بيان الأصول - ج5

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
342 /
3

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه و كفى، و الصلاة و السلام على خيرة أهل الوفا، «محمد» المصطفى، و آله الأطهار سادات الشرفاء.

و بعد:

فهذه كلمات في قاعدة «لا ضرر و لا ضرار» كانت ختاما لبحث البراءة من «بيان الاصول» حبّذ بعض الأعزاء نشرها.

أسأل اللّه الوهاب القبول و الرضا، و النفع بها انه الوليّ لذلك، و هو المستعان الكريم.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

«ختام»

في قاعدة (لا ضرر و لا ضرار) و ايفاء الحديث حقه عنها يكون ضمن مقدمة و مباحث و نقاط و تنبيهات و خاتمة.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة

في‏

ادلة قاعدة «لا ضرر» و ما استدل به لها او يمكن أمور:

1- الكتاب العزيز

(أحدها) الكتاب العزيز ضمن آيات:

وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً [البقرة/ 231]

«منها» قوله تعالى: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» (1).

كان الرجل يطلق زوجته اذا غضب عليها، و يصبر عليها حتى يقترب تمام عدتها فيراجعها لا عن رغبة فيها و انما ليطوّل عليها العدة انتقاما منها.

فاعتبر اللّه تعالى ذلك من الازواج (ضرارا).

ففي خبر الحلبي عن الصادق (عليه السّلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جل:

(وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) قال ((عليه السّلام)):-

(الرجل يطلق، اذا كادت أن يخلو أجلها راجعها، ثم طلقها، يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى اللّه عزّ و جل) (2).

____________

(1)- البقرة/ 231.

(2)- تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 226، سورة البقرة: ح 877 و 878.

8

و في خبر البزنطي عن عبد الكريم بن عمرو، عن الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)- ايضا- قال:-

لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته، ثم يراجعها و ليس له فيها حاجة، ثم يطلقها.

فهذا (الضرار) الذي نهى اللّه عنه‏ (1).

(اقول) سيأتي تفسير (الضرار) في شرح مفردات قول النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) (لا ضرر و لا ضرار) إن شاء اللّه تعالى و حيث ان المنهي عنه (الامساك الضراري) و من المعلوم عدم النهي عن مطلق الامساك- بل بالمعروف منه مأمور به- ظهر من ذلك بالظهور العرفي الحجة شرعا ان النهي لأجل الضرار، فالعليّة ظاهرة- فتأمل.

لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا [البقرة/ 233]

(و منها) قوله سبحانه: «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (3).

للآية الكريمة ظاهر و تفسير.

1- أما الظاهر- و يؤيّده السياق- فهو ان نفقة الولد- حملا، و فصيلا- على الوالد، فلا يجوز للوالد اضرار الوالدة باعطائها أقل، و لا يجوز للوالدة اضرار الوالد بأخذ الأكثر.

____________

(1)- تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 226، سورة البقرة: ح 877 و 878.

(2)- في بحث السنة، الجهة الثالثة.

(3)- البقرة/ 233.

9

و قد صرحت بذلك طائفة من الروايات.

(منها) صحيح أبي الصباح الكناني- بتصحيح العلامة ((رحمه اللّه)) و إن اشكله الشيخ حسن صاحب المعالم باشتراك محمد بن الفضيل‏ (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: (اذا طلق الرجل المرأة- و هي حبلى- انفق عليها حتى تضع حملها، و اذا وضعته اعطاها أجرها، و لا يضارها، إلّا أن يجد من هو أرخص اجرا منها، فان رضيت هي بذلك الاجر فهي أحقّ بابنها حتى تفطمه) (2).

2- و أما التفسير، فهو أن تمتنع الزوجة من وطي الزوج لها خوفا على رضيعها، و بالعكس، فلا يجوز لكل من الزوج و الزوجة المنع و الامتناع بسبب الرضيع، و قد وردت بذلك طائفة أخرى من الروايات (منها) صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: (كانت المراضع مما يدفع احداهنّ الرجل اذا أراد الجماع تقول لا أدعك اني أخاف أن أحبل فاقتل ولدي هذا الذي ارضعه، و كان الرجل تدعوه المرأة فيقول: أخاف أن اجامعك فاقتل ولدي، فيدعها فلا يجامعها. فنهى اللّه عزّ و جلّ عن ذلك ان يضار الرجل المرأة، و المرأة الرجل) (3).

(أقول) جملة (لا تضار الخ) يستشعر منها العليّة، فتعم- فتأمل.

وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ [البقرة: 282]

(و منها) قوله عزّ شأنه‏ (وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ ...) (4).

قال الطبرسي (قدّس سرّه) بتلخيص و توضيح منّي:

(وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ) (5) أصله (يضارر)- بكسر الراء الأولى و ان كانت تفتح عند الادغام ... فيكون النهي للكاتب و الشاهد عن المضارة، فمعنى المضارة

____________

(1)- مشتركات الكاظمي (هداية المحدثين): ص 250.

(2)- نور الثقلين: ج 1، سورة البقرة: ص 227، الحديث 883، 881.

(3)- نور الثقلين: ج 1، سورة البقرة: ص 227، الحديث 883، 881.

(4)- البقرة: 282.

(5)- البقرة: 282.

10

ان يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، و يشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه، أو بأن يمتنع من اقامة الشهادة.

2- و قيل: الاصل فيه (لا يضارر)- بفتح الراء الاولى ... فيكون معناه: لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر لا يتفرغ اليها، و لا يضيق الامر على الشاهد بأن يدعى الى إثبات الشهادة و اقامتها في حال عذر، و لا يعنّف عليها ... (1).

(أقول) أولا: الظاهر من عدم تقييد الضرر، اطلاق النهي عن كلّ انواع الضرر بالنسبة للكاتب و الشهيد، سواء ذكر في التفسير أم لم يذكر، كأن يكره كاتب على الكتابة، أو يعطى اجرا قليلا عليها.

و ثانيا: (لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ) لا عموم فيها يشمل كل موارد الضرر، و انما هو خاص بالكتابة و الشهادة، الا اللّهم بعدم فهم الخصوصية، أو فهم عدمها (فتأمل).

نعم ليست خاصة بالكتابة و الشهادة للدين، و لا لشي‏ء آخر، اذ المورد لا يخصص.

أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء/ 12]

(و منها) قوله جل و علا: (... مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ...) (2).

قال الطبرسي ((قدّس سرّه)) في التفسير: (منع اللّه من الضرار في الوصية، أي:

غير موص وصية تضر بالورثة.

(و قيل) أراد غير مضار في الميراث، كره سبحانه الضرار في الحياة و بعد الممات .. و تقديره: لا يضار بعض الورثة بعضا.

(و قيل) هو أن يوصي بدين ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة، فالضرار في الوصية راجع الى الميراث، و هو أن يضر في وصيته بماله، أو بعضه لا جنبي، أو يقر بدين لا حقيقة له، دفعا للميراث عن وارثه ... و جاء في الحديث أن الضرار في‏

____________

(1)- مجمع البيان: ج 1، ص 399.

(2)- النساء/ 12.

11

الوصية من الكبائر (1).

(أقول) هذه الآية الكريمة لا ظهور لها في عموم النهي عن الاضرار في كلّ شي‏ء.

و جاء في معتبرة السكوني- على الاصح- عن الصادق عن آبائه عن عليّ- (عليهم السّلام)- انه قال: (ما ابالي اضررت بولدي أو سرقتهم ذلك المال) (2).

و ايضا (من أوصى و لم يحف و لم يضار كان كمن تصدق به في حياته) (3).

غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء/ 95]

(و منها) قوله و هو أصدق القائلين: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...) (4).

قال الطبرسي: (نزلت الآية في كعب بن مالك من بني سلمة و مرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف، و هلال بن امية من بني واقف تخلفوا عن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) يوم تبوك، و عذر اللّه أولي الضرر و هو عبد اللّه بن أم مكتوم، و رواه ابو حمزة الثمالي في تفسيره‏ (5).

(اقول) التفاتتان في هذه الآية الكريمة (إحداهما) انها لا تتضمن حكما الزاميا، بل فضّلت بين أمرين حسنين‏ (وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏)*، (ثانيتهما) انه لا ظهور لها في العموم حتى يشمل غير مورد نزولها- فتأمل-.

وَ لا تُضآرُّوهُنَ‏ [الطلاق/ 6]

(و منها) قوله تبارك اسمه:

«أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ، وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ‏

____________

(1)- مجمع البيان: ج 2 ص 17- 18.

(2)- الوسائل: الوصايا، الباب 5، ح 1 و 2.

(3)- الوسائل: الوصايا، الباب 5، ح 1 و 2.

(4)- النساء/ 95.

(5)- مجمع البيان: ج 2 ص 96.

12

و أتمروا بينكم بمعروف، و ان تعاسرتم فسترضع له أخرى» (1).

في صحيح الحلبي- على الاصح من وثاقة ابراهيم بن هاشم- و كذا في صحيح ابي بصير، عن الصادق (عليه السّلام) قال: (لا يضار الرجل امرأته اذا طلقها، فيضيق عليها حتى تنتقل قبل أن تنقضي عدّتها، فان اللّه قد نهى عن ذلك فقال: و لا تضاروهنّ لتضيّقوا عليهنّ) (2).

(أقول) هذه الآية الشريفة- ايضا- لا ظهور لها في العموم حتى يشمل غير المورد.

(نعم) ملاحظة الآيات الكريمات الست، مع ما ورد في تفاسيرها من الروايات و معاضدة بعضها لبعض يستفاد منها قاعدة كلية عامة لكل ابواب الفقه بالنهي عن الضرر و الضرار و اللّه العالم.

2- العقل‏

(ثانيها) العقل و هو حاكم بجزم: بعدم وجوب التحمل للضرر- الاعم من عدم الجواز- و عدم جواز اضرار الغير.

و هو- اجمالا- من الأحكام العقلية المستقلة (الاولية) التي يكفي في تصديقها تصورها.

3- الاجماع القولي‏

(ثالثها) الاجماع القولي، و هو- اجمالا ايضا- محصل بلا اشكال و لا خفاء بل لو ادعيت الضرورة عليه كانت في محلها، و قد ادعاها العديد من فقهائنا العظام- (رضوان اللّه عليهم)- في كتبهم الفقهية في موارد عديدة كما يظهر ذلك لمن راجع‏

____________

(1)- الطلاق/ 6.

(2)- الوسائل: الطلاق، العدد، الباب 18، الحديث 2.

13

مفتاح الكرامة، و الغنائم، و المستند، و الجواهر، و غيرها، في أبواب العبادات، و المعاملات، و غيرهما من الاحكام.

4- الاجماع العملي‏

(رابعها) الاجماع العملي، و هو مسلّم الحدس من خلال عمل العلماء و بنائهم في معاشراتهم و فتاواهم، و امرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر، و تصدّيهم لما يتصدّون له من الامور الاجتماعية، و السياسية، و الاقتصادية، و العائلية، و غيرها.

5- بناء العقلاء

(خامسها) بناء العقلاء في امورهم المعاشية التي تهمهم لانفسهم، و لاهل حزانتهم، و من يعز عليهم، فانهم يتجنبون الضرر و الضرار- اذا لم يزاحمهما أهم منهما، و هو خارج بالتخصص كما هو واضح- و يخصصون بهما الادلة الالزامية العقلائية، بحيث يكون ذلك من مصاديق التنجيز و الاعذار بلا اشكال عندهم.

