الغدير - ج5

- الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي المزيد...
459 /
1

مقدمة

2

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمدك أللهم يا من تجليت للقلوب بالعظمة، واحتجبت عن الأبصار بالعزة، واقتدرت على الأشياء بالقدرة، فلا الأبصار تثبت لرؤيتك، ولا الأوهام تبلغ كنه عظمتك، ولا العقول تدرك غاية قدرتك.

حمدا لك يا سبحان ! على ما مننت به علينا من النعم الجسيمة وأسبغتها، وتفضلت بالآلاء الجمة، وألحمت ما أسديت، وأجبت ما سئلت، وهي كما تقول: وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.

حمدا لك يا متعال ! على ما طهرتنا به من دنس الكفر ودرن الشرك، وأوضحت به لنا سبل الهداية، ومناسك الوصول إليك، من بعث أفضل رسلك وأعظم سفراءك، وخاتم أنبياءك (صلى اللّٰه عليه و آله) بكتابك العزيز، لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

حمدا لك يا ذا الجلال ! على ما أتممت به نعمك، وأكملت به دين نبيك من ولاية أمير المؤمنين أخي رسولك، وأبي ذريته، وسيد عترته، وخليفته من بعده، وأنزلت فيها القرآن وقلت : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.

حمدا لك يا عزيز ! على ما وفقتنا له من إتباع نبيك المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفتيه في أمته، كتابك الكريم وعترته أهل بيته الذين فرضت علينا طاعتهم، وأمرتنا بمودتهم وجعلتها أجر الرسالة الخاتمة وسميتها بالحسنة وقلت : ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور.

رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين.

الأميني

الجزء الخامس

بقية شعراء الغدير في القرن السادس وشعراءه في القرن السابع

وهم اثنى عشر شاعرا والله المستعان

وفي هذا الجزء من أهم الأبحاث العلمية الدينية ما لا غنى عنه

لكل ديني ابتغى الحق وارتاد الحقيقة

3

بقية شعراء الغدير في القرن السادس

53
السيد محمد الأقساسي

المتوفى ح 575

وحـق عـلي خـير من وطأ الثرى * وأفخـر مـن بعـد النبي قد افتخر

خـليفته حـقا ووارث عـلـمـه * بـه شـرفت عدنان وافتخرت مضر

ومن قام في يوم " الغدير " بعضده * نبـي الهـدى حـقا فسائل به عمر

ومن كسر الأصنام لم يخش عارهـا * وقـد طـال ما صلى لها عصبة أخر

وصهـر رسـول الله في ابنته التي * عـلى فـضلها قد أنزل الآي والسور

أليـة عـبد حـق مـن لا يرى له * سـوى حـبه يـوم القـيامة مدخر

لأحـزنني يـوم الـوداع وسرني * قـدومك بالجـلى من الأمن والظفر

عارض الشاعر بهذه الأبيات بيتين لبعض العامة وهما :

وحـق أبـي بكـر الذي هو خير من * على الأرض بعد المصطفى سيد البشر

لقـد أحـدث التـوديع عند وداعنا * لـواعجه بـين الجوانح تستعر (1)

* (الشاعر) *

محمد بن علي بن فخر الدين أبي الحسين حمزة بن كمال الشرف أبي الحسن محمد

ابن أبي القاسم الحسن الأديب ابن أبي جعفر محمد بن علي الزاهد ابن محمد الأصغر الأقساسي ابن يحيى بن الحسين ذي العبرة ابن زيد الشهيد بن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام).

* (آل الأقساسي) * من أرفع البيوت العلوية لها أغصان باسقة موصولة بالدر

____________

(1) الطليعة في شعراء الشيعة 2 مخطوط.

4

النبوي اليافع، بزغت بهم العراق عصورا متطاولة، وإن كان منبعث غرسهم الزاكي الكوفة من قرية كبيرة أو كورة يقال لها : أقساس مالك (1) وهم بين عالم متبحر، و محدث ثقة، ولغوي متضلع، وشاعر متأنق، وأمير ظافر، ونقيب فاضل وأول من عرف بهذه النسبة السيد محمد الأصغر ابن يحيي.

وأولاده تتشعب عدة شعب منهم : بنو جوذاب وهم : أولاد علي محمد الأصغر.

و بنو الموضح أولاد أحمد بن محمد الأصغر.

و بنو قرة العين أولاد أحمد بن علي الزاهد بن محمد الأصغر.

و بنو صعوة أولاد أحمد بن محمد بن علي الزاهد بن محمد الأصغر.

ومن بني صعوة طاهر بن أحمد ذكره السمعاني في " الأنساب " فقال : طاهر بن أحمد بن محمد بن علي الأقساسي كان يلقب بصعوة، وكان دينا ثقة يروي عن أبي الحسن بن محمد بن سليمان العربي العدوي عن حراش عن أنس بن مالك.

والأقساسيون هم سلسلة المترجم.

جده الأعلى أبو القاسم الحسن الأقساسي المعروف بالأديب ابن أبي جعفر محمد ترجمه ابن عساكر في " تاريخ الشام " 4 ص 247 فقال : إنه قدم دمشق وكان أديبا شاعرا دخل دمشق في المحرم سنة 347 ونزل في الحرمين وكان شيخا مهيبا نبيلا حسن الوجه والشيبة، بصيرا بالشعر واللغة يقول الشعر، من أجود آل أبي طالب حظا، وأحسنهم خلقا، وكان يعرف بالأقساسي نسبة إلى موضوع نحو الكوفة.

وقال ابن الفوطي كما في المحكي عن مجمع آدابه : سافر الكثير وكان قد تأدب وكتب مليحا وله جماعة من الأصحاب قرأت بخطه إلى ابن نباتة السعدي :

إن العـراق ولا أغشك ثلة * قـد نام راعيها فأين الذيب

بنـيانها الخـراب وأهلها * سوط العذاب عليهم مصبوب

ملكوا وسامهم الدنية معشر * لا العقل راضهم ولا التهذيب

____________

(1) معجم البلدان 1 ص 312 : منسوبة إلى مالك بن عبد هند بن نجم " بضم الأول وفتح الثاني " بن منعة بن برجان " إلى آخر النسب " والقس : تتبع الشئ وطلبه، وجمعه : أقساس فيجوز أن يكون مالك تطلب هذا الموضوع وتتبع عمارته فسمى بذلك.

5

كل الفضائل عندهم مهجورة * والحر فيهم كالسماح غريب

وكمال الدين الشرف أبو الحسن (1) محمد بن أبي القاسم الحسن المذكور ولاه الشريف علم الهدى [ المترجم في شعراء القرن الخامس ] نقابة الكوفة وإمارة الحاج فحج بالناس مرارا وتوفي سنة 415 كما في كتب التاريخ (2) ورثاه الشريف المرتضى بقوله(3):

عرفت ويا لـيتني مـا عرفت * فمـر الحـياة لمـن قد عرف

فهـا أنا ذا طـول هـذا الزمان * بـين الجـوى تـارة والأسف

فمـن راحـل لا إيـاب لـه * ومـاض ولـيس لـه من خلف

فـلا الدهر يمتعـني بالمقـيم * ولا هـو يرجـع لـي من سلف

أرونـي إن كنـتم تـقـدرون * مـن ليـس يكرع كأس التلف؟5

ومـن ليس رهنا لداعي الحمام * إذا مـا دعـا باسمه أو هتف ؟

ومـا الدهر إلا الغرور الخدوع * فمـاذا الغـرام بـه والكلـف ؟

ومـا هـو إلا كلـمح البـروق * وإلا هـبـوب خـريف عصف

ولـم أر يـومـا وإن ساءني * كيـوم حـمـام "كمال الشرف"

كـأني بعـد فـراق لـه * وقـطع لأسبـاب تلك الألف 10

أخـو سـفـر شاسـع ما له * مـن الـزاد إلا بقـايا لطـف

وعـوضنـي بالـرقاد السهاد * وأبـدلني بالضـيـاء السـرف

فـراق ومـا بعـده ملتـقى * وصـد ولـيـس لـه منعـطف

وعاتـبت فيك صروف الزمان * ومن عـاتب الـدهر لم ينتصف

وقـد خطف الموت كل الرجال * ومثـلك مـن بيننا ما خطف 15

ومـا كـنـت إلا أبـي الجنان * عـلـى الضيـم محتـميا بالأنف

____________

(1) كناه العلم الحجة السيد ابن طاووس في كتاب " اليقين " بأبي يعلى.

(2) منتظم ابن الجوزي 8 ص 19، كامل ابن الأثير 9 ص 127، تاريخ ابن كثير 12 ص 18، مجالس المؤمنين ص 211.

(3) توجد القصيدة في ديوان الشريف المرتضى المخطوط. وذكر منها أبياتا ابن الجوزي في المنتظم 8 ص 20.

6

خـليا من العـار صفر الإزار * مـدى الدهر من دنس أو نطف

وأذري الـدموع ويـا قلما * يـرد الفـوائت دمـع ذرف

ومـن أين ترنو إليك العيون * وأنت بـبوغائها في سخف ؟ 20

فبـن ما مـللت وكـم بائن * مضـى موسعا من قلى أو شنف

وسقـي ضريحـك بين القبور * مـن الـبر ما شئته واللطف

ولا زال من جانبـيه النسيـم * يعـاوده والريـاض الأنف

وصيـرك الله مـن قاطني * الجـنان وسكـان تلك الغرف

تجـاور آبـاءك الطاهرين * ويتـبع الـسالفين الخـلف

قال ابن الأثير في " الكامل " 9 ص 121 : حج بالناس أبو الحسن الأقساسي سنة 412 فلما بلغوا فيد حصرهم العرب فبذل لهم الناصحي (1) [ أبو محمد قاضي القضاة ] خمسة آلاف دينار فلم يقنعوا، وصمموا العزم على أخذ الحاج وكان مقدمهم رجلا يقال له حمار بن عدي [ بضم العين ] من بني نبهان فركب فرسه وعليه درعه وسلاحه وجال جولة يرهب بها، وكان من سمرقند شاب يوصف بجودة الرمي، فرماه بسهم فقتله وتفرق أصحابه وسلم الحاج فحجوا وعادوا سالمين.

وقال في ص 127 : في هذه السنة " يعني 415 " عاد الحجاج من مكة إلى العراق على الشام لصعوبة الطريق المعتاد، وكانوا لما وصلوا إلى مكة بذل لهم الظاهر العلوي صاحب مصر أموالا جليلة، وخلعا نفيسة، وتكلف شيئا كثيرا وأعطى لكل رجل في الصحبة جملة من المال ليظهر لأهل خراسان ذلك، وكان على تسيير الحاج الشريف أبو الحسن الأقساسي، وعلى حجاج خراسان " حسنك " نايب يمين الدولة ابن سبكتكين فعظم ما جرى على الخليفة القادر بالله وعبر [ حسنك ] دجلة وسار إلى خراسان، وتهدد القادر بالله ابن الأقساسي فمرض ومات ورثاه المرتضى وغيره.

لكمال الشرف شرح قصيدة السلامي (2) التي أولها :

____________

(1) من بيوتات نيسابور العلمية تنتمي إلى ناصح بن طلحة بن جعفر بن يحيى، ذكر السمعاني جمعا من رجالها في " الأنساب " في حرف النون.

(2) محمد بن عبد الله المخزومي من أولاد الوليد بن المغيرة كان من مقدمي شعراء العراق ولد 336 وتوفي 393، ترجمه الثعالبي، وابن الجوزي في المنتظم، وابن خلكان في تاريخه.

7

سلام على زمزم والصفا...

ينقل عنه سيدنا الحجة السيد ابن طاوس في كتاب " اليقين " في الباب الخامس والخمسين بعد المائة، والباب الذي بعده.

م - وقال ابن الجوزي في " المنتظم " 8 ص 19 : ولأبي الحسن الأقساسي شعر مليح ومنه قوله في غلام اسمه بدر :

يا بـدر وجهـك بدر * وغـنج عيـنيك سحر

ومـاء خـديك ورد * وماء ثغـرك خـمر

أمـرت عـنك بصبر * وليـس لي عنك صبر

تأمـرني بالتـسلي * ما لي من الشوق أمر]

وجد المترجم فخر الدين أبو الحسين حمزة بن كمال الشرف محمد ذكره النسابة العمري في " المجدي " وقال : هو نقيب الكوفة كان صديقي ذا فضل وحلم ورياسة ومواساة.

ولفخر الدين هذا أخ يسمى أبو محمد يحيى ذكره السمعاني في " الأنساب " وقال : كان ثقة نبيلا سمع أبا عبد الله محمد بن عبد الله القاضي الجعفري، روى لنا عنه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي (1) وأبو الفضل محمد بن عمر الأرموي (2) ببغداد وأبو البركات عمر بن إبراهيم الحسني (3) بالكوفة، وكانت ولادته في شوال سنة خمس وتسعين وثلثمائة وتوفي سنة نيف وسبعين وأربعمائة.

وذكره الحموي في معجم البلدان ج 1 ص 312.

وأما شاعرنا المعني بالترجمة فذكره ابن الأثير في كامله 11 ص 174 وقال : وفيها [ يعني سنة 575 ] توفي محمد بن علي بن حمزة الأقساسي نقيب العلويين بالكوفة وكان ينشد كثيرا :

رب قوم في خلائقهم * غرر قد صيروا غرر

____________

(1) كان مكثرا من الحديث عالي الرواية ولد بدمشق 454 وتوفي 536.

(2) الأرموي من أهل " أرمية " احدى بلاد آذربايجان سكن بغداد وتخرجها عليه كثير من أعلامها، ولد 457 وتوفي 547.

(3) مفتي الكوفة كان مشاركا في العلوم ولد سنة 442 وتوفي 539 وصلى عليه ثلاثون ألفا.

حسيني النسب من ذرية زيد الشهيد.

