تهذيب الأصول - ج1

- السيد عبد الأعلى السبزواري المزيد...
264 /
5

[المدخل‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين‏

و الصلاة و السّلام على خير خلقه‏

محمّد و آله الطّيّبين الطّاهرين‏

و بعد فيقول المفتقر إلى اللّه جلّ جلاله عبد الأعلى الموسوي خلف المرحوم العلامة الجليل السيد علي رضا: هذه خلاصة ما حققناه و حقّقه مهرة مشايخنا- (قدس اللّه أسرارهم)- المبتكرين في هذه الصناعة بعد طول الجهد و تحمّل المتاعب، أبرزتها في أسهل العبارات و أيسر الجملات، خالية عن جميع الزوائد، مشتملة على كثير من الفوائد، و سميتها ب (تهذيب الاصول) عن الزوائد و الفضول، راجيا أن يهذبنا اللّه تعالى عن كل ما لا يرضيه، و يحلّينا بكل ما يرتضيه، و أن يجعله كافيا لصحة الاعتذار في أحكامه المقدسة إلى يوم القيامة.

و منهجنا في هذا الكتاب يخالف ما هو المتبع في سائر الكتب، فهو مؤلف من مقدمة و مقاصد ثلاثة:

1- المقدمة: و فيها امور عامة.

2- المقصد الأوّل: في مباحث الألفاظ، و منها المشتق، و مبحث التعارض.

و لكن لما لم تكن لمبحث المشتق فائدة مهمة فقهية جعلناه في المقدمة تبعا للاصوليين.

6

3- المقصد الثاني: في الملازمات العقلية بقسميها- المستقلة و غير المستقلة- كمقدمة الواجب، و مسألة الضد، و مسألة النهي في العبادة.

4- المقصد الثالث: في ما يصح الاعتذار به، كمباحث القطع، و الأمارات، و الاصول العملية، و الاجتهاد و التقليد.

و جميع مباحث الألفاظ ترجع إلى تشخيص صغريات أصالة حجية الظهور، التي هي من أهم الاصول النظامية العقلائية. و حيث أن أساس الفقه مبني على الكتاب و السنّة، و هما بمعزل عن الملازمات العقلية؛ جعلوا بحث الملازمات العقلية في طي مباحث الألفاظ، إلا أننا عقدنا لها بابا مستقلا، و هو المقصد الثاني.

و خالفناهم في مبحث التعارض فجعلناه من مباحث الألفاظ، و في بحث الاجتهاد و التقليد فجعلناه من مباحث ما يصح الاعتذار به.

و لا يخفى أن الاصول مقدمة و آلة للتعرّف على الفقه؛ و ليس هو مطلوبا بالذات، فلا بد أن يكون البحث فيه بقدر الاحتياج إليه في ذي المقدمة، لا زائدا عليه، و أن تكون كيفية الاستدلال فيه مثلها في الفقه في مراعاة السهولة، و ما هو أقرب إلى الأذهان العرفية، لابتناء الكتاب و السنّة اللذين هما أساس الفقه على ذلك، فالاصول من شئون الفقه لا بد أن يلحظ فيه خصوصياته من كل جهة.

7

[مقدّمة و فيها امور عامة]

[الأمر الأول: تعريف الاصول، و فضله و غايته، و مرتبته‏]

أما تعريفه: فحيث أن علم الفقه ما يبحث فيه عن وظيفة الإنسان من حيث الشريعة.

ثم إن وظائف العباد إما أن تكون متقوّمة بقصد القربة أو لا. و الثانية إما أن تكون بين اثنين أو لا. و الثالثة إما أن تتوقف على الإنشاء أو لا.

فالاولى العبادات، و الثانية العقود، و الثالثة الإيقاعات، و الرابعة الأحكام.

و هذا الحصر عقلي.

هذه هي كبرى الأقسام في الفقه، و إن كان عندهم نزاع صغروي في بعض الأقسام.

فالاصول ما يبحث فيه عن تعيين كيفية تلك الوظيفة، و حقيقته أنها قواعد معتبرة تستعمل في استفادة الأحكام الإلهية، و لا اختصاص له بالمسلمين، بل كل ملة لها وظائف دينية يكون لها فقه و اصول.

و نزاع الأخباري و الأصولي إنما هو نزاع صغروي في بعض مسائل‏

8

الاصول، لا أن يمنع الأخباري عن لزوم إعمال القواعد المعتبرة المحاورية في استفادة الأحكام الإلهية عن الكتاب و السنّة.

و يكفي في فضله أنه في الجملة من شئون الفقه الذي هو من أفضل العلوم بعد التوحيد، بل به يستكمل التوحيد، و حيث أنه نفسه مقدمة للفقه يكون فضله فضلا ترشحيا منه.

و أما غايته: فلا ريب في أنه من أفضل الغايات و أعظمها، لأنها الاقتدار على تشخيص الأحكام الربوبية، و تعيين الوظائف الإلهية لعباده، و هذا من فروع النبوة و الخلافة الإلهية.

و أما مرتبته: فهي فوق جميع العلوم الدخيلة في الفقه، فالاصول من حيث المرتبة بداية الاجتهاد و نهاية العلوم الدخيلة في الاستنباط.

الأمر الثاني: المعروف أن كل علم متقوم بالمسائل، و الموضوع، و المبادئ.

و هو بالنسبة إلى الأول مسلّم، لانتفاء العلم بانتفاء مسائله- انتفاء الكل بانتفاء أجزائه- و أما بالنسبة إلى الأخيرين، فلا دليل عليه من عقل أو نقل.

نعم، لو اريد به التقوّم العادي الاعتباري الاصطلاحي، لا الحقيقي، لكان له وجه. و أما القوام الواقعي فليس موضوع العلم و لا مبادئه كذلك، بحيث لو انتفيا لانتفى أصل ذلك العلم، فليس بوجودهما الواقعي، و لا بوجودهما العلمي دخيلا في علميّة العلم.

نعم، الجامع الواقعي بين موضوعات مسائل العالم موجود بلا إشكال، سواء علم به أم لا، فهو أمر تكويني- كتحقق الجنس في أنواعه- و لا ربط له‏

9

بالموضوع المصطلح عليه.

إن قيل: نعم، و لكن وحدة كل علم في حد نفسه و تميزه عن غيره يدور مدار وحدة الموضوع و وجوده، فلا بد له من هذه الجهة.

فإنه يقال: لا ريب في أن الوحدة لا تنحصر بوحدة الموضوع، و يمكن اعتبار الوحدة فيه بأي وجه أمكن ذلك، كما في الوحدات الاعتبارية الملحوظة في سائر المركبات المختلفة الأجزاء.

و كذا يمكن تمييزه بالغرض و نحوه مما يصلح لاستناد التمييز الاعتباري إليه.

ثم إن المبادئ إما تصورية، و هي تصور الاصطلاحات الشائعة في العلم قبل الشروع فيه. أو تصديقية، و هي التصديق بثبوت المحمولات المسلّمة الثبوت لموضوعاتها الدائرة في العلم قبل الشروع فيه، و يزيد في علم الاصول مبادئ اخرى اصطلحوا عليها بالمبادئ الأحكامية، و هي عبارة عن الأحكام المنسوبة إلى الشارع- تكليفية كانت أو وضعية- و ترجع إما إلى المبادئ التصورية، أو التصديقية، و ليست خارجة عنهما، كما هو واضح.

[الأمر الثالث: تعريف المسألة الاصولية، الفرق بينه و بين القاعدة الفقهية]

المسألة الاصولية: ما تقع كبرى في طريق تعيين الوظيفة، بلا فرق بين الأمارات و الاصول العملية و غيرهما. فيقال مثلا: هذا أمر، و كل أمر ظاهر في الوجوب، فهذا ظاهر في الوجوب، و كما يقال: هذا خبر موثوق به، و كل خبر موثوق به حجة، فهذا حجة، أو يقال: هذا مجهول الحكم، و كل مجهول الحكم يرجع فيه إلى البراءة العقلية و النقلية، فهذا مما يرجع فيه إليهما، إلى غير ذلك.

و جميع تلك المسائل لا بد أن تثبت بالأدلة اللفظية في الاصول، و قد وضع هذا العلم لذلك.

10

و يمكن أن تعنون مسألة واحدة بعناوين متعددة، بعضها تكون اصولية و بعضها فقهية، و بعضها كلامية، و هو شائع في العلوم، فيكون المدار حينئذ على خصوصية العنوان، لا ذات المعنون من حيث هو حتى يلزم التداخل.

و القاعدة الفقهية عبارة عن حكم شرعي ينطبق على مصاديقه انطباق الطبيعي على أفراده، و لا تقع في طريق إثبات شي‏ء أبدا، و لا فرق بينها و بين المسألة الفقهية إلا بالاصطلاح.

نعم، يمكن أن يفرّق بينهما بالاعتبار، بأن يقال: القاعدة نتيجة المسألة بمقدماتها. و كذا الكلام في الفرق بين القاعدة الاصولية و مسألتها.

و الفرق بين القاعدة الفقهية و المسألة الاصولية من جهات:

أولها: أن القواعد الفقهية يشترك فيها العالم و غيره، كسائر الأحكام الإلهية، بخلاف المسائل الاصولية، فإنّها تختص بالعلماء.

ثانيها: القواعد الفقهية يمكن أن تختص بباب دون باب، و هي كثيرة بخلاف المسائل الاصولية، فإنها جارية في جميع أبواب الفقه.

ثالثها: أن المسائل الاصولية نتائجها تقع كبرى في طريق إثبات الوظيفة، بخلاف القواعد الفقهية، فإن شمولها لمصاديقها نحو شمول الطبيعي لأفراده.

رابعها: القواعد الفقهية غالبها من المسلّمات بين العلماء، بخلاف المسائل الاصولية، فلهم فيها اختلاف كثير.

خامسها: أن غالب القواعد الفقهية نفس المضمون الذي صدر عن المعصوم (عليه السّلام)، و يصح إطلاق الأصل على القاعدة أيضا، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، و هي مقدمة على الاصول العملية- سميت أصلا أولا- و اعتبار مثبتاتها يدور مدار القرائن الخارجية المعتبرة، في كل أصل أو أمارة، بلا فرق في التسمية من هذه الجهة أيضا.

11

[الأمر الرابع: الكلام فى ما هو المعروف‏]

المعروف أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و أن العرض الذاتي ما ينتزع عن ذات الشي‏ء، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، أو ما لا يكون عروضه على المعروض بواسطة أمر أخص أو أعم.

فاشكل عليهم: بأن محمولات المسائل لا تنتزع عن ذات موضوع العلم غالبا، مع أن جلّ مباحث علم الاصول، يبحث عما يعرض الموضوع لأمر أعم بناء على أن موضوعه الأدلة الأربعة، و لذا عدل المحققون منهم إلى أن المراد بالعرض الذاتي ما لا يصح سلبه عن الموضوع، و إن كان العروض بواسطة بل بوسائط، أي الوصف بحال الذات. و ما صح سلبه عنه يكون عرضا غريبا و إن لم تكن في البين واسطة، أي ما كان من الوصف بحال المتعلق، و لا ريب في أن محمولات مسائل العلوم لا يصح سلبها عن موضوع العلم، كما لا يخفي.

كما أنه لا ريب في أن نسبة موضوع العلم الى موضوعات المسائل نسبة الكلي إلى أفراده و الطبيعي إلى مشخصاته.

ثم إنهم قالوا: إن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات. فإن كان نظرهم إلى أن ذلك من أحد طرق التمييز فله وجه، و إن كان نظرهم إلى الانحصار في ذلك، فهو مردود، لإمكان التمييز بالغرض و نحوه أيضا. و بذلك يمكن أن يجمع بين الكلمات.

[الأمر الخامس: موضوع العلم الاصول‏]

قالوا: إن موضوع علم الاصول الأدلة الأربعة، إما بوصف الحجية، كما عن بعض، أو بذواتها، كما عن آخر.

12

و اشكل على الأول: بأنه يلزم أن يكون البحث عن حجية الإجماع و العقل، و ظاهر الكتاب خارجا عن المسائل و داخلا في المبادئ، لكونها بحثا عن ذات الموضوع حينئذ.

و يردّ: بأن ما هو الموضوع إنما هو الأدلة بوصف الحجية الواقعية النفس الأمرية الثابتة لها، و البحث عن حجية الإجماع و العقل و ظاهر الكتاب، بحث عن مقدار الحجية، و كيفيتها، و دفع اعتراض المعترضين عليها، فتكون من المسائل قهرا.

