بيان الأصول - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي المزيد...
400 /
5

المقصد السابع في الأصول العملية

و فيه أربعة فصول:

الفصل الأول: في أصالة البراءة

الفصل الثاني: في التخيير

الفصل الثالث: في الاحتياط

الفصل الرابع: في الاستصحاب‏

6

-

7

الفصل الأوّل في أصالة البراءة

قال في الكفاية في تعريف الاصول العملية: «المقصد السابع: في الاصول العملية، و هي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل ... الخ» (1).

و لا يخفى: أنّه حيث جعل تمايز العلوم بتمايز الأغراض الداعية إلى التدوين، و جعل الغرض من علم الاصول معرفة القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط، أو التي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل، أشار هنا بأنّ كون مسائل الاصول العملية من هذا العلم إنّما هو باعتبار كونها ممّا ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل. و قد أشبعنا الكلام في ما هو الملاك لاصولية المسألة عند التعرض لموضوع العلم (و هو الحجة في الفقه) فلا نعيده في المقام، و منه نعلم دخول هذه‏

____________

(1). كفاية الاصول 2: 165.

8

المسألة في مسائل هذا العلم، فراجع.

و قد أوردنا على ما أفاد بقوله: «فإنّ مثل قاعدة الطهارة ... الخ» (1) بعدم كون قاعدة الطهارة من الأحكام الكلية، لاختصاصها بالشبهات الموضوعية.

فأجاب (قدّس سرّه): بأنّها و إن كانت كذلك إلّا أنّ الطهارة حيث تكون ممّا لا يعلم حقيقتها إلّا من قبل الشرع تكون بهذا الاعتبار من الأحكام الكلية (2). و كيف كان، فالبحث عنها ليس بمهم لعدم جريانها في جميع الأبواب بخلاف الأربعة (أي البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب).

و أفاد بقوله: «لو شك في وجوب شي‏ء أو حرمته و لم تنهض عليه حجة، جاز شرعا و عقلا ترك الأوّل و فعل الثاني ... الخ» (3)، أن لا حاجة إلى عقد مسائل متعددة بعد وحدة الملاك‏ (4)، كما فعل الشيخ (قدّس سرّه) (5)، فإنّه قد

____________

(1). كفاية الاصول 2: 165.

(2). ذكر المحقق الخراساني (قدّس سرّه) إشكال السيد البروجردي (رحمه اللّه)، و الجواب عنه في هامش الكفاية (مؤسسة آل البيت): 337 بقوله: «لا يقال: إنّ قاعدة الطهارة مطلقا، تكون قاعدة في الشبهة الموضوعية، فإنّ الطهارة و النجاسة من الموضوعات الخارجية التي يكشف عنها الشرع.

فإنّه يقال: أوّلا: نمنع ذلك، بل إنّهما من الأحكام الوضعية الشرعية، و لذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لتشريعهما، كما لا يخفى.

و ثانيا: إنّهما لو كانتا كذلك، فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على أحدهما كانت حكمية، فإنّه لا مرجع لرفعهما إلّا الشارع، و ما كانت كذلك ليست إلّا حكمية».

(3). كفاية الاصول 2: 167.

(4). كما صرح بذلك في هامش الكفاية (مؤسسة آل البيت (عليهم السلام): 338.

(5). انظر فرائد الاصول: 192 و ما يليها.

9

تكلم أوّلا في الشبهة التحريمية في ضمن مسائل أوّلها فيما لا نص فيه.

و ثانيتها: فيما إذا كان النص مجملا. و ثالثتها: في تعارض النصين.

و ثانيا: في الشبهة الوجوبية أيضا في ضمن مسائل. مع اتحاد ملاك البحث في الجميع، فإنّ إجمال النص و تعارض النصين سواء كانا في الشبهة الوجوبية أو التحريمية ملحقان بفقدان النص. نعم، بناء على التخيير في تعارض النصين لا وجه لإلحاقه بما لا نص فيه، لمكان وجود الحجة المعتبرة و هو أحد النصين.

و يمكن أن يقال: إنّ في مسألة تعارض النصين بناء على التوقف لا مجال لأصل البراءة إلّا في بعض موارده، فإنّه ليس معنى التوقف سقوطهما عن الحجية بالمرة، بل معناه عدم كون كل واحد منهما حجة في تعيين مؤداه في مقابل الآخر، و إلّا فلا ترفع اليد عن حجيتهما في نفي الثالث، فالرجوع إلى الأصل إنّما يجوز إذا كان موافقا لأحد النصين، كما لا يخفى.

و أمّا قوله: «جاز شرعا و عقلا»، فيحتمل أن يكون مراده أنّ فعل ما شك في حرمته و ترك مشكوك الوجوب يجوز عقلا بمعنى عدم وقوع المكلف في تبعة ترك التكليف و هو استحقاق العقوبة، لعدم كون الاحتمال موجبا لذلك. و شرعا بمعنى عدم إيجاب الاحتياط الطريقي من قبل الشرع.

10

و يحتمل أن يكون المراد من الجواز الشرعي عدم كون التكليف فعليا بحيث تعلقت به الإرادة الفعلية، حتى يكون فعل محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب في صورة وجود التكليف مخالفة للمولى و عصيانا له، بل هو باق في مرتبة الاقتضاء و الإنشاء. و من الجواز العقلي عدم تنجز التكليف بمعنى عدم كون مخالفته خروجا عن رسم العبودية و طغيانا على المولى حتى يستحق بذلك العقاب.

و أمّا احتمال كون الجواز العقلي بمعنى عدم تبعة للمكلف في ارتكاب محتمل الحرمة و ترك محتمل الوجوب، و الجواز الشرعي بمعنى الحكم الظاهري المجعول في ظرف الشك. فهو خلاف التحقيق؛ فإنّ حكم العقل بعدم وقوع العبد في تبعة ترك التكليف متوقف على حكمه بعدم تنجز التكليف و جوازه بهذا المعنى، و مع عدم حكمه بعدم تنجز التكليف لا مجال لحكمه بعدم وقوعه في تبعة تركه.

و أمّا الحكم الظاهري، فلا فائدة في جعله. مضافا إلى أنّه لا دليل عليه، فإنّ مثل حديث الحجب‏ (1) و الرفع‏ (2) إنّما يدل على رفع ما لا يعلمون، أو ما حجب اللّه علمه عن العباد، و لا دلالة لهما على الحكم الظاهري أصلا. و ما هو مثل «كل شي‏ء لك حلال ... الخ» فلا يجري إلّا في الشبهات الموضوعية دون الحكمية، هذا.

____________

(1). وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 33.

(2). وسائل الشيعة، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، ب 56، ح 1.

11

تحرير محل النزاع‏

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ تحرير محل النزاع يمكن على أنحاء:

أحدها: أنّ الاحتمال هل يكون منجزا أو لا؟ بمعنى أنّ احتمال التكليف هل يكون موجبا لتنجز التكليف المحتمل لو كان في البين، فيصح للمولى عقاب العبد لو لم يأت بمحتمل الوجوب أو أتى بمحتمل الحرمة و يعد خارجا عن رسوم العبودية و طاغيا على المولى أو لا؟

ثانيها: أنّه هل أوجب الشارع الاحتياط الطريقي في موارد الشك في التكليف أو لا؟

و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل: أنّ النزاع في الأوّل يكون كبرويا بأنّ الشك في التكليف هل يكون منجزا له أو لا؟ و في الثاني يكون صغرويا و هو أنّ الشارع هل أوجب الاحتياط الطريقي في مورد احتمال التكليف أو لا؟ بعد اتفاق الطرفين على تنجز التكليف مع وجوب الاحتياط الطريقي.

ثالثها: أنّ التكليف هل يكون مع الشك فيه منجزا، إمّا لكون الاحتمال منجزا، أو لجعل الشارع الاحتياط الطريقي أو لا؟

و الوجه الأوّل هو محل نزاع القدماء في أصالة البراءة و مورد لجريانها عندهم، و قد يعبر عنها في كلماتهم بحكم العقل أو استصحاب حال العقل.

و مرادهم من استصحاب حال العقل: أنّ العقل قبل بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم) بالشرع مستقل بعدم كون الاحتمال منجزا و عدم تنجز

12

التكليف به، فبعده أيضا حاله حال ما قبل الشرع، فيستصحب حاله قبل الشرع إلى ما بعده.

و أمّا الوجه الثاني، فقد حدث الاختلاف فيه بين المتأخرين من الأخباريين في الشبهة التحريمية، لما زعموا من دلالة بعض الأخبار على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية دون غيرها.

و لا يخفى عليك: أنّه بناء على الوجه الأوّل- في تحرير محل النزاع- لا مجال للاستدلال بالأخبار، و الدليل عليه منحصر في حكم العقل و استقلاله له بقبح مؤاخذة المولى عبده بالمخالفة المترتبة على عدم الاعتناء باحتمال التكليف.

و أمّا ما في ألسنتهم في مقام الاستدلال على البراءة من قبح العقاب بلا بيان، فهو عين المدعى، إلّا أن يراد منه استقلال العقل بذلك.

و بناء على الوجه الثاني لا مجال للاستدلال بالدليل العقلي، بل الدليل على عدم إيجاب الاحتياط ليس إلّا الأخبار.