8

ستـر المال القبيح لهم * سترى إن زال ما ستر

وله أخوه علم الدين أبو محمد الحسن النقيب الطاهر ابن علي بن حمزة ولد في الكوفة ونشأ بها توفي 593، ذكره ابن كثير في " البداية والنهاية " 13 ص 16 فقال : كان شاعرا مطبقا، امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرياسة والمروءة، قدم بغداد فامتدح المقتفي والمستنجد وابنه المستضئ وابنه الناصر فولاه [ الناصر ] النقابة، وكان شيخا مهيبا جاوز الثمانين، وقد أورد له ابن الساعي قصائد كثيرة منها :

إصبـر على كيد الزما * ن فـما يدوم على طريقه

سبـق القضاء فكن به * راض ولا تطـلب حقيقة

كم قـد تغـلب مرة * وأراك من سعة وضيقه

مـا زال فـي أولاده * يجري على هذه الطريقة

وترجمه سيدنا القاضي المرعشي في [ مجالس المؤمنين ] ص 211، وقال : الميرزا في [ رياض العلماء ] كان من أجلة السادات والشرفاء والعلماء والأدباء والشعراء بالكوفة، يروي عنه الشيخ علي بن علي بن نما وهو من مشايخ أصحابنا.

ولعلم الدين مقرظا كتاب " الافصاح عن شرح معاني الصحاح " (1) كما في " تجارب السلف " لابن سنجر ص 310 قوله :

ملـك ملكـه الفصاحة حتى * ماله فـي اقتنائها من ملاح

وأبـان البـيان حـتى لقد * أخرس بالنطق كل ذي إفصاح

وجـلا كل غامض من معان * حمـلتها لنا متـون الصحاح

فـي كتـاب وحقه ما رعاه * قبـله ذو هـدى ولا إصلاح

وخلف علم الدين ولده قطب الدين أبا عبد الله الحسين نقيب نقباء العلويين في بغداد، وكان عالما شاعرا مطلعا على السير والتواريخ قلد النقابة بعد عزل قوام الدين " أبي علي الحسن بن معد المتوفى 636 " عن النقابة سنة 624.

____________

(1) تأليف عون الدين يحيى بن هبيرة المتوفى 555 وهو يشتمل على تسعة عشر كتابا.

راجع تاريخ ابن خلكان 2 ص 394.

9

وفي الحوادث الجامعة ص 220 : توفي فيها " يعني سنة 645 " النقيب قطب الدين أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن علي المعروف بابن الأقساسي العلوي ببغداد، وكان أديبا فاضلا يقول شعرا جيدا، بدرت منه كلمة في أيام الخليفة الناصر على وجه التصحيف وهي : - أردنا خليفة جديد - فبلغت الناصر فقال : لا يكفي حلقة لكن حلقتين، وأمر بتقييده وحمله إلى الكوفة فحمل وسجن فيها فلم يزل محبوسا إلى أن استخلف الظاهر " سنة 623 " فأمر بإطلاقه، فلما استخلف المستنصر بالله " 624 " رفق عليه فقربه وأدناه ورتبه نقيبا وجعله من ندمائه، وكان ظريفا خليعا طيب الفكاهة حاضر الجواب.

وصل الملك الناصر ناصر الدين داود بن عيسى في المحرم سنة 633 إلى بغداد واجتاز بالحلة السيفية وبها الأمير شرف الدين علي، ثم توجه منها إلى بغداد فخرج إلى لقائه النقيب الطاهر قطب الدين أبو عبد الله الحسين ابن الأقساسي، وفي سلخ ربيع الأول من السنة المذكورة وصل الأمير ركن الدين إسماعيل صاحب الموصل إلى بغداد وخرج إلى لقائه النقيب الحسين بن الأقساسي وخادمان من خدم الخليفة.

قصد الخليفة المستنصر بالله سنة 634 مشهد الإمام موسى بن جعفر ((عليهم السلام))في ثالث رجب فلما عاد أبرز ثلاثة آلاف دينار إلى أبي عبد الله بن الحسين الأقساسي نقيب الطالبيين وأمره أن يفرقها على العلويين المقيمين في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسين وموسى بن جعفر ((عليهم السلام))(1).

حضر في سنة 637 (2) الأمير سليمان بن نظام الملك متولي المدرسة النظامية مجلس أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي بباب بدر، فتاب وتواجد وخرق ثيابه و كشف رأسه، وقام وأشهد الواعظ والجماعة على أنه قد أعتق جميع ما يملكه من رقيق، ووقف أملاكه، وخرج ما يملكه، فكتب إليه النقيب الطاهر أبو عبد الله الحسين ابن الأقساسي أبياتا طويلة يقول فيها (3):

يا ابن نظام الملك يا خير من * تاب ومن لاقـى بـه الزهد

____________

(1) الحوادث الجامعة 77 - 79 ملخصا : (2) الحوادث الجامعة ص 95.

(3) الحوادث الجامعة ص 124.

10

يا ابـن وزير الدولتين الذي * يـروح للمجـد كما يـغـدو

يا بن الـذي أنشأ مـن ماله * مـدرسة طـالعـهـا سعـد

قـد سرني زهدك عن كل ما * يرغـب فيـه الحـر والعبد 5

بـان لك الحق وأبصرت ما * أعـينـنا عـن مثـله رمـد

وقلـت للدنيا : إليك ارجعي * ما عـن نـزوعي عنك لي بد

مـا لذلي بعدك حتى استوى * في في منـك الصـاب والشهد

شيمتـك الغـدر كما شيمتي * حـسن الـوفـاء المحض والود

إلى أن قال :

لا يقصد النـاس إلى دورهم * لكـن إلـى منزلك القصد 10

وخـدمة الناس لهـا حرمة * وكـان ما تفعـله يـبـدو

والنـاس قد كانوا رقودا وقد * أيقـظـتهم فانتـبه الضـد

وقسمـت فيك ظنون الورى * وكـلهم للقـول يـعـتـد

فبعـضهم قال : يدوم الفتى * وبعـضهم قـد قـال : يرتد

وقـد أتى تشرين وهو الذي * إليـه عـين العيش تمتد 15

ما يسكـن البيت وقد جاءه * إلا مـريض مسـه الجـهد

وكـل ما يفعـله حيـلـة * منـه ونـصب مـا لـه حد

فقـلت : لا والله مـا رأيه * هـذا ولا فـيكـم لـه نـد

وإنـما هـذا سليـمان قد * صفـا لـه فـي زهده الورد

مثـل سليمان الذي أعرضت * يـوما عليه الضمر الجرد 20

فعـان أن يدخـلها قلـبه * والهـزل لا يشبـهه الجـد

ويقول فيها :

ليهنـك الـرشد إلى كل ما * يضـل عـنه الجاهـل الوغد

أسقـطت من جيش أبي مرة * (1) وأكثـر النـاس له جند

وقـمت لله بمـا يـرتجى * بمـثله الجنـة والخـلـد

____________

(1) أبو مرة كنية لإبليس.

11

فاصبر فما يدرك غايات ما * يطـلب إلا الحـازم الجلد

وفي سنة 643 (2) تقدم الخليفة [ المستعصم أبو أحمد عبد الله ] بإرسال طيور من الحمام إلى أربع جهات لتصنيف أربعة أصناف منها مشهد حذيفة بن اليمان بالمداين، ومشهد العسكري بسر من رأى، ومشهد غني بالكوفة، والقادسية، ونفذ مع كل عدة من الطيور عدلان ووكيلا، وكتب بذلك سجل شهد فيه العدول على القاضي بثبوته عنده، وسميت هذه الأصناف باليمانيات.

والعسكريات. والغنويات. و القادسيات.

ونظم النقيب الطاهر قطب الدين الحسين بن الأقساسي في ذلك أبياتا و عرضها على الخليفة أولها :

خليفة الله يا من سيف عزمته * موكل بصروف الدهر يصرفه

ويقول فيها :

إن الحـمام التي صنفتها شرفت * على الحمام التي من قبل نعرفه

والقـادسيات أطيـار مقدسة * إذ أنـت يا مالك الدنيا مصنفه

وبعـدها غـنـويات تـنال بها * غـنى الحياة وما يهوي مؤلفه

والعسكـريات أطـيار مشرفة * وليس غـيرك في الدنيا يشرفه

ثم الحمـام اليمانيات ما جعـلت * إلا سيـوفا على الأعداء ترهفه

لا زلـت مستعصما بالله في نعم * يهـدي لمجدك أسناها وألطفه

ثم سأل أن يقبض منها من يد الخليفة فأجاب سؤاله وأحضره بين يديه وقبضه فلما عاد إلى داره نظم أبياتا أولها:

إمام الهـدى أوليتـني منك أنعما * رددن عـلي العـيش فينان أخضر

وأحضرتني في حضرة القدس ناظرا * إلى خـير خلق الله نفسا وعنصر

وعـليت قـدري بالحمام وقبضها * منـاولة مـن كـف أبلج أزهر

رفعـت بها ذكري وأعليت منصبي * فحزت بها عزا ومجدا على الورى

حـمام إذا خـفت الحمام ذكرتها * فصـرت بذاك الذكر منها معمر

ويقول في آخرها :

____________

(2) الحوادث الجامعة 203.

12

قضى الله أن يبقى إماما معـظما * مدى الدهر ما لاح الصباح وأسفر

فـدم يا أميـر المـؤمنين مخلدا * على الملك منصور الجيوش مظفر

في المحرم من سنة 630 (1) قلد العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الدين بن المنصوري الخطيب نقابة نقباء العباسيين والصلاة والخطابة، وخلع عليه قميص أطلس بطراز مذهبا ودراعة خارا أسود، وعمامة ثوب خارا أسود مذهب بغير ذوابة، وطيلسان قصب كحلي، وسيف محلى بالذهب، وامتطى فرسا بمركب ذهبا وقرئ بعض عهده في دار الوزارة وسلم إليه، وركب في جماعة إلى دار أنعم عليه بسكناها في المطبق من دار الخلافة وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وهو من أعيان عدول مدينة السلام وأفاضل أرباب الطريقة المتكلمين بلسان أهل الحقيقة، كان يصحب الفقراء دائما ويأخذ نفسه بالرياضة والسياحة والصوم الدائم والتخشن والتباعد من العالم، وكان الموفق عبد الغافر ابن الفوطي من جملة تلامذته فعمل فيه أبياتا طويلة، ولما انتهى حالها إلى الديوان أنكر ذلك عليه ووكل به أياما ولم يخرج إلا بشفاعته وأول الأبيات :

ناديت شيخـي من شدة الحرب * وشيخـنا فـي الحرير والذهب

في دستـه جـالسا بـبسملة * بـين يديـه من قام في أدب

وركبـة منـه كنـت أعهده * يـذم أربـابها عـلى الرتب

وكـان أبـناؤها لـديه على * سخـط من الله شامل الغضب

أصاب في الرأي من دعاك لها * وأنـت لما أجـبت لم تسب 5

أول صـوت دعاك عن عرض * لبـيته مقـبلا عـلى السبب

ويقول فيها :

قد كنـت ذاك الـذي تظن به * لـو لم تكن مسرعا إلى الرتب

شيخي أين الذي يعـلمنا الزهد * ويعـتـده مـن القـرب ؟

أيـن الـذي لـم يزل يسلكنا * إلى خروج عن كل مكتسب؟10

أيـن الـذي لـم يزل يعرفنا * فضل التمري بالجوع والتعب؟

ومنها :

____________

(1) الحوادث الجامعة ص 38.

13

أيـن الـذي لـم يـزل يرغبنا * في الصوف لبساله وفي الجشب؟

وأيـن من غـرنا بزخـرفـة * متـى اعتـقدناه زاهد العرب ؟

وأي ذاك التجـريد يشعـرنـا * إن سـواه في السـعي لم يخب ؟

وأيـن مـن لـم يـزل يذم لنا * الدنيا وقـول المحـال والكذب ؟

وأيـن مـن لـم يـزل بأدمعه * يخدعـنا باكيا على الخشب ؟ 15

وأيـن مـن كـان في مواعظه * يصول زجـرا عـن كل مجتنب ؟

ويقـطع القـول لا يـتمـمه * منغـلبا بالسـماع والـطرب ؟

ويقـسم الغـمر أنـه رجـل * ليـس لـه في الوجود من أرب

لو كـانت الأرض كـلها ذهـبا * أعـرض عـنها إعراض مكتئب

أسفـر ذاك الـناموس مختـيلا * عـن راغب في التراث مستلب 20

وكـان ذاك الصـراخ يزعجـنا * شكـوى فقـير على الدنا وصب

شيخـي بعـد الذم الصريح لما * أبـيته جئـته عـلى طـلـب

نسيـت ما قـلته عـلـى ورع * عـني لمـا اكتـسبت بالـدأب

ويـل لـه إن يمـت بخـدمته * يمـت كـفورا وليـس بالعجب

مـا كـان مـال السلطان مكتسبا * لـمسلم سالم من العطب (1) 25

فكتب النقيب قطب الدين الحسين بن الأقساسي إلى النقيب مجد الدين المذكور أبياتا كالمعتذر عنه والمسلي له يقول في أولها:

إن صـاحـب النبي كلهم * غـيـر علي وآله النجب

مالوا إلى الملك بعد زهدهم * واضطربوا بعده على الرتب

وكلهـم كـان زاهدا ورعا * مشجعـا في الكلام والخطب

فأخذ عليه مآخذ فيما يرجع إلى ذكر الصحابة والتابعين وتصدى له جماعة وعملوا قصايد في الرد عليه، وبالغوا في التشنيع عليه، حتى أن قوما استفتوا عليه الفقهاء ونسبوه إلى أنه طعن في الصحابة والتابعين ونسبهم إلى قلة الدين فأفتاهم الفقهاء بموجب ما صدرت به الفتيا.

____________

(1) بعد هذا البيت أربعة عشر بيتا ضربنا عنها صفحا.

14

وقال ابن أبي الحديد في شرح " نهج البلاغة " ج 2 ص 45 : سألت بعض من أثق به من عقلاء شيوخ أهل الكوفة عما ذكره الخطيب أبو بكر في تاريخه [ ج 1 ص 138 ] إن قوما يقولون : إن هذا القبر الذي تزوره الشيعة إلى جانب الغري هو قبر المغيرة بن شعبة ؟ ! فقال : غلطوا في ذلك قبر المغيرة وقبر زياد بالثوية من أرض الكوفة ونحن نعرفهما وننقل ذلك عن آبائنا وأجدادنا وأنشدني قول الشاعر يرثي زيادا وقد ذكره أبو تمام في الحماسة.

