بيان الأصول - ج2

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
430 /
5

أبحاث الحجج: الأدلّة المعتبرة شرعا

المستثنيات من أصل الحرمة

خامس المستثنيات: الخبر الواحد

الخامس من الظنون الخاصّة، المستثناة عن أصل حرمة العمل بغير العلم، لاعتباره بالخصوص: الخبر الواحد، و استيفاء البحث عنه يقتضي رسم مقدّمة، و أمور، و تنبيهات.

المقدّمة و تمهيداتها

أمّا المقدّمة: ففي بيان تمهيدات:

التمهيد الأوّل‏

الأوّل: هل البحث عن الخبر الواحد هو من علم الأصول أم أنّه استطراد؟

لا إشكال في عدم كون مثله- و هو من أهمّ مباحثه- استطرادا، و إنّما البحث عن الوجه في ذلك.

6

وجه كون البحث في الخبر الواحد أصوليا و وجهه ما يلي:

1- ففي «القوانين»: إنّ موضوعه الأدلّة الأربعة، و ظاهرها: بعد ثبوت دليليتها، فيكون البحث عن الدليلية خارجا، و لا يكون مانعا، لثبوت الأصول العقلية.

2- و في «الفصول»: الموضوع ذوات الأدلّة الأربعة، ليكون البحث عن دليليتها مشمولا.

لكن يرد عليه: عدم الجمع، و عدم المنع.

أمّا عدم الجمع: فكالأصول العقلية.

و أمّا عدم المنع: فبدخول علم التفسير، و القراءة، و شئون الحديث من مباحث الدراية و نحوها، و كذا المباحث الفلسفية في ماهية العقل، و أقسامه، و نحو ذلك.

3- و في «الرسائل»: هل السنّة- بأقسامها الثلاثة: القول و الفعل و التقرير- تثبت بالخبر الواحد؟

و أشكله في «الكفاية»: بأنّه بحث عن مشكوك السنّة، فيكون من عوارض مشكوك السنّة، لا من عوارض نفس السنّة.

و أجاب في «الأصول»: بأنّه امتداد للسنّة.

و كذا البحث في الاستصحاب‏

و هكذا في باب الاستصحاب اختلفوا في أنّه هل هو:

1- مسألة أصولية.

7

2- أو قاعدة فقهية.

3- أو التفصيل بين الحكمية فأصولية، و الموضوعية ففقهية، للنائيني و عدد من تلاميذه (قدّس سرّهم).

4- أو التفصيل بين اعتباره بدليل العقل، أو بناء العقلاء، فأصولية، و بين اعتباره بدليل الشرع، فقاعدة فقهية- على إشكال- للخراساني و العراقي (قدّس سرّهما).

5- أو التفصيل بين كونه حكما فقهيا (تكليفيا أو وضعيا) فهو قاعدة فقهية، و بين كونه قاعدة أصولية كجواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص و عدمه، فهو مسألة أصولية (1).

6- أو التفصيل لما في الرسائل:

أ- بين الموضوعية ففقهية.

ب- و بين الحكمية إن اعتبرناه من دليل العقل لافادته الظنّ، فأصولية.

ج- و بين الحكمية إن اعتبرناه من باب الأخبار، ففقهية- على إشكال-؟

و حيث إنّ البحث في كليهما قليل الفائدة نكتفي بهذا الفهرس المذكور.

و سيأتي أكثر من ذلك في بحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

موضوع علم الأصول‏

و قد اخترنا في تعريف موضوع علم الأصول: إنّه «ما يصلح وقوعه في طريق الاستنباط قريبا، ممّا لم يبحث برأسه، و يتوقّف عليه الاستدلال في معظم الفقه».

____________

(1) تبيان الأصول: ج 3 ص 178 (مخطوط).

8

و هذا ينطبق على الخبر الواحد، لأنّه ممّا «يصلح وقوعه في طريق الاستنباط قريبا، ممّا لم يبحث برأسه، و يتوقّف عليه الاستدلال في معظم أبواب الفقه».

و أطلقنا: «الاستنباط» ليشمل الحكم بقسميه، و التنجيز و الإعذار، من الأدلّة العقلائية، و الاستلزامات العقلية، و نحوها.

و يؤيّد ذلك، أمور:

1- ذكر العلماء له في الأصول من الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) إلى اليوم.

2- التعبير ب: «الحجّة» خاصّ بالأصول، و أمّا في القواعد الفقهية فيعبّرون ب: «الثبوت» و نحوه غالبا.

و غير ذلك، ممّا سيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى في المقدّمة الثانية من مقدّمات الاستصحاب.

التمهيد الثاني‏

المراد من: الخبر الواحد، هو:

1- غير معلوم المضمون- وجدانا-.

2- و لا معلوم الحجّية- وجدانا أو تعبّدا-.

فالأوّل: و هو معلوم المضمون وجدانا: كالمتواترات لفظا: «كالصلاة عمود الدين» (1) على ما ادّعي.

أو معنى: «كصحّة الاعتكاف».

____________

(1) الوسائل: كتاب الصلاة، الباب 6 من أبواب أعداد الفرائض ح 12.

9

أو إجمالا: «كروايات البناء على الأكثر في الصلاة» و التعبير عنه بالتواتر- على حدّ تعبير الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه)(1)- توسّع، لأنّه علم اجمالي، لا تواتر اجمالي.

و الأخبار المحفوفة بالقرائن الموجبة للقطع و إن لم تكن متواترة، كما ذكره البعض في مثل: «نهج البلاغة» و «الصحيفة السجّادية».

و ليس هناك علم تعبّدي بالمضمون، إذ التعبّدي يعني: عدم العلم، فكيف يجتمع العلم بالمضمون و كونه تعبّديا.

و الثاني: و هو معلوم الحجّية: إمّا وجدانا كحجّية خبر الثقة إجمالا، و إمّا تعبّدا كاطلاق حجّية الأصول العملية.

و الخبر الواحد المراد به مثل حجّية خبر الثقة مطلقا في الموضوعات المهمّة، و غيرها.

التمهيد الثالث‏

لا إشكال كما لا خلاف- على ما سيتّضح إن شاء اللّه تعالى في نقل الإجماع- في حجّية ما في الكتب من أخبار الأحكام إجمالا، و ليس هو محلّ الكلام هنا، للأعمّ من العلم بصدورها- كما ادّعى السيّد (رحمه اللّه)- أو احتفافها بالقرائن القطعية، أو موافقتها للأدلّة الأربعة كما التزمه بعض المتقدّمين، أو لانسداد باب العلم، و حجّيتها بدليل الكشف أو الحكومة على ما ذكره المحقّق القمي (رحمه اللّه) في القوانين، و إنّما البحث عن «الخبر الواحد» مع الغض عن ذلك كلّه.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 1 ص 442.

10

إذا تمهّدت هذه الأمور فإنّ مباحث الخبر الواحد تتمّ ضمن أمور:

الخبر الواحد ضمن أمور

الأمر الأوّل‏

الأول: اختلف الأعلام في حجّية الخبر الواحد، فمنع جماعة من الأصحاب عن حجّيته، حتّى ألحقه بعضهم في عدم الحجّية بالقياس، بينما المشهور ذهبوا إلى حجّيته.

11

المانعون عن حجّية الخبر الواحد و أدلّتهم‏

أوّل أدلّة المانعين: الكتاب‏

استدلّ المانعون عن حجّية الخبر الواحد بالأدلّة الأربعة: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل.

أمّا الأوّل: و هو الكتاب الحكيم فآيات كريمات:

منها: قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (1) مع أنّه ظاهر في إبائه عن التخصيص، بضميمة: إنّ البحث في الخبر الواحد عن ما لا يوجب العلم، و ليس هو سوى الشكّ و الظنّ، فإذا بطل الظنّ- بكلّ مراتبه- بطل الشكّ بطريق أولى.

و فيه: إنّ أدلّة المثبتين تخرج خبر الثقة عن الظنّ إلى العلم (أي: العلمي).

و ما قيل: من أنّ الآية الكريمة في أصول الدين فلا يكون دليلا على عدم الحجّية في الفروع، لأهمية أصول الدين غير تامّ، إذ على فرض كون المورد أصول الدين، فالظاهر: إنّ الآية الكريمة ظاهرة في أنّها لبيان كبرى عدم حجّية الظنّ مطلقا في مقابل صغرى ادّعاء حجّيته في أصول الدين و ممّا يشهد لذلك قوله تعالى: مِنَ الْحَقِ‏ الشامل للفروع أيضا، فيشمل الأحكام أيضا.

____________

(1) النجم: 28.

12

و منها: التعليل في آية النبأ الكريمة: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ (1) و عموم العلّة يقتضي جعل «الفاسق» من باب المورد، مثل: لا تأكل الرمّان لأنّه حامض.

و فيه: إنّه إذا تمّت أدلّة المثبتين، فلا يكون العمل بالخبر الواحد جهالة، إمّا بالتخصّص أو التخصيص.

و منها: قوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ‏ (2) بضميمة:

إنّ في الخبر الواحد لا بدّ من وجود مخالف الواقع إجمالا- الذي العمل به إثم- إذ المراد بالاثم: الواقعي، لا المعلوم بالتفصيل فيكون العمل بالخبر الواحد مطلقا- مع هذا العلم الاجمالي- منهيا عنه.

