بيان الأصول - ج9

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
344 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين‏

و صلّى اللّه على خير الخلق أجمعين محمّد المصطفى‏

و عترته الطّاهرين‏

و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين‏

4

-

5

البحث في التعادل و الترجيح‏

و ينبغي قبل البحث تقديم أمور:

هنا أمور

الأمر الأوّل [ينبغي- التزاما بالنصوص- التعبير عن هذا المبحث ب: «التعارض و الاختلاف» لورود اللفظين في الروايات، و عدم ورود لفظي‏]

الأوّل: ينبغي- التزاما بالنصوص- التعبير عن هذا المبحث ب: «التعارض و الاختلاف» لورود اللفظين في الروايات، و عدم ورود لفظي: التعادل و الترجيح، فيها ظاهرا.

و ذلك لأمرين:

أحدهما: اتّباع النصّ و هو أولى بلا إشكال.

ثانيهما: بين الألفاظ المترادفة- غالبا- العموم من وجه و لو قليلا، و في ذلك القليل يقع الخلط و الاشتباه.

إلّا أنّ ذلك يوجب خروج بعض المباحث، كالتزاحم، و التزام الاستطراد لا داعي له.

و المناسب: التعادل و الترجيح لا التراجيح لندرته لغة و استعمالا، و كون‏

6

التعادل من الطرفين بخلاف الترجيح، فتأمّل.

الأمر الثاني [لا إشكال في أنّ اللفظين: التعارض، و الاختلاف، يراد بهما: العرفي لا الدقّي.]

الثاني: لا إشكال في أنّ اللفظين: التعارض، و الاختلاف، يراد بهما:

العرفي لا الدقّي.

بل لا يحتمل الدقّي، لأنّهما اللذين اتّفقا من جميع الجهات، كما إذا أمر المولى عبدا معيّنا في زمان واحد و مكان واحد مع تمام الخصوصيات بأمر و نقيضه أو ضدّه، و هذا غير وارد خارجا حتّى لمرّة واحدة.

و العرفي: هو المفسّر بالتنافي كما سيأتي.

ثمّ إنّ المناسب: التعبير عن عنوان الباب ب: «التعارض و التزاحم»- و إن جرينا على ما هو المتعارف- لأنّه الموضوع الجامع لمواضيع كلّ أحكام الباب، و لا يناسبه التعبيرات التالية:

1- لا «التعادل و الترجيح» و ذلك:

أوّلا: لأنّ «التعادل» محقّق لموضوع التعارض و التزاحم، إذ مع عدم التعادل (أي: عدم التكافؤ) كالأمارة و الأصل، لا تعارض مع وحدة الملاك، و لا تزاحم مع تعدّد الملاك، و هذا يكون نظير ما إذا جعل عنوان الباب: «اعتبار الدليل» الذي هو محقّق لموضوع التعادل، إذ مع عدم الاعتبار لا تعادل كما لا يخفى.

و ثانيا: «الترجيح» حكم، و التعادل موضوع، فلا يناسب أحدهما الآخر.

و هذا نظير ما إذا قيل: التعادل و التساقط، أو التعادل و التخيير.

مضافا إلى عدم استيعاب الترجيح لأحكام هذا الباب، إذ منها التساقط،

7

و منها التخيير.

2- و لا: «تعارض الأدلّة الشرعية» لأنّ الباب أعمّ من «التعارض» و من «بين الأدلّة» إلى بين الأمارات، و كذا بين الأصول العملية، و من «الشرعية» إلى العقلية.

3- و لا: «تعارض الأدلّة و الأمارات»- كما في الكفاية- لما تقدّم آنفا.

بين الفرائد و الكفاية

ثمّ إنّ الشيخ (رحمه اللّه) جعل بحث: التعارض و التزاحم، خاتمة الأصول تبعا لشيوخه و شيوخهم، إذ جعلوا قبله بحث الاجتهاد و التقليد.

و عكس في الكفاية، إذ جعل مبحث: التعادل و الترجيح، من المقاصد، و جعل الخاتمة للاجتهاد و التقليد، إيذانا بأهميّة بحث: التعارض، و كونه من المقاصد في الأصول، لا بحثا تبعيّا.

و لعلّ ما صنعه في الكفاية أنسب فنيّا.

الأمر الثالث [لا فرق في التعارض بين كونه بالتناقض أو بالتضادّ.]

الثالث: لا فرق في التعارض بين كونه بالتناقض أو بالتضادّ.

فالأوّل: كالوجوب و عدمه.

و الثاني: كالوجوب و الحرمة بالنسبة لشي‏ء واحد.

و مرجع التضادّ إلى التناقض، غاية الأمر: أنّه تناقض بالالتزام لا بالمطابقة.

8

الأمر الرابع [إذا لم يكن في أحد الدليلين ملاك كان تعارضا.]

الرابع: إذا لم يكن في أحد الدليلين ملاك كان تعارضا.

و إن كان الملاك موجودا في كليهما و لكن لم يتمكّن المكلّف من جمعهما، سمّي اصطلاحا ب: «التزاحم».

و عليه: فهنا بحثان: بحث التزاحم، و بحث التعارض.

هنا بحثان‏

لقد ظهر ممّا ذكر: أنّ هنا (في كتاب التعادل و الترجيح) بحثين:

1- بحث التزاحم: و هو ما كان لكلا الدليلين ملاك، و لكن المكلّف لا يتمكّن من جمعهما.

2- بحث التعارض: و هو ما لم يكن لأحد الدليلين ملاك.

و نبحث كلّ من البحثين مستقلا بتوفيق منه سبحانه إن شاء اللّه تعالى.

البحث الأوّل بحث التزاحم‏

أمّا الأوّل: ففي بحث التزاحم و بيان أحكامه و مرجّحاته و ملاك التقديم فيه.

التزاحم: إن أحرزت أهميّة أحدهما إلى حدّ المنع من النقيض قدّم وجوبا، و إلّا رجّح عقلا أو و شرعا ندبا، و إلّا تخيّر.

فالأوّل: كإنقاذ المسلم، و الصلاة.

و الثاني: كجانب التحريم.

9

و الثالث: كاليمين المتعلّقة بواحد من المتضادّين.

و قد يكون التزاحم- كالتعارض- بين أمرين أو أكثر كتزاحم الصلاة و إنقاذ الغريق، و الأمر بالمعروف.

مرجّحات التزاحم‏

ثمّ إنّ المرجّحات الملزمة لأحد الطرفين في باب التزاحم أمور جامعها:

الأهميّة، المحرزة بالأدلّة الشرعية: من الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و السيرة المتشرّعية، و الارتكاز المتشرّعي- كما ذكره جمع، منهم: الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في إحراز موضوع الكبيرة من المعاصي- لطريقية الأخيرين عرفا إلى كشف مراد الشارع.

نعم، الشهرة العملية، بل الفتوائية أيضا طريق عرفي- كما استقرّ عليه عمل الفقهاء غالبا في الفقه و إن نفى الطريقية فيهما في الأصول الشيخ (رحمه اللّه) و معظم المتأخرين عنه-.

إحراز فعلية الأهميّة

ثمّ إنّهم ذكروا عناوين عديدة للترجيح جامعها:

إحراز أهميّة أحدهما على الآخر فعلا، سواء كان سبب الأهميّة الفعلية مجرّد الأهميّة الملاكية، أم غير ذلك من المكتنفات و إن لم يكن أهمّ ملاكا.

و الأوّل: كإنقاذ النفس المحترمة، و إتيان الصلاة الواجبة قبل انتهاء وقتها، فالأوّل أهمّ ملاكا و فعلا.

و الثاني: كالصلاة الأهمّ ملاكا من الصوم- على ما هو المستفاد من الأدلّة،

10

كعمود الدين، و نحوه فيها دونه- لكنّه إذا دخل الذباب حلقه في الصوم الواجب المعيّن حال الصلاة الواجبة بحيث تزاحم عدم الإفطار بقول: أخ، عمدا المبطل للصلاة، أو عدم إبطال الصلاة ببلع الذباب عمدا المبطل للصوم.

فمع أنّه لا إشكال في أهميّة الصلاة ملاكا إلّا أنّ الأهمية الفعلية للصوم- مع أنّ لكليهما بدل و قضاء- كما أفتى به في العروة (1) و في بعض صوره تبعه جمهرة من المحقّقين كالنائيني و غيره.

فعلية الأهميّة و الشكّ فيها

و إن شكّ في فعلية الأهميّة في أحدهما ففيه صور:

إحداها: ما إذا كان أحدهما أهمّ ملاكا، و استفيدت الأهميّة من الأدلّة اللفظية، فالظاهر: أنّ إطلاقها يشمل مورد المزاحمة.

ثانيتها: الصورة الأولى نفسها مع استفادة الأهميّة من الأدلّة اللبّية من ارتكاز و نحوها، فمع الشكّ في الأهميّة يضمّ أصل عدم الأهميّة إلى الوجدان، و هو أصل المهمّية فيخيّر.

ثالثتها: ما إذا شكّ في أصل الأهميّة فكالثانية.

التزاحم و ملاكات التقدّم‏

الملاك الأوّل‏

و ملاكات التقدّم في باب التزاحم أمور:

أحدها: ذو الافراد و غيره، فما لا افراد له- عرضيا و طوليا- مقدّم على ما

____________

(1) العروة الوثقى: الصوم، مفطرات الصوم، المسألة 76.

11

له افراد كذلك.

و التعبير عن ذلك بما له بدل و ما لا بدل له مسامحة، إذ الافراد متساوية في انطباق الكبرى عليها و ليس بعضها أصلا و بعضها بدلا.

فالأوّل: كتزاحم الواجب التخييري مع الواجب التعييني، فمن وجبت عليه خصال الكفّارة و كان عليه دين، تقدّم الدين على العتق و الإطعام و اختار الفرد العرضي و هو الصيام على عدليه.

و الثاني: كالواجب الموسّع يؤخّر و إن كان بمراتب من الأهمية عن المضيّق و إن كان بمراتب من عدم الأهمية، كتأخير الصلاة عن أوّل وقتها، و النهي عن المنكر الصغير مثل النظر- بغير ريبة- إلى الأجنبية.

إلّا أنّ ذكر ذلك ضمن «التزاحم» مسامحة، لما تقدّم: من أنّ ملاك التزاحم عجز المكلّف عن جمعهما، و المضيّق و الموسّع و كذا التخييري و التعييني لا يعجز المكلّف عن جمعهما.

نعم، يأتي ذلك في الكفائي و العيني إذا لم يأت بالكفائي غيره، كدفن الميّت و فريضة الصبح قبل انقضاء وقتها.