صلـى الإله عـلى قبر وطهره * عند الثوية يسفي فوقه المور(1)

زفـت إليه قريش نعـش سيدها * فالحـلم والجود فيه اليوم مقبور

أبا المغـيرة والدنيا مفجـعـة * وإن من غـره الدنيا لمغـرور

... إلخ .

وسألت قطب الدين نقيب الطالبيين أبا عبد الله الحسين بن الأقساسي (رحمه الله تعالى) عن ذلك فقال : صدق من أخبرك، نحن وأهلها كافة نعرف مقابر ثقيف إلى الثوية وهي إلى اليوم معروفة وقبر المغيرة فيها إلا أنها لا تعرف قد ابتلعها السبخ وزبد الأرض وفورانها فطمست واختلط بعضها ببعض، ثم قال : إن شئت أن تتحقق أن قبر المغيرة في مقابر ثقيف فانظر إلى كتاب " الأغاني " لأبي الفرج علي بن الحسين، والمح ما قاله في ترجمة المغيرة وأنه مدفون في مقابر ثقيف، ويكفيك قول أبي الفرج فإنه الناقد البصير والطبيب الخبير فتصفحت ترجمة المغيرة في الكتاب المذكور فوجدت الأمر كما قاله النقيب.

توجد ترجمة قطب الدين الأقساسي في تاريخ ابن كثير 13 ص 173، قد أثنى عليه وقال : أورد له ابن الساعي أشعارا كثيرة (رحمه الله).

أفرد العلامة سيدنا المرعشي في [ مجالس المؤمنين ] ص 212 ترجمة باسم عز الدين بن الأقساسي وقال : إنه من أشراف الكوفة ونقبائها، كان فاضلا أديبا، له في قرض الشعر يد غير قصيرة، روي أن الخليفة المستنصر العباسي خرج يوما إلى زيارة قبر سلمان الفارسي (سلام الله عليه) ومعه السيد المذكور ابن الأقساسي فقال له الخليفة في الطريق : إن من الأكاذيب ما يرويه غلاة الشيعة من محبي علي بن أبي طالب ((عليه السلام))

____________

(1) المور : التراب تثيره الريح.

15

من المدينة إلى المداين لما توفي سلمان وتغسيله إياه ومراجعته في ليلته إلى المدينة فأجابه ابن الأقساسي بالبديهة بقوله :

أنكرت ليلة إذ صـار الوصي إلى * أرض المدايـن لمـا أن لها طلب

وغسل الطـهر سلمانا وعاد إلى * عراص يثـرب والاصباح ما وجب

وقلـت : ذلك من قول الغلاة وما * ذنـب الغـلاة إذا لم يوردوا كذبا ؟

فآصـف قـبل رد الطرف من سبأ * بعـرش بلقيس وافى يخرق الحجب

فـأنت فـي آصف لم تغل فيه بلى * فـي (حـيدر) أنا غال ان ذا عجب

إن كان أحمد خير المرسلين ؟ فذا * خـير الوصيين أو كل الحديث هب

هذه الأبيات ذكرها العلامة السماوي في [ الطليعة ] ونسبها إلى شاعرنا في الغدير السيد محمد الأقساسي، وحسب أنه هو صاحب المستنصر، ذاهلا عن تاريخي ولادة المستنصر ووفاة السيد صاحب الغديرية فإن السيد توفي كما مر سنة 575، والخليفة المستنصر ولد سنة 589 بعد وفاة السيد بأربعة عشر سنة واستخلف في سنة 624.

وجعل العلامة السيد الأمين في " أعيان الشيعة " في الجزء الحادي والعشرين ص 233 ترجمة تحت عنوان أبي محمد عز الدين الحسن بن حمزة الأقساسي وذكر القصة والأبيات له ولم يعلم هو من أين نقله، والحسن بن حمزة يكون عم شاعرنا فيتقدم على المستنصر بأكثر من صاحب الغديرية.

وذكر ابن شهر آشوب في " المناقب " 1 ص 449 هذه الأبيات بتغيير يسير و زيادة ونسبها إلى أبي الفضل التميمي (1) وإليك لفظها.

سمعـت مني يسيرا من عجائبه * وكل أمر (علي) لم يـزل عجـب

أدريت فـي ليلة سار الوصي إلى * أرض المداين لمـا أن لهـا طلب

فألحـد الطهر (سلمانا) وعاد إلى * عـراص يثرب والاصباح ما قرب

كآصـف قبل رد الطرف من سبأ * بعـرش بلقيس وافى تخرق الحجب

فكيف في آصف لم تغل أنت ؟ بلى * بحـيدر أنـا غـال أورد الكذب

إن كان أحمد خير المرسلين ؟ فذا * خـير الوصيين أو كل الحديث هب

____________

(1) أحد شعراء أهل البيت.

16

وقلت ما قلت من قول الغلاة فما * ذنـب الغلاة إذا قالوا الذي وجبا؟

فرواية ابن شهر آشوب هذه الأبيات تثبت عدم كونها من نظم السيد قطب الدين الأقساسي أيضا إذ ابن شهر آشوب توفي سنة 588 قبل ولادة المستنصر بسنة، وقبل وفاة السيد القطب بسبع وخمسين سنة، ولعلها لأبي الفضل التميمي أو لغيره من أسلاف آل الأقساسي الأولين، وأنشدها قطب الدين للمستنصر.

لفت نظر :

يبلغني من وراء حجب البغضاء والإحن تكذيب هذه المكرمة الباهرة لمولانا أمير المؤمنين ((عليه السلام))وعزوها إلى الغلو مستندا إلى إحالة طي هذه المسافة البعيدة في هذا الوقت اليسير، ولو عقل المسكين أن هاتيك الإحالة على فرضها عادية لا عقلية، وإلا لما صح حديث المعراج [ ولم يكن إلا جسمانيا ] المتواتر المعدود من ضروريات الدين.

ولا صحت قصة آصف بن برخيا المحكية في القرآن الكريم، ولما تمكن عفريت من الجن من أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه، ولم يرده سليمان ولا الذكر الحكيم، غير أن سليمان أراد ذلك بأسرع منه، وشمول القدرة الآلهية على التسيير الحثيث والبطئ شرع سواء، كما أنها بالنسبة إلى كلية الأمور الصعبة والسهلة كذلك، فقد يكرم الله الولي المقرب بأقداره على أشياء لم يقدر عليه من هو دونه، وقد خلق الله الناس أطوارا، فتراهم متفاوتين في القدر، فيقوى هذا على ما لا يقوى عليه ذاك، وليس لقدرة الله سبحانه حد محدود، ومن هنا وهناك اختلفت عاديات الموجودات في شؤونها وأطوارها، فالمسافة التي يطويها الفارس في أمد محدود، غير ما يطويه الراجل، وللسيارات البخارية عدو مرب على الجميع، وإنك تستصغر ذلك العدو إذا قسته بالطائرات الجوية لأنك تجدها تطوي في خمس ساعات مثلا ما تطويه الناس في خمسة أشهر.

وهذه طيارة مستكشفة بريحية 19 تحركت من باريك في صباح 24 ابريل سنة 1924 فوصل في المساء إلى بخارست بعد أن قطع 1250 ميلا في 11 ساعة، وفي اليوم التالي أضاف إليها 770 ميلا أخرى، ولم تمض عليه خمسة أيام حتى كان قد وصل إلى الهند، وقطع مسافة قدرها 3730 ميلا، وقد وصلت سرعة الطيارات إلى ما فوق

17

150 ميلا في الساعة الواحدة، وتحارب البعض منها في ارتفاع بلغ 22000 قدما (1) ومن الممكن أن يكشف لنا العلم في مستقبله ما هو أسرع سيرا من هاتيك كلها.

إذن فأي وازع من أن يكون من عاديات الولي مهما أراد التمكن من أمثال هذا السير ؟ ! وما ذلك على الله بعزيز.

على أنا لا نساوي مولانا أمير المؤمنين ومن جرى مجراه من أئمة الهدى ((عليهم السلام))بغيرهم من أفراد الرعية، ولا بأحد من أولياء الله المقربين ولا بأحد من حملة العلم والمكتشفين، فنجوز فيهم صدور المعجز متى اقتضته المصلحة، بل : هو من واجب مقامهم.

وإن تعجب فعجب أن فئتا ممن ران على قلوبهم ما كانوا يعملون تحاول دحض هذه المكرمة في مولانا أمير المؤمنين وهم يخضعون لمثلها في غيره ممن هو دونه من دون أي غمز ونكير.

1 - روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه 4 ص 33 عن السري بن يحيى قال : كان حبيب بن محمد العجمي البصري يرى يوم التروية بالبصرة ويوم عرفة بعرفات.

2 - قال الحافظ ابن كثير في تاريخه 13 ص 94 : ذكروا أن الشيخ عبد الله اليونيني المتوفى 617 كان يحج في بعض السنين في الهواء، وقد وقع هذا لطائفة كبيرة من الزهاد وصالحي العباد ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء وأول من يذكر عنه هذا : حبيب العجمي، وكان من أصحاب الحسن البصري ثم من بعده من الصالحين.

3 - كان أحمد بن محمد أبو بكر الغساني الصيداوي المتوفى 371 ينام بعد ما صلى العصر إلى ما قبل صلاة المغرب، فجاءه رجل ذات يوم يزوره بعد العصر فغفل فتحدث معه وترك عادة النوم فلما انصرف سأله الخادم عنه فقال : هذا عريف الأبدال يزورني في السنة مرة.

قال : فلم أزل أرصده إلى مثل ذلك الوقت حتى جاء الرجل فوقفت حتى فرغ من حديثه ثم سأله الشيخ أين تريد ؟ فقال : أزور أبا محمد الضرير في مغار، قال الخادم : فسألته أن يأخذني معه فقال : بسم الله، فمضيت معه فخرجنا حتى صرنا عند قناطر الماء فأذن المؤذن المغرب قال : ثم أخذ بيدي وقال : قل : بسم الله، قال :

____________

(1) بسائط الطيران ص 82، 118.

18

فمشينا دون العشر خطأ فإذا نحن عند المغارة وهي مسير إلى ما بعد الظهر قال : فسلمنا على الشيخ وصلينا عنده وتحدثنا عنده فلما ذهب ثلث الليل قال لي : تحب أن تجلس ههنا أو ترجع إلى بيتك ؟ فقلت : أرجع فأخذ بيدي وسمى ببسم الله ومشينا نحو العشر خطأ فإذا نحن على باب صيدا فتكلم بشئ فانفتح الباب ودخلت ثم عاد الباب. [ تاريخ ابن عساكر 1 ص 443 ].

4 - كان ببغداد رجل من التجار قال : إني صليت يوما الجمعة وخرجت فرأيت بشر الحافي يخرج من المسجد مسرعا فقلت في نفسي : انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد لا يستقر في المسجد ثم إنني اتبعته فرأيته تقدم إلى الخباز واشترى بدرهم خبزا فقلت : انظر إلى الرجل يشتري خبزا، ثم اشترى شواء بدرهم فازددت عليه غيظا، ثم تقدم إلى الحلوائي فاشترى فالوذجا فقلت : والله لا أتركه حتى يجلس ويأكل ثم إنه خرج إلى الصحراء فقلت : إنه يريد الخضرة، فما زال يمشي إلى العصر وأنا أمشي خلفه، فدخل قرية وفي القرية مسجد وفيه رجل مريض فجلس عند رأسه وجعل يلقمه فقمت لأنظر في القرية وبقيت ساعة ثم رجعت فقلت للعليل : أين بشر ؟ فقال : ذهب إلى بغداد، فقلت : كم بيني وبين بغداد ؟ قال : أربعون فرسخا، فقلت.

إنا لله و إنا إليه راجعون، أيش عملت في نفسي ؟ وليس معي ما أكتري ولا أقدر على المشي، فقال لي : اجلس حتى يرجع فجلست إلى الجمعة القابلة فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شئ فأعطاه إلى المريض فأكله فقال له العليل : يا أبا نصر هذا الرجل صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة فرده إلى موضعه، فنظر إلي كالمغضب وقال : لم صحبتني ؟ فقلت : أخطأت، فقال : قم فامش فمشيت معه إلى قرب المغرب فلما قربنا قال : أين محلتك من بغداد ؟ فقلت : في موضع كذا قال : إذهب ولا تعد. [ تاريخ ابن عساكر 3 ص 236 ].

5 - قال الشيخ الجليل أبو الحسن علي : كنت يوما جالسا عند باب خلوة خالي الشيخ أحمد [ الرفاعي المتوفى 587 ] رضي الله عنه وليس فيها غيره وسمعت عنده حسا فنظرت فإذا عنده رجل ما رأيته قبل فتحدثا طويلا ثم خرج الرجل من كوة في حائط الخلوة ومر في الهوى كالبرق الخاطف فدخلت على خالي وقلت له : من الرجل ؟ فقال : أو رأيته ؟ قلت : نعم، قال : هو الرجل الذي يحفظ الله به قطر البحر المحيط، وهو أحد

19

الأربعة الخواص، إلا أنه هجر منذ ثلاث وهو لا يعلم، فقلت له : يا سيدي ما سبب هجره ؟ قال : إنه مقيم بجزيرة في البحر المحيط، ومنذ ثلاث ليالي أمطرت جزيرته حتى سالت أوديتها، فخطر في نفسه : لو كان هذا المطر في العمران.

ثم استغفر الله تعالى، فهجر بسبب اعتراضه، فقلت له : أعلمته ؟ قال : لا إني استحييت منه، فقلت له لو أذنت لي لأعلمته، فقال : أو تفعل ذلك ؟ قلت : نعم، فقال : رنق فرنقت ثم سمعت صوتا : يا علي ارفع رأسك.

فرفعت راسي من رنقي فإذا أنا بجزيرة في البحر المحيط فتحيرت في أمري وقمت أمشي فيها فإذا ذلك الرجل فسلمت عليه وأخبرته، فقال ناشدتك الله إلا فعلت ما أقول لك، قلت : نعم. قال. ضع خرقتي في عنقي واسحبني على وجهي وناد علي : هذا جزاء من تعرض على الله سبحانه.