و هذا البناء قد نال الشرطين (الاتصال) بعهد المعصومين (عليهم السّلام)، (و امضائهم) السكوتي له الكاشف عن موافقتهم- (عليهم السّلام)- له، بحيث لو كان خلاف له لبان.

و قد تقدم في المباحث السابقة ان طرق الاطاعة و المعصية عقلائية، الا ما وسّع الشارع او ضيق بالادلة الخاصة (و اوفينا) بحث بناء العقلاء حقه عند الحديث عن حجية الظواهر فلاحظ.

6- بناء المتشرعة

(سادسها) بناء المتشرعة على تخصيص الادلة للاحكام الالزامية بعدم الضرر

14

و الضرار، و هو بنفسه طريق عقلائي لكشف الاحكام الشرعية، نظير كشف أحكام كل دين، او ملّة، أو قانون، و نحوها من بناء المتشرعين و الملتزمين بها.

- في حجّيتها- و قد صرح جمع منهم: الشيخ محمد حسين الاصفهاني بعدم احتياج بناء المتشرعة الى الشرطين اللذين كان يلزم توفرهما في (بناء العقلاء) لحجيته الشرعية (الاتصال) و (الامضاء).

و قد تقدم عند مباحث حجية الظواهر تفصيل الحديث عن ذلك فلا نعيد.

و كذا ارتكاز المتشرعة ثابت- اجمالا- على تخصيص الادلة بعدم الضرر و الضرار، و هو- عند ثبوته صغرى- ايضا طريق عقلائي لكشف الاحكام الشرعية.

و قد تعاقبت الكلمات عصرا بعد عصر، و كابرا اثر كابر، و محققا بعد محقق، في التأكيد على حجية ارتكاز المتشرّعة، منذ عهد الشيخ الطوسي (قده) و الى اليوم في المؤلفات الفقهية في شتى الابواب. و قد تقدم منّا بعض الحديث عن ذلك و سيأتي في أوّل الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى- ايضا-.

الّا أن القصور في هذه الادلة- غير الكتاب العزيز- يرجع الى انها لبيّة لا اطلاق لها و لا عموم حتى تكون مفيدة في موارد الشك، و لذا لم نفصل الحديث عنها هنا لقلّة فوائدها في ما نحن فيه- فتأمّل.

7- السّنّة المطهّرة

(سابعها) السنة المطهرة- و هي العمدة في النقض و الابرام، و تفريع الفروع و نحو ذلك، و اخرنا الحديث عنها لتفصيلها، و كونها الاهم في المقام، و لها اطلاق و عموم ينفعان في موارد الشك، حتى ان جمعا ممن ألف في بحث (لا ضرر) حصر الاستدلال له بالسنة فقط- و هي روايات كثيرة تعدّ بالعشرات، و قد نقل عن فخر الدين في الايضاح- و تبعه صاحب المستند و غيره- دعوى تواترها (1) و لعله في محله.

____________

(1)- انظر العوائد للنراقي ((رحمه اللّه)) ص 17، و المستند له أيضا ج 2 ص 385.

15

و البحث فيها من جهات: السند، و المتن، و المفردات.

[القسم الاول من الروايات‏]

الجهة الاولى [في بحث السند]

في بحث السند، و الاخبار لكثرتها لا تحتاج الى البحث عن اسنادها، و قد جمع بعضهم في هذا الباب نيفا و اربعين حديثا من طرق الخاصة فقط.

الجهة الثانية- متن الروايات- [قد نقلها الخاصة على ثلاثة وجوه‏]

في متن روايات (لا ضرر)

و قد نقلها الخاصة على ثلاثة وجوه:

الاول: لا ضرر و لا ضرار.

الثاني: لا ضرر و لا ضرار على مؤمن.

الثالث: لا ضرر و لا ضرار في الاسلام.

امّا الاول: ففي معظم الروايات.

و امّا الثاني: فهو خبر عبد اللّه بن مسكان، عن زرارة، عن الباقر (عليه السّلام) في قصة سمرة بن جندب، لكنه مرسل أرسله والد البرقي بتوله (عن بعض اصحابنا).

و امّا الثالث: ففي مرسل الفقيه، و كذا مرسلا عن تذكرة العلامة، و في مجمع البحرين.

كلام المحقق النائيني «ره» [نفى الفائدة في زيادة كلمتي: (على مؤمن) و (في الإسلام)]

ثمّ ان المحقق النائيني- قده- نفى الفائدة في زيادة كلمتي: (على مؤمن) و (في الاسلام)، سواء قلنا بكون (لا) نافية- كما استند اليه الشيخ الانصاري- ام ناهية، أي:

(لا ضرر و لا ضرار موجود في الاسلام- على مؤمن).

و (لا تضرّوا في الاسلام- و على مؤمن).

16

و فيه:

وجود (في الاسلام) يمنع أخذ (لا) ناهية، اذ الاسلام ليس ظرفا لإضرار الناس بعضهم لبعض، الّا على تكلّف.

نعم، الظاهر- كما سيأتي- بان (لا) نافية أريد منها النهي مبالغة، أو لازمها النهي و عليه، فلا فرق بينهما.

و كذا (على المؤمن) لا يليق ب (لا) الناهية، اذ (على) لا ينسجم مع الاضرار، لانه يتعدى بنفسه أو بالباء، و النافية هي التي تنسجم مع (على).

كلمة (في الاسلام) موجودة؟

و ما عن شيخ الشريعة و بعض المراجع و غيرهما: من انكار (في الاسلام) الا فيما رواه ابن الاثير في النهاية ففيه:-

ان الصدوق في الفقيه، و الطريحي في مجمع البحرين ذكرا:- (في الاسلام).

و ما نقله شيخ الشريعة أيضا: من دعوى بعض معاصريه: (تواتر) كلمة (في الاسلام) و اسناده الى المحققين ايضا، غير تام.

إذ لم يثبت كلمة (في الاسلام) ظاهرا، الا عن بعض ارباب المجاميع، و الامر سهل بعد ما اسلفنا عدم فائدة مهمة فيه.

فالترجيح: مع رواية الفقيه الذي فيه: (في الاسلام) لأصالة عدم الزيادة.

و ان قلنا بعدم حجية مراسيل الفقيه و أنه و ان دلّت النسبة الى المعصوم- (عليه السّلام)- الى اطمينان الناسب، لكنه ليس حجة لفقيه آخر،- كما اختاره بعض المراجع‏ (1) ايضا- لاختلاف الانظار في الحجية.

فالترجيح للمعتبرة التي ليس فيها كلمة: (في الاسلام) بل اطلاق الترجيح مسامحة، اذ لا حجية لغيرها.

ثمّ انه: هل يمكن تصحيح ما هو المعروف، و ما صرح به النائيني هنا:-

من ترجيح اصل عدم الزيادة عند تعارضه مع اصل عدم النقيصة؟ أم لا اصل‏

____________

(1)- انظر مصباح الاصول/ ج 2/ ص 520.

17

للعقلاء في ذلك، بل يتساقطان؟

لا يبعد التساقط، و لو شك في هذا البناء للعقلاء، فالاصل العدم فتأمّل.

ثمّ ان بعضهم اشكل في مراسيل (الصدوق، و العلامة، و الطريحي) الذين ذيلوا الرواية بكلمة (في الاسلام):

بان الطريحي أخطأ قطعا، لانه نقل ذلك ضمن رواية الشفعة، و هي موجودة في الكافي بلا كلمة (في الاسلام).

و العلامة: لعلّه اخذها من الصدوق.

و الصدوق: فلا حجية بعد كونها مرسلة.

(اقول) يستشكل على هذا البعض في رد الصدوق بالارسال:

بانه نفسه في بحث البراءة صحح مراسيل الصدوق اذا نقلها ب (قال) لا ب (روى) قائلا: و اسند الصدوق متن الحديث (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) الى الصادق (عليه السّلام) بصورة الجزم، و القطع شهادة منه بصحة الرواية ... الخ).

(لا ضرر) جملة مستقلة؟

ثم انه هل (لا ضرر) في الروايات جملة مستقلة، جمعها الراوي مع (مسئلة الشفعة) و مع (مسئلة المنع عن فضل الماء)؟

أم ان (لا ضرر) تابعة في كلام النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

أصرّ النائيني و شيخ الشريعة و تبعهما بعض الاجلة على انها جملة مستقلة، جمعها الرواة مع المسألتين.

و أصرّ بعضهم على وجود الاشكال في ذلك، فلم يستقرب جانبا.

اشكالات سبعة

و الثمرة: تظهر في اشكالات بناء على كون اضافة (لا ضرر) في هذه الروايات من جانب النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)):

18

1- لو كانت (لا ضرر) بمنزلة العلّة، لزم كونها معممة و مخصصة (بتعميم) الشفعة لغير البيع من المعاوضات، و لأكثر من شريكين، و (تخصيصه) بمورد يتضرر الشريك بالشركة الجديدة دون ما لا يتضرر أو ينتفع- مع أن الشفعة مختصة بالبيع، و تعم الضرر و غيره.

2- و ان يكون (لا ضرر) مشرعا للحكم التبدلي، لا مجرد رافع‏، لان الشفعة امر تبدلي زائد على نفي اللزوم في البيع.

و بعبارة اخرى: مقتضى ضرر الشريك تسلطه على فسخ البيع و ارجاع المال الى شريكه الاول، لا اخذه هو المال بالشفعة.

3- يلزم رفع (لا ضرر) للاحكام اللازم منها (عدم النفع) فان في (منع فضل الماء) عدم نفع الماشية به من دون ان يكون اضرار لهم.

4- يلزم حرمة منع فضل الماء و الكلاء، مع انهم لم يلتزموا به ظاهرا.

و اضاف المحقق النائيني، ايرادين آخرين كالتالي:-

5- ان قضية النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) مضبوطة عند الشيعة و العامة، و بعد اتفاق ما رواه الفريقان في الباب، و برواية العامة (لا ضرر) مستقلا، و حدس الفقيه باستقلاله في طرقنا ايضا، و انما ألحق عقبة بن خالد (لا ضرر) من باب الجمع بين الروايات العديدة.

6- ان (الضرار) هو الاضرار من الطرفين، لانه مصدر باب المفاعلة (ضار، مضارة، و ضرارا) و هو لا يناسب الشفعة، و منع فضل الماء، لانه اضرار من طرف واحد لا طرفين.

7- (لا ضرر) في الموردين لفظ واحد، فكيف يمكن أن يكون في مورد علة؟ و في مورد حكمة؟ و لأجل هذه الاشكالات قالوا: بان (لا ضرر) جملة مستقلة حشرت مع روايتي (الشفعة) و (منع فضل الماء).

(أقول) ظاهر النقل هو وحدة الرواية، خصوصا في نقلها بالفاء (فلا ضرر و لا ضرار) كما في بعض نسخ الكافي على ما قيل.

19

و لا يرفع اليد عن هذا الظهور، إلّا بظهور اقوى، و هذه الايرادات السبعة، و غيرها ممّا لم نذكرها، لا تؤسس ظهورا أقوى في المقابل.

و حلّ معظم هذه الايرادات يتحقق بالتزام علّية (لا ضرر) لأصل تشريع الحكم، لا نفس الحكم، و باصطلاح الفقهاء انه علّة للجعل لا للمجعول، كمعظم العلل الشرعية و العقلائية.