و اشكل على الثاني: بلزوم خروج البحث عن الخبر الواحد، و التعارض و أحكامه عن المسائل، لعدم كونها بحثا عن السنّة، بل بحثا عن الحاكي لها، فيكون من العرض الغريب.

و فيه: أن الخبر الواحد متحد عند الرواة و العلماء، بل المتشرعة من السنة، فيكون عوارض أحدهما عين عوارض الآخر عندهم، فلا وقع للإشكال من هذه الجهة، فيكون بحث خبر الواحد و التعارض و أحكامه من عوارض السنّة.

ثم إنه لا وجه للقول بأن الموضوع هو الأدلة الأربعة، لأن السنّة شارحة للكتاب، و الإجماع و العقل لا موضوعية لهما، بل لا بد فيهما من الكشف عن السنة في الأول، و عدم ثبوت الردع في الثاني. فموضوعه هو الكتاب المشروح بالسنّة أو السنّة الشارحة للكتاب. فيكون تعريفه: أنه ما يقع نتائج البحث عنه في طريق معرفة الوظيفة الشرعية، و لا فرق بين العقل و الشرع إلّا بما قاله (عليه السّلام):

«العقل شرع داخلي و الشرع عقل خارجي».

فالعقل الذي هو أصل الحجج الإلهية إذا ظهر في المظاهر الظاهرية يكون شرعا، و الشرع إذا ظهر في مظهر التجرد يكون عقلا، فلا فرق بينهما بحسب الواقع و الحقيقة.

نعم، العقول الجزئية حيث أنها قريبة من الأوهام و الخيالات فلا بد لها من‏

13

أن تكون تحت سلطة الشرع، حفظا للأحكام من أن يتدخل فيها الأوهام و الخيالات.

ثم إن السيرة العقلائية و بناء العقلاء، الذين يتمسك بهما غالبا في الفقه و الاصول، راجعان إلى دليل العقل الذي لم يردع عنه الشرع. و كذا السيرة العرفية و مرتكزات العرف اللتين يتمسك بهما أيضا، و يمكن الفرق بينهما و بين بناء العقلاء بحسب المتعلّق، لا بحسب الذات.

[الأمر السادس: تعريف الوضع الفرق بينه و بين استعمال اللفظ]

الوضع من الامور النظامية يقوم به نظام الاجتماع في الإنسان قديما و حديثا، فاللازم في فهم معناه من الرجوع إلى العرف، و إذا رجعنا إليه نرى أنه عبارة عن:

إظهار المعنى باللفظ حدوثا بداعي كون اللفظ علامة للمعنى و وجها من وجوهه، و لا فرق بينه و بين مطلق استعمال اللفظ في المعنى إلا من وجهين:

الأول: أنه حدوثي فقط بخلاف سائر الاستعمالات، فإنها تتحقق بعده.

الثاني: أنه بداعي كون اللفظ علامة للمعنى و سائر الاستعمالات تكون بدواع اخرى، وجهة الاشتراك في الجميع إظهار المعنى باللفظ و إبرازه به، بلا فرق في ذلك بين الوضع التخصيصي و التخصصي.

نعم الفرق بين التخصيص و التخصص أن كثرة الاستعمال في الثاني لها دخل في الجملة، بخلاف الأول، فإن نفس الاستعمال بداعي كون اللفظ علامة للمعنى يكفي في حصول الوضع. و الدليل على ما قلناه إنما هو الوجدان في الأسماء التي نضعها لأولادنا، و ما حصل من الأوضاع الكثيرة المستحدثة في زماننا.

هذا إذا لوحظ الوضع بالمعنى المصدري، و أما إذا لوحظ بمعنى الاسم‏

14

المصدري، فهو نحو ارتباط حاصل بين اللفظ و المعنى ناشئ من تخصيصه به تارة، و من تخصصه به اخرى.

ثم إن من قال بأن الواضع هو اللّه تعالى، فإن أراد الوضع بمباشرته تعالى، كما في مباشرته تعالى لوحي القرآن و التكلم مع موسى بن عمران، فمقتضى الأصل و الوجدان عدمه، و لو كان كذلك لاشتهر اشتهار نسبة الكتب السماوية إليه تعالى في هذا الأمر المهم، و يستفاد من قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها عدم مباشرة الوضع، لأن تعلم الأسماء أعم من مباشرة الوضع، إذ يمكن أن يكون تعالى علّمه لأن يضع آدم بعد ذلك بمباشرته. و إن أراد أن ذلك بإلهام منه تعالى، أو أنه تعالى جعل استعدادا في آدم و بنيه و حصل له الاقتدار به على الوضع، فهو حسن.

كما أن من قال بالمناسبة بين اللفظ و المعنى، فإن أراد بها الذاتية الطبيعية و من تمام الجهات، فهو باطل. و إن أراد لحاظ المناسبة الاعتبارية في الجملة عند الوضع إجمالا و ارتكازا، فله وجه.

ثم إن للوضع أقساما:

منها: الوضع النوعي، كوضع الهيئات.

و منها: الوضع الشخصي، كوضع الأعلام، و أسماء الأجناس.

و منها: الوضع التعييني، و التعيّني، و يسمى بالتخصيصي و التخصصي أيضا، و يمكن أن يصير المجاز حقيقة لكثرة الاستعمال، كما يمكن أن تصير الحقيقة مجازا لهجر الاستعمال، و كل منهما شائع في المحاورات.

و منها: الأصلي و التبعي، و الأول كالمستقلات، و الثاني كالنسب و الإضافات.

و منها: الوضع العام، و الوضع الخاص، أي أن المعنى الموضوع له اللفظ إما عام أو خاص، و على الأول إما أن يوضع له اللفظ، فهو الوضع العام‏

15

و الموضوع له العام، كأسماء الأجناس، و هو على قسمين: فتارة يتصور العام بذاته و يضع اللفظ بإزائه، و اخرى يتصور العام من حيث الإضافة إلى الحصص مع قطع النظر عن المضاف إليه و يضع اللفظ بإزاء مثل هذا العام الملصق بالحصص، و يأتي قسم آخر أيضا.

و على الثاني إن وضع اللفظ له، فهو الوضع الخاص و الموضوع له كذلك، كالأعلام، و يمكن أن يكون الأعلام من الوضع العام و الموضوع له الخاص، بأن يلحظ مطلق الذكور مثلا، ثم يضع لفظ (الحسن) للمصداق الخاص، أو يلحظ مطلق الإناث، ثم يضع لفظ (فاطمة) للمصداق المخصوص.

و المعروف أنه لا يصح أن يوضع اللفظ للكلي الذي يكون هذا الخاص من مصاديقه حتى يكون من الوضع الخاص و الموضوع له العام، لأن الموضوع له لا بد و أن يتصور حين الوضع و لو بوجه، و الخاص لا يصلح لأن يكون وجها من وجوه الكلي و العام، بخلاف العكس.

و فيه: أنه لمكان اتحاد العام مع الخاص يصلح لكونه وجها من وجوه العام في الجملة، و هذا المقدار يكفي في تصوره، فلا مانع منه ثبوتا.

نعم، هو غير واقع إثباتا في المحاورات.

ثم إنه لا ريب في وقوع الوضع العام و الموضوع له كذلك، كأسماء الأجناس. و لا في وقوع الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، كالأعلام.

و أما الوضع العام و الموضوع الخاص، فعن جمع وقوعه أيضا، كالحروف و ما يلحق بها. و عن جمع آخر أن الوضع فيها- كالموضوع- عام، فينحصر الواقع من أقسام الوضع في القسمين الأولين فقط.

و خلاصة ما استدل به على عدم كون الموضوع له فيها خاصا: أن الخصوصية إما خارجية، أو ذهنية. و على الأول يلزم أن يكون استعمالها بنحو الكلية مجازا، كقولك (من) للابتداء مثلا. و على الثاني يلزم عدم الصدق على‏

16

الخارجيات، و كلاهما خلاف المحاورات.

و يمكن المناقشة فيه: أما الأول: فلأن الكلية فيها تبعية على ما يأتي، و الكلية التبعية من جهة لا تنافي الخصوصية من جهة اخرى، كما هو واضح.

و أما الثاني: فلأن الخصوصية الذهنية اخذت مرآة إلى الخارج، فيصح الصدق على الخارجيات قهرا.

نعم، لو قيدت بما في الذهن لا تصدق عليها حينئذ.

و لكنه باطل لا يقول به أحد.

ثم إن لحاظ الاستقلالية في الأسماء، و الآلية في الحروف من دواعي الوضع، لا أن يكون قيدا في الموضوع له، أو المستعمل فيه، فلا وجه لخصوصية المعنى من هذه الجهة في الحروف أصلا، و لا يلزم في كونها داعيا الالتفات التفصيلي، بل يكفي الارتكازية فقط.

هذا، و من ذهب إلى أن الموضوع له فيها خاص قال: إن تقوّمها بالغير أوجب خصوصية المعنى؛ فلا يكون إلا خاصا.

و فيه: أن هذا النحو من التقوّم بالغير لا ينافي الكلية، فالمعنى في حدّ نفسه لا اقتضائي، يكون مع الخاص خاصا، و مع العام عاما.

و الحق أن يقال: إن المعاني الحرفية، و النسب و الإضافات، تكون في الغير من تمام الجهات مفهوما و ذاتا و وجودا، لا في الأخير فقط حتى تكون كالأعراض، بل مفهومها و ذاتها و وجودها، فانيات في الغير فناء تاما و لا نفسية لها بوجه، نظير الربط المحض الذي لا نفسية له أبدا، و ما هي كذلك يكون وضعها تبعيا و غيريا أيضا، فهي مع أسماء الأجناس يكون الوضع و الموضوع له فيها عامين، و في الأعلام يكونان خاصين لأجل تبعيتها المحضة و الفناء المطلق، فيكون وضعها نوعيا تبعيا لمتعلقاتها، إن عاما فعام، و إن خاصا فكذلك.

و ظهر مما مرّ أن الربط ينافي التشخّص مطلقا، فلا وجه لقول الحكيم‏

17

السبزواري «ره»: «إن الوجود رابط و رابطي ...» مع قولهم: إن الوجود مساوق للتشخّص، و لا تشخّص في الربط المحض، إلا أن يراد به التشخّص التبعي.

ثم إن الأقوال في المعانى الحرفية بين الإفراط و التفريط: فمن قائل بأنه لا معنى لها أصلا، و إنما هي علامات فقط، مثل كون الرفع علامة للفاعلية. و فيه من الفساد ما لا يخفى.

و من قائل بأنه لا فرق بين المعاني الحرفية و الاسمية إلا بلحاظ الآلية في المعاني الحرفية و الاستقلالية في الاسمية، و هو خلاف الوجدان المحاوري و إن أمكن توجيهه بوجه.

و من قائل- و هو الحق- بأنها في ذاتها مباينة مع المعاني الاسمية جوهرا كانت أو عرضا، لأن المعاني الإمكانية إما تحصل في الذهن مستقلا و في الخارج كذلك، و يعبّر عنها بالجوهر بمراتبه الكثيرة؛ أو توجد في الذهن مستقلا و لا توجد في الخارج إلا في الموضوع، و يعبّر عنها بالعرض، أو لا توجد في الذهن و الخارج إلّا في الغير و بالغير، و يعبّر عنها بالمعاني الحرفية، فلها معان لكن في الغير من كل جهة.

فالمعاني إما للغير و بالغير و في الغير، و هي المعاني الحرفية. و إما بغيره في نفسه، و هي المعاني الاسمية الجوهرية. و إما بغيره في غيره، و هي الأعراض- اسما كانت أو فعلا- و إما لنفسه في نفسه بنفسه، و هو منحصر في اللّه تبارك و تعالى.

هذا، و لكن قد نسب إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنه قال: «الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أوجد معنى في غيره».

و المراد بالجملة الاولى هو الدلالة على المسمّى، و هو صحيح بالنسبة إلى جميع الأجناس و الأعلام. و المراد بالثانية إنما هو بالنسبة إلى أفعال الممكنات، حيث أن غالبها متقوّمة بحركة ما، و لو الحركة الإرادية. و المراد بالأخيرة إيجاد النسب‏

18

و الإضافات في استعمالات المعاني الاستقلالية، كما تقدم.