و فيه: لا إشكال في أنّ المنهي عنه، ليس نفس الظنّ (الصفة النفسية) لأنّها ليست اختيارية، فلا تكون متعلّقة للتكليف المبني على العدل.

فإمّا يراد من‏ الظَّنِ‏ المقدّمات الاختيارية المنتهية إلى الظنّ، أو يراد به ترتيب الأثر على الظنّ.

و الأوّل: غير نافع في المقام.

و الثاني: يخرج عن الخبر الواحد- لأدلّة المثبتين- بالتخصّص.

مضافا إلى أنّ الآية الكريمة نهت عن الكثير، لا الكل، و أدلّة المثبتين- بالحكومة- تكشف الكثير عن غيره.

و لا مجال هنا لاحتمال الظنّ في أصول الدين، لأنّ الأمر بالاجتناب موجّه‏

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) الحجرات: 12.

13

إلى المؤمنين، فإنّ الآية الكريمة مصدّرة ب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.

و منها: قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) بضميمة: إبائها عن التخصيص. و الجواب عنها هو الجواب الآنف.

و منها: غير ذلك ممّا ذكر في المفصّلات.

ثاني أدلّة المانعين: السنّة

الثاني: و هو السنّة الشريفة فطوائف من الأخبار.

و قبل ذلك ينبغي تقديم بحث و هو:

إنّ السنّة المستدلّ بها على عدم حجّية الخبر الواحد: إمّا قطعية، أو هي من الخبر الواحد.

1- فإن كانت قطعية فلا إشكال ثبوتي فيها، لامكانه عقلا.

لكنّه ربما يقال بأنّه ممنوع إثباتا بالقطع الوجداني، بل التعبّدي، فتأمّل.

2- و إن كانت من الخبر الواحد، فإمّا لا يحتمل خصوصية في الخبر النافي دون المنفي، فهو مقطوع البطلان، لأنّه لا يلزم من حجّيته عدم حجّيته- لأنّه أيضا من الخبر الواحد على الفرض- و لا يمكن جعل الحجّية لما يلزم من حجّيته عدم حجّيته، لشمول اطلاق عدم الحجّية لنفس الخبر الثاني.

و إمّا يحتمل خصوصية في النافي لا توجد مثلها في المنفي، فلا يلزم من إحراز حجّية الثاني القطع بكذبه.

لكنّه في محل الاثبات مقطوع العدم.

____________

(1) الإسراء: 36.

14

نعم، يمكن تخصيص حجّية الأخبار ببعضها دون بعض لدليل معتبر مخرج لبعضها بالحكومة و نحوها، مثل: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا» (1) و نحوه.

لكن الكلام في اطلاق المنع لكلّ أقسام الخبر الواحد- غير المقطوع به-.

و بعد هذا التقديم أقول: إنّ ما استدلّ به أو يمكن الاستدلال به من الأخبار على عدم حجّية الخبر الواحد، طوائف:

الأخبار المستدلّ بها للمنع على طوائف‏

الطائفة الأولى‏

إحداها: ما دلّ على أنّ المخالف للكتاب باطل، أو زخرف، أو لم نقله، أو اضربه عرض الجدار، و نحوها (2).

و فيه: المراد بها المخالفة التباينية، أو العموم من وجه في مورد التوارد، لا مثل المقيّد و المخصّص، و ذلك:

أوّلا: لانصرافها إلى ذلك، و لذا لا يقال لمن خصّص كلامه أو قيّده إنّه خالف قول نفسه.

و ثانيا: هذه الطائفة تعارض ما دلّ على الأخذ بالأخبار، مثل: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنّا ثقاتنا» (3) و نحوه ممّا سيأتي إن شاء اللّه تعالى في بحث أدلّة المثبتين لحجّية الخبر الواحد، و التقديم للثاني من جهات‏

____________

(1) الوسائل: كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 42.

(2) انظر: الوسائل: كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 12 و 14 و 15 و 19 و 48.

(3) الوسائل: كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 40.

15

ستأتي إن شاء اللّه تعالى.

و ثالثا: الدليل أخصّ من المدّعى، فهل كلّ الأخبار كذلك؟

و رابعا: المأنوس بأسلوب كلمات المعصومين (عليهم السّلام) ربما يشرف على القطع بأنّ مثل: «زخرف» و «لم نقله» و «اضربه عرض الجدار» و «باطل» و نحوها (1)، يراد بها: مختلقات العامّة و المنحرفين من الشيعة بعد انحرافهم من أمثال: علي بن أبي حمزة البطائني، و زياد القندي، و أبي الخطّاب و أمثالهم، و ممّا كانوا ينسبونه إلى المعصومين (عليهم السّلام) كذبا و زورا، مثل رواية زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال- في حديث-: «و أمّا أبو الخطّاب فكذب عليّ و قال: إنّي أمرته أن لا يصلّي هو و أصحابه المغرب حتّى يروا كوكبا يقال له: القيداني، و اللّه إنّ ذلك الكوكب ما أعرفه» (2).

الطائفة الثانية

ثانيتها: ما دلّ على أنّ ما لا يوافق كتاب اللّه، أو ليس عليه شاهد أو شاهدان من كتاب اللّه، أو من سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)(3) لا اعتبار به.

بتقريب: أنّ المهمّ في حجّية الأخبار ما ليس حكمه في القرآن و السنّة النبوية المعتبرة، فيكون جميع هذه الأخبار من مصاديق: لا يوافق كتاب اللّه، و ليس عليه شاهد أو شاهدان.

و تفصيل بحث هذه الطائفة من الأخبار يأتي إن شاء اللّه تعالى في بحث‏

____________

(1) انظر: الوسائل: كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 12 و 14 و 15 و 19 و 48.

(2) جامع الأحاديث: كتاب الصلاة، الباب 16 من أبواب مواقيت الصلاة الحديث 33.

(3) انظر: الوسائل: كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 14 و 18 و 21.

16

التعادل و الترجيح.

و إجماله أوّلا: يلزم أن يكون الموافق، أو الشاهد من القرآن ظاهرا في معناه، و إلّا لم يكن حجّة دلالة.

1- فالمجمل مثل: غَسَقِ اللَّيْلِ‏ (1) حيث لم يعرف أنّه أوّله أو آخره.

2- و ما يصرفه العقل القطعي مثل: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ (2) و: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (3).

3- و ما يصرفه النقل، مثل آيات ترك الأولى من الأنبياء (عليهم السّلام).

4- و ما خالف الظاهر بالتأويل المتكلّف، كما فعله بعض المتصوّفة: من جعل العتب على هارون لا على عبّاد العجل و على نوح لا على المغرقين، و اعتبر الشيطان سيّد العابدين لأنّه لم ينخدع بالسجود لآدم (عليه السّلام).

و ثانيا: إنّ خبر الثقة و حجّيتها أخصّ مطلقا من ذلك.

و ثالثا: يعارضها ما دلّ على حجّية أخبار الثقات فيتساقطان، و يبقى بناء العقلاء على حجّية خبر الثقة.

تذنيب‏

ذكر بعض الأعلام: أنّ الخبر المروي في الكافي: «لو علم الناس كيف خلق اللّه تبارك و تعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحدا» (4) ممّا يجب طرحه لأنّه‏

____________

(1) سورة الإسراء: 78.

(2) سورة طه: 5.

(3) سورة القيامة: 23.

(4) الكافي: ج 2 ص 44 ح 1.

17

مخالف لكتاب اللّه لصراحته في الجبر.

و فيه نقضا: بما ظاهره الجبر في نفس كتاب اللّه، مثل: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ‏ (1) و الكلام الكلام.

وحلا: بأنّه من أخبار الطينة المفسّرة بالاقتضاء لا العلّية التامّة، و التفصيل في كتب أصول الدين، و البحار (2) و مصابيح الأنوار و نحوها.

الطائفة الثالثة

ثالثتها: ما دلّ على ترك الخبر الذي لم يعلم صدوره من المعصومين (عليهم السّلام)، مثل المروي في البصائر بسند صحيح- على الصحيح: من وثاقة محمّد بن عيسى ابن عبيد اليقطيني، و أنّ حدسه بأنّه خط الإمام الهادي (عليه السّلام) معتبر- و في السرائر بسند آخر فيه جهل على المشهور، عن الإمام الكاظم (عليه السّلام): «ما علمتم أنّه قولنا فألزموه، و ما لم تعلموه فردّوه إلينا» (3).

و أورد عليها أوّلا: بأنّها في مقام التعارض فهي أخصّ مطلقا، ففي أوّلها في السند المعتبر: «نسألك عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك، قد اختلف علينا فيه، كيف العمل به على اختلافه، أو الردّ إليك فيما اختلف فيه؟

فكتب (عليه السّلام) ...» (4).

و ثانيا: أنّه من الخبر الواحد الذي لا نحتمل (احتمالا عقلائيا) تميّزه عن‏

____________

(1) سورة الأعراف: 186.

(2) بحار الأنوار: ج 66 ص 164.

(3) جامع الأحاديث: الباب 6 من المقدّمات، ح 33.

(4) جامع الأحاديث: الباب 6 من المقدّمات، ح 33.

18

بقية الأخبار، فيكون حجّيته لازمة لعدم حجّيته.

و ثالثا: معارضتها بما دلّ على حجّية الأخبار و هي أقوى من هذا الخبر و نحوه. و أمّا الإشكال فيه بضعف السند، فلا يرد على المبنى.