قال فوضعت الخرقة في عنقه وهممت بسحبه وإذا هاتف يقول : يا علي دعه فقد ضجت عليه ملائكة السماء باكية عليه وسائلة فيه وقد رضي الله عنه.

قال : فأغمي علي ساعة ثم سرى عني وإذا أنا بين يدي خالي في خلوته والله ما أدري كيف ذهبت ولا كيف جئت [ مرآة الجنان 3 ص 411 ].

6 - حكى الشيخ الصالح غانم بن يعلى التكريتي قال : سافرت مرة من اليمن في البحر المالح فلما توسطنا بحر الهند وغلب علينا الريح أخذتنا الأمواج من كل جانب وانكسرت بنا السفينة فنجوت على لوح منها فألقاني إلى جزيرة فطفت فيها فلم أر فيها أحدا وإذا هي كثيرة الخيرات رأيت فيها مسجدا فدخلته، فإذا فيه أربعة نفر فسلمت عليهم، فردوا علي السلام، وسألوني عن قصتي فأخبرتهم، وجلست عندهم بقية يومي ذلك، فرأيت من توجههم وحسن إقبالهم على الله تعالى أمرا عظيما، فلما كانت وقت العشاء دخل الشيخ حيوة الحراني، فقاموا يبادرون إلى السلام عليه، فتقدم وصلى بهم العشاء، ثم استرسلوا في الصلاة إلى طلوع الفجر، فسمعت الشيخ حيوة يناجي ويقول : إلهي لا أجد لي في سواك مطمعا [ إلى آخر الدعاء ] ثم قال : بكى بكاء شديدا، ورأيت الأنوار قد حفت بهم، وأضاء ذلك المكان كإضاءة القمر ليلة البدر ثم خرج الشيخ حيوة من المسجد وهو يقول:

سير المحب إلى المحبوب إعجال * والقـلـب فيه من الأحوال بلبال

أطـوي المحانة من قفر على قدم * إليـك يدفعـني سهـل وأجبال

20

فقال لي أولئك النفر : اتبع الشيخ فتبعته وكانت الأرض برها وبحرها و سهلها وجبلها يطوى تحت أقدامنا طيا كنت أسمعه كلما خطا خطوة يقول : يا رب حيوة كن لحيوة.

وإذا نحن بحران في أسرع وقت، فوافينا الناس يصلون بها صلاة الصبح. [ مرآة الجنان 3 ص 421 ].

7 - ذكر محمد بن علي الحباك خادم الشيخ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 : إن الشيخ قال له يوما وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة : أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك علي حتى أموت ؟ قال : فقلت نعم.

قال : فأخذ بيدي وقال : غمض عينيك فغمضتها فرحل بي نحو سبع وعشرين خطوة ثم قال لي : افتح عينيك فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا أمنا خديجة، والفضل بن عياض، و سفيان بن عيينة، وغيرهم ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من ماء زمزم ثم قال لي : يا فلان ليس العجب من طي الأرض لنا وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا.

ثم قال لي : إن شئت تمضي معي وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج ؟ ! قال : فقلت أذهب مع سيدي.

فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي : غمض عينيك فغمضتها فهرول بي سبع خطوات ثم قال لي : افتح عينك فإذا نحن بالقرب من الجيوشي فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض. [ شذرات الذهب 8 ص 50 ].

8 - ذكر السخاوي في طبقاته : أن الشيخ معالي سأل الشيخ سلطان بن محمود البعلبكي المتوفى 641 فقال : يا سيدي كم مرة رحت إلى مكة في ليلة ؟ قال : ثلاث عشرة مرة، قلت : قال الشيخ عبد الله اليونيني : لو أراد أن لا يصلي فريضة إلا في مكة لفعل. [ شذرات الذهب 5 ص 211 ]

9 - ذكر الحافظ ابن الجوزي في " صفة الصفوة " 4 ص 228 عن سهل بن عبد الله قال : لقد رأيت رجلا يقال له : مالك بن القاسم جبلي وقد جاء ويده غمرة فقلت له : إنك قريب عهد بالأكل ؟ فقال لي استغفر الله فإنني منذ أسبوع لم آكل، ولكن : أطعمت والدتي وأسرعت لألحق صلاة الفجر وبينه وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ.

فهل أنت مؤمن بذلك ؟ فقلت : نعم.

فقال : الحمد لله الذي أراني مؤمنا موقنا.

21

10 - روى ابن الجوزي في " صفة الصفوة " 4 ص 293 عن موسى بن هارون قال : رأيت الحسن بن الخليل مرة بعرفات وكلمته، ثم رأيته يطوف بالبيت فقلت : ادع الله لي أن يقبل حجي.

فبكا ودعا لي ثم أتيت مصر فقلت : إن الحسن كان معنا بمكة فقالوا : ما حج العام وقد كان يبلغني أنه يمر إلى مكة في كل ليلة فما كنت أصدق حتى رأيته فعاتبني وقال : شهرتني ما كنت أحب أن تحدث بها عني، فلا تعد بحقي عليك.

قال الأميني : في وسع الباحث أن يؤلف من أمثال هذه القصص المبثوثة في طي الكتب والمعاجم تأليفا حافلا ونحن اقتصرنا بالمذكور روما للاختصار، ويستفاد منها إن الولي الذي من عليه بطي الأرض له أن يأخذ معه من شاء وأراد من أخلاءه وخدمه، فتطوى لصاحبه الأرض أيضا كرامة لذلك الولي الصالح فضلا عن نفسه، وهذه كلها لا يناقش فيها مهما لم يكن الولي الموصوف من العترة الطاهرة وإلا فهناك كل الجدال والمناقشة، وكل الهوس والهياج.

22

ما عشت أراك الدهر عجبا

لم يكن هذا النكير بدعا مما جاء به القوم في كثير من فضائل مولانا أمير المؤمنين وآله العترة الطاهرة ((عليهم السلام))فإن هناك شنشنة مطردة في واحد واحد منها بالتهكم تارة، وبالتفنيد أخرى، وبالوقيعة في السند طورا، وبالاستبعاد المجرد آونة، وبالمناقشة في الدلالة مرة، ففي كل يوم يطرق سمعك هتاف معتوه، أو عقيرة متعصب، أو ضوضاء من حانق، أو لغط من معربد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

مع أن القوم يثبتون أمثال هاتيك الفضايل لغير رجالات أهل البيت (عليهم السلام)، من غير أن يضطرب لهم بال، أو تغلي عليها مراجل الأحقاد، أو تمد إليها يد الجرح والتعديل، أو تتبعها كلمة الغمز بالرمي بالغلو أو الافتعال، وإليك نبذا منها.

23

1
حديث رد الشمس

مرت في الجزء الثالث ص 126 - 141 طرف من أسانيد حديث رد الشمس لمولانا أمير المؤمنين ((عليه السلام))بدعاء النبي الأقدس (صلى اللّٰه عليه و آله) وشواهد صحته وكلمات العلماء في ذلك وهي أربعون كلمة، فإنك تجد هناك طنينا وهمهمة في صحة الحديث، وعدم وقوع الواقعة، وعدم إمكانها، ولكن السبكي، واليافعي، وابن حجر، وصاحب شذرات الذهب وغيرهم ذكروا مثل هذه المأثرة لإسماعيل بن محمد الحضرمي المتوفى 676 من دون أي غمز ونكير.

قال السبكي في " طبقات الشافعيين " ج 5 ص 51 : مما حكي من كرامات الحضرمي واستفاض : إنه قال يوما لخادمه وهو في سفر : قل للشمس تقف حتى نصل إلى المنزل.

وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها فقال لها الخادم : قال لك الفقيه إسماعيل قفي.

فوقفت حتى بلغ مكانه ثم قال للخادم : أما تطلق ذلك المحبوس ؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت، وأظلم الليل في الحال.

وقال اليافعي في " مرآة الجنان " 4 ص 178 : من كرامات إسماعيل الحضرمي وقوف الشمس له حتى بلغ مقصده لما أشار إليها بالوقوف في آخر النهار، وهذه الكرامة مما شاع في بلاد اليمن وكثر فيها الانتشار، ومنها : إنه نادته سدرة والتمست منه أن يأكل هو وأصحابه من ثمرها، وإليه أشرت بقولي:

هـو الحضرمي نجـل الـولي محمد * إمام الهـدى نجـل الإمـام الممجد

ومن جاهه أومى إلى الشمس أن قفي * فلـم تمـش حـتى أنـزلوه بمقصد

ومن بعض قصائد اليافعي أيضا قوله في الحضرمي :

هو الحضرمي المشهور من وقفت له * بقـول قـفي شمـس لأبلغ منزلي

وقال ابن العماد في " شذرات الذهب " 5 ص 362 : له [ للشيخ إسماعيل الحضرمي ] كرامات قال المطري : كادت تبلغ التواتر " إلى أن قال " : ومنها : إنه قصد بلدة زبيد

24

فكادت الشمس تغرب وهو بعيد عنها فخاف أن تغلق أبوابها فأشار إلى الشمس فوقفت حتى دخل المدينة وإليه أشار الإمام اليافعي بقوله :

هو الحضرمي نجل النبي محمد * إلى آخر البيتين المذكورين

وقال ابن حجر في " الفتاوى الحديثية " ص 232 : ومن كراماته " يعني الحضرمي " : إنه كان داخلا لزبيد وقد دنت الشمس للغروب فقال لها : لا تغربي حتى ندخلها فوقفت ساعة طويلة فلما دخلها أشار إليها فإذا الدنيا مظلمة والنجوم ظاهرة ظهورا تاما.

قال العلامة السماوي في " العجب اللزومي " :

واعجـبا من فرقة قد غلت * من دغـل في جوفها مضرم

تنكر رد الشمس للمرتضى * بأمـر طاها العيلم الخضرم

وتـدعي أن ردهـا خادم * لأمـر إسماعيل الخضرمي

وللباحث أن يستنتج من هذه القضية إن أخبت بها أن إسماعيل الحضرمي أعظم عند الله تعالى من النبي الأعظم ووصيه أمير المؤمنين، لأن رد الشمس لعلي كان بدعائه تارة وبدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طورا، وأما إسماعيل فقد أمر خادمه أن يأمرها بالوقوف ثم أمره بأن يفك قيد أسارها بأمرها بالانصراف، أو : أشار هو إليها بالوقوف فوقفت، هذه هي العظمة والزلفة إن صحت الأحلام لكن العقلاء يدرون ورواة القصة أيضا يعلمون بأنها متى صيغت، ومهما لفقت، ولماذا نسجت.

(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره) " التوبة 32 "

25

2
صلاة ألف ركعة

لقد تضافر النقل بأن كلا من مولانا أمير المؤمنين، والإمام السبط الشهيد الحسين، وولده الطاهر علي زين العابدين كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (1) ولم تزل العقايد متطامنة على ذلك، والعلماء متسالمين عليه، حتى جاء ابن تيمية بهوسه وهياجه، فحسب تارة كراهة هذا العمل البار، وإنه ليس بفضيلة، وان القول بأنها فضيلة يدل على جهل قائله، لأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة، وفي النهار على عدة ركعات معينة، وإنه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان لا يقوم تمام الليل كما كان لا يصوم كل يوم فقال : فالمداومة على قيام جميع الليل ليس بمستحب بل مكروه، وليس من سنة النبي الثابتة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله)، وهكذا مداومة صيام النهار.

وزعم تارة أنه خارج عن نطاق الامكان فقال : وعلي رضي الله عنه أعلم بسنته (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتبع لهديه، وأبعد من أن يخالف هذه المخالفة، لو كان ذلك ممكنا فكيف وصلاة ألف ركعة في اليوم والليلة مع القيام بسائر الواجبات غير ممكن، فإنه لا بد من أكل ونوم.

إلخ.

ويرى آونة أن طبع عمل مثله مبني على المسارعة والاستعجال، يستدعي أن يكون عريا عن الخضوع، نقرا كنقر الغراب، فلا يكون فيه كثير جدوا، ثم ختم كلامه بقوله، ثم إحياء الليل بالتهجد وقراءة القرآن في ركعة هو ثابت عن عثمان رضي الله عنه، فتهجده وتلاوة القرآن أظهر من غيره (2).

ج - أما حسبان كراهة ذلك العمل ومخالفته السنة النبوية وخروجه بذلك عن

____________

(1) العقد الفريد 2 ص 309 و ج 3 ص 39، تاريخ ابن خلكان 1 ص 350، صفة الصفوة لابن الجوزي 2 ص 56، طبقات الذهبي 1 ص 71 نقلا عن الإمام مالك، تهذيب التهذيب لابن حجر 7 ص 306 نقلا عن مالك، طبقات الشعراني 1 ص 37، روض الرياحين لليافعي ص 55، مشارق الأنوار للحمزاوي ص 94، إسعاف الراغبين لابن الصبان في هامش المشارق ص 196، وغيرها.

(2) راجع منها ج السنة 2 : 119.

26

الفضيلة فيعرب عن جهله المطبق بشئون العبادات وفقه السنة، وتمويهه على الحقايق الراهنة جهلا أو عنادا، فإن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث عشرة ركعة، وكذلك صلاة نهاره وإنما هي صلاة الليل والشفع والوتر ونافلة الصبح ونافلة الصلوات اليومية كما فصل في غير واحد من الأخبار، وهي النوافل المرتبة المعينة في الليل والنهار لا ترتبط باستحباب مطلق الصلاة ومطلولبية نفسها، ولا تنافي ما صح عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) من قوله : الصلاة خير موضوع، إستكثر أو إستقل (1) وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر (2) وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : الصلاة خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر (3) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا أنس أكثر الصلاة بالليل والنهار تحفظك حفظتك (4) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لأنس في حديث طويل : إن استطعت أن لا تزال تصلي فإن الملائكة تصلي عليك ما دمت مصليا (5) وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) : من أكثر صلاته [ أو من كثرت صلاته ] بالليل حسن وجهه بالنهار (6).

وما روي عن نصر بن علي الجهضمي قال : رأيت الحافظ يزيد بن زريع في النوم فقلت : ما فعل الله لك ؟ قال : دخلت الجنة.