و عن مولانا الرضا (عليه السّلام): «و اعلم إن الإبداع، و المشيّة، و الإرادة، معناها واحد و أسماؤها ثلاثة، و كان أول إبداعه و إرادته و مشيته: الحروف التي جعلها أصلا لكل شي‏ء، و دليلا على كل مدرك، و فاصلا لكل مشكل ...». و هنا مباحث نفيسة ليس المقام محل التعرض لها.

ثم إن المعاني الحرفية المبحوث عنها في المقام كل ما لا يستقل بالذات أو لا تحصّل له إلّا في الغير و بالغير، فتشمل جميع النسب و الإضافات و الهيئات التي لا استقلال لها بوجه من الوجوه، و هذا كله إذا لوحظت من حيث الفناء في المتعلق و القيام به.

و أما إذا لوحظت في نفسها و بنفسها فيخرج عن موضوع البحث قهرا، لصيرورتها بذلك من المعاني المستقلة الملحوظة بنحو العنوان المشير إلى المعاني الحرفية، لا أن تكون عينها لاستحالة ذلك.

و كيف كان، فلا ثمرة عملية في البحث عن المعاني الحرفية و ما يلحق بها من النسب و الإضافات و الهيئات، إلا في مورد واحد و هو إمكان تقييد الهيئة بناء على كون الموضوع له فيها عاما، دون ما إذا كان خاصا. و هذه الثمرة ساقطة رأسا، كما أشرنا إليه سابقا.

أما أولا: فلأن الخصوصية لا تنافي التقييد، كما في تقييد الأعلام.

و ثانيا: فلأنها بتبع متعلقاتها تقبل كل شي‏ء، كما هو واضح.

هذا كله في نفس المعاني الحرفية و ما يلحق بها.

و أما الأسماء التي تشبهها، المعبّر عنها بالمبنيات في العلوم الأدبية و المبهمات أيضا، كالضمائر و الموصولات و الإشارات، فوضعها استقلالي، لكن الموضوع له فيها الذات المبهم من كل حيثية و جهة، القابل الانطباق على الجزئي و الكلي، نظير ما يأتي في معنى الإطلاق إن شاء اللّه تعالى.

19

و لعل المراد بالوضع العام و الموضوع له العام ما يعم هذا القسم أيضا، فلا يلزم زيادة في أقسام الوضع المشهورة.

تذنيبات:

الأول: تتصف المعاني الحرفية بالإيجادية و الإخطارية،

الكلية و الجزئية، و الإطلاق و التقييد بتبع متعلقاتها، لفرض فنائها في متعلقاتها، و عدم تحصّل لها في ذاتها بوجه من الوجوه، بل يصح فرض اتصافها بها و لو لم يتصف المتعلق بها على نحو عدم لحاظ المتعلق و الغفلة عنه، لا لحاظ العدم، و هذا صحيح في الانحلالات الذهنية و تمحلاتها.

فما يقال: من أن الهيئات لكونها من سنخ المعاني الحرفية، غير قابلة للإطلاق و التقييد، لكون الموضوع له فيها خاصا.

مردود: بما مرّ، مع أن التقييد لا ينافي الخصوصية إن فرض كون الموضوع له فيها خاصا، كما في تقييد الأعلام.

الثاني: النسب و الإضافات تعمان جميع الموجودات‏

، ففي المبدأ تبارك و تعالى- كالخالقية، و الرازقية و نحوهما- و أما الممكنات فقد حفّت بإضافات شتى من إضافاتها إلى الفاعل، و المادة، و الزمان، و المكان، و غيرها مما لا تحصى. و أول النسب العارضة لها هي النسبة إلى الفاعل، ثم الزمان و المكان، و قد اصطلحوا في الأخيرين على المستقر تارة، و اللغو اخرى.

و الأول: ما كان نفس الظرف محمولا، كزيد في يوم الجمعة، أو في الدار.

و الثاني: ما كان من متممات المحمول، كزيد يقوم في الجمعة، و يصلي في الدار.

الثالث: الجملة تارة إخبارية محضة

، كزيد قائم. و اخرى إنشائية كذلك، كاضرب. و ثالثة تستعمل فيهما، كبعث مثلا. و الجامع في الجميع إبراز المعنى،

20

و الفرق في الاوليين من جهة المحاورات، و في الأخيرة من جهة القرائن التي منها الداعي الذي يفهم بالقرائن الظاهرة- مقالية كانت أو حالية-

ثم إن الإخبارية و الإيجادية من الامور المتقوّمة بالقصد، و لا يبعد صحة اتصاف كلام واحد بهما من جهتين مختلفتين.

و لا ريب في وضع مواد الجمل شخصيا، كما لا ريب في وضع هيئاتها الخاصة التي تفيد معاني مخصوصة نوعيا.

و أما ملاحظة المادة مع الهيئة الخاصة مجموعا ثم وضع المركب منهما ثالثا، فهو من اللغو الباطل، و لا يرتكبه العاقل.

[الأمر السابع: الكلام فى الحقيقة و المجاز]

لا ريب في وقوع الحقيقة و المجاز في المحاورات. و الاولى هي استعمال اللفظ في معناه الموضوع له، كما أن الثاني هو استعماله فيما يناسبه.

و الاحتمالات في المعاني المجازية خمسة:

الأول: عدم وضع لها أصلا، بل الاستعمالات فيها طبعية، لا أن تكون مستندة إلى الوضع.

الثاني: أن تكون وضعية بالوضع النوعي، لكن لا دليل عليه، بل مقتضى الأصل عدمه.

الثالث: أن يكون نفس الوضع للمعنى الحقيقي وضعا لها أيضا، لكن بالتبع، لأنها من شئون المعنى الحقيقي و أطواره و خصوصياته. و أيضا مقتضى الأصل عدم لحاظ هذه الخصوصية للواضع.

الرابع: أن يكون ذلك بإذن من الواضع. و مقتضى الأصل عدمه أيضا، و على فرض وجوده، لا دليل على اتباعه ما لم يساعده الذوق السليم.

الخامس: أن يكون الاستعمال فيها تنزيليا، أي تنزيل المعاني المجازية

21

منزلة المعاني الحقيقية.

و فيه: أنه يحتاج إلى عناية خاصة، و الأصل عدمها.

و يمكن اختيار الاحتمال الثالث و إرجاع الأول إليه.

و على أي تقدير يكون ذلك مشروطا بعدم استنكار أهل المحاورة، سواء أذن الواضع فيه أم لا. و أما مع الاستنكار، فلا يصح و إن أذن الواضع فيه.

و الاستنكار و عدمه يختلفان بحسب الأعصار و الأمصار و العادات المختلفة غاية الاختلاف. فالمجاز، و الاستعارة، و الكناية من مجرد الاصطلاح- و المدار كله على صحة الاستعمال بحسب الذوق السليم و الطبع المستقيم- سمي بتلك الاصطلاحات أو لا، كما أن الإفادة و الاستفادة تدوران مدار الظهور، فمعه تصح و إن كان المعنى غير حقيقي، و مع عدمه لا وجه له و إن كان حقيقيا.

و من ذلك كله يظهر أن الاستعمال لا ينحصر في الحقيقة و المجاز، بل يصح كل ما قبله الأذهان المستقيمة من أهل المحاورة، سمي بالحقيقة أو المجاز، أو لا. كاستعمال اللفظ في نفسه أو مثله أو نوعه، كما إذا قيل (زيد لفظ) و اريد نفسه، أو قيل: زيد في (زيد قائم) مبتدأ و اريد مثله؛ أو قيل ذلك و اريد نوعه، فإن كل ذلك يصح في المحاورات الصحيحة.

و إشكال وحدة الدال و المدلول، مدفوع: بتعدد الجهة و الحيثية مع أنه لا محذور فيه، فقد قال (عليه السّلام): «يا من دلّ على ذاته بذاته».

و قد تقدم أن مقتضى الأصل عدم الوضع للمجازات- و لو نوعا- كما أن مقتضاه عدم الحصر للعلائق المجازية، بل الاستعمالات المجازية تدور مدار الأذواق السليمة المختلفة بحسب العادات و الأعصار و الأمصار التي لا تضبطها ضابطة كلية، و ما ذكر في العلوم الأدبية من العلائق المجازية إنما هو بحسب الغالب لا الاستقصاء. و بذلك كله يسقط البحث عن جملة كثيرة من مباحث الحقيقة و المجاز التي أطيل فيها الكلام من دون أن تكون فيها ثمرة عملية بل و لا علمية.

22

[الأمر الثامن: تعريف الحقيقة و المجاز، علامات الحقيقة]

الحقيقة عبارة عن كون اللفظ مرآة لذات المعنى بلا واسطة، و المجاز عبارة عن كونه مرآة لما يناسبه بقرينة حالية أو مقالية. و للحقيقة علامات انطباقية قهرية، لا أن تكون جعلية:

الاولى: تبادر المعنى، سواء كان للانس الذهني في الجملة- و لو كان جاهلا بالوضع تفصيلا- أو عند العالمين بالوضع تفصيلا، فإنه علامة للوضع عند الجاهل به.

و اشكل على الأول: بأن التبادر يتوقف على العلم بالوضع، و إلا لا يتبادر شي‏ء قطعا، فإذا كان العلم بالوضع متوقفا عليه، لدار.

و فيه: أن التبادر متوقف على أن اللفظ ليس بمهمل، بل له معنى إجمالا مرددا بين شيئين أو أشياء، و العلم بالوضع متوقف على تبادر معنى خاص عن اللفظ تفصيلا، فتختلف جهة التوقف، فلا دور. هذا إذا علم الاستناد إلى ذات اللفظ، و أما لو شك فيه فبأصالة عدم القرينة لا تثبت الحقيقة، لأنها من الاصول العقلائية التي تجري في استفادة المراد فقط، لا في تشخيص أنه حقيقة أو مجاز.

الثانية: عدم صحة السلب، فإنه كصحة الحمل علامة للحقيقة. و الدور المزبور آت هنا أيضا مع جوابه.

الثالثة: الاطّراد، أي كلما اطلق لفظ باعتبار معنى خاص على مورد، صح إطلاقه في كل مورد تحقق ذلك المعنى بعينه، كإطلاق الرجل على زيد باعتبار الرجولية، فإنه يصح إطلاقه باعتبار هذا المعنى في كل مورد تحققت فيه الرجولية.

و لكن، لما كان الاطراد متحققا في المجاز باعتبار القرينة الخاصة و يطّرد

23

أيضا، فلا وجه لجعله علامة للحقيقة.

نعم، لا اطراد في المجاز مع قطع النظر عن العلاقة الشخصية، و زيادة قيد بلا قرينة، أو على وجه الحقيقة موجب للدور، لأحذ المعرّف (بالفتح) في المعرّف (بالكسر) فتتوقف معرفة كل منهما على الآخر، و لا وجه للجواب بالإجمال و التفصيل هنا، لأنه لا بد من العلم بالمعرّف (بالكسر) تفصيلا، و المفروض أن من أجزاء المعرّف (بالكسر) قيد «على وجه الحقيقة، أو بلا قرينة» التي هي عبارة اخرى عنها.

ثم إن صحة السلب و عدم الاطراد علامتان للمجاز. و أما عدم التبادر، فهو أعم من كونه علامة للمجاز، لإمكان كون اللفظ مجملا.

[الأمر التاسع: حالات اللفظ، الرجوع الى الاصول العقلائية ان اشتبه اللفظ]

الألفاظ المتداولة في المحاورات لها حالات من الحقيقة، و المجاز، و الاشتراك، و النقل، و الإضمار- و هو احتياج فهم المراد إلى إضمار شي‏ء- إلى غير ذلك من الحالات المذكورة في المطولات. فإن علم حالة اللفظ و لو من القرائن- مقالية كانت أو حالية- تتبع لا محالة، و إلا فتصل النوبة إلى الاصول العقلائية المتداولة بينهم في محاوراتهم، كأصالة عدم القرينة فيحكم بالحقيقة، و أصالة الإطلاق و العموم التي ترجع إلى عدم القرينة أيضا. و كأصالة عدم النقل، و أصالة عدم الوضع ثانيا، فيحكم بعدم الاشتراك.

و مع عدم جريان مثل هذه الاصول يحكم عليه بالإجمال، سواء جرى الأصل و سقط بالتعارض، أم لم يجر لاختلال أركانه. و أما الاستحسانات التي ذكرت لتعيين حال اللفظ عند التعارض، فمقتضى الأصل عدم الاعتبار بها ما لم يوجب الظهور.