ثالث أدلّة المانعين: الإجماع‏

و أمّا الإجماع على عدم حجّية الخبر الواحد: فقد ادّعاه السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في أجوبة المسائل الموصليات، بل ادّعى ضرورة المذهب عليه، و نسب الإجماع إلى الشيخ الطبرسي (رحمه اللّه) أيضا في مجمع البيان، و ربما نسب إلى غيرهما أيضا.

و فيه 1- صغرى: عدمه بالوجدان، بل ادّعي على خلافه الإجماع من الشيخ (رحمه اللّه) و هما إمّا متعارضان، أو إجماع الشيخ أقوى لأقربيته للواقع.

2- و كبرى: بأنّه إجماع محتمل الاستناد، بل معلومه.

ثمّ إنّ الوجه في إجماع السيّد المرتضى على عدم العمل بالأخبار الآحاد:

أ- إمّا يراد به في أصول الدين.

ب- أو يراد به نفي أخبار العامّة، و لكي يبقي على مشاعرهم نفى الكبرى.

ج- أو يراد به غير ما نحن فيه (من خبر الثقة المعتبر).

و يدلّ على ذلك:

أوّلا: عمل أصحاب المعصومين (عليهم السّلام) بأخبار الآحاد، حتّى السيّد المرتضى نفسه.

و ثانيا: إنّ الشيخ (رحمه اللّه) في العدّة قال: «المسموع من أشياخ الطائفة: إنّ الطائفة لا تعمل بأخبار الآحاد» ثمّ فسّره ببعض هذه المحامل.

19

رابع أدلّة المانعين: العقل‏

و أمّا العقل: فاستدلّ له بما استدلّ به في أصل التعبّد بغير العلم: من تحليل الحرام، و تحريم الحلال، و جمع المصلحة و المفسدة، و تفويت المصلحة، و الإلقاء في المفسدة، و نحو ذلك ممّا أجيب عنها مفصّلا.

استنتاج‏

و الحاصل: إنّه لا يظنّ بمن قال بعدم حجّية الخبر الواحد، أنّه أراد الخبر الجامع لشرائط الحجّية الخمسة و هي:

1- اعتبار السند.

2- ظهور الدلالة.

3- أصالة الجدّ.

4- عدم المعارضة المكافئة.

5- عدم الإعراض.

كما لا يظنّ بمن قال بحجّية الخبر الواحد، أنّه أراد حجّية فاقد الشروط الخمسة.

نعم في المعارضة المكافئة قول- سيأتي في بحث التزاحم و التعارض إن شاء اللّه تعالى- بالحجّية التخييرية كما أنّ في الإعراض قول بعدم مانعيته، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى أيضا.

و كذلك هناك نقاش بل خلاف في موضوعات هذه: من أنّ الاعتبار للسند ما هي حدوده؟ و أنّ الظهور ما هو ملاكه؟ و أنّ الإعراض أو العمل بم يتحقّقان؟

و غير ذلك ممّا يبحث كلّ في مجاله إن شاء اللّه تعالى.

20

الأمر الثاني‏

الثاني: في أدلّة المثبتين لحجّية الخبر الواحد، و هي عبارة عن الأدلّة الأربعة، و سيرة المتشرّعة، و بناء العقلاء.

المثبتون لحجّية الخبر الواحد و أدلّتهم‏

الدليل الأوّل: الكتاب‏

أمّا الدليل الأوّل من الأدلّة التي استدلّ بها المثبتون لحجّية الخبر الواحد فهو: دليل الكتاب و نبدأ به بإذن اللّه عالى و نقول ما يلي:

أمّا الكتاب: فآيات كريمات:

الآية الأولى: آية النبأ الكريمة

الآية الأولى من الآيات التي استدلّ بها لحجّية خبر العادل: آية النبأ الكريمة، و هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. (1)

و الاستدلال بها تارة بمفهوم الوصف، و أخرى بمفهوم الشرط، و ثالثة

____________

(1) سورة الحجرات: 6.

21

بالتعليل في آخر الآية الكريمة.

الاستدلال بمفهوم الوصف من جهات‏

أمّا الاستدلال بآية النبأ الكريمة على المفهوم من جهة الوصف فمن جهات عديدة:

الجهة الأولى‏

الأولى: إنّ الأصل في الوصف- سواء المعتمد منه على الموصوف أم لا- هو: الاحترازية، لأنّه قيد، و هو الأصل في القيود، و المقيّد عدم عند عدم قيده، فيكون للوصف مفهوم، بالانتفاء عند الانتفاء.

فيكون المعنى: إنّ التبيّن واجب عند خبر الفاسق، فإذا لم يكن خبر الفاسق- و يساوقه خبر العادل- فلا يجب التبيّن.

نقد الجهة الأولى‏

و أجاب المحقّق النائيني (رحمه اللّه): بأنّ الجملة الوصفية ساكتة عن ثبوت الحكم لفاقد الوصف، لا نافية.

أقول: أمّا جواب المحقّق النائيني (قدّس سرّه) فقد يكمّل: بأنّ المنتفي عن فاقد الوصف شخص الحكم لا نوعه، فلا مفهوم.

و أمّا أصل الاستدلال: فيؤخذ عليه:

أوّلا: ربما يقال باختلاف الوصف المعتمد على الموصوف: كزيد العالم، و بين غير المعتمد: كالعالم، بأنّ المعتمد خصوصا إذا اعتمد على معيّن: كزيد العالم، من حيث دلالته على تنويع الموصوف ربما يدلّ على المفهوم، بخلاف‏

22

غير المعتمد، فتأمّل.

و ثانيا: كون الأصل هنا بأيّ معنى؟

فإن كان بمعنى الغلبة، فلا يؤسّس ظهورا.

و إن كان بمعنى الظهور، فهو أوّل الكلام، و المشهور نفوه.

و إن كان بمعنى الأصل الشرعي، فلا دليل شرعي على مثله.

و يؤيّده: إنّه ما أكثر الوصف من النوعين في الشريعة، الذي لا مفهوم له.

و التزام المجاز في جميعها، غير تامّ.

الجهة الثانية

الثانية: ما هو ظاهر كلام الشيخ (رحمه اللّه) بتقريب منّا، و هو: إنّ علّة وجوب التبيّن: إمّا وصف فسق المخبر، و إمّا وصف مخبريته، و الأوّل: وصف عرفي، و الثاني: وصف ذاتي.

فإن كان الأوّل، كان معناه: إنّ علّة وجوب التبيّن هو: وصف الفسق، و المعلول عدم عند عدم علّته، فلا يجب التبيّن عند عدم الفسق، و هو المطلوب.

و إن كان الثاني: كان خلاف ظاهر الآية الكريمة، لأنّه إمّا أن يكون الوصف العرفي (الفسق) أيضا علّة، أم لا؟

و على الثاني: يكون خلاف ظاهر الاناطة بالفسق.

و على الأوّل: كان المقتضي نسبة المعلول إلى أسبق علله و هو الذاتي، و هو خلاف ظاهر الآية الكريمة.

23

نقد الجهة الثانية

و فيه أوّلا: المفهوم الحجّة استظهار، و هو مقام الإثبات لا الثبوت، فحصر مقام الاثبات في اثنين:

1- كون علّة التبيّن: الفسق.

2- و كونها: المخبرية.

غير تامّ، إذ قد يشكّ، فلا مفهوم.

و ثانيا: علّية الوصف العرفي (الفسق) مطلقا للتبيّن، لا تنفي علّية وصف آخر (العدالة) و لو في بعض الأحيان، كما إذا لم يكن من أهل الخبرة، أو كان ساذجا، أو نحوهما.

و بعبارة أخرى: إطلاق علّية خبر الفاسق للتبيّن، لا مفهوم له بحجّية خبر العادل مطلقا، فلعلّ هناك علّة أخرى للتبيّن تجتمع مع خبر العادل- و لو بالعموم من وجه- كالخبر الذي ظنّ خلافه، أو لم يظنّ صدقه، أو نحو ذلك.

و أمّا ما ردّ به بعضهم الشيخ: بأنّ قوله: «المعلول يسند إلى أسبق علله» غير مطلق، بل هذا في السبق الزماني فقط، دون الرتبي.

ففيه: أنّه لا فرق، أ لا ترى إسناد كسر الزجاج بسبب الخاتم إلى اليد المتحرّكة، مع أنّه لا سبق زماني.

و بالنتيجة: لا تكفي هذه الجهة الثانية لإثبات المفهوم للوصف.

الجهة الثالثة

الثالثة: ما يمكن أن يعتبر مرادا للشيخ (رحمه اللّه) في بعض تعبيراته و هو: إنّ الحجّية لها مقتض و مانع، ككلّ معلول بالنسبة لجزئي العلّة التامّة.

24

و الخبر إن لم يكن بنفسه حجّة كان لعدم المقتضي، و إن كان عدم الحجّية للفسق كان للمانع، و إناطته بالفسق إناطة بالمانع، فيكشف عرفا: إنّ الخبر بما هو، له مقتضى الحجّية.

نقد الجهة الثالثة

و فيه: إنّ إناطة عدم الحجّية بمانع لا يكشف عن عدم مانع آخر عند عدمه، فلعلّ المانع احتمال الخلاف، و حيث إنّ هذا المانع قوي مع الفسق، ذكر الفسق لاستمرار المانعية معه.