الملاك الثاني‏

ثانيها: البدلية الاضطرارية و عدمها، فيقدّم ما لا بدل له على ما له بدل.

فإذا دار الأمر- لقلّة الماء مثلا- بين الغسل و الوضوء، و الصلاة مع البدن أو اللباس النجس، أو العكس، اختار العكس، لأنّ التيمّم بدل عن الغسل‏

12

و الوضوء، و قد صرّح به صاحب العروة (1).

الدليل الأوّل و وجهه‏

و لعلّ الوجه فيه أمران:

أحدهما: إنّ عدم البدل كاشف عن مرتبة واحدة من الطاعة، و هو دليل الأهميّة.

ثانيهما: أنّ ذا البدل يمكن طاعته بمرتبة نازلة، بخلاف ما لا بدل له، فأمره دائر بين الوجود و العدم.

و بعبارة أخرى: مع تقديم ما لا بدل له يكون جمعا بين الأمرين، بخلاف العكس.

نقد و تعليق‏

أقول: أمّا الأوّل: فمصادرة، فملاك الأهمية ليس ملازما لترك جعل البدل، فوجوب ردّ السلام لا بدل له، و وجوب الصلاة في الوقت له بدل مع أنّ الثاني أهمّ قطعا.

و أمّا الثاني: فالطاعة بالمرتبة الثانية ليست إلّا بفوت الطاعة بالمرتبة الأولى، و كون غير ذي البدل أهمّ من الطاعة الأولى من ذي البدل لا دليل عليه.

و الوجه في ذلك: أنّ البدل و عدم البدل لا يكون ملاكهما المنحصر الأهمية و عدمها- لا عقلا، و لا عقلائيا، و لا شرعا- بل النسبة بين كلّ من الأهمية و البدلية، و عدمهما، العموم من وجه:

____________

(1) العروة الوثقى: الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، م 10.

13

1- فمورد الافتراق من جانب الأهمية: إقامة الدين‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ.

2- و مورد الافتراق من جانب البدلية: الابتلاء بالطهارة الترابية في طريق الحجّ.

3- و مورد الاجتماع: الصلاة، فهي أهمّ من كثير من الواجبات و لها بدل.

إذ ملاك البدلية الاعتبارية، كالبدلية التكوينية، وجود مرتبة من مراتب الملاك الأصلي، و ملاك عدم البدلية الاعتبارية- كالتكوينية- عدم بقاء شي‏ء من مراتب الملاك الأصلي.

و كون شي‏ء ذا مراتب لا يدلّ على قلّة الأهمية، كما أنّ العكس كذلك، فتأمّل.

القول بأهمية ذي البدل‏

بل ربما يقال: بأنّه إذا قالوا بأهمية ذي البدل لكان أولى.

و إليك أمثلة من ذلك:

1- الصلاة في الوقت عاريا- التي لها بدل خارج الوقت- و الصلاة مع اللباس النجس الذي ليس له بدل، و لا إشكال في الأوّل.

2- الدوران بين الحجّ هذه السنة للمستطيع، و بين بعض الخفيف أو القليل من أقسام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كنهي رجل في بلد آخر من لبس الذهب، و لا إشكال في تقدّم الأوّل مع أنّه ممّا له بدل.

3- الدوران بين نفقة الزوجة- ذات البدل- و بين نفقة الوالدين- التي لا بدل لها- مع تقدّم الأولى مسلّما، قال في الشرائع: «نفقة الزوجة مقدّمة على‏

14

الأقارب» (1).

و لعلّ من الغريب عن تقرير بحث المحقّق النائيني (رحمه اللّه) ذكر هذا المرجّح و الاستدلال له بمجرّد لا يمكن، قال: «إذا كان لأحد الواجبين بدل في طوله دون الآخر- كما إذا وقع التزاحم بين الأمر بالوضوء و الأمر بتطهير البدن للصلاة- فبما أنّ الوضوء له بدل و هو: التيمّم، فلا يمكن مزاحمة أمره مع أمر التطهير، فيقدّم رفع الخبث و يكتفي في الصلاة بالطهارة الترابية (2) إذ «لا يمكن» هو نفس المدّعى فما وجهه؟

دليلان آخران و نقدهما

ثمّ إنّه ذكر في المقام دليلان آخران هما قسيمان لما لا بدل له:

أحدهما: محاولة إرجاع التزاحم بين ما له بدل و بين ما لا بدل له إلى التزاحم بين المشروط بالقدرة العقلية و المشروط بالقدرة الشرعية و ذلك بتقديم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية.

و فيه أوّلا: سيأتي الإشكال في كلّية تقديم المشروط بالقدرة العقلية على الشرعية.

و ثانيا: إذن يكون ذكر تقديم ما لا بدل له على ما له بدل في عرض تقديم المشروط بالعقلية جعلا للقسم قسيما.

و ثالثا: كون القدرة- فيما له بدل- شرعية بمجرّد مقتضى دليل البدلية غير تامّ.

____________

(1) الجواهر: ج 31 ص 365-.

(2) أجود التقريرات: ج 2 ص 272-.

15

نعم، قد يستفاد من بعض الأمثلة في الأدلّة الخاصّة: القدرة الشرعية، كما ذكره جمع في تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية: بأنّه المستفاد من آيتي الطهارة الحدثية في التيمّم: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ‏- كما في سورة المائدة (1) و كذا في سورة النساء (2)- إلّا أنّه في النساء خال من كلمة: «منه»-.

ثانيهما: الترجيح لمحتمل الأهمية، فإنّ ما لا بدل له، محتمل الأهمية، و كلّ محتمل الأهمية يجب الترجيح به.

أمّا الكبرى فيأتي البحث عنها إن شاء اللّه تعالى.

و لكن هنا: هل هو من صغريات تلك الكبرى؟ أي: هل ما لا بدل له محتمل الأهمية بدون أن يكون الطرف الآخر أيضا محتمل الأهمية؟ إذ لو احتملت الأهمية في كلا الطرفين فيخرج عن موضوع البحث.

و فيه: إنّا لا نرى خارجا في الأحكام الشرعية تلازما- لا منصوصا و لا مستنبطا- بينهما، بل قد يجزم بالخلاف، و الفقه ملي‏ء بأمثلة ما ذكرنا.

الملاك الثالث‏

ثالثها: المشروط بالقدرة العقلية مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعية.

و فسّر المحقّق النائيني (رحمه اللّه) القدرة الشرعية: بأنّها هي التي تكون دخيلة في ملاك التكليف، بحيث لا مصلحة ملزمة في التكليف بدونها.

____________

(1) المائدة/ 6.

(2) النساء/ 42.

16

و فسّر القدرة العقلية: بما ليست كذلك، و إنّما العقل هو الذي اشترطها تفاديا من التكليف بالمحال.

و مثّلوا لذلك: بتزاحم وجوب حفظ النفس المشروط بالقدرة العقلية، و وجوب الوضوء المشروط بالقدرة الشرعية، فيقدّم حفظ النفس لإطلاق دليله، و يترك الوضوء لاشتراط دليله بالقدرة، و المأمور باستخدام الماء في حفظ النفس شرعا- فلا ماء له غيره- غير قادر على الوضوء.

و مثّلوا أيضا: بتزاحم استخدام الماء في الوضوء، مع استخدامه في تطهير البدن أو اللباس للصلاة، بتقديم الثاني لاشتراطه بالقدرة العقلية، دون الأوّل لاشتراطه بالقدرة الشرعية.

هنا بحث‏

ثمّ إنّ المهمّ البحث في أصل الترجيح بالقدرة العقلية، فإن استفيد- في مقام الاثبات و الظهور- من الأدلّة الشرعية: اشتراط ملاك واجب بعدم اشتغال الذمّة فعلا بواجب آخر لا يجتمعان، فمع الاشتغال به لا موضوع للواجب الأوّل.

إذ مجرّد توجّه التكليف بغير المشروط، رافع لموضوع التكليف المشروط.

مثال ذلك: الواجبات التي استفيد من أدلّتها أهميّتها على بعض آخر من الواجبات، كحفظ النفس مع حفظ العضو، و حقّ الناس مع حقّ اللّه- على قول- كنفقة الزوجة مع نفقة الأرحام كالوالدين، حيث إنّ الأولى حقّ الناس، و الثانية حقّ اللّه تعالى.

و إن كانت القدرة- المعتبرة في موضوع أحد التكليفين- عبارة عن تمكّن‏

17

المكلّف من الاتيان بالمتعلّق، فلا إشكال في فعلية المشروط بها، و فعلية غير المشروط بها.

ففي المثال المذكور: دليل استخدام الماء في الوضوء، أو في تطهير الخبث، قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا الظاهر في: «و قدرتم» بقرينة الذيل‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً.

هذه القدرة المعتبرة في موضوع الوضوء، ليست إلّا عبارة عن تمكّن المكلّف- تمكّنا شرعيا غير الشامل للمرض و الحرج و الضرر و نحوها- من الوضوء، فمع وجود الماء يكون المكلّف متمكّنا من الوضوء.

و كذا في غير المشروط بالقدرة- أي: غير المذكور في الدليل اشتراطه بالقدرة- كتطهير الخبث للصلاة.

فيقع التزاحم بينهما، لتمامية الملاك في كليهما، و عدم تمكّن المكلّف منهما، فإن كان هناك أهمّ شرعي قدّم و إلّا تخيّر، و لعلّ المسألة من الثاني.

إذن: فما ذكره المحقّق النائيني (رحمه اللّه) في المقام لم يتّضح محصّله.

تزاحم الطهارتين‏

ثمّ إنّ جعل تزاحم الطهارتين: الحدثية و الخبثية، مصداقا لتزاحم القدرتين: العقلية و الشرعية، غير واضح، و ذلك لأنّ كلا من الطهارتين متعلّقة للوجوب الغيري- لا النفسي- و مآل ذلك إلى شرطيتهما للصلاة.

فالمأمور به: الصلاة مع الطهارة الحدثية، و الصلاة مع الطهارة الخبثية، و لكلّ منهما بدل.

إذ الأمر توجّه إلى الصلاة مع الطهارة المائية، و مع العجز مع الترابية.

18

و كذا توجّه الأمر إلى الصلاة مع اللباس الطاهر، و مع العجز فبدله الصلاة عريانا على قول، و مع الثوب النجس على المشهور.

فلا فرق بينهما، لاشتراط كلّ منهما بالقدرة، و ثبوت البدل لكلّ منهما مع العجز.