24

[الأمر العاشر: الدلالة اما تصديقية أو تصورية]

الدلالة التصديقية عبارة: عن دلالة الكلام على أن المتكلم معترف بكلامه و جازم به، و هي معتبرة لدى العقلاء مطلقا في المحاورات و الاحتجاجات و غيرها، و لا ريب في توقفها على إرادة المتكلم، و إلا فلا وجه لاعتبارها أصلا، إذ لا وجه لاعتبار ما لا إرادة فيه.

فكل كلام يصدر اختيارا من أي متكلم يدل على أنه معترف بمفاد كلامه، ما لم تكن قرينة حالية أو مقالية على الخلاف.

و الدلالة التصورية عبارة عن خطور المعنى في ذهن السامع عند سماع الكلام، و عن جمع أنها أيضا تتبع الإرادة، و عن آخرين نفي ذلك، و يمكن الجمع بين القولين: بأن من قال بالتبعية، أي التبعية للإرادة الاستعمالية، لأن الدلالة معلولة الاستعمال، و الاستعمال معلول الإرادة. و من قال بعدمها أي الإرادة الحاصلة من جزم نفس المتكلم أو تجزمه بما تكلم به، إذ الإرادة الاستعمالية ليست تابعة لتلك الإرادة، لصحة كون الاستعمال لدواع أخر غير جزم النفس بما يقوله.

إن قلت: فعلى هذا لو سمع الكلام من متكلم بلا شعور و إرادة، يلزم أن لا تكون فيه الدلالة التصورية، مع أنه خلاف الوجدان.

قلت: لا ريب في وجود الدلالة فيه أيضا، لكنها من جهة انس الذهن و ارتكازه بالإرادة الاستعمالية، لا من جهة اخرى، فلا نقض و لا إشكال.

و أما ما ذكره في الكفاية من أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عاما و الموضوع له خاصا، لمكان أخذ الإرادة الشخصية فيه.

فلا وجه له، لأن الإرادة المأخوذة إنما هي بنحو دخل لحاظ الغاية في المغيا، لا بنحو دخل الجزء في المركب.

25

[الأمر الحادي عشر: المعانى اما تكوينيه او اعتبارية او من المخترعات‏]

لا ريب في أن المعاني إما من التكوينيات- جوهرا كانت أو عرضا- أو من الاعتباريات العقلائية، كالبيع و الصلح، و الإجارة و نحوها، أو من المخترعات، كالصلاة و الصوم و الحج و نحوها. و لا خلاف في أن ألفاظ غير الأخيرة من الحقائق اللغوية، و لا وجه لجريان نزاع الحقيقة الشرعية فيها.

نعم، زاد الشارع في بعضها حدودا أو قيودا، كالكر، و السفر، و البيع، و الإجارة و نحوها.

و أما الأخيرة فاختلفوا فيها من جهتين:

الاولى: هل هي من المعاني المستحدثة في خصوص الشريعة الختمية أو كانت في جميع الشرائع الإلهية، مع الاختلاف في خصوصياتها في الجملة؟

يظهر من جملة من الآيات، و النصوص الكثيرة الواردة في حالات الأنبياء (عليه السّلام) الثاني و الشريعة الختمية إنما أكملها، لا أنه أوجد معنى لم يكن الأنبياء يعرفون ذلك المعنى، فهذه المعاني كانت في جميع الرسالات السماوية و إنما أكملتها الشريعة الختمية، كما أكملت جميع المعارف الربوبية.

الثانية: هل تكون ألفاظ هذه المعاني مسبوقة بالعدم قبل شرع الإسلام؟

و إنما أوجدها الشارع، أو إنها كانت مستعملة في معان لغوية و إنما استعملها الشارع في ما أراد على نحو استعمال الكلي في القرد، بمعنى الصلاة هو الدعاء و الميل و العطف، و الزكاة هو التطهير، و الحج هو القصد.

و حيث أن الصلاة المتعارفة من مصاديق الدعاء، و الزكاة من مصاديق طهارة المال، و الحج من مصاديق القصد، استعملها الشارع فيها لا أن يكون وضع حادث في الإسلام تخصيصا أو تخصصا؟ قولان: الحق هو الأخير،

26

للأصل، و لأنه لو كان شي‏ء لظهر و بان و شاع، لا سيما في مثل هذا الأمر العام البلوى، خصوصا مع اهتمام الناس على حفظ مثل هذه الامور عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فاستعماله (صلّى اللّه عليه و آله) لهذه الألفاظ معلوم نطقا، و وضعه (صلّى اللّه عليه و آله) لها مشكوك؛ فيطرح المشكوك بالأصل، فيكون استعمال هذه الألفاظ اللغوية، كاستعمال لفظ (الميزان) في الموازين الحادثة بعد وضع لفظ الميزان، كميزان الحرارة و الكهرباء، و مثل كون علم المثلثات ميزانا لمعرفة البراهين، و علم العروض ميزانا لمعرفة الشعر، و في زيارة علي (عليه السّلام): «السّلام على ميزان الأعمال»، و مثل هذه الألفاظ كثير لا يحصى مع أنه لا ثمرة عملية بل و لا علمية لهذا البحث رأسا، لأن مراده (صلّى اللّه عليه و آله) من هذه الألفاظ ببيانه و بيان أوصيائه (عليهم السّلام) معلوم، سواء ثبتت الحقيقة الشرعية أم لا، و قد تقدم أن الظهور المرادي حجة متبعة، سواء استند إلى الحقيقة أم غيرها، و ما كان مجملا يكون ساقطا و لو كان حقيقة.

و أما ما اصطلح عليه ب (حقيقة المتشرعة) فلا وجه له أيضا بعد ما مرّ من أنها حقائق لغوية.

نعم، بناء على أن استعمال الشارع لتلك الألفاظ في المعاني المستحدثة كان على نحو المجاز، لكن صار ذلك المجاز حقيقة متشرعة، لكثرة الاستعمال في المعاني المستحدثة، لا بأس به، و لكن أصل المبنى باطل، كبطلان كون استعمال الشارع لها يكون من المجاز، أو حصول الوضع التخصصي من استعماله، أو أن استعماله ليس من الحقيقة و المجاز، و إنما حصلت الحقيقة التخصصية في لسان تابعيه، فكل ذلك رجم بالغيب و من مجرد الدعوى بلا ريب.

27

[الأمر الثاني عشر: وقع النزاع فى الالفاظ مطلقا]

وقع النزاع في أن الألفاظ مطلقا موضوعة للمعاني الصحيحة، أو للأعم منها و من الفاسد. و لا اختصاص لهذا النزاع بخصوص المخترعات الشرعية، كما يظهر من الكلمات، بل يجري في جميع الألفاظ مطلقا.

و الظاهر هو الوضع للأعم، لأن الصحة إما قيد للموضوع له، أو يكون الوضع في حال الصحة مع عدم لحاظ القيدية، و على كل منهما إما أن يراد بها الصحة الفعلية من كل حيثية و جهة، أو الصحة الاقتضائية الشاملة للفعلية و غيرها.

و لا وجه لاحتمال القيدية مطلقا، لأنه خلاف الأصل و الوجدان، كما لا وجه لاحتمال الوضع في حال الصحة الفعلية، لأن للصحة مراتب متفاوتة جدا، و بناء نظام التكوين على التغير و التبدل، فيكون الموضوع له أي مرتبة منها، فيتعين أن تكون الألفاظ موضوعة للمعاني في حال الصحة الاقتضائية الجامعة لجميع المراتب، و هي عبارة اخرى عن الأعم، فيكون النزاع لفظيا، إذ لا فرق بين الأعم و الصحة الاقتضائية.

ثم إنه نسب إلى المشهور أن ألفاظ العبادات موضوعة للمعاني الصحيحة.

فإن كان مرادهم الصحة الاقتضائية، فلا فرق بينها و بين الأعم. و إن كان مرادهم الصحة الفعلية من كل جهة، فلا دليل لهم، كما تقدم و يأتي.

ثم إنه قد اطيل الكلام في جريان النزاع على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية. و الظاهر عدم الاحتياج إلى الإطالة، بل ينبغي أن يقال: إن المسمى في هذه الألفاظ في لسان الشرع و تابعيه، خصوص الصحيحة أو الأعم منها، فيشمل النزاع ما إذا لم تثبت الحقيقة الشرعية أيضا.

[و لا بد من التنبيه على امور:]

28

الأول: الصحة و الفساد بما لهما من المعنى العرفي الواقعي يكونان مورد البحث في المقام‏

، و تكون الصحة و الفساد الشرعي من مصاديق كلي الصحة و الفساد العرفي، فموافقة الأمر و عدمها، و سقوط الإعادة و عدمه، و موافقة الشريعة و عدمها، الذي اصطلح الاصولي و الفقيه و المتكلم فيها ليس مغايرا للمعنى العرفي، بل الجميع- بكل معنى لوحظ- ملازم لمعنى التمامية، كما أن ما ذكره الفقيه و الاصولي و المتكلم واحد و إن اختلف التعبير.

الثاني: الصحة و الفساد من الامور الاعتبارية الإضافية لهما أفراد عرضية

و طولية، فربّ صحيح بالنسبة إلى شخص فاسد بالنسبة إلى آخر و بالعكس، بل بالنسبة إلى حالات شخص واحد أيضا، فرب صحيح بالنسبة إلى حالة، فاسد بالنسبة إلى اخرى، و لكل واحد منهما مراتب متفاوتة جدا.

و لا ريب في أن الوضع في ألفاظ العبادات كغيرها من أسماء الأجناس عام و الموضوع له كذلك أيضا، و قد أجمعوا على أنها ليست من المشترك اللفظي، فلا بد على كل من القولين من قدر جامع في البين، يكون هو الموضوع له، مع أن غرض الأعمّي التمسك بالإطلاق، و مقصود الصحيحي ثبوت الإجمال، و كلاهما يستلزمان الجامع، ففرضه مما لا بد منه على كل تقدير.

الثالث: الصحة و الفساد إنما يكونان بالنسبة إلى الذات من حيث التقييد

بالشرائط، لفرض دخالة كل من الأجزاء و الشرائط فيهما بحسب التشريع.

و أما المشخصات فهي خارجة عن الحقيقة و داخلة في المأمور به، و يمكن جعل الجامع مرآة إجمالية بالنسبة إليهما أيضا.

ثم إنه يصح أن يكون الجامع عنوانيا، كعنوان الناهي عن الفحشاء بنحو الاقتضاء من حيث جعله عنوانا مشيرا الى المعنون، لا بنحو لوحظ بنفسه، و أن يكون ذاتيا ماهويا، كذوات الأجزاء بنحو الشأنية أيضا، و أن يكون وجوديا،

29

كالوجود الاعتباري للصلاة مطلقا في مقابل الزكاة و الحج و الصوم مثلا، و أن يكون حاليا، أي حالة توجه العابد إلى المعبود على نحو الاقتضاء و الشأنية أيضا، و لكنه يرجع إلى الثاني، لأن التوجه عبارة عن النية، و هي إما جزء أو شرط، و كل ذلك يصح أن يقع جامعا.

و لا ملزم لأن يكون الجامع معلوما من جميع جهاته، بل يكفي لحاظه بنحو الإهمال و الإجمال بالعنوان المشير إلى الماهية المبهمة الصلاتية القابلة الانطباق على الصحيحة و الفاسدة، و لا ملزم لجعل الجامع تارة على الصحيح، و اخرى على الأعم، كما فعلوه، بل يكفي تصوير الجامع بينهما، لأن أفراد الصحيح و الأعم متداخلة، فالصحيح لشخص فاسد لآخر، فتصوير الجامع بينهما يغني عن تطويل الكلام، كما لا يخفى.

و قد يقال: إن الجامع إنما هو الأركان، و الزائد عليها معتبر في المأمور به لا في المسمى.

و اشكل عليه: بعدم دوران التسمية مدارها، لصدق الصلاة مع الاخلال ببعضها، و عدم الصدق على خصوص الأركان مع الإخلال بسائر ما يعتبر في الصلاة جزء و شرطا، مع أنه يستلزم أن يكون صدق الصلاة على المستجمع لجميع الأجزاء و الشرائط مجازا، من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل.

و فيه: أنه كذلك إن كان الموضوع له الأركان بحدّ خاص و مرتبة معينة.

و أما إذا كان على نحو الاقتضاء من حيث المرتبة، و من حيث لحوق باقي الأجزاء و الشرائط بالنسبة إليها، فلا إشكال فيه أصلا.