و اشكله النائيني: بان الحكمة يجب كونها على الاقل غالبية، و ليست كذلك فيما نحن فيه.

(أقول) الحكمة يكفي عدم ندرتها، فلا يلزم غالبيتها، بل و لا كثرتها، كما في روايات: ما يسبّب الجنون و البرص. بل الاحتمال العقلائي كاف في التعليل.

الجواب على الاشكالات السبعة

هذا. و أما الجواب عن الاشكالات السبعة المذكورة فكما يلي:

اما الاشكال الاول: فليس (لا ضرر) معممة الشفعة لكل العقود، بل تخص البيع، و لا لأكثر من اثنين.

و لا مخصصة بالضرر الفعلي للشفيع، لانه حكمة لا علّة.

و امّا الاشكال الثاني: فبكون (لا ضرر) حكمة لا علّة، يندفع اشكال كونه مثبتا للحكم (الشفعة)، اذ اثبات الحكم ليس بالضرر، بل بالدليل الخاص، و هو دليل الشفعة.

و اما الاشكال الثالث: فليس كل عدم نفع، ضررا، نعم بعض عدم النفع ضرر، كما في مثل منع فضل الماء الذي يسبّب هلاك الماشية احيانا، و اطلاق الضرر عرفا على مثله غير بعيد، و لا يلزم منه رفع كل عدم النفع.

و اما الاشكال الرابع: فلا مضايقة لو لم يعمل الفقهاء بحرمة منع فضل الماء، من التزام الكراهة للاعراض، و لا منافاة له مع (الضرر) فالاعراض يوهن الدليل القوي- كما حققناه في مسئلة الشهرة و مقدار حجيتها-.

20

مضافا الى التزام بعضهم بحرمتها، و وجوب بذل فضل الماء- بلا عوض او مع العوض على خلاف-.

ففي الشرائع و القواعد:- «و قيل يجب بذل الفاضل».

و في مفتاح الكرامة (1) نقلا عن الشيخ و التذكرة: حرمة منع فضل الماء.

و في جامع الشرائع لابن سعيد (2) قال:- «و يستحب بذله للمحتاج بلا عوض، و قيل:

يجب بذله بلا عوض، و قيل بالعوض».

و اما الاشكال الخامس: فلا يكون نقل العامة ل (لا ضرر) مستقلا دليلا على انه عندنا ايضا مستقل.

مع انه لم يثبت انهم لم ينقلوه الا مستقلا.

مضافا الى أن ظاهر خبر عقبة بن خالد: ان الناقل ل: (لا ضرر) هو الصادق (عليه السّلام)، لا عقبة، انظر الخبر:-

«قضى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشي‏ء، و قضى بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال: لا ضرر و لا ضرار».

و في خبر آخر عن الصادق (عليه السّلام):-

«قضى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن، و قال: لا ضرر و لا ضرار، و قال: اذا أرّفت الأرف وحدت الحدود فلا شفعة».

و نقل الصادق (عليه السّلام) ل (لا ضرر) في المقام دليل على الارتباط بينهما، كنقل النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) له.

و اما الاشكال السادس: فالضرار يستعمل للضرر أيضا، ففي الوسائل «و من ضار

____________

(1)- ج 7، ص 53، سطر 12- 11.

(2)- ص 377- 376.

21

(خان) مسلما فليس منّا» (1).

و فيه ايضا عن عليّ (عليه السّلام): «من أوصى و لم يحف و لم يضار، كان كمن تصدّق به في حياته» (2).

و هكذا قوله تعالى: «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها».

ففي الوسائل ايضا: «نهى ان يضار الصبي، أو تضار أمه في رضاعه» (3).

و في القاموس: «ضرّ و ضار بمعنى واحد».

و سيأتي تفصيل بحثه في بحث مفردات القاعدة إن شاء اللّه تعالى.

و اما الاشكال السابع: فاولا: لا مانع منه، مثل: «حرّم الخمر لانه مسكر» فهو حكمة بالنسبة لكمية الخمر، و علة للتعدي الى كل مسكر، و كحفظ النفس حكمة في القصاص و الديات، و علة في وجوب النفقة للقرابة.

و ثانيا: (لا ضرر) علة في الجميع، إلّا انها في بعض الموارد علة الحكم- كالوضوء، و الصوم، و نحوهما- و في بعضها علّة للتشريع، كالشفعة و نحوها.

و بعبارة أخرى: علّة التيمم (لا ضرر) يدور معه وجودا و عدما و علّة تشريع الشفعة- لا لنفس حكم الشفعة-.

و ايضا: (لا ضرر) يدور تشريع الشفعة معه مدار الضرر وجودا و عدما.

نعم، في علّة التشريع لا انعدام، لان مصداقه واحد، لا تكرار فيه اذ لا يتكرر التشريع.

و الحاصل: انه لم يثبت كون (لا ضرر) مستقلا، و لم يثبت اشكال من جعله ذيل الروايات.

ما قاله النائيني «ره» [وروده مستقلا على الظاهر، ممّا لا اشكال فيه‏]

ثمّ ان المحقق النائيني قال: «و على أي حال: وروده مستقلا على الظاهر، ممّا لا

____________

(1)- وسائل الشيعة: ج 15، ص 490، ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ج 13، ص 356، ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ج 15، ص 177، ح 3.

22

اشكال فيه».

(اقول) لعلّه يشير الى انه لو شك في ان (لا ضرر) جاء ذيلا للروايات ام لا، فينحل العلم الاجمالي، بالعلم بوروده مستقلا و الشك في وروده ايضا ذيلا أم لا؟

و الاصل: العدم.

لكنه محل اشكال، اولا: لعدم وروده مستقلا بطريق معتبر، فما وجدناه هو مراسيل: «الدعائم، و الفقيه، و الشيخ، و ابن زهرة، و العلامة، و نهاية ابن الاثير، و مسند ابن حنبل».

و هذه لا تكفي حجة- ان لم نعتبر مراسيل الفقيه، كما هو المشهور بين المتأخرين-.

و ثانيا: على فرض ثبوت وروده مستقلا بطريق معتبر، لا يدل- بظهور و نحوه، ممّا يبني عليه العقلاء- انه مستقلا ذكره المعصوم (عليه السّلام) اذ من المتعارف تقطيع الكلام و ذكر مقدار الشاهد منه.

(ان قلت) مقتضى القاعدة: عدم التقطيع فيما يختلف آثاره بالتقطيع و عدمه.

(قلت) اذا كانت تلك الآثار بينة للجميع، فنعم لا يقطعون لانه يكون بمنزلة اخفاء قرينة المجاز، و بناء العقلاء على عدم الوجود بجهة عدم الوجدان صحيح، لا في مثل ما نحن فيه، ممّا كانت الآثار ليست بيّنة للجميع، إلّا اذا كان التقطيع من المعصوم (عليه السّلام)، و إن شك في كونها بيّنة فالاصل العدم فتأمّل.

الجهة الثالثة [فى مفردات (لا ضرر و لا ضرار)]

مفردات (لا ضرر و لا ضرار) و هي ثلاث يبحث عنها ضمن ثلاثة مباحث.

1- ضرر.

2- ضرار.

3- لا.

23

اما المبحث الاول ففي مادة (الضرر)

و البحث فيها من ناحيتين‏

الناحية الاولى: البناء

الناحية الثانية: المعنى.

أ- بناء الضرر

أما البناء: ففي الكفاية و حاشية المشكيني و آخرين تبعا للصحاح و القاموس و غيرهما: انه مقابل النفع.

و جعله بعض الاجلة: مقابل (المنفعة) قائلا: لان (الضرر) اسم مصدر، و مقابله (المنفعة) و هي اسم مصدر.

و المصدر هو: (الضرّ) بالضم و الفتح، و مقابله المصدر ايضا و هو: (النفع) كقوله تعالى: «لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا».

و الفرق بين المصدر و اسمه- على المعروف- هو:-

ان المصدر: يتضمن معنى (الحدث، و الفاعل).

و اسم المصدر: يتضمن معنى (الحدث) فقط، كالغسل- بالضمّ- و الاغتسال.

(أقول) كلامه يمكن تحصيله من كتاب (اقرب الموارد) في مادتي: (ضرّ- نفع).

و في القرآن كلما استعمل (الضرر) ففي مقابله (النفع).

انما الكلام في ان ذلك بمعنى عدم جواز استعمال النفع مقابل الضرر، و المنفعة مقابل الضر؟

لكن العرف: قد لا يفرق بينهما، فيستعمل الضرر بمعنى المصدر، و بمعنى اسم المصدر جميعا، فيقال: (الضرر و النفع) كما يقال: (الضرر و المنفعة).

و يستعمل (الضّر) بمعنى المصدر، و بمعنى اسم المصدر جميعا فيقال: (الضر و النفع) و يقال: (الضر و المنفعة).

و اذا صح استعمال العرف في المعنى الاعم، فهو مقدم على اللغة- كما حقق في‏

24

مباحث الالفاظ-.

مضافا الى ان الرجوع الى اللغة، انما هو من باب رجوع الجاهل الى العالم، و في هذه المفاهيم العرفية المرتكزة في الاذهان كثيرا لا يكون الرجوع الى اللغة، الا من قبيل رجوع العالم الى: العالم، او الجاهل.

و كلاهما لا يصح، نظير الرجوع الى اللغة في تفسير: (الماء، و الحياة، و الموت، و الرجل و المرأة، و نحوها).

مع انه لو سلمنا تفريق اللغويين و قلنا بجواز الرجوع اليهم، فلا نسلم كون التفريق بحيث لا يجوز استعمال النفع في مقابل الضرر و المنفعة مقابل الضر.

و الحاصل: ان (الضرر مقابل للنفع و المنفعة) جميعا.

فخلاف بعض الاجلة مع الكفاية و من تبعها غير عرفي.

ثم ان ما قيل من ان (الضرر) مجردا متعدي، و مزيدا فيه (اضرّ) لازم، فلا يقال:

(ضرّ به) و لا (اضرّه) على العكس من قياس: بابي المجرد و المزيد فيه.

فمخالف لما عليه اهل اللغة، ففي اقرب الموارد:

(ضرّه- و به، ضد نفعه).

و (اضرّ فلانا، جلب عليه الضرر).

و لم يذكر: (اضرّ) لازما.

و في القاموس: (ضرّه، و به، و أضرّه).

و هكذا ما في غيرهما.

ب- معنى الضرر

و أما الناحية الثانية و هي معنى الضرر: فقال بعض الاجلة ما حاصله: (الضرر) هو النقص في:

1- المال: كخسارة التاجر.

2- العرض: كهتك شخص.

25

3- البدن كيفية: كالمرض الناشئ من اكل شي‏ء.

4- البدن كمية: كقطع يده مثلا.

و (المنفعة) بعكسه تماما، فهي الزيادة في:

1- المال: كربح التاجر.

2- العرض: كما لو اوجب شي‏ء تعظيم شخص.

3- و من حيث البدن: كالمعافاة من المرض.

(اقول) و لم يذكر البدن من حيث الكمّيّة، كما لو كان مقطوع اليد، فوصلوا يده.

ثم قال: و بينهما واسطة، كما اذا لم يربح التاجر و لم يخسر، فلم يتحقق ضرر و لا منفعة.

فالتقابل تضاد، لا عدم و ملكة، كما قاله الآخوند، انتهى.