وجه آخر في المقام‏

ثمّ إنّه ذكر في المقام: انّ المثال مصداق للتعارض لا التزاحم، و وجه ذلك:

بأنّ التزاحم إنّما هو في واجبين لا يتمكّن المكلّف من جمعهما، دون ما إذا كان واجب واحد تردّد بكيفيتين، و مثال التردّد بين الوضوء و غسل الخبث من الثاني لا الأوّل، إذ الشارع أمر بالصلاة عن الطهارة المائية- و مع العجز عن الترابية- و الطهارة من الخبث، و مع العجز عنها بشروطها التي منها هذان الشرطان يقتضي سقوط التكليف رأسا- لأنّ المشروط منعدم بانعدام شرطه، و قاعدة الميسور لا نقول بها- إلّا أنّ الدليل دلّ على عدم ترك الصلاة بحال، فوجب الإتيان بها كيفما كان، فيقع التعارض بين الصلاة مع الطهارة المائية بالبدن أو اللباس النجس، و بين تطهير الخبث و ترك الطهارة المائية إلى الترابية، فليس في المقام واجبان لم يتمكّن المكلّف منهما، بل واجب واحد جهله المكلّف و اشتبه بغير الواجب، و هذا هو التعارض، فيتعارض إطلاق دليل الوضوء، مع إطلاق دليل الطهارة الخبثية، فيرجع إلى مرجّحات باب التعارض، و مع فقدها أو تعارضها يرجع إلى الأصل العملي و هو التساقط، و حيث علمنا بأنّ الصلاة مهما كانت لا تسقط مطلقا، فوجب الإتيان بالصلاة سواء بالوضوء مع الثوب النجس، أو بالتيمّم مع الثوب الطاهر، و خصوصية كلّ منهما ملغاة لعدم الدليل، فيتخيّر المكلّف بين‏

19

التيمّم و الصلاة مع الطهارة الخبثية، و بين الوضوء و الصلاة عريانا، أو مع الثوب النجس على المشهور انتهى بتصرّف.

و فيه: إنّ تقييد التزاحم بما إذا كان الواجبان نفسيين- لا غيريّين أو مقدّميين- بلا وجه واضح كما لا يخفى.

الملاك الرابع‏

رابعها: كون أحدهما حقّ الناس، فيقدّم على حقّ اللّه تعالى، ذكره جمع، منهم: صاحب المختارات‏ (1) و أغفله معظم الاصوليين في بابي: التعارض، و الضدّ، حيث يبحثون مسألة التزاحم فيهما- كالشيخ، و الآخوند، و تلاميذه الثلاثة، و تلاميذهم- نعم، ذكروه في الفقه في مظانّه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

حق الناس و وجوه تقديمه‏

الوجه الأول‏

و قد يذكر للزوم الترجيح بحق الناس وجوه:

أحدها: إنّ في حقّ الناس اجتماع حقّين، لأنّ اللّه تعالى هو الذي جعل حقّ الناس، فهو حقّ اللّه أيضا.

و فيه: حقّ الناس متعلّق للإلزام الإلهي، و حقّ اللّه تعالى متعلّق للإلزام الإلهي أيضا، و الفرق في المتعلّق من غير فارق، و أمّا أصل الحقّ ففيهما واحد، في أحدهما جعل المتعلّق الناس، و في الآخر جعل المتعلّق اللّه تعالى.

و في حقّ الناس قد يكون رفعه و وضعه بيد الناس، كموارد الغصب‏

____________

(1) مختارات الأصول: ج 2 ص 189.

20

و الديون من الحقوق الخاصّة، و قد لا يكون بيدهم أيضا، كالخمس و الزكاة و نحوهما من الحقوق العامّة.

و منقوض: بتزاحم الغيبة و الزنا المحصن، حيث الأوّل حقّان، و الثاني واحد، و من يجرأ على تقديم الثاني؟

الوجه الثاني‏

ثانيها: الخروج من عهدة حقوق الناس أهمّ من الخروج عن حقّ اللّه تعالى‏ (1).

و فيه: إنّه مسبّب عن الأهمّية التي هي أوّل الكلام، فهو يشبه المصادرة.

الوجه الثالث‏

ثالثها: إنّ حقّ الناس محتمل الأهمّية، و يجب تقديمه، مع عدم احتمال الأهمّية في حقّ اللّه تعالى‏ (2).

و فيه- مضافا إلى ما سيأتي من الإشكال في لزوم الترجيح بمحتمل الأهمّية-: إنّ الصغرى غير مسلّمة، إذ احتمال الأهمّية في الطرفين موجود.

قال السيّد الطباطبائي اليزدي (قدّس سرّه) في مسألة التزاحم بين أداء الدين المطالب الحال، و بين الحجّ المستقرّ في الذمّة ما ترجمته: «و إن كان يحتمل تقدّم الدين إذا كان الديّان مطالبون، من جهة إنّه حقّ الناس، لكن يحتمل تقدّم الحجّ أيضا، من جهة المبالغات و التأكيدات الواردة فيه ... إذن في المسألة احتمالات‏

____________

(1) مستند العروة: الحج ج 1 ص 118.

(2) المصدر السابق.

21

ثلاثة، و ثالثها التخيير بين الأمرين» (1).

الوجه الرابع‏

رابعها: رواية المفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف عن الباقر (عليه السّلام):

«الظلم ثلاثة: ظلم يغفره اللّه، و ظلم لا يغفره اللّه، و ظلم لا يدعه اللّه. فأمّا الظلم الذي لا يغفره: فالشرك، و أمّا الظلم الذي يغفره: فظلم الرجل نفسه فيما بينه و بين اللّه، و أمّا الظلم الذي لا يدعه: فالمداينة بين العباد» (2).

بتقريب: إنّه ظاهر في إنّ المداينة بين العباد أهمّ من ظلم الرجل نفسه فيما بينه و بين اللّه، لأنّ الثاني يغفر، و الأوّل لا يدعه اللّه.

و فيه أوّلا: إنّ السند مشكل بالرجلين، فالمفضّل بن صالح (و إن كان من شيوخ ابن أبي عمير، و قد اعتبره بعضهم ممدوحا كالمامقاني و الزنجاني (قدّس سرّهما) و نصّ الصفّار و المفيد في البصائر و الإرشاد على عدوله إلى التشيّع، و هو لا يخلو من إيماء- كما قيل- على إنّ الانحراف العقيدي هو الإشكال الوحيد فيه و قد زال) إلّا إنّ تصريح النجاشي بضعفه ليوقف الشخص.

و سعد بن طريف: إمّا مجهول أو ضعيف، و التفصيل في الرجال.

و ثانيا: إنّ الرواية لا تدلّ على الأهمّية، إذ وزانها وزان أن يقول الأب لبعض ولده: إذا سرقت منّي عفوت عنك، و إذا سرقت من أخيك فأنا لا أعفو عنك، بمعنى: إنّي جعلت الحقّ لذاك، فعفوي مناف لذلك، فهل يدلّ على أنّ سرقة دينار من الأخ، أشدّ من سرقة الألف من الأب؟

____________

(1) رسالة السؤال و الجواب ص 118.

(2) الوسائل: الجهاد، الباب 78 من ابواب جهاد النفس ح 1.

22

فمعنى الرواية: إنّ حقّ اللّه لأنّه للّه يغفره اللّه، و أمّا حقّ الناس فيجب أن يغفره الناس، و أين هذا من الأهمّية؟

الوجه الخامس‏

خامسها: إنّ المشهور بين الفقهاء: تقدّم حقّ الناس عند التزاحم مع حقّ اللّه، و لعلّه المرتكز في أذهان المتشرّعة.

و فيه: أمّا الشهرة: فإنّها- مضافا إلى الإشكال بل المنع في صغرى الشهرة كما سيأتي، و قول السيّد الحكيم (رحمه اللّه) في حجّ المستمسك: «فما اشتهر من أهمّية حقّ الناس من حقّ اللّه تعالى دليله غير ظاهر» و قوله بعد ذلك: «فهذا الحكم المشهور غير ظاهر» (1)- ليست تامّة و ذلك: لما سيأتي في نقل الأقوال من ظهور عدم الشهرة و التتبّع كفيل بذلك، و معه فإنّ الشهرة الفتوائية وحدها لا تكون دليلا، إذا خالف جمع معتدّ به.

نعم، لنا إشكال في إطلاق ذلك- تقدّم في بحث الشهرة- فيما إذا اشتهر حكم، و سكت غير المشهور، لا إنّهم خالفوا و أفتوا على الخلاف كما فيما نحن فيه.

و أمّا الارتكاز: ففيه- مضافا إلى الإشكال في الكبرى عند المشهور إلّا نادرا، و لذا قلّما استدلّ به الفقهاء، و إن لم نستشكله مطلقا كما تقدّم في أوائل بحث الحجج- إنّ الصغرى مطلقا مشكل بل ممنوع، و لذا إذا دار الأمر بإكراه شخص على أحد أمرين: بين إهانة صغيرة لمؤمن، و بين ترك صوم كلّ شهر

____________

(1) المستمسك: ج 10 ص 100.

23

رمضان، فهل مرتكز المتشرّعة يقدّم الثاني على الأوّل؟ كلّا.

و من هنا قال السيّد الحكيم (رحمه اللّه) في نفس المورد الآنف من المستمسك:

«و إن كان لتساعده مرتكزات المتشرّعة، لكن في بلوغ ذلك حدّ الحجّية تأمّل».

تأييد و تفنيد

و قد يؤيّد ارتكاز المتشرعة على أهميّة حقّ الناس بما ورد في الحجّ و غيره: من أنّ الحاجّ يغفر له، فقال الراوي: حتّى حقّ الناس. حيث يدلّ على إنّ مرتكز الراوي كان على إنّ حقّ الناس أهمّ، و لذا سأل عنه، لظهور المقام في السؤال عن الأهمّ.

و فيه- مضافا إلى أنّه لا يكشف عن ارتكاز كلّ المتشرّعة، الذي هو مورد البحث، و إنّ عدم جواب الإمام (عليه السّلام) على ذلك لا يظهر منه تقرير الارتكاز-: إنّ الجواب عنه هو الجواب الآنف، و هو: إنّ اللّه تعالى الذي جعل حقّ الناس بيدهم، هل يغفره أيضا أم لا؟ و أين هذا من الأهمّية؟

اختلاف أنظار جمع من المحقّقين‏

ثمّ إنّ مثل المحقّق النائيني (رحمه اللّه) اختلفت أنظاره في المسألة الواحدة.

ففي المسألة السادسة عشرة، أو السابعة عشرة من حجّ العروة- على اختلاف طبعاتها- حيث أفتى صاحب العروة (رحمه اللّه) بالتخيير بين صرف المال في الدين للناس، و بين صرفه في الحجّ، قوّى المحقّق النائيني صرفه في الدين.

