارع مع قطع النّظر عن وقوعهما في جملة تامة و ليس حالهما حال الفعل الواقع في حيز الاستفهام و التمني و غيرها من أنحاء الإنشاء.

49

الاحتمال الثاني- ان يكون الفرق بينهما بلحاظ النسبة الناقصة فالماضي أو المضارع موضوعان بحسب الهيئة للنسبة الصدورية بينما صيغة الأمر موضوعة للنسبة الإرسالية و الدفعيّة و الإلقائية و نحو ذلك من التعابير. فان الإلقاء و الدفع له فرد حقيقي تكويني و هو ما إذا دفع شخص شخصا في الخارج نحو شي‏ء في الخارج و له فرد عنائي تكويني كما لو دفعه بيده نحو عمل من الأعمال كما إذا ألقاه على الكتاب لكي يطالع فهو إلقاء تكويني حقيقي على الكتاب و دفع تكويني عنائي له نحو المطالعة و هذا الدفع يولد نسبة مخصوصة بين المدفوع و هو زيد و المدفوع نحوه و هو المطالعة و هذه النسبة نسميها بالنسبة الإرسالية و الدفعيّة و التحريكية و ندعي انها مفاد صيغة الأمر [1] و هذا يعني ان هيئة الأمر تدل دلالة تصورية مطابقية على النسبة الإرسالية و تدل دلالة تصورية بالملازمة و في طول الدلالة الأولى على الإرادة و لذلك حتى إذا سمعنا الأمر من الجدار انتقش في الذهن الإرسال و الإرادة تصورا و يوجد وراء هذين المدلولين التصوريين مدلول تصديقي إذا كان صادرا من عاقل و هو الكشف عن وجود إرادة في نفس المتكلم. و اما الطلب فان قلنا انه عين الإرادة فقد عرفت حاله و ان قلنا بأنه غير

____________

[1]- أولا- ان النسبة الإرسالية و الدفعيّة ليست نسبة بين شيئين و انما هي عبارة عن نسبة الدفع و الإرسال كحدث إلى فاعله أو مفعوله.

و ثانيا- لا ينبغي الإشكال وجدانا في دلالة فعل الأمر على نسبة صدور الحدث أي المبدأ من الفاعل أيضا كدلالة فعل المضارع و الماضي فإذا افترض وجود نسبة أخرى في مفاده لزم دلالته على نسبتين في عرض واحد و هو غريب في بابه.

و ثالثا- ان هذه النسبة الناقصة حالها حال سائر النسب الناقصة من حيث انها مجرد مدلول تصوري لنسبة خارجية فمن أين تنشأ خصوصية الإنشائية في فعل الأمر بحيث لا يصح استعماله في مقام الاخبار عن وقوع هذه النسبة خارجا فان كان ذلك على أساس تعلق الإرادة و الطلب بها فالإرادة مدلول تصديقي و الكلام في مرحلة المدلول التصوري و الّذي لا إشكال في انحفاظ الإنشائية فيها.

و ان كان من جهة ان هذه النسبة لوحظت في وعاء الطلب و الاستدعاء فهو مضافا إلى رجوعه للاحتمال السابق. فيه: ان الوعاء انما يكون مقوما للنسب الذهنية التامة لا الخارجية الناقصة على ما تقدم في محله. و ان كان من جهة ان صيغة الأمر تخطر في ذهن المخاطب ان المتكلم يرسله بالفعل نحو العمل فكأنه قال له أرسلك إنشاء فهذا يعني ان الإنشائية تحصل في طول الاستعمال و ليست محفوظة في مرحلة المعنى المستعمل فيه نظير بعت إنشاء فيرد الإشكال بأنه لما ذا لا يصح اذن استعمال فعل الأمر في مقام الاخبار عن النسبة الإرسالية طالما ان المعنى المستعمل فيه واحد فلا يبقى وجه للفرق الا ما ذهب إليه المشهور من ان هذه الأدوات موضوعة لإيجاد معانيها في الخارج بمعنى انها لا تخطر صدور النسبة من الفاعل إلى ذهن المخاطب بل توجد إحساسا و استجابة خاصة عنده نحو المعنى نظير الإحساس بالاندفاع في باب الأمر باليد و الإشارة أو التنبيه في النداء فهي أدوات إيجادية و ليست إخطارية على تفصيل ليس هنا مجال بيانه.