هذا و لكن التفصيل المذكور مما لم يصرح به في اللغة، و لا هو عرفي، و لعل معنى الضرر هو: السوء و الضيق، و نحوهما، الذي فسر به في القاموس و اقرب الموارد و نحوهما.

و لذا: لو اوجب النقص في المال و غيره، استفادة اكثر من جهة أخرى، قيل له:

(انتفعت، لا تضررت) لانه لم يصبه سوء و ضيق.

(و المنفعة) مقابل (الضرر) انما هي في المال فقط، كما هو في العرف و اللغة فلا يقال لمن مدح: انتفع.

و لا لمن عوفي من المرض: انتفع.

فالمضادة ليست كلّيّة.

(و قوله) (التضاد، لا عدم الملكة). فهو ظاهر اهل اللغة- كما صرح به الاصفهاني- مخالفا لصاحب الكفاية و المشكيني و آخرين حيث صرحوا: بان التقابل انما هو من قبيل العدم و الملكة.

أما الاصفهاني: فاشكل على كلا المبنيين من دون ان يختار قولا ثالثا.

(قال) اما عدم التضاد، فلان الضرر المفسر بالنقص في النفس او المال او

26

العرض، ليس امرا وجوديا حتى يضاد النفع، و هو واضح.

و اما عدم كونه عدما و ملكة، فلان (النفع) هو الزيادة، و (الضرر) ليس هو عدم الزيادة، بل مضافا الى عدم الزيادة خسارة اكثر، و ذلك يسمّى (الضرر) فليس عدما و ملكة.

(أقول) لا يبعد صحة التضاد. فما قاله من أنّ:

(الضرر ليس امرا وجوديا) ففيه:-

الضرر امر وجودي اوجده الخسران.

و يدل عليه: تبادر ان الضرر شي‏ء يصيب الانسان نتيجة عدم النفع.

و لذا: صح التعبير بالثالث: و هو عدم النفع و الضرر جميعا فتأمّل.

مادة (الضرار) و

أما المبحث الثاني: في مادة (الضرار)

فهي:

1- اما مصدر للفعل المجرد (كالقيام) (ضرّ، يضرّ، ضرارا).

2- او مصدر باب المفاعلة.

3- او جامد بمعنى الضرر، كالجدار.

4- او بمعنى المجازات على الضرر.

و يردّ الاول: انه تكرار ك «لا ضرر و لا ضرر».

و يرد الثاني: عدم معهودية ورود استعماله بمعنى المفاعلة بين اثنين اصلا، لا في آية و لا في رواية، و لا في اللغة.

و يرد الثالث: ان حروفه ربما تابى الجمود، فهو مشتق.

و يرد الرابع: مضافا الى عدم معهودية هذا المعنى لغة و لا عرفا، انه لا مفهوم له، و لا نظير في الشريعة، اذ ما معنى: «لا مجازات على الضرر» فان كان بمعنى: ان من تضرّر لا يجازى بالسوء، و لا يقال له: لما ذا تضرّرت؟ فهو مما لا نظير له في الفقه.

27

فلعل السياق، و مناسبة الحكم و الموضوع، يقضيان بان يكون (الضرار) هو الضرر الشديد، و يكون من: ذكر الخاص بعد العام المألوف في العرف، فكأنه قيل:

«الضرر كله منفي صغيره و كبيره، او خفيفه و شديده».

مثلا: دخول الاجنبي- كسمرة- على شخص و عائلته بلا اذن، مرة واحدة في العمر ضرر و اما مستمرا فهو: ضرار.

و قد يستفاد ذلك من موارد استعمال: (ضرار) فانه لا يستعمل في الضرر الخفيف.

و قد يدل عليه ايضا: القاعدة الصرفية: «بان زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى».

و قال الاصفهاني الضرار هو التصدي للضرر، لا مطلق الضرر.

و لازمه: التفريق بينهما بأمرين: (القصد- و صدوره عن انسان).

فالدواء مضرّ، و الانسان مضار.

و الدواء ضرر، و الانسان قاصد الضرر.

استفاد الاصفهاني ذلك من موارد استعماله في القرآن الكريم: (يخادعون، يشاقّون، يقاتلون في سبيل اللّه، يهاجر في سبيل اللّه) الخ.

(و قال بعضهم) «الضرر هو النقص في الاموال و الانفس، و الضرار هو الاحراج و التضييق، فلا تاكيد، و لا مجازات» انتهى.

و معنى المجازات: هو ان يجازي الضرر بضرر اكثر، و معنى المفاعلة، هو:

التضارر.

لكن، بمعنى المجازات ورد عن جمهرة أهل اللغة.

فعن لسان العرب: «لا ضرر ضد النفع، و لا ضرار أي: لا يضار كل منهما صاحبه».

و عن نهاية ابن الاثير: «و الضرار أي: لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه، قال: و الضرر فعل الواحد و الضرار فعل الاثنين».

(ثم قال) «و الضرر ابتداء الفعل، و الضرار الجزاء عليه، و قيل:- الضرر: ما تضرّ

28

صاحبك و تنتفع به انت، و الضرار: ان تضره من غير أن تنتفع انت به، و قيل: هما بمعنى واحد، و التكرار للتأكيد».

التحقيق في المقام [ (الضرر) له مفهوم عرفي في زماننا]

(اقول): (الضرر) له مفهوم عرفي في زماننا، و بمعونة استصحاب عدم النقل- الامارة العقلائية- يحمل في عصر المعصومين (عليهم السّلام) على هذا المعنى، و هو المتبع في الاحكام المترتبة على (الضرر) شرعا سعة و ضيقا، حتى و لو خالف اللغة، لتقدم العرف عليها- كما حقق في مباحث الالفاظ-.

(اما الضرار) فليس العرف في زماننا يعرف معناه و حدوده لقلة استعماله، و لذا ينحصر- و لو للانسداد على قول غير منصور عندنا- طريق استكشاف معناه المتداول في عهد الشارع في استطراق باب اللغة، فانها امارة عند فقدان العرف.

و حيث ان اللغة اختلفت في تفسير (الضرار).

(1) فقد يقال: ان مقتضى الجمع- لعدم التنافي الموجب للتساقط- هو اعتبار كل المعاني المذكورة، معاني (للضرار) مستقلا، او كالكلّي و المصاديق.

و لاجل ذلك ننفي كل تلك المعاني عن الاسلام، و عليه:

1- فالتضارر من الطرفين حرام على الطرفين جميعا بشرطين- استفدناهما من الادلة العامة-:

الشرط الاول: عدم انطباق عنوان آخر عليه، كالتقاص، و القصاص، و الدية، و نحوها.

الشرط الثاني: ان لا يكون مصداقا ل: «فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» فلو قال له: «يا كلب» جاز له أن يردّ عليه: «يا كلب».

اما لو قال له: «يا ابن الزاني» فلا يجوز له أن يردّ عليه بالمثل، اذ ليس لنا: (من اعتدى على ابيكم فاعتدوا على ابيه بمثل ما اعتدى على ابيكم).

و هذا المعنى للضرار ذكره لسان العرب، و نهاية ابن الاثير و هما من اهل الخبرة

29

باللغة، فيعتمد عليهما.

و نظيره في ذلك: السباب بمعنى التسابب.

2- و ايصال الضرر جزاء لفعل ايضا حرام، لانه مصداق (لا ضرر) بتفسير (ابن الاثير) و هو من اهل الخبرة في اللغة، قال:

«الضرر: ابتداء الفعل، و الضرار: الجزاء عليه» (1).

3- و يحرم الضرر بما تنتفع به، و الضرار بما لا تنتفع به.

(فان قلت) قول ابن الاثير «قيل: ... قيل: ...» ظاهره تعارض تفاسير: (لا ضرار) فتتساقط كلها لإجمالها

قلت: لا تعارض بين هذه التفاسير لعدم تنافيها، بل كلها مصاديق صحيحة ل (لا ضرار).

4- و يحرم التضييق، لتفسير القاموس للضرار، به.

5- و اما تفسير الاصفهاني بالتصدي للضرر، مستفيدا له من موارد استعماله في القرآن المجيد، فهو مندرج في الضرر، فلا معنى زائد بل هو من ذكر الخاص بعد العام.

ثم انه قد يفصل بين كون المعاني المذكورة او بعضها لها جامع فالمنفي جميعها، و بين العدم فالعدم‏

و قد ينفي كلها للتعارض عرفا بينها- حتى مع فرض الجامع- فيكون المنفي في الاسلام القدر المتيقن منها.

و لعل الاصح قبول كلها، و اعتبارها جميعا منفية في الاسلام فتأمّل.

و أما المبحث الثالث ففي مادة (لا)

و الوجوه فيها عديدة:-

____________

(1)- النهاية: ص 14.

30

1- (لا) نفي بمعنى النهي‏

الوجه الاول: ان تكون (لا) النافية بمعنى النهي، اي (لا تضروا)، (نظير): لا رفث و لا فسوق، و في الخزائن: و قد اختاره البعض، و عن شيخ الشريعة الاصرار عليه، و صرح به صاحب الجواهر (1)، و لعل مراد الخزائن بالبعض هو: صاحب الجواهر فتأمل.

و يدفعه امور:

الاول: تجوّز لا قرينة عليه.

الثاني: ينافيه لفظة (في الاسلام) في بعض الروايات إلّا بتكلف بعيد، بان يقدر هكذا: (لا تضرّوا فانه لا ضرر في الاسلام).

الثالث: ظاهره الامتناني أن له نوع اختصاص بالاسلام، و النهي عن الاضرار من مرتكزات العقول، و مسلّمات كل الشرائع، فلا امتنان فيه.

الرابع: تمسك الاصحاب ب (لا ضرر) في اثبات جملة من الخيارات، و اخراج المؤن في الزكاة و نحو ذلك، ينافي النهي عن الاضرار، لانه لا تناسب بينهما.

الخامس: قوله ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) في قضية سمرة: «لا ضرر» بعد:

«فاقلعها و ارم بها اليه» لا تناسب بينهما، لانه يصير المعنى: (فاقلعها فانه لا تضروا).

2- (لا) ناهية

الوجه الثاني: ان يكون (لا) بمعنى النهي الذي هو بمعنى الحكم الوضعي، و هو الحرمة، و المعنى: (الضرر حرام في الاسلام).

نظير: لا غشّ، لا عصبة، لا قمار، اي ليس من احكامنا الضرر، تعريضا بالجاهلية الذين كانوا يجوّزون اضرار الرجل بالمرأة، و ذكور الورثة بالاناث، و الكبار بالضعفاء، و هكذا.

____________

(1)- جواهر الكلام: ج 37، ص 15، سطر 7 قبل الاخير.

31

و يدفعه امور:

الاول: لا يستفاد منه غير حرمة الضرر نظير حرمة القمار، و لا يستفاد منه الاحكام التي استفادها الاصحاب منه، كسقوط وجوب الوضوء و الغسل و الحج، و الامر بالمعروف، و القضاء، و تعليم الاحكام، اذا كانت ضررية- إلّا بتكلف-.

الثاني: ليس الضرر مطلقا حراما، فالشريك الذي يبيع حصته، و ب: (لا ضرر) يكون للآخر حقّ الشفعة، لم يكن يفعل حراما.

3- (لا) نافية حقيقة

الوجه الثالث:- ان تكون (لا) نافية حقيقة، اي لا ضرر مشروع في الاسلام، و هذا ظاهرا عين الثاني، و يرد عليه ما اورد على الثاني، و قد ذكر هذا الاحتمال الدربندي- قده- في «الخزائن».