و في المسألة الثانية و الثمانين، أو الثالثة و الثمانين من حجّ العروة أيضا- على اختلاف الطبعات- حيث احتاط استحبابا صاحب العروة بتقديم الحجّ:

24

«و الأحوط تقديم الحجّ» علّق المحقّق النائيني (رحمه اللّه عليه) بقوله: «لا يترك».

و كذا السيّد البروجردي ففي المورد الأوّل استظهر تقديم الدين، و في المورد الثاني قال: في تقديم الحجّ لا يخلو من قوّة.

و ابن العمّ (قدّس سرّه) لم يعلّق على التخيير في المورد الأوّل، و في المورد الثاني احتاط وجوبا بتقديم الحجّ.

و نحوهم آخرون من الأجلّاء قدّست أسرارهم.

نعم، قد يكون وجه الفرق بين المسألتين- و لا فارق ظاهرا-: السادسة عشرة، و الثانية و الثمانين، إنّ الأولى تزاحم الحقّين: حقّ اللّه و حقّ الناس، مع حياة من عليه الحقّ، و إنّ الثانية مع وفاته، و في الثانية روايات خاصّة بتقديم الحجّ، و هي التي عبّر عنها في العروة، بقوله: «و قد يقال: بتقديم الحجّ على غيره و إن كان دين الناس لخبر معاوية بن عمّار ... و نحوه خبر آخر، لكنّهما موهونان بإعراض الأصحاب، مع إنّهما في خصوص الزكاة ...» فتأمّل.

الوجه السادس‏

سادسها: ما ذكره السيّد الحكيم (رحمه اللّه) أيضا هناك، من: «ظهور التسالم على عدم وجوب الحجّ، أو الصلاة، أو الصوم، إذا توقّف أداؤها على التصرّف في مال الغير» و حيث لا خصوصية في الحجّ و الصوم و الصلاة، و لا خصوصية في المال، فيكشف ذلك عن تقدّم حقّ الناس على حقّ اللّه- مطلقا في الجانبين-.

و فيه أوّلا: لم يحرز هذا التسالم، كيف و لم يذكر هذا الفرع إلّا بعض المتأخّرين كما يبدو؟

و ثانيا: لعلّ هذا هو نفس المرتكز المتشرّعي الآنف، الذي تقدّم الكلام‏

25

فيه.

و ثالثا: الموارد مختلفة، فقد يحرز- و لو بالقرائن، و المناسبات، و المكتنفات المغروسة في أذهان المتشرّعة- أهمّية حقّ الناس، و قد يحرز أهمّية حقّ اللّه تعالى.

و رابعا: قال السيّد الحكيم (رحمه اللّه): «لم يثبت أنّ ذلك لأهمّية حقّ الناس على حقّ اللّه تعالى، فإنّ الظاهر: التسالم أيضا على عدم وجوب أداء الزكاة و الخمس و الكفّارات إذا توقّف على ذلك، مع إنّها من حقّ الناس، و كذا الحال في وفاء الدين إذا توقّف على ذلك».

الوجه السابع‏

سابعها: أصالة اليقين، للدوران بين تعيين ترجيح حقّ الناس، و بين التخيير بينه و بين حقّ اللّه تعالى.

و فيه:- مضافا إلى احتمال التعيين في حقّ اللّه تعالى في بعض الموارد، كالدوران بين أداء الدين و بين الحجّ الذي بذمّته من السابق، حيث يحتمل تقدّم الحجّ للأهمّية، كما احتمله القاضي في الجواهر، و مال إليه في الحدائق‏ (1) و ذكر الاحتمال صاحب العروة في أجوبة مسائله‏ (2) و قد تقدّم نقل عبارته- إنّه قد تقدّم في بحث البراءة: إنّ الأصل التخيير لا التعيين، و ذلك لجريان عقليّها و نقليّها بالنسبة لكلّ قيد زائد، و منه التعيين.

____________

(1) انظر الجواهر: ج 17 ص 314.

(2) رسالة (سؤال و جواب): ص 118.

26

الوجه الثامن‏

ثامنها: مجموع الوجوه السبعة المذكورة، فإنّها و إن كان كلّ واحد منها بمفرده قاصرا عن إفادة تقدّم حقّ الناس على حقّ اللّه تعالى، إلّا أنّها من حيث المجموع ربما تتظافر فتورث الاطمئنان- نظير ما التزمه جمع، منهم: الشيخ في الرسائل في دلالة الآيات و الروايات على حجّية خبر الثقة-.

و فيه: إنّ استفادة القاعدة الكلّية- التي تكون بمنزلة الأصل المحتاج فيما خرج عنه إلى دليل- على تقدّم حقّ الناس مطلقا مشكل، بل ممنوع، فتأمّل.

الوجه التاسع‏

تاسعها: الاستقراء، ففي الروايات موارد عديدة دلّت في باب التزاحم على تقديم حقّ الناس على حقّ اللّه تعالى، و أفتى بمضمون ذلك الفقهاء، و إليك بعض منها:

1- في تزاحم الكذب- الذي حرمته من حقّ اللّه تعالى- مع التسبيب لإضاعة حقّ الناس من بدن أو مال- الذي حرمته من حقّ الناس- فقد وردت بتقديم حقّ الناس فيه طائفة من الروايات و منها: الموثّق «قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): إنّ معي بضائع للناس و نحن نمرّ بها على هؤلاء العشّار، فيحلّفونا عليها، فنحلف لهم؟ فقال (عليه السّلام): وددت إنّي أقدر على أن أجيز أموال المسلمين كلّها و أحلف عليها» (1).

و نحوه غيره ممّا لا يجازف مدّعي تواتره- معنى أو إجمالا-.

____________

(1) الوسائل/ كتاب الايمان/ الباب 12/ الحديث 16.

27

و قد أفتى بمضمونه الفقهاء، و ربّما ادّعى الإجماع عليه، و التسالم مسلّم‏ (1).

2- جميع موارد تزاحم الإضرار بالغير، مع حقّ اللّه تعالى.

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به لتقدّم حقّ الناس على حقّ اللّه تعالى، و قد عرفت الإشكال فيها جميعا.

تقديم حقّ اللّه تعالى‏

ثمّ إنّ هناك احتمالا- ذكره العلّامة (رحمه اللّه) في المنتهى‏ (2) ثالث الاحتمالات، بل لعلّ به قولا أيضا كما ربّما يظهر من حجّ الجواهر (3) بل يظهر من الشهيد الأوّل (قدّس سرّه) في القواعد (4) ذهابه إليه، فلاحظ- بتقديم حقّ اللّه تعالى عند التزاحم، و قد يستدلّ له بأمور كالتالي:

أدلّة تقديم حقّ اللّه‏

الدليل الأوّل‏

الأوّل من أدلّة تقديم حقّ اللّه: إنّ اللّه هو ولي الأولياء، و جاعل الحقّ للناس بعضهم على بعض، فهو أولى بمراعاة حقّه عند التزاحم.

و فيه: إن أريد بذلك الاقتضاء فهو صحيح، و لكنّه لا يثبت به الحكم الشرعي الذي هو معلول للاقتضاء و عدم المانع، و الموضوع ليس مركّبا حتّى‏

____________

(1) انظر المكاسب المحرّمة للشيخ الأنصاري و حواشيها و شروحها في مسألة مسوّغات الكذب.

(2) المنتهى: ج 2 ص 872 كتاب الحج.

(3) الجواهر ج 17 ص 314.

(4) القواعد: ج 1 ص 329.

28

يحرز أحد جزئيه بالوجدان، و الثاني بالأصل.

و إن أريد بذلك الأوّلية، فهو أيضا حقّ، لكنّه لا يثبت به الحكم الإلزامي الشرعي، الذي ملاكه الإثبات الشرعي.

و إن أريد به الإلزام الشرعي، فهو بلا دليل فيكون مصادرة.

الدليل الثاني‏

الثاني من أدلّة تقديم حقّ اللّه: ما في الخبر: من أنّ دين اللّه أحقّ.

فقد روي: «إنّ امرأة خثعمية أتت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالت: يا رسول اللّه إنّ فرض الحجّ قد أدرك أبي و هو شيخ لا يقدر على ركوب الراحلة، أ يجوز أن أحجّ عنه؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): يجوز، قالت: يا رسول اللّه ينفعه ذلك؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أما كان يجزي؟ قالت: نعم، قال (صلّى اللّه عليه و آله): فدين اللّه أحقّ» (1).

فقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فدين اللّه أحقّ» بمنزلة كبرى لصغرى السؤال، فهو ظاهر في إنّ دين اللّه- و منه الحجّ- أحقّ، و متقدّم على دين الناس و حقّهم، و حذف المتعلّق يشمل مورد التزاحم لحقّ الناس.

المرسل و الإيراد الأوّل عليه‏

و أورد عليه أوّلا: بضعف السند، فهو خبر مرسل، رواه في مستدرك الوسائل، عن تفسير أبي الفتوح الرازي، و بالغ في تضعيفه في مستند العروة

____________

(1) مستدرك الوسائل: الحج، باب 18 من ابواب وجوب الحج، ح 3. و البحار- طبعة طهران- ج 99 ص 118 ح 15.

29

حيث قال: «فإنّها غير مروية بطرقنا أصلا و لو ضعيفا و إنّما هي مروية من طرق العامّة» (1).

أقول: الإرسال بالنسبة للخبر واضح، لكن نقل مثل الشيخ الجليل أبي الفتوح الرازي (قدّس سرّه)، شيخ منتجب الدين و ابن شهرآشوب و غيرهما من الأجلّاء، و الذي عبّر عنه منتجب الدين بقوله: «الشيخ الإمام ... عالم واعظ مفسّر ديّن» (2) يكفي لجعل نقله من طرقنا، و إلّا فكلّ مرسل نقله العامّة يتطرّق إليه هذا الاحتمال، فتأمّل.

مضافا إلى إنّ الرواية مستفيضة من طرقنا- بدون الذيل محلّ الشاهد- مسندا، و مرسلا، فقد رواها في الوسائل عن المرتضى رضى اللّه عنه عن تفسير الشيخ النعماني (قدّس سرّه) باسناده عن الصادق (عليه السّلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)(3) و أمّا مرسلا فقد رواها في الدعائم في موردين، و رواها المفيد (رحمه اللّه) في المقنعة- على نقل الوسائل و إن كتب في حاشية الطبعة الجديدة من الوسائل: لم نجده في المقنعة المطبوعة.

لكن ضبط صاحب الوسائل (قدّس سرّه) يكفي في مثل المقام-.

هذا كلّه مع روايتها في تفسير الشيخ الجليل أبي الفتوح الرازي- على ما تقدّم- (4).