و أمّا على الوجه الثالث فيجب اختصاص الدليل العقلي لإثبات عدم كون الاحتمال منجزا للتكليف، و الأدلة النقلية لإثبات عدم وجوب الاحتياط. فما استقر عليه مشي المتأخرين كالشيخ و المحقق الاستاذ في الكفاية من ذكر الأدلة الأربعة دليلا على البراءة على حد سواء؛ ليس في محله، كما لا يخفى.

ثم إنّه لا يخفى عليك: أنّ ما ذكره المحقق الاستاذ في عبارته المذكورة التي صدرت تحريرا لمحل النزاع في أصل البراءة و هو قوله:

13

«و لم تنهض حجة عليه جاز شرعا و عقلا ... الخ».

لا يستقيم بحسب الظاهر، فإنّ الحجة عبارة عمّا ينجز التكليف و يوجب استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي، و عليه فمعنى هذه العبارة أنّه لو شك في وجوب شي‏ء أو حرمته و لم ينجز ذلك التكليف المحتمل و لم يقم عليه ما يوجب استحقاق العقاب على مخالفته، لم يكن ذلك التكليف منجزا و ليس العبد في مخالفته مستحقا للعقاب. و هذا ليس أمرا يتنازع فيه، لضرورته و عدم تطرق احتمال الخلاف فيه؛ فإنّ التكليف إذا لم يكن منجزا لم يكن منجزا.

فعلى هذا، لا بد أن يكون غرضه من هذه العبارة: أنّه لو شك في تكليف إلزامي و لم يقم على أحد طرفيه دليل، جاز عدم الاعتناء بهذا الاحتمال، و لا يكون مجرد الاحتمال منجزا للتكليف الواقعي.

لا يقال: إنّ مجرد الاحتمال و الشك لا يمكن أن يكون منجزا للتكليف، و لا أظن أحدا يلتزم به حتى يقع ذلك محلا للنزاع.

فإنّه يقال: إنّ هذا و إن كان يوجد في كلمات بعضهم و لكن لا أصل له، لإمكان كون الاحتمال منجزا، بل هو واقع في بعض الموارد كاحتمال صدق مدعي النبوة، فإنّه منجز و موجب لاستحقاق العقاب على عدم الاعتناء بالتحقيق و التفحص و تحصيل المعرفة لو اتفق كون من يدعي النبوة صادقا (دون من لا يحتمل ذلك أصلا كالمسلم المعتقد بخاتمية دين الإسلام و أنّ محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) خاتم النبيين).

و مثل احتمال وجود التكاليف في الشريعة، فإنّه بنفسه ملزم‏

14

للفحص و منجز للتكاليف الواقعية. نعم، ليس في الشك جهة كشف عن الواقع كالظن فلا يصح جعله حجة بملاحظة جهة كشفه كالظن فإنّه ترجيح بلا مرجح.

و إذ قد عرفت ذلك كله، فاعلم: أنّ الكلام يقع تارة في أصل البراءة على الوجه الأوّل- الذي ذكر في تحرير محل النزاع- فنقول: إنّ الوجدان أعظم شاهد على أنّ العبد إذا احتمل توجه تكليف إليه من جانب المولى و تفحص عنه و لم يجده لم يستحق في مخالفة هذا التكليف- بعد الفحص عنه و عدم الظفر به- العقاب، و ليس للمولى توبيخه لمخالفته هذه، و لا يعد عند العقلاء خارجا عن رسوم العبودية و طاغيا على المولى، فليس هذا الاحتمال منجزا لذلك التكليف بعد الفحص و عدم الظفر به.

و لا فرق في ذلك بين كون عدم ظفره بهذا التكليف لعدم بيان المولى رأسا، أو لعدم وصول البيان إلى العبد. فإنّ العقل لا يرى تفاوتا بينهما في حكمه بعدم تنجز هذا التكليف، فكما أنّ التكليف لا يصير منجزا مع احتمال نسيان المولى بيانه و لو علم عدم صدور بيان منه، كذلك لا يصير منجزا مع عدم العثور على بيانه مع الفحص و إن احتمل صدوره منه و اختفاؤه عنّا لبعض الجهات الموجبة للاختفاء. فليس احتمال صدور البيان مع الفحص و عدم الظفر به إلّا كاحتمال النسيان في صورة العلم بعدم صدور البيان.

و أمّا الاستدلال على هذا بقبح العقاب بلا بيان فليس إلّا مصادرة

15

بالمطلوب و من جعل الدليل عين المدعى، لرجوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان أيضا إلى حكم العقل بعدم استحقاق العقاب بمجرد احتمال التكليف بعد الفحص و عدم الظفر.

و ربما يستدل لعدم كون الاحتمال منجزا للتكليف بما قد مر تحقيقه منّا و ملخصه: أنّ فعلية الحكم لا تتصور إلّا في ظرف العلم به؛ فإنّ الحكم عبارة عن إنشاء الخطاب متسببا به لانبعاث العبد. و روحه و حقيقته عبارة عن إرادة انبعاثه أو انزجاره في ظرف علمه بذلك الخطاب و وصوله إليه، فإنّه لا يمكن إرادة انبعاثه عنه أو انزجاره به مطلقا، حتى في صورة الجهل به، لعدم إمكان انبعاثه أو انزجاره كذلك، و لذا لو كان المولى مهتما بحفظ تكاليفه و أراد فعلية أحكامه و انبعاث عبده نحوها مطلقا، يجب عليه جعل حكم آخر طريقي كإيجاب العمل بالأمارة أو الأخذ بالحالة السابقة أو غيرهما.

لا يقال: انبعاث العبد نحو ما كلف به ليس منحصرا بصورة العلم به بل يمكن انبعاثه في ظرف احتمال التكليف.

فإنّه يقال: إنّ الانبعاث في ظرف احتمال التكليف ليس مسببا عن حكم المولى و تكليفه، فإنّه ليس معلولا لوجود التكليف، بل ربما يحتمل التكليف و ينبعث العبد من هذا الاحتمال و لا يكون تكليف في البين أصلا، بخلاف صورة وصوله إلى العبد فإنّ الانبعاث في ظرف وصوله مسبب عن وصول التكليف و هو مسبب عن نفس هذا التكليف.

فعلى هذا، لا تصير خطابات المولى فعلية إلّا في ظرف العلم بها

16

و وصولها إلى العبد، لعدم إرادة انبعاثه منه إلّا في هذا الظرف. و تستحيل فعلية الحكم و إرادة انبعاث العبد من الخطاب في ظرف الجهل، لاستحالة انبعاثه عنه في صورة الجهل به و إن كان يمكن انبعاثه عن احتمال التكليف.

فظهر: أنّ في صورة الاحتمال لا يكون التكليف فعليا، لعدم إرادة المولى انبعاث العبد عن خطابه في هذا الظرف، لعدم إمكان انبعاثه كذلك. و إذا لم يكن التكليف فعليا لا يكون منجزا بحيث يستحق العقاب على تركه، هذا.

و لكن لا حاجة إلى هذا البيان بعد ما ذكرنا من استقلال العقل بعدم تنجز التكليف بمجرد الاحتمال، و كون ذلك من البديهيات التي لا يحتاج إثباتها إلى توسيط شي‏ء و تجشم استدلال.

نعم،

هنا امور

(1) قيل بكون كل واحد منها واردا على هذه القاعدة العقلية و منجزا للتكليف المحتمل و موجبا للعلم باستحقاق العقاب في ظرف الاحتمال، بعضها بل كلها- غير واحد منها- تجري في الشبهة التحريمية، و واحد منها تجري فيها و في الشبهة الوجوبية.

الأمر الأوّل: قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل‏

و تقريره على نحو يعم الشبهة الوجوبية أيضا: أنّ احتمال الوجوب‏

____________

(1). أوّلها في هذه الصفحة، و ثانيها في الصفحة 251، و ثالثها في الصفحة 253، و رابعها في الصفحة 272.

17

أو احتمال الحرمة ملازم لاحتمال الضرر، أي العقاب على ترك الواجب المحتمل و فعل محتمل الحرمة، و العقل حاكم بوجوب دفع الضرر المحتمل و قبح ترك محتمل الوجوب و فعل محتمل الحرمة، لاحتمال الضرر في ترك الأوّل و فعل الثاني، فبمقتضى قاعدة الملازمة (و هي: كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته) نستكشف حكم الشرع بحرمة مخالفة التكليف المحتمل. فعلى هذا و لو سلم عدم كون نفس احتمال التكليف منجزا له، لكن يجب الحكم بتنجزه بمقتضى هذه القاعدة.

و فيه: أنّه بعد استقلال العقل بعدم تنجز التكليف بمجرد الاحتمال لا نحتمل ضررا في ترك التكليف المحتمل، و لا ملازمة بين احتمال التكليف و احتمال الضرر و العقاب، و هذا واضح لا سترة عليه.

و أمّا تقريره على نحو يختص بالشبهة التحريمية، فبيانه: أنّ في ترك ما يحتمل حرمته احتمال الوقوع في الضرر، و لا نعني به العقاب و المؤاخذة- التي ملاك صحتها تحقق عنوان المخالفة و الطغيان و الخروج عن رسوم العبودية- بل المراد منه احتمال الوقوع في المفسدة الموجبة لتحريم الفعل، و هي ضرر قطعا و يجب دفعه و يحرم ارتكابه عقلا، فيكون شرعا كذلك لقاعدة الملازمة.