4- (لا) نفي الحكم بلسان نفي الموضوع‏

الوجه الرابع: ما ذكره الدربندي في «الخزائن» و الآخوند في «الكفاية» و من تبعهما: من انه نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، مثل: «لا ربا بين الوالد و ولده» و المعنى: (لا ضرر في الاسلام موجودا، يعني لا حكم ضرري في الاسلام) فكلما كان ضرريا فليس من الاسلام.

قال في الخزائن: «و هذا أنسب الاحتمالات و احسنها».

و أشكله بعض الأجلّة بأمرين:-

الاوّل: انه لو كان نظير: «لا ربا بين الوالد و ولده» اقتضى رفع حكم الضرر، و لازمه جواز الضرر، اذ معنى (لا ضرر) على هذا: (لا حرمة للضرر) ك «لا ربا» و هو بخلاف المقصود أدلّ.

بيانه: ان الضرر ليس عنوانا للفعل، و انما هو مسبب و اثر له، فالوضوء يسبب الضرر، و الضرر اثر الوضوء، فلو ارتفع ب (لا ضرر) حكم الضرر، كان المعنى: (ان‏

32

الوضوء اذا اوجب الضرر، فاعتبره لا ضرر) فيجب الوضوء الضرري.

و فيه: ان الظاهر كون مراد الكفاية كصريح الخزائن، هو نفي الحكم الثابت للوضوء مثلا، عن المورد الذي طرأ الضرر على الوضوء، و هكذا، و انما نسب الى الضرر مع ان الموضوع هو الوضوء إيماء الى انه السبب في رفع الحكم، و بعبارة أخرى:-

لا ضرر ينتشر بعدد موضوعات الاحكام، فكأنه قيل: «لا وضوء في مورد الضرر، لا غسل في مورد الضرر، لا حج في مورد الضرر» و هكذا ...

الثاني: الضرر بالنسبة الى الحكم المترتب عليه مقتض له، فكيف يكون الضرر مانعا عنه.

و فيه: انه ظهر جوابه عما ذكرناه في جواب اشكاله الاوّل، و هو:-

ان (الضرر) بالنسبة لحكم الفعل الضرري اجنبي، فيصح رفعه بجعل (لا ضرر) و يصح عدم رفعه.

فالوضوء، مثلا وضوء، و هو واجب سواء كان ضرريا أم لا، (و لا ضرر) يرفع كلما اتحد الضرر مع الوضوء، فتأمل.

تنظير الكفاية [ذلك ب «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان»]

و استنظر في الكفاية لذلك ب «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» الظاهر في رفع نفس الخطأ و النسيان، مع ان المراد رفع الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ و النسيان، فليكن (لا ضرر) كذلك، رفعا للحكم عن الفعل، (وضوء مثلا) الصادر حال الضرر، و لكنه ذكر بلسان رفع الموضوع.

الاشكال عليه‏

فاشكله ايضا بعض الاجلة بامور ثلاثة:-

الاوّل: الالتزام بنفي الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ و النسيان، انما هو

33

للقرينة، و هي: عدم امكان رفعهما، لوجودهما خارجا، و عدم امكان رفع حكمهما لانهما علة لذلك الحكم، فكيف يكونا رافعين له؟ فانحصر المعنى- لهذه القرينة- في رفع الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ و النسيان.

اما في (لا ضرر) فلا ضرورة لمثل ذلك، لامكان (نفي جعل الضرر في مقام التشريع) يعني: في تشريعات الاسلام لا يوجد ضرر.

و فيه: اولا في (رفع الخطأ و النسيان) أيضا يمكن تعلق الرفع بنفس الخطأ و النسيان في مقام التشريع، بان يكون المعنى: (لم يشرع للخطإ و النسيان حكم اصلا) و لازمه: عدم الالزام في موارد الخطأ.

و ثانيا في (لا ضرر) ايضا يمكن رفع الحكم عن الفعل الصادر في حال الضرر، و لا تقديم لاي من المعنيين على الآخر.

و الحاصل: انه لو قيل: (لا خطأ و لا نسيان) او قيل: (رفع عن أمتي الضرر) كان بمعنى واحد عرفا، و هذه الدّقّة غير ملحوظة ظهورا عرفيا.

الثاني: ان الخطأ و النسيان علة للفعل، فيصح نفي العلة بلحاظ نفي المعلول، بخلاف (الضرر) فانه معلول للفعل، و لم يعهد نفي المعلول بلحاظ نفي علته.

و فيه: ان المجوز لنسبة الرفع الى الخطأ ليس عليته للفعل، و الّا لصحّ في (الضرر) ان يقال: (لا وضوء بلحاظ رفع معلوله و هو الضرر).

و المانع عن ان يقال: (رفع القتل الخطائي) ليس كونه معلولا للخطإ.

بل انما المجوز هو: العنوان الجامع للافراد، الملازم- علة كان أو معلولا أو غيرهما- لشتيت الافعال، (فرفع الخطأ) و هو علة (و رفع الضرر) و هو معلول انما صح للملازمة العرفية الاعم من العلية و المعلولية.

الثالث: ان الرفع للخطإ و النسيان يمكن ان يكون رفعا لآثارهما، التي كانت في الشرائع السابقة غير مرتفعة.

للزوم التحفظ عليهم مثلا، بخلاف (لا ضرر)، فانه رفع للحكم بلسان رفع الموضوع.

34

و فيه: اي مانع في (لا ضرر) ان يكون رفعا للآثار، و يكون عموم الرفع لكل الآثار حتى الوضعية، و لكل اقسام الضرر انما هو ... من اختصاصات الاسلام.

و الحاصل: انه ان ساعد الظهور صاحب الكفاية في تنظيره (لا ضرر) ب (رفع الخطأ و النسيان) فهذه الاشكالات الثلاثة لا ترد عليه، لانها ليست في وجه الشبه بين (لا ضرر) و بين (رفع النسيان و الخطأ) الذي قصده الكفاية.

الفرق في كلمات الآخوند (ره) [بين ما افاده في الكفاية، و بينه في حاشية الرسائل‏]

ثم ان المنقول عن الآخوند، الفرق بين ما افاده في الكفاية، و بينه في حاشية الرسائل، ففي الكفاية ظاهره: ان نفي الضرر كناية عن رفع جميع الاحكام، و في حاشية الرسائل ظاهر كلامه: ان المنفي: الاضرار بالغير، او تحمل الضرر عن الغير فقط.

و الفرق بينهما يظهر في ضرر العبادات، و الواجبات، و المحرمات، فعلى الثاني غير مرتفعة، و على الاول مرتفعة، الا على احتمال شمول الغير للّه تعالى فتأمل ..

أقول: مقتضى الاطلاق هو عموم نفي الضرر، لا خصوص تحمّل الضرر عن الغير، و الاضرار بالغير.

القول بأن المنفي مجرد الاضرار

ثم ان البعض أصر على ان المنفي هو: اضرار المكلفين بعضهم ببعض، لا مطلق الضرر حتى الناشئ من قبل العبادات، و غيرها من الواجبات و المحرمات.

و استدل لذلك بأمور:-

[الاستدلال على هذا القول‏]

احدها:

[الانصراف‏]

انصراف (لا ضرر) بمساعدة موارد استعمالها في الآيات و الروايات الى اضرار المكلفين بعضهم ببعض.

ثانيها:

[عدم الاولوية لاضرار اللّه تعالى من اضرار الناس‏]

عدم الاولوية لاضرار اللّه تعالى من اضرار الناس، لان اضراره تعالى لمصالح قطعا، مع ان اطلاقات ادلة الوضوء و الصوم و نحوها تشمل الضرري منها

35

ايضا.

ثالثها:

[ان المتقدمين لم يستندوا الى (لا ضرر) في رفع عبادة ضررية و استندوا الى (لا ضرر) في المعاملات فقط]

ان المتقدمين الذين هم اصفى ذهنا من المتأخرين، بل كثير من المتأخرين ايضا، لم يستندوا الى (لا ضرر) في رفع عبادة ضررية، و انما استندوا الى (لا ضرر) في المعاملات فقط، ثم نقل كلمات اربع عن الشيخ و المحقق و العلامة و صاحب المدارك في مسائل لم يستندوا فيها الى (الضرر) بل استندوا فيها الى (الحرج).

الاشكالات على هذا القول‏

اقول: الادلة غير تامّة.

[عدم ظهور الانصراف‏]

اما الانصراف: فهو غير ظاهر، بل اطلاق (لا ضرر) في محله، و عهدة الانصراف على مدعيه.

[لا الاولوية مسلّمة، و لا عدم الاولوية،]

و اما عدم الاولوية: فقد يقال: الاصل في ما امر به اللّه تعالى او نهى عنه عبادة، اولويته بالنسبة اليه نفسه، و ما خرج من‏ «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ» و «أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏» و «أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا» و نحو ذلك فهو خارج، فتأمل.

و الاصح ان يقال: ان الاولوية لا تدل لا سلبا و لا ايجابا، يعني: لا الاولوية مسلّمة، و لا عدم الاولوية، فليس دليلا لأحد من الطرفين.

[نقض عدم استناد المتقدمين و كثير من المتأخرين الى (نفي الضرر)]

و اما عدم استناد المتقدمين و كثير من المتأخرين الى (نفي الضرر) في موارد الضرر، ففيه اولا: ذكر اربع موارد عن الشيخ و العلامة و المحقق و صاحب المدارك- قدهم- لا تنفي الكلية.

و ثانيا: على فرض عدم استنادهم، لا يكون اعراضا، و لو كان فهو من اضعف اقسام الاعراض عن الدلالة، الذي لا يقول الفقهاء بخدشته في الاطلاق.

و ثالثا: هناك المسائل الكثيرة الكثيرة جدا، التي استند المتقدّمون و المتأخرون فيها لنفي العبادات و الاحكام الشرعية- غير المتعلقة بالناس بعضهم مع بعض- ب (لا ضرر).

36

و قد لاحظنا في باب التيمم فقط اكثر من عشرة موارد قد استندوا فيها الى الضرر (1) و في الجواهر كتاب الامر بالمعروف:

«لو ظن توجه الضرر اليه ... سقط الوجوب؛ لنفي الضرر و الضرار و الحرج ...»

و الحاصل: ان ظاهر الآخوند- قده- في تعليقة الرسائل: هو ان نفي الضرر مختص بالمكلفين بعضهم مع بعض، و هو غير تام.

5- لا ضرر غير متدارك‏

الوجه الخامس:- ما حكاه الشيخ الانصاري- قده- عن بعض الفحول، في رسالته المطبوعة في ملحقات المكاسب، و اعتبره الشيخ الانصاري و غيره أردأ الاحتمالات، و في الخزائن: جعله ثامن الاحتمالات، و هو:-

ان (لا ضرر) معناه (لا ضرر غير متدارك في الاسلام) و لازمه ثبوت المتدارك بأمر الشارع في موارد الضرر، فان الضرر المتدارك ليس بضرر حقيقة و ان عدّ بالدقة العقلية ضررا، اذ الضرر خارجا موجود، فنفيه ليس الّا بمعنى حكم الشارع بتداركه، فهذا القيد: (عدم التدارك) يستفاد من باب دلالة الاقتضاء.