و الإناطة بالمانع الأقوى عقلائي، فإذا قال المولى لعبده: لا تحترم الظالمين فليس معناه: احترم غير الظالمين، سواء كانوا فسّاقا، أم لا؟

الجهة الرابعة

الرابعة: ذكر بعض المحقّقين في حاشية الكفاية: إنّ علّة وجوب التبيّن أحد أمور أربعة:

1- مجموع الوصفين علّة.

2- كلّ منهما مستقلا.

3- الوصف الذاتي علّة دون العرفي (الفسق).

4- عكس الثالث.

فإن كانت العلّة الوصف العرفي (الفسق) ثبت المطلوب.

و إن كانت العلّة مجموعهما، فكذلك، لانتفاء المعلول بانتفاء أحد أجزاء علّته.

25

و إن كانت العلّة الوصف الذاتي فقط، فهو خلاف ظاهر الآية الكريمة من إناطة وجوب التبيّن بالفسق.

و إن كان كلّ منهما مستقلا، فكذا خلاف ظاهر الإناطة بالعرفي فقط.

ثمّ أضاف: بأنّ استقلال كلّ للعلّية غير معقول، للزوم صدور الواحد عن الكثير.

نقد الجهة الرابعة

و فيه أوّلا: امتناع صدور الكثير عن الواحد غير تامّ في التكوينيات للفاعل المختار، و في الاعتباريات بطريق أولى، و خلافه أيضا.

فاللّه الواحد المختار عزّ و جلّ يصدر عنه الكثير، و كذا الإنسان الواحد المختار يصدر عنه الكلام و ضدّه و نقيضه، و يكتب الشي‏ء و ضدّه و نقيضه، و يعمل الشي‏ء و نقيضه و ضدّه، و هكذا.

هذا في التكوينيات.

و أمّا الاعتباريات: فدينار الحكومة، و نصف دينار الشعب، كلّ منهما يكون ثمنا للمجلّة.

و الشارع يعتبر قول الثقة المسلم في الأحكام الشرعية، و لا يعتبر مثله من الكافر.

و يعتبر فتوى المجتهد الإمامي الثقة، و لا يعتبر مثلها من غير الإمامي و إن كان ثقة، و هكذا ...

و كذا يمكن صدور الواحد عن الكثير الاعتباري، كالتداخل في الغسل، و كالاشارات و العلامات المحيطة بكربلاء من الجوانب الأربعة، فإنّ لها علّية

26

اعتبارية لإراءة كربلاء.

و ثانيا: يرد عليه ما تقدّم سابقا: من أنّ إناطة عدم الحجّية بالفسق، لا يلزم منه الانتفاء مطلقا عند الانتفاء.

حاصل الكلام‏

هذا كلّه في الاستدلال بمفهوم الوصف على حجّية خبر العادل، و قد تحصّل من ذلك كلّه: عدم وفائها بظهور الحجّية، نعم هناك قرائن حالية أو مقالية تكتنف الكلام و بمعونتها يدلّ الوصف على الانتفاء عند الانتفاء.

الاستدلال بمفهوم الشرط

و أمّا الاستدلال بآية النبأ على المفهوم من جهة الشرط، فذاك أيضا من وجوه عديدة عمدتها:

أن يكون الموضوع للقضية الشرطية: النبأ.

و المحمول: وجوب التبيّن.

و الشرط: مجي‏ء الفاسق به.

فيكون المفهوم: النبأ إن لم يجي‏ء به الفاسق فلا يجب تبيّنه.

و لعدم مجي‏ء الفاسق به فردان:

1- عدم خبر، فيكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

2- مجي‏ء غير الفاسق به، و هو ليس إلّا العدل على المشهور من عدم الواسطة.

و قيّد بعضهم- كما في الرسائل- من لزوم ضمّ مقدّمة مطوية و هي: عدم‏

27

أسوئية العادل من الفاسق، و هي مقدّمة عقلية.

و ناقش الشيخ في لزوم ضمّ هذه المقدّمة لكونها عقلية واضحة، فلا حاجة إلى ضمّها.

و لعلّ الحقّ مع الشيخ (رحمه اللّه).

معنى وجوب التبيّن‏

ثمّ إنّ هنا نقاشا بين الأعلام في معنى وجوب التبيّن إلى عدّة تفاسير، عمدتها اثنتان:

1- ما اختاره الشيخ (رحمه اللّه): من أنّ هذا الوجوب شرطي، و المشروط جواز العمل بخبر الفاسق، يعني: إذا أردت العمل بخبر الفاسق وجب عليك تبيّنه.

و مقدّمة عدم أسوئيّة العادل من الفاسق توجب العلم بحجّية خبره.

2- ما يدّعى: من أنّ وجوب التبيّن نفسي لا شرطي، كوجوب ردّ التحيّة إذا سلّم عليه أحد.

فيكون تكليفا للناس بفضح الفاسق عند مجيئه بالخبر.

و على هذا لا مفهوم يدلّ على حجّية خبر العادل، إذ المفهوم عدم هذا الوجوب النفسي عند عدم خبر للفاسق.

و فيه: إنّ هذا الوجوب النفسي خلاف ظهور الآية الكريمة في الطريقية إلى الواقع.

إشكالات ثلاثة

أشكل على دلالة آية النبأ الكريمة على حجّية خبر العادل بأمور يمكن‏

28

تصنيفها إلى أصناف ثلاثة:

فبعضها يرجع إلى إنكار أصل الظهور.

و بعضها إلى وجود مانع متّصل.

و بعضها إلى وجود مانع منفصل.

الإشكال الأوّل‏

أمّا الأوّل- و هو يرجع إلى إنكار أصل الظهور-: فهو أنّ الشرطية مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، فلا مفهوم للجملة، لعدم الموضوع لها عند عدم الشرط.

و لا يخفى أنّ الشرط- بالسبر و التقسيم- يكون على ثلاثة أقسام:

أحدها: أن لا يكون الشرط إلّا نفس الموضوع حقيقة، و لكن بصيغة الشرط مثل: «الولد إن رزقته فاختنه» و «البئر إن أوجدتها فضيّق فمها».

ثانيها: أن يكون الشرط أجنبيا عن نفس الموضوع، بل وصفا طارئا عليه، مثل: «الولد إن كان مؤدّبا فأكرمه».

ثالثها: أن يكون الشرط نحوا من وجود الموضوع، مع عدم انحصار الموضوع بهذا النحو من الوجود، بل إذا تخلّف الشرط، أمكن وجود الموضوع بنحو آخر، مثل أن يقال: «النبأ إذا أوجده الفاسق فتبيّنه» فإنّ إيجاد الفاسق للنبإ حصّة من وجود النبأ، و لكن كلّي النبأ غير منحصر بإيجاد الفاسق له، بل قد يوجده العادل.

استنتاج‏

فيبقى الكلام في أنّ الآية الكريمة ظاهرة في أي من هذه الأقسام؟

29

فإن كانت من القسم الأوّل فلا إشكال في عدم المفهوم.

و إن كانت من القسم الثاني فلا إشكال في المفهوم.

و إن كانت من القسم الثالث فالظاهر: إنّ لها مفهوم، لنفس العلّة التي من أجلها كان للقسم الثاني مفهوم.

إذ قد يستظهر هكذا: «نبأ الفاسق إذا جاء به يجب تبيّنه».

أو: «النبأ إذا جاء به الفاسق تبيّنه».

أو: «الجائي إن كان منبئا و هو فاسق فتبيّنه».

وجه استظهار المفهوم هو: الجملة التركيبية من هذه، و العرف ببابك.

و ليس الوجه رجوع الضمير المقدّر في «تبيّنوا» إلى «النبأ» و هو مطلق، لا نبأ الفاسق، فيكون النبأ أعمّ من الفاسق و غيره.

و ذلك لأنّ الضمير يرجع إلى المقصود من مرجعه، لا إلى لفظ مرجعه، فإذا قال: «الرجل إذا جاءك فأكرمه» يرجع الضمير إلى الرجل مقيّدا بالمجي‏ء، لا مطلق الرجل.

الإشكال الثاني‏

و أمّا الثاني- و هو يرجع إلى وجود المانع المتّصل بعد قبول مقتضى المفهوم-: فهو أنّ ذيل الآية الكريمة التعليل عام: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1) فيكون قرينة على إلغاء المفهوم.

نظير ما إذا قيل: زيد إن جاءك فأكرمه، لأنّه يستحبّ إدخال السرور على‏

____________

(1) سورة الحجرات: 6.

30

قلب المؤمن.

إذ التعليل مشتمل على «الجهالة» في التصرّف، و «احتمال الندم» على التصرّف، و كلاهما في العادل موجود، و أخفّيتهما في العادل منهما في الفاسق لا ينفي الصدق.

الإشكال الثاني و أجوبة ثلاثة:

الجواب الأوّل‏

و أجيب عنه بأجوبة ثلاثة تالية:

الأوّل: إنّ المفهوم أخصّ مطلقا من عموم التعليل، فيخصّص عموم التعليل بالمفهوم.

و أشكله في المصباح: بأنّ دلالة المفهوم بالاطلاق، و دلالة التعليل بالعموم، و مع التعارض يقدّم العام، لأقوائيته في الدلالة على العموم منها في الاطلاق، لاحتياج الاطلاق إلى مقدّمات الحكمة، و عدم تماميتها مع الظهور الوضعي للعام واضح.

و فيه أوّلا: ليس في التعليل عموم اصطلاحي وضعي، و إنّما هو أيضا اطلاق.

و المراد بالعموم: عدم الاقتصار على مورد الحكم المعلّل.