و خلوّ الرواية- غير ما في تفسير الرازي- عن الذيل: «فدين اللّه أحقّ» لا يضرّ بعد عدم التعارض، و أصالة عدم الزيادة متقدّمة على أصالة عدم النقيصة،

____________

(1) مستند العروة: ج 5 ص 150.

(2) أمل الآمل/ ج 2/ ص 100 نقلا عن الشيخ منتجب الدين.

(3) الوسائل/ كتاب القضاء الباب 6 من ابواب صفات القاضي، ح 38.

(4) جامع أحاديث الشيعة: الحج، الباب 1 من ابواب النيابة ح 8 و 9 و 10.

30

بالأخصّ في مثل المقام الذي لم يكن موارد النقيصة في مقام ذكر تمام الخبر- فتأمّل.

و يؤيّده: إنّ الدعائم رواها مرّتين، و في إحداهما روى في آخرها: «إنّه لو كان على أبيك دين فقضيتيه عنه أجزأه ذلك» و في الثانية لم ينقل هذا الذيل.

الاستناد إلى المرسل و نماذجه‏

و أمّا حجّية مثل هذا المرسل: فالظاهر إنّه لا إشكال فيها، لاعتماد الفقهاء قديما و حديثا عليه، و استنادهم في عموم صحّة القضاء عن الميّت إليه، و إليك بعض عباراتهم في المقام:

1- قال المحقّق العراقي في الصلاة عن الميّت بعد بيان أصل العدم:

«... و حينئذ فلا بدّ أن يقتصر بمقدار الرخصة، فنقول حينئذ: إنّه يكفي في باب الحجّ و سائر العبادات عموم: «دين اللّه أحقّ أن يقضى» إلى آخره» (1).

2- و قال في الجواهر في كتاب الوصايا في مقام إطلاق الدين على الصلاة و الحجّ: «منضمّا إلى ما ورد في الحجّ: إنّ دين اللّه أحقّ أن يقضى ... خصوصا بعد ما سمعت إنّ دين اللّه أحقّ أن يقضى ...» (2).

و قال في الجواهر أيضا في كتاب الصوم في السقوط عن الميّت بتبرّع البعض، قال: «لأنّه كالدين كما يومئ إليه المرسل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ رجلا جاء إليه فقال: يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت و عليها صوم شهر فأقضيه عنها؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

لو كان على أمّك دين كنت تقضيه عنها؟ قال: نعم، قال (صلّى اللّه عليه و آله): فدين اللّه أحقّ أن‏

____________

(1) شرح التبصرة: الصلاة، ج 2 ص 265.

(2) الجواهر: الوصايا ج 8، ص 299.

31

يقضى» (1).

و قال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في أوّل رسالته في القضاء عن الميّت ناسبا الرواية إلى الشهيد في الذكرى، و ابن طاوس‏ (2) في كتاب «غياث سلطان الورى» قال: «فمنها: قضيّة الخثعمية التي أتت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت: إنّ أبي أدركته فريضة الحجّ ...» (3).

3- و اعتماد العلّامة (رحمه اللّه) على الرواية و ذكرها في مسائل عديدة:

منها: في كتاب الصوم من المنتهى في امرأة ماتت و عليه صوم و سأل ابنها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك، فقال له: «لو كان على أمّك دين كنت قاضيه عنها؟ قال: نعم، قال (صلّى اللّه عليه و آله): فدين اللّه أحقّ أن يقضى» ثمّ قال العلّامة (رحمه اللّه): و في رواية: «جاءت امرأة» (4).

و منها: في الحجّ من المنتهى فيمن مات و عليه دين و حجّ إلى أن قال:

«و الثالث: تقديم دين اللّه لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) للخثعمية: دين اللّه أحقّ أن يقضى» (5).

و منها: في الحج من المنتهى أيضا فيمن أوصى بوصايا كلّها واجبات و لا يفي المال بها جميعا قال: «فإنّه يبدأ بالحجّ لأنّه دين اللّه فيكون أحقّ بالقضاء لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) للخثعمية: فدين اللّه أحقّ أن يقضى» (6).

____________

(1) الجواهر: الصوم ج 17 ص 44.

(2) في كتاب العروس الظاهر كتابته ينسب إلى الحيوان و مع واو واحدة إلى الانسان‏

(3) المكاسب: ص 338 خط طاهر خوشنويس.

(4) المنتهى: ج 2 ص 604.

(5) المنتهى: ج 2 ص 872.

(6) المنتهى: ج 2 ص 873.

32

و منها: غير ذلك كما في تذكرة الفقهاء أيضا (1).

إلّا أنّه (قدّس سرّه) في عدد من الموارد ذكر هذه الرواية في سياق ما رواه عن العامّة، بل نصّ في بعضها بذلك، و لا يضرّ ذلك كما لا يخفى لما قدّمناه.

و قال الشهيد الأوّل (قدّس سرّه) في القواعد في مسألة تزاحم الزكاة و الدين: «و نقل بعض الأصحاب تقديم الزكاة لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «فدين اللّه أحقّ أن يقضى» (2).

و الحاصل: إنّ سند الرواية معتبر لتلقّي الأصحاب لها بالقبول و إفتائهم عليها و استنادهم إليها.

المرسل و الإيراد الثاني عليه‏

و أورد عليه ثانيا: بعدم الدلالة على ما نحن فيه، إذ قول الخثعمية للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): «ينفعه ذلك» و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لها: «أما كان يجزي» يجعلان: «أحقّ» في قوله (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّا بالإجزاء و إسقاط التكليف، بقرينة تطابق الجواب للسؤال.

فمعنى الرواية: إنّ دين اللّه أحقّ بالنفع و الإجزاء، إذا صدر الأداء من غير المديون، و أمّا إذا تزاحم دينان: للّه و للناس، فأيّهما مقدّم؟ فهذا ساكت عنه الخبر.

و يؤيّده: إنّه يظهر من جامع الأحاديث‏ (3) إنّ في بعض النسخ «حقّ» بلا همزة.

____________

(1) التذكرة: ج 1 ص 203.

(2) القواعد: ج 1 ص 330.

(3) جامع احاديث الشيعة ج 10 ص 278 ح 10.

33

الدليل الثالث‏

الثالث من أدلّة تقديم حقّ اللّه: إنّ الاستقراء و التتبّع في الفقه، يوقف على موارد كثيرة تزاحم فيها الحقّان فقدّم حقّ اللّه تعالى، و إليك أمثلة منها:

1- تزاحم أكل المغصوب و النجس للمضطرّ، قدّم المغصوب.

2- تزاحم أكل الميتة و لحم الخنزير أو شرب الخمر و الدم مع المغصوب، قدّم المغصوب.

3- تزاحم الزنا و التصرّف في مال الغير، قدّم الثاني، و هكذا دواليك.

و فيه- مضافا إلى أنّه استقراء ناقص لا ينكشف به الحكم-: إنّه يرد عليه طردا بأمثلة قدّم فيها حقّ الناس منها:

1- إذا تزاحم الوضوء و الغسل و التيمّم مع الغصب، قدّم حقّ الناس.

2- و إذا تزاحم الكذب و التسبيب لإتلاف مال الناس- في مثل الكذب للعشّار و نحوه- قدّم حقّ الناس أيضا، و هكذا.

الدليل الرابع‏

الرابع من أدلّة تقديم حقّ اللّه: ما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) في القواعد في تقديم حقّ اللّه بقوله: «تحصيلا لمصلحة العبد في الفوز بثواب اللّه تعالى و رضوانه» (1).

و فيه- مضافا إلى النقض بتزاحم مثل الصلاة و إلقاء النفس في التهلكة، أو العضو، أو العرض، أو المال، ممّا يكون تحصيل الفوز بثواب اللّه تعالى و رضوانه في ترك الصلاة و حفظ النفس، و العضو، و العرض، و المال.

____________

(1) القواعد و الفوائد: ج 1 ص 329.

34

و إلى ما ذكره الشهيد (رحمه اللّه) نفسه بعد صفحة تقريبا: من إنّ حقّ العباد مبنيّ على التضييق، و حقّ اللّه تعالى على المسامحة.

مع ما فيهما من النقض طردا و عكسا-:

إنّ ما ذكره من لزوم هذا التحصيل أوّل الكلام، فهو أشبه شي‏ء بالمصادرة، إذ لزوم تقديم حقّ اللّه تعالى على حقّ الناس في مقام التزاحم إن وجب، لزم تحصيل ذلك.

و بعبارة أخرى: النقاش في أنّه مع التزاحم إنّ أيّا من الحقّين يكون فيه الفوز بثواب اللّه؟ فتأمّل.

و الحاصل: إنّ احتمال تقدّم حقّ اللّه على حقّ الناس (أي: ما جعله اللّه إلزاما على عباده لنفسه، و ما جعله اللّه إلزاما على عباده بعضهم لبعض) بعنوان أصل عامّ يجب الالتزام به إلّا بتخصيص هذا الاحتمال، لا دليل عليه.

و إنّما مثلهما مثل حقّين للّه تزاحما، أو حقّين للناس تزاحما، حيث لا أصل عامّ في البين، و إنّما تلاحظ الأهمّية المستفادة من الأدلّة، فقد توجد لأحدهما أهمّية فتقدّم، و إلّا فالأصل: التخيير.

الفتوى في المقام‏

و أمّا أقوال الفقهاء (رضوان اللّه عليهم)، فالتتبّع الواسع في مختلف موارد تزاحم حقّي اللّه تعالى و الناس، قد يورث الاطمئنان بذهاب المعظم إلى التخيير- مع عدم فهم أهمّية لأحدهما على الآخر من الأدلّة الخاصّة في كلّ مورد مورد-.

و إليك بعض تلك الموارد:

35

1- ففي الحجّ من العروة (1) أفتى صاحبها (قدّس سرّه) بالتخيير بين الحجّ و أداء الدين عند تزاحمهما، و وافقه معظم من تأخّر عنه ممّن تحضرني حواشيهم و شروحهم عليها، كالمستمسك، و الفقه، و المهذّب، للسادة: الحكيم، و الأخ، و السبزواري، و غيرها لغيرهم، و كذا المحقّق العراقي، و ابن العمّ، و آخرين أكثر من عشرين ممّن عاصرتهم، أو سبقوهم (قدّس سرّهم).

2- و مثل ذلك في مسألة أخرى من نفس المصدر أيضا (2).

3- و في شرح التبصرة للمحقّق العراقي (رحمه اللّه)، كتاب الحجّ‏ (3) صرّح بالتخيير بين أداء الدين و الحجّ.

4- و صاحب العروة (رحمه اللّه) في أجوبة مسائله‏ (4) أيضا في نفس المسألة أفتى بالتخيير.

5- و شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي، و شرحه: الجواهر، في نفس المسألة أفتيا بالتخيير.