50

الإرادة فالشوق النفسانيّ بمجرده لا يصدق عليه انه طلب و انما الطلب- على ما هو الظاهر لغة- هو السعي نحو المقصود فيكون «افعل» بنفسه مصداقا للطلب حقيقة لأنه باعتبار كشفه عن الإرادة سعي نحو المقصود.

بقي أمران.

الأول- انهم ذكروا لصيغة الأمر معاني عديدة من الطلب و التعجيز و الاستهزاء و نحوها و المعروف بين المحققين المتأخرين أن الاختلاف في مورد هذه المعاني بحسب الحقيقة في دواعي الاستعمال لا المعنى المستعمل فيه الأمر فانه واحد و هو النسبة الإرسالية غاية الأمر تارة يكون الداعي من وراء إخطار هذه النسبة في ذهن السامع إظهار عجزه و أخرى الاستهزاء به أو اختباره أو الطلب منه.

إلّا ان السيد الأستاذ جريا على مبناه في حقيقة الوضع التزم في المقام بتعدد معاني صيغة الأمر لأنها موضوعة عنده كما أشرنا سابقا لإبراز المدلول التصديقي و هو متباين في هذه الموارد كما أشرنا فلا محالة يكون للأمر معان عديدة بعددها.

و هذا المطلب مضافا إلى خطأ مبناه كما تقدم في محله يؤدي إلى نتيجة غريبة في بابها هي عدم وجود ارتباط بين مفاد الهيئة و المادة فانه على مبنى المشهور من دلالة الصيغة في تمام الموارد على النسبة الإرسالية يكون الارتباط واضحا حيث يدل الأمر بالطيران مثلًا في موارد التعجيز أو الاستهزاء على إرساله نحو مفاد المادة و هو الطيران بقصد إظهار عجزه أو الاستهزاء به حيث انه لا يستطيع الطيران فيظهر بذلك عجزه و هو المدلول التصديقي. و اما على مسلك الأستاذ فان التعجيز و الاستهزاء الإنشائيين لا الأخباريين لا يتعلقان بمفاد المادة و هو الطيران كيف و لو كان هناك طيران لما كان عجز و لا استهزاء فلا يبقى أي ارتباط بين مفاد الهيئة الإنشائي و المادة.

الثاني- ان المعاني المذكورة و ان كانت جميعا خارجة عن المعنى المستعمل فيه الأمر و يكون الأمر مستعملًا في هذه الموارد أيضا في معناه الحقيقي و هو الإرسال نحو المادة إلّا أنه لا ينبغي الإشكال أيضا في ظهور صيغة الأمر لو لا القرينة على ان الداعي في نفس المتكلم انما هو الطلب لا الاستهزاء أو التعجيز أو غيرهما من الدواعي فلا بد من إبراز نكتة و تخريج لهذا الظهور.

51

و قد ذكر في الكفاية في وجهه: أن داعي الطلب قد أخذ قيدا في الوضع لا في المعنى الموضوع‏ (1) له على ما تقدم منه في معاني الحروف و الأسماء بالنسبة إلى قيد الآلية و الاستقلالية في اللحاظ. و قد برهنا هناك على بطلان هذا التفسير و ان الوضع ليس من الأمور الجعلية التي تكون قابلة للتقييد و الإطلاق بهذا المعنى.

و الصحيح انه يمكن تفسير هذا الظهور على أساس إحدى نكتتين:

الأولى- ما تقدم من ان المدلول التصوري لصيغة الأمر أولا هو النسبة الإرسالية و في طولها الإرادة فلو كان المدلول التصديقي هو الإرادة أيضا لتطابق المدلول التصديقي مع المدلولين التصوريين و إلّا فلا. و أصالة التطابق بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي أصل عقلائي في باب الظهورات [1].