و ثانيا: أصل تقدّم العموم الاصطلاحي على الاطلاق الاصطلاحي- دائما- في غير ما إذا كان أظهر عرفا محلّ إشكال، بل يتساقطان، و قد يكون الأقوى دلالة عرفا فيقدّم.

31

مثل: عموم‏ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ (1) مع اطلاق غير المؤمن مبغوض عند اللّه تعالى، حيث يخصّص باطلاق الثاني عموم الأوّل، و يلتزم بعدم اعطاء الزكاة لغير المؤمن.

مناقشة الجواب الأوّل‏

ثمّ إنّه أورد على هذا الجواب بأمور:

أحدها: إنّ مقام التعليل مقام النظر إلى المعلّل بما له من المنطوق و المفهوم، و له نوع حكومة عرفية على المعلّل.

ثانيها: التعليل ظاهر في التعميم و إلغاء خصوصية المورد، فيكون معارضا مع المفهوم الأخصّ لا محكوما له.

ثالثها: على أن يكون المفهوم: إذا لم يجي‏ء الفاسق بالنبإ فلا يجب التبيّن، فاطلاقه يشمل عدم نبأ، أو نبأ العادل، و هذا الاطلاق يعارض اطلاق التعليل، فيسقط المفهوم.

الجواب الثاني‏

الثاني: للمحقّق النائيني و جمهرة من تلاميذه، من حكومة المفهوم على التعليل، بدعوى أنّ الحجّية معناها جعل الطريقية و العلمية، و مع هذا الجعل يكون المفهوم حاكما على التعليل، إذ ليس المجعول حجّة (خبر العادل) جهلا، فلا يستعقب الندم.

____________

(1) سورة التوبة: 60.

32

مناقشة الجواب الثاني‏

و فيه أوّلا: لا تلازم عرفي بين جعل الحجّية، و جعل العلمية، بل جعل الحجّية على أنحاء:

1- فقد يكون بلسان جعل العلمية.

2- و قد يكون بلسان جعل المنجّزية و المعذّرية.

3- و قد يكون بلسان جعل الحجّية، و دونك ألسنة جعل بعض الأمارات:

أ- أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى‏ (1) ظاهر في جعل الطريقية و العلم.

ب- «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه» (2) فإنّه جعل المنجّزية و المعذّرية.

ج- «فإنّهم حجّتي عليكم» (3) فإنّه ظاهر في جعل الحجّية نفسها.

بل قد يعبّر عن أمارة واحدة بتعبيرات عديدة، مثل: «فإنّهم حجّتي» (4) الظاهر في جعل الحجّية، و مثل: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنّا ثقاتنا» (5) فإنّه ظاهر في جعل المنجّزية.

و ثانيا: لو سلّم أنّ الحجّية مساوقة مع جعل العلمية، كان نفي الحجّية أيضا مساوقا لنفي العلمية- في عرض واحد- فيتعارض المفهوم مع التعليل أيضا.

____________

(1) سورة البقرة: 282.

(2) جامع أحاديث الشيعة: الباب 12 من أبواب ما ينقض الوضوء، ح 2.

(3) الوسائل: كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.

(4) الوسائل: كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.

(5) الوسائل: كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40.

33

و ثالثا: ما في حاشية المحقّق الأصفهاني بلزوم الدور، لأنّ حاكمية المفهوم على التعليل متوقّف على انعقاد المفهوم، و انعقاده فرع عدم عموم التعليل، لأنّه متّصل به، فإذا أريد إثبات عدم عموم التعليل بحكومة المفهوم كان دورا.

و فيه نقضا: بجميع الحكومات التي لا نظر للدليل الحاكم فيها إلى الدليل المحكوم، كحكومة الأمارات على الأصول، كالبيّنة على الاستصحاب- مثلا- فإنّه أيضا يمكن تصوير هذا الدور فيه، فيقال: حجّية البيّنة متوقّفة على عدم شمول الاستصحاب المخالف لها، و عدم شموله متوقّف على حجّية البيّنة.

وحلا: بأنّ الدليل الحاكم لأقوائيته لا يدع مجالا للدليل المحكوم، فلا دور.

الجواب الثالث‏

الثالث: للكفاية، بتفسير «الجهالة» بالسفاهة التي هي جهالة عملا، لا الجهالة ضدّ العلم، و العمل بخبر العادل ليس سفاهة عند العقلاء، فله خروج موضوعي عن التعليل.

مناقشة الجواب الثالث‏

و أشكله بعض المحقّقين: بأنّ العمل بخبر العادل إن لم يكن سفهيّا، فلا حاجة إلى الاستدلال بالمفهوم.

و إن كان سفهيا شمله التعليل، فيتعارض مع المفهوم و يتساقطان.

و ردّ: باختيار الأوّل، و عدم الحاجة إلى الآية الكريمة في الاستدلال‏

34

بحجّية خبر العادل، لا يضرّ، بعد معقوليّته و كثرة نظائره في الكتاب و السنّة من الاستدلال بالأدلّة العقلائية.

مناقشة أخرى‏

و أشكل آخر على الكفاية: بأنّ الحمل على السفاهة غير مناسب مع مقام الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) من العصمة و نحوها.

ففيه- مضافا إلى أنّ الجهل ضدّ العلم أيضا غير مناسب مع مقام الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)، و إلى أنّ المخاطب- بالكسر- هو اللّه تعالى، الذي خاطب الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) بأشدّ من ذلك، مثل: اتَّقِ اللَّهَ‏ (1) و مثل: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ (2)؟

و نحوهما، و خاطب نوح (عليه السّلام) بمثل: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ (3) و بأنّه من باب: «إيّاك أعني» (4) و لا إشكال فيه-:

إنّ المخاطب بالآية المؤمنون لا النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، لابتداء الآية ب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (5) و بعد الآية: وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ ... (6).

____________

(1) سورة الأحزاب: 1.

(2) سورة التوبة: 43.

(3) سورة هود: 46.

(4) مجمع البيان: ج 8 ص 414 هامش رقم (1).

(5) سورة الحجرات: 6.

(6) سورة الحجرات: 7.

35

مناقشة ثالثة

و أشكل ثالث على الكفاية: بأنّ احتمال التفسير ب «السفاهة» لا يدفع احتمال الجهل بمعنى ضدّ العلم، فيحتمل سقوط المفهوم.

و هنا إشكال آخر في المانع عن حجّية المفهوم للآية الكريمة، ذكره بعض من عاصرناهم تبعا لشيخه، و الصيغة للشيخ المذكور قال ما يلي:

«النبأ» إن أريد به الطبيعي لزم منه وجوب التبيّن عن نبأ العادل أيضا إن جاء الفاسق بنبإ ما، و هذا غريب غير مقصود قطعا.

و إن أريد به نبأ خاص لزم وجوده خارجا، فهذا خلاف الشرطية الظاهرة في الاطلاق.

مضافا إلى أنّ نبأ الفاسق يكون مجي‏ء الفاسق به محقّقا للموضوع، فلا مفهوم.

و فيه: المراد طبيعي النبأ، و لكنّه- كما هو الظاهر- على نحو القضية الحقيقية، فتنحلّ إلى أفراد بعدد النبأ، في المنطوق و المفهوم جميعا.

الإشكال الثالث ضمن أمور:

الأمر الأوّل‏

و أمّا الثالث- و هو يرجع إلى وجود المانع المنفصل عن حجّية المفهوم- فأمور:

أحدها: ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) تبعا لمن تقدّمه: من أنّ مورد الآية هو الشبهة الموضوعية، و ليس خبر العادل حجّة فيه، و خروج المورد غير صحيح.

فإمّا أن يحمل الشرط على ما لا مفهوم له، أو يعارض المفهوم ما دلّ على‏

36

عدم حجّية العادل الواحد، فيسقط المفهوم، فلا يمكن إثبات الخبر في الشبهة الحكمية بالمفهوم.

و أجاب الشيخ (رحمه اللّه): بأنّ ما دلّ على عدم حجّية الواحد في الموضوعات مقيّد لإطلاق المفهوم، لا مخرج لمورده.

أقول: هنا مطالب:

1- هذا الإشكال غير وارد على مبنى حجّية خبر الثقة في الموضوعات كما هو المشهور بين المتأخرين، و المنصور.

2- قال بعضهم: إنّ تقييد المفهوم باخراج المورد جائز- و إن لم يجز عن المنطوق-.

3- إنّ جواب الشيخ (رحمه اللّه) عبارة أخرى عن عدم حجّية العدل الواحد في الموضوعات، إذ أيّ فرق بين هاتين العبارتين: «العدل الواحد في الموضوعات غير حجّة» أو: «العدل الواحد في الموضوعات حجّة بشرط ضمّ عدل آخر إليه»؟

الأمر الثاني‏

ثانيها: كيف يلزم التبيّن عن خبر الفاسق مع أنّ الفسق أعمّ من الكذب، و أعمّ من اللسان، و خبر الثقة اللساني حجّة- على المشهور- و إن كان فاسقا، كعلي بن أبي حمزة البطائني، و نحوه؟

فإذا كان المنطوق يراد به غير ظاهره لم ينعقد له مفهوم، إذ المفهوم تابع لظهور المنطوق.

و الجواب أوّلا: الفسق إمّا ظاهر في مطلق مقابل العدالة- الشامل للكذب‏

37

و غيره- فتحقّق المفهوم للجملة الشرطية حينئذ واضح.