و قيل: إن الجامع معظم الأجزاء الدائرة مدارها التسمية.

و اشكل عليه: مضافا إلى ما تقدم في سابقه مع جوابه، أن معظم الأجزاء تتبادل بحسب الحالات، فيلزم كون شي‏ء واحد داخلا في المسمى مرة و خارجا

30

عنه اخرى.

و فيه: أنه كذلك لو كان معظم الأجزاء ملحوظة على نحو التعيين، لا على نحو الإهمال المنطبق على جميع المتبادلات.

و قيل: بأن وضعها كوضع الأعلام الشخصية، فكما لا تضر التبدلات الخارجية بأصل المسمّى، فكذا المقام.

و اشكل عليه: بأن الموضوع له متعين في الأعلام فلا تضر التبدلات، بخلاف المقام الذي لا تعين فيه بوجه.

و فيه: أن التعين أعم من التعين الخارجي، كما في الأعلام، أو الاعتباري الفرضي، كما في المقام، فيعتبر ما ثلثه الركوع، و ثلثه السجود، و ثلثه الطهور بالمعنى الأعم مما يجزئ شرعا بحسب الحالات المختلفة.

و قيل: بأنه الصحيح المستجمع لجميع الأجزاء و الشرائط من كل جهة، ثم يطلق على سائر الأفراد تنزيلا.

و فيه: أنه مع إمكان فرض الجامع الصحيح و إمكان الإطلاق الحقيقي، لا تصل النوبة إلى الإطلاق التنزيلي.

و الحاصل أنه يصح تصوير الجامع على الصحيحي، بل الأعمّي أيضا، لإمكان تصوير ما ثلثه ركوع، و ثلثه سجود، و ثلثه طهور- كما في الحديث- بالمعنى الأعم من الاختياري و الاضطراري بجميع مراتبها.

و ما يقال: إن الجامع المفروض إما مركب أو بسيط، و الأول يحتاج إلى فرض جامع آخر، لأن المركب قابل للتمامية و النقصان. و الثاني يوجب عدم صحة الرجوع إلى البراءة في موارد الشك في الجزئية و الشرطية، لكونه من الشك في المحصل حينئذ.

مدفوع: بأنه يمكن أن يكون مركبا و لا محذور فيه، لأنه ملحوظ بنحو الإهمال لا التعين، و الإشكال يلزم على الثاني دون الأول. كما يمكن أن يكون‏

31

بسيطا، و مع ذلك يصح الرجوع إلى البراءة في الشك في الجزئية و الشرطية، لأن ثبوتها إنما هو بحسب الأدلة البيانية لا مجرد الوضع، و بعد الرجوع إلى الأدلة و عدم الظفر بجزء أو شرط سوى ما ذكر فيها، يصح الرجوع إلى البراءة، عقلا و شرعا في المشكوك، سواء كان الموضوع له بسيطا أو مركبا.

ثم إنه قد استدل للصحيح بالتبادر، و عدم صحة السلب، و سيرة العقلاء في أوضاعهم، و بظهور الأخبار الدالة على آثار خاصة للعبادات، فإن المنساق منها الصحيح، كالأخبار النافية لآثارها عند فقد بعض الأجزاء و الشرائط.

و يمكن المناقشة في الجميع بأنه قد استدل بالأولين للأعم أيضا، و مقتضى السيرة الوضع للصحيح الاقتضائي، لا الفعلي من كل جهة، و هو لا ينافي الأعم.

و ما هو المنساق من الأخبار إنما هو بالنسبة إلى المأمور به لا الموضوع له، فالوضع للصحيح الاقتضائي معلوم و غير مشكوك فيه، و هو لا ينافي الأعم، بل يمكن أن يجعل أصل هذا النزاع لفظيا.

و الجمع بين القولين- و إن بعد عن كلماتهم- بأن يكون مراد من يقول بالوضع للصحيح أي الاقتضائي منه، و هو عبارة اخرى عن الأعم، و مع بطلان الثمرة العملية الآتية يكون هذا الجمع متينا، إذ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح.

و استدل للأعم تارة بتبادر الأعم، و عدم صحة السلب عن الفاسد، و اشكل عليه بتوقفه على تصور الجامع و هو غير ممكن.

و فيه: ما تقدم من إمكان تصويره بلا محذور.

و اخرى: بصحة التقسيم إلى الصحيح و الفاسد، و لا بد من ثبوت المقسم في الأقسام بلا كلام.

32

و اشكل عليه: أنه بلحاظ الاستعمال، و هو أعم من الحقيقة.

و فيه: أن وجود المقسم في الأقسام لا بد أن يكون واقعا و حقيقة، لأن الأقسام من أفراد ذات المقسم، و يصدق عليها صدق الطبيعي على أفراده، فلا وجه لاحتمال كونه أعم من الحقيقة إلّا أن يكون أصل التقسيم مجازيا، و المفروض في المقام خلافه.

و ثالثة: بالأخبار الظاهرة في صدق الصلاة على الفاسدة أيضا، كقوله (عليه السّلام) للحائض: «تدع الصلاة ما دامت ترى الدم»، و نحوها مما يكون ظاهرا في الصدق على الفاسد.

و اشكل عليه .. تارة: بأن الاستعمال أعم من الحقيقة.

و فيه: أن الاستدلال باعتبار الظهور العرفي، و هو حجة معتبرة.

و اخرى: بأن مثل هذه النواهي إرشاد إلى الفساد، و إلا يلزم أن يكون إتيان الصلاة الباطلة محرما عليها.

و فيه: أنه لا ينافي الاستعمال في الفاسد، و عدم حرمة الصلاة الباطلة عليها لظهور الإجماع.

ثم إن الظاهر عدم الثمرة العملية لهذا البحث.

و ما قيل: من ظهورها في التمسك بالإطلاق و العموم بناء على الأعمي في نفي مشكوك القيدية دون الصحيحي، لصيرورة الألفاظ مجملة حينئذ. و كذا في التمسك بالأصل العملي، فإن المرجع هو البراءة في مشكوك القيدية بناء على الأعمّي، و الاشتغال بناء على الصحيحي، لفرض الإجمال في الدليل.

مخدوش: بأن الإطلاق و العموم إن كان في مقام البيان، يصح التمسك به لنفي مشكوك القيدية على كلا القولين بعد الفحص عن المقيدات و المخصصات، و إن لم يكن كذلك فلا يصح مطلقا.

كما أنه بعد التفحص في الأدلة الدالة على شرائط المأمور به و أجزائه‏

33

و عدم الظفر على ما يدل على اعتبار المشكوك، يكون المرجع هو البراءة على القولين، و قبل التفحص فيها يكون المرجع هو الاشتغال عليهما أيضا. فلا ثمرة بينهما، لا بالنسبة إلى الاصول اللفظية و لا العملية.

و أما ما يقال: من ظهور الثمرة في نذر الصلاة في مكان مكروه، أو لباس كذلك. فإنه بناء على الأعم يكون صحيحا و يتحقق الحنث بالمخالفة. و أما بناء على الصحيح فلا يتحقق الحنث لو أتى بالصلاة كذلك، لكونها باطلة من جهة تحقق النهي الحاصل من مخالفة النذر بها، و النهي في العبادة يوجب البطلان، بل يكون إتيان الصلاة الصحيحة غير مقدورة بناء عليه.

و يرد عليه .. أولا: فلأنه ليس ثمرة البحث الاصولي حتى تقع في طريق استفادة الأحكام الكلية، و إنما هو مسألة فقهية ذات قولين.

و ثانيا: أنه تابع للقصد لا الاستعمال، فإن قصد الناذر الصلاة الصحيحة لا يحنث، سواء كان الوضع و الاستعمال للصحيح أم للأعم. و إن قصد الأعم يحنث، سواء كان الوضع و الاستعمال للصحيح أم للأعم.

و ثالثا: أنه يمكن أن يكون المراد الصحيح الاقتضائي لو لا النذر، فحينئذ يصح النذر و الصلاة، و يحصل الحنث أيضا.

و أما المعاملات فهي إمضائية يكفي في صحتها عدم ثبوت الردع من الشارع، و مقتضى العرف و العادة هو الوضع للصحيح الاقتضائي فيها أيضا، و كلما صدق عليه عناوينها الخاصة عرفا و لم يثبت الردع عنها شرعا، يصح التمسك بإطلاقها و عمومها، لنفي مشكوك القيدية مطلقا، و مع الشك في الصدق العرفي لا يصح التمسك بها كذلك، لأنه من التمسك بالدليل في الموضوع المشتبه، فيرجع إلى الاصول الموضوعية، و مع عدمها إلى الحكمية، فلا ثمرة فيها أيضا بين القولين.

34

[الأمر الثالث عشر: ينقسم اللفظ الى المتحد المعنى و اللفظ]

اللفظ و المعنى إما متحدان، و يعبّر عنه بمتحد المعنى، أو متعددان، و يعبّر عنه بالمتباين. أو يكون المعنى واحدا عرفا- و إن تعدد بحسب الحيثيات و الدقيات العقلية- و اللفظ متعددا، و يعبّر عنه بالمترادف، أو يكون بالعكس، و يعبّر عنه بالمشترك.

و لا ريب في وقوع الجميع في المحاورات الصحيحة، إلا أنه قد وقع الكلام في الأخير من جهات:

منها: كونه خلاف الفصاحة و البلاغة، لأنه إن اتكل في فهم المراد على القرينة فهو من التطويل بلا طائل، و إلا فهو من الإجمال.

و فيه: أن كلّا من التطويل و الإجمال قد يكون موردا لأغراض صحيحة، فتصير بها من أهم موارد الفصاحة و البلاغة.

و منها: أنه لا بد من وقوعه لتناهي الألفاظ، لكونها مركبة من الحروف المتناهية، و المركب من المتناهي متناه، و عدم تناهي المعاني فلا بد من وقوعه.

و فيه: أن المعاني متناهية أيضا في كل دورة من الأدوار، و مورد الاحتياج متناهية قطعا، بلا احتياج إلى معان اخرى حتى نحتاج إلى الاشتراك.

نعم، لا ريب في وقوع الاشتراك خارجا، خصوصا في الأعلام الشخصية، و هو أعم من وجوب وقوعه.

و منها: أن استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد إن كان على نحو تعدد الدال و المدلول، فلا إشكال فيه، فيكون نظير الكنايات التي يستفاد من مدلولها المطابقي شي‏ء، و من مدلولها الالتزامي شي‏ء آخر.

و أما إذا كان مستقلا و بالدلالة المطابقية في كل واحد من المعاني بحيث كأنه لم يكن للفظ معنى غيره، فاستدل على بطلانه بوجوه:

35

الأول: أنه خلف الفرض. و المناقشة فيه واضحة، فإن الاستقلالية أمر اعتباري، فمن الممكن اعتبار الاستقلالية من جهتين، و لا محذور فيه.

و أما حديث أن اللفظ فان في المعنى، و لا يعقل فناء الواحد في الاثنين.

فلا أصل له، لأن اللفظ له نحو من التعين، و المعنى كذلك، و لا يعقل فناء أحد المتعينين في الآخر.

نعم، لا ريب في أن اللفظ عنوان مشير إلى المعنى، و يصح أن يكون شي‏ء واحد عنوانا مشيرا إلى شيئين.

الثاني: أنه مستلزم لتكثّر الواحد، لأن تعدد الدلالة المطابقية مع الاستقلال في كل واحد منهما- كما هو المفروض- يستلزم تعدد الدال قهرا، مع أنه واحد في الاستعمال الواحد، كما هو واضح، فيلزم المحذور.

و فيه: أن تكثّر الواحد بتعدد الاعتبار و الجهة، لا بأس به.

الثالث: أن اللفظ موضوع للمعنى بقيد وحدة المعنى، أو في حال الوحدة، و الاستعمال في الأكثر ينافي ذلك، فيكون مجازا من باب استعمال الموضوع للكل في الجزء.