الثانية- ان سائر الدواعي غير الطلب بحسب النّظر العرفي فيها مئونة زائدة على أصل الطلب و الإرادة لأن من يستهزئ أو يريد التعجيز أيضا يريد الفعل فهو يتقمص قميص من يريد و يطلب الفعل حتى يظهر عجزه أو السخرية به فالطبع الأولي هو الكشف عن الإرادة و الباقي مشتمل على مئونة زائدة منفية بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

____________

[1]- أصالة التطابق تجري بلحاظ ما هو المدلول التصوري للفظ لا المداليل التصورية الالتزامية الخارجة عنه و المقتنصة في طول المداليل التصديقية التي هي ظهورات حالية كما في المقام و لعل الأولى ان يقال بان النسبة الإرسالية و الدفعيّة تتناسب سنخا و مفهوما مع الإرادة و الطلب فتجري أصالة التطابق بلحاظ المدلول التصوري للفظ ابتداء.

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 102.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الجهة الثانية- في كيفية دلالة الصيغة على الوجوب‏

يقع الحديث بعد الفراغ عن دلالة الصيغة على الوجوب في كيفية الدلالة و منشئها.

و قد تقدم لدى البحث عن دلالة مادة الأمر على الوجوب مسالك ثلاثة لاستفادة الوجوب من الأمر.

الأول- مسلك حكم العقل و انتزاعه للوجوب من مجرد طلب المولى عند عدم ترخيصه في الترك.

الثاني- مسلك الإطلاق و ان مقتضى مقدمات الحكمة تعيين الطلب الشديد الّذي هو الوجوب.

الثالث- مسلك الوضع لخصوص الطلب الشديد الّذي لا يرضى بتركه.

و المسلك الأول لو تم و صح هناك جرى في المقام أيضا حرفا بحرف و انما الكلام في جريان المسلكين الآخرين.

أما مسلك الإطلاق فقد يناقش في تماميته هنا بأن مفاد الصيغة النسبة الإرسالية و الإرسال أو الدفع ليس كالطلب ينقسم إلى شديد و ضعيف لكي نعين مرتبته الشديدة بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

54

و فيه- ان الإطلاق لم يكن يجري بلحاظ المدلول التصوري بل لتشخيص المدلول التصديقي ابتداء و هو الإرادة و صيغة الأمر في مرحلة المدلول التصديقي تدل على الإرادة على كل حال فيصح جريان الإطلاق فيها لإثبات المرتبة الشديدة منها. على انه قد مضى ان صيغة الأمر أيضا تدل بالملازمة على الإرادة و الطلب تصورا فيمكن إجراء مقدمات الحكمة بلحاظها.

و أما مسلك الوضع فأيضاً قد يناقش في جريانه هنا بأن النسبة الإرسالية لا تتحصص إلى حصتين وجوبية و استحبابية ليقال بأن الصيغة موضوعة بإزاء إحداهما فقط.

و فيه: ان الإرسال و الإلقاء و ان لم يكن منقسما بلحاظ ذاته إلى حصتين إلّا انه ينقسم إلى حصتين بلحاظ منشئه فانه قد ينشأ الإلقاء و الإرسال من إرادة شديدة و قد ينشأ من إرادة ضعيفة و حينئذ يكون من المعقول وضع الصيغة لخصوص النسبة الإرسالية المتولدة عن الإرادة الشديدة و يكون مقتضى التطابق بين المدلولين التصوري و التصديقي الكشف عن وجود إرادة شديدة لدى المولى [1].

هذا و قد تقدم في بحث المادة انه يوجد تقريب لاستفادة الوجوب من صيغة الأمر بالإطلاق و مقدمات الحكمة جار في تمام موارد استعمالاتها بحيث يمكن الاستغناء على أساسه عن دعوى الوضع للوجوب بخلاف مادة الأمر فراجع.

____________

[1]- إذا لم تكن الإرادة مدلولا تصوريا لنفس اللفظ و لو عرفا لم يصح إجراء الإطلاق اللفظي لإثبات المرتبة الشديدة. كما أن النسبة الإرسالية لو فرض عدم تحصصها مفهوما إلى نسبة دفعية رخوة ضعيفة و نسبة دفعية قوية فأخذ منشئها فيها ان كان بنحو التقييد كان غريبا في باب الهيئات و المعاني الحرفية و ان كان بنحو الحيثية التعليلية فالمفروض عدم تحصصها بعلتها مفهوما.