لا يقال: إنّ ما هو المسلم وجود المصلحة في التكليف و هي كما يمكن أن تكون إيصالا إلى مصلحة الفعل المأمور به و حفظا عن مفسدة الفعل المنهي عنه يمكن أن تكون راجعة إلى جهة اخرى. و هذا مضافا

18

إلى أنّ المفاسد المترتبة على الأفعال المحرمة- التي توجب تحريمها من قبل الشرع- ليست كلها راجعة إلى الفاعل بل كثيرا ما تكون راجعة إلى غيره، كالمفاسد الاجتماعية التي تترتب على بعض المحرمات، و لا يجب عقلا دفع الضرر عن الغير.

فإنّه يقال: إنّ ذلك لا يدفع احتمال الضرر المذكور، فإنّ من المحتمل أن تكون مصلحة تحريم هذا الفعل- الذي احتملت حرمته- حفظ المكلف عن وقوعه في مفسدته، و من المحتمل أن تكون المفسدة المترتبة على الفعل راجعة إلى فاعله دون غيره.

و الذي ينبغي أن يقال في الجواب: إنّ دفع الضرر المحتمل غير الاخروي لا يكون حسنا و لا تركه قبيحا مطلقا حتى في صورة قيام الاحتمالات غير العقلائية، بل ربما يكون الاعتناء به قبيحا في هذه الصورة.

و أمّا إن كان من الاحتمالات العقلائية، فلا يكون عدم الاعتناء به قبيحا بحيث يكون موجبا للمؤاخذة و استحقاق التوبيخ و الذم و اللوم، كالظلم و العدوان، و موردا لاشمئزاز العقل و انزجاره، و لا يكون الاعتناء به حسنا بحيث يكون فاعله مستحقا للمدح و الثواب، كالعدل و غيره، و لا يحكم على من جعل نفسه في معرض الضرر بالعقاب و العذاب و إن كان يعد عند العرف بأنّه هو المقدم على هذا الضرر و الباعث لوروده مع‏

19

كونه مدركا له و مختارا في حفظ نفسه و مفطورا على الفرار عنه‏ (1).

هذا، و ربما يتمسك لوجوب دفع الضرر المحتمل بحكم الشارع.

و هو في غاية الفساد، لعدم وجوبه شرعا. بل لم يثبت وجوب دفع الضرر المقطوع به شرعا مطلقا و بالنسبة إلى جميع الموارد، فضلا عن دفع الضرر المحتمل. و لو سلم وجوب دفع المقطوع منه مطلقا، فصورة احتماله تكون من باب الشبهة الموضوعية، فلا يجب فيه الاحتياط.

الأمر الثاني: أصالة الحظر

إنّ الأصل في الأفعال غير الضرورية قبل الشرع هو الحظر، و حيث أنّ مدرك ذهاب القائلين بالحظر إلى هذا القول حكم العقل بقبح التصرف فيما هو ملك للغير و تحت سلطانه بدون إذنه، فيستكشف من قاعدة الملازمة حكم الشرع على تحريمه أيضا. فالانتفاع من الأعيان الخارجية لا يجوز إلّا بإذن اللّه تعالى، فإنّ كل ما في دار التحقق‏

____________

(1). و لا فرق في ذلك، أي في الفرار عن الضرر، بين الإنسان و الحيوان فهذا الأمر جبلي لهما. و ليس هذا من قبيل قبح الظلم و حسن العدل الذي توافقت عليه عقول العقلاء لأجل إدراك المصالح و حفظ الناس عن الوقوع في المفاسد.

و يمكن أن يقال: إنّ دفع الضرر المحتمل لا يجب بالمعنى المذكور إذا كان الضرر شخصيا، أمّا إذا كان نوعيا فيمكن ادعاء وجوب دفعه و قبح تركه و توافق آراء العقلاء عليه، كقبح الظلم و حسن العدل.

و لكن لقائل أن يقول: إنّ وجوب دفعه ليس مطلقا بل يختلف بحسب الموارد من الأهمية و عدمها. و لو سلم فهو إنّما يجب إذا كان مقطوعا به دون غيره [منه دام ظله العالي‏].

20

و الوجود ملك له و هو مالكه، فالانتفاع من الأعيان الخارجية تصرف في ملكه و سلطانه، و هو بلا إذن منه قبيح عقلا و ظلم، فيكون حراما شرعا للقاعدة المذكورة. و بعد ذلك لا مجال للقول بعدم استحقاق العقاب و عدم تنجز التكليف المحتمل و إباحة ارتكاب محتمل الحرمة عقلا و شرعا، فإنّه إنّما يتم إذا لم يكن في البين منجز للتكليف غير احتماله.

فلا منافاة بين القول بعدم تنجز التكليف بمجرد الاحتمال و بين الحكم بتنجز محتمل الحرمة لهذه القاعدة.

و فيه: أنّه و إن وقع الاختلاف بين العلماء في أنّ الأصل في الأفعال قبل الشرع هل هو الحظر أو الاباحة (و غرضهم من قبل الشرع ليس قبل شرع الإسلام أو شريعة اخرى، بل غرضهم قبل أن يصدر من الشارع بالنسبة إليه تكليف و حكم من الأحكام الخمسة). و قد ذهبت معتزلة بغداد، و ابن أبي هريرة من الشافعية، و جماعة من قدماء الإمامية إلى الحظر، و لكن ليس لهم على ذلك حجة قاطعة فإنّهم استدلوا- كما ذكر- بأنّ التصرف في الأعيان الخارجية تصرف في ملكه سبحانه و هو قبيح و حرام عقلا و شرعا. و من يرى منهم تعميم ذلك الحظر بالنسبة إلى جميع أفعال المكلف يقول: إنّ العبد أيضا ملك لخالقه و ما أوتي من نعمة البصر و اليد و اللسان و غيرها من الأعضاء و القوى الظاهرة و الباطنة ملك له فلا يحسن صرفها بدون إذنه و يستقبح العقل التصرف فيه، و هكذا حال الشرع لقاعدة الملازمة.

و لكن لنا أن ننكر أصل حكم العقل بالحظر بالملاك المذكور

21

بالنسبة إلى العبيد و مولاهم الحقيقي، فإنّ التصرف في ملك الغير إنّما يحكم عليه بالقبح لو كان منطبقا مع عنوان من العناوين المقبحة العقلية كالظلم، و إلّا فليس كل تصرف في ملك الغير قبيحا و حراما عقليا. نعم، إذا كان ذلك التصرف خلاف غرض المولى و مزاحما مع سلطانه و مالكيته يصير قبيحا بملاك وقوعه تحت عنوان الظلم.

و أمّا إذا لم يكن كذلك، كتصرفات العباد غير المنافية لمالكية مالك السماوات و الأرضين و سلطانه فلا يكون قبيحا و ظلما. و يؤيد ذلك قوله تعالى‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ (1) و غيرها من الآيات، فإنّ هذه الآية ليست في مقام إنكار تحريم زينة اللّه التي أخرجها لعباده من جانب الشرع، أو إنشاء حكم الحلية و جواز الانتفاع عمّا أخرجه لعباده. بل هي في مقام بيان عدم وجود مناط و دليل من العقل و الشرع على ذلك، و توبيخ من يحرم على نفسه ما أخرجه لعباده من غير دليل عقلي و لا شرعي، و أنّ الأفعال و الانتفاع ممّا أخرجه لعباده بحسب الطبع الأوّلي ليس حراما، و لا يكون المنتفع منه مع عدم صدور حكم حرمته من الشرع مستوجبا للتقبيح عند العقل.

و إلّا فلو كان ذلك عند العقل قبيحا لصح الجواب عن الاستفهام المذكور في الآية بأنّ العقل حاكم بقبح التصرف في ملك اللّه تعالى من غير إذن منه.

____________

(1). الأعراف (7): 32.

22

الأمر الثالث: وجوب الاحتياط

استدل الأخباريون بالآيات و الروايات على وجوب الاحتياط الطريقي في الشبهات التحريمية الحكمية، و لو تم الاستدلال بها يكون منجزا للتكليف المحتمل التحريمي و إن لم يكن مجرد احتماله منجزا له.

و حيث أنّ الأخباري ذهب إلى وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية الحكمية دون الموضوعية و الشبهات الوجوبية، فلا بد لمن يراجع ما استدل عليه من الكتاب و السنة من ملاحظة مقدار دلالة هذه الأدلة و أنّها على تقدير تماميتها هل تختص بالشبهات التحريمية الحكمية أو تعمها و غيرها من الشبهات الوجوبية و الموضوعية.

إذا عرفت ذلك. فاعلم: أنّهم استدلوا على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية بالآيات القرآنية و الروايات.

الآيات التي استدل بها للاحتياط و الجواب عنها

أمّا الآيات التي استدل بها على الاحتياط فطائفتان:

إحداهما: ما دلّت على النهي عن القول بغير علم، كقوله تعالى‏ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (1). و قوله عزّ من قائل‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ‏

____________

(1). البقرة (2): 169.