و فيه: أن التعدد خلاف الأصل و الوجدان عند وضعنا للأعلام الشخصية، و الوضع في حال الوحدة و إن صح ثبوتا لكن حالات الموضوع له عند الوضع غير دخيلة في الوضع و لا في الموضوع له، و إلا لعمّت المجازية أكثر الألفاظ لو لا كلها، مع أنه من مجرد الدعوى بالنسبة إلى المشترك اللفظي، و الموضوع له في الجميع نفس الذات مع قطع النظر عن أية جهة خارجة عنه، كما لا وجه للتفصيل بين التثنية و الجمع فيجوز فيهما- لأنهما بمنزلة تكرار اللفظ- و بين المفرد، فلا يجوز، لما تقدم من أنه لو كانت الدلالة بنحو تعدد الدال و المدلول، فهو خارج تخصصا من مورد البحث، لأن مورده ما إذا كان الدال واحدا صورة، و اللفظ مع علامتي التثنية و الجمع يكون من تعدد الدال، كما هو واضح، مضافا

36

إلى أنه إذا لم يصح استعمال المفرد في المتعدد، لا يصح بالنسبة إلى التثنية و الجمع أيضا، لأنهما من عوارضه فيتبعهما ما يلحقه جوازا و منعا.

ثم إنه لا بد في التثنية و الجمع من جهة جامعة بينهما و بين المفرد، لأن معناهما لغة و عرفا فردان أو أفراد من شي‏ء واحد؛ و تلك الجهة الجامعة إما أن تكون النوع المشترك بين الأفراد، أو الجنس البعيد، كما يقال: الماء و النار جسمان، أو هما و التراب أجسام.

و قد تكون مطلق الشيئية، كما يقال: الواجب و الممكن شيئان، و قد تكون مجرد الاشتراك في التسمية، كالتثنية و الجمع بالنسبة إلى الأعلام.

و في التثنية و الجمع بالنسبة إلى المشترك يتصور وجوه:

الأول: استعمال المفرد في معنى واحد، و إرادة فردين أو أفراد منه، و ليس هذا من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، كما هو واضح.

الثاني: أن يراد بالمفرد المتعدد، كما إذا استعمل العين في الباكية و الجارية، و اريد بالعينين فردان من كل منهما، و هذا من استعمال المفرد و التثنية في أكثر من معنى.

الثالث: استعمال المفرد في المعنى الواحد، كالجارية، و استعمال التثنية في الجارية و الباكية.

و الظاهر صحة الكل مع القرينة.

و حاصل ما ذكرناه في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد أنه يصح بتعدد الدال و المدلول، و التعدد إما خارجي أو اعتباري، فكما يصح في الأول يصح في الأخير أيضا، لبناء جملة من المحاورات على الاعتباريات.

ثم إن ما دل من الأخبار على أن للقرآن بطونا لا يدل على صحة استعمال المشترك في أكثر من المعنى، لأن تلك البطون من قبيل الإشارات و الرموز التي لا يفهمها إلا أشخاص خاصة.

37

و الكلام في المقام في الاستعمالات المحاورية العرفية. و أما ما ورد في سؤال الهداية من اللّه عزّ و جلّ عند قراءة اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ مثلا، فهو ليس من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد في شي‏ء أبدا، و إنما هو من باب الحالات المقارنة للمتكلم بالآية، لا من المستعمل فيه.

[الأمر الرابع عشر: المشتق‏]

المعروف أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدإ عند فعلية التلبّس و حال ظهور الموضوع في مظهر المحمول، و مجاز في غيره. و ظاهر عنوان البحث في كتب القوم أنه في الاستعمال و أنه حقيقة في المتلبس و مجاز فيما انقضى، و ليس البحث في انطباق الكلي على الفرد، لأنه أمر تكويني لا يتصف بالحقيقة و المجاز، بل يتصف بالوجود و العدم، و خارج عن الاستعمال مطلقا، فلا وجه لاحتماله في المقام.

و ذكر المشتق في عنوان البحث إنما هو من باب الغالب لا التخصص، فالمراد به كل محمول يحمل على الموضوع، مشتقا كان أو غيره. فجميع الجوامد المحمولة داخلة في مورد البحث، كقولك: هند زوجة زيد، أو زينب مرأة عمرو، أو بكر غلام خالد، إلى غير ذلك من المحمولات الجامدة.

و ذلك لأن المحمول إما متحد مع الموضوع ماهية، كالإنسان إنسان، أو حيوان ناطق. أو منتزع عن ذات الموضوع و محمول عليه، مثل الأربعة زوج، أو يكون خارجا عن الذات مطلقا، و لكن لا يتصور فيه حال الانقضاء بل جميع حالات الموضوع تكون حال التلبس، كالإنسان ممكن بالإمكان الذاتي مثلا، أو خارج عن الذات مطلقا و يتصور فيه حال الانقضاء، مثل زيد قائم، و عمرو كاتب، إلى غير ذلك من القضايا. و مورد البحث مختص بخصوص القسم الأخير فقط، لأنه يتصور فيه حالات:

38

فتارة: لم يتلبس الموضوع بالمحمول بعد.

و اخرى: يكون متلبسا به فعلا.

و ثالثة: تلبّس به و انقضى تلبّسه عنه.

و أما القسمان الأولان فليست فيهما إلّا حالة وحدة، و هي عدم التلبس بعد، و التلبّس بالفعل من كل جهة، و لا خلاف في أن الإطلاق في الأول مجازي، كما لا خلاف و لا إشكال في أنه في الثاني حقيقي، و إنما اختلفوا في الأخير، فالمعروف أنه مجازي، و عن جمع أنه على نحو الحقيقة أيضا. و من ذلك يعرف أن المراد بلفظ الحال في العنوان حالة تلبّس الموضوع بالمحمول، و فعلية صدق المحمول عليه لا غيرها. لا حال النطق- أي زمان التكلم بالقضية- لعدم دلالتها على الزمان، للأصل و الوجدان و الاتفاق.

نعم، تقع كل قضية في الزمان، و هو غير دلالتها عليه، كما هو واضح.

و حال فعلية صدق المحمول هي حال التلبس و حال النسبة المذكورة في كتب القوم.

نعم، حال النسبة بناء على كون المشتق حقيقة في التلبس تكون عينه، و بناء على كونه حقيقة في الأعم يكون موافقا للأعم، كما لا يخفى.

و أما القضايا الأزلية التي تستعمل في صفات الباري عزّ و جلّ الجمالية و الجلالية، فهي خارجة عن المقام بلا كلام، لتنزّه ساحته العليا عن التلبّس و الانقضاء. نعم، في صفات الفعل يتصور ذلك باعتبار المتعلق.

ثم إنه يشهد للتعميم للجوامد النزاع المعروف بين الفريقين في مسألة الرضاع من أنه لو كانت لشخص زوجة رضيعة، و زوجتان كبيرتان، فأرضعت إحدى الكبيرتين الرضيعة حرمتا عليه، لصيرورتهما ام الزوجة، و أما الكبيرة الاخرى إذا أرضعت الرضيعة بعد الاولى فحرمتها مبتنية على أن المشتق حقيقة في الأعم من المتلبّس و من انقضى. و أما إن كان حقيقة في خصوص المتلبّس‏

39

فلا تحرم، و قد تعرضنا في المهذب لتفصيل المسألة فراجع.

[و لا بد أولا من بيان امور:]

الأول: [هل يعتبر في صدق المحمول حقيقة على الموضوع بالمحمول؟]

مرجع البحث الى أنه هل يعتبر في صدق المحمول حقيقة على الموضوع فعلية تلبس الموضوع بالمحمول، أو يكفي في الصدق الحقيقي صرف وجود التلبس فقط؟ و على هذا، لا فرق بين أنحاء المشتقات مما تدل على الحرف و الصناعات و الملكات و غيرها، لأنه يتصور في جميعها حالة فعلية التلبّس و حالة الانقضاء، فيجري البحث في جميعها، كما لا وجه لإخراج اسم الزمان عن مورد البحث بدعوى أنه لا بد أن يكون الموضوع باقيا في حالتي التلبّس و الانقضاء، و الزمان ليس كذلك، لأنه متصرم و مقتض بذاته، فما هو في حال التلبس شي‏ء و ما هو في حال الانقضاء شي‏ء آخر، فليس شي‏ء واحد محفوظا في الحالتين، إذ فيه إمكان تحقق بقاء شي‏ء واحد فيهما، كطبيعي الزمان، أو الوحدة الاعتبارية الملحوظة، أو وجود الزمان من حيث هو وجود، إلى غير ذلك من الجامع المفهومي، أو الوجودي، أو الاعتباري، على نحو ما مرّ في جامع الصحيح و الأعم.

الثاني: [خروج المصادر و الافعال عن مورد النزاع‏]

لا ريب في خروج المصادر و الأفعال عن مورد النزاع، لعدم حملها على الذات، بلا فرق بينهما من هذه الجهة. نعم، الفرق بينهما أن المصدر يدل على الحدث من حيث هو حدث مع قطع النظر عن إضافته إلى الفاعل.

و الفعل يدل على الحدث المضاف إلى جهات، منها الإضافة إلى الفاعل، فهي ملحوظة في معنى الفعل بخلاف المصدر.

و قد يفرّق بينهما بدلالة الفعل على الزمان وضعا، بخلاف المصدر، و لكن يرد عليه: بأن الفعل مركب من المادة و الهيئة، و الدال على الزمان إما المادة فقط، أو الهيئة كذلك، أو هما معا.

و الكل مردود: أما الأول: فلأنه لو دلّت المادة على الزمان لدلّت المصادر

40

عليه أيضا، لوجود المادة فيها.

و أما الأخيران: فمقتضى الأصل عدم الوضع كذلك، مع أنه لغو، لاستفادة الزمان من إطلاق الفعل على الزمانيات- كما يأتي- مضافا إلى أن الهيئة من المعاني الحرفية، و الزمان من المعاني الاسمية الاستقلالية، إلا أن يقال: الموضوع له مجرد النسبة الزمانية و هو من المعاني الحرفية، و لكن الأصل ينفي هذا الوضع المشكوك فيه، مضافا إلى أن الأفعال الإنشائية مطلقا لا تدل على الزمان. نعم، تقع في زمان الحال و هو أعم من الوضع للزمان، كما عرفت.

مع أنه يصح إطلاق الأفعال بالنسبة إليه تعالى، و هو عزّ و جلّ محيط على الزمان، و لا وجه لتصور الماضي و المستقبل و الحال بالنسبة إليه تبارك و تعالى، إلّا أن يقال: إن الإطلاق بالنسبة إليه تعالى إنما هو بحسب مخاطبته عزّ و جلّ مع الزمانيات، لا بالنسبة إلى ذاته تعالى، أو باعتبار معيته القيومية مع الممكنات فإنه عزّ و جل مع السابق سابق و مع اللاحق لا حق. مضافا إلى أنه يستعمل الماضي في المضارع و بالعكس في الاستعمالات الصحيحة، و لا وجه للمجاز في ذلك كله. نعم، لا ريب في أن الإطلاقات في الزمانيات تنصرف في الماضي إلى الزمان السابق، و في المضارع إلى الحال أو الاستقبال، و هذا أعم من الوضع، كما هو واضح. و منشأ هذا الانصراف كثرة استعمال الماضي فيما مضى، و المضارع فيما يأتي، و الأمر في الحال. فهذه الاستفادة مستندة إلى الانصراف الإطلاقي، لا التخصيص الوضعي. و لا ثمرة عملية بل و لا علمية مهمة في هذا البحث بعد اعتبار الظهور و لو لم يستند إلى الوضع. نعم، بناء على المعروف بين الأدباء يكون استعمال الماضي في المضارع و بالعكس مجازا، و بناء على عدم أخذ الزمان فيهما وضعا لا يكون مجازا بل يكون حقيقة، لأن الجامع القريب حينئذ بين الماضي و المضارع إنما هو تحرك الفعل من العدم إلى الوجود، و هو الذي أشار إليه علي (عليه السّلام): «الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى»، فكل ما حكم أهل‏

41

المحاورة بصحته يصح، و إلّا فلا يصحّ.

الثالث: [فى اشتقاق الافعال، و المناقشة فى ما ذكره القوم، الفرق بين المصدر و اسم المصدر و غيرهما]

المعروف أن الماضي مشتق من المصدر، و المضارع من الماضي، و اسم الفاعل و المفعول من المضارع، و التثنية و الجمع من المفرد، و لم يستدلوا عليه بشي‏ء، فإن كان ذلك لأنه أسهل للمبتدئ فله وجه، و إلا فلا دليل له من عقل أو نقل، إذ يصح أن تكون جميع الاشتقاقات من المادة المهملة من كل جهة، فضرب، و يضرب، و ضارب، و مضروب، و جميع المتفرعات مشتقة من (ض ر ب) المعراة من الهيئة في عرض واحد بلا ترتب بينها في البين، و ذلك لما هو المعلوم من أن ما كانت له هيئة خاصة لا تصلح أن تقع مادة لشي‏ء آخر له أيضا هيئة مخصوصة، إلّا بعد زوال هيئته المختصة به. و هذا واضح إن لوحظت المادة مقيدة بالهيئة الخاصة.