أو ظاهر في الفسق بمعنى الكذب، فيكون المفهوم: حجّية خبر الثقة.

أو مجمل بينهما، فيكون ظاهرا في حجّية إمّا خبر العادل، أو خبر الثقة.

فتحقّق المفهوم يكون بلا إشكال.

و ثانيا: إن أريد بالفسق: الكذب بقرينة العلّة، إذ الاصابة بالجهالة تكون صادقة بالحمل الشائع مع الكذب، دون مطلق الفسق القلبي أو الجوارحي الآخر، كان المفهوم: حجّية خبر الثقة.

و إن أريد بالفسق: الأعمّ من الكذب، كان حجّية خبر الثقة خروجا من المنطوق بالتخصيص.

الأمر الثالث‏

ثالثها: يلزم من حجّية الخبر عدمها، لنقل الإجماع من السيّد المرتضى على عدم حجّية الخبر الواحد.

و فيه أوّلا: الإجماع خبر حدسي، و ما نحن فيه بحث عن الخبر الحسّي.

و ثانيا: على فرض التعارض يقدّم الحسّ على الحدس، فإذا نقل ثقة عن زيد إنّه قال كذا، و قال آخر: مثل زيد لا يقول ذلك حدسا منه، قدّم الحسّ.

و ثالثا: إنّه معارض بإجماع الشيخ (رحمه اللّه) على حجّية الخبر الواحد، لا من باب الأخذ بأكثر الحجّتين و إن لم نستبعده تبعا لجمع، و إجماع الشيخ أكثر لقوّته بإجماعات آخرين، و شواهد من الأدلّة الأخرى‏ (1).

____________

(1) لقد بحثنا تقدّم إحدى الحجّتين على الأخرى بالأقوائية في تعارض البيّنتين من شرح تقليد العروة و إن كان محلّ بحثه كتاب القضاء.

38

و رابعا: الأمر دائر بين شمول أدلّة حجّية الخبر، لخبر السيّد المرتضى، و عدم شموله لألوف الأخبار، و هو مستهجن، فينعكس.

و خامسا: ما يلزم من وجوده عدمه محال، نظير: كلّ خبري كاذب.

تنبيه شبهة الواسطة في الخبر

إنّ الشيخ (رحمه اللّه) و تبعه من بعده، ذكروا إشكال حجّية الخبر مع الواسطة- و هو يعمّ كلّ ما بأيدينا من الأخبار- و نحن نذكره و إن كان لا ربط له بخصوص دلالة آية النبأ الكريمة على حجّية الخبر الواحد.

و حاصل الإشكال: لزوم أخذ الحكم في موضوعه و اتّحاده به، و هو محال، للتناقض بوجود الحكم و عدمه في آن واحد.

إذ موضوع الحجّية حقيقة قد ركّب من أمرين:

1- الخبر الذي جاء به العادل.

2- أن يكون له أثر شرعي.

فإخبار الكليني عن الصفّار عن المعصوم (عليه السّلام) خبر جاء به العادل و هو الكليني، و لكن لا أثر شرعي له، إذ نتيجة حجّية قول الكليني، ثبوت قول للصفّار، و هو ليس أثرا شرعيا.

جواب الشبهة من وجوه:

الوجه الأوّل‏

و الجواب عن الشبهة من وجوه:

الأوّل: إنّ الأثر الشرعي لتصديق الكليني: (رحمه اللّه) هو خبر الصفّار- لا بما هو

39

خبر الصفّار مطلقا- بل بما هو خبره عن المعصوم (عليه السّلام).

فيكون الخبر مع الواسطة بمنزلة الخبر بلا واسطة و إن تعدّدت الوسائط.

مثلا: في الخبر ذي خمس وسائط، يكون تصديق الكليني (رحمه اللّه) هو خبر الصفّار و أربعة آخرين من الوسائط المنتهية إلى خبر المعصوم (عليه السّلام).

و لذا إذا كان في الوسائط شخص غير حجّة، لا يشمل «صدق العادل» خبر الكليني (رحمه اللّه) المنتهية إليه.

الوجه الثاني‏

الثاني: ما ذكره المحقّق الأصفهاني عن بعض أجلّة عصره، و حاصله: إنّ الإخبار عن إخبار أمارة على الأمارة، و الأمارة على الأمارة ... أمارة على الواقع.

الوجه الثالث‏

الثالث: ما ذكره في الكفاية: من الجزم بوحدة المناط بين الخبر مع الواسطة، معه بلا واسطة، و إن كان دليل الحجّية بمدلوله اللفظي لا يشمل الإخبار مع الواسطة.

و الإشكال: «بأنّ ملاك جعل الحجّية الكاشفية و الطريقية، و هي في الخبر بلا واسطة أقوى منه مع الواسطة، فلا جزم بالمناط» غير تامّ، إذ المناط لا يشترط فيه الأولوية بل و لا المساواة، و إنّما العلّية العرفية، نظير استفادة حجّية خبر الثقة من أدلّة حجّية خبر العادل، مع أنّ الثقة ليس أولى من مطلق الثقة، و لا مساويا له، بل العادل ثقة و زيادة.

40

الوجه الرابع‏

الرابع: ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه): من أنّ لزوم أخذ الحكم في موضوعه، أو تقدّم الحكم على موضوعه، إنّما هو فيما إذا كانت قضية خارجية، أمّا القضية الحقيقية فلا، و ذلك لأنّ معنى القضية الحقيقية: قضية شرطية موضوعها: «كلّما وجد».

و صدّق العادل ظاهره العرفي هكذا: «كلّما وجد خبر عادل صدّقه» و لا فرق فيه بين أن يكون وجوده وجدانيا، أو تعبّديا.

فخبر الكليني (رحمه اللّه) يصدق عليه: «وجد وجدانا خبر عادل» و خبر الصفّار يصدق عليه: «وجد تعبّدا خبر عادل».

كما لا فرق بين أن يكون سبب وجود أحدهما وجود الآخر، أم لا؟ نظير:

«كلّ خبري صادق» لا مثل: «كلّ خبري كاذب» لأنّه يستلزم من وجوده عدمه.

الوجه الخامس‏

الخامس: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه اللّه): من أنّه بناء على مبناه: من كون المجعول في باب الحجّية: الطريقية العلمية، لا يأتي محذور أخذ الحكم في موضوعه، أو تقدّم الحكم على موضوعه، رأسا.

و ذلك: لأنّ معنى حجّية قول الكليني: قال الصفّار: «العلم بقول الصفّار علما تعبّديا» و قول الصفّار علم تعبّدي بقول المعصوم (عليه السّلام) فيكون نظير العلم بالعلم بالتكليف.

و لا يشترط فيه الأثر، نعم جعل العلم بلا أثر لغو.

و فيه أوّلا: ما تقدّم من أنّ المجعول في أبواب الحجج: التنجيز و الإعذار، لا العلمية و الطريقية.

41

و ثانيا: العلم بالعلم بالتكليف لا نتعقّله إلّا عبارة أخرى عن العلم بالتكليف.

و ثالثا: يأتي نفس المحذور، إذ «قول الكليني علم تعبّدي بقول الصفّار» يكون موضوعه: «قول الكليني» و حكمه: «علم تعبّدي» فهو أخذ الحكم في موضوعه: «قال الصفّار».

ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رحمه اللّه) ذكر هنا إشكالا آخر على الخبر مع الواسطة، و هو: اتّحاد الحاكم و المحكوم، و ذلك لأنّ حجّية قول الكليني حيث إنّه يوجد به موضوع خبر الصفّار يكون حاكما عليه، فإذا كان دليل الحجّيتين واحدا، لزم اتّحاد الحاكم و المحكوم و هو محال.

و لم يذكر المحقّق النائيني (رحمه اللّه) في فوائد الأصول- الذي نقل عنه الإشكال- وجه المحالية.

ثمّ إنّ الاستدلال بالتعليل- أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ... على حجّية خبر العادل بل الثقة، و مباحثه و مناقشاته- قد ذكره الشيخ في الفرائد بما هو كاف واف، فلا نتعرّض له اكتفاء بذلك.

الآية الثانية: آية النفر الكريمة

الآية الثانية من الآيات التي استدلّ به على حجّية خبر العادل: آية النفر الكريمة و هي قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ‏

42

يَحْذَرُونَ‏ (1).

استدلّ بها على حجّية الخبر الواحد، و بعضهم كالمحقّق النائيني (رحمه اللّه) و جمع من أتباعه جعلوها أقوى الآيات دلالة، و بعضهم جعلها أضعفها، حتّى شبّه دلالتها على حجّية الخبر الواحد بدلالة الحديث الشريف: «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا ينتفعون بها، بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما» (2) عليه.

أدلّة وجوب الحذر عند الإنذار

و استدلّ على وجوب الحذر عند إنذار المنذر- و لو لم يحصل العلم- من وجوه عديدة:

أحدها: من جهة: «لعلّ» الموضوعة للتوقّع و الترجّي، أو المفهوم منها بالقرينة كما في الأصول‏ (3).

و مقتضى أصالة التطابق بين عالمي: الإثبات و الثبوت، و إن كان الترجّي الحقيقي، إلّا أنّ استحالته بالنسبة إلى اللّه تعالى- لملازمته للجهل، تعالى عنه علوا كبيرا- أوجب المصير إلى أقرب المجازات الجدّية و هو: المطلوبية و المحبوبية.