23

لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1). و غيرهما من الآيات الكثيرة التي ربما تبلغ ستة عشر آية. بتقريب: أنّ الحكم بالجواز و الترخيص في ما يحتمل حرمته قول بغير علم.

و جوابه يظهر ممّا أسلفناه‏ (2)، فإنّا لا نقول في محتمل الحرمة بالجواز الشرعي، و لا ندعي ترخيص الشارع ارتكاب محتمل الحرمة حتى يقال بأنّكم تقولون على اللّه ما لا تعلمون، بل نحن ندعي أنّ العقل مستقل بأنّ العبد لو احتمل التكليف بعد بذل جهده في سبيل الفحص عن الحكم و لم يطلع على ما يدل عليه من الأدلة، فليس مستحقا للعذاب و العقاب لو ارتكب ما يحتمل حرمته أو ترك ما يحتمل وجوبه.

و ليس معنى ذلك ترخيص الشارع ارتكاب محتمل الحرمة و الحكم بالجواز الشرعي.

هذا مضافا إلى أنّ هذا الدليل ناهض على الأخباري، فإنّ القول بوجوب الاحتياط، و التفكيك بين الشبهة الوجوبية و التحريمية و بين الموضوعية و الحكمية، قول بغير علم.

ثانيتهما: ما تدل بظاهرها على وجوب الاحتياط و التورع و الاتقاء، كقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (3). و قوله سبحانه:

____________

(1). الإسراء (17): 36.

(2). تقدم في الصفحة 243.

(3). التغابن (64): 16.

24

اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (1). و قوله تعالى: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ (2). و قوله عزّ شأنه: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (3). و قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ (4).

و الجواب: أمّا عن الآيات الثلاثة الاول، فبمنع كون التقوى و الجهاد في اللّه حق جهاده إتيان العبادات الاختراعية و تحريم المحللات و أخذ طريق التضييق و ادخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين و لو كان بعنوان الاحتياط، بل حقيقتهما عبارة عن كمال الاهتمام و المراقبة في فعل الواجبات و ترك المحرمات و حضور العبد لذلك و قيامه بوظيفة العبودية. و لا دخالة لفعل محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة في ذلك. و ليس ترك الأوّل و فعل الثاني مخالفا للتورع و التقوى، و إلّا يجب أن يكون العالم بجميع الأحكام الممتثل لها غير حائز لصفة التقوى.

و أيضا لا ريب في أنّه لا يستفاد من هذه الآيات إيجابات مستقلة، كسائر الأوامر و النواهي الراجعة إلى الموضوعات المختلفة، و إلّا يلزم أن يكون الآتي بالصلاة آتيا بواجبين، أحدهما: ما وجب بالأمر بنفس الصلاة، و ثانيهما: ما تعلق بعنوان الاتقاء.

فالمستفاد منها: أنّ المتكلم يكون في مقام تنبيه العباد و تذكيرهم‏

____________

(1). آل عمران (3): 102.

(2). الحج (22): 78.

(3). البقرة (2): 195.

(4). النساء (4): 59.

25

بأنّ المكلف يجب أن يتحرز و يجتنب عن مخالفة التكاليف الإلهية، و يبذل غاية جهده في فعل الواجبات و ترك المحرمات بأن لا يترك من الواجبات شيئا و لا يعمل بواحد من المحرمات.

و الغرض من هذه التنبيهات إيقاظ الغافلين من نومة الغفلة، و سوق من لا يعظّم أمر أحكام اللّه إلى تعظيمها و الجري على وفقها. فلا يستفاد من هذه العبارات أزيد ممّا يكون الواعظ في مقام بيانه من بيان ما يكون باعثا لرغبة الناس إلى الطاعات و انزجارهم عن السيئات.

و لا أظنك أن تحتمل بأنّ هذه الآيات الكثيرة و الروايات الواردة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بكثرتها، مثل ما روي عن أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) في المواعظ و الخطب المشتملة على الأمر بالتقوى، تكون في مقام إيجاب التقوى، لأنّ كلها- كما تنادي بذلك المراجعة إلى كتب الروايات و المواعظ الصادرة عنهم (عليهم السلام)- في مقام الإرشاد و الترغيب و التحريض، و إيجاد الدواعي في المكلفين لفعل الواجبات و ترك المحرمات.

هذا، و لو احتمل أحد خلاف ذلك، و حمل هذه الآيات على كونها في مقام إنشاء إيجاب التقوى- كسائر الخطابات الواردة في غير هذا المورد- فلا فرق حينئذ في ذلك، أي وجوب الاتقاء، بين الشبهات التحريمية و الوجوبية، و بين الشبهة الحكمية و الموضوعية، و لا وجه للتفصيل بينهما كما زعمه الأخباري.

و أمّا الجواب عن الاستدلال بالآية الرابعة: فبأنّ المراد من التهلكة

26

إن كان الهلكة الاخروية فنقطع بعدمها. و إن كان المراد الهلكة الدنيوية، فالمحرم هو الإلقاء في الهلكة المعلومة، و أمّا ما لم يعلم وجود التهلكة فيه فالشبهة بالنسبة إليه موضوعية.

و أمّا الاستدلال بالآية الخامسة ففيه أوّلا: أنّ من الممكن أن يكون المراد ممّا تنازعوا فيه الشبهة الموضوعية، فإنّه يجب فيه الرجوع إلى القضاة المنصوبين من جانب اللّه و الرسول، لا قضاة الجور و من تولى أمر القضاء من جانب غير المنصوب من قبل اللّه تعالى و هو الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و ثانيا: لو سلمنا أنّ المراد منه هو الشبهة في الحكم، فلا يستفاد منه إلّا وجوب التسليم لأمر اللّه تعالى و أمر الرسول. و لا منافاة في ذلك مع القول بالبراءة و عدم استحقاق العقاب على فعل محتمل الحرمة بعد الفحص عمّا صدر عن اللّه و الرسول و اليأس عن الظفر.

هذا مضافا إلى عدم الوجه في التفصيل بين الشبهة التحريمية الحكمية و غيرها.

هذا تمام الكلام في الآيات التي استدل بها الأخباريون.

الروايات التي استدل بها للاحتياط و الجواب عنها

و أمّا الروايات: فقد جمعها بعضهم كصاحب الوسائل عليه الرحمة في كتاب القضاء (1)، و هي و إن كانت تبلغ- قبل إسقاط ما تكرر منها و ما

____________

(1). الوسائل، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، ب 12 (باب وجوب التوقف و الاحتياط في القضاء و الفتوى ...).

27

ليس مرتبطا بما نحن فيه- 68 حديثا، إلّا أنّ جملة منها غير مرتبطة بالمقام. و جملة منها في مقام الرد على العامة و من يأخذ بالقياس و الاستحسان و يستقل في استنباط الأحكام، و لا يرى للأئمة المعصومين (عليهم السلام) ما لهم من المقام في بيان أحكام اللّه و لا يرجع إليهم، و يريد الهدى من تلقاء نفسه. و جملة منها راجعة إلى الوقوف عند الشبهات التي يظهرها أهل الأهواء و البدع و من ينتحل الإسلام- ممّا يكون شبيها بالدليل و البرهان و ليس منه- مثل ما يرى كثيرا في كلمات هؤلاء من الصدر الأوّل إلى زماننا هذا.

و ثلاثة منها- و هي: ما رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (1).

و ما رواه عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من عمل بما علم كفي ما لم يعلم» (2).

و ما رواه عن محمد بن علي بن الحسين قال الصادق (عليه السلام) «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (3).- تدل على خلاف مطلوب الأخباري.

و أجاب عن هذه الروايات بأجوبة غير كافية، منها: حمل هذه الأخبار على الشبهات الوجوبية (4).

____________

(1). المصدر نفسه، ح 33.

(2). المصدر نفسه، ح 35.

(3). المصدر نفسه، ح 67.

(4). المصدر نفسه، ذيل الحديث 33.

28

و جملة منها راجعة إلى النهي عن القول بغير علم.

و جملة اخرى واردة في الشبهات البدوية قبل الفحص.

و بعضا منها واردة في الشبهات الموضوعية، كما رواه عن الصدوق (رضى اللّه عنه) من أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب، فقال «إنّ اللّه حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تنقصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلّفوها، رحمة من اللّه لكم فاقبلوها». ثم قال (عليه السلام): «حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك. و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها» (1).

و قد جعل صاحب الوسائل ذيلها رواية مستقلة و جعلها الرواية 27 من هذا الباب.

و بعضا منها ليس خاليا عن الإبهام و الإجمال، كرواية رواها سلام بن المستنير عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أيّها الناس! حلالي حلال إلى يوم القيامة، و حرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا و قد بينهما اللّه عزّ و جل في الكتاب، و بينتهما لكم في سنتي و سيرتي، و بينهما شبهات من الشيطان و بدع بعدي. من تركها صلح له أمر دينه و صلحت له مروته و عرضه، و من تلبس بها وقع فيها و اتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى ... الحديث‏ (2).

____________

(1). المصدر نفسه، ح 68.

(2). المصدر نفسه، ح 52.