قلت، بماذا ؟ قال : بكثرة الصلاة (7).

وصح عن البخاري ومسلم : إنه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يقول من الليل حتى تنفطر قدماه.

وفي رواية لهما والترمذي : إن كان النبي ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، وفي رواية عن عايشة : حتى تفطرت قدماه.

وفي رواية عن أبي هريرة : حتى تزلع قدماه.

وفي " المواهب اللدنية " : كان يصلي " بعد كبره " بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه.

____________

(1) أخرجه الحافظ أبو نعيم في الحلية ج 1 ص 166 بستة طرق.

(2) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في " الترغيب والترهيب " 1 ص 109 و " كشف الخفاء " 2 ص 30.

(3) مستدرك الحاكم 2 ص 597، مجمع الزوائد 1 ص 160، كشف الخفاء للعجلوني 2 ص 30 وقال : رواه الطبراني وأحمد وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي ذر.

(4) تاريخ ابن عساكر 3 ص 142.

(5) تاريخ ابن عساكر 3 ص 142.

(6) سنن ابن ماجة 1 ص 400، تاريخ الخطيب 1 ص 341 و ج 7 ص 390.

(7) شذرات الذهب 1 ص 298.

27

وقد جرت السنة المطردة بين العاملين في النسك والعبادات من الصلاة و الصوم والحج وقراءة القرآن وغيرها مما يقرب إلى الله زلفى أن يأتي كل منهم بما تيسر له منها غير مقتصر بما أتى به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) والناس متفاوتون في القدر والله تعالى يقول : فاتقوا الله ما استطعتم.

ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

فترى هذا يصلي كل يوم مائة ركعة (1) والآخر يصلي مائتي ركعة مثل القاضي الفقيه أبي يوسف الكوفي المتوفى 182 (2).

والقاضي أبي عبد الله محمد بن سماغة البغدادي المتوفى 233 (3) .

و بشر بن الوليد الكندي المتوفى 238 (4) .

ومنهم من كان يصلي ثلاثمائة ركعة نظير : إمام الحنابلة أحمد بن حنبل المتوفى 241 (5) .

و أبي القاسم الجنيد القواريري المتوفى 298 (6) .

و الحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى 600 (7) .

ومنهم من كان يصلي أربعمائة ركعة نظراء : بشر بن المفضل الرقاشي المتوفى 187 (8) .

و إمام الحنفية أبو حنيفة نعمان المتوفى 150 (9) .

و أبي قلابة عبد الملك بن محمد المتوفى 276 (10) .

و ضيغم بن مالك أبو مالك [ صف 3 ص 270 ].

و

____________

(1) راجع مناقب أبي حنيفة للقاري في هامش " الجواهر المضية " 2 ص 523، ل 1 ص 94، طب 14 ص 6، يه 10 ص 214 و ج 14 ص 77.

(2) بق 1 ص 270، هب 1 ص 298.

(3) طب 5 ص 343، جم 2 ص 58، هب 2 ص 78.

(4) طب 7 ص 82، م 1 ص 152.

(5) يه 13 ص 39، كر 2 ص 36، طش 1 ص 47.

(6) ظم 6 ص 106، يه 11 ص 114، وفي صف 2 ص 236 : أربعمائة ركعة.

(7) يه 13 ص 39.

(8) بق 1 ص 285، هب 1 ص 310، يب 1 ص 459

(9) مناقب أحمد للخوارزمي 1 ص 247، مناقب الكردرى 1 ص 246.

(10) ظم 5 ص 103، يه 11 ص 57، يب 6 ص 420.

28

أم طلق كانت تصلي أربعمائة ركعة وتقرأ من القرآن ما شاء الله [ صف 4 ص 24 ] و أحمد بن مهلهل الحنبلي المتوفى 554(1) .

ومنهم من كان يصلي خمسمائة ركعة، أشباه :

بشر بن منصور البصري المتوفى 180 (2) و سمنون بن حمزة المتوفى 298 [ طب 9 ص 236، ظم 6 ص 108 ] ومنهم من كان يصلي ستمائة ركعة، أمثال : الحارث بن يزيد الحضرمي المتوفى 130 [ صه 59. يب 2 ص 163 ] و الحسين بن الفضل الكوفي المتوفى 282 (3) و علي بن علي بن النجاد أبي إسماعيل البصري [ صه 234 ] و أم الصهباء معاذة العدوية [ صف 4 ص 14 ] ومنهم من كان يصلي سبعمائة ركعة مثيل : الأسود بن يزيد " زيد " النخعي المتوفى 75 (4) و عبد الرحمن بن الأسود المتوفى 98 [ بق 1 ص 48 ] وقد ذكروا في ترجمة غير واحد من رجال أهل السنة وعدوا من فضائلهم أنهم كانوا يصلون في اليوم والليلة أو في اليوم فقط ألف ركعة منهم :

1 - مرة بن شراحيل الهمداني المتوفى 76 على ما قيل، كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة [ حل 4 ص 162، يه 8 ص 70، صف 3 ص 17 ].

م 2 - عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان. كان يصلي في كل يوم ألف ركعة. أنساب البلاذري 5 ص 120، رسائل الجاحظ ص 98 ].

م 3 - عمير بن هانئ أبو الوليد الدمشقي التابعي. قال الترمذي : كان يصلي كل يوم ألف ركعة، ويسبح مائة ألف تسبيحة.

كذا حكاه الشيخ محمد عبد الحي الأنصاري الحنفي

____________

(1) هب 4 ص 170.

(2) يب 1 ص 460، هب 1 ص 293.

(3) مرآة الجنان 2 ص 195، هب 2 ص 178، لم 2 ص 308.

(4) طرح التثريب 1 ص 34، هب 1 ص 82، وفي ل 1 ص 39 ستمائة ركعة.

29

في " إقامة الحجة " ص 7 وفي " تهذيب التهذيب " 8 : 150 : كان يصلي كل يوم ألف

سجدة، ويسبح مائة ألف تسبيحة ].

4 - علي بن عبد الله العباسي المتوفى 117، كان يصلي كل يوم ألف ركعة، و قيل : في الليل والنهار [ كامل المبرد 2 ص 157، يه 8 ص 306، يب 7 ص 358، هب 1 ص 148 ].

5 - ميمون بن مهران الرقي المتوفى 117 عالم أهل الجزيرة صلى سبعة عشر يوما سبعة عشر ألف ركعة [ بق 931 ].

6 - بلال بن سعد الأشعري المتوفى ح 120 كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة [ صه ص 45، كر 3 ص 315، يه 9 ص 348، يب 1 ص 503 ].

7 - عامر بن عبد الله الأسدي المدني، كان قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة.

" حل 2 : 89، صف 3 ص 128، كر 7 ص 169 طش 1 ص 24 ".

8 - مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير المتوفى سنة 157، كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة " الترغيب والترهيب 4 ص 227، صف 2 ص 99، 111، م 3 ص 172، يب 10 ص 159 ".

م 9 - أبو السائب المخزومي : كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة.

الأغاني 1 ص 109 ].

10 - سليمانان قال القيسي : كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد من رجليه فكان يصلي جالسا ألف ركعة " حل 6 ص 195 ".

11 - كهمس بن الحسن أبو عبد الله الدعاء، كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة " حل 6 ص 211.

صف 3 ص 234 ".

م 12 - محمد بن حفيف الشيرازي أبو عبد الله المتوفى 371.

ربما كان يصلي من الغداة إلى العصر ألف ركعة " مفتاح السعادة 2 ص 177 ].

م 13 - أبو حنيفة إمام الحنفية كان يصلي في كل ليلة ثلثمائة ركعة ومر يوما في بعض الطرق فقالت امرأة لامرأة : هذا الرجل يصلي في كل ليلة خمسمائة ركعة.

فسمع الإمام ذلك فجعل يصلي بعد ذلك في كل ليلة خمسمائة ركعة، ومر يوما على جمع

30

من الصبيان قال بعضهم لبعض : هذا يصلي في كل ليلة ألف ركعة ولا ينام بالليل.

فقال أبو حنيفة : نويت أن أصلي في كل ليلة ألف ركعة وأن لا أنام بالليل.

" إقامة الحجة " للشيخ محمد عبد الحي الحنفي ص 9 ] .

م 14 - رابعة كانت تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة.

" روض الأخبار " المنتخب من ربيع الأبرار 1 ص 5 ].

ونحن نعرف من أصحابنا اليوم من يأتي بها في الليل تارة، وفي الليل والنهار أخرى، في أقل من سبع ساعات يصليها صلاة تامة مع سورة التوحيد بالرغم من حسبان ابن تيمية استحالتها في اليوم والليلة، فإتيان ألف ركعة في الليل والنهار لا يستوعب كل الليل ولا يحتاج إلى قيام تمامه ولا إلى قيام نصفه، ولا تخالف السنة، بل هي السنة النبوية المعتضدة بعمل العلماء والأولياء، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقل.

والمداومة على قيام جميع الليل إن لم تكن مستحبا وكانت من المكروه المخالف للسنة الثابتة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) كما زعمه ابن تيمية فكيف تعد في طيات الكتب فضيلة لأعلام قومه، منهم :

1 - سعيد بن المسيب التابعي المتوفى 93، صلى الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة " صف 2 ص 44 ".

2 - الحسن البصري التابعي المتوفى 110، صلى الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة " روضة الناظرين ص 4 ".

3 - إمام الحنفية نعمان، صلى أربعين سنة صلاة الغداة على طهارة العشاء، وقال ابن المبارك : خمسا وأربعين سنة " مناقب أبي حنيفة للخوارزمي 1 ص 236، 240، مناقب الكردري 1 ص 242 ".

4 - أبو جعفر عبد الرحمن بن الأسود النخعي المتوفى 98، صلى الفجر بوضوء العشاء " صف 3 ص 53 " .

5 - أبو بكر النيسابوري الرحال الفقيه، صلى أربعين سنة صلاة الصبح على طهارة العشاء قال : إنه قام أربعين سنة لم ينم الليل، ويتقوت كل يوم بخمس حبات، يصلي صلاة الغداة على طهارة العشاء الآخرة " طب 10 ص 122، بق 3 ص 38، هب 2 ص 302 ".

31

6 - محمد بن عبد الرحمن أبو الحارث المتوفى 159، كان يصلي الليل أجمع " صف 2 ص 98 " 7 - هاشم " صف : هشيم " بن بشير أبو معاوية المتوفى 183 " صلى عشرين سنة الصبح بوضوء العشاء " ل 1 ص 91، صف 3 ص 6، يه 10 ص 184 ".

8 - أبو غياث منصور بن المعتمر السلمي المتوفى 132، كان يحيي الليل كله في ركعة لا يسجد فيها ولا يركع " صف 3 ص 63 ".

9 - أبو الحسن الأشعري مكث عشرين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء " طش 2 ص 172 ".

10 - أبو الحسين بن بكار البصري المتوفى 199 كان يصلي الغداة بوضوء العتمة " صف 4 ص 240 ".

11 - الحافظ سليمان بن طرخان التيمي، صلى أربعين سنة صلاة الصبح والعشاء بوضوء واحد " حل 3 ص 29، صف 3 ص 218، بق 1 ص 142 ".

12 - أبو خالد يزيد بن هارون الحافظ، صلى نيفا وأربعين سنة صلاة الصبح بوضوء العشاء " بق 1 ص 292، صف 3 ص 8 ".

13 - عبد الواحد بن زيد، صلى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة " صف 3 ص 43، طش 1 ص 40 ".

على أن ثبوت السنة عند القوم لا يستلزم فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فحسب، بل : هي تثبت بفعل أي أحد سن سنة من أفراد الأمة، فليكن أمير المؤمنين ((عليه السلام))أول من سن صلاة ألف ركعة في اليوم والليلة، كما نص الباجي والسيوطي والسكتواري وغيرهم على أن أول من سن التراويح عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة أربع عشرة (1) وعلى أن أول من جمع الناس على التراويح عمر (2) وعلى أن إقامة النوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عمر رضي الله عنه وأنها بدعة حسنة (3) وعلى أن أول

____________

(1) محاضرة الأوائل ص 149 طبع سنة 1311، وص 98 ط 1300.

(2) محاضرة الأوائل ط سنة 1300 ص 98، شرح المواهب للزرقاني 7 ص 149.

(3) راجع طرح التثريب ج 3 ص 92.

32

من جلد في الخمر ثمانين عمر رضي الله عنه (1) وأمثال ذلك بكثير مما سنه عمر بن الخطاب وصير بدعة حسنة، وسنة متبعة.

وكما قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني والخازن وغيرهما من : أن أول من سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة خبيب بن عدي الأنصاري [ حل 1 ص 113، تفسير الخازن 1 ص 141 ].

وكما قال المؤرخون فيما سن معاوية بن أبي سفيان في الإرث والدية خلاف سنة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) والخلفاء الأربعة من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنه يسمى بسنة الخلفاء لاتباعهم أثره بعده، واتخاذهم ذلك سنة [ يه 9 ص 232 و ج 8 ص 139 ] وكما أخذت سنة التبريك في الأعياد من عمر بن عبد العزيز كما قاله الحافظ ابن عساكر في تاريخه 2 ص 365.

وهلا صح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ؟ (2) أو صح ذلك غير أن بينه وبين علي أمير المؤمنين حجز وحدد يخصانه بغيره ؟.

م - ولدفع مزعمة ابن تيمية هذه ومن لف لفه ألف الشيخ محمد عبد الحي الحنفي رسالة أسماها ب [ إقامة الحجة على أن الاكثار في التعبد ليس ببدعة ] و ذكر جماعة من الصحابة والتابعين الذين اجتهدوا في العبادة وصرفوا فيها أعمارهم، والرسالة فيها فوائد جمة لا يستهان بها طبعت بالهند سنة 1311.

قال في ص 18 : خلاصة المرام في هذا المقام وهو الذي أختاره تبعا للعلماء الكرام : إن قيام الليل كله، وقرائة القرآن في يوم وليلة مرة أو مرات، وأداء ألف ركعات أو أزيد من ذلك، ونحو ذلك من المجاهدات والرياضات ليس ببدعة، وليس بمنهي عنه في الشرع بل هو أمر حسن مرغوب إليه.