و أما إذا لوحظت لا بشرط عنها فيرجع إلى المادة المبهمة المهملة، هذا إذا لوحظ لفظ (الضاد) مقدما، و (الراء) بعده، و (الباء) في الآخر. و إن لوحظ الإبهام من هذه الجهة أيضا تكون هذه الألفاظ المبهمة مادة لمشتقات كثيرة مختلفة في النوع. و على أي حال فالتفرعات و الاشتقاقات عرضية، و لا ملزم لأن تكون طولية.

[و الحاصل:]

أن الحدث إن لوحظ من حيث مجرد الحدثية من حيث أنه حدث، فهو مصدر، و إن لوحظ من حيث أنه موجود من الموجودات مع قطع النظر عن جهة الحدثية، فهو اسم المصدر، و إن لوحظ من حيث النسبة إلى الفاعل بالنسبة التحققية يعبر عنه بالماضي، و إن لوحظ من حيث النسبة إليه بالنسبة التلبّسية يعبر عنه بالمضارع، و إن لوحظ من حيث النسبة الاتحادية فهو اسم الفاعل أو المفعول أو غيرهما من الصفات المتحدة مع الذات المحمولة عليه، بلا فرق بين كون هذه الملاحظات بالترتيب المعهود بين الأدباء، أو بنحو آخر بأي نحو يتصور.

42

الرابع: الفرق بين مفاد هيئات الأفعال، و مفادها في الأسماء المشتقة

، أن الاولى للربط الانتسابي إلى الفاعل في الجملة، و الثانية للربط الاتحادي بينهما و بين الموضوعات التي تحمل تلك الأسماء عليها. و كذا هيئة الجملة المركبة من الموضوع و المحمول فيما لم يكن المحمول مشتقا.

و أما الفرق بينهما بما قيل من أن النسبة في الأفعال من النسبة التصديقية، و في الأسماء المحمولة من النسبة التصورية. فلا كلية فيه، بل هو تابع للقرائن، فقد تدل على أنها في الأسماء من النسبة التصديقية، كما أنها قد تدل على أنها في الأفعال من النسب التصورية، و مع عدم القرائن فكل منهما يحتمل الأمرين.

الخامس: لا أصل في المسألة الاصولية يثبت به الوضع للمتلبّس أو للأعم‏

، لأن أصالة عدم ملاحظة حالة التلبّس، فيكون موضوعا للأعم معارضة بأصالة عدم ملاحظة الأعم، فيسقطان بالمعارضة.

و ما يتوهم: من كفاية أصالة عدم ملاحظة حالة التلبس للوضع للأعم، لأن المقام من المطلق و المقيد، لا من المتباينين.

مردود: بأنه من الأخير عرفا، لأن المتلبس و ما انقضى عنه التلبس متباينان وجدانا، فيتعارض الأصلان و يسقطان بالمعارضة لا محالة، كما أن التمسك بأصالة الإطلاق و العموم لحال الانقضاء لا وجه له، لكونه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. مضافا إلى أنها- على فرض الصحة- لا تثبت الحقيقة، لأن الظهور الإطلاقي و العمومي أعم منها، كما هو واضح.

كما أن كون الوضع للأعم من الاشتراك المعنوي، و كون الوضع للخصوص مع الاستعمال في الأعم من الحقيقة و المجاز، و عند الدوران بين الاشتراك المعنوي، و الحقيقة و المجاز، يكون الأول مقدما على الأخير، لا دليل عليه.

بل نحو استحسان، و يمكن فرض الاستحسان في تقديم الحقيقة

43

و المجاز أيضا بل بالأولى، لأن الفصاحة و البلاغة تدور على المجازات و الاستعارات و الكنايات.

نعم، يصح التمسك بالاصول العملية في المسألة الفقهية، و هي إما حكمية أو موضوعية و تختلف بحسب اختلاف الموارد، فإن حصل الانقضاء بعد صدور الخطاب، فمقتضى استصحاب الحكم بقاؤه.

و إن حصل قبله، فمقتضى أصالة البراءة عدم التكليف لو لم يكن أصل موضوعي في البين على الخلاف، و لا ربط لهذه الاصول بالمسألة الأصولية أصلا، لكونها من وظائف الفقه و الفقيه، كما في إجراء الاصول العملية في جميع الموارد من الشبهات الحكمية.

ثم إن التحقيق- كما عليه أهله- هو الوضع لخصوص المتلبّس، و تدل عليه مرتكزات العقلاء، و تبادر خصوص المتلبّس، و صحة السلب عما انقضى، و ما يأتي من إثبات بساطة المشتق الملازم للوضع لخصوص المتلبس فقط، مضافا إلى صدق ما يضاد حالة التلبّس على حالة الانقضاء. فلو كان شخص متحركا فسكن، يصدق الساكن عليه بعد انقضاء التحرك عنه، فإن صدق المتحرك عليه أيضا، فهو من اجتماع الضدين، و لا يتوهمه عاقل إلا مع اختلاف الجهة، و هو خلاف الفرض.

[أدلة القائلين بان الوضع للاعم و الجواب عنها]

إن قلت: لا وجه لصحة السلب في المقام، لأنها إن كانت مطلقا حتى بالنسبة إلى حالة التلبس، فهي كاذبة قطعا. و إن كانت مقيدة بحال الانقضاء فلا تكون علامة للمجاز، لأن العلامة له ما كانت مطلقة، لا ما كانت مقيدة.

قلت: هي باعتبار حالة الانقضاء فقط، و ليس المقام من الإطلاق و التقييد، بل من المتباينين، لأن حالة التلبّس مباينة مع حالة الانقضاء عرفا، بل دقة أيضا، مع أنه لو كان من الإطلاق و التقييد الاصطلاحي تكون بلحاظ حال القيد- الذي هو الانقضاء- علامة للمجاز وجدانا، و هو المطلوب. و ليس المراد إثبات‏

44

المجازية حتى بالنسبة إلى حال التلبس حتى يلزم الكذب.

و دعوى: أن علامة المجاز صحة السلب بقول مطلق، مما لا دليل عليها، بل العلامة صحة السلب بنحو تكون معتبرة عند المحاورة أعم من المطلق و غيره، فكلما صدق صحة السلب تصدق المجازية أيضا، فليست هذه الأمارات حاكمة على الوجدان مطلقا.

و قد استدل للأعم تارة بالتبادر، و اخرى بعدم صحة السلب عما انقضى، و فيهما ما لا يخفى. و ثالثة باستدلال المعصوم (عليه السّلام) بالآية الكريمة: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ على عدم لياقة من كان مشركا و أسلم لخلافة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يتم الاستدلال إلا بناء على الأعم.

و يمكن المناقشة فيه: بأن الخلافة من المراتب الشريفة التي لا ينالها من كان مشركا و لو انقضى عنه الشرك و آمن بعد ذلك، للأدلة الدالة على اعتبار العصمة من المعاصي مطلقا في الخلافة الإلهية، فضلا عن الشرك. و لو اريد من الظلم في الآية الشريفة مطلق المعصية أعم من الشرك، لا يتوقف الاستدلال على دعوى كون المشتق حقيقة في الأعم، لأن القوم كانوا ظالمين بهذا المعنى حين تقمص الخلافة، كما لا يخفى على من راجع المطاعن الواردة فيهم من الطرفين.

بل تصوير الوضع للأعم ثبوتا مشكل، أما بناء على بساطة المشتق- كما هو الحق- فلا فرق بينه و بين المبدأ إلّا بالحمل، و لا يعقل فرض الوضع للأعم بالنسبة إلى المبدأ- و أما بناء على التركب: فالنسبة إما أن تلحظ مهملة من كل جهة و لازمه الصدق الحقيقي بحسب الاستقبال أيضا مع اتفاقهم على أنه مجاز فيه. و إما أن تلحظ بالنسبة إلى حال التلبس فهو عين الوضع للمتلبس. و إما أن تلحظ بالنسبة إلى الأعم منه و ممّن انقضى، و هو خلاف مفهوم النسبة و معناها، لأن معناها الخروج من العدم إلى الوجود و هو ليس إلّا حال التلبّس فقط، فلا

45

وجه معقول للوضع للأعم ثبوتا حتى يستدل عليه إثباتا.

ثم إن الاصوليين اتفقوا على أن معنى المشتق بسيط لحاظا و اعتبارا، بمعنى أن الملحوظ من (عالم) مثلا شي‏ء واحد، و إن انحل بالدقة العقلية الى معروض و عرض. و لكن اختلفوا في أنه كذلك في مقام التبادر اللفظي أيضا، أو أنه مركب فيه.

و الحق هو الأول، لأن المتبادر من كل واحد من العالم، و الضارب شي‏ء واحد يعبر عنه في الفارسية ب (دانا) و ب (زننده) و إن انحل بالدقة العقلية إلى شيئين، و لكن لا ربط للدقيات العقلية بالتبادرات اللفظية، و لا ملازمة بين البساطة التبادرية و البساطة الدقية أيضا. فكما أن المتبادر من كل واحد من البيت و الجدار و الكتاب شي‏ء واحد عرفا مع كونها مركبة في الواقع من الأجزاء، فكذا المقام يكون المتبادر من المشتق شي‏ء واحد و إن انحل في الواقع إلى شيئين، و لا يضر الانحلال الواقعي بالبساطة التبادرية، فالعرف أصدق شاهد على البساطة التبادرية، و فيه غنى و كفاية.

و لا وجه لما استدل به عليها من أنه إن تركب المشتق من الشي‏ء و المبدأ، يلزم دخول العرض العام في الذاتي في جميع القضايا التي تكون محمولاتها ذاتيا للموضوع، كالإنسان ناطق مثلا، لكون الشي‏ء عرضا عاما بالنسبة إلى جميع الأنواع، و إن تركب من الذات و المبدأ، لزم انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية في جميع القضايا الممكنة التي تكون محمولاتها من عوارض الموضوع، كزيد كاتب مثلا، لصيرورة ذات الموضوع حينئذ جزء للمحمول، فتصير ضرورية لا محالة، لأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري. و ذلك لإمكان اختيار الشق الأول، و لا يلزم دخول العرض العام في الذاتي.

أما أولا: فلأن جميع تلك المحمولات في تلك القضايا من الخواص الكاشفة عن الذاتيات، لا أن تكون ذاتية بنفسها.

46

و أما ثانيا: فلأن الشي‏ء ينطبق قهرا على الحصص المختلفة التي تكون مع الذاتي ذاتيا و مع غيره عرضيا، فيرجع الإشكال إلى الشق الثاني، و يأتي الجواب عنه.

و يمكن اختيار الشق الأخير أيضا و لا يلزم المحذور، لأن الذات أخذ في طرف المحمول مرآة لتعرف الموضوع، و بمنزلة الرابط، لا أن يكون مستقلا حتى يكون هو المحمول و يلزم المحذور، فكأنه قيل في (زيد كاتب) مثلا، زيد يظهر بهذا الوصف، أو هذه الصفة من مظاهر زيد، و لا محذور فيه، و لو لوحظ مستقلا أيضا على ما فصّل، فكما أنه لو قام شخص مقابل المرآة لا تحصل فيها إلّا صورة واحدة، فكذلك تكون مرآة النفس، فالتبادرات المحاورية لا تكون إلّا صورة واحدة، مع أن القضايا المعمولة في العلوم ليست مبنيّة على هذه الدقائق، بل منزّلة على المتعارف بين أهل المحاورة، فربّ شي‏ء لا يصح بالدقة العقلية مع أنه يصح في المحاورات، و ربّ شي‏ء يكون بالعكس، فلا وجه للاستدلال.

و قد ذكرنا أنه لا ثمرة في بساطة المشتق و تركبه، بل لا ثمرة عملية في أصل بحث المشتق، لأن الموارد التي ادعي استعماله فيها في الأعم تكون هناك قرائن معتبرة دالة على ترتب الحكم على الأعم.

ثم إنه قد استدل على التركيب ..

تارة: بأن العرض متقوّم بالموضوع، فيحصل التركب لا محالة.

و فيه: إن التقوّم إنما هو في الوجود الخارجي لا في المفهوم، و الكلام في الثاني دون الأول.