و ربما يستظهر من نقل خلاف عن الشافعي، و ميل الحدائق، و كاشف اللثام، على ترجيح كلّ منهم طرفا، إنّ غيرهم موافقون للتخيير (5).

بل لم أجد- فيما يحضرني من الكتب العلمية أو الفتوائية- من رجّح حقّ الناس إلّا و اختلفت فتاواه و ربما في المسألة الواحدة و قد تقدّم بعض ذلك،

____________

(1) العروة: كتاب الحج، شرائط وجوب الحج، م 16.

(2) العروة: كتاب الحج، شرائط وجوب الحج، م 82.

(3) شرح التبصرة: كتاب الحج، ص 55.

(4) رسالة (سؤال و جواب): ص 188

(5) الجواهر: ج 17 ص 314.

36

و للمزيد لاحظ ما يلي:

ففي مستند العروة و الحواشي اختلاف النظر.

أ- الحاشية المطبوعة مع العروة الوثقى في مجلّدين- ضمن عشر حواشي- لم يعلّق على تخيير صاحب العروة، و كذا المطبوعة مع العروة ذات الخمس حواشي.

ب- الحاشية المطبوعة أخيرا مستقلا، علّق على تخيير العروة، و قوّى تقديم الدين‏ (1) و كذا في مستند العروة (2).

تتمّات الملاك الرابع لمرجّحات التزاحم‏

التتمّة الأولى‏

لا فرق في حقّ اللّه و حقّ الناس عند التزاحم، على الأقوال و الاحتمالات المختلفة، بين كون أيّ منهما واحدا أم متعدّدا، كضمان شخص لعدّة أشخاص بأسباب مختلفة من دين، و دية، و غصب، و نحوها من حقوق الناس، و اشتغال ذمّة شخص بحجّ إسلامي، و حجّ نذري، و نحوهما من حقوق اللّه تعالى، فإذا كان له مال لا يفي إلّا بأداء دين واحد، أو عدّة حجج بذمّته، أو العكس، تخيّر على المنصور، و قدّم دين الناس مطلقا على ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه اللّه) و تلميذه الخوئي، و غيرهما، و قدّم دين اللّه تعالى على الاحتمال الآخر، و ذلك لعدم الفرق بين الواحد و المتعدّد فيما ذكر من الأدلّة المتقدّمة.

اللهمّ إلّا إذا صار الحكم موجبا للأهمّية الكيفية، أو احتمالها- على القول‏

____________

(1) حاشية العروة: فصل في شرائط وجوب الحج م 17.

(2) مستند العروة: الحج، ج 1 ص 117.

37

بوجوب الترجيح باحتمال الأهمّية أيضا-.

التتمّة الثانية

لا فرق بين حقوق الناس القابلة للإسقاط كالأموال، و بين غيرها كعقوق الوالدين، و قطع الرحم، و بين ما يسقط بنفسه بالعصيان و نحوه كالإنفاق على الأرحام و بين غيره.

و ذلك كما إذا دار الأمر بين الحجّ، و بين البقاء للإنفاق على رحمه الواجب النفقة، و كذا إذا دار الأمر بين إقصاء أبيه، و بين النهي عن منكر، فيما لو كان الظالم إذا عرف بأنّ هذا أب لهذا الناهي، لم يؤثّر كلامه فيه لما بينهما من الغضاضة- مثلا- و ذلك كلّه للإطلاق، و لوحدة الملاك، و عدم فهم الخصوصية، بل ربما فهم عدمها.

التتمّة الثالثة

لا يبعد وجوب تبديل الموضوع في أحد الحقّين، مع إمكانه و عدم الحرج و الضرر فيه، كما إذا تزاحم الصوم مع الإنفاق على واجبي النفقة، حيث إنّهما واجبان مطلقان يجب تحصيل مقدّمتيهما وجوبا عقليّا، و كان إذا صام لا يقدر على تحصيل النفقة، و أمكنه السفر و تحصيل النفقة، و ذلك لأنّه بإمكان تبديل الموضوع- المجاز شرعا- يخرج عن التزاحم موضوعا، لأنّه يصبح مقدّمة وجود الواجب المطلق فيجب عقلا تحصيله.

هذا في الحرج و الضرر المحرّم تحمّلهما، ظاهر.

أمّا إذا كانا رخصة- كما هو الحقّ و المشهور في غير البالغ منهما المستلزم‏

38

للحرام المسلّم- فالظاهر: وجوب اقتحامهما، و خروج المورد بذلك عن التزاحم، فتأمّل.

التتمّة الرابعة

لا فرق في حقّ اللّه تعالى في المعاصي بين الصغائر و الكبائر- بناء على المشهور: من انقسام المعاصي إليهما- و ذلك لأنّ كليهما حقّ اللّه، و توجّه الإلزام المطلق بالترك إليهما، حتّى إذا أحرز التكفير ب: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ‏ (1) أو استغفر، فلا يكشف عن تقدّم حقّ الناس.

لا يقال: حقّ الناس كبيرة دائما، و تزاحم الكبيرة و الصغيرة يوجب أهمّية الكبيرة- لوجوه: و منها ارتكاز المتشرّعة على أهمّيتها-.

لأنّه يقال: كونه كبيرة أي: في نفسه و لا يلازم ذلك أكبريّته من غيره، بل يحتاج إلى دليل آخر.

التتمّة الخامسة

لا خصوصية للمال فيما إذا كان متعلّقا بحقّ اللّه أو حقّ الناس، و كذا غير المال، فإذا كان له وقت واحد و تزاحم عليه حقّان للناس و للّه تعالى:

أ- بصلة الرحم أو برّ الوالدين- فيما إذا كان تركهما قطعا و عقوقا- و بالأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر الواجبين.

ب- أو كان له مال تزاحم فيه الصرف على دينه، أو الحجّ الواجب.

ج- أو تزاحم عليه صرف وقته على الأمر بالمعروف، أو ما له على وفاء

____________

(1) النساء: 31.

39

الدين- فيما أكره على ترك أحدهما من ظالم و نحوه- و ذلك لعدم الفرق، و شمول إطلاقي الدليلين لما نحن فيه، و عدم تمكّن المكلّف من جمعهما جميعا.

1- هذا إذا كان الحقّان متعلّقين بالذمّة.

2- و أمّا إذا تعلّق الحقّان جميعا بالعين، كما إذا مات المديون للناس و للحجّ، حيث بالموت يتعلّق الحقّ بعين المال، فالمشهور بين المتقدّمين و المتأخّرين حتّى عصرنا هذا: التقسيم بين الحقوق، نظير غرماء المفلّس، لأنّه من قاعدة العدل و الإنصاف، و تعديته بفهم عدم الخصوصية لرواية درهمي الودعي و غيرها، و إن أشكل بعض المدقّقين من السابقين و المعاصرين- مضافا إلى الإشكال في سند الرواية بالنوفلي و السكوني الموجب للإشكال في الحكم حتّى في مسألة درهمي الودعي-: بعدم اعتبار القاعدة، و عدم فهم عدم الخصوصية، فتأمّل.

و عليه: فإن وفت حصّة الحجّ به فهو، و إلّا صرفت حصّته أيضا في الديون، أو الخمس، أو الزكاة من حقوق الناس.

و بهذا يفرق دين الميّت عن دين الحي، حيث في الأوّل تعلّق الحقوق بالأعيان من التركة، و في الثاني بالذمّة توزّع على الجميع بالنسبة (1).

3- و إن تعلّق أحد الحقّين بالعين و الآخر بالذمّة، كالشاة المنذورة، و الدين الحالّ، أو غرماء المفلّس فيما كانت عين أحدهم موجودة، فهو خارج عن التزاحم لتوفّر الدليل على إنّ صاحب العين يأخذها، فلا تزاحم بالنسبة إليها،

____________

(1) انظر العروة: كتاب الحج، شرائط وجوب الحج، م 82- هذا عن- الميت، و اما عن الحي: فانظر العروة:

ختام الزكاة م 31.

40

و قد صرّح بذلك الفقهاء في مختلف أبواب الفقه.

التتمّة السادسة

الظاهر: شمول ما ذكر للواجب العقلي المقدّمي، إذا زاحم واجبا شرعيّا، كما إذا دار الأمر بين صرف وقته لإنقاذ غريق، و بين السعي لإيجاد مقدّمات نجاة المؤمن من الإعدام، حيث إنّ الثاني واجب عقلي مقدّمي، و ذلك لشمول الإطلاقين له.

و يؤيّده: ما ذكره الفقهاء في أبواب مختلفة من التزاحم، مع إنّ أحدهما واجب عقلي مقدّمي، كتزاحم وفاء الدين و الحجّ، مع إنّ المراد بالثاني مقدّمات الحجّ.

و ما ربما يقال: من إنّ الوجوب المقدّمي ليس حقيقة وجوبا، لأنّه ليس شرعيا، فلا موضوع للتزاحم أصلا.

ففيه: إنّ الوجوب الفعلي لإتيان أعمال الحجّ- مثلا- في ذي الحجّة موجود الآن، و غير الموجود الآن هو: ظرف الإتيان بالواجب، لا نفس الوجوب، و حتّى إذا لم نقل بذلك ففعلية الوجوب- ظرفه- موجودة الآن، بحيث إذا قصّر الآن فلم يتمكّن من العمل في ظرفه عدّ عاصيا بالترك في ظرفه، لأنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار كما هو واضح.

التتمّة السابعة

الظاهر: شمول حقّ الناس للإنسان نفسه، و ذلك لأنّه من الناس، فإذا كان له حقّ واجب المراعاة، و زاحم واجبا من حقوق اللّه تعالى، كان مصداقا لتزاحم‏

41

الحقّين.

و يؤيّده: ذكر الفقهاء ذلك في شتّى الأبواب، و منها ما ذكروه من تزاحم وجوب حفظ نفسه، و وجوب الوضوء، قال: في العروة في مسوغات التيمّم:

«الخامس (أي: من مسوّغات التيمّم): الخوف من استعمال الماء على نفسه، أو أولاده ...» (1).

التتمّة الثامنة

في جميع الموارد التي قلنا فيها بالتخيير بين المتزاحمين يجوز أيضا التوزيع- إن أمكن- سواء بالسوية، أو بالنسبة، أو بغيرهما، كما إذا كان مديونا لزيد ألفا، و لعمرو خمسمائة، و كان له خمسمائة، جاز إعطاؤها جميعا لعمرو، أو لزيد جميعها، أو تقسيمها نصفين، أو بالنسبة، أو بغير ذلك، و وجهه عدم دليل على إلزام في البين.