الخ ].

وأما دعوى عدم الامكان منشأها تثاقل الطبع والكسل عن الاكثار من العبادة فإن من لم يتنشط في كل عمره لأمثال ذلك، البعيد عن عمل العاملين وعادات العباد يحسب خروج ذلك عن حيز الامكان، لكن من تذوق حلاوة الطاعة ولذة العبادة يرى أمثال هذه من العاديات المطردة.

____________

(1) محاضرة الأوائل 111 ط سنة 1300.

(2) مستدرك الحاكم 1 ص 96.

33

مشكلة الأوراد والختمات

يجد الباحث في طيات الكتب والمعاجم أعمالا كبيرة باهظة تستوعب من الوقب أكثر من ألف ركعة صلاة معزوة إلى أناس عاديين لم ينكرها عليهم ولا على رواتها أحد لا ابن تيمية ولا غيره، لأن بواعث الانكار على أئمة أهل البيت ((عليهم السلام))لا توجد هنالك، وإليك نبذا من تلك الأعمال :

1 - كان عويمر بن زيد أبو الدرداء الصحابي المتوفى 32 يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة " هب 1 ص 173 ".

2 - كان أبو هريرة الدوسي الصحابي المتوفى 57 / 8 / 9 يسبح كل ليلة اثنتي عشر ألف تسبيحة قبل أن ينام ويستغفر الله ويتوب إليه كل يوم اثنتي عشرة ألف مرة " يه 8 ص 110، 112، هب 1 ص 173 ".

3 - كان خالد بن معدان المتوفى 103 / 4 / 8، يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن " حل 5 ص 210، صه ص 88، ل 1 ص 54 ".

4 - كان عمير بن هاني المتوفى 127، يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة " صف 4 ص 163، م 2 ص 305، يب 8 ص 150، هب 1 ص 173 " .

5 - كان أبو حنيفة إمام الحنفية المتوفى 150، يأتي إلى الجمعة ويصلي قبل صلاتها عشرين ركعة يختم فيهن القرآن " مناقب أبي حنيفة للخوارزمي 1 ص 240، مناقب الكردري 1 ص 244 ".

6 - كان يعقوب بن يوسف أبو بكر المطوعي المتوفى 287، يقرأ كل يوم " وفي نسخة : وليلة " سورة التوحيد إحدى وثلاثين ألف مرة، أو : إحدى وأربعين ألف شك جعفر الراوي عنه " طب 14 ص 289، يه 11 ص 84، ظم 6 ص 26 ".

7 - كان الجنيد القواريري المتوفى 298 ورده كل يوم ثلثمائة ركعة " " قال ابن الجوزي : أربعمائة " وثلاثين ألف تسبيحة " ظم 6 ص 106، صف 2 ص 235، يه 11 ص 114، طب 7 ص 242 ".

34

8 - كان فقيه الحرم الإمام محمد يقرأ كل يوم ستة آلاف قل هو أحد، وهي من جملة أوراده " طش 2 ص 170 ".

9 - كان الشيخ أحمد الزواوي المتوفى 922 يقرأ كل يوم وليلة عشرين ألف تسبيحة، وأربعين ألف صلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) " هب 8 ص 107 ".

10 - كان محمد بن سليمان الجزولي يقرأ نهارا أربعة عشر ألف بسملة وسلكتين من تأليفه " دلائل الخيرات " في الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) " نيل الابتهاج ص 317 ".

11 - كان عبد العزيز المقدسي يقول : حاسبت نفسي من يوم بلوغي إلى يوم هذا فإذا زلاتي لا تجاوز ستة وثلاثين زلة، ولقد استغفرت الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصليت لكل زلة ألف ركعة، ختمت في كل ركعة منها ختمة " صف 4 ص 219 " وأنت تعلم أن ألف ركعة صلاة تكون ثلاث وثمانين ألف كلمة، إذ الركعة الأولى من تكبيرة الاحرام إلى السجدة الأخيرة تعد كلماتها " 69 " كلمة وتكون إذا صليتها ألفا تسعا وستين ألفا، ويخرج من الركعة الثانية ألف كلمة عن تكبيرة الاحرام غير الموجودة فيها فتبقى ثمان وستين ألفا، وإذا أضفت إليها كلمات التشهد على طريقة الشيعة والسلام بصيغة " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " وهي خمسة عشر ألف كلمة، يكون المجموع ثلثا وثمانين ألف كلمة تربو على كلمات القرآن الشريف بخمسة آلاف وسبع وخمسين كلمة، فقس الأعمال المذكورة إلى هذه تجدها تزيد عليها بكثير، لكن الولاء لصاحب الأوراد المذكورة يمكنه منها، والبغضاء لصاحب الصلاة من العترة الطاهرة تقعد به عن العمل.

وأما ما ختم به ابن تيمية كلامه من قراءة عثمان القرآن في ركعة واحدة فهو خارج عن موضوع البحث، غير أنه راقه أن يقابل تلك المأثرة بفضيلة لعثمان ذاهلا عن أن ما أورده على صلاة الأئمة من الاشكال وارد فيها، فهي تخالف السنة على زعمه أولا إذ لم يثبت عن رسول الله قراءة القرآن في ركعة واحدة، وإنها خارجة عن نطاق الامكان ثانيا إذ كلمات القرآن سبعة وسبعون ألف وتسعمائة وأربع وثلاثون كلمة وفي قول عطاء بن يسار سبعة وسبعون ألف وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة (1) وتلك الركعة

____________

(1) تفسير القرطبي 1 ص 57، الاتقان للسيوطي 1 ص 120.

35

الواحد لا بد إما أن تقع بين المغرب والعشاء، وإما بعد العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، فإتيانها على كل حال في ركعة غير ممكن الوقوع.

على أن الشيخين " البخاري ومسلم " قد أخرجا عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أنه قال لعبد الله بن عمر : واقرأ في سبع ولا تزد على ذلك.

وصح عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) : من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه.

ثم إن عثمان عد ممن كان يختم في كل أسبوع من الصحابة (1).

ومشكلة الختمة في كتب القوم جاءت بأذني عناق، أثقل من شمام، تنتهي إلى شجنة من العته، فذكروا أن منهم من كان يختم القرآن في ركعة ما بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، أو في غيرهما، وعد من أولئك :

1 - عثمان بن عفان الأموي.

كان يختم في ركعة ليلا " حلية الأولياء 1 : 57 " .

2 - تميم بن أوس الداري الصحابي. كان يختم في ركعة " صف 1 ص 310.

3 - سعيد بن جبير التابعي المتوفى 95 " حل 4 ص 73 ".

4 - منصور بن زاذان المتوفى 131 كان يختمه مرة فيما بين الظهر والعصر، وأخرى فيما بين المغرب والعشاء، قال هشام : صليت إلى جنب منصور فقرأ القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمتين، ثم قرأ إلى الطواسين قبل أن تقام الصلاة، وكانوا إذ ذاك يؤخرون العشاء في شهر رمضان إلى أن يذهب ربع الليل، وكان يختم فيما بين الظهر والعصر، وفي خلاصة التهذيب : وكان يختم في الضحى.

" حل 3 ص 57، صف 3 ص 4، بق 1 ص 134، ل 1 ص 97، هب 1 ص 355 ".

4 - أبو الحجاج مجاهد المتوفى 132، ذكره ابن أبي داود كما في " الفتاوى الحديثية " ص 44.

5 - أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام المذهب، كان يحيي الليل بقراءة القرآن ثلاثين سنة في ركعة " مناقب أبي حنيفة للقاري ص 494 ".

7 - يحيى بن سعيد القطان المتوفى 198 " طب 14 ص 141 ".

8 - الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد العسال المتوفى 349 " بق 3 ص 97 ".

م 9 - أبو عبد الله محمد بن حفيف الشيرازي المتوفى 371، كان ربما يقرأ القرآن

____________

(1) التذكار للقرطبي ص 76، إحياء العلوم 1 ص 261، خزينة الأسرار ص 77.

36

كله في ركعة واحدة. " مفتاح السعادة " 2 ص 177 ".

م 10 - جعفر بن الحسن الدرزيجاني المتوفى 506، له ختمات كثيرة جدا كل ختمة منها في ركعة واحدة.

هب 4 ص 16 ].

ومنهم من كان يختم في كل يوم ختمة، وعد من أولئك :

1 - سعد بن إبراهيم الزهري المتوفى 127 " ل 1 ص 66 " وفي صه ص 113 : في كل يوم وليلة.

2 - أبو بكر ابن عياش الأسدي الكوفي المتوفى 193 " يه 10 ص 224، يب 12 ص 36 ".

3 - أبو العباس محمد بن شاذل النيسابوري المتوفى 311 " هب 2 ص 263.

4 - أبو جعفر الكتاني كان يختمها مع الزوال " حل 10 ص 343 ".

5 - أبو العباس الآدمي المتوفى 390، كان يختم في غير شهر رمضان كل يوم ختمة " ظم 6 ص 160، صف 2 ص 251، هب 2 ص 257 ".

6 - أحمد بن حنبل إمام مذهبه المتوفى 241 " مناقب أحمد لابن الجوزي ص 287 ".

7 - البخاري صاحب الصحيح المتوفى 256، طب 2 ص 12.

8 - الشافعي إمام الشافعية المتوفى 204، في غير شهر رمضان " صف 2 ص 145، طش 1 ص 33 ".

9 - محمد بن يوسف أبو عبد الله البناء المتوفى 286 " ظم 6 ص 24 ".

10 محمد بن علي الكرخي المتوفى 343 " يه 11 ص 228، ظم 6 ص 376 ".

11 - أبو بكر بن الحداد المصري الشافعي المتوفى 345 / 4 " ل 1 ص 167، بق 3 ص 108 " وفي بعض المصادر : في اليوم والليلة.

12 - الحافظ ابن عساكر المتوفى 371، كان له ذلك في شهر رمضان، هب 4 ص 239.

13 - الخطيب البغدادي صاحب التاريخ المتوفى 463 " كر 1 ص 410 ".

14 - أحمد بن أحمد ابن السيبي أبو عبد الله القصري المتوفى 439.

" طب 4 ص 4 " 15 - الشيخ أحمد البخاري له كل يوم ختمة وثلث " طش 4 ص 170 " (1)

____________

(1) وقفنا على جمع كثير ممن كان له كل يوم ختمة واقتصرنا بذلك روما للاختصار.

37

ومنهم من كان يختمه في الليلة مرة ومن أولئك :

1 - علي بن عبد الله الأزدي التابعي، كان له ذلك في شهر رمضان " يب 7 ص 358 ".

2 - قتادة أبو الخطاب البصري المتوفى 117، كان له ذلك في عشرة شهر رمضان " صف 3 ص 182 ".

3 - وكيع بن الجراح المتوفى 197 " ل 1 ص 96، طب 13 ص 470، يب 11 ص 129 ".

4 - البخاري صاحب الصحيح المتوفى 256، كان له ذلك في شهر رمضان " يه 11 ص 26 ".

5 - عطاء بن السائب الثقفي المتوفى 136 " صه ص 225 ".

6 - علي بن عيسى الحميري كان له ذلك في كل ليلة " طبقات القراء 1 ص 560 ".

7 - أبو نصر عبد الملك بن أحمد المتوفى 472 " ظم 8 ص 324 ".

8 - الحافظ أبو عبد الرحمن القرطبي المتوفى 206، كان يختم كل ليلة في ثلاث عشر ركعة " بق 2 ص 185 ".

9 - الشافعي إمام الشافعية كان له ذلك في غير شهر رمضان " طب 2 ص 63 ".

10 - حسين بن صالح بن حي المتوفى 167 " طش 1 ص 50 " 11 - زبيد بن الحارث " حل 5 ص 18 ".

م 12 أبو بكر بن عياش، كان يختم القرآن كل ليلة أربعين سنة.

طب 1 ص 407 ".

ومنهم من كان يختمه في كل يوم وليلة مرة وعد من أولئك : 1 - سعد بن إبراهيم أبو إسحاق المدني المتوفى 127 " صف 3 ص 82 ".

2 - ثابت بن أسلم البنائي المتوفى 127 " حل 2 ص 321، بق 1 ص 118 ".

3 - جعفر بن المغيرة التابعي " كر 4 ص 79 ".

4 - عمر بن الحسين الجمحي " يب 7 ص 434 ".

5 - أبو محمد عبد الرحمن اللخمي الشافعي المتوفى 587 " هب 4 ص 289 " 6 - أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى 590 يه 13 ص 9 ".

7 - أبو علي عبد الرحيم المصري القاضي الفاضل المتوفى 596 " يه 13 ص 24 ".

38

8 - أبو الحسن المرتضى المتوفى 634 " هب 5 168 ".

9 - محمود بن عثمان الحنبلي المتوفى 609 " هب 5 ص 29 ".

10 أم حبان السلمية " صف 4 ص 25 " ومنهم من كان يختم في الليل والنهار ختمتين مثل :

1 - سعيد بن جبير التابعي، ختم ختمتين ونصفا في الصلاة في الكعبة " يه 9 ص 98، صف 3 ص 43 ".

2 منصور بن زاذان المتوفى 131، كان يختم في الليل والنهار مرتين كما مر " صف 3 ص 4 " م - وقال القسطلاني في إرشاد الساري 3 ص 365 : كان يختم بين المغرب والعشاء ختمتين ويبلغ في الختمة الثلاثة إلى الطواسين ].

3 - أبي حنيفة إمام الحنفية، كان له ذلك في شهر رمضان " التذكار ص 74، مناقب أبي حنيفة للقاري ص 493، 494 ".

4 - الشافعي إمام الشافعية كان له ذلك في شهر رمضان ما منها إلا في الصلاة " المواهب اللدنية " وفي صف 2 ص 145 : كان يختم في رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأه في الصلاة.

5 - الحافظ العراقي كان يختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين " شرح المواهب للزرقاني 7 ص 421 ".

6 - أبي عبد الله محمد بن عمر القرطبي " الديباج المذهب ص 245 ".