29

و بالجملة: فما يمكن أن يدعى ارتباطه بالمقام و دلالته على ما ذهب إليه الأخباريون هي الروايات التي التقطها الشيخ (رضي اللّه عنه) من هذه الروايات و جعلها طوائف‏ (1):

إحداها: ما يكون مفادها مفاد الآيات، و تدل على حرمة القول و العمل بغير علم‏ (2). و قد مر الجواب‏ (3) عنها عند ذكر الجواب عن استدلالهم بالآيات.

ثانيتها: الأخبار الدالة على التوقف. و قد ذكر منها اثنى عشر حديثا.

ثالثتها: أخبار الاحتياط. و ذكر منها سبعة أحاديث.

رابعتها: أخبار التثليث.

و لا يخفى عليك: أنّ الطائفة الرابعة ترجع إلى الطائفة الثانية، و ليست طائفة مستقلة؛ فإنّ اختلاف التعابير لا يوجب اختلاف المضمون و تكثير الأقسام.

فعلى هذا، تجب الملاحظة و التأمل في طائفتين من الروايات، إحداهما: أخبار الاحتياط. و ثانيتهما: أخبار التوقف.

أمّا أخبار الاحتياط، فأكثرها مراسيل لا يعتمد عليها، مثل: ما روى في الوسائل عن خط الشهيد (قدّس سرّه) في حديث طويل عن عنوان‏

____________

(1). فرائد الاصول: 205، سطر 22.

(2). وسائل الشيعة، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 3 و 4 و 22 و 32 و 35 و غيرها.

(3). تقدم في الصفحة 254 و 255.

30

البصري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) يقول فيه: «سل العلماء ما جهلت، و إياك أن تسألهم تعنتا و تجربة، و إياك أن تعمل برأيك شيئا، و خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا، و اهرب من الفتيا هربك من الأسد، و لا تجعل رقبتك عتبة للناس» (1).

و ما أرسله الشهيد في الذكرى أيضا و حكي عن الفريقين، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (2).

و ما أرسله أيضا عن الصادق (عليه السلام): «لك أن تنظر الحزم، و تأخذ بالحائطة لدينك» (3).

و ما أرسله الشهيد (قدّس سرّه) أيضا عنهم (عليهم السلام): «ليس بناكب عن الصراط، من سلك سبيل الاحتياط» (4).

هذا مضافا إلى عدم دلالتها على وجوب الاحتياط.

أمّا رواية عنوان البصري، فإنّه كان رجلا متقشفا من تلامذة مالك بن أنس، و قد صرف مدة من عمره في المدينة لأخذ الفقه عن مالك، و لم يكن يعرف الإمام الصادق (عليه السلام) بالإمامة. و لكنه أراد أن يزوره ليستفيد منه، فلم يأذن له، فدخل المسجد و صلى و دعى اللّه أن يرقق قلب جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عليه، و بعد أن حصل الإذن تشرف بزيارته‏

____________

(1). المصدر نفسه، ح 61.

(2). المصدر نفسه، ح 63.

(3). المصدر نفسه، ح 65.

(4). لم يذكره في الوسائل، و انظره في جامع أحاديث الشيعة 1: 90.

31

و سأله عن مسائل فأجابه عنها، و قال له الإمام (عليه السلام) سل العلماء ما جهلت ... الحديث.

و هذا كما ترى لا يدل على وجوب الاحتياط في محتمل الحرمة أو الوجوب، بل كلام صدر عن الإمام (عليه السلام) موعظة لهذا الشخص الذي لا يرى للإمام امتيازا عن الناس، و لا يعرفه بالمقام الذي أقامه اللّه فيه. و من الواضح أنّ بهذه الكلمات و البيانات يجب أن يوعظ و ينذر مثل هذا الشخص الذي يدعي العلم و الفقه و لا يحترز عن الفتوى و لا يرجع إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

و أمّا ما روى من قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فإنّما يدل على الإرشاد إلى حسن الاحتياط و استحبابه.

و أمّا الروايتان الأخيرتان، فليس فيهما دلالة على وجوب الاحتياط بمعنى وجوب ترك محتمل الحرمة و فعل محتمل الوجوب.

غير أنّ ذكر لفظ الحائط و الاحتياط فيهما صار سببا لتوهم ذلك؛ فإنّ المراد من اللفظين هو الاحتفاظ و الاهتمام بأمر الدين.

و كذا الرواية المنقولة عن أمالي المفيد الثاني عن الرضا (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين قال لكميل بن زياد: أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت» (1). فإنّه ليس المراد من هذا الاحتياط المأمور به إلّا القيام بأمر الدين من العمل بما أوجب فيه و ترك ما حرم.

____________

(1). وسائل الشيعة، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 46.

32

و أمّا رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما؟ أو على كل واحد منهما جزاء؟ قال: لا، بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد. قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدر ما عليه، فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا (1).

ففيها أوّلا: أنّها لا تدل إلّا على وجوب الاحتياط في الفتوى و التحرز و الاجتناب عنه قبل السؤال و الفحص.

و ثانيا: لو أغمضنا عن ذلك فلا تدل إلّا على وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية فيما إذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين أو غير الارتباطيين، لو لم نقل بكونهما كذلك في المقام.

و أمّا رواية عبد اللّه بن وضّاح و هي: أنّه كتب إلى العبد الصالح (عليه السلام) يسأله عن وقت المغرب و الإفطار؟ فكتب إليه: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك‏ (2).

فظاهرة في الشبهة الموضوعية الوجوبية، و الانتظار- مع الشك في تحقق المغرب- للصلاة هو مقتضى الاستصحاب. و المراد بالأخذ بالحائطة لدينك ليس الاحتياط المذكور في كلامنا، بل هو الأخذ بما يحفظ به دينه و هو الانتظار عملا بالاستصحاب.

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ دعوى استفاضة الروايات الدالة على‏

____________

(1). المصدر نفسه، ح 1.

(2). المصدر نفسه، ح 42.

33

الاحتياط لا يصدر إلّا عمّن ليس له اطلاع بالروايات.

و أمّا أخبار التوقف، فبعضها لا دلالة له على وجوب الاحتياط في العمل، كرواية حمزة بن طيار في أنّه عرض على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: كف و اسكت. ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّه لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكف عنه و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق، قال اللّه تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (1).

فإنّ الظاهر منها أنّ الموضع الذي بلغ منها كان متضمنا لبعض المطالب المعضلة من الاصول أو الفروع التي لا ينبغي لأمثال حمزة بن طيار إظهار الرأي فيها، و يجب أن يعرف حقيقتها و ما هو الحق فيها من قبل المعصوم العالم بحقائق مثل هذه الامور من قبل اللّه تعالى.

و بعضها على وجوب التوقف عند الفتوى و حرمة القول بغير علم أدل و أظهر، مثل: رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في وصية له لأصحابه قال: «إذا اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، و ردّوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما أوصيناكم لم تعدوه إلى غيره ... الحديث» (2).

و رواية زرارة عنه (عليه السلام) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما حجة اللّه على‏

____________

(1). المصدر نفسه، ح 3. و الآية 43 سورة النحل و 7 سورة الأنبياء.

(2). المصدر نفسه، ح 48.

34

العباد؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لا يعلمون‏ (1).

و رواية الميثمي- الذي عبر عنه الشيخ الأنصاري بالمسمعي- عن الرضا (عليه السلام) في حديث اختلاف الأحاديث قال: و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف، و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا (2).

نعم، في عدة منها الأمر بالتوقف عند الشبهة معللا بأنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة؛ أو ذكر هذه الجملة مستقلة و ابتداء كما في مقبولة عمر بن حنظلة (3)؛ و رواية الزهري‏ (4)؛ و رواية السكوني‏ (5)؛ و رواية مسعدة بن زياد (6)؛ و رواية أبي شيبة (7)؛ و رواية جميل بن دراج‏ (8)؛ و رواية عبد الأعلى‏ (9).

و لكن يمكن أن يقال- مضافا إلى أنّ اشتمال بعض هذه الروايات على عبارات مثل: «و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم‏

____________

(1). المصدر نفسه، ح 32.

(2). المصدر نفسه، ح 36.

(3). المصدر نفسه، ح 9.

(4). المصدر نفسه، ح 2.

(5). المصدر نفسه، ح 57.

(6). المصدر نفسه، ح 15.

(7). المصدر نفسه، ح 13.

(8). المصدر نفسه، ب 9، ح 35.

(9). تفسير العياشي ذيل الآية 115 من سورة البراءة.

35

تحصه» (1) ربما يصير سببا لإجمال هذه العبارة-: إنّ المراد بالشبهة ما يحتمل فيه الهلكة، لا مطلق الشبهة و لو لم يحتمل فيها الهلكة.

و إن أغمضنا عن ذلك، و قلنا بأنّ المراد بالشبهة خصوص الشبهة التحريمية، و أنّ الهلاكة هي الهلكة الاخروية، كما يريده الأخباري.

فليس في هذه الأخبار ما يمكن أن يدعى دلالته على خصوص الشبهة التحريمية الحكمية دونها و الموضوعية، كما يظهر للمتأمل في الأخبار.

اللّهم إلّا أن يقال بأنّ النبوي المذكور في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة (2)- مع قطع النظر عن احتفافه بكلام الإمام، و ما يقتضي سياق‏

____________

(1). وسائل الشيعة، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 2.