55

الجهة الثالثة- في الجمل الخبرية المستعملة في الطلب‏

لا ينبغي الإشكال في صحة استعمال الجمل الخبرية في مقام إنشاء الطلب حيثما قامت قرينة على ذلك و لو حالية أو مقامية، و انما البحث في كيفية تفسير و تخريج هذه الدلالة أولا. و في انها تقتضي الوجوب أو جامع الطلب ثانيا. فالبحث عنها يقع في مقامين:

المقام الأول- في تفسير دلالتها على الطلب. و هنا مسلكان:

المسلك الأول- ما ذهب إليه مشهور المتأخرين كصاحب الكفاية (قده) و من تابعة من ان الجملة الخبرية مستعملة في هذه الموارد في نفس المعنى الموضوع له أي النسبة الصدورية (1) مثلا فقوله «إذا قهقه المصلي أعاد الصلاة» مستعمل في نسبة الإعادة إلى المصلي في الخارج إلّا انه يستفاد منها الطلب على أساس إحدى نكات بنحو مانعة الخلو.

الأولى- ان تكون الجملة الخبرية اخبارا بالمطابقة عن وقوع الإعادة من المصلي حقيقة في الخارج، لكن لا مطلقا ليكون كذبا بل في حق الإنسان الّذي يكون في مقام‏

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1 ص 104.

56

الامتثال و تطبيق عمله مع الشريعة فيكون ملازما لا محالة مع كون الإعادة مطلوبة للشارع فالجملة الخبرية مستعملة في النسبة الخبرية تصورا أو تصديقا و لكنه بنحو يدل بالالتزام على الطلب و ذلك بتضييق دائرة الاخبار و تكون القرينة بحسب الحقيقة قرينة على هذا التضييق و التقييد في الاخبار.

الثانية- ان يكون ذلك على أساس الكناية بأن يخبر عن اللازم و يريد الملزوم كقولهم زيد كثير الرماد بقصد الاخبار عن جوده لا كثرة رماده ففي المقام يكون قوله يعيد صلاته كناية عن الاخبار عن ملزوم الإعادة خارجا و هو طلب الإعادة لا الاخبار عن نفس الإعادة خارجا فيكون المدلولان التصوري و التصديقي للجملة محفوظين هنا أيضا كما هو الحال في النكتة المتقدمة و تكون القرينة قرينة على الكناية و اعتبار المدلول المطابقي قنطرة للاخبار عن مدلول التزامي.

الثالثة- ان ندعي حصول دلالة التزامية بين النسبة الصدورية الخبرية و النسبة الإرسالية الإنشائية لأن النسبة الصدورية كثيرا ما تنشأ في طول النسبة الإرسالية كما يقال- دفعته فاندفع- فينعقد بعد إقامة قرينة على هذه النكتة دلالة تصورية تخطر في ذهن السامع النسبة الإرسالية بالملازمة من النسبة الصدورية و يكون المدلول الجدي على طبق المدلول التصوري الالتزامي و هو النسبة الإرسالية لا المدلول التصوري المطابقي و هو النسبة الصدورية و هذا يعني انحفاظ المدلول التصوري للجملة الخبرية دون التصديقي إذ ليس المراد قصد الحكاية بل الإرادة رأسا.

الرابعة- ان يدعى بان النسبة الصدورية كما يمكن تعلق الاخبار بها يعقل تعلق الإرادة و الطلب بها أيضا و انما نستفيد الاخبار في سائر الموارد و بحسب الطبع الأولي للجملة من باب ان التصديق و الاخبار بالنسبة دائما طريق محض إلى النسبة فكأنه لا يزيد عليها عرفا بينما الإرادة و الطلب شي‏ء زائد على نفس النسبة الصدورية بحاجة إلى نصب قرينة و مئونة زائدة كما في المقام [1].

____________

[1]- إلّا ان هذا يعني ان الاخبارية و الإنشائية خصوصيتان منتزعتان بلحاظ مرحلة المدلول التصديقي للكلام و هو خلاف الوجدان القاضي بانحفاظهما على مستوى المدلول التصوري حتى إذا سمع اللفظ من جدار، بل لو كان الأمر كذلك فلما ذا لم يصح استعمال الجمل المتمحضة في الإنشاء كالأمر في مقام الأخبار على ما أشرنا إلى ذلك في تعليق سابق.