7 - السيد محمد المنير المتوفى نيف و 930 " طش 2 ص 118 " .

8 - الشيخ عبد الحليم المنزلاوي المتوفى نيف و 930 " طش 2 ص 121 ".

م - ومنهم من كان يختم في الليلة ختمتين.

1 - تقي الدين أبو بكر بن محمد البلاطنسي الشافعي الحافظ المتوفى 936 كان يختم في شهر رمضان في كل ليلة ختمتين " هب 8 ص 213 ".

2 - أحمد بن رضوان بن جالينوس المتوفى 423 ختم في الليلة ختمتين قبل أن يطلع الفجر طب 4 ص 261 ].

ومنهم من يختم في اليوم والليلة ثلاث ختمات وعد من أولئك :

39

1 - كرز بن وبرة الكوفي، كان يختم في كل يوم وليلة ثلاث ختمات " صف 2 ص 123 و ج 3 ص 67، الإصابة 3 ص 321 ".

2 - زهير بن محمد بن قمير الحافظ البغدادي المتوفى 268، كان له ذلك في شهر رمضان " طب 8 ص 485، ظم 5 ص 4 ".

3 - أبو العباس بن عطاء الآدمي المتوفى 309، كان له ذلك في شهر رمضان " طب 5 ص 27، ظم 6 ص 160، يه 11 ص 144 ".

م 4 - سليم بن عنز التجيبي القاضي المصري.

قال العيني في " عمدة القاري " 9 ص 349.

كان يختم القرآن في كل ليلة ثلث مرات، وذكر ذلك أبو عبيد.

وقال ابن كثير في تاريخه 9 ص 118 : كان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها.

5 - عبد الرحمن بن هبة الله اليماني المتوفى 821، قرأ في الشتاء في يوم ثلاث ختمات وثلث ختمة هب 7 ص 151 ].

ومنهم من كان يختم في اليوم أربع ختمات ومن أولئك :

1 - أبو قبيصة محمد بن عبد الرحمن الضبي المتوفى 282، قال : قرأت في اليوم أربع ختمات وبلغت في الخامسة إلى سورة البراءة وأذن المؤذن العصر " طب 2 ص 315، ظم 5 ص 156 ".

2 - علي بن الأزهر أبو الحسن اللاحمي البغدادي المقرئ المتوفى 707، قرأ في يوم واحد بمحضر جماعة من القراء أخذت خطوطهم بتلاوته أربع ختمات إلا سبع " طبقات القراء ج 1 ص 526 " م - ومنهم من ختم بين المغرب والعشاء خمس ختمات قال الشعراوي : (1) دخل سيدي أبو العباس المصري الحريثي المتوفى 945 يوما فجلس عندي بعد المغرب إلى أن دخل وقت العشاء فقرأ خمس ختمات وأنا أسمع فذكرت ذلك لسيدي علي المرصفي المتوفى 930 فقال : يا ولدي ! أنا قرأت مرة حال سلوكي ثلثمائة ركعة وستين ختمة في اليوم والليلة كل درجة ختمة " هب 8 ص 75 ].

ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة ثمان ختمات أو أكثر.

منهم :

____________

(1) الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي الشافعي الإمام الفقيه المحدث الأصولي المتوفى 973.

40

1 - السيد ابن الكاتب، قال النووي : إن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعا في النهار، ومنهم السيد ابن الكاتب الصوفي رضي الله عنه (1) وعده من أولئك صاحب " خزينة الأسرار " ص 78 وقال : كان يختم بالنهار أربعا وبالليل أربعا، ويمكن حمله على مبادئ طي اللسان وبسط الزمان.

م - وقال صاحب " التوضيح " : أكثر ما بلغنا قراءة ثمان ختمات في اليوم والليلة، وقال السلمي : سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول : إن ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.

قاله العيني في " عمدة القاري " 9 ص 349.

2 - قال الشيخ عبد الحي الحنفي في " إقامة الحجة " ص 7 : ومنهم : علي بن أبي طالب فإنه كان يختم في اليوم ثمان ختمات كما ذكره بعض شراح البخاري ].

3 - بكر بن سهيل الدمياطي المتوفى 289 قال : هجرت أي بكرت يوم الجمعة فقرأت إلى العصر ثمان ختمات.

حكاه عنه الذهبي في " ميزان الاعتدال " ج 1 في ترجمته.

وقال القسطلاني (2) : رأيت أبا الطاهر (المقدسي) بالقدس سنة 867 وسمعت عنه إذ ذاك أنه كان يقرأ فيهما " في اليوم والليلة " أكثر من عشر ختمات : بل قال لي شيخ الاسلام البرهان بن أبي شريف أدام الله النفع بعلومه عنه : أنه كان يقرأ خمس عشرة في اليوم والليلة، وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني.

وقال : وقرأت في " الارشاد " : إن الشيخ نجم الدين الاصبهاني رأى رجلا من اليمن بالطواف ختم في شوط أو في أسبوع شك.

وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني والمدد الرحماني.

" إرشاد الساري 7 ص 199 ".

وقال الغزالي في " إحياء العلوم " 1 ص 319 : كان كرز بن وبرة مقيما بمكة فكان يطوف في كل يوم سبعين أسبوعا، وفي كل ليلة سبعين أسبوعا، وكان مع ذلك يختم القرآن في اليوم والليلة مرتين (3)، فحسب ذلك فكان عشرة فراسخ، ويكون مع كل أسبوع ركعتان فهو مائتان وثمانون ركعة وختمتان وعشرة فراسخ.

____________

(1) إرشاد الساري : 7 ص 199، و ج 8 ص 369، الفتاوى الحديثية ص 43.

(2) إرشاد الساري 7 ص 199، و ج 8 ص 396.

(3) مر في صحيفة 39 : إنه كان يختم في اليوم والليلة ثلاث ختمات.

41

وقال النازلي في " خزينة الأسرار " ص 78 : وقد روي عن الشيخ موسى السدراني من أصحاب الشيخ أبي مدين المغربي : إنه كان يختم في الليل والنهار سبعين ألف ختمة، ونقل عنه : إنه ابتدأ بعد تقبيل الحجر، وختم في محاذاة الباب، بحيث أنه سمعه بعض الأصحاب حرفا حرفا كذا ذكره في " الإحياء " وعلي القاري في " شرح المشكاة ".

وفي ص 180 من " خزينة الأسرار " : إن الشيخ أبو مدين المغربي أحد الثلاثة ورئيس الأوتاد الذي كان يختم القرآن كل يوم سبعين ألف ختمة.

وأخرج البخاري في صحيحه (1) عن أبي هريرة يرفعه قال : قال (صلى الله عليه وسلم) : خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج.

وقال القسطلاني في شرح هذا الحديث (2) : وفيه أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير.

وقال : قد دل هذا الحديث على أن الله تعالى يطوي الزمان (3) لمن شاء من عباده كما يطوي المكان لهم.

قال الأميني : إن هي إلا أساطير الأولين وخزعبلات السلف كتبتها يد الأوهام الباطلة، وكلها نصب عيني ابن تيمية وقومه لم تسمع من أحدهم فيها ركزا ولم تر منهم غميزة، وكان حقا على هذه السفاسف أن تكتب في طامور القصاصين، أو توارى في مطامير البراري، أو تقذف في طمطام البحار، أسفي على تلكم التآليف الفخمة الضخمة تحتوي مثل هذه الخرافات، أسفي على أولئك الأعلام يخضعون عليها ويرونها جديرا بالذكر، ولو كان يعلم ابن تيمية أن نظارة التنقيب تعرب عن هذه الخزايات بعد لأى من عمر الدهر لكان يختار لنفسه السكوت، وكف مدته عن صلاة أمير المؤمنين وولده الإمام السبط والسيد السجاد (عليهم السلام)، وما كان يحوم حومة العار إن عقل صالحه.

ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم

____________

(1) ج 1 ص 101 في كتاب التفسير في باب قوله تعالى : وآتينا داود زبورا.

و ج 2 ص 164 في أحاديث الأنبياء.

(2) إرشاد الساري 8 ص 396.

(3) كان حق المقام أن يقول : يطوى اللسان أو يقول : يبسط الزمان.

42

3
المحدث في الاسلام

أصفقت الأمة الإسلامية على أن في هذه الأمة لدة الامم السابقة أناس محدثون " على صيغة المفعول " وقد أخبر بذلك النبي الأعظم كما ورد في الصحاح والمسانيد من طرق الفريقين : " العامة والخاصة " والمحدث من تكلمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة، أو يلهم له ويلقى في روعه شئ من العلم على وجه الالهام و المكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، أو غير ذلك من المعاني التي يمكن أن يراد منه، فوجود من هذا شأنه من رجالات هذه الأمة مطبق عليه بين فرق الاسلام، بيد أن الخلاف في تشخيصه، فالشيعة ترى عليا أمير المؤمنين وأولاده الأئمة (صلوات الله عليهم) من المحدثين، وأهل السنة يرون منهم عمر بن الخطاب، وإليك نماذج من نصوص الفريقين :

نصوص أهل السنة :

أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب ج 2 ص 194 عن أبي هريرة قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر.

قال ابن عباس رضي الله عنهما : من نبي ولا محدث.

قال القسطلاني (1) : ليس قوله " فإن يكن " للترديد بل للتأكيد كقولك : إن يكن لي صديق ففلان.

إذ المراد إختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، وإذا ثبت أن هذا وجد في غير الأمة المفضولة فوجوده في هذه الأمة الفاضلة أحرى.

وقال في شرح قول ابن عباس " من نبي ولا محدث " : قد ثبت قول ابن عباس هذا لأبي ذر وسقط لغيره ووصله سفيان بن عيينة في أواخر جامعه وعبد بن حميد بلفظ : كان ابن عباس يقرأ : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

____________

(1) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 6 ص 99.

43

وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث الغار ج 2 ص 171 عن أبي هريرة مرفوعا : إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب.

قال القسطلاني في شرحه 5 ص 431 : قال المؤلف : يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة.

وقال الخطابي : يلقى الشئ في روعه، فكأنه قد حدث به يظن فيصيب ويخطر الشيئ بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء.

وقال في قوله " إن كان في أمتي " : قاله (صلى الله عليه وسلم) على سبيل التوقع وكأنه لم يكن اطلع (1) على أن ذلك كائن وقد وقع، وقصة : يا سارية الجبل (2) مشهورة مع غيرها.

وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عايشة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم.

قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون.

ورواه ابن الجوزي في " صفة الصفوة " 1 ص 104 وقال : حديث متفق عليه وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في " مشكل الآثار " 2 ص 257 بطرق شتى عن عايشة وأبي هريرة، وأخرج قراءة ابن عباس : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

قال : معنى قوله محدثون أي ملهمون، فكان عمر رضي الله عنه ينطق بما كان ينطق ملهما، ثم عد من ذلك ما قد روي عن أنس بن مالك قال قال عمر بن الخطاب : وافقني ربي أو وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله ! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى.

فنزلت : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب.

واجتمع على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نساؤه في الغيرة فقلت : عسى ربي إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت كذلك قال الأميني : إن كان هذا من القول بإلهام فعلى الاسلام السلام، وما أجهل القوم بالمناقب حتى أتوا بالطامات الكبرى كهذه وعدوها فضيلة، وعليهم إن عقلو

____________

(1) انظر إلى التناقض بين قوله هذا وبين ما مر من أن إن للتأكيد لا للترديد.

(2) سيوافيك في مناقب عمر : أن قصة : يا سارية الجبل.

موضوعة مكذوبة.

44

صالحهم إنكار مثل هذا القول على عمر، وفيه حط لمقام النبوة، ومسة على كرامة صاحب الرسالة (صلى اللّٰه عليه و آله).

قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف تفسير العلماء للمراد بمحدثون فقال ابن وهب : ملهمون، وقيل : مصيبون إذا ظنوا فكأنهم حدثوا بشئ فظنوه.

وقيل : تكلمهم الملائكة، وجاء في رواية : مكلمون.

وقال البخاري : يجري الصواب على ألسنتهم وفيه إثبات كرامات الأولياء.

وقال الحافظ محب الدين الطبري في " الرياض " 1 ص 199 : ومعنى محدثون والله أعلم أي يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدثهم الملائكة لا بوحي وإنما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة.

وقال القرطبي في تفسيره ج 12 ص 79 : قال ابن عطية : وجاء عن ابن عباس إنه كان يقرأ : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد الله ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.

قال مسلمة : فوجدنا المحدثين معتصمين بالنبوة - على قراءة ابن عباس - لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة، فأصابوا فيما تكلموا، وعصموا فيما نطقوا كعمر بن الخطاب في قصة سارية (1) وما تكلم به من البراهين العالية.

وأخرج الحافظ أبو زرعة حديث أبي هريرة في طرح التثريب في شرح التفريب 1 ص 88 بلفظ : لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال مكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي أحد فعمر.

وأخرجه البغوي في " المصابيح " 2 ص 270، والسيوطي في " الجامع الصغير "، وقال المناوي في شرح الجامع الصغير 4 ص 507 : قال القرطبي : " محدثون " بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن، وهو من القي في نفسه شئ على وجه الالهام والمكاشفة من

____________

(1) هو سارية بن زنيم بن عبد الله وكان من قصته أن عمر رضي الله عنه أمره على جيش وسيره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين، فوقع في خاطر سيدنا عمر وهو يخطب يوم الجمعة أن الجيش المذكور لاقى العدو وهم في بطن واد وقد هموا بالهزيمة وبالقرب منهم جبل فقال في أثناء خطبته : يا سارية ! الجبل الجبل.

ورفع صوته فألقاه الله في سمع سارية فانحاز بالناس إلى الجبل، وقاتلوا العدو من جانب واحد ففتح الله عليهم.

كذا في هامش تفسير القرطبي.

45

الملأ الأعلى، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلمه الملائكة بلا نبوة أو من إذا رأى رأيا أو ظن ظنا أصاب كأنه حدت به، والقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم الله بها من شاء من صالح عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء.

فإن يكن من أمتي منهم أحد فإنه عمر، كأنه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنه نبي، فلذلك أتى بلفظ إن بصورة الترديد.