و اورد عليه أولا: بان ما هو تدارك حقيقي و هو الخارجي غير موجود، لثبوت الاضرار الكثيرة لكثير من الناس، كالظلم، و الايذاء، و السرقات و نحوها، و التدارك الشرعي بمعنى حكم الشارع بوجوب رد السارق المال، لا يوجب ارتفاع الضرر بالوجدان، فمن سرق ماله متضرر بالوجدان حتى مع حكم الشارع على السارق بارجاع المال اليه.

و ثانيا: ان كل ضرر في الخارج ليس متداركا، فالتاجر الذي خسر و تضرر بجلب تاجر ثان تجارة مماثلة للاوّل، من يلزمه بتدارك ضرر الأول؟ مضافا الى التضررات‏

____________

(1)- يراجع مفتاح الكرامة، الجزء الاول: ص 519، س 11، و ص 521 س 2 و 22، و ص 522 س 11 و 15، و ص 523 س 9، 19، 22، و ص 524، س 16، و ص 525 س 27 الى 30، و ص 526 س 5 و 7، و ص 527 س 4.

37

من غير واسطة الفاعل المختار، كمن سقط عليه حجر، فشج رأسه، فكيف يتدارك هذا؟

و ان نوقش: بانه ظاهر في التدارك التشريعي لا التكويني.

مع ان لازمه، التزام الضمان في كثير من المسائل التي لم يلتزم به فيها احد، كمسألة التاجرين و خسارة احدهما بتجارة الآخر، و غيرها.

6- نفي الحكم الناشئ منه الضرر

الوجه السادس: للشيخ الانصاري، و المحقق النائيني- قدهما- على فرق يسير سيأتي بيانه و لمن تبعهما و هو:-

نفي الحكم الناشئ منه الضرر، يعني في تشريعات الاسلام ليس حكم ينشأ منه الضرر، لا الوضعي كاللزوم في بيع الغبن، و لا التكليفي كالوجوب في الغسل الضرري، و معناه، (ما جعل عليكم في الدين من ضرر) كما في مثل (لا حرج).

اقول: هذا المعنى لعله اسدّها، و ينسجم مع كل موارد استعمال الفقرتين: (لا ضرر- و لا ضرار).

ففي قصة سمرة لم يجعل اللّه له حق هذا الاضرار (و لا ضرر و لا ضرار) فان تشريع (الناس مسلطون) مخصص ب (لا ضرر).

و رواية منع فضل الماء، كذلك، لم يجعل اللّه (الناس مسلّطون) بهذه السعة.

و رواية الشفعة، مفادها: ان امتلاك شخص بلا رضا آخر غير جائز و غير نافذ (إلّا اذا كان ضررا).

و هكذا في موارد استعمال (الضرار) في القرآن و السنة، سواء في العبادات و غيرها، و في الواجبات، و المحرمات- كالوضوء الضرري، و الامر بالمعروف الضرري، و الخلوة بالاجنبية التي تركها ضرري- و غيرهما.

38

الفرق بين تفسيري الشيخ و الآخوند

ثم انه ايّ فرق بين تفسير الشيخ ل (لا ضرر) ب (نفي الحكم الناشئ منه الضرر) و بين تفسير الآخوند ب (نفي الحكم بلسان نفي الموضوع)؟

قد يقال: بعدم الفرق بينهما الا في اللفظ، و الفرق أدبي، و هو: ان النسبة حقيقة الى نفس الضرر، و يكنى به عن الحكم، و صرّح به الكفاية.

لكن نقل المشكيني ((رحمه اللّه)) في حاشيته على الكفاية عن الماتن ثمرتين للفرق بينهما، فقال:

الفرق الاول [اذا لزم من الاحتياط حرج او ضرر على المحتاط فهو منفي بالقاعدة على مبنى الشيخ دون الآخوند]

الاول: ما اذا لزم من الاحتياط حرج او ضرر على المحتاط فهو منفي بالقاعدة على مبنى الشيخ دون مختار الآخوند.

و فيه: منع الافتراق من هذه الجهة، و ذلك لما ... افاده هو في حاشيته- في بحث دليل الانسداد، عند البحث في المقدمة الرابعة من مقدماته- قال: ان الحرج و ان كان غير موجود في متعلق الاحكام الواقعية، إلّا انه إذا اشتبهت بين وقائع كثيرة تصير الوقائع الملحوظة اتيانها بعد اتيان مقدار من الوقائع التي توجب الحرجيّة، لما يؤتى بعده حرجيّة فحينئذ ينفى التكليف في هذه الوقائع البعديّة على نحو التعليق، بمعنى انه لو كانت متعلقة للتكاليف فليست بفعليّة و ذلك لعدم العلم بها فيها اذ لعلها متعلقة بالوقائع الاوليّة.

و بعبارة اوضح: ان الوقائع البعديّة اما لا تكليف فيها لوجوده في ما قبلها او منفية لكون متعلقه حرجيا، بواسطة اتيان ما قبلها، فحينئذ يحكم العقل الحاكم في امثال تلك المقامات بوجوب اتيان المظنونات اولا حتى يكون مورد العسر هي المشكوكات و الموهومات، و ينفي التكليف التعليقي فيها لا بالتنجز بينه و بين اتيانهما اولا، حتى يكون مورد العسر هي المظنونات فلا ثمرة بين الوجهين من هذه الجهة.

39

الفرق الثاني [فى العقد الغبنى‏]

الثاني: العقد الغبني، قال في اثناء درسه ما حاصله: ان المشهور استدلوا لثبوت الخيار فيه بالقاعدة، فان كان معناها ما ذكره الشيخ يرد عليهم ما اورده في متاجره: من أن نفي اللزوم في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين امضائه بكل الثمن و الرد كذلك، بل يحتمل ان يكون نفيه بنحو التخيير بين امضائه بكل الثمن و ردّه في مقدار الزائد، غاية الامر ثبوت الخيار للغابن، لتبعض الصفقة عليه بخلاف ما ذكرنا من المعنى للقاعدة فانه سالم عن هذا الاشكال، نعم:- يرد عليهم بناء عليه: ان نفي اللزوم لا يلازم الخيار لاحتمال كونه عقدا جائزا كالهبة، و تظهر الثمرة في الاسقاط فانه على الجواز لا يؤثّر لكونه من الاحكام بخلاف الخيار، و هذا المعنى لا ينافي حكمه بسقوطه باشتراط سقوطه في القصد، لانه من باب الاقدام على الضرر نظير المقدم عليه مع العلم بزيادة الثمن، فانه لا يشمله القاعدة من الاوّل للانصراف.

انتهى.

(و فيه) اوّلا: انه لا فرق بين المعنيين، فانّ المرفوع على أيّ التقدير هو اللزوم فلورود الاشكال فلا فرق بين المعنيين اصلا.

و ثانيا: انه لا وجه لتسليم اشكال الشيخ اذ معنى نفيه لزوم العقد تزلزل العقد بالقدرة على الفسخ و لا يعقل ذلك الا بالقدرة على فسخ العقد في غير المقدار الزائد.

و اما رده فليس فسخا له اذ هو عبارة عن حل العقد بحيث يرجع كل عوض الى صاحبه، فتأمل.

و ثالثا: ان ظاهره حصر اشكال عدم الملازمة بين نفي اللزوم و بين الخيار لاحتمال الجواز في البين في ما اختاره من المعنى للقاعدة مع انه يجري في ما اختاره الشيخ ايضا.

و رابعا: ان حمل الخيار في كلماتهم على الجواز خلاف ظاهر لفظ الخيار، فانه في اصطلاحهم حق ثابت في العقد يسقط بالاسقاط و خلاف صريح قولهم بسقوطه‏

40

بالاسقاط فانه فرع كونه حقا.

توهم فرق آخر [في العقد الغبني ايضا] بين المعنيين‏

ثم انه قد يتوهم افتراق المعنيين في العقد الغبني بتقريب آخر و هو:

انه قد ثبت للعقد بحسب الادلة الشرعية حكمان: الصحة و اللزوم، و حينئذ ان كان معنى القاعدة ما ذكره الشيخ فلا يثبت الخيار المذكور، لانه لا نظر حينئذ لها الى الادلة و الحكم الناشئ منه الضرر هو اللزوم بلا تدارك، و اما هو مع التدارك فلا ينشأ منه الضرر بخلاف ما اختاره في الكفاية فانه بناء عليه يكون ناظرا الى الادلة المجعول فيها حكمان: الصحة و اللزوم، و الاول لا ينشأ منه الضرر و الثاني ينشأ منه الضرر فيكون مرتفعا.

(و فيه) اولا: ان النظر موجود على كلا المعنيين فان الحكومة ليست منحصرة في ما كان الدليل بلسان نفي موضوع الآخر كما تحقق في محلّه-.

و ثانيا: ان ثبوت النظر بناء على مختار الكفاية لا يوجب ما ذكر، إلّا مع القطع بانحصار حكم الشارع في العقد في الصحة و اللزوم بلا تدارك اللذين قد دل عليهما الادلة، و اما مع عدم القطع فيمكن ثبوت اللزوم مع التدارك بعدم الضرر فيه، و مع هذا القطع تكون القاعدة مثبتة للخيار بناء على عدم النظر ايضا.

و ثالثا: سلمنا جميع ذلك إلّا أن رفع اللزوم لا يلازم الخيار، فلعله مقارن مع الجواز كما سبق الإشارة اليه.

فتحصل: انه لا فرق بين المعنيين في العقد الغبني أيضا، و انه لا يصح التمسك بالقاعدة في اثبات الخيار فيه، فتأمل.

ثمّ: ان المشكيني ((رحمه اللّه)) ذكر موارد أخر تصلح لجعلها ثمرة الخلاف بين مبنى الشيخ (رحمه اللّه) و مختار الآخوند مع اجوبة كل مورد، و ذلك في بحث دليل الانسداد، عند الكلام في المقدمة الرابعة منه فراجع‏ (1).

____________

(1)- حاشية المشكيني (ره) على الكفاية: ج 2، ص 119، نهاية الصفحة.

41

ايرادان على كلام الشيخ «ره»

ثم انه اورد على كلام الشيخ بايرادات غير تامة كلها، نذكر اهمها، و هي اثنان:

الايراد الاول: ان ظاهر النفي و الوجود، هو الحقيقيان‏، فان الاعتباريان ليسا وجودا و عدما- إلا من باب المجاز- فلا ضرر معناه: نفي حقيقة الضرر لا نفي اعتبار الضرر.

و فيه: ان (لا) لمجرد النفي، اعم من الحقيقي و الاعتباري، و بظهور مدخولها يتعين معنى النفي، و قرينة شارعية الشارع كافية لصرف (ضرر) الى الحكم الضرري.

الايراد الثاني: مقتضى نفي الحكم الضرري، هو كون الفاعل الشارع‏، و نفي الضرر الصادر من الشارع، مع ان هناك قرائن تدل على نفي اضرار الناس بعضهم ببعض.

و فيه: ان نفي الحكم الضرري اعم من المكلف او غيره، ف (لا ضرر) يعني:

الحكم الضرري لا يوجد في الاسلام، فلا يجب تحمله و لا يجوز ايصاله الى الغير، فالحكم الناشئ منه الضرر على النفس أو على الغير، كله منفي.

مضافا الى ما اسلفناه من ان (الضرار) بمعنى اضرار الناس بعضهم ببعض، فيجمع بين (الضرر) و (الضرار).

القرائن [التي ذكرت لكون (لا ضرر) هو بمعنى الاضرار، لا الحكم الضرري‏] كلها مخدوشة

اما القرائن: التي ذكرت لكون (لا ضرر) هو بمعنى الاضرار، لا الحكم الضرري، فكلها ايضا مخدوشة.

منها: قوله: «انك رجل مضار» فهو بمنزلة الصغرى ل (لا ضرر) و حيث ان فاعل (مضار) المكلف (فالكلي) كذلك.

و فيه: ايّ تلازم بين الصغرى و الكبرى في مثل ذلك؟

42

و منها: ان (الضرار) على ما فسر هو: الضرر العمدي الناشئ عن الاغراض الفاسدة، لا يناسب الحكم الصادر من الشارع، و يناسب اضرار الناس بعضهم ببعض.

و فيه:

اولا: نفي الضرار عن الاسلام غير اثباته، و الاثبات للضرار في الاسلام باطل، لا النفي.

و ثانيا: الضرار لا يقيد بالصادر عن الاغراض الفاسدة، بل كما حققناه سابقا الاضرار مطلق.

و ثالثا: ايّ مانع بين كون (الضرار) اضرار الناس بعضهم لبعض، و بين (الضرر) الحكمي، و نفي كليهما كما استقربناه.

و منها: لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، و لا ضرر و لا ضرار، و ظاهره الذيلية لا الاستقلال ل (لا ضرر) و منع فضل الماء و الكلاء مناسب للضرر الناشئ من الناس.

و فيه: لا ضرر، اعم منه، و لا يجب حصر التعليل في الصغرى بل هو يجري في الكبرى ايضا، نظير أن يقال: (انا لا احب هذا اللون، فاني لا احب الالوان كلها) و (لا تؤذ زيدا فان المؤمن لا يؤذي احدا) فهل معنى الكبرى: انه لا يؤذي من هو نظير زيد في كلّ الخصوصيات.

و منها: ان الفقهاء يستندون ب (لا ضرر) في نفي الاضرار في ابواب المعاملات اكثر.

و فيه: في العبادات ايضا التمسك به بكثرة، و الاكثرية غير معلومة و مع فرضه فلا دليل فيها.

الوجه السابع‏

[7- (لا ضرر) حكم ولائي لا حكم شرعي‏]

الوجه السابع لبعضهم و قد قدّم له مقدمات لبيان ان (لا ضرر) حكم ولائي و نهي النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بما هو وليّ و حاكم، لا حكم شرعي بيّنه ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بما هو مبيّن لأحكام اللّه تعالى.

و نتيجته: انه ليس في الشرع قاعدة (لا ضرر) و انما قضى بها رسول اللّه للسياسة

43

الخاصة التي تستدعي ردع الظالم، و انتصار المظلوم.

و استنبط ذلك من موارد استعمل فيها كلمات: (قضى النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو حكم أو امر بكذا) و هي قضايا خاصة لا احكام عامة.

و قال: اذا ورد في بعض الاحكام العامة: (قضى النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) فهو لقرينة في ذاك المورد خاصة.

أقول: يرد عليه امور:

احدها: عدم التزامه بنفسه بذلك في الفقه، فانه يستند الى (لا ضرر) كثيرا.

ثانيها: انه مناف لاستدلال الفقهاء قديما و حديثا ب (لا ضرر) فانه لا يناسب الحكم السلطاني الذي ملاكه المصلحة الخاصة.

ثالثها: الكثير ... الكثير من عشرات الروايات التي استعمل فيها (قضى، حكم، امر) في مقام بيان الحكم لا القضاء و الحكم بمعنى فصل الخصومات (و لاستيضاح ذلك، دونك المعجم المفهرس لألفاظ وسائل الشيعة، في موادها).

رابعها: استعمال قضى في القرآن بهذا المعنى ايضا:-

«و قضى ربّك ان لا تعبدوا الّا ايّاه ...».

خامسها: استنباط (قضى) في الحكومة الخاصة غير كثير، ان لم يكن نادرا.

سادسها: ان ذلك مناف للتعليل ب (لا ضرر) في ذيل الروايات، و قد اسلفنا ان الاصح: ان (لا ضرر) ورد ذيلا للروايات، و ان لم ننكر وروده مستقلا ايضا و اللّه العالم.

ثم انه في المقام «اشكال و دفع» ذكرهما بعضهم دفاعا عن الوجه السابع و حاصلهما هو:

ان قلت: ظاهر صحيحة زرارة «فاقلعها فانه لا ضرر و لا ضرار» استناد النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) في الحكم بقلع الشجرة الى قاعدة شرعية الهية، فان‏

44

تعليل عمله ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بحكم نفسه غير مناسب.

قلت: حيث ان المقام مقام شكوى الرعية الى السلطان، كان هذا قرينة على أن «اقلعها» صغرى و (لا ضرر) كبرى، و كلاهما حكمان سلطانيان، أي:- (اقلعها فانه يجب أن لا يكون تحت سلطاني ضرر).

و فيه: مضافا الى ان الظاهر خلافه، اذ مقام التشريع يقتضي كون كل حكم من الاحكام الصادرة شرعيا و عاما، الا ما خرج و ليس هذا منه- انه ينقض بما استعمل فيه نظير (لا ضرر) مثل: (لا حرج في باب الحج) فهل يقال بانه حكم سلطاني وقتي، و مثل (لا قران بين طوافين) و (لا قران بين سورتين) و (لا سلب) و (لا رفث، و لا فسوق، و لا جدال في الحج) و (لا شغار في الاسلام) و (لا عدوى) و غيرها ...

و الحاصل: ان الاقرب الى النظر من المعاني السبعة المذكورة، هو ما اختاره الشيخ الانصاري- (قدّس سرّه)- و هو: «نفي الحكم الناشئ منه الضرر مطلقا» و هو الوجه السادس.

[القسم الثانى من الروايات‏]

(لا ضرر) في روايات أخر

1- منع فضل الماء

و اما رواية: «لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء فلا ضرر و لا ضرار»

ففيه بحوث:

1- السند.

2- الفاء في: «فلا ضرر و لا ضرار».

3- الظهور.

4- المحامل.

5- الاشكالات في الاستدلال بالرواية.

45

بحث السند

اما البحث الاول: فالكلام في السند و هو (الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالف، عن الصادق (عليه السّلام)).

اما محمد بن يحيى فهو و ان كان مشتركا بين جمع بعضهم ثقة، و بعضهم غير ثقة، إلّا ان الظاهر- الذي صرح به المحقق الكاظمي في مشتركاته‏ (1) كونه ابو جعفر العطار القمي الثقة لرواية الكليني عنه.

و اما محمد بن الحسين، فهو ايضا مع كونه مشتركا إلّا ان الحدس الاطميناني يسوق الى تعيينه في (محمد بن الحسين بن ابي الخطاب) لرواية محمد بن يحيى العطار عنه.

و أما محمد بن عبد اللّه بن هلال، فقد اهمل ذكره الرجاليون الاقدمون، فليس له منهم ذكر لا بمدح و لا قدح، إلّا انه من رجال ان قولويه في (كامل الزيارات) لكنا لم نستفد- تبعا للمشهور- دلالة مقدمته على توثيق غير شيوخه، نعم اذا كان تتبع روايات الشخص و سلامتها كاشفة عن اعتباره كان الرجل مصداقا لذلك- كما ذكره الزنجاني في (الجامع في الرجال) في حقه- لكنه غير واضح صغرى، و مشكل كبرى.

فلم اجد دليلا على اعتباره- في هذه العجالة-.

و أما عقبة بن خالد فهو و ان كان مشتركا إلّا أن الذي يروي عنه محمد بن عبد اللّه بن هلال معتبر مسلما مرددا بين كونه ممدوحا او ثقة.

فالرواية متوقفة سندا من اجل محمد بن عبد اللّه بن هلال و اللّه العالم.

بحث المتن‏

و اما البحث الثاني: فالكلام في المتن: ففي الوسائل نقلا عن الكافي: «فقال: لا ضرر و لا ضرار».

و عن شيخ الشريعة في رسالة (لا ضرر): ان الفاء تصحيف قطعا، و النسخ الصحيحة المعتمدة من الكافي متفقة على الواو هكذا «و قال: لا ضرر و لا ضرار»

____________

(1)- هداية المحدثين: ص 258.

46

انتهى.

و يؤيده ما نقل عن الكافي المطبوع في طهران المصحح على تسع نسخ خطيّة و مطبوعة من انه بالواو: «و قال: لا ضرر و لا ضرار».

اقول: لا مانع و لا اجمال سواء كان بالفاء او بالواو، اما الواو فواضح و اما الفاء فهو تفريع، و ينسجم الكلام معه، و اليك نصّ الحديث:

«قضى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بين اهل المدينة في مشارب النخل: انه لا يمنع نفع شي‏ء و قضى بين اهل البادية: انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال: لا ضرر و لا ضرار».

يعني لما قضى ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) بذلك فقال تفريعا على قضائه و تعليلا له.

بحث الظهور

البحث الثالث في: الظهور، فهل المراد بمنع فضل الماء، الماء الذي هو ملك شخص بحفر و شق قناة و نحوهما، او الماء النازل من السماء، يحوطه شخص ثم يمنع الآخرين منه او الاعم منهما و من غيرهما؟

و كذا الكلام في (الكلاء) هل هو الذي يزرعه شخص و يملكه بانحاء الملك؟ او الذي ينبت بنفسه في الصحراء، غير المملوك لأحد، فيحوطه شخص و يحتكره لنفسه، ام مطلق، ام هو مجمل؟

الاطلاق: شامل للجميع، فيستشكل في الماء و الكلاء المملوكين، و الظاهر ان الفقهاء لم يعملوا بهذه الرواية، و لم يفتوا- باطلاق- وجوب انفاق الزائد من الماء و الكلاء، الا ما يحكي عن الخلاف و المبسوط و ابي علي و الفقيه، من: وجوب بذل الزائد حتى في الماء المملوك، قال في مفتاح الكرامة:

«قد اطبق المتأخرين على خلافهم، و قد نزّلت اخبار المنع على كراهة المنع و استحباب البذل، في الجامع و الشرائع و التذكرة و التحرير و المختلف و الدروس،

47

و جامع المقاصد، و الكفاية، و غيرهم الخ ...» (1).

كما ان ما دل منها على منع الفضل، منزل على منع مباح الماء و بيعه بالتغلب و نحوه، او على الكراهة (كتاب احياء الموات من الجواهر).

و لا يخفى ان ما ذكر كله في الماء، اما الكلاء، فلم اجد مصرحا به سلبا او ايجابا، لكن التحقيق هو الحمل على الكراهة للاعراض عن الخبر و ان كان صحيحا، او على القضاء الخاص من النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم))، او غير ذلك.

اما الماء و الكلاء الالهيين غير المملوكين، فالظاهر عدم الاشكال في عدم جواز منع الناس عن الفاضل، لانهما من المشتركات التي لا يجوز احتكارها، و منع الناس عنها اكثر من مقدار استفادته. (2)

بحث المحامل‏

البحث الرابع في المحامل: و قد ذكرنا بعضها و هي:

أ- الحمل على الكراهية.

ب- الحمل على انها قضية في واقعة.

ج- الحمل على انه قضاء في عهد النبي ((صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) و نحو ذلك من المحامل.

بحث الاشكالات‏

البحث الخامس: في الاشكالات الواردة على تعليل (منع فضل الماء) ب (لا ضرر) و هي امور:

____________

(1)- يراجع:

أ- جواهر الكلام: ج 38، ص 119.

ب- الفقه: احياء الموات، ص 247.

(2)- الفقه: احياء الموات ص 248.

48

احدها: المشهور- كما مر قبل قليل- كراهة منع فضل الماء و لو اوجب ضررا فكيف يعلل بنفي الضرر؟ و كيف يستدل بنفي الضرر هذا و مورده يجوز فيه الاضرار؟

و جوابه: انه لا مانع من تفكيك رواية واحدة و في الفقه غير عزيز، فيحمل (لا ضرر) على التحريم لعدم المانع، و لا يحمل (منع فضل الماء) على التحريم للمانع، و هو: الاعراض عن التحريم.

ثانيها: ان تعليل منع فضل الماء بمنع فضل الكلاء، و كليهما بالضرر- الظاهر من الخبر- اتفاقي، لمراعاة الناس لانفسهم و مواشيهم و مزارعهم ان لا يصيبها جوع او عطش، فكيف يجعل (منع فضل الماء) صغرى لكبرى الضرر، و الضرر اتفاقي؟

و جوابه اولا: انه ليس اتفاقيا خصوصا في الصحارى قديما التي كثيرا يقلّ فيها الماء و الكلاء، او لا اقل من انه ليس قليلا.

و ثانيا: ان التعليل بلحاظ الاهمية معقول و ان كان قليل الاتفاق، كمن يقول لابنه:

(احتط في معاملة الناس كي لا يصيبك منهم ضرر كبير) فان اصابة الضرر الكبير قليل الاتفاق لكنها لاهميتها يصح التعليل بلحاظها.

ثالثها: لو كان الملاك الضرر، لوجب بذل فضل الماء في كل مورد اوجب ضررا على الناس مطلقا، لا في خصوص الصحراء، و منع فضل الكلاء و نحوه، فمن لا يجد الماء لبناء بيته ضرر عليه، فيجب بذله للبناء و نحو ذلك و لا يلتزم به في الفقه.

و كذا في بذل غير الماء مما كان في تركه ضرر، كالدواء، و الحطب، و النار، و نحو ذلك.

و جوابه: ان (لا ضرر)- كما ذكر جمع من المحققين- ينفي الضرر و لا يثبت حكما، لانه منّة، و اثبات الحكم به مناف للمنّة، على انه لو لا الاعراض الدلالي- الذي لا نستبعد وهنه في الفقه تبعا للمشهور من اول الفقه الى آخره، كما هو ظاهر من مراجعة مطاوي الجواهر و غيرها- عن مضمون الرواية: (منع فضل الماء) لكن نلتزم لأجل التعليل بالضرر باثبات الضرر الحكم ايضا، لكنّا لا نلتزم به للاعراض الدلالي، ان لم نقل بعدم الظهور في اثبات الحكم بالضرر لكونه منّة على جميع الامّة، و اثبات‏

49

الحكم بلا ضرر مناف للمنّة على جميع الامة.

2- (لا ضرر) في ذيل حديث الشفعة

و اما (لا ضرر) في ذيل حديث الشفعة، فقد يشكل في كون عدم الشفعة ضررا لوجوه:

احدها: اضرار الشريك الجديد اتفاقي، و ربما يكون الجديد ارفق من الشريك السابق، و على فرض (الضرر): فالشركة بنفسها ليست ضررا، بل كانت الشركة موجودة سابقا، بل المحتمل للضرر هو التصرف اللاحق من الشريك الجديد.

و جوابه: ان الشركة الجديدة المعرضة لمحتملات آتية، بنفسها ضرر عرفا و الجهل بالارفقية للشريك الجديد، كاف في صدق الضرر، لاضطراب الشريك من الشركة الجديدة.

ثانيها: ان نفي الضرر- لو كان ضرر موضوعا- يلزم منه بطلان البيع، أو عدم لزومه، لاثبات النفع للشريك بتملك الحصة المباعة.

و جوابه: ان الضرر افاد جواز ابطال البيع، و الاخذ بالشفعة أفاده المفروغية عن اعراض الشريك عن حصته، و بالسبر و التقسيم، و دوران الامر بين:

1- الشريك الجديد: المنفي بالضرر.

2- و ابقاء الحصة في ملك الشريك السابق المنفي بارادته البيع.

3- و اخذها بالشفعة، و لا قسم رابع، فيتعيّن (بلا ضرر) الاخذ بالشفعة.

ثالثها: ان تعليل حق الشفعة ب (لا ضرر) مناف لكون هذا الحق ضررا على البائع، لتقييد سلطنته على بيع ملكه ممن يريد، و ضررا على المشتري باخذ الحصة منه، فكيف يعلل بالضرر ما يتعارض فيه الضرران؟

و جوابه- مضافا الى انه في فرض التعارض رجّح الشارع ضرر الشريك فضرر الشريك ضرر بلا مانع، و لكن ضرر البائع و المشتري ضرر مع المانع، فكان كلا ضرر-:

ان البائع بعد خروج ملكه عنه، فأي ضرر عليه يكون قد انتقل الى هذا او ذاك؟

50

و المشتري باشترائه ما هو معرّض للزوال سواء باخذ الشفيع، او بابطال البيع، فاي ضرر عليه من حق الشفعة، بل الضرر سابق عليه؟ فلا ضرر ناشئ من حق الشفعة- على البائع و المشتري- حتى يعارض ضرر الشفيع؟

3- (لا ضرر) في مسألة سقوط الجدار

و اما (لا ضرر) في مسألة سقوط الجدار، و الزام صاحبه بنيانه اذا كان مضرا بالجار لكشف ستر البناء و نحو ذلك، و الخبر هو مرسل الدعائم عن الصادق (عليه السّلام) و هو:

«انه (عليه السّلام) سئل عن جدار الرجل- و هو سترة بينه و بين جاره- سقط فامتنع من بنيانه؟ قال (عليه السّلام): ليس يجبر على ذلك، الّا ان يكون وجب ذلك لصاحب الدار الاخرى بحق او بشرط في اصل الملك، و لكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقك ان شئت، قيل له (عليه السّلام): فان كان الجدار لم يسقط، و لكنه هدمه او اراد هدمه اضرارا بجاره، لغير حاجة منه الى هدمه.

قال (عليه السّلام): لا يترك، و ذلك ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

«لا ضرر و لا ضرار» و ان هدمه كلف ان يبنيه» (1).

ففي هذا الخبر شبهات من وجوه- مضافا الى الارسال الذي يغنينا عن البحث عن دلالته، و عدم العمل به حتى يجبر ضعفه، فيحمل على التنزيه-:

احداها: ان من مسلمات الفقه ان الضرر موضوع لحكم الشارع ب (لا) و يدور هذا الحكم مدار وجود الضرر خارجا و عدمه- في غير مثل الصوم و الحج و نحوهما مما يدور ظاهرا مدار خوف الضرر، سواء كان الضرر ثابتا خارجا ام لا- سواء نوى الاضرار أم لا، فنيّة الاضرار وحدها لا ترفع حكما، و الاضرار وحده يرفع الحكم و ان لم ينو الاضرار، فالتفريق في هذا الخبر بقصد الاضرار، و عدم القصد، خلاف المتسالم عليه ظاهرا بين الفقهاء.

____________

(1)- مستدرك الوسائل، احياء الموات، الباب 9.

51

ثانيتها: ظاهر الخبر علّية الاضرار، لا خصوصية الجدار، فيجب سحب هذه العلة في غير الجدار من نظائره، فمن كانت له دار، و كانت سببا للظل على الجار، و غلاء قيمة دار الجار، فان هدمها للاضرار، كلف البناء حتى اذا كان ضررا على نفسه، او كان له محل تجارة في محلة، و كان سببا لسهولة شراء اهل المحلة، فبدّله الى دار، وجب عليه اعادته، و هكذا مما لا يلتزم به فقيه ظاهرا، و هكذا امثلة كثيرة لا يلتزمون بها.

ثالثتها: ان الضررين:- ضرر صاحب الدار بالزامه بالبناء، و ضرر الجار اللازم من هدم الجدار- متعارضان، فيجب التساقط لا الترجيح لاحدهما.

هذا و الظاهر ان الشبهة الاولى و الثانية، مما لا يمكن التفصي عنهما.

اما الثالثة فيجاب عنها بما اجيب سابقا: من أنّه- بعد ثبوت العمل بالرواية و لم يثبت- يحمل على الاهمية في نظر الشارع مع قيدين:

1- قصد الاضرار.

2- تحقق الضرر، و اللّه العالم.

4- (لا ضرر) في رواية الطلاق‏

و اما رواية الطلاق من المريض لمنع الارث، فهي ما رواه الوسائل عن الفقيه، باسناده عن صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله ...

و عن العلل في الحسن عن صالح و غيره من اصحاب يونس عنه عن رجال شتى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

سألته ما العلة التي من اجلها اذا طلق الرجل امرأته و هو مريض في حال الاضرار، ورثته و لم يرثها، و ما حد الاضرار عليه؟

فقال (عليه السّلام): هو الاضرار، و معنى الاضرار منعه اياها ميراثها منه، فألزم الميراث عقوبة. (1)

اما السند: فالظاهر اعتباره و ذلك لان الخبر رواه الصدوق (رضوان اللّه عليه) في‏

____________

(1)- وسائل الشيعة/ ج 17/ ص 534/ كتاب الفرائض/ ميراث الازواج/ الباب 14 الحديث 7.

52

الفقيه و العلل بطريقين.

اما في الفقيه فاسنده الى صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام).

و طريق الصدوق (رحمه اللّه) الى صالح بن سعيد غير معروف، فلم يذكره العلامة (رحمه اللّه).

و قد يظن انه نفس الطريق الآخر، لوحدة الراوي و المروي عنه و وحدة المتن و هو في العلل عن ابيه، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن صالح بن سعيد و غيره، من اصحاب يونس، عن يونس، عن رجال شتى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام).

و هذا الطريق لا يخلو من اعتبار تبعا لجمع للظنون الرجالية:-

بحث سندي‏

1- اذ (صالح بن سعيد) و ان كان مجهولا، بالمصطلح الرجالي الحديث- إلّا انه قد يعتبر معتبرا لامور:

(منها) ما صرح به الوحيد البهبهاني‏ (1) تبعا لخاله المجلسي الثاني (قده)- و قد تبعا بعض من تقدم عليهما، و تبعهم جمع ممّن تأخر عنهم- من اعتبار كل من كان للصدوق (رحمه اللّه) اليه طريق.

(و منها) عطف (غيره من اصحاب يونس) على (صالح بن سعيد) يقضي بالاطمينان- للمتتبع الدقيق- على العلم الاجمالي بوجود معتبر في البين.

(و منها) انه من رجال تفسير على ابن ابراهيم، فقد روى عنه بواسطة ابيه في تفسير البسملة من سورة الفاتحة- فتامّل.

(و منها) غير ذلك مما- بمجموعه- يوجب الاطمينان الى اعتبار الرجل، و ان كان في كلّ واحد واحد مما ذكر اشكال و في بعضها- بمفرده- منع.

2- و اما يونس فهو بلا اشكال يونس بن عبد الرحمن لا ابن ظبيان- كما يظهر

____________

(1)- الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني (ره) ص 54.