و اخرى: بأن المشتق متضمن للنسبة، و هي لا بد أن تكون بين اثنين منتسبين، فيتحقق التركب لا محالة.

و فيه: أنه كذلك في تحليل العقل، و الكلام في المفهوم في المحاورات العرفية.

47

و يمكن أن يرفع النزاع و جعله نزاعا لفظيا، فمن يقول بالبساطة، أي لم يؤخذ شي‏ء متعين من مفهوم المشتق، و من يقول بالتركب، أي اخذ فيه شي‏ء مبهم من كل جهة حتى من الإبهام و الشيئية، فيكون من الشبح المحض، مثل الظل و ذي الظل، و الظاهر كون هذا مطابقا للوجدان في الجملة. أو يكون مراد من يثبت التركب أي بلحاظ الحمل، و من البساطة أي مع قطع النظر عنه.

فائدتان:

الاولى: لا ريب في صحة حمل المشتق- كما عليه تدور المحاورات-

بخلاف المبدأ، فإنه لا يحمل إلّا بالعناية. و هذا الفرق من لوازمها غير المنفكة لا أن يكون بالاعتبار، بأنه إن اعتبر المبدأ لا بشرط يصح حمله، و إن اعتبر بشرط لا لم يصح، و ذلك لعدم الصحة في المحاورات و إن اعتبر لا بشرط. كما أنه يصح حمل المشتق و إن اعتبر بشرط لا، فلا أثر لهذا الاعتبار في ذلك، بل الفرق بينهما في الحمل و عدمه من قبيل لوازم الذات.

ثم إنه يكفي في صحة الحمل حسن الإضافة بين المحمول و الموضوع مطلقا بأي وجه كان، سواء كان على نحو الصدور، أم الحلول، أم الوقوع عليه، أم فيه، أم الانتزاع مع الواسطة، أم بدونها، و سواء كان على نحو الحقيقة، أم المجاز المستحسن عرفا.

و يعتبر في الحمل المغايرة في الجملة و الاتحاد كذلك، و هما لا يخلوان عن أقسام ثلاثة:

الأول: أن تكون المغايرة اعتبارية و الاتحاد مفهوميا، كقول: الإنسان إنسان.

الثاني: أن تكون المغايرة حقيقية و الاتحاد وجوديا، كقول: زيد كاتب.

الثالث: أن تكون المغايرة حقيقة و الاتحاد اعتباريا، كقول: زيد أسد.

و الكل صحيح لا إشكال فيه، بل تصح المغايرة و الاتحاد بأي وجه معتبر

48

في المحاورات العرفية المختلفة باختلاف الأزمنة و الأمكنة و سائر الجهات، و لا دليل على الحصر في موارد خاصة.

الثانية: لا ريب في صحة إطلاق صفات الكمال عليه تبارك و تعالى‏

كالقادر، و العالم، و الحيّ، كما ورد في القرآن الكريم، و الدعوات الشريفة. كما لا ريب في أن الإطلاق فيه تعالى بالوجوب و التمام، و في غيره بالإمكان و النقصان.

و إنما الكلام في أن هذا الإطلاق عليه تعالى و على غيره يكون على نحو الاشتراك المعنوي، و الفرق إنما هو بحسب الوجوب و الإمكان و التمام و النقصان، كما أثبتوا ذلك في بحث الاشتراك من مباحث الحكمة و الكلام، أو أن الإطلاق عليه تعالى بمعنى نفي الضد، فقولنا: إنه تعالى عالم، أي لا يجهل شيئا، و قادر أي لا يعجزه شي‏ء، و سميع أي لا تخفى عليه المسموعات، إلى غير ذلك من أنحاء الصفات.

الحق هو الأخير، كما في جملة من الروايات، و لا يلزم من ذلك الاشتراك اللفظي، لأن العالم مثلا موضوع لمعنى واحد مطلقا، و هو ما يصح أن يعبّر عنه بالعالم، سواء كان ذلك لإثبات العلم بالنسبة إليه، أم لنفي الجهل عنه. و كذا في باقي الصفات، بل يصح إرجاع الصفات إلى نفي الأضداد في غيره تعالى أيضا، و لا محذور فيه، كما صرّح به بعض أعاظم الحكماء.

49

المقصد الأول مباحث الألفاظ

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

[القسم الأول الأوامر و البحث فيها يقع ضمن امور:]

[تقديم:]

إن جميع ما يذكر في مباحث الألفاظ في صناعة الاصول إنما هو تشخيص صغريات أصالة حجية الظهور، التي هي من أهم الاصول النظامية العقلائية، فلا بد من الوقوف عند جميع تلك الصغريات على باب العرف، لأنه المرجع في ذلك كله. و منه يعلم أن جملة كثيرة من التطويلات لا وجه لها في هذه العرفيات العامة البلوى.

الأمر الأول في مادة الأمر

و فيه جهات من البحث:

[الجهة الاولى: معانى الامر فى اللغة]

قد ذكر في اللغة للفظ الأمر معان متعددة، كالشأن، و الفعل و الحادثة، و نحوها، و مقتضى الأصل عدم التعدد إلّا في ما لا يمكن إرجاعه إلى‏

52

جامع قريب عرفي، و في ما أمكن ذلك يكون من المشترك المعنوي لا اللفظي.

و قد ذكر من معاني الأمر الطلب، و الشي‏ء، مع أنه قد يصح استعمال الطلب في مورد و لا يصح استعمال الأمر فيه، كقولك: يا طالب الدنيا، و قولك:

طلبت شيئا فما وجدته. كما أنه يصح استعمال الشي‏ء بالنسبة إلى الأعيان الخارجية و لا يصح استعمال الأمر بالنسبة إليها، إلّا أن يكون مرادهم المعنى في الجملة، لا بنحو الكليّة.

و أما بحسب العرف- الذي منه الاصطلاح الاصولي- فهو عبارة عن البعث بلفظ افعل، أو ما يقوم مقامه، و تصح الاشتقاقات منه باعتبار تضمنه معنى البعث، و هو معنى حدثي قابل للاشتقاق و التفرع، و ليس المراد أن يكون لفظ الأمر موضوعا للقول المخصوص حتى يكون مثل لفظ الاسم الموضوع لكلمة مخصوصة حتى لا يصح الاشتقاق منه، لأنه ليس فيه معنى حدثيّ. هذا مع الظهور فيه، و أما مع الإجمال فالمرجع هو الأصل العملي عن التكليف.

[الجهة الثانية: تقوم الامر بالعلو و اما الاستعلاء فلا دليل عليه، و البحث ذلك‏]

مقتضى الارتكازات تقوّم معنى الأمر بالعلو. و أما الاستعلاء فالأصل عدم اعتباره، فيكون الأمر الصادر من العالي الخافض لجناحه أمرا بخلاف ما صدر من الخافض أو المساوي، فلا يسمى ذلك أمرا عرفا، بل ربما يوجب التوبيخ و التقبيح إن كان على نحو الأمر المعهود و لم يكن من السؤال و الالتماس.

ثم إن مادة الأمر في أيّ هيئة استعملت ظاهرة في الوجوب، إلّا مع القرينة على الخلاف، لانسباق الوجوب منها في المحاورات.

[الجهة الثالثة: اختلاف الطلب و الإرادة مفهوما، و ان الطلب مبرز للارادة لا ان يكون عينها البحث فى اتحاد الطلب و الارادة انشاء]

يختلف الطلب و الإرادة مفهوما، إذ ربما تستعمل الإرادة فيما لا يصح استعمال الطلب فيه، كقوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ، و قوله تعالى: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، و كقولك: «أردت الصلاة فصليت»، إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة. كما أنه يستعمل الطلب‏

53

فيما يشكل استعمال الإرادة فيه، كقولك: «طلبت حقي من زيد فأنكر». نعم، لا ريب في تصادقهما في الجملة، و لكنه لا يدل على الاتحاد بالكلية.

و الظاهر من المحاورات أن الطلب مبرز للإرادة لا عينها، و نسبة الطلب إلى الإرادة نسبة اللفظ إلى المعنى في الجملة، و نسبة الكاشف إلى المكشوف مفهوما و حقيقة و استعمالا، و إن اريد من الاتحاد هذا النحو منه، فلا ريب فيه في الجملة، بل الظاهر اختلافهما عرفا أيضا، لأن إحراز الطلب يكفي في إتمام الحجة و صحة المؤاخذة على ترك المطلوب من حيث أنه إحراز للطلب بخلاف إحراز الإرادة، فإنه كإحراز الملاك لا بد من كفايته في إتمام الحجة من إقامة دليل عليها من سيرة أو نحوها.

و أما اتحادهما إنشاء فهو مبني على أن يكون مفاد الأمر إنشاء الطلب، و هو مردود، لأن مفاده البعث، و التحريك نحو المتعلق، فكما يحصل البعث بالترغيب إلى المصلحة، و الزجر عن الترك، يحصل بلفظ (افعل) أيضا، فلا موضوع لإنشاء الطلب حتى يبحث عن أنه متحد مع إنشاء الإرادة، أو لا.

و من ذلك كله يظهر اختلافهما بالدقة العقلية أيضا، كما تقدم من أن الطلب عنوان مظهر الإرادة، و نسبته إليها نسبة اللفظ إلى المعنى، كما لا يخفى.

مع أن من ادعى الاتحاد بينهما لم يأت بدليل عليه إلّا دعوى الوجدان.

و يمكن رفع النزاع من البين بأن من يدعي الاتحاد يريد به الاتحاد في الجملة، و من يدعي الاختلاف يدعيه كذلك، إذ لا ريب عند أحد في تصادقهما في الجملة.

و لا يخفى أن ما اثبتناه من تغاير الطلب و الإرادة ليس لدفع محذور شبهة تخلف المراد عن الإرادة- كما التزم به الأشاعرة- بل لأجل أن التحقيق يقتضي ذلك، و نجيب عنها بوجه آخر على ما يأتي.

ثم إنه قد جرت العادة في المقام بذكر شبهة الجبر، و شبهة تخلف المراد

54

عن الإرادة، و شبهة الكلام النفسي، و دفعها، مع أن كل ذلك لا ربط له بالاصول.

[الكلام فى شبهة الجبر]

أما الشبهة الاولى، فهي مورد البحث في جميع الأديان- سماوية كانت أو غيرها- و هي من الشبهات القديمة جدا. و عمدة المذاهب في أعمال العباد خمسة: ثلاثة منها جبر، و الرابع تفويض، و الخامس أمر بين الأمرين.

الأول من مذاهب الجبر: ما نسب إلى الأشاعرة من نفي الإرادة و الاختيار عن العبد مطلقا، و قالوا: إن نسبة الفعل إلى اللّه بالحقيقة و إلى العبد بالمجاز، و إن العبد بالنسبة إليه تعالى، كالقلم في يد الكاتب، و السيف في يد القاتل. و من أمثلتهم: قال الحائط للوتد: لم تشقّني؟ قال: سل عمن يدقّني. و استدلوا عليه بظواهر بعض الآيات، كقوله تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ، و قوله تعالى:

وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. و أن التوحيد الخالص في الفعل يقتضي نفي الإرادة و الاختيار عما سوى اللّه تعالى.

و يرد عليه .. أولا: أن تلك الآيات معارضة بما هو أقوى منها في الدلالة على نسبة الفعل إلى العبد، كقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، و يصح نسبة خلق عمل العبد إليه تعالى بالتسبيب مع اختيار العبد، كما يأتي. و نفي الرمي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنما هو بالنسبة إلى الأثر الخارق للعادة، لا بالنسبة إلى الفعل المباشري الصادر منه (صلّى اللّه عليه و آله).

و ثانيا: أنه مستلزم لنفي الحسن و القبح العقلي المتفق عليهما بين العقلاء.

و ثالثا: أنه يلزم منه نفي استحقاق الثواب و العقاب المتفق عليهما في جميع الشرائع الإلهية إلى غير ذلك من المفاسد التي يأبى العقل عنها.

و لو لا ظهور بعض كلماتهم في التعميم لأمكن حمل بعضها على ما لا دخل للاختيار فيه، كالعزّة، و الذلّة، و الغنى و الفقر و نحوهما، و يمكن أن يحمل الجبر في قولهم على الجبر الاقتضائي، يعني أن مقتضى الإرادة القاهرة الأزلية الإلهية أن لا تكون في البين إرادة غيرها، و لكنه تعالى جعل للإنسان بل مطلق‏