قال القاضي : ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص قولك : إن كان لي صديق فهو زيد، فإن قائله لا يريد به الشك في صداقته بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره.

وقال القرطبي : قوله " فإن يكن " دليل على قلة وقوعه وندرته، وعلى أنه ليس المراد بالمحدثين المصيبون فيما يظنون لأنه كثير في العلماء بل وفي العوام من يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر وخصوصية عمر، ومعنى الخبر قد تحقق ووجد في عمر قطعا وإن كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يجزم بالوقوع، وقد دل على وقوعه لعمر أشياء كثيرة كقصة : الجبل يا سارية ! الجبل.

وغيره، وأصح ما يدل على ذلك شهادة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) له بذلك حيث قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه (1).

قال ابن حجر : وقد كثر هؤلاء المحدثون بعد العصر الأول وحكمته زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيها ومضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء، فلما فات هذه الأمة المحمدية كثرة الأنبياء لكون نبيهم خاتم الأنبياء عوضوا تكثير الملهمين.

* (تنبيه) *

قال الغزالي : قال بعض العارفين سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهد النفس فالتفت إلى شماله وقال : ما تقول رحمك الله ؟ ثم إلى يمينه كذلك، ثم أطرق إلى صدره فقال : ما تقول ؟ ثم أجاب فسألته عن التفاته ؟ فقال : لم يكن عندي علم فسألت الملكين فكل قال : لا أدري فسألت قلبي فحدثني بما أجبت فإذا هو أعلم منهما.

قال الغزالي : وكأن هذا معنى هذا الحديث. ا ه.

ويجد الباحث في طي كتب التراجم جمعا من كلمتهم الملائكة منهم : عمران بن

____________

(1) لم يصدق الخبر الخبر، بل : يكذبه التاريخ الصحيح وسيرة عمر المحفوظة في صفحات الكتب والمعاجم.

46

الحصين الخزاعي المتوفى سنة 52، أخرج أبو عمر في " الاستيعاب " 2 ص 455 : إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى.

وذكره ابن حجر في الإصابة 3 ص 26.

وقال ابن كثير في تاريخه 8 ص 60 : قد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوي انقطع عنه سلامهم، ثم عادوا قبل موته بقليل، فكانوا يسلمون عليه رضي الله عنه.

و في شذرات الذهب 1 ص 58 : إنه كان يسمع تسليم الملائكة عليه، ثم اكتوي بالنار فلم يسمعهم عاما، ثم أكرمه الله برد ذلك.

وذكر تسليم الملائكة عليه الحافظ العراقي في " طرح التثريب " ج 1 ص 90، وأبو الحجاج المزي في " تهذيب الكمال " كما في تلخيصه ص 250، وقال ابن سعد وابن الجوزي في " صفة الصفوة " 1 ص 283 : كانت الملائكة تصافحه.

وذكره ابن حجر في " تهذيب التهذيب " 8 ص 126.

ومنهم : أبو المعالي الصالح المتوفى 427، أخرج الحافظان ابنا الجوزي وكثير أن أبا المعالي أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان فعزم على الذهاب إلى رجل من ذوي قرابته ليستقرض منه شيئا قال : فبينما أنا أريده فنزل طائر فجلس على منكبي وقال : يا أبا المعالي أنا الملك الفلاني، لا تمضي إليه نحن نأتيك به.

قال : فبكر إلي الرجل " صف 2 ص 280، ظم 9 ص 136، يه 12 ص 163 ".

م - وقال أبو سليمان الخطابي : قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : " قد كان في الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر " وأنا أقول : فإن كان في هذا العصر أحد كان أبو عثمان المغربي " طب 9 : 113 ".

ومن هذا القبيل تكلم الحوراء مع أبي يحيى الناقد، أخرج الخطيب البغدادي وابن الجوزي عن أبي يحيى زكريا بن يحيى الناقد المتوفى 285 " أحد أثبات المحدثين " قال اشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول : وفيت بعهدك فها أنا التي قد اشتريتني (1).

* (هذا ما عند القوم وأما نصوص الشيعة) *

فأخرج ثقة الاسلام الكليني في كتابه " أصول الكافي " ص 84 تحت عنوان

____________

(1) طب 8 ص 362، ظم 6 ص 8، صف 2 ص 234، مناقب أحمد لابن الجوزي ص 510.

47

" باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث " أربعة أحاديث منها بإسناده عن بريد عن الإمامين الباقر والصادق (صلوات الله عليهما) في قوله عز وجل [ في سورة الحج ] : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

[ قال بريد ] : قلت : جعلت فداك ليست هذه قراءتنا (1) فما الرسول والنبي والمحدث ؟ قال : الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد، والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة.

قال : قلت أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى في النوم حق وأنه من الملك ؟ قال : يوفق لذلك حتى يعرفه، ولقد ختم الله عز وجل بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء.

وحديث آخر أيضا فصل بهذا البيان بين النبي والرسول والمحدث، وحديثان بالتفصيل المذكور غير أن فيهما مكان لفظة المحدث، الإمام.

أحدهما عن زرارة قال : سألت أبا جعفر ((عليه السلام))عن قول الله عز وجل : وكان رسولا نبيا.

ما الرسول ؟ وما النبي ؟ قال : النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك.

قلت : الإمام ما منزلته ؟ قال : يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

والثاني : عن إسماعيل بن مرار قال : كتب الحسن بن العباس المعروف إلى الرضا ((عليه السلام)): جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام ؟ قال : فكتب أو قال : الفرق بين الرسول والنبي والإمام : إن الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل ((عليه السلام))فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي، وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ((عليه السلام))والنبي ربما يسمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص.

هذا تمام ما في هذا الباب من الكافي وأخرج في ص 135 تحت عنوان " باب أن الأئمة ((عليهم السلام))محدثون مفهمون " خمسة أحاديث منها عن حمران بن أعين، قال : قال أبو جعفر ((عليه السلام)): إن عليا كان محدثا فخرجت إلى أصحابي فقلت : جئتكم

____________

(1) هي قراءة ابن عباس كما مر.

48

بعجيبة : فقالوا : وما هي إلا ؟ فقلت : سمعت أبا جعفر ((عليه السلام))يقول : كان علي محدثا، فقالوا : ما صنعت شيئا إلا سألته : من كان يحدثه ؟ فرجعت إليه فقلت : إني حدثت أصحابي بما حدثتني فقالوا : ما صنعت شيئا إلا سألته : من كان يحدثه ؟ فقال لي : يحدثه ملك.

قلت : تقول إنه نبي ؟ قال : فحرك يده هكذا، أو كصاحب سليمان، أو كصاحب موسى، أو كذي القرنين، أو ما بلغكم أنه قال : وفيكم مثله ؟ وحديث آخر ما ملخصه : إن عليا [ أمير المؤمنين ] كان يعرف قاتله ويعرف الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس بقول الله عز ذكره.

وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

وحديثان آخران أحدهما : أن أوصياء محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) محدثون.

والثاني : الأئمة علماء صادقون مفهمون محدثون.

والحديث الخامس في معنى المحدث وإنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص.

وليس في هذا الباب من كتاب الكافي غير ما ذكرناه.

وروى شيخ الطائفة في أماليه ص 260 بإسناده عن أبي عبد الله ((عليه السلام))قال : كان علي ((عليه السلام))محدثا، وكان سلمان محدثا قال : قلت : فما آية المحدث ؟ قال : يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت كيت.

وبالإسناد عن أبي عبد الله ((عليه السلام))قال : منا من ينكت في قلبه، ومنا من يقذف في قلبه، ومنا من يخاطب.

وبإسناده عن الحرث النصري قال : قلت لأبي عبد الله ((عليه السلام)): الذي يسأل عنه الإمام وليس عنده فيه شئ من أين يعلمه ؟ قال : ينكت في القلب نكتا، أو ينقر في الأذن نقرا، وقيل لأبي عبد الله ((عليه السلام)): إذا سئل كيف يجيب ؟ قال : إلهام وسماع وربما كانا جمعا.

وروى الصفار بإسناده في " بصائر الدرجات " عن حمران بن أعين قال : قلت لأبي جعفر ((عليه السلام)): ألست حدثتني إن عليا كان محدثا ؟ قال : بلى.

قلت : من يحدثه ؟ قال : ملك.

قلت : فأقول : إنه نبي أو رسول ؟ قال : لا.

بل مثله مثل صاحب سليمان، ومثل صاحب موسى، ومثل ذي القرنين، أما بلغك أن عليا سئل عن ذي القرنين ؟ فقالوا : كان نبيا ؟ قال : لا.

بل كان عبدا أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه.

49

وبإسناده عن حمران قال : قلت لأبي جعفر ((عليه السلام))ما موضع العلماء ؟ قال : مثل ذي القرنين، وصاحب سليمان، وصاحب داود.

وبالاسناد عن بريد قال : قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله ((عليهم السلام)): ما منزلكم ؟ بمن تشبهون ممن مضى ؟ فقال : كصاحب موسى، وذي القرنين، كانا عالمين ولم يكونا نبيين.

وبالاسناد عن عمار قال : قلت لأبي عبد الله ((عليه السلام)): ما منزلتهم ؟ أنبياء هم ؟ قال : لا.

ولكن هم علماء كمنزلة ذي القرنين في علمه، وكمنزلة صاحب موسى، وكمنزلة صاحب سليمان.

هذه جملة من أخبار الشيعة في الباب وهي كثيرة مبثوثة في كتبهم (1) وهذه رؤوسها، ومؤدى هذه الأحاديث هو الرأي العام عند الشيعة سلفا وخلفا، وفذلكته : أن في هذه الأمة أناس محدثون كما كان في الأمم الماضية، وأمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرون علماء محدثون وليسوا بأنبياء.

وهذا الوصف ليس من خاصة منصبهم ولا ينحصر بهم، بل : كانت الصديقة كريمة النبي الأعظم محدثة، وسلمان الفارسي محدثا.

نعم : كل الأئمة من العترة الطاهرة محدثون، وليس كل محدث بإمام، ومعنى المحدث هو العالم بالأشياء بإحدى الطرق الثلاث المفصلة في الأحاديث المتلوة، هذا ما عند الشيعة ليس إلا.

هذا منتهى القول عند الفريقين ونصوصهما في المحدث وأنت كما ترى لا يوجد أي خلاف بينهما، ولم تشذ الشيعة عن بقية المذاهب الإسلامية في هذا الموضوع بشئ من الشذوذ إلا في عدم عدهم عمر بن الخطاب من المحدثين، وذلك أخذا بسيرته الثابتة في صفحات التاريخ من ناحية علمه ولسنا في مقام البحث عنه (2) فهل من المعقول أن يعد هذا القول المتسالم عليه في المحدث لأمة من قائليه فضيلة رابية، وعلى الأخرى منهم ضلالا ومنقصة ؟ لاها الله.

هلم معي نسائل كيذبان الحجاز [ عبد الله القصيمي ] جرثومة النفاق، وبذرة الفساد

____________

(1) جمعها العلامة المجلسي في بحار الأنوار.

(2) سنوقفك على البحث عنه في الجزء السادس إنشاء الله.

50

في المجتمع كيف يرى في كتابه [ الصراع بين الاسلام والوثنية ] إن الأئمة من آل البيت عند الشيعة أنبياء وإنهم يوحى إليهم، وإن الملائكة تأتي إليهم بالوحي، وإنهم يزعمون لفاطمة وللأئمة من ولدها ما يزعمون للأنبياء ؟ ويستند في ذلك كله على مكاتبة الحسن بن العباس المذكور ص 47 نقلا عن الكافي، هلا يعلم هذا المغفل ؟ إن هذه المفتريات والقذائف على أمة كبيرة [ أطلت آرائها الصالحة على أرجاء الدنيا ] إن هي إلا مآل القول بالمحدث الوارد في الكتاب العزيز وتكلم الملائكة مع الأئمة من آل البيت وأمهم فاطمة البتول كما هو مقتضى استدلاله، وأهل الاسلام كلهم شرع سواء في ذلك.

أو للشيعي عندئذ أن يقول : إن عمر بن الخطاب وغيره من المحدثين على زعم العامة عندهم أنبياء يوحى إليهم، وإن الملائكة تأتي إليهم بالوحي ؟ لكن الشيعة علماء حكماء لا يخدشون العواطف بالدجل والتمويه وقول الزور، ولا يسمع لأحد من حملة روح التشيع، والنزعة العلوية الصحيحة، ومقتفى الآداب الجعفرية أن يتهم أمة كبيرة بالطامات، وحاشاها أن تشوه سمعتها بالأكاذيب والافائك، وتقذف الأمم بما هي برئية منه، أما كانت بين يدي الرجل تلكم النصوص الصريحة للشيعة على أن الأئمة علماء وليسوا بأنبياء ؟ أما كان صريح تلك الأحاديث بأن الأئمة مثلهم كمثل صاحب موسى، وصاحب سليمان، وذي القرنين ؟ أما كان في " الكافي " في الباب الذي قلبه الرجل على الشيعة قول الإمامين الباقر والصادق : لقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء ؟ نعم : هذه كلها كانت بمرأى من الرجل غير أن الإناء ينضح بما فيه، ووليد الروح الأموية الخبيثة وحامل نزعاتها الباطلة سدك بالقحة والسفالة، ولا ينفك عن الخنى والقذيعة، ومن شأن الأموي أن يتفعى ويمين ويأفك، ويهتك ناموس المسلمين، ويسلقهم بألسنة حداد، ويفتري على آل البيت وشيعتهم اقتداء بسلفه، وجريا على شنشنته الموروثة، ونحن نورد نص كلام الرجل ليكون الباحث على بصيرة من أمره، ويرى جهده البالغ في تشتيت صفوف الأمة، وشق عصا المسلمين بالبهت وقول الزور، قال في " الصراع " ج 1 ص 1 : الأئمة يوحى إليهم عند الشيعة، قال في " الكافي " : كتب الحسن بن العباس إلى الرضا يقول : ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام ؟ فقال : الرسول هو الذي ينزل