و المطلوبية تلازم الوجوب، إذ المتحذّر منه في المقام العقاب الأخروي الملازم مجرّد احتماله للتنجّز.

و إطلاق الآية الكريمة شامل لموارد عدم حصول العلم من الإنذار.

____________

(1) سورة التوبة: 122.

(2) الوسائل: كتاب القضاء، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 72.

(3) الأصول: ج 6 ص 32.

43

ثانيها: إطلاق وجوب الإنذار حتّى في صورة عدم حصول العلم منه، فلو لم يجب التحذّر و القبول كان لغوا.

ثالثها: جعل التحذّر في الآية الكريمة غاية لوجوب الإنذار.

مناقشة أدلّة الوجوب‏

ثمّ إنّه أشكل على الوجوه الآنفة بما يلي:

الأوّل: ما عن المحقّق الأصفهاني: من أنّ «لعلّ» أعمّ من الترجّي المطلوب، لأنّه يستعمل لمطلق الترقّب الأعمّ من ترقّب المكروه كما في الدعاء عن الإمام السجّاد (عليه السّلام): «لعلّك عن بابك طردتني» (1) «أو لعلّك رأيتني آلف مجالس البطّالين فبيني و بينهم خلّيتني» (2).

الثاني: دعوى المنع عن إطلاق الآية الكريمة الشامل لصورة عدم العلم، و الآية الكريمة ليست في مقام البيان من هذه الجهة، و لعلّ هذا هو أقوى إشكال.

الثالث: ما في رسائل الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): من أنّ متعلّق الإنذار الحكم الواقعي، و لا معنى للحجّية مع العلم بالحكم الواقعي.

و فيه: الحكم الواقعي ليس مستقلا عن الظاهري، بل الظاهري إمّا يوافق الواقع فهو، أم لا، فالتنجيز و الإعذار.

الرابع: إنّ «التفقّه» ظاهر في الفتوى، و «الإنذار» ظاهر في الوعظ.

و فيه: التفقّه بمعناه الأعمّ- مضافا إلى التبادر- ما استدلّ به في تفسير الآية الكريمة من روايات الفحص عن الإمام المعصوم (عليه السّلام) حيث لا حجّية للحدس‏

____________

(1) مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي (رحمه اللّه) دعاء السحر في شهر رمضان: ص 587.

(2) مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي (رحمه اللّه) دعاء السحر في شهر رمضان: ص 587.

44

فيه.

و الحذر في الخبر في الأحكام و الموضوعات ذوات الأحكام موجود مطابقة أو التزاما.

و أشكل تاليا للإشكال الثاني: بأنّ الآية الكريمة بصدد أصل الأمر، لا الخصوصيات، كآية الصيد: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏ (1).

و أجيب: بأنّه ما لم تثبت خصوصية كان المرجع الظاهر.

و خصوصية الإنذار دون التبشير للعلّية.

و الاطلاق يشمل الأصول و الفروع، و نقل الاختصاص بكلّ منهما في غير محلّه.

الآية الثالثة: آية الكتمان الكريمة

الآية الثالثة من الآيات التي استدلّ به على حجّية خبر العادل: آية الكتمان الكريمة و هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (2).

قال بعضهم: البيّنات: الموضوعات، و الهدى: الأحكام، لكن قد يكون من العطف التفسيري التوضيحي.

و المورد في علماء اليهود إذ كتموا علمهم بنبوّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو في علماء العامّة إذ كتموا إمامة الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) لا يخصّص عموم الوارد كما لا يخفى.

و بالملاك القطعي تشمل الآية الكريمة السنّة الشريفة أيضا، و التقييد

____________

(1) سورة المائدة: 4.

(2) سورة البقرة: 159.

45

ب: «في الكتاب» لا خصوصية له، بعد كون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته عدل القرآن الحكيم، و حجّية قولهم كحجّيته بنصّ القرآن الحكيم: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ... (1) و متواتر الروايات‏ (2).

توقّف الاستدلال على أمور

و الاستدلال بآية الكتمان الكريمة يتوقّف على أمور:

1- على الملازمة- عقلا، أو عرفا، أو شرعا- بين حرمة الكتمان، و بين القبول.

2- و على الاطلاق في حرمة الكتمان.

3- و على إطلاق حجّية الخبر.

أمّا الثالث فواضح و لا إشكال فيه، للزوم التساوي بين كلّ متلازمين، أو متضايفين، أو متضادّين، أو متناقضين، أو متماثلين، إذ لو كان غير التساوي لزم الخلف.

و إنّما الإشكال في الأوّلين:

أمّا الأوّل: فأشكله الآخوند (رحمه اللّه): بأنّه يمكن أن يكون حرمة الكتمان لوضوح الحقّ بسبب كثرة من أفشاه و بيّنه.

و لعلّ ذيل الآية الكريمة: يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (3) يؤيّد ذلك، إذ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي كون الحرمة عظيمة جدّا، و لا تكون في غير

____________

(1) سورة الحشر: 7.

(2) انظر الوسائل: كتاب القضاء، الباب 7- 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) سورة البقرة: 159.

46

مثل إنكار شي‏ء واضح جدّا.

و أمّا الثاني: فأشكله الشيخ (رحمه اللّه): باحتمال عقلائي للإهمال في الحرمة لا إطلاقها، أو استظهار الاختصاص بما إذا أفاد العلم لا مطلقا، أو نحوهما.

ثمّ إنّه أشكل على الاستدلال بالآية الكريمة بأمور:

أحدها: التلازم بين وجوبي: الإخبار و القبول، إنّما هو بشرطين:

1- كون الأمر لا يعرف إلّا من قبله.

2- و في زمان يملك الأمر.

ثانيها: إنّها في أصول الدين.

ثالثها: إنّها في اليهود، أو في أعداء الأئمّة (عليهم السّلام).

رابعها: إنّها فيما إذا لم يكتم الحقّ، ظهر.

خامسها: إنّ اللعن لا يلازم الحرمة.

و في الكلّ إشكال.

أمّا الأوّل: فالتلازم في الأعمّ، و لا تقيّد له بالشرطين، إلّا أظهريتهما، و هو غير كاف في التقييد بهما مع وجود الإطلاق.

و أمّا الثاني و الثالث: فالمورد لا يخصّص، و لا يقيّد الوارد المطلق و العام.

و أمّا الرابع: ففيه: إنّه في الأعمّ أيضا.

و أمّا الخامس: فاللعن ظاهر في الحرمة، إلّا إذا خرج بدليل، أو معارض، أو ضعف في سند اللعن، و نحو ذلك.

الآية الرابعة: آية السؤال الكريمة

الآية الرابعة من الآيات التي استدلّ بها على حجّية خبر العادل: آية السؤال‏

47

الكريمة و هي قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (1).

و إذا تقابل جمعان كان الظاهر: الأعمّ من الكلّ و البعض في الطرفين أو في أحدهما، إلّا مع القرينة على خلاف ذلك.

قالوا: «و الذكر» لأنّ الغالب دلالة الفطرة أو العقل عليه، فيكون تذكيرا بهما، و يؤيّده قول اللّه سبحانه: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (2) و نحوه قول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام): «و يثيروا لهم (أي: الأنبياء للناس) دفائن العقول» (3).

«و أهل الذكر» له مصاديق كثيرة، منها الأئمّة (عليهم السّلام)، و منها علماء اليهود، و منها: غيرهما من أهل كلّ فن و علم و اختصاص، للاطلاق.

و تقريب دلالتها كما تقدّم في آية الكتمان الكريمة من الملازمة بين السؤال و قبول الجواب و إلّا كان لغوا، إلّا مع قرينة على موضوعية السؤال كالإجماع و نحوه.

إشكالات خمسة

الإشكال الأوّل‏

و أشكل على الاستدلال بالآية الكريمة بأمور:

أوّلها و هي عمدتها: إنّ مثل هذا السياق إنّما يقال لتحصيل العلم بالمتعلّق، أو بالحجّية، لا لجعل الحجّية.

و يؤيّده: تذييل الآية الكريمة في الموردين من سورتي النحل و الأنبياء

____________

(1) سورة النحل: 43، و سورة الأنبياء: 7.

(2) سورة الغاشية: 21.

(3) نهج البلاغة: الخطبة رقم 1.

48

ب: إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (1).

و يؤيّده أيضا: تنزيل الآيتين في منكري نبوّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تأويلهما في منكري إمامة الأئمّة (عليهم السّلام)، و هما ممّا لا يقبل فيهما غير العلم على المشهور المدّعى عليه الإجماع.

و نظير ذلك ما ورد في العديد من الروايات بالأمر بالسؤال، مثل: صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال لبعض ولده: «هل سعيت في وادي محسّر؟ فقال: لا، قال: فأمره أن يرجع حتّى يسعى، قال فقال له ابنه: لا أعرفه، فقال له: سل الناس» (2).

و مثل صحيح بريد بن معاوية عنه (عليه السّلام) في حكم زوجة المفقود، و جاء فيه:

«ثمّ يكتب إلى الصّقع الذي فقد فيه، فليسأل عنه، فإن خبّر عنه بحياة صبرت ...» (3).

و مثل المقبولة المعمول بها و المفتى عليها المروية عن تفسير الإمام العسكري (عليه السّلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الشهود المجهولة عدالتهم، و جاء فيها «فيسأل عنهما (أي عن الشاهدين) فيذهبان و يسألان ..» (4).