نعم، إن قلنا بقاعدة العدل و إنّ سيرة العقلاء إلزاما عليها، أو قلنا بمناط التوزيع في نصوص العين الخارجية و تعديتها إلى الذمم، كان التوزيع بالنسبة، و إلّا فلا، و هو أحوط، و إن لم يفت- حتّى بالاحتياط الوجوبي- في العروة و عشرات الفقهاء المعلّقين بما فيهم: الوالد، و ابن العمّ، و الأخ، و النائيني، و العراقي، و غيرهم (قدّس سرّهم).

الملاك الخامس‏

خامسها: التقدّم الزماني مع فعلية وجوبهما- أو وجوبهما تعليقا- كأيّام‏

____________

(1) العروة: كتاب الطهارة فصل في التيمم، م 21.

42

صيام شهر رمضان لمن لم يتمكّن من جميعها و تمكّن من بعضها، أو صلاتي الظهرين لمن تمكّن من القيام في إحداهما فقط، أو دينين يحلّ أحدهما أوّل شعبان و الآخر ثاني شعبان، أو النهي عن منكرين يمكن أحدهما يوم الخميس و الآخر الجمعة، كما إذا كان أحدهما في بلده و الآخر في بلد ثان، و نحو ذلك.

و ذكر في وجه ذلك- لو لا أهمّية خاصّة في المتأخّر- ما يلي:

1- إنّ المتقدّم فعليّ مقدور و لا عذر في تركه، و المتأخّر لم يصر بعد فعليّا.

2- و يترتّب على ذلك: عذر المكلّف في ترك المتأخّر- مع الإتيان بالمتقدّم- بعجزه، و عدم عجزه في العكس.

3- إنّ المترتّبين في الوجود: إمّا مترتّبين في التكليف أيضا- كالظهرين- أو مترتّبين في الامتثال فقط، كمصداقي الأمر بالمعروف الذين أحدهما أقرب مكانا من الآخر.

فإن كانا مترتّبين في التكليف، فمع توجّه التكليف إلى الظهر مثلا، لا يبقى مجال للتكليف بالآخر- لفرض عدم القدرة عليهما جميعا-.

و إن كانا مترتّبين في الامتثال فقط و كون القدرة شرطا عقليّا- لا شرعيّا كالظهرين- فلا محالة من أن يكون الأمر بالأوّل فعليا، و معه أيضا لا يبقى مجال للأمر الثاني حتّى يصير فعليّا.

أقول: الأدلّة المذكورة كلّها مصادرة، لأنّ الفعلية بمعنى عدم فعلية تعلّق الأمر بالثاني، أو عدم إمكانه- فيما نحن فيه- أوّل الكلام.

و بعبارة أخرى: مقام إثباتها محتاج إلى دليل.

4- إطلاق الأمر بالمتقدّم يشمل صورتي الإتيان بالثاني و عدمه، بخلاف العكس، فإنّه مع الإتيان بالأوّل لا أمر بالثاني لعدم القدرة عليه، فيبقى الأمر

43

بالمتأخّر في صورة واحدة و هي عدم الإتيان بالمتقدّم.

و فيه: مع العلم بعدم القدرة على كليهما، بل على واحد منهما، و مع فعلية كليهما، فلا أمر إلّا بأحدهما إمّا المتقدّم أو المتأخّر، فالأمر بالمتقدّم ليس مطلقا، بل مقيّد بعدم إرادة الإتيان بالثاني، و الأمر بالثاني مقيّد بعدم الإتيان فعلا بالمتقدّم، فلاحظ.

المحقّق النائيني و التقدّم الزماني‏

ثمّ إنّ المحقّق النائيني الذي جزم في الأصول: بأنّ التقدّم الزماني من مرجّحات باب التزاحم‏ (1) اضطربت كلماته في الفقه، ففي مسألتين متّحدتي المعنى من العروة علّق بالاحتياط الوجوبي و الفتوى متعاكسين‏ (2).

و لذا بنى صاحب العروة- مع عشرات الفقهاء المعلّقين عليها الساكتين- على عدم الترجيح بصرف التقدّم الزماني، و أفتى في موارد منه بالتخيير، و ذلك في مختلف أبواب الفقه.

و من ذلك: ما في الحجّ، في مسألة تزاحم الدين المطالب الحال مع الحجّ، قال: «و يحتمل تقديم الأسبق منهما في الوجوب، لكنّه أيضا لا وجه له كما لا يخفى» (3).

و لم يعلّق عليه حتّى المحقّق النائيني و العديد من تلاميذه ممّن جزموا في الأصول بتقدّم الزماني في باب التزاحم.

____________

(1) ذكر ذلك في ترتّب تقرير الكاظمي و في التعادل و الترجيح.

(2) انظر العروة: الصلاة، مكان المصلي م 17 و بحث القيام، م 26.

(3) انظر العروة: الحج، شرائط وجوب الحج، آخر المسألة 17.

44

قال السيّد الحكيم (رحمه اللّه) في شرح المسألة: «كما عرفت سابقا: من إنّ التقدّم الزماني لا يوجب الترجيح في مقام الامتثال» و هو في محلّه.

و إن كان قد يقال: بأنّه أعمّ، إذ التقدّم الزماني بمعنى الفعلية السابقة، لا تعلّق الوجوب، إذ قد يتعلّق الوجوب سابقا، لكنّه ليس فعلية سابقة، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، فتأمّل.

ثمّ إنّه لا فرق في التخيير بين المتزاحمين، بين استغراق كلّ منهما المتزاحم عليه، و عدمه. كما إذا كان مديونا دينارا و عليه الحجّ، و عنده مائة دينار إذا أعطى الواحد منها للدين لم يمكنه الحجّ، و وجه ذلك: عدم الفارق.

الملاك السادس‏

سادسها: تعلّق أحد الحقّين بالعين، فإنّه مقدّم على تعلّق الآخر بالذمّة.

سواء كان أي منهما (حقّ اللّه أم حقّ الناس) متقدّما زمانا أم متأخّرا، متقدّما في تعلّق الوجوب أم متأخّرا، له بدل أم لا، مشروطا بالقدرة العقلية أم الشرعية؟

و سواء كان تعلّق الحقّ بالعين من غير اختيار المكلّف، كما إذا تعلّق الخمس أو الزكاة بمال، أو اشترى أرضا دينا، ثمّ استدان شيئا آخر و صرفه، و صار مفلّسا و الأرض باقية، فإنّ حقّ البائع متعلّق بالأرض، و غير ذلك. أم كان التعلّق بالعين اختيارا، كالنذر إذا نذر عينا للّه، أو لزيد.

و هذا التعميم و إن لم يرد في دليل خاصّ- إلّا إنّ التسالم ظاهرا عليه، مع الغاء خصوصية المورد الذي ورد فيه: إنّ صاحب العين أولى بعينه، لفهم عدمها- إلّا أنّ ذلك أيضا مقتضى القاعدة الأوّلية، لأنّ من له الحقّ في العين مقدّم على من‏

45

لا حقّ له في العين، و وجه ذلك: تقدّم التخصّص على التخصيص بلا وجه، و ذلك لأنّ تقديم الحقّ المتعلّق بالعين يجعل الشخص غير قادر على الحقّ المتعلّق بالذمّة، فيكون تخصّصا، و لا حاجة إلى الدليل في التخصّص.

و أمّا تقديم الحقّ المتعلّق بالذمّة- و لو عملا فقط للتخيير الحكمي- فهو تخصيص، و التخصيص بحاجة إلى دليل، و ذلك: لأنّ جواز ترك إعطاء العين لصاحبها استثناء من أدلّة وجوبه بلا دليل.

النصوص و تقديم الحقّ المتعلّق بالعين‏

و النصوص الخاصّة هي كالتالي:

«مرسل الدعائم، عن علي (عليه السّلام): إذا أفلس الرجل و عنده متاع رجل بعينه، فهو أحقّ به» (1).

«و صحيح عمر بن يزيد عن أبي الحسن (عليه السّلام)، قال: سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه؟ قال: لا يحاصّه الغرماء» (2) و هو ظاهر في اختصاص صاحب المتاع بمتاعه.

و ضعف الدلالة فيهما، لاختصاص الصحيح بالدين و الغرماء و الفلس الظاهر فيه، كضعف سند الأوّل أيضا مجبور بما تقدّم، و لذا تسالم الفقهاء في أمثال ذلك بالفتوى بتقديم صاحب العين عند تزاحم اشتغال الذمم مطلقا بأي وجه كان‏ (3).

____________

(1) مستدرك الوسائل: كتاب الحجر، باب 4، ح 1.

(2) الوسائل: كتاب الحجر، الباب 5، ح 2.

(3) انظر: الجواهر ج 25، الوصايا ص 295، و العروة الزكاة المسألة 12 و كذا 13 آخرها من أوّل الزكاة،-

46

لكن يستثنى من ذلك: الميّت الذي تركته أقلّ من ديونه، فإنّه لا ترجيح لصاحب العين في تزاحم الديّان، و ذلك للنصّ الخاصّ الصحيح و المعمول به، و هو: صحيح أبي ولّاد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل باع من رجل متاعا إلى سنة، فمات المشتري قبل أن يحلّ ماله، و أصاب البائع متاعه بعينه، له أن يأخذه إذا حقّق له؟ قال: فقال (عليه السّلام): إن كان عليه دين و ترك نحوا ممّا عليه فليأخذه إن حقّق له فإنّ ذلك حلال له، و لو لم يترك نحوا من دينه، فإنّ صاحب المتاع كواحد ممّن له عليه شي‏ء، يأخذ بحصّته و لا سبيل له على المتاع» (1).

هل التقديم هنا رخصة؟

ثمّ إنّ الظاهر: إنّ ترجيح صاحب العين في التزاحم هنا رخصة لا عزيمة، فله أخذ العين، و له تركها و الضرب مع بقيّة الغرماء.

و يدلّ عليه- مضافا إلى تصريح الفقهاء بذلك و فهمهم له، كما في الجواهر (2) و الفقه‏ (3)-: إنّ الروايات ظاهرة في الرخصة لمكان ما فيها من تعبيرات: «أحقّ به» و «لا يحاصّه الغرماء» في توجيه النهي إلى الغرماء لا إلى صاحب العين: «له أن يأخذه» و نحوها.

و ما في بعضها من الأمر: «فليأخذه» فهو ظاهر أيضا في الرخصة، لأنّه‏

____________

- و الزكاة أيضا الختام، المسألة 31، و العروة الحجّ، شرائط وجوب الحجّ، المسألة 83، مباني منهاج الصالحين ج 9 ص 239، الفقه: كتاب المفلّس ص 197 من الطبعة الاولى، و غير ذلك.

(1) الوسائل: كتاب الحجر، باب 5، ح 3.