(2). و هي ما رواه المشايخ الثلاثة باسنادهم إلى عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا و إن كان حقه ثابتا، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت، و إنّما أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى‏ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ.

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم اللّه استخف و علينا قد رد، و الراد علينا كالراد على اللّه و هو على حد الشرك باللّه.

قلت: فإن كان كل رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكون الناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قال:-

36

أصل الرواية، و استشهاد الإمام بالنبوي المذكور- يدل على المطلوب.

و لا يرد على الاستدلال به ما يرد على الاستدلال بأصل المقبولة من شمولها للشبهات الحكمية و الموضوعية بقسميهما، بل تشمل غير التكاليف من الامور الوضعية. و من اختصاصها بالشبهات التي يكون الوقوع في الهلكة بالنسبة إليها مقطوعا كالافتاء بغير علم؛ فالوقوف عند الشبهة و الامتناع من الافتاء خير من الاقتحام في الهلكة و هو الافتاء

____________

- ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، و أمر بين غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يرد حكمه إلى اللّه. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم.

قال: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب و السنة و وافق العامة.

قلت: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة، و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: ينظر إلى ما هم أميل إليه حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكامهم الخبران جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات [منه دام ظله العالي‏].

راجع الكافي 1: 54/ 10؛ التهذيب 6: 301/ 845؛ الفقيه 3: 5/ 2؛ وسائل الشيعة، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 1.

37

بغير علم.

و الحاصل: أنّه يمكن أن يقال بصحة استناد الأخباري إلى هذا النبوي في خصوص الشبهة التحريمية. و القول بعدم دخل صدر المقبولة و ذيلها في ما يستفاد من مضمونه. أو بكون هذا النبوي رواية مستقلة رواها عمر بن حنظلة هنا عن الإمام (عليه السلام).

و قريب منه في هذه الدلالة رواية جميل بن صالح عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):- في كلام طويل- الامور ثلاثة:

أمر تبيّن لك رشده فاتبعه، و أمر تبيّن لك غيّه فاجتنبه، و أمر اختلف فيه فردّه إلى اللّه عزّ و جل‏ (1).

و مرسلة الصدوق قال: و خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: «إنّ اللّه حد حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تنقصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلّفوها، رحمة من اللّه لكم فاقبلوها. ثم قال: حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها» (2).

فعلى هذا، أوضح الروايات دلالة على ما يريده الأخباري هذا النبوي الذي لم يتعرض لذكره بعض من صار في مقام الجواب عن الأخبار التي استدل بها الأخباري كالمحقق الاستاذ صاحب الكفاية،

____________

(1). المصدر نفسه، ب 12، ح 28.

(2). المصدر نفسه، ح 68.

38

و من تعرض لذكره لم يأت في مقام الجواب بما كان حاسما للإشكال، فيجب علينا أن نبين وجه الاستدلال به أوّلا و الجواب عنه ثانيا إن شاء اللّه تعالى، فنقول:

أمّا تقريب الاستدلال به: فغاية ما يمكن أن يقال هو: أنّ المستفاد من هذا النبوي أنّ لنا حلالا بينا من حيث الحكم، و أفعالا كلية حليتها مبينة، و أفعالا كلية حرمتها مبينة، و شبهات بين ذلك، أي أفعال كلية غير مبينة من حيث الحكم، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات الواقعية التي تكون في هذه الشبهات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات الواقعية التي تكون في مورد هذه الشبهات و هلك من حيث لا يعلم، أي يقع فيما يقع فيه مرتكب الحرام من الخروج عن زي العبودية و رسوم الرقية و استحقاق العذاب و العقاب.

و ليس المراد من الشبهات جميعها، بل جنسها و لو كانت شبهة واحدة، كما أنّ المراد بالمحرمات أيضا ليس كلها بل جنسها، فلو أخذ بشبهة واحدة يقع في الحرام، أي يصير في معرض الوقوع في الحرام و جعل نفسه في مورد ارتكاب الحرام.

و ليس المراد من الوقوع الإشراف على الحرام حتى يكون استعمال الوقوع فيه على سبيل مجاز المشارفة كما ذكره الشيخ، و تحتاج تمامية الاستدلال إلى الكبرى الكلية الحاكمة على أنّ الإشراف على الوقوع في الحرام و الهلاك من حيث لا يعلم حرام.

فإن قلت: إنّ الرواية ظاهرة في الإرشاد إلى أنّ ارتكاب الشبهة

39

موجب للوقوع في الهلكة التي تكون فيها مع قطع النظر عن هذا البيان، و هي تارة تكون اخروية و اخرى دنيوية، كالشبهات غير المقرونة بالعلم الإجمالي و قبل الفحص.

قلت: نعم، صدرها إلى قوله: «فمن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات» ظاهر في الإرشاد، و لكن قوله: «و هلك من حيث لا يعلم» يدل على وجود الهلاكة و العذاب في مورد الشبهة إذا صادف ارتكابها الحرام الواقعي.

فإن قلت: إنّ هذا- لو تم- يدل على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية مطلقا موضوعية كانت أم حكمية، لظهور النبوي في حصر الحلال و الحرام فيما هو بين و ما ليس كذلك.

قلت: لم يذكر في الرواية ما هو مقسم لهذه الأقسام حتى يستفاد منه أنّها من الشبهة الحكمية أو الموضوعية، و ليس بينهما جامع.

فإن قلت: ما المانع من أن يكون المراد من النبوي و المستفاد منه أنّ لنا حلالا بينا بحسب الخارج و حراما بينا بحسب الخارج و شبهات بين ذلك أيضا في الموضوع، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات أي الوقوع في الحرام البين الخارجي، و من لم يجتنب منها يقع في الحرام البين الخارجي و يجترئ على ارتكابه بخلاف من ترك الشبهات؛ فإنّ جرأته على ارتكاب الحرام المعلوم في الخارج ليس بهذه المثابة.

و يؤيد ذلك ما رواه الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته، إلّا أنّه ينافي قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «و هلك من حيث لا يعلم».

40

اللّهم إلّا أن يقال: بأنّه بعد فرض عدم ذكر مقسم للشبهات الحكمية و الموضوعية في الرواية و إمكان حملها على الشبهات الموضوعية، فلم لا نقول بأنّ المراد منها: أنّ لنا حلالا بينا بحسب الخارج و حراما كذلك و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات الواقعية التي تكون فيما بين المشتبهات، و من ارتكب هذه الشبهات، أي المصاديق المشكوك كونها تحت بعض العناوين المحرمة، يقع في المحرمات الواقعية التي تكون فيما بينها. و لا منافاة لهذا الاحتمال مع قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «و هلك من حيث لا يعلم» و كيف كان: فلا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر.

قلت: لا مانع من هذا الاحتمال في نفسه، إلّا أنّ للأخباري أن يقول: الظاهر هو الاحتمال الأوّل.

هذا تمام الكلام في تقريب الاستدلال بالنبوي.

و التحقيق في الجواب أن يقال أوّلا: إنّ الحرام الفعلي ما تعلق به زجر المولى و إرادته الحتمية، و لا يتحقق ذلك إلّا إذا كان للعبد إليه طريق و وصل نهي المولى إليه. و أمّا ما ليس له طريق إليه أصلا و لم يصل إليه حتى بعد الفحص فليس حراما فعليا، و لا يشمله عنوان محتمل الحرمة حقيقة، بل هو من الحلال البين، للعلم بعدم تعلق زجر فعلي من المولى إليه و عدم تعلق إرادته الحتمية بتركه، و مع ذلك كيف يحتمل حرمته و يدخل تحت الشبهات التي تكون بين الحلال و الحرام البينين.

فالمراد بالمشتبهات ما يحتمل في مورده فعلية زجر المولى‏

41

و إرادته الحتمية المتعلقة بتركه، و هو لا يكون إلّا في الشبهات البدوية قبل الفحص. و أمّا بعد الفحص و عدم الظفر بالطريق فيحصل القطع بعدم فعلية زجر المولى و عدم تعلق إرادته الحتمية بتركه. فالمشتبه بالحرام لا يكون إلّا ما يحتمل في مورده فعلية زجر المولى، و هو لا يتحقق إلّا في الشبهات البدوية التي يحتمل وجود الطريق على الحكم الشرعي الذي يكون في موردها. فعلى هذا، لا مانع من القول بظهور الهلاكة المذكورة في قوله: «و هلك من حيث لا يعلم» في الهلاكة الاخروية، لكن المراد بها الهلاكة التي تكون للمشتبه مع قطع النظر عن هذه العبارة و هي لا تكون إلّا في الشبهات البدوية. و كون هذه الرواية في مقام إيجاب الاحتياط و جعل الطريق إلى الأحكام الواقعية التي ليس إليها طريق مع قطع النظر عن إيجاب الاحتياط الطريقي، خلاف الظاهر؛ فإنّ ظاهرها كونها في مقام الإرشاد إلى ما يحكم العقل به و هو لزوم الاجتناب عن الهلاكة التي تكون في المشتبهات مع صرف النظر عن هذه العبارة.

و ثانيا: لو تم الاستدلال بهذه الرواية يجب القول بالاحتياط حتى في الشبهات الوجوبية؛ فإنّ هذه الرواية النبوية بهذه العبارة ليست مروية إلّا في ضمن مقبولة عمر بن حنظلة و هي باعتبار موردها- و هو اشتباه الحكم الوضعي الذي يكون منشأ لانتزاع حكم تحريمي و منشأ لانتزاع حكم وجوبي- تشمل الشبهات الوجوبية أيضا.