و نحوها غيرها، فهل يقال في مثل ذلك أنّ الأمر بالسؤال جعل الحجّية للجواب، أم المنصرف من أمثال ذلك أنّ السؤال لتحصيل الاطمئنان؟ فتأمّل.

فالآية الكريمة إذن لا تدلّ على حجّية خبر العادل و الثقة مطلقا و إن لم‏

____________

(1) سورة النحل: 43، و سورة الأنبياء: 7.

(2) الوسائل: كتاب الحجّ، أبواب الوقوف بالمشعر الباب 14، الحديث 1.

(3) الوسائل: كتاب الطلاق، أبواب أقسام الطلاق الباب 23، الحديث 1.

(4) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم الباب 6، الحديث 1.

49

يحصل منهما العلم، الذي هو محلّ البحث.

الإشكال الثاني‏

ثانيها: حيث ورد في الصحاح و المعتبرات أنّ المراد ب: «أهل الذكر» الأئمّة (عليهم السّلام)، فالمعنى: فاسألوا الأئمّة (عليهم السّلام)، فهي خارجة عن ما نحن فيه.

و فيه أوّلا: إنّهم قالوا بحجّية الخبر، لكنّه استدلال بالروايات، لا بهذه الآية الكريمة.

و ثانيا: إنّ الرواة و الفقهاء امتداد للأئمّة (عليهم السّلام) فالسؤال عنهم سؤال عن الأئمّة (عليهم السّلام) لكنّه مع إفادة قول الراوي و الفقيه: إنّه قول المعصوم (عليه السّلام) و هو أوّل الكلام.

و ثالثا: التفسير بعلماء اليهود، و التأويل بالأئمّة (عليهم السّلام) لا يخصّص إطلاق الآية لأجل المورد، و هو واضح.

و رابعا: يلزم من تخصيص الآية بالأئمّة (عليهم السّلام) خروج المورد الذي هو السؤال عن النبوّة.

و خامسا: الحصر إضافي بالنسبة للنواصب.

الإشكال الثالث‏

ثالثها: الآية أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى: حجّية القول و إن لم يكن سؤال و جواب.

و فيه: القطع العرفي بعدم خصوصية السؤال.

50

الإشكال الرابع‏

رابعها: المورد: اليهود، و السؤال حول أصول الدين.

و فيه: المورد لا يخصّص إطلاق الوارد.

الإشكال الخامس و الأخير

خامسها: إنّ متعلّق السؤال محذوف، و ذلك يجعله مجملا.

و فيه أوّلا: حذف المتعلّق يفيد العموم، فإن لم تكن قرينة تدلّ على أنّ المحذوف أمر خاصّ اقتضى الحذف العموم، لدلالة الاقتضاء.

و ثانيا: صدر الآية قرينة على أنّ المحذوف السؤال عن النبوّة: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ* (1) فالمخاصمة مع المشركين كانت عن أنّ الرسول كيف يكون بشرا؟ فأجابت هذه الآية الكريمة: إنّ الرسل السابقين أيضا كانوا بشرا.

و الحاصل: إنّه لو لا الإشكال الأوّل الخادش في دلالة الآية الكريمة على حجّية الخبر الواحد، لكان الاستدلال بها تامّا، و إلّا فبقية الإشكالات الأربعة غير واردة.

الآية الخامسة: آية الأذن الكريمة

الآية الخامسة من الآيات التي استدلّ بها على حجّية خبر العادل: آية الأذن الكريمة و هي قوله تعالى:

____________

(1) سورة النحل: 43، و في الانبياء: 7 ليس فيها «من».

51

وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (1).

و الباء: لأنّ الإيمان بذات اللّه تعالى.

و اللام: لأنّ الإيمان لنفعهم.

و الإيمان بمعنى التصديق لغة، و عرفا يعني: «يصدّق بذات اللّه، و يصدّق لصالح المؤمنين».

وجه الاستدلال بالآية الكريمة

وجه الاستدلال بالآية الكريمة أمور:

الأوّل: السياق، فإنّ الإيمان باللّه تعالى واجب، فكذا الإيمان للمؤمنين و تصديقهم.

الثاني: التلازم، فإنّ الآية الكريمة ظاهرة في حسن تصديق المؤمنين، و إذا حسن كان حجّة للتلازم.

الثالث: الإجماع المركّب، فإنّ كلّ من قال بحسن التصديق قال بحجّيته.

و يؤيّده: الصحيح- على الأصحّ من وثاقة إبراهيم بن هاشم- عن الإمام الصادق (عليه السّلام) في قصّة إسماعيل ابنه و دفعه أمواله للتجارة إلى شارب خمر، و جاء فيه: «إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ يقول:

يصدّق اللّه، و يصدّق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم ...» (2).

____________

(1) سورة التوبة: 61.

(2) الوسائل: الباب 6 من كتاب الوديعة، ح 1.

52

إشكالات و أجوبة

ثمّ إنّه أشكل على الاستدلال بالآية بأمور:

أحدها: إنّ الآية في النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و خبر الواحد ليس حجّة في حقّه لأنّ مصدره الوحي.

و فيه: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في كلّ شي‏ء من الأحكام كبقية الأمّة إلّا في تلقّي التشريعات فإنّه من الوحي، أو ما استثني بالدليل المعتبر، و ليس حجّية الخبر ممّا استثني.

ثانيها: إنّ الآية في الموضوعات، و هو: خبر الفاسق الذي أنكر الوحي.

و فيه: إنّه إذا ثبت حجّية الخبر في الموضوع ثبت في الحكم بطريق أولى.

ثالثها: إنّ ظاهر الآية حجّية خبر كلّ مؤمن بالمعنى الأعمّ- بقرينة المورد- و هذا مخصّص بالأكثر، للقسامة، و الشهادة، و اشتراط العدالة و الوثاقة الإثباتيّين- لا مجرّد الثبوتية منهما-.

و فيه: يكفي الاقتضاء في المقام، و إلّا فكلّ شي‏ء له شرائط.

رابعها: إنّ صدر الآية دالّ على عدم الردّ لا التصديق العملي.

و يؤيّده: خبر القسامة: «يا محمّد كذّب سمعك و بصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة و قال لك قولا فصدّقه و كذّبهم» (1).

إذ كيف يعقل تكذيب خمسين قسامة و تصديق واحد.

خامسها: ما في الكفاية: من أنّ المراد بتصديقه (صلّى اللّه عليه و آله) للمؤمنين، هو:

خصوص تصديقهم فيما ينفعهم و لا يضرّ غيرهم، لا مطلقا- كما هو المقصود

____________

(1) وسائل الشيعة: كتاب الحجّ، أبواب أحكام العشرة، الباب 157 الحديث 4.

53

إثباته في حجّية الخبر الواحد-.

مؤيّدات‏

و أيّده بأمور:

1- تصديقه للنمّام بأنّه لم ينمّ عليه، و تصديقه للّه تعالى بأنّه نمّ عليه.

2- خبر القسامة الآنف، إذ كيف يعقل تكذيب اللّه تعالى أو تكذيب خمسين قسامة و تصديق النمام، أو واحد من المؤمنين؟

3- قصّة إسماعيل بن الصادق (عليه السّلام) فإنّ فيها تصديق للمؤمنين بما لا يضرّهم.

أقول: العمدة في الإيرادات هو الرابع، و إلّا فالخامس بلا مقيّد أيضا.

الآية السادسة: آية القوّامين الكريمة

الآية السادسة من الآيات التي استدلّ بها على حجّية خبر العادل: آية القوّامين الكريمة، و هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ‏ (1).

و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ (2).

نقل ذلك عن النهاية للعلّامة (رحمه اللّه).

و القسط هو العدل في المال، و العدل في الأعمال، و إن انفرد كلّ منهما كان للأموال و الأعمال، فإذا اجتمعا افترقا، و بالعكس.

____________

(1) سورة النساء: 135.

(2) سورة المائدة: 8.

54

و القوّام: مبالغة للقائم.

فظاهر الأمر ب: القوّامية، و: الشهادة، الوجوب، فيجب القبول، و إلّا لزمت لغويتهما.

و الذي ينقل الخبر عنهم (عليهم السّلام) مصداق للقوّام، و الشهادة للّه: شهادة لغوية و هي أعمّ من الاصطلاحية.

و أجاب الشيخ (رحمه اللّه)- كما في أصول الأخ الأكبر (1)-: بأنّ وجوب القسط إنّما هو مع إحراز الموضوع: القسط، فيتقيّد القبول به، فيخرج عن موضوع بحثنا.

أقول: و إثبات كون المخبر به قسطا تعبّدا بهذه الآية دوري كما لا يخفى.

و أجيب أيضا: بأنّ الأمر إرشادي- على ما هو ظاهر الآية- و المتعلّق للأمر سلوك طريق طبيعي لوصول الحقّ إلى الناس، و القبول حسب الاطمئنان، لا جعل للحجّية خارجا عن الطريقة العقلائية.

الآية السابعة: آية التبليغ الكريمة

الآية السابعة من الآيات التي استدلّ بها على حجّية خبر العادل: آية التبليغ الكريمة، و هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ (2).

و تقريبها: وجوب التبليغ عليه (صلّى اللّه عليه و آله).

و: «ما أنزل» مطلق يشمل كلّ الأحكام، و بدليل: الأسوة، أو: الملاك،

____________

(1) الأصول: ج 6 ص 43.

(2) سورة المائدة: 67.