(2) الجواهر: ج 25 ص 298.

(3) الفقه: المفلّس ص 195.

47

في مقام توهّم الحظر.

قال في الجواهر: «و حينئذ فليس أخذ العين عزيمة عليه، بل له أن يفسخ و يأخذ العين، و له أن يضرب بالثمن على الغرماء ...» (1).

و قريب منه ما في: الفقه، و غيره.

و ليس ذلك إلّا لأنّ صاحب المال له أن يرفع يده عن المال، و لا يجب عليه أخذه- بما هو- و هو غير مناف لوجوب أخذ العين بوجوب آخر- شرعي أو عقلي- كما إذا توقّف الحجّ الواجب بذمّته على صرف مثل تلك العين و ليس له غيرها، أو توقّف الإنفاق على واجبي النفقة عليها، و نحو ذلك.

الملاك السابع‏

سابعها:- و قد ذكره بعضهم- أن يكون أحد المتزاحمين المطلقين سابق التعلّق فإنّه مقدّم على لاحق التعلّق، كما إذا صار دين زيد حالا مطالبا الخميس، و دين عمرو الجمعة، ففي يوم السبت كلاهما من حيث الأداء واجبان مطلقان إلّا أنّ دين زيد الإلزام بوفائه سابق التعلّق بالمكلّف.

و الوجه في ذلك: إنّ الوجوب السابق لا يبقي مجالا للوجوب اللاحق- مع عدم القدرة على الجمع بينهما- مضافا إلى أصالة التعيين في الدوران بينه و بين التخيير.

لكنّه غير تامّ، إذ الفرض أنّ كليهما الإلزام فيهما مطلق و فعلي، و معه اجتمعا عليه، و عدم قدرته عليهما لا يجعل السابق أولى، و إطلاق كلّ منهما

____________

(1) الجواهر: ج 25 ص 298.

48

مزاحم لإطلاق الآخر، و إنّما يرجع إلى الأهمّ، فإن كان، و إلّا فلا ترجيح.

و أمّا أصالة التعيين فهي حجّة حيث لا يكون الشكّ في الامتثال مسبّبا عن الشكّ في الاشتغال، و معه و مع جريان أصل العدم في الشكّ في الاشتغال ينتفي موضوع أصل التعيين، كما لا يخفى.

قال في العروة في مسألة تزاحم الحجّ مع أداء الدين:

«و يحتمل تقديم الأسبق منهما في الوجوب، لكنّه أيضا لا وجه له كما لا يخفى» (1).

و لم يعلّق عليه أحد ممّن يحضرني حواشيهم و هم أكثر من عشرين بما فيهم النائيني و العراقي و الحائري و الوالد و ابن العمّ و الأخ الأكبر- (رضوان اللّه عليهم)-.

الحاكم بالترجيح و التخيير: العقل‏

ثمّ إنّ الحاكم بالترجيح- في باب التزاحم مطلقا في جميع موارد لزوم الترجيح- هو العقل لا الشرع، بمعنى عدم وجوب إلزام شرعي سوى المتعلّق بإتيان هذا، أو هذا، و لا إلزام بالترجيح من قبل الشرع، و ذلك لأنّ العقل بعد إحرازه أهمّية أحد الإلزامين عند الشارع يأمر بتقديمه.

بل حتّى إذا ورد إلزام شرعي بالترجيح كان إرشادا إلى حكم العقل، لأنّ حكم العقل- هنا- في سلسلة العلل للأحكام الشرعية، إذ الراجح إلزاما يجب- عقلا- تقديمه، فتأمّل.

____________

(1) العروة: الحج، شرائط وجوب الحج، آخر المسألة 17.

49

و الرجحان- بما هو- لا يكفي دليلا على الرجحان في مقام التزاحم، و لذا نرى الفقهاء غالبا يفتون بالتخيير بين وفاء الدين و بين الحجّ، لورود «كفر» في تارك الحجّ، و كونه من الخمسة التي بني الإسلام عليها، و نحو ذلك ممّا ليس في وفاء الدين.

و كذا الصلاة لا إشكال في إنّها أهمّ من الصوم، لأنّها عمود الدين و ليس الصوم، و إنّها: «إن قبلت قبل ما سواها، و إن ردّت ردّ ما سواها» و ليس الصوم، و علامة الإسلام الصلاة، و ليس الصوم، و هكذا.

و مع ذلك في تزاحم إبطال الصلاة- حتّى على المشهور القائلين بحرمة إبطالها- مع الصوم فيمن دخل ذباب حلقه حال الصلاة، و هو صائم، بحيث تزاحم فيه ترك الصوم ببلعه، مع قطع الصلاة بالتلفّظ ب «أخ» و نحوه من القواطع، خيّر بعض الفقهاء بينهما، و قدّم بعضهم قطع الصلاة (1) و في الفقه أمثلة كثيرة لذلك.

و التخيير كذلك، الحاكم فيه العقل لا الشرع، إذ مع عدم الدليل الشرعي على أهمّية أحد المتزاحمين على الآخر يحكم العقل بالتخيير بينهما.

بل حتّى إذا حكم الشرع في مورد بالتخيير فهو إرشاد إلى حكم العقل، فتأمّل.

الملاك الثامن‏

ثامنها: الترجيح بالأهمّية، و له ثلاثة أنواع:

____________

(1) انظر العروة: الصوم، فصل في المفطرات، م 76.

50

1- معلوم الأهمّية.

2- محتمل الأهمّية و هو ينقسم إلى ما يلي:

أ- محتمل الأهمّية مطلقا.

ب- محتمل الأهمّية بالنسبة إلى الآخر، يعني: قوّة احتمال الأهمّية في أحدهما دون الآخر، بمعنى: إنّ احتمال الأهمّية في كليهما موجود، و لكن الاحتمال في أحدهما أقوى من الآخر.

و لا فرق في الأقوى احتمالا أو محتملا.

فالأقوى احتمالا: كما إذا احتمل أهمّية هذا بنسبة: 80% و الآخر بنسبة:

60%.

و الأقوى محتملا: كما إذا كانت نسبة احتمال الأهمّية في كليهما متساوية، إلّا أنّ أحدهما صلاة يومية، و الآخر صلاة الكسوف، و المحتمل الأوّل أهمّ.

1- الترجيح بمعلوم الأهمّية و الاستدلال له بأمور

أمّا النوع الأوّل: و هو ترجيح معلوم الأهمّية، فلا إشكال و لا خلاف فيه، و يستدلّ له بأمور:

الأمر الأوّل‏

الأوّل: إنّ الأمر بالأهمّ مطلق، و الأمر بالمهمّ مقيّد، و ذلك لأنّ- فرض الأهمّية- يجعل الأهمّ مأمورا به مطلقا حتّى في صورة الاشتغال بالمهمّ، بخلاف المهمّ، فإنّ الأمر به مقيّد بقيد لبّي عامّ- و هو: عدم الاشتغال بضدّ لا يقلّ أهمّية عنه- و مع الاشتغال بالأهمّ لا أمر حقيقة بالنسبة للمهمّ.

51

مثلا: الأمر بالصلاة الكاملة مقيّد بعدم الاشتغال بضدّ لا يقلّ أهمّية عنها، و مع الاشتغال بإنقاذ الغريق لا أمر بالصلاة، بخلاف العكس، فإنّ الأمر بإنقاذ الغريق و إن كان- أيضا هو الآخر- مقيّدا بالقيد اللبّي العامّ و هو: عدم الاشتغال بضدّ لا يقلّ أهميّة عنه، إلّا إنّ الصلاة ليست إلّا أقلّ أهميّة في نظر الشارع من إنقاذ الغريق فحال الاشتغال بالصلاة الأمر بإنقاذ الغريق موجود، لأنّ الصلاة ليست محقّقة لذاك القيد.

و بعبارة أخرى: دليل الإلزام بالأهمّ رافع- بامتثاله- لموضوع الإلزام بالمهمّ، و لا عكس.

فيكون دليل الأهمّ واردا على دليل المهمّ.

إشكال و جواب‏

و يورد على هذا الاستدلال: إنّه يشترط في هذا الإطلاق للأهمّ أن يكون ملاكه فعليّا حتّى حال الاشتغال بالمهمّ، فلو شكّ في هذا الإطلاق لم يدلّ دليل عليه.

و بعبارة أخرى: يشترط مضافا إلى عدم الاشتغال بما لا يقلّ أهميّة عنه، فعلية الملاك حتّى حال الاشتغال بالضدّ، و من أين يكشف هذا الإطلاق؟

أقول: يمكن كشفه من إطلاق دليل الأهمّ نفسه، و ذلك لأنّ شرط: عدم الاشتغال بما لا يقلّ أهميّة عنه، مفقود.

و ما يقال: بأنّ دليل الأهمّ قد لا يكون لفظيا حتّى يتصوّر الإطلاق فيه، كوجوب حفظ النفس، حيث إنّ عمدة دليله: الضرورة و الإجماع و نحوهما من اللبّيات.

52

فإنّه يقال: هذا الدليل الأوّل لا يشمل مثله، و لكن الدليل الثاني- الآتي- يشمله، فتأمّل.

الأمر الثاني‏

الثاني: إنّ العقل يحكم بلزوم تقديم الخطاب المعلوم الأهمّية على الآخر- حتّى إذا لم يتمّ شمول إطلاق خطاب الأهمّ لحال الاشتغال بالمهمّ- حيث إنّ ترك الأهمّ تفويت لملاك مولوي منجّز بدون عذر، بخلاف الآخر، فإنّه بعذر- كما في إنقاذ ابن المولى، و تهيئة الطعام لضيوفه-.

و بعبارة أخرى: يدور الأمر بين تحصيل الملاك الأقلّ أهميّة، و بين الأكثر أهميّة، و لا إشكال في وجوب عقلي لتقديم الأكثر.

و ليس الغرض كون سنخ المصلحة الموجودة في أحدهما أكثر منه في الآخر، إذ قد لا يكون بينهما مسانخة- كالدوران بين ترك الصلاة و بين حفظ النفس- حيث إنّ أحدهما واجب، و الآخر حرام.

و ربما يورد عليه ما أورد على الدليل الأوّل، و يجاب عنه بما أجيب عنه هناك.

و لا يرد عليه ما قيل عن الدليل الأوّل: من إنّ دليل الأهمّ قد لا يكون لبّيا فلا إطلاق فيه، كما لا يخفى.

الأمر الثالث‏

الثالث: ما عن المحقّق النائيني و عدد من تلاميذه و تلاميذهم‏ (1): من «إنّ‏

____________

(1) انظر: اجود التقريرات ج 1 ص 277 و المحاضرات ج 3 ص 269.