و ثالثا: لو قلنا بدلالة هذا النبوي على وجوب الاحتياط في خصوص الشبهات التحريمية من جهة كون ارتكابها معرضا لوقوع‏

42

المرتكب في الحرام المشتبه، لكنه تعارضه روايات كثيرة دالة على عدم مانع من ارتكاب الشبهة من جهة الوقوع في الحرام المحتمل الذي يكون في مورده.

فغاية الأمر يستحب الاجتناب عنها لحصول ملكة التحفظ و القدرة على ترك المحرمات. و لأنّ فعل المشتبهات ربما يصير باعثا لوقوع مرتكبها في المحرمات المعلومة، فإنّ المعاصي حمى اللّه و من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ضمن خطبته: «فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها» (1).

و رابعا: لا ريب في أنّ وجوب الاحتياط لو كان مجعولا في الشريعة لنقل إلينا و لعرفه جميع المسلمين لشدة الابتلاء به و عموم البلوى، و استقرت عليه سيرتهم الكاشفة عن وجود نص أو نصوص معتبرة في المسألة، مع أنّه لم يوجد من هذا رسم و لا أثر لا في الكتب و لا في عمل المسلمين، و لم يوجد خبر يدل عليه، إلّا هذا الخبر الذي أشكل في دلالته، بل لم يذكر هذا الموضوع في كلمات السابقين، و إنّما حدث هذا التوهم في أوائل القرن الحادي عشر عند تداول شرب التنباك، و ذهاب بعض الأخباريين إلى حرمته فصار سببا لإحداث القول بوجوب الاحتياط في مطلق الشبهات التحريمية الحكمية، مع أنّ شبهة

____________

(1). وسائل الشيعة، أبواب صفات القاضي، ب 12، ح 68.

43

حرمة شرب التتن ليست من الشبهات الحكمية بل شبهة موضوعية، فإنّ شرب التنباك لم يكن في زمن النبي و الأئمة (عليهم السلام) متداولا حتى يرد فيه بخصوصه حكم و يكون الشك فيه داخلا في الشك في الحكم، بل لو شك فيه فلا يكون منشأ الشك إلّا كونه واقعا تحت بعض العناوين المحرمة مثل: «الخبائث» (1) أم لا، فيكون بهذا الاعتبار من الشبهات الموضوعية، و لا ارتباط له بالشبهات الحكمية. هذا تمام الكلام في استدلالهم بالأخبار.

الأمر الرابع: وجوب الاحتياط للعلم الإجمالي‏

من الامور التي قيل بكون كل واحد منها واردا على حكم العقل بعدم تنجز التكليف المحتمل بعد الفحص و عدم الظفر به بمجرد الاحتمال، هو: العلم الإجمالي بوجود محرمات كثيرة في الشريعة، و مقتضاه وجوب الاحتياط في الموارد المشتبهة.

و فيه: مضافا إلى كون ذلك منقوضا بالشبهات الوجوبية، لعدم وجه لاختصاص العلم الإجمالي بالتكاليف التحريمية، أنّنا ننكر هذا العلم الإجمالي الوسيع المتعلق بوجود التكاليف الوجوبية و التحريمية فيما بين مؤديات الطرق و الأمارات، و فيما ليس بين مؤديات الطرق ممّا ليس إليه طريق؛ فإنّ من كان عالما ببعث النبي صلّى اللّه عليه و سلم و تبليغه أحكام اللّه‏

____________

(1). في قوله تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ‏ الأعراف (7): 157.

44

تعالى يعلم إجمالا بوجود تكاليف في الشريعة بحيث لو تفحص عنها من طرقها لوصل إليها. و لا يرى مجالا لاحتمال وجودها في الطرق المتعارفة المتداولة، لاستلزام ذلك نقض الغرض و لزوم اختراع الشرع طريقة اخرى في تبليغ مقاصده و مراداته غير ما استقر عليه بناء العقلاء و سيرتهم. و كيف يصح جعل حكم و تكليف مع عدم وجود طريق إليه؟! و لو فرضنا احتمال ذلك فهو احتمال بدوي يزول بعد المراجعة إلى الطرق و الأخبار. و على فرض بقائه ليس منجزا للتكليف.

و لو اغمضنا عن ذلك و قلنا بوجود هذا العلم الإجمالي الوسيع، فنقول: إنّ بعد الرجوع إلى الطرق و الأمارات المثبتة للتكاليف نعلم إجمالا بوجود هذه التكاليف بين مؤديات الطرق و الأمارات بالمقدار المعلوم بالإجمال أوّلا، و معه ينحل العلم الإجمالي الكبير إلى هذا العلم الإجمالي بوجود تكاليف واقعية فيما بأيدينا من الطرق بالمقدار المعلوم بالإجمال أوّلا و عدم وجود غير ما بأيدينا من مؤديات الطرق و الأمارات ممّا ليس إليه طريق.

و لا نقول بانحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بعد الرجوع إلى الأمارات و الظفر بالطرق المثبتة للتكاليف بالمقدار المعلوم بالإجمال، حتى يقال بعدم الانحلال على القول بالسببية و الموضوعية في باب الأمارات مطلقا، و أمّا على القول بالطريقية أو جعل المنجزية و الحجية فينحل لو كان ما نحن فيه من أقسام الصورة الاولى من صور العلم الإجمالي- التي سيأتي ذكرها في التنبيه الآتي- و أمّا في سائر الصور

45

فانحلاله محل للمناقشة و الإشكال كما يأتي.

تنبيه: في تنقيح معنى الانحلال‏

(1).

اعلم: أنّ العلم الإجمالي متقوم من علم متعلق بالمعلوم بالإجمال كالنجس المردد في كونه إناء عمرو أو إناء زيد مثلا، و ترديد هذا المعلوم بين شيئين أو أشياء، و إذا انحل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي فلا يبقى ذلك الترديد و لا يعقل بقاؤه؛ فإنّ فرض بقائه مساوق لفرض عدم انحلاله.

لا يقال: فما معنى قولهم: إنّ العلم الإجمالي ينحل إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي؟

فإنّه يقال: هذا الشك البدوي الذي يبقى بعد الانحلال ليس الشك الذي به يتقوم العلم الإجمالي، فإنّه يزول بمجرد الانحلال، بل هذا الشك زائد على هذا الشك. كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين بالبول و احتملنا نجاسة الآخر منهما بالدم ثم علمنا تفصيلا ما تنجس منهما بالبول؛ فإنّ العلم الإجمالي و إن انحل و زال الشك الذي هو مقوم له إلّا أنّ الاحتمال و الشك الذي كان لنا في نجاسة الآخر بالدم باق على حاله، و ليس هذا الشك البدوي أثر الانحلال بل هو الشك الذي كان موجودا

____________

(1). ليس له كثير فائدة لخصوص المقام، و إنّما تعرض سيدنا الاستاذ العلامة- دام ظله و علاه- لذكره هنا لمجرد مناسبة له بالمقام و عدم وجود بحث مستقل عنه في الاصول مع كونه ممّا يحتاج إليه في كثير من الموارد [منه دام ظله العالي‏].

46

مع العلم الإجمالي غير التردد الذي كان أحد مقوميه. و لذا لو لم يكن مع العلم الإجمالي هذا الشك، كما إذا علم غصبية أحد الإنائين و لم يحتمل غصبية الآخر منهما ثم علم تفصيلا غصبية أحدهما، ينحل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي من غير أن يكون في البين شك بدوي.

فتارة: ينحل العلم الإجمالي إلى التفصيلي من دون أن يكون معه شك بدوي، و تارة: يكون معه ذلك. فالمراد من الشك البدوي الشك غير المقارن للعلم الاجمالي.

و ليعلم: أنّ العلم الإجمالي لا ينحل إلى التفصيلي إلّا في مورد كان تقدم العلم التفصيلي مانعا عن حدوث العلم الإجمالي حتى يكون حدوثه متأخرا عنه مانعا عن بقائه، فإذا علمنا بغصبية أحد الشيئين ثم علمنا تفصيلا غصبية أحدهما المعين ينحل العلم الإجمالي. و أمّا إذا علمنا بغصبية أحد الكبشين ثم علمنا تفصيلا بكون واحد منهما جلّالا لا ينحل علمنا الإجمالي. و هذا كله واضح و التعرض له إنّما هو لاحتمال خفائه عن بعض. و بعد ذلك نقول:

إنّ العلم الإجمالي تارة: يتعلق بغصبية إناء زيد من الإنائين المعلوم كون واحد منهما ملكا لعمرو و الآخر لزيد، و يتعلق العلم التفصيلي بأنّ هذا الواحد المعين هو إناء زيد، ففي هذه الصورة ينحل العلم الإجمالي بغصبية ما هو منهما إناء زيد بالعلم التفصيلي بما هو إناء زيد، و أما الشك البدوي بالنسبة الى غصبية إناء عمرو فهو باق على حاله إذا احتملنا غصبيته مع العلم بغصبية إناء في البين إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي‏

47

بالنسبة إلى إناء عمرو لو احتمل غصبيته.

و تارة: يتعلق بغصبية أحدهما، و يتعلق العلم التفصيلي بكون أحدهما المعين- كإناء زيد- غصبا، و في هذه الصورة أيضا ينحل العلم الإجمالي و إن كان انحلاله في الصورة الاولى أوضح.

و ثالثة: يتعلق بعنوان و يتعلق التفصيلي بعنوان آخر، كما إذا تعلق العلم الإجمالي بكون خمسة شياه من قطيع غنم مغصوبة و علم تفصيلا بكون خمسة منها شربت من لبن الخنزيرة حتى اشتد عظمها، فهل ينحل العلم الإجمالي في هذه الصورة أيضا أو لا؟

يمكن أن يقال بأنّ ما يجب أن يكون العبد بصدده هو الاجتناب عن الحرام و مبغوض المولى و تحصيل الأمن من عقوبته من غير فرق بين أن يكون مندرجا تحت عنوان الغصب أو غيره، فبعد هذا العلم التفصيلي يعلم تفصيلا بوجوب اجتنابه عن هذا الحرام المعين و يشك في حرمة غيره، و هذا معنى انحلال العلم الإجمالي إلى التفصيلي.

و لكن الأقوى عدم الانحلال في هذه الصورة إذ لا تمانع بين العلمين، لقيام الحجة على تكليفين أحدهما: وجوب الاجتناب عن الغنم المغصوبة المرددة في البين مثلا، و الآخر: وجوب الاجتناب عن الغنم الجلّالة مثلا، و لا انحلال هنا لبقاء العلم الإجمالي بغصبية أحد الغنمين مع العلم التفصيلي بكون أحدهما المعين جلّالا. فكل من العلمين مؤثر في تنجز خطاب خاص و حجة على تكليف المولى و لا تمانع بينهما، فلو أكل من لحم الغنم المعين المعلوم كونه جلّالا و اتفق كونه هو

48

المغصوب ارتكب حرامين و وقع في مخالفة تكليفين. و لو اتفق عدم كونه غصبا- و لكن بسبب ارتكابه الطرف الآخر وقع في مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال- يكون عاصيا أيضا.

و أمّا أنّ همّ العقل هو الاجتناب عن الحرام و مبغوض المولى و لا فرق في ذلك بين كون حرمته من جهة الغصب أو جهة اخرى.

ففيه: أنّ العصيان و الطغيان لا يتحقق إلّا بارتكاب ما هو الحرام بالحمل الشائع كالمغصوب و الجلّال، و هو الذي يتعلق التكليف بالاجتناب عنه و يكون منهيا عنه، لا مفهوم الحرام و ما هو الحرام بالحمل الأوّلي، و بعد هذا نقول: إنّ العلم الإجمالي بوجوب الاجتناب عن المغصوب المردد بينهما موجب لتنجزه و حجة عليه، و العلم التفصيلي بوجوب الاجتناب عن أحدهما المعين المعنون بكونه جلّالا موجب لتنجز التكليف بوجوب الاجتناب عن هذا الجلّال، و لا تمانع بينهما أصلا.

و رابعة: يتعلق العلم الإجمالي بما هو أعم ممّا هو متعلق العلم التفصيلي، كما لو تعلق العلم الإجمالي بحرمة أحد الكبشين و تعلق العلم التفصيلي بكون أحدهما المعين غصبا. أو بالعكس بأن يكون متعلق العلم التفصيلي أعم و متعلق العلم الإجمالي أخص، كما لو تعلق العلم الإجمالي بغصبية أحد الغنمين و تعلق العلم التفصيلي بحرمة أحدهما المعين.

و في انحلاله و عدمه في هذه الصورة وجهان: من عدم تمانع‏

49

و مطاردة بين العلمين، و استقلال العقل بتنجز التكليف المعلوم بالإجمال بسبب العلم الإجمالي، و عدم موجب لانحلال ذلك العلم؛ و من انطباق التكليف المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل، و عدم موجب لوجوب الاجتناب عن الطرف الآخر بعد الانطباق، فيتعين الاجتناب عن المعلوم بالتفصيل و يصير الطرف الآخر مشكوكا.

و ربما يقال- بالنظر إلى الوجه المذكور في عدم انحلال العلم الإجمالي في هذه الصورة- بعدم انحلاله في الصورة الثانية أيضا. فما يكون الانحلال بالنسبة إليه مسلما هو الصورة الاولى. و لا فرق فيما ذكرنا بين تقدم العلم الإجمالي على التفصيلي و عدمه؛ و بين تقدم حدوث المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل و عدمه.

هذا كله إذا كانت الحجة على التكليف علما و قطعا. و أمّا إذا كانت الحجة غيره من المنجزات، فعلى القول في باب الأمارات بالموضوعية و السببية، لا معنى للانحلال أصلا في جميع الصور حتى في الصورة الاولى. و أمّا على القول بالطريقية و وجوب الجري على وفق الطريق، و هكذا على القول بجعل المنجزية و الحجية ينحل في الصورة الاولى حكما؛ فإنّ معنى قيام الأمارة على كون هذا الإناء المعين إناء زيد كون ذلك إناؤه دون الآخر، و مقتضى ذلك سقوط العلم الإجمالي- بوجوب الاجتناب عن الإناء النجس المردد بين كونه إناء زيد و إناء عمرو- عن رتبة تنجيز التكليف إذا كان في الطرف الآخر. و أمّا في سائر الصور، فعلى القول بالانحلال الحقيقي فيها ينحل حكما أيضا، و على القول بعدم‏

50

الانحلال فلا انحلال هنا حكما أيضا.

ثم إنّه قد ظهر ممّا ذكر عدم وجود منجز للتكليف المحتمل بعد الفحص و عدم الظفر بالدليل، و أنّ احتمال التكليف لا يكون موجبا لتنجزه بحيث يعد عدم الاعتناء به و مخالفته خروجا عن رسوم العبودية و زيّ الرقية حتى يترتب عليه استحقاق العقاب.

فالحق في المسألة هو البراءة و عدم استحقاق العبد للعقاب على مخالفة التكليف المحتمل. و قد استدلوا عليها مع ذلك بالآيات و الأخبار.

الاستدلال للبراءة بالآيات‏

أمّا الآيات، فمنها قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1).

و تقريب الاستدلال بها: أنّ المستفاد من الآية عدم العذاب في ارتكاب ما يكون مبغوضا للّه تعالى- فعلا كان أو تركا- قبل بعث الرسل، و أنّ هذا من سنن اللّه تعالى. و ليس لبعث الرسول دخل في ذلك إلّا لأجل أنّ تبيين الأحكام و التكاليف بتوسط الرسول، و كونه وسيلة لتبيين الأحكام و تبليغها و إيصالها إلى المكلفين. فيكون المراد عدم التعذيب على ارتكاب المبغوض قبل البيان.

و نفي التعذيب و إن كان يمكن أن يكون نفيا لفعليته لا نفيا

____________

(1). الإسراء (17): 15.

51

لاستحقاقه، إلّا أنّ مناسبة المقام تقتضي كونه نفيا للاستحقاق؛ فإنّه في مقام أنّ اللّه تعالى لا يفعل ذلك و لا يعذب عبده قبل البيان و ليس من شأنه هذه الأفعال. هذا مضافا إلى أنّه لو قلنا بكونه نفيا لفعلية العذاب قبل البيان يلزم كون فعليته ثابتة بعد البيان مع أنّ فعليته بعده غير معلومة (1).

و استشكل على الاستدلال بهذه الآية الكريمة بإشكالات من قبيل: أنّها ظاهرة في نفي الفعلية لا نفي الاستحقاق و هو أخص منه، و نفي الأخص أعم من نفي الأعم. و من قبيل: دخالة عدم بعث الرسول في نفي العذاب، لا مطلق عدم البيان.

و منها قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (2).

و الاستدلال بهذه الآية متوقف على بعض التكلفات؛ فإنّ الاستثناء مفرّغ لعدم ذكر المستثنى منه في الكلام، فلو كان المراد بالموصول التكليف يجب أن يكون المستثنى منه أيضا التكليف، حتى يكون المراد منه: لا يكلف اللّه نفسا تكليفا إلّا تكليفا آتاها، أي أعلمها، و هذا كله خلاف الظاهر؛ فإنّ ظاهرها كون المراد بالموصول المال لا التكليف.

و على فرض كون المراد به التكليف يستلزم الدور، فإنّ التكليف بناء

____________

(1). لا دلالة لنفي الفعلية قبل البيان على ثبوتها بعده. و عدم الإخبار بنفيها بعده يمكن أن يكون لأجل فائدة. و لو سلم دلالته على ثبوتها بعد البيان، فيكفي ثبوتها على سبيل الجزئية و في بعض الموارد، و هو مسلم [منه دام ظله العالي‏].

(2). الطلاق (65): 7.

52

على هذا متوقف على الإعلام و وصوله إلى المكلف، و وصوله موقوف على التكليف.

و اجيب عن هذا الدور بأنّ المراد من التكليف الأوّل التكليف الفعلي، أي لا يكلف اللّه نفسا تكليفا فعليا إلّا تكليفا وصل إليه.

و على كل حال التمسك بمثل هذه الآية للمطلوب لا يخلو عن