بيان الأصول - ج6

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

«الاستصحاب»

و البحث فيه، يستدعي مقدّمات، و فصولا، و تنبيهات، و خاتمة.

أمّا المقدّمات‏

فكالتالي:

1- في تعريف الاستصحاب.

2- هل الاستصحاب مسألة اصولية؟

3- هل الاستصحاب أمارة أم أصل عملي؟

4- في الفرق بين قاعدة الاستصحاب و قاعدتي: اليقين، و المقتضى و المانع.

5- في انّ الاستصحاب تابع لدليل حجّيته إطلاقا و تقييدا.

6- في تقسيمات الاستصحاب.

6

المقدّمة الأولى في تعريف الاستصحاب‏

قال في الكفاية: «و لا يخفى انّ عباراتهم في تعريفه و ان كانت شتّى، إلّا انّها تشير إلى مفهوم واحد و معنى فارد، و هو الحكم ببقاء ...».

و هنا مطالب:

الحاجة الى التعريف‏

أحدها: هل نحن بحاجة إلى تعريف الاستصحاب الشرعي تعريفا دقيقا؟

و الجواب: نعم، فنيّا، لا واقعيّا، لعدم ترتّب أثر عملي على هذا التعريف غير ما يترتّب على ما ينقل من الأقوال و أدلّتها، و اختيار أحدها من بينها، و لذا فان تصدّينا للتعريف الدقّي إنّما هو لمتابعة القوم لا أكثر.

هل التعريفات لفظيّة؟

ثانيها: هل تعريفات القوم لفظيّة- كما صرّح به صاحب الكفاية في موارد عديدة- أم دقّية بنظرهم؟ الظاهر: الثاني، لإتعابهم أنفسهم في إثبات كون تعريفاتهم جامعة و مانعة، مطردة و منعكسة.

7

الاستصحاب و الأدلّة الأربعة

ثالثها: هل ورد لفظ الاستصحاب بهذا المعنى في الأدلّة الأربعة؟ مع ان الظاهر عدم لزومه، و ذلك:

1- لكفاية استنباط لفظ جامع من الأدلّة، لتسهيل التعبير.

2- و وجود نظائر له في الفقه و الأصول ممّا استنبطه الفقهاء، كالبراءة و الاشتغال، و العلم الإجمالي، و الصلاة لا تترك بحال، و الطواف بالبيت صلاة، و الكفر كلّه ملّة واحدة، و نحو ذلك.

هذا و لكن يرد على كليهما:

1- انّه لا داعي له، إذ كثيرا ما سهولة التعبير تؤدّي إلى خلاف المستفاد من الدليل، لو شمل الدليل موردا لم يشمله اللفظ المستنبط أو بالعكس، فيكون أعمّ و أخصّ من وجه.

2- و ثبوت نفس الإشكال في النظائر، يزيد الموضوع إشكالا، و لا يرفعه.

و الحاصل: هل ورد في شي‏ء من الأدلّة، لفظ الاستصحاب بهذا المعنى؟

امّا الكتاب: فليس فيه.

و امّا السنّة: فلم أجده في نصوصنا.

و امّا العقل: فلا ربط له بالألفاظ، و إنّما هو بالنسبة إليها، كالمستفيد من القنطرة آليا لا أكثر، و لذا قالوا في المعقول: «الألفاظ قنطرة المعاني» بالمعنى الفلسفي لا العرفاني و الصوفي، و كون دليل حجّية الاستصحاب العقل- عند بعضهم- ليس معناه قيام الدليل العقلي على حجّية ما أفاده‏

8

لفظ (الاستصحاب) سعة و ضيقا، كما لا يخفى.

و امّا الإجماع: فان انعقد إجماع كلّي، حجّة على لفظ (الاستصحاب) فهو، و استبعده حتّى الّذين نقلوا الإجماع على (حجّية استصحاب الحال)- بعد ثبوت الإجماع فيه موضوعا.

لا شكّ انّهم يريدون به عدم نقض اليقين بالشكّ سعة و ضيقا، فالأفضل إذن: تسميته بقاعدة: «عدم نقض اليقين بالشكّ».

و الإيراد بطول لفظه يدفعه- مضافا إلى إمكان الاعتماد عليه سعة و ضيقا- وجود نظائر له ك «قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و «قاعدة العقود تابعة للقصود» و غيرهما.

المعنى اللغوي للاستصحاب‏

رابعها: الاستصحاب لغة و من حيث المعنى اللغوي غير صريح فيما نحن فيه، ففي أقرب الموارد: «استصحبه: لازمه و لاينه و دعاه إلى الصحبة، و جعله في صحبته، و- زيدا الكتاب و غيره سأله أن يجعله في صحبته».

لكن «اصطحبه» أقرب إلى المعنى المقصود، ففي أقرب الموارد:

«اصطحب القوم، صحب بعضهم بعضا، و- فلانا حفظه».

قالوا في كتب التصريف، أمثال شرح النظام، و شرح التصريف و في الباب الرابع من المغني في مواضع متفرقة منه: «ينقل الفعل المجرّد إلى وزن استفعل لأمور:

1- للطلب، نحو (استغفر) أي: طلب المغفرة.

2- لوجدان المفعول على صفة: نحو (استعظم الأمر و استحسنه) أي:

وجده عظيما و حسنا.

9

3- لنقل ذي المفعول الواحد الى اثنين: نحو (استكتبته الكتاب)

4- للتحوّل: نحو (استحجر الطين) أي: تحوّل حجرا.

5- للتكلّف: نحو (استجرأ) أي: تكلّف الجرأة.

6- للمطاوعة: نحو (أراحه فاستراح) أي: قبل الراحة.

7- و قد يكون استفعل بمعنى فعل المجرد: نحو (استقرّ) أي: قرّ.

و قال في القاموس: «استصحبه: دعاه إلى الصحبة و لازمه».

و كلّ هذه المعاني ليست صريحة في (الاستصحاب) الشرعي المبحوث عنه، و هو: «الحكم ببقاء اليقين السابق اعتبارا لا حقيقة».

و لعلّه لذا قال المحقّق العراقي في المقالات: «و هو في اللغة: طلب الصحبة، و أطلق بالعناية إبقاء ما كان».

و امّا اصطحب، فقال في القاموس: «أصحبته الشي‏ء، جعلته له صاحبا، و فلانا حفظه كاصطحبه».

إذن: فالمعنى الشرعي لعدم نقض اليقين بالشكّ، أقرب إلى لفظ الاصطحاب منه إلى الاستصحاب، و الأمر سهل.

هذا كلّه مضافا إلى الشكّ في شمول مادّة الاستصحاب بصيغه المختلفة للأمر غير المادّي، كاليقين، في استعمال العرف العربي.

و لعله غير مألوف، و اللّه العالم.

الاستصحاب و تعريفه الاصطلاحي‏

خامسها: ما هو تعريف الاستصحاب- و جريا على ما جرى عليه القوم نذكره-

10

عرّف بتعاريف كثيرة، ذكر بعضها الشيخ، و ذكر أكثر من الشيخ غيره ممّن تقدّم أو تأخّر عنه، فقال الشيخ: «أسدّها و أخصرها: إبقاء ما كان».

و قد ورد هذا التعريف- ضمن تعاريف أخرى- في تقرير بحث استاذ الشيخ، شريف العلماء، و هو مخطوط عندي نسخة منه، و لا يخفى أنّ أخصر بمعنى التفضيل على خلاف باب اسم التفضيل، لما ذكره ابن مالك في باب التعجّب و ذكر صيغتيه: ما افعله، و افعل به، قال:

«و صغهما من ذي ثلاث صرّفا* * * قابل فضل تمّ غير ذي انتفا

و غير ذي وصف يضاهي أشهلا* * * و غير سالك سبيل فعلا»

ثمّ قال في باب اسم التفضيل:

«صغ من مصوغ منه للتعجّب‏* * * افعل للتفضيل و أب اللذ ابي»

يعني: شروط صيغتي التعجّب، لازمة في صياغة اسم التفضيل، و من الشروط كونه ثلاثيّا مجرّدا، و اختصر، حيث انّه مزيد فيه من باب الافتعال، فلا يصاغ منه اسم التفضيل.

نعم، قال في السيوطي في أوّل باب اسم التفضيل «و شذّ: أخصر منه» و ظاهره: ورود ذلك على خلاف القاعدة.

امّا «أسدّ» فهو أيضا على خلاف الباب لكونه مأخوذا من الثلاثي المزيد فيه «سدّده» من باب التفعيل، و لم أجد انّه ورد «أسدّ» شذوذا.

فالصحيح أن يقال: «أشدّها سدادا، و أكثرها اختصارا أو أخصرها» فتأمّل.

و ورد خصر- كعلم- ثلاثيّا ليس بمعنى الاختصار، بل بمعنى البرد، يقال:

خصر يومنا إذا برد.

ثمّ انّه أشكل على هذا التعريف إشكالات:

11

الإشكال على: «ابقاء» في تعريف الشيخ‏

أحدها:- للعراقي و غيره مزجا منّي- ان (إبقاء) يحتمل وجوها أربعة:

1- إبقاء المكلّف عملا.

2- إبقاء الشارع بمعنى الإلزام على المكلّف.

3- إبقاء الشارع بمعنى جعل الحكم المماثل للمتيقّن السابق، الذي هو في الحقيقة إحداث، و لكنّه إبقاء عنوانا.

4- إبقاء العقل بمعنى التصديق الظنّي بالبقاء الحقيقي، ليكون الاستصحاب بهذا المعنى من الأحكام العقليّة غير المستقلّة (أي: في سلسلة المعاليل).

و يرد عليها جميعا، بعد أن يؤيّدها امور:

امّا- 1- فيؤيّده: سائر اشتقاقات الاستصحاب، فالمستصحب- بالكسر- مثلا هو المكلّف، لا الشارع، و لا العقل.

و يرد عليه: انّه بقاء حقيقة، لا إبقاء، إذ المكلّف يبقى على الحالة السابقة، لا انّه يبقي شيئا على الحالة السابقة.

ان قلت: المكلّف كما يصحّ نسبة البقاء على السابق إليه، كذلك يصحّ نسبة الإبقاء إليه، لأنّه يبقي نفسه على السابق.

قلت: هذا ظاهرا مسامحة، و إلّا فالمكلّف يبقى- بفتح الياء-.

و امّا- 2 و 3- فيؤيّدهما: عدّ جمع من الفقهاء الاستصحاب من الأحكام الظاهرية، مقابل الأصول العملية، و هو يناسب الإبقاء الشرعي، أو الجعل الشرعي.

و يرد عليهما: 1- انّ الإلزام الشرعي أو الجعل الشرعي دليل الاستصحاب‏

12

لا نفس الاستصحاب و 2- مع انّ الجعل الشرعي إحداث لا إبقاء.

و امّا: 4- فيناسبه ذكر القدماء، الاستصحاب من الأدلّة العقليّة غير المستقلّة كالقياس و الاستحسان التي هي عبارة عن الأحكام الظنّية العقليّة.

و يرد عليه: ما ذكره بعض الحكماء من عدم حكم للعقل أصلا، و إنّما للعقل الرؤية فقط، لا أكثر فتأمّل.

الاشكال الثاني [عدم الجهة الجامعة للاستصحاب على المباني الثلاثة في حجّيته ...،]

ثانيها: عدم الجهة الجامعة للاستصحاب على المباني الثلاثة في حجّيته، من الأخبار، و بناء العقلاء، و حكم العقل، و ذلك:

1- انه إن كان المراد ب (الإبقاء) الإبقاء العملي للمكلّف، فهو و ان صحّ تعلّق الإلزام الشرعي بالأخبار، أو الإلزام العقلائي ببنائهم عليه، لكنّه ليس موردا لحكم العقل، لأنّ الإذعان العقلي الظنّي عبارة اخرى عن رؤية العقل بقاء الحالة السابقة، و ليس للعقل إلزام إنشائي و شبهه.

أقول: فيه- مضافا إلى ورود نفس الإشكال على بناء العقلاء، لأنّ بناء العقلاء إنّما استقرّ على بقاء الحالة السابقة، و ليس لبناء العقلاء إلزام إنشائي و شبهه-: انّ المشهور المنصور بين أهل الحكمة انّ للعقل حكما، لا مجرّد رؤية، و لذا اشتهر قولهم: «الأحكام الشرعية، و الأحكام العقليّة» و قولهم في باب وجوب الإطاعة: «الأوامر الشرعية إرشادات إلى أحكام العقل» و نحو ذلك.

2- و ان كان المراد بالإبقاء، إبقاء الشارع بإلزام المكلّف، أو إبقاء الشارع بجعل الحكم المماثل لحكم الحالة السابقة، فهو ينسجم مع مبنى حجّية

13

الاستصحاب من الأخبار، لأنّ الأخبار تفيد إلزام الشارع للمكلّف، أو جعل حكم مماثل للحالة السابقة.

و امّا ان كان مبنى الحجّية بناء العقلاء، أو حكم العقل، فلا إلزام فيهما، بل للعقلاء بناء على البقاء، و للعقل رؤية البقاء.

و ان تنازلنا و التزمنا بالإلزام للعقل، فلا إلزام لبناء العقلاء.

أقول فيه: انّه أي مانع من أن نستكشف من بناء العقلاء إلزام العقلاء بالبناء؟ و لذا نراهم يستدلّون أحيانا بأمر العقلاء، أو نهيهم المستكشف من تحسينهم و تقبيحهم.

إذن: فالإشكال الثاني على الشيخ غير وارد، لثبوت الجهة الجامعة لحجّية الاستصحاب على المباني الثلاثة، فتأمّل.

الاشكال الثالث [عدم صحّة توصيف الاستصحاب بالدليل و الحجّة على جميع ...]

ثالثها: عدم صحّة توصيف الاستصحاب بالدليل و الحجّة على جميع المباني الثلاثة، و ذلك:

1- امّا على تفسير (الإبقاء) بالإبقاء العملي من المكلّف، فواضح انّ بناء المكلّف على شي‏ء، لا يوصف بالدليل الشرعي، و لا بالدليل العقلي، و لا بالدليل العقلائي، فان عمل شخص بشي‏ء ليس حجّة و لا دليلا على شي‏ء.

2- و امّا على تفسير (الإبقاء) بالإلزام الشرعي، فانّه يصبح مدلولا للدليل، لا نفس الدليل، و بعبارة أخرى: الاستصحاب دليل على الإلزام، لا نفس الإلزام، فإذا عرفنا الاستصحاب- الذي هو دليل على الإلزام الشرعي- ب (الإلزام الشرعي)، فقد عرفناه بالمدلول.

و تصحيح الإشكال: بإرادة ثبوت هذا الإلزام و عدم ثبوته، من قولنا: حجّية

14

الاستصحاب و عدمها كالمفاهيم، حيث نقول: «هل مفهوم الوصف حجّة أم لا» نريد به: هل للوصف المفهوم ثابت أم لا؟ مخدوش: بأنّ النزاع في ثبوت كلّ شي‏ء و عدمه، لا يصحّح التعبير عنه بالحجّية و عدمها، و المفاهيم حيث انّها ان ثبتت كانت حجّة، و إلّا فلا، فثبوتها غير حجّيتها، صحّ إطلاق الحجّة على ثبوتها.

امّا ثبوت الإلزام الشرعي بإبقاء المتيقّن السابق، فهو حكم تكليفي، و ليس حجّة و دليلا على الحكم، و أجنبية تفسير (الإبقاء) بالإلزام الشرعي، من بناء العقلاء، و حكم العقل واضح.

3- و امّا على تفسير (الإبقاء) بجعل الشارع الحكم المماثل للسابق، فواضح انّه لا يتمّ على مبنى حجّية الاستصحاب لبناء العقلاء، و لا الحكم العقلي، إذ حكم الشارع و جعله المماثل، غير حكم العقل و العقلاء.

و امّا على مبنى حجّية الاستصحاب بالأخبار، ففيه: انّه مرّ في أوّل البحث عن جعل الحجج و الأمارات انّها ليست مجعولات، بل مجرّد تنجيز و إعذار، و التنجيز، و الإعذار و ان كان يمكن جعل الشارع لهما، إلّا انّهما في صورة مصادفة الواقع لم يكن إبقاء، بل بقاء، و في صورة مخالفة الواقع فبطريق أولى ليس إبقاء، إذ ليس في مقام الواقع شي‏ء، حتّى يبقى أو لا يبقى.

أقول فيه: هذا كلّه صحيح في إطلاق الحجّة بالدقّة، و الدليل الفلسفي، امّا الإطلاق العرفي فيكفي فيه إطلاق الدليل و الحجّة على كلّ منجز و معذر.

و لذا قال في الكفاية: و رضيه أكثر من تأخّر عنه: بأنّ كلّ الحجج و الأمارات منجزات و معذرات صرفة، لا أكثر.

15

الإشكال الرابع [من انّ اعتبار الاستصحاب دليلا، لا يناسب نسبته إلى المكلّف ...]

رابعها: من انّ اعتبار الاستصحاب دليلا، لا يناسب نسبته إلى المكلّف فيقال: (زيد استصحب طهارته) أو (أنا أستصحب حياة زيد) و نحو ذلك، إذ الدليل لا ينسب إلى الشخص، و ما ينسب إلى فعل الشخص لا يكون دليلا، فكيف التوفيق مع انّه (إبقاء) لا أكثر، كما لا يقال في البراءة و الاشتغال:

(أبرأت) بمعنى: استدللت بالبراءة، و لا (اشتغلت) بمعنى: استدللت بالاشتغال.

أقول فيه: انّ كلّ هذا صحيح ان كان المراد ب (الإبقاء) الدقّي، لكنّه عرفي بالرغم من كونه التعريف الحقيقي للاستصحاب.

هذا كلّه فيما يرد على كلمة: «إبقاء». و امّا ما يرد على كلمة: «ما كان» فامور:

الاشكال على: «ما كان» في تعريف الشيخ‏

أحدها: انّه مستدرك غير محتاج إليه، إذ مادّة البقاء دالّة على كون شي‏ء كان سابقا، و إلّا لما سمّي إبقاء.

فلو قال الشيخ: أخصر التعريفات للاستصحاب: (الإبقاء) لكان وافيا بما يعطيه (إبقاء ما كان)، مضافا إلى عدم ورود الإشكالات الثلاثة التالية عليه أيضا.

ثاني الاشكالات [ما التزمه بعضهم من جريان الاستصحاب في اليقين الحالي، ...]

ثانيها: ما التزمه بعضهم من جريان الاستصحاب في اليقين الحالي، و الشكّ في المستقبل- كما لو كان المكلّف أوّل الزوال معذورا عن الطهارة

16

المائيّة و شكّ في انّه هل يرتفع عذره قبل آخر الوقت، فانّه لا ينقض بالشكّ في ارتفاع العذر في المستقبل اليقين الحالي بوجود العذر، فيجري استصحاب عدم اتّفاق ارتفاع العذر في المستقبل لليقين الحالي بوجود العذر، فيجري استصحاب عدم اتّفاق ارتفاع العذر، و يجوز له البدار بالصلاة العذرية أوّل الوقت.

و منهم صاحب المختارات- الشيخ محمّد علي القمّي‏ (1) قال: «انّ المهمّ في الاستصحاب كون المتيقّن سابقا على المشكوك، سواء كان المكلّف المجري للاستصحاب، في زمان المشكوك، أم في زمان المتيقّن، أم قبلهما، أم بعدهما، أم بينهما، بشرط أن يكون الأثر للمتيقّن وحده، فيستصحب.

امّا لو كان الأثر للمشكوك وحده، كالبناء على الرابع الذي هو أثر للركعة المشكوك فيها انّها الثالثة أم الرابعة، فلا يجري فيه الاستصحاب للمتيقّن السابق، و هو القطع بالثلاث.

أو كان الأثر للمتيقّن و المشكوك جميعا، كالمسافر إذا نزل بمكان يعلم ببقائه فيه تسعة أيّام، و يشكّ في انّه هل سيبقى اليوم العاشر أم لا، فانّه لا يجري الاستصحاب، لأنّ الأثر- و هو إتمام الصلاة و الصوم- إنّما هو لمن يقيم التسعة مضافا إلى يوم آخر، لا لمن يبقى تسعة سواء أقام يوما آخر أم لا.

و كالمرأة ذات العادة يستمرّ بها الحيض بعد العادة، و هي لا تعلم هل ينقطع الدم على العاشر أو قبله ليكون كلّه حيضا، أم يستمرّ إلى بعد العاشر حتّى يكون الزائد عن العادة استحاضة؟ فانّه لا يصحّ لها استصحاب الدم إلى ما بعد العاشر، إذ أثر الاستحاضة مترتّب على مجموع أمرين:

____________

(1)- المختارات ج 2/ ص 13.

17

أحدهما: وجود الدم إلى آخر العادة.

ثانيهما: استمرار الدم بعد العادة إلى بعد العشرة- و هي الأيّام المشكوكة-.

فلا يجري استصحاب بقاء الدم إلى بعد العاشر، حتّى يحكم عليها بالاستحاضة بمجرّد تمام العادة مع بقاء الدم».

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى مزيد بحث لذلك في المباحث الآتية.

و اما مثال كون المتيقّن و المشكوك كلاهما في المستقبل فهو: كما لو علم زيد يوم الخميس انّ فجر الجمعة طالع في الساعة الخامسة بعد منتصف الليل، و يشكّ في طلوعه قبل ذلك، فيحكم- من يوم الخميس- بجواز الأكل و الشرب لمن يريد صوم الجمعة إلى قبل الخامسة، مع انّ المتيقّن و هو ليلة الجمعة، و المشكوك و هو فجر الجمعة، كلاهما مستقبلان.

و ممّن صرّح بذلك المحقّق الآشتياني في حاشية الرسائل‏ (1) من الاستصحاب، قال: «كالاستصحاب في الامور المستقبلة فانّه لا إشكال في جريانه و اعتباره فيما يترتّب أثر شرعي على الوجود المتأخّر» يعني: مثل الأمثلة التي ذكرناها.

فعلى هذا ليس ذلك (إبقاء ما كان) بل هو (إبقاء للمستقبل مثلا، ما هو ثابت الآن).

نعم، لو فسّرنا الاستصحاب ب (الإبقاء) بدون التقييد بما كان، شمل ذلك أيضا.

____________

(1)- بحر الفوائد: الاستصحاب/ ص 11.

18

الاشكال الثالث [عدم شمول (ما كان) الاستصحاب القهقري الذي قال بعضهم ...]

ثالثها: عدم شمول (ما كان) الاستصحاب القهقري الذي قال بعضهم بحجّيته، بل بنى أصالة عدم النقل- العمدة في حجّية الظواهر- عليه (و ان كان فيه ما فيه) إذ الاستصحاب القهقري، هو سحب اليقين الحالي إلى السابق، فليس (ما كان) بل اليقين الآن متحقّق.

امّا لو قلنا بأنّ الاستصحاب هو (الإبقاء) فهو يعمّ من السابق إلى الحاضر، أو العكس فتأمّل.

رابع الاشكالات [قيد (ما كان) للإبقاء يوجب عدم تمامية التعريف على بعض ...]

رابعها: قيد (ما كان) للإبقاء يوجب عدم تمامية التعريف على بعض الأقوال في الاستصحاب.

1- مثلا من يقول بجريان الاستصحاب في العدميات- و لعلّهم المشهور- لا يكون (ما كان) في التعريف شاملا للعدميات، إذ العدم لا يطلق عليه (كان) بل هو: (لم يكن).

نعم، لو قالوا: (إبقاء السابق) شمل العدم أيضا.

ان قلت: (كان) أيضا يشمل العدم، إذ المراد به الحال التي كان المكلّف عليها، و الحال تشمل العدم.

قلت:- مضافا إلى انّ الألفاظ سعة و ضيقا في الدلالة تختلف، و شمول (الحال) المراد من لفظ (كان) لا يلزم منه شمول لفظ (كان) أيضا، فليبدّل (كان) ب (الحال) و يقال: (إبقاء الحال) كما عبّر به المتقدّمون و نقل الشيخ بعض عباراتهم- انّ الحال مسبّب عن العدم، و النسبة- بالبقاء- إلى السبب ما دام لا مانع منه، لا ينتقل معه إلى النسبة إلى المسبّب، فتأمّل.

19

و لو قلنا في تعريف الاستصحاب: (الإبقاء) فقط، لم يرد عليه هذه الإشكالات الأربعة.

نعم، يرد عليه: انّه تعريف بالأعمّ، عند من لا يرى حجّية التمسّك بالاستصحاب لأصل عدم النقل، أو لا يرى حجّية الاستصحاب القهقري، و نحو ذلك، فليس التعريف مانعا للغير.

و فيه:- مضافا إلى ورود نفس الإشكال لو قلنا: (إبقاء ما كان) فانّه أعمّ من الشكّ في المقتضي الذي لا يرى الشيخ تبعا لغيره حجّية الاستصحاب فيه، لأنّه أيضا إبقاء لما كان، و أعمّ من فعليّة اليقين و الشكّ، لشمول التعريف لليقين و الشكّ غير الملتفت إليهما، لأنّه أيضا إبقاء ما كان- انّه تعريف بالأعمّ، و أقلّ إشكالا من غيره.

و الظاهر: عدم المناص في التعريف بالألفاظ القليلة من التزام صيرورته تعريفا بالأعمّ، أو بالأخصّ، و التعريف بالأعمّ أولى من التعريف بالأخصّ، و بالأقل إشكالا أولى من التعريف بالأكثر إشكالا.

نعم، إذا جمعنا كلّ شروط الاستصحاب، و نفينا كلّ الموانع، و صغنا عبارة مطوّلة أمكن صياغة التعريف الأقل إشكالا، لكنّه أيضا لا يمكن جمع كلّ خصوصيات المباني في حجّية الاستصحاب و صبّها في صيغة واحدة، للتنافر بين الشروط، و الموانع أحيانا، كما نقلنا- قبل قليل- من التزام جمع من المعاصرين تبعا لغيرهم بعدم اشتراط كون المتيقّن ماضيا. و المشكوك حالا، بل يجري الاستصحاب حتى و لو كان المتيقّن حالا، و المشكوك مستقبلا و غير ذلك.

و الحاصل: انّ أخصر و أشدّ سدادا في تعريف الاستصحاب هو كلمة (الإبقاء) و اللّه العالم.

20

ثمّ انّ هاهنا امورا:

«الأمر الأوّل» الاشكال على تعريف الآخوند

صرّح بعض المحققين تبعا للآخرين: بأنّ تعريف الآخوند للاستصحاب إنّما هو شرح لتعريف الشيخ، حيث قال الآخوند: «انّه الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه ...» بالتزام انّه يمكن أن يكون مراده من لفظ (الحكم) هو الرابط المرسوم في التعبيرات، مثل قولهم:

«الحكم بقيام زيد، و الحكم بحرارة الهواء» في قولنا: زيد قائم، و الهواء حارّ، ففي الاستصحاب يكون معنى «الحكم ببقاء حكم أو موضوع ...» هو:

«استصحاب بقاء حكم أو موضوع ...».

أقول: فيه أوّلا: كون الحكم في مقام التعريف عبارة عن مجرّد الرابط و ايقاع النسبة بين المسند و المسند اليه فقط بعيد، بل ظاهره هو الحكم بمعناه الظاهر، و هو المقابل للموضوع.

و ثانيا: لو كان الحكم هنا بمعنى الرابط، فلا يناسب كون تعريف الكفاية شرحا لتعريف الشيخ ب (إبقاء ما كان) إذ الإبقاء عبارة عن (الحكم بالبقاء).

و ثالثا: يرد على كون الاستصحاب بمعنى الحكم بالبقاء ما ذكره الشيخ نفسه في تقرير درسه المخطوط عندي‏ (1) من ذكره تعريف (الحكم) مقابل تعريف (إبقاء ما كان) فانّه قال في تعداد تعريفات الاستصحاب: «منها:

الحكم ببقاء ما كان على ما كان عليه» و «منها: إبقاء ما كان على ما كان عليه» و لو كان «إبقاء ما كان» هو «الحكم ببقاء ما كان» لم يجعلهما الشيخ اثنين.

و رابعا: ما أورده الشيخ في نفس المصدر: من انّ تفسير الاستصحاب ب

____________

(1)- تقرير درس الشيخ المخطوط/ ص 150.

21

«الحكم ببقاء ما كان ...» ينافي إطلاق الحجّة على الاستصحاب، إذ الحجّة تكون مستندا للحكم، لا نفس الحكم.

تعريف آخر للشيخ‏

ثمّ انّ الشيخ في تقرير البحث المنسوب إليه قال: انّ تعاريف الاستصحاب كلّها ترجع إلى ثلاث كلمات: «الإبقاء» و «الحكم بالبقاء» و «ثبوت حال شكّ بمثل ما كان حال اليقين».

ثم قال بعد ذلك: و هذه التعاريف كلّها ليست تعريفا للاستصحاب، ثمّ عرّفه هو: بأنّ الاستصحاب، «هي القاعدة التي مقتضاها الإبقاء، أو الحكم بالبقاء، أو الثبوت حال الشكّ ...».

أقول: لا يبعد كون هذا التعريف أحسن من بقيّة التعريفات، لأقليّة ما فيه من الإشكال، و لو أردنا تقليل ألفاظه قلنا: «الاستصحاب قاعدة تقتضي الإبقاء الاعتباري».

و هذا التعريف لا ينافيه ما كان ينافي التعريفات الأخرى.

فهو لا ينافي إطلاق: «حجّية الاستصحاب» و لا «العمل بالاستصحاب» و لا «صحّة هذا الاستصحاب» و لا «فساد هذا الاستصحاب» و لا «بطلان هذا الاستصحاب» و لا «جريان هذا الاستصحاب» و لا «عدم جريانه» و لا «جريانه في المانع دون المقتضي» و لا «جريانه في الوجود دون العدم» و لا «جريانه في إبقاء ما دون الزمان و الزماني» و لا «يجب العمل بالاستصحاب» و هكذا و هلم جرّا، لصحّة رفع كلمة «الاستصحاب» و وضع «قاعدة تقتضي ...» محلّها، فتأمّل.

ثمّ انّ الشيخ في تقرير درسه أيّد كون تعريف الاستصحاب بالقاعدة حقيقة بأمرين:

22

أحدهما: التبادر.

ثانيهما: عدم المنافرة بين تفسير الاستصحاب بالقاعدة، و بين ما هو مقطوع به، من استعمال الاستصحاب فيه لدى الأصحاب، مثل:

«الاستصحاب حجّة» و «يجب العمل بالاستصحاب» و نحوهما، و عدم المنافرة علامة الحقيقة.

بخلاف المعاني الثلاثة الاخرى للاستصحاب من «الإبقاء» و «الحكم بالبقاء» و «إثبات السابق في اللاحق» فانّ المنافرة بينها و بين «الاستصحاب حجّة» و «يجب العمل بالاستصحاب» واضحة.

«الأمر الثاني» هل هناك تعريف يجمع كل المباني؟

صرّح جمع بأنّه لا يمكن تعريف الاستصحاب بتعريف يكون جامعا على جميع المباني، لأنّها عديدة و متخالفة.

و المحتملات في مقام الثبوت هي كالتالي:

1- يحتمل كون الاستصحاب أصلا عمليّا، كأصالتي الحلّ، و الطهارة.

2- و يحتمل كونه أصلا شرعيا جعل للتحفّظ على الواقع، و يكون حجّة للعبد و عليه عند الإصابة و الخطأ كأصالة الاحتياط في الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص.

3- و يحتمل أن يكون أمارة شرعية، كالبيّنة، و نحوها.

4- و يحتمل كونه أمارة عقلائية، كخبر الثقة على المشهور.

5- و يحتمل كونه أصلا عقلائيا، كأصالة الصحّة- بناء على كونها أصلا عقلائيا-.

23

و الفرق بين الأمارة العقلائية و الأصل العقلائي، هو انّ الأمارة إنّما اعتبرها العقلاء لأجل كاشفيته النسبية عن الواقع، و الأصل إنّما اعتبره العقلاء لا لأجل كاشفيته- حتّى و لو كانت لها كاشفية نسبية- بل لأجل مصلحة اخرى، كدفع الحرج، و تسهيل معاش الناس، و تدارك تلف العمر و الوقت، و نحوها.

6- و يحتمل كونه دليلا عقليّا من العقليات غير المستقلّة- و هي التي تنتهي إلى الحكم الشرعي لا بالاستقلال، بل بضمّ مقدّمة شرعية، تكون صغرى لكبرى عقلية- بأن يقال مثلا: «زيد مستصحب الطهارة، و كلّ مستصحب له حكم اليقين السابق، فزيد متطهّر».

و ينقسم الأصل الشرعي و العقلائي، إلى تنزيلي، و غير تنزيلي، و إلى ما هنالك من التقسيمات التي يحتمل في مقام الثبوت كون الاستصحاب منها.

فكيف يمكن فرض تعريف للاستصحاب، جامع لهذه المباني كلّها؟.

مثلا: القائل بكون الاستصحاب أصلا عمليّا، يعتبر الشكّ فيه موضوعا للإبقاء، و القائل بكونه أمارة، يعتبر الشكّ فيه ظرفا، فكيف يمكن فرض الشكّ موضوعا و ظرفا في آن واحد؟.

أقول: لا يبعد صحّة فرض تعريف تقريبي يمكن تطبيقه على جميع المباني و المحتملات، و هو: (الإبقاء) و ذلك كما يلي:

1- بناء على كون الاستصحاب أصلا عمليّا نقول هكذا: «انّ وظيفة الشاكّ في بقاء الحكم أو الموضوع السابق و عدمه هو الإبقاء».

2- و بناء على كونه أصلا شرعيّا للتحفّظ على الواقع نقول هكذا: «انّ وظيفة الشاكّ لكي يتحفّظ على الواقع هو الإبقاء».

3- و بناء على كونه أمارة شرعية نقول: «إبقاء المتيقّن السابق أمارة على الواقع شرعا».

24

4- و بناء على كونه أمارة عقلائية نقول: «إبقاء المتيقّن السابق أمارة عقلائية على الواقع».

5- و بناء على كونه أصلا عقلائيا نقول: «الإبقاء أصل لدى العقلاء».

6- و بناء على كونه دليلا عقليّا نقول: «العقل يحكم بالإبقاء لدى الشكّ».

و هكذا دواليك.

و الحاصل: انّ الخلاف في المباني إنّما هو في أمرين: (اللحاظ) و (الظهور) لكن أصل كون الاستصحاب هو (الإبقاء) لا خلاف فيه.

و بعبارة أخرى: مثلا: القائل بأمارية الاستصحاب يقول: بالإبقاء في ظرف الشكّ، و القائل بكونه أصلا يقول: المشكوك يبقى، و هكذا.

فالجامع هو (الإبقاء) في الكلّ كما أن التعريف الذي استجودناه تبعا للشيخ- ره- في تقرير درسه من كونه «قاعدة ...» جامع أيضا، و اللّه العالم.

«الأمر الثالث» الاشكال على بعض مباني الاستصحاب‏

قال المحقّق العراقي في المقالات‏ (1) ما حاصله: انّ القائل بحجّية الاستصحاب من باب الظنّ بالدليل العقلي له احتمالان، و كلاهما محل إشكال:-

الاحتمال الأوّل: كونه ظنّا شخصيا، و يرد عليه امور:

1- كونه موجبا لتعلّق ظنّ شخصي بطرفي نقيض بمجرّد اختلاف حالته السابقة، كالماء البالغ إلى حدّ خاصّ يشكّ في كريته- كثلاث مائة كيلو- فان كان مسبوقا بالكرّية يظنّ بكرّيته، و ان كان مسبوقا بالقلّة يظنّ بعدم كرّيته،

____________

(1)- المقالات/ ص 126.

25

و هو خلاف الوجدان.

2- لا معنى لإطلاق التعارض على الاستصحابات المتعارضة، لكون الحجّة منهما المظنون شخصا.

3- لا معنى لحكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي دائما، لجواز حصول الظنّ من المسبّبي دون السببي.

4- عدم صحّة إطلاق حجّية الاستصحاب في العدميات، أو في الشكّ في الرافع، أو في الأحكام الشرعية، أو في التدريجيّات، أو، أو ... و لا إطلاق في عدم حجّيتها، لتبعية الاستصحاب في جميعها للظنّ الفعلي الشخصي، فتطرح الأقوال نهائيا.

5- الغاء شروط الاستصحاب، من وحدة الموضوع عرفا، و فعلية اليقين و الشكّ، و نحوهما، إذ قد يظنّ فعلا مع هذه الشروط، و قد يظنّ مع عدم الشروط.

الاحتمال الثاني: كونه ظنا نوعيا، و يوهنه انّه لا دليل على حجّية هذا الظنّ النوعي إلّا السيرة، و هي- مضافا إلى عدم ثبوتها موضوعا- توجب دخول حجّية الاستصحاب في أدلّة السيرة، لا دليل العقل، و هو خلف.

أقول: قد يورد على هذا الكلام في الظنّ النوعي:

1- انّه يرد على الظنّ النوعي كلّ ما يرد على الظنّ الشخصي- المذكور آنفا من الظن بطرفي النقيض و غيره، دون خصوص ما ذكره المحقّق العراقي من صيرورة حجّية الاستصحاب من باب السيرة، لا دليل العقل.

2- لا تلازم بين كون حجّية الاستصحاب من باب الظنّ النوعي، و بين كونه من باب دليل السيرة، بل يمكن كونه ظنّا نوعيا مع التزام حجّيته من باب بناء العقلاء، أو دليل العقل، أو الأخبار، أو الإجماع ... بادّعاء ظهور هذه الأدلّة أو المتيقن منها في حجّية الاستصحاب في الموارد التي يظنّ فيها- نوعا- ببقاء الحالة السابقة.

26

«الأمر الرابع» التوفيق بين التعاريف المختلفة

انّ المحقّق الرشتي «الميرزا حبيب اللّه» في تقرير درسه المخطوط، حاول المصالحة و رفع المنافرة بين التعاريف المختلفة للاستصحاب، بالتزام انّ للاستصحاب معنيين:

أحدهما: ما أسماء بالمعنى الحدثي الوصفي الاشتقاقي، الذي هو تعريف للحال.

ثانيهما: ما أسماه بالمعنى الاسمي الجامد الرسمي، الذي هو تعريف للمحل.

و مراده من المعنيين- كما هو ظاهر عبارته- هو معنى الاستصحاب، و تعريف الاستصحاب. و لذا قال: بأنّ الاستصحاب سبيله سبيل أشباهه و نظائره، كالأمر، و القياس، و اصول الفقه، و غير ذلك، ثم قال: «كما انّ الأمر باعتبار المعنى الحدثي هو الطلب و باعتبار المعنى الاسمي هو القول الصادر من العالي» قال: «الاستصحاب باعتبار المعنى الحدثي هو البقاء و الإبقاء، و باعتبار المعنى الاسمي قاعدة من القواعد».

و بهذا جمع بين التعاريف، و قال بعد ذكر ستّة تعاريف: «إلى غير ذلك الذي يبلغ كلّها إلى عشرة بل فصاعدا ثمّ انّه هل التعاريف كلّها صواب، أم لا بل بعضها صحيح و بعضها فاسد؟ الظاهر هو الأوّل».

و فيه: انّ الأصحاب- ظاهر بعضهم و صريح آخر منهم- إنّما هم بصدد تعريف الاستصحاب، لا بيان معنى الاستصحاب، و كم فرق بينهما؟.

فان. أراد- كما هو ظاهره بل صريحه- انّ الأصحاب بعضهم ذكر معنى الاستصحاب و بعضهم ذكر تعريفه، و بعضهم ذكرهما فهو خلاف ظاهر أو صريح الأصحاب، و ان أراد بيان ان لا تنافي بين معنى الاستصحاب و بين‏

27

تعريفه، لكونهما أمرين فهو في محلّه، و لكنّه لا شاهد له فيما نحن فيه، و اللّه العالم.

«الأمر الخامس» التعاريف المختلفة و الاشكال عليها

انّ المحقّق العراقي في تقرير تلميذه البروجردي‏ (1) و بعد إيراد إشكالات على تعاريف الاستصحاب اختار هو تعريفا آخر، قال: «انّه عبارة عن حرمة نقض اليقين بثبوت شي‏ء سابقا بالشكّ في بقائه لاحقا».

لكنّه أيضا يرد عليه- مضافا إلى ما ورد على التعاريف الأخرى- انّ أخذ (الحرمة) في التعريف يجعله أخصّ من المدّعى، إذ حجّية الاستصحاب أعمّ من الأحكام الإلزامية، كاستصحاب استحباب الفضيلة بعد سقوط الشفق، و كراهة النوم قبل إحراز طلوع الشمس، و إباحة الأكل و الشرب قبل إحراز طلوع الفجر من يوم الصوم.

و امّا على ما اخترناه من تعريف الاستصحاب تبعا للشيخ في تقرير درسه من انّه: «قاعدة تقتضي الإبقاء الاعتباري» فانّه لا يرد عليه ذلك، إذ مادّة الإبقاء تدلّ على كون ما ابقي على ما كان سابقا، و إلّا لم يصحّ إطلاق الإبقاء عليه، و اللّه العالم.

«الأمر السادس» الاشكال على مختلف التعريفات‏

قال المحقّق النائيني- بعد الإيراد على تعريف الاستصحاب بأسدّ

____________

(1)- نهاية الأفكار/ ج 4/ ص 5.

28

ما قيل-: «فالأولى في تعريفه أن يقال: انّ الاستصحاب عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم، أو الموضوع من حيث الأثر و الجري العملي بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين».

ثمّ قال: «و ليس حقيقة الاستصحاب إلّا ذلك».

أقول: قد يرد عليه- مضافا إلى ما ورد على بعض التعاريف الاخرى- ما يلي:

أوّلا: بطول التعريف، و اعتذر له هو: بأنّه «لإخراج قاعدة اليقين و قاعدة المقتضي و المانع، بل و لإخراج الشكّ في المقتضي أيضا».

و فيه: انّ تعريف الشيخ في التقرير بتصرّف منّا، طارد لهذه القواعد الثلاث إذ (الإبقاء الاعتباري) يطرد كلّ ما لم يعتبر، من: قاعدة اليقين و غيرها.

و ثانيا: ما أورده عليه مقرّره الكاظمي: من انّ هذا مقتضى الاستصحاب، لا تعريف نفس الاستصحاب، و لذا لا يصحّ- بالحمل الشائع- إطلاق الحجّة عليه، فلا يقال: عدم انتقاض اليقين السابق حجّة، بل يقال: ما يقتضي عدم انتقاض اليقين السابق حجّة».

و ثالثا: لا ينسجم هذا التعريف مع مشتقّات الاستصحاب المتسالم على إطلاقها بين الأصحاب، فلا يصحّ إطلاق المستصحب، المستصحب بالكسر و الفتح، و هنا يجري الاستصحاب و هنا لا يجري، و هكذا.

مع انّه لو كان ما ذكر حدّا للاستصحاب وجب صحّة الحمل، لصحّة حمل الحدّ على المحدود و بالعكس، لترادفهما، كالإنسان و الحيوان الناطق، فيصحّ أن يقال: الإنسان حيوان ناطق، و الحيوان الناطق هو الإنسان، فتأمّل.

هذا تمام الكلام في تعريف الاستصحاب، و قد تركنا الكثير ممّا ذكر في المقام خوف التطويل أكثر من ذلك، و اللّه الموفّق المستعان.

29

المقدّمة الثانية «هل الاستصحاب مسالة اصولية؟»

فصل المحقّق الرشتي في ذلك أكثر من عشرين صفحة، و بحث الأقوال و المحتملات في ذلك، و ترك شريف العلماء أصل البحث إطلاقا، فلم يتعرّض له، و تعرّض له الشيخ و زميله النظام الاسترابادي في تبيان الأصول، و تبعه من تأخّر عنهما، لكن لا بتطويل الرشتي، و نحن نقتفي أثرهم في أصل الذكر لكن باختصار.

أقوال المسألة هي:

1- الاستصحاب مسألة اصولية مطلقا.

2- قاعدة فقهية مطلقا.

3- التفصيل بين الشبهات الحكمية فاصولية، و الشبهات الموضوعية ففقهية- للنائيني و جمع-.

4- التفصيل بين اعتباره من دليل العقل أو بناء العقلاء فاصولية، و بين اعتباره بدليل الشرع فقاعدة فقهية على إشكال- للعراقي تبعا للكفاية-.

5- التفصيل بين تعريف الاستصحاب بالحال- يعني الحكم و الإلزام و الإثبات و نحوها- فهو قاعدة فقهية، و بين تعريفه بالمحلّ و المورد و هو المتيقّن سابقا و المشكوك لاحقا، فهو مسألة اصولية- ذكرها الرشتي في التقرير المخطوط (1).

6- التفصيل بين كون المستصحب فقهيّا- كالحكم التكليفي و الوضعي-

____________

(1)- التقرير المخطوط/ ص 5.

30

فهو مسألة فقهية، و بين كونه اصوليا كجواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص و عدمه، فهو مسألة اصولية (1).

7- التفصيل- أ- بين الشبهات الموضوعية، ففقهية، كالنائيني و جمع.

ب- و بين الشبهات الحكمية ان اعتبرنا الاستصحاب من دليل العقل لإفادته الظنّ فاصولية.

ج- و بين الحكمية ان اعتبرنا الاستصحاب من باب الأخبار ففقهية، على إشكال في الأخير، لأنّه يقتضي خروج البراءة و الاشتغال و نحوهما عن الاصول إذا اخذت من الأخبار- و هو للشيخ في الرسائل، و قريب منه للعراقي-.

و لعلّ قوله الذي جعلناه رابعا، و هذا القول السابع، قول واحد، لا قولين و ان اختلفا في بعض الأدلّة، و الظاهر انّ الخلاف في ذلك يرجع إلى الخلاف في تعريف علم الاصول، و انّ ملاك كون المسألة اصولية ما ذا؟.

و لذلك نراهم يرجعون القول في ذلك إلى مباحث الألفاظ، و انّهم ما ذا اختاروا في كون المسألة اصولية، ثمّ يشرعون في النقض و الإبرام في انّ ما التزموه في ملاك علم الاصول هل ينطبق على بحث الاستصحاب في علم الاصول أم لا؟.

و حيث اخترنا في موضوع علم الاصول: انّه معرفة ما يصلح وقوعه في طريق الاستنباط قريبا- لا بعيدا كالعلوم العربية- ممّا لم يبحث برأسه- كعلم الرجال و القواعد الفقهية، و الدراية- ممّا يتوقّف عليه الاستدلال في كلّ الفقه.

و المقصود بالاستنباط، الأعمّ من استنباط الحكم الشرعي، و استنباط المنجز و المعذّر، أي: استنباط التكليف الأعمّ من الشرعي و العقلي، ليشمل‏

____________

(1)- التبيان/ ج 3/ ص 178.

31

الإلزامات العقلية، كالعلم الإجمالي، و الوظائف المقرّرة، كالاصول العملية شرعيها و عقليّها

اذن: فعدّ الاستصحاب من علم الاصول، واضح لا غبار عليه.

أدلة أخرى أو مؤيدات‏

و قد استدلّ عليه أو ايّد بامور:-

أحدها: ذكر الفقهاء له في الاصول منذ عهد الشيخ الطوسي حتّى اليوم من غير نكير، و إنّما نشأ هذا البحث- فيما أعلم- من عهد شريف العلماء و أصحاب الفصول و القوانين و الإشارات و حاشية المعالم، و لم أر من تعرّض له قبل ذلك.

و من المستبعد جدّا أن يدرجوا في الاصول مسألة من مهمّات مسائله و ليست منه.

و هذا أيضا يدلّ على انّ تعريف الاصوليين للاصول تعريفا لا يشمل مثل الاستصحاب، في غير محلّه.

ثانيها: ذكر الفقهاء في عنوان الاستصحاب بأنّه حجّة أم لا؟ و البحث عن الحجّية و عدمها بحث عن المسألة الاصولية.

ثالثها: ما ذكره بعضهم- و منهم المحقّق القمّي- من انّ الاستصحاب امّا مدركه العقل أو السنّة، فهو امّا داخل في السنّة، أو في دليل العقل، و واضح انّ البحث عن الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، بحث اصولي.

رابعها: انّ المائز بين المسألة اصولية و المسألة فقهية، هو انّ الاصولية عمل المجتهد فقط، و الفقهية عمل عامّة المكلّفين، و وضوح كون الاستصحاب في الشبهات الحكمية، و كذا في الشبهات الموضوعية و مقدار

32

و حدود جريانه فيها من عمل المجتهد لا كلّ المكلّفين.

خامسها: انّ الاستصحاب قد يعاضد الدليل و معاضد الدليل- كالدليل نفسه- مسألة اصولية، كما لو شكّ في النسخ، أو وجود المعارض، و نحوهما، فينفي كلّ ذلك باستصحاب العدم، فيعاضد الاستصحاب إطلاق و عموم الأدلّة.

نقض الأدلة و ابرامها

لقد تصدّى المحقّق الرشتي لردّ الأدلة المذكورة جميعها، لكن الردّ غالبا قابل للخدشة.

امّا الأوّل: و هو تدوين الاستصحاب في الاصول منذ عهد الشيخ الطوسي حتّى اليوم، فقال فيه: «انّه بديهي البطلان بحيث لا يحتاج إلى البيان».

أقول فيه: انّه ان أراد بداهة بطلان الصغرى، فقوله يكون بديهي البطلان، لأنّا لم نجد كتابا في الاصول خاليا عن بحث الاستصحاب.

و ان أراد إنكار الكبرى، و هي دلالة تدوين الكلّ للاستصحاب في الاصول، على انّه منه، ففيه: ما سبق من انّ تمايز العلوم إنّما هو أمر اعتباري يرجع فيه إلى اعتبار أهل ذاك الفنّ، فلو لم يدلّ اتّفاق أهل فنّ على اعتبار مسألة من مسائل ذلك الفنّ، على انّها منه، فما الذي يدلّ عليه؟.

و امّا الثاني: و هو: ذكر الفقهاء في الاستصحاب انّه حجّة أم لا، و البحث عن الحجّة بحث عن المسألة الاصولية، فأورد عليه: بأنّ إطلاق الحجّة أعمّ من المسألة الفقهية، كما يقال: قاعدة (لا ضرر) حجّة، قاعدة (الشرط) حجّة، و نحو ذلك.

و فيه: انّ المصطلح غالبا هو التعبير عن القواعد الفقهية بالثبوت و عدم‏

33

الثبوت، و عن المسائل الاصولية بالحجّة و عدمها، و هذا شائع بين الأعلام.

و امّا الثالث: و هو: انّ مدرك الاستصحاب امّا الأخبار أو العقل، و كلاهما من موضوع علم الاصول، فأورد عليه: بأنّ القواعد الفقهية أيضا مدركها امّا العقل، أو السنّة، أو الكتاب، أو الإجماع، و كذا كلّ مسائل الفقه الفرعية أيضا.

أقول: هذا الإيراد وارد ظاهرا.

و امّا الرابع: و هو: كون اختصاص مسألة بالتحقيق و الاجتهاد دليل كونها اصولية لا فقهية، فأورد عليه: بالنقض بالقواعد الفقهية، فانّها أيضا بحاجة إلى التحقيق و الاجتهاد، و ليست عملا لعامّة المكلّفين.

أقول: فيه- مضافا إلى انّ فرز علم الاصول عن القواعد الفقهية إنّما نشأ- فيما أعلم- من الشيخ الأنصاري و انّ معاصري الشيخ، و من تقدّمهم إلى الشيخ الطوسي كانوا قد حشروا القواعد الفقهية مع الاصول في كتاب واحد-: انّ تقييدنا موضوع علم الاصول ب «ما لم يبحث عنه في مكان آخر» خصّ الاستصحاب و نحوه بالاصول، و أفرزه عن القواعد الفقهية.

و امّا الخامس: و هو: انّ معاضد الدليل كالدليل، فكما يكون المعاضد- بالفتح- أحيانا مسألة اصولية كحجّية الظواهر، كذلك معاضدها- كاستصحاب عدم النسخ- يكون مسألة اصولية، فأورد عليه:

نقضا: بقاعدة الحرج و الضرر و نحوها التي قد تكون معاضدة للظواهر فيجب كون تلك القواعد أيضا من مسائل علم الاصول.

و حلّا: بأنّ هذه الاستصحابات العدمية، كعدم النسخ، و نحوه، خارجة عن محلّ الكلام، لتسالم الشرع و العقل و العقلاء عليها، و ليس دليلها خبر (لا تنقض) و لذا تكون لوازمها العقلية و العادية أيضا ثابتة، بخلاف بقيّة الاستصحابات التي لا تثبت إلّا لوازمها الشرعية فقط دون العقلية و العادية.

34

أقول: فيه امّا نقضا: فبما مرّ من انّ الذي أفرز قاعدة الحرج و نحوها، عن مسائل الاصول هو الشيخ الأنصاري و من تبعه، و انّ اضافتنا جملة: «ممّا لم يبحث عنه في مكان آخر» في تعريف علم الاصول دفع هذا الإيراد النقضي، للبحث عن قواعد لا حرج، و لا ضرر، و نحوهما، في الفقه مفصّلا، أو في القواعد الفقهية.

و امّا حلا: فبأنّ التسالم الشرعي و العقلي و العقلائي على بعض افراد الاستصحاب- كاستصحاب عدم النسخ- لا يخرج الاستصحاب عن كونه- إجمالا و جزئيا- معاضدا لمسألة اصولية، و موجبا لثبوت المسألة الاصولية عند تردّد الفقيه فيها بدون معاضدة الاستصحاب.

و الحاصل: انّ هذه الإيرادات على الوجوه الخمسة لإثبات كون الاستصحاب مسألة اصولية، ان تمّ بعضها فلا يتمّ كلّها، و ثبوت أحد الوجوه الخمسة على سبيل منع الخلو كاف في إثبات كون الاستصحاب مسألة اصولية، و اللّه العالم.

«القول الثاني» «كون الاستصحاب قاعدة فقهية فقط»

فقد استدلّ له: «بانطباق تعريف الفقه على الاستصحاب، لأنّه «العلم بالأحكام الفرعية عن أدلّتها التفصيلية» إذ بالاستصحاب يحصل العلم بالأحكام الشرعية الفرعية ...».

و فيه: امّا نقضا: فبكلّ مسائل علم الاصول، فبالخبر الواحد، و بالتعادل و الترجيح، و بالظواهر، و بالبراءة، و الاشتغال، و غيرها يحصل العلم بالأحكام الفرعية الخ، فيلزم خروج كلّ مسائل علم الاصول عنه.

35

و امّا حلا: فبأنّ العلم بالأحكام عن الأدلّة مسبّب عن تنقيح الأدلّة قبل ذلك، و تنقيح الأدلّة إنّما هو في علمي: «الاصول» و «القواعد الفقهية» و بحث الاستصحاب تنقيح لدليل واحد من الأدلّة.

«القول الثالث» «التفصيل بين الشبهات الحكمية فأصولية، و الموضوعية ففقهية»

فقد استدلّ له جمع- تبعا للمحقق النائيني، و كذا الشيخ فيما ربما يستظهر من الرسائل- بأنّ ملاك المسألة الاصولية: هو كون إجرائها خاصا بالمجتهد، و ملاك القاعدة الفقهية: هو كون إجرائها خاصّا بالمكلّف مطلقا مجتهدا أم مقلّدا.

فقاعدة الطهارة في مشكوك الطهارة و النجاسة قاعدة فقهية، إذ ركنه الذي هو الشكّ في الطهارة و النجاسة منوط بالمكلّف، فلو راجع المقلّد مجتهده في مثله أفتى له طبق شكّ المقلّد، لا شكّ نفسه و ان تخالفا، فلو علم المجتهد بالنجاسة و لكن لم يحصل للمقلّد اطمئنان بعلم المجتهد، و قلنا بعدم كفاية شهادة العدل الواحد في الموضوعات، وجب على المجتهد أن يفتي بالطهارة لأنّ المقلّد شاكّ.

هذا في الأحكام الشرعية الجزئية الخارجية، و كذا في الموضوعات الخارجية، فلو كان زيد وصيّا لعمرو، و شكّ في موته، و استفتى مجتهده المتيقّن بموت عمرو، وجب عليه الفتوى لزيد بإجراء الأحكام المترتبة على حياة عمرو، فيحرم عليه تسليم أمواله لورثته، و هكذا.

و امّا في الأحكام الكليّة، فحيث ان علم المجتهد و ظنه او شكّه هو الملاك، فهو مسألة اصولية، كما لو شكّ المجتهد في كلّي نجاسة الماء النجس المتمّم‏

36

كرّا، فانّ المعتبر يقين المجتهد بالنجاسة السابقة، و شكّه في الطهارة الحاصلة بالكرّية، و لا اعتبار بيقين و شكّ المقلّد إلّا في الجزئيات الخارجية، كهذا الماء، و ذاك الطعام.

و عليه: فقد التزم البعض بكون الاستصحاب نوعين، ففي الأحكام الكليّة مسألة اصولية، و في الأحكام الجزئية و الموضوعات الخارجية، قاعدة فقهية.

قال: و لا ضير في استفادة القاعدتين من دليل واحد: «لا تنقض اليقين بالشكّ» لشمول إطلاقه لهما، كما في حجّية الخبر الواحد ان قلنا بها في الموضوعات أيضا، فانّ حجّيته في الأحكام مسألة اصولية، و في الموضوعات قاعدة فقهية، مع انّ الدليل واحد، و هو: امّا «صدق العادل» المفهوم من آية النبأ، أو بناء العقلاء، أو غير ذلك.

ثمّ انّ من حيث لا يرى حجّية الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكليّة- لابتلائه دائما بمعارضة استصحاب سببي هو استصحاب عدم سعة الجعل- فقد التزم بكون الاستصحاب مطلقا قاعدة فقهية حشرت في الاصول، و لم يجب على ذلك.

أقول: يرد عليه أمران:

أحدهما: التزام كون الاستصحاب مطلقا و برمّته قاعدة فقهية مع التزام الكلّ البحث عنه في الاصول صعب.

ثانيهما: لازم ذلك التزام الاستطراد في بحث الأحكام الشرعية الجزئية، و الموضوعات الخارجية، في كثير من مسائل الاصول، كالبراءة، و الاشتغال، و التخيير، و الخبر الواحد، و الظنّ الانسدادي، و هو أيضا صعب.

37

«القول الرابع» «التفصيل بين اعتباره بدليل العقل فاصولية، و الشرع ففقهية»

امّا اعتباره بدليل العقل، فالوفاق يغنينا عن بحثه.

و امّا اعتباره بدليل الشرع، فقال: «فانّ مضامينها (أي: الأخبار) لا تكون إلّا قاعدة فقهية ظاهرية منطبقة على مواردها كسائر القواعد الفقهية، كقاعدة لا ضرر، و قاعدة لا حرج، و قاعدة الطهارة، و نحوها ...».

أقول: قد يرد عليه- مضافا إلى انّه مصادرة، لعدم الاستدلال للمدّعى بشي‏ء غير تكرار نفس المدّعى بتعبير آخر-: انّ هناك فرقا بيّنا و هو جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية الإلهية، و عدم تعقّل الحرج و الضرر فيها.

فالمتيقّن السابق و الشكّ اللاحق، قد يكونان في حكم إلهي كلّي، فكيف يرتبط بالمقلّد؟ بخلاف لا ضرر و لا حرج، فانّ موضوعاتهما مرتبطة بالمقلّد، و إحرازه شخصا بالضرر و الحرج فتأمّل.

و هنا ننهي البحث عن هذه المقدّمة التي لم يظهر لها فائدة عملية، و لعلّه يكفي في استكشاف أدلّة بقيّة الأقوال و ما فيها من المناقشات، و اللّه الموفّق.

38

المقدّمة الثالثة «هل الاستصحاب امارة او اصل عملي؟»

اختلفت كلمات الأعلام فيه، و من الثمار المهمّة لذلك هو حجّية مثبتاته و عدمها.

فعلى القول بأماريته تكون مثبتاته حجّة، كالخبر و الظواهر و نحوهما.

و على القول بكونه أصلا عمليّا، فلا حجّية لمثبتاته كالبراءة، و الاشتغال، و نحوهما.

و كيف كان: فان العلماء قد اختلفت كلماتهم فيه الى ما يلي:

1- ظاهر الشيخ التفصيل بين اعتبار الاستصحاب من دليل العقل، أو بناء العقلاء، فهو دليل ظنّي اجتهادي، فيكون أمارة، و بين اعتباره من دليل الشرع و الأخبار، فهو أصل عملي نظير البراءة، قال: «و حيث اعتبرناه من الأخبار ذكرناه في الاصول العملية».

2- ما نسبه الشيخ إلى ظاهر كلمات الأكثر، كالشيخ و السيّدين و الفاضلين و التهذيب و صاحب المعالم: من انّ الاستصحاب حكم عقلي، قال: «و لذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر من الأخبار ...» و هو ينبّه على انهم اعتبروا الاستصحاب امارة و قد صرّح بعضهم: بأنّ الاستصحاب أمارة مطلقا، سواء كان دليل اعتباره الأخبار أم العقل أم بناء العقلاء.

3- الامر الذي لا يستبعد: انّه أصل عملي مطلقا، سواء اعتبر من الأخبار، أم العقل، أم بناء العقلاء. أقول: هنا مطالب:

39

«المطلب الأول» المائز بين الامارة و الأصل العملي‏

انّ الاستصحاب أصل عملي مطلقا، و ذلك لأنّ المائز بين الأمارة و الأصل العملي، ليس مجرّد الفرق اللفظي، و إنّما الأثر هو الفارق بينهما، و قد صرّح الشيخ بذلك في الأمر الثالث من خاتمة الاستصحاب فقال: «فما كان ممّا نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع، أو كان ناظرا لكن فرض انّ الشارع اعتبره لا من هذه الحيثية، بل من حيث مجرّد احتمال مطابقته للواقع، فليس اجتهاديا، بل من الاصول و ان كان مقدّما على بعض الاصول الأخر، و الظاهر أنّ الاستصحاب و القرعة من هذا القبيل ...».

إذن فملاك الأمارة: هو جعل الحجّية لها لكاشفيتها، و لحاظ هذه الكاشفية عند جعل الحجّية، و ملاك الأصل العملي هو مجرّد بيان الوظيفة، سواء لم تكن كاشفية كالبراءة، أم كانت و لم تلحظ، كقاعدة الفراغ على أحد القولين فيها.

الاستصحاب في عالم الثبوت‏

إذا تقرّر ذلك، فاعلم انّه يمكن- في عالم الثبوت- ان يكون الاستصحاب أصلا عمليّا حتّى و لو كان دليل حجّيته العقل أو بناء العقلاء، و يمكن ان يكون الاستصحاب أمارة، و لو كان دليلها الأخبار.

امّا الأوّل: فلأنّ الجعل العقلي، و الجعل العقلائي- الكاشف سيرتهم عنه- على قسمين:

1- جعل الشي‏ء لمكان كاشفيته عن الواقع، كإخبار خبراء فنّ ثقات عن‏

40

شي‏ء، في الجعل العقلي، و كإخبار مطلق الثقة و لو واحدا كان، و كان غير خبير عن شي‏ء في الجعل العقلائي.

2- جعل الشي‏ء لمجرّد الوظيفة و الخروج عن المأزق، كالبراءة العقلية، و العقلائية و الاشتغال العقلي و العقلائي في أطراف العلم الإجمالي، و التخيير العقلي و العقلائي في الدوران بين المحذورين، فانّ جعل العقل و كذا استقرار سيرة العقلاء على البراءة، و الاشتغال، و التخيير، ليس له أيّة كاشفية في عالم الثبوت و لا الإثبات، و إنّما في البراءة و التخيير لمجرّد الخروج عن التحيّر، و في الاشتغال للاحتياط على الواقع. فهل يحتمل أحد كون البراءة العقلية أو العقلائية أمارة- بما لها من الآثار- لمجرّد انّ دليلها العقل، أو بناء العقلاء؟.

و الاستصحاب و ان كان له نوع كاشفية، و لكن يمكن عدم ملاحظة العقل أو العقلاء حجّيته من باب كاشفيته، بل بعنوان أصل عملي و وظيفة في حال الجهل بارتفاع المتيقّن السابق و عدم ارتفاعه، إذ في الأحكام العقلية و بناء العقلاء اصول عملية، و جعل وظيفة، كما في الشرع.

و إدّعاء انّه ليس في الأحكام العقلية، و لا في سيرة العقلاء إلّا أمارات، غير واضح الدليل.

و امّا الثاني:- و هو إمكان ان يكون الاستصحاب أمارة حتّى و لو أخذ من الأخبار-: فلأنّه من الممكن ان جعل الشارع الحجّية للاستصحاب لكاشفية اليقين السابق عن بقائه حال الشكّ، و لو لاحظ الشارع هذه الكاشفية، صار الاستصحاب أمارة.

نظير حجّية الخبر الواحد، و الظواهر، و نحوهما، ان أخذناها من الأخبار.

41

الاستصحاب في مقام الاثبات‏

هذا كلّه في مقام الإمكان و الثبوت، و قد ظهر انّه لا تلازم بين كون ملاك الاستصحاب الأخبار و بين كونه أصلا عمليّا.

و لا تلازم أيضا بين كون مدركه العقل أو بناء العقلاء، و بين كونه أمارة، بل يمكن هذا و يمكن ذاك، على كلّ المباني.

و امّا مقام الإثبات، و أنّ جعل الحجّية للاستصحاب بأي نحو؟ فهو تابع للاستظهار، و إذا استظهر كونه جعل الحجّية لا الكاشفية، فهو أصل عملي و ان استظهر جعلها للكاشفية كان أمارة بلا إشكال.

و لو شكّ في ذلك، فمقتضى القاعدة: التعامل معه معاملة الأصل العملي، لعدم ثبوت أكثر من التعبّد- العقلي، أو العقلائي، أو الشرعي- باستصحاب المتيقّن السابق، و اللّه العالم.

«المطلب الثاني» ظاهر كلمات الاصحاب لا يلازم امارية الاستصحاب‏

انّ ظاهر كلمات الشيخ و السيّدين و الفاضلين و غيرهم من انّ حجّية الاستصحاب من دليل العقل، لا يلازم التزامهم بكونه أمارة، لما ذكرناه مفصّلا آنفا، فما يعطيه سياق كلام الرسائل من انّ هؤلاء قائلون بكون الاستصحاب أمارة، غير واضح.

«المطلب الثالث» لا دلالة للاخبار على ان الاستصحاب امارة

انّ تصريح بعضهم: بأنّ الاستصحاب أمارة مطلقا- و لو أخذ من الأخبار- فهو في مقام الثبوت ممكن، لإمكان كون الجعل لكاشفيته، و امّا في مقام‏

42

الإثبات فهو محلّ إشكال، إذ الملاك للأمارية كون ظاهر الأخبار انّ جعل الاستصحاب ليس لمجرّد جعل الوظيفة حال الشكّ في بقاء المتيقّن السابق، بل لكون اليقين السابق كاشفا عن بقائه حال الشكّ، و ظهور الأخبار في ذلك محلّ تأمّل بل إشكال، و لا أقل من الشكّ في الظهور في ذلك، فينفى بالأصل، و اللّه العالم.

«المطلب الرابع» التفريق بين الاستصحاب و الاصول العملية الاخرى‏

انّ الآشتياني في حاشية الرسائل فرّق بين الاستصحاب و بين الاصول الثلاثة الاخرى: (البراءة و الاشتغال و التخيير) بأنّ الاستصحاب لو اعتبر من دليل العقل أو بناء العقلاء فهو أمارة، حتّى استصحاب البراءة، و استصحاب الشغل.

(أقول: و مثلهما استصحاب التخيير.

مثال استصحاب البراءة: لو لم يتمكّن الابن من الإنفاق على أبيه، و استدان الأب لنفقة نفسه، ثمّ تمكّن الابن، فيستصحب براءة ذمّته عن الإنفاق على أبيه لأداء دينه.

و مثال استصحاب الشغل: لو انكفأ أحد طرفي الشبهة المحصورة، فيبقى وجوب الاجتناب عن الآخر مع فقد العلم بوجود النجس في البين، استصحابا للشغل.

و مثال استصحاب التخيير، كالدوران بين المحذورين لو شكّ بعد ذلك في ارتفاع أحد المحذورين فانّه يستصحب التخيير فيما لم يجر استصحاب موضوع المحذور).

43

و امّا الاصول الثلاثة فهي اصول- لا أمارات- حتّى لو اعتبرت من دليل العقل، قال: «فانّه لا فرق في عدّها «الاصول الثلاثة» من الاصول بين الاستناد فيها إلى الأدلّة الشرعية أو العقل، حيث انّ الثابت بالعقل فيها حكم ظاهري ...» (1).

أقول: ان كان مراده بالتفريق بين الاستصحاب و بين الاصول الثلاثة، بأنّها مطلقا و لو عقليّها اصول لا أمارات، بخلافه فانّه أمارة ان أخذ من دليل العقل، فان كان مراده مقام الإثبات- كما هو ظاهر كلامه- و انّ الظاهر من حكم العقل و بناء العقلاء التفرقة في المقامين، فهو مصادرة و استدلال بعين المدّعى، و ان كان مراده مقام الثبوت، و إمكان هذه التفرقة بين الاستصحاب و بين الاصول الثلاثة، فهو غير نافع، إذ الكلام في ظهور الدليل و هو مقام الإثبات.

كما انّ ظاهر كلامه بل صريحه يعطي انّ لدليل العقل و بناء العقلاء أيضا اصولا، كما لهما أمارات، كالدليل الشرعي.

و منه يظهر عدم الملازمة بين الاستدلال للاستصحاب بدليل العقل أو بناء العقلاء، و بين كونه أمارة الذي صرّح به الشيخ، فتأمّل.

ثمّ انّ الآشتياني قال: بأنّ الاشتباه في حجّة، انّه أمارة أو أصل، إنّما ينشأ من عدم العلم بأنّ الشارع اعتبر تلك الحجّة من حيث كونه كاشفا و لو بالنوع، أو اعتبره لا من حيث كشفه، سواء كان كاشفا أم لا؟.

____________

(1)- بحر الفوائد: الاستصحاب ص 6 في- ج 3 ص 6.

44

المقدّمة الرابعة في الفرق بين القواعد الثلاث‏

و القواعد الثلاث هي عبارة عن: «قاعدة الاستصحاب» و «قاعدة اليقين» و «قاعدة المقتضي و المانع».

و انا تبعا للشيخ و من بعده سنبحث مقام الإثبات في ذلك بعد تنبيهات الاستصحاب ان شاء اللّه تعالى، و نبحث مقام الثبوت و أصل الفرق هنا بحول اللّه و قوته، و ان كان الأحرى بحث المقامين كليهما في محلّ واحد.

أقول: لا يمكن اجتماع اليقين و الشكّ لشخص واحد بالنسبة إلى شي‏ء واحد، للتضادّ أو التناقض بينهما إلّا في موارد نذكر ثلاثة منها:

1- فيما اذا اختلفا زمانا من حيث متعلق اليقين و الشكّ، بان كان متعلّق اليقين عدالة زيد يوم الخميس، و متعلّق الشكّ عدالته يوم الجمعة، و هذا هو الاستصحاب، و يسمّى بالشكّ الطارئ.

2- فيما اذا اختلفا زمانا من حيث زمان الشخص المتيقّن الشاكّ، كما لو تيقّن يوم الخميس بعدالة زيد، و شكّ يوم الجمعة في عدالته يوم الخميس نفسه، و هذا يسمّى بقاعدة اليقين و بالشكّ الساري، لسريان الشكّ إلى اليقين بلحاظ المتيقّن و قلبه إلى الشكّ بلحاظ المشكوك.

3- أن يكون لشي‏ء جزءان: مقتض و مانع، و تيقّن بوجود المقتضي، و شكّ في وجود المانع و عدم وجوده، و بالنتيجة: شكّ في تحقّق المقتضى-

45

بالفتح- في الخارج، كالكرّية المقتضية للتطهير، بشرط عدم المانع، و هو تغيّر الماء، فلو علم بالكرّية، و شكّ في التغيّر، فهل يحكم بطهارة ما غسل به أم لا؟.

و سيأتي انّ قاعدة المقتضي و المانع و قاعدة اليقين عندهم- غالبا- غير حجّة، و انّ الحجّة فقط، قاعدة الاستصحاب.

ثمّ انّ بعضهم فرّق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين في ملاك الاعتبار و الحجّية فقال: بأنّ الملاك في الاستصحاب- بناء على أماريته- هو الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث و البقاء، بينما الملاك في قاعدة اليقين غلبة مطابقة اليقين السابق للواقع، و عدم الاعتناء بالتشكيكات اللاحقة الطارئة عليه.

و فيه:- مضافا إلى عدم اختصاص الفرق بالبناء على الأمارية- انّه لم يتّضح الفرق المذكور، إذ «الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث و البقاء» و «غلبة مطابقة اليقين السابق للواقع» تعطي مفهوما واحدا، فتأمّل.

ثمّ انّ المحقّق النائيني صرّح بعدم إمكان جمع القواعد الثلاث، و لا اثنتين منها في دليل واحد، لأنّ لكلّ واحدة منها قيدا يوجب التباين بينها، فلا يمكن أن يتكفّل لاعتبارها دليل واحد.

ثمّ قال: إذن فشمول «لا تنقض اليقين بالشكّ» للاستصحاب يكفي في نفي شموله «قاعدة اليقين، و قاعدة المقتضي و المانع».

أقول: لنا هاهنا مقامان:

أحدهما: نفي الظهور، بمعنى انصراف «لا تنقض ...» إلى الاستصحاب.

ثانيهما: نفي الإمكان الذي إدّعاه المحقّق النائيني، و تبعه عليه غيره.

46

امّا نفي الظهور، فسيأتي الكلام عليه في خاتمة الاستصحاب ان شاء اللّه تعالى.

و امّا نفي الإمكان فقد يتأمّل في صحّته من أجل إمكان تصوّر الجامع بينها جميعا، و لا أقلّ بين الاستصحاب و قاعدة اليقين، و اعتبار القيود حالات مختلفة، نظير الغني و الفقير، و العالم و الجاهل، و الكريم و البخيل، و الشجاع و الجبان، و نحو ذلك المندرجة في إطلاق «الإنسان» على الرجل و المرأة، و زيد و بكر و عمرو مثلا.

اليقين و الشك يشملان الاستصحاب و قاعدة اليقين‏

ربما يقال- و قد قيل-: لفظ مطلق يشمل اليقين الذي شكّ- بعد ذلك- في صحّته، فهو يقين في حينه، شكّ بعد ذلك في صحّته، و اليقين الذي شكّ في استمراره، و كذلك (الشك) لفظ مطلق يشمل الشكّ الساري و الطارئ جميعا، فمن حيث كونهما يقينا، و من حيث كونهما شكّا واحد.

نظير اختلاف اليقين و الشكّ في الشكّ في المقتضي، و الشكّ في الرافع.

و نظير اليقين و الشكّ في استصحاب الامور القارة، و الامور المتدرّجة في الوجود.

فكما انّ اختلاف اليقين و الشكّ فيهما بالحالات، لا بذاتيهما، كذلك في الاستصحاب و قاعدة اليقين على الأقل، و سيأتي ان شاء اللّه تعالى في خاتمة الاستصحاب تفصيل ذلك، و كذلك النقل عن جمع من الأعلام حجّية قاعدة اليقين بنفس أدلّة الاستصحاب «لا تنقض اليقين بالشكّ».

47

ما المراد من الشك في المقتضي؟

قال المحقّق النائيني: ما سيأتي من الشيخ: من عدم حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي و حجّيته في الشكّ في الرافع فقط، لا يريد به المقتضي في قاعدة: المقتضي و المانع، إذ قاعدة المقتضي و المانع معناها:

عند تحقّق المقتضي- بالكسر- و الشكّ في أصل تحقّق المقتضى- بالفتح- هل يثبت المقتضى- بالفتح- أم لا؟.

و الشكّ في المقتضي- الذي لا يجري الشيخ معه الاستصحاب- معناه:

بعد تحقّق المقتضي- بالكسر- و المقتضى- بالفتح- جميعا، لو حصل شكّ في بقاء المقتضى- بالفتح- لأجل الشكّ في بقاء مقتضيه، هل يحكم بالبقاء أم لا؟.

ثمّ انّ النائيني قال: المراد من المقتضي و المانع في قاعدة المقتضي و المانع أحد وجوه ثلاثة:-

أحدها: المقتضي و المانع التكوينيان، كالنار، و الرطوبة، بالنسبة إلى الإحراق.

ثانيها: المقتضي و المانع الشرعيان بجعل الشارع، كالملاقاة للنجس المقتضي للنجاسة، و الكرّية المانعة عنها.

ثالثها: المقتضي و المانع الملاكيّان، كالعلم المقتضي لصدور التشريع بالإكرام، و الفسق المانع عن صدور تشريع الإكرام.

و لا إشكال في انّ الشكّ في المقتضي الذي جعل الآخوند الاستصحاب حجّة فيه، و منع منها الشيخ، ليس شيئا من هذه الوجوه الثلاثة كما لا يخفى.

48

المقدّمة الخامسة في ان الاستصحاب تابع لدليل حجّيته إطلاقا و تقييدا

سبق في أوّل الاستصحاب عدم ورود دليل خاصّ يجعل الاستصحاب- بهذه اللفظة- حجّة، فيجب التقيّد بالدليل الذي نراه معتبرا يجعل الاستصحاب حجّة، فحيث شمله ذاك الدليل كان حجّة و ان لم يشمله لفظ الاستصحاب أو شكّ في صدقه عليه، و حيث لم يشمله ذاك الدليل، أو شكّ في شموله له لم يكن حجّة و ان صدق عليه لفظ الاستصحاب.

مثلا: لو كان الملاك عندنا لحجّية الاستصحاب الإجماع، وجب التقيّد بما أجمعوا عليه من حجّة الاستصحاب فيه، و هو أخصّ الأقوال، من كون الشكّ في الرافع دون المقتضي، و في الأمر الوجودي دون العدمي، و في القار دون المتدرّج في الوجود، و هكذا دواليك، و ان صدق الاستصحاب على الشكّ في المقتضي، و العدمي، و المتدرّج في الوجود.

و هكذا من اطمئنّ إلى حجّية الاستصحاب من مجموع ما اقيم عليه من الأدلّة، كان الحجّة- كذلك- أخصّ الأقوال فيها، لأنّه هو الذي اتّفقت عليه كلّ الأدلّة.

و من جعله حجّة من باب «لا تنقض اليقين بالشكّ» حكم بالإطلاق، و لم يتقيّد بالظنّ بالوفاق، و لا الظنّ بالخلاف، و هلمّ جرّا.

49

المقدّمة السادسة «في تقسيمات الاستصحاب»

ينقسم الاستصحاب باعتبارات ثلاثة:

الأوّل: باعتبار المستصحب- بالفتح- ينقسم إلى الأمر الوجودي و العدمي، و كلّ منهما إلى الحكم الشرعي، و الموضوع ذي حكم شرعي، و الحكم الشرعي إلى التكليفي و الوضعي، و كلّ منهما إلى الحكم الكلّي، و الحكم الجزئي، فهذه عشرة أقسام.

الثاني: باعتبار الدليل الدالّ عليه، فهو امّا العقل، أو الشرع، و الشرع امّا لفظي، كالكتاب و السنّة، أو لبّي، كالإجماع و السيرة و بناء العقلاء، و هذه ثلاثة أقسام.

الثالث: باعتبار الشكّ، فانّ الشكّ في بقاء المستصحب امّا للشكّ في المقتضي، أو في الرافع، و الشكّ في الرافع، امّا في وجود الرافع، أو في رافعية الموجود، و هذه أيضا ثلاثة أقسام.

فالأقسام- كما ذكره المحقّق العراقي في تقرير درسه- ستّة عشر قسما و قال: «و الظاهر هو وقوع الخلاف بين الأعلام في كلّ هذه الأقسام ...».

و سيظهر التحقيق بحجّية الاستصحاب في جميعها، و سيظهر ما فيه من الكلام عند التعرّض لبيان أدلّة الاستصحاب ان شاء اللّه تعالى.

50

تأمّل الشيخ‏

إنّما الكلام هنا فيما ذكره الشيخ في رسائله من التأمل في جريان الاستصحاب اذا كان الدليل الدالّ على الحكم الشرعي هو العقل، كما لو كان في سلسلة العلل، مثل حرمة الكذب الضارّ، الذي يحكم العقل بقبحه، و حيث انّه في سلسلة العلل يحكم شرعا بحرمته، فاذا شك في بقاء هذا الحكم الشرعي المستند الى حكم عقلى، فاستصحابه- كما قال- فيه تأمل.

و تقريب كلامه: انّ الأحكام العقلية كلّها مبيّنة لا إبهام فيها، و الشكّ في الحكم العقلي ان كان، فإنّما هو للشكّ في موضوعه، و بقاء الموضوع من الشروط لجريان الاستصحاب- كما سيجي‏ء-.

و بعبارة اخرى: ان كان موضوع حكم العقل محرزا، فلا معنى للاستصحاب، لكون المورد مصداقا لحكم العقل فلا شكّ، و ان كان موضوع حكم العقل غير محرز، فلا استصحاب للشكّ في الموضوع.

و مثّل لذلك: بما لو حكم العقل بقبح الصدق الضارّ، و حكمنا شرعا بحرمته للقبح العقلي، فلو شكّ في بقاء الضرر و عدمه، فلا يجري الاستصحاب، لتبدّل موضوع الحكم من (الصدق الضارّ) إلى (الصدق المشكوك الضرر) قال: و هذا بخلاف الأحكام الشرعية، لأنّ ملاكه لا يعلم ما ذا، فيمكن انتفاؤه و يمكن بقاؤه فيستصحب. انتهى بتصرّف.

الاشكال عليه‏

و قد أشكل على تأمل الشيخ جمع من الاعلام، منهم الآخوند، و المحقّق العراقي، و المحقّق النائيني، بما حاصل كلامهم ببيان العراقي:-

51

انّ التأمّل في جريان الاستصحاب في الحكم العقلي المستكشف به حكم شرعي يرجع الى أحد وجهين:-

الوجه الأول لتأمل الشيخ‏

احدهما: انه يرجع إلى شبهة عدم إحراز بقاء الموضوع، بدعوى انّ القيود في الأحكام العقلية كلّها ترجع إلى الموضوع الذي هو فعل المكلّف (كالكذب الضارّ).

و فيه أوّلا: منع هذه الكليّة، لإمكان أخذ بعض القيود في موضوع الأحكام العقلية على نحو الجهة التعليليّة، لا التقييدية، كما لعلّه من ذلك قبح الصدق الضارّ، و حسن الكذب النافع، بأن يكون موضوع حكم العقل بالحسن و القبح هو: ذات الصدق و الكذب، و الضارّ و النافع يكونان جهتين تعليليتين، لطرو الحسن على الكذب، و القبح على الصدق، لا تقييديتين، يدور الحسن و القبح مدارهما، نظير عنوان المؤثّرية في الإضرار و الانتفاع الذي هو من الجهات التعليليّة لطرو الحسن و القبح على ذات المؤثّر، لا التقييدية التي يدور الحسن و القبح مدارها.

و نظير المقدّمية التي هي جهة تعليليّة لطرو الوجوب على ذات المقدّمة، دون تقيّد تلك الذات بعنوان المقدّمية.

إذن: فلا قصور في استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي، لكون الموضوع للحكم نفس الذات، و هو متيقّن البقاء في الزمان الثاني حتّى مع العلم بانتفاء قيده، فكيف بالشكّ فيه؟.

و ثانيا- على فرض تسليم الكليّة المزبورة، و هي: انّ القيود المأخوذة في الأحكام العقليّة ليست هي تعليليّة، بل كلّها تقييدية، بحيث ينتفي موضوع‏

52

الحكم العقلي بالشكّ في أحد قيوده- نقول: انّ الإشكال إنّما يتمّ لو كان اللازم اتّحاد موضوع القضيّة المتيقّنة و المشكوكة اتّحادا دقّيا عقليّا، و معه لا يبقى مجال للاستصحاب في الأحكام الشرعية التي أدلّتها شرعية أيضا، لأنّ الشكّ إنّما يطرأ إذا صار تغيّر ما في موضوع الحكم، و معه لا إحراز للموضوع حتّى يستصحب، لاحتمال كون ما بفقده حصل التغيّر علّة تامّة للحكم.

نعم، يبقى الاستصحاب في موارد نادرة، علمنا من الخارج عدم كون ما بفقده حصل الشكّ، قيدا ركنيّا.

و امّا ان اكتفينا في وحدة الموضوع في الاستصحاب بالوحدة العرفية- كما سيأتي قبول الشيخ له- فلا قصور في جريان الاستصحاب، فكما يجري الاستصحاب مع الوحدة العرفية في موضوع الدليل الشرعي (كالماء المتغيّر) كذلك يجري في الحكم الشرعي المستكشف من الدليل العقلي.

ان قلت: كيف يجري الحكم الشرعي بحرمة الصدق المستصحب ضاريته، مع انّه مستكشف من الحكم العقلي بقبح الصدق الضارّ، الذي انتفى هذا الحكم العقلي للشكّ في انّ مناطه الضارّية على وجه التقييد، أو التعليل؟.

و بعبارة اخرى: حكم العقل بالقبح كان علّة لحكم الشرع بالحرمة، فإذا انتفى حكم العقل و هو السبب، فكيف يبقى حكم الشرع و هو المسبّب؟.

قلت: تبعيّة حكم الشرع بالحرمة لحكم العقل بالقبح، إنّما هي في مقام الإثبات و الكشف، لا الثبوت و الواقع.

و بعبارة اخرى: من تقبيح العقل كشفنا الحرمة الشرعية، فإذا شككنا في بقاء هذه الحرمة الشرعية، كان دليل الاستصحاب كفيلا بتوسعتها.

نعم، قد يقال:- بناء على كون دليل الاستصحاب الأخبار، و ظهورها في‏

53

أخذ الموضوع من ظاهر لفظ الدليل، لا ممّا يفهمه العرف بمرتكزاته من الجهات و المناسبات- بجريان الاستصحاب في غير الحكم الذي دليله العقل، لعدم معرفة موضوعه سعة و ضيقا، لعدم انفكاك الشكّ في بقاء الحكم عن الشكّ في بقاء موضوعه.

لكن يقال عليه: بأنّ لازم ذلك تعميم هذا الإشكال على كلّ حكم كان دليله غير لفظ من إجماع، أو سيرة، أو بناء عقلاء، و نحو ذلك، و لا يخصّ بالحكم الذي دليله العقل فقط.

فكلّ حكم كان دليله السيرة، أو الإجماع، أو نحوهما، لو كان متيقّنا في زمان، و شكّ في بقائه، لزم عدم جريان الاستصحاب فيه، مع انّ الشيخ لم يلتزم بذلك.

الوجه الثاني لتأمّل الشيخ‏

ثانيهما: انه يرجع إلى عدم تطرّق الشكّ في الأحكام العقلية، لأنّها من حيث المناط و الموضوع واضحة و مبيّنة، لعدم حكم العقل إلّا بعد معرفة كامل الخصوصيات، فلا يعقل تطرّق الشكّ في الحكم العقلي حتّى يستصحب، و لمّا كان مناط الحكم الشرعي- على الفرض- هو الحكم العقلي، فلا يتصوّر فيه أيضا الشكّ حتّى يستصحب.

و فيه أوّلا: منع كلية كون حكم العقل بالحسن و القبح عن مناط محرز تفصيلا دائما، بل قد يكون كذلك، و قد يكون أيضا عن مناط محرز إجمالا، بالحكم بالحسن فيما هو حسن قطعا، أو بالقبح فيما هو قبيح قطعا، لكنّه يشكّ مع انتفاء بعض الخصوصيات في انّه هل باق على حسنه، أو على قبحه، أم لا؟ فيستصحب الحسن العقلي، و القبح العقلي لليقين السابق بهما و الشكّ اللاحق في بقائهما.

54

فحسن الصدق النافع، و قبح الكذب الضارّ، لو زال عنهما النفع و الضرر، و ان زال الحكم العقلي الجازم بالحسن و القبح فيهما، لكن يبقى الشكّ في انّ الصدق- غير النافع- هل هو باق على الحسن؟ و الكذب- غير الضارّ- هل هو باق على القبح، نظير بقاء اللون الأحمر إذا صبّ فيه شي‏ء من الماء، و شكّ في بقاء الحمرة أم لا؟.

و معه يشكّ في بقاء و زوال الحكم الشرعي المستكشف بالحكم العقلي، فيستصحب الحكم الشرعي لاحتمال بقاء المناط الواقعي في الحكم الشرعي الذي كان كاشفه الحكم العقلي، إذ لا جزم بزواله.

و ثانيا- لو سلّمنا كون الحكم العقلي عن مناط تفصيلي محرز بخصوصياته- لكن قد يشكّ في بقاء ما كان معلوم المناط، كالشكّ في بقاء الكذب على ضرره، و بقاء الصدق على نفعه، و كثيرا ما يقع مثل هذا الشكّ.

و في مثله و ان ارتفع الحكم العقلي بالحسن أو القبح، إلّا انّ الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي لا علم بزواله، بل يشكّ فيه، فيستصحب الحكم الشرعي.

مع إمكان دعوى تطرّق الشكّ في الحكم الشرعي من أوّل الأمر، باحتمال أوسعيّة مناطه من مناط الحكم العقلي، لقيام الحكم الشرعي بالأعمّ من الواجد لبعض الخصوصيات و الفاقد لها.

أو احتمال قيام مناط آخر مقام المناط الزائل بحيث يبقى معه أصل الحكم الشرعي، نظير القسم الثالث من استصحاب الكلّي على القول بجريان الاستصحاب فيه بلا حصول تغيّر في الحكم الشرعي، كما في عمود الخيمة، الذي ان زال يحتمل قيام عمود آخر مقام العمود الأوّل، بحيث لا يتغيّر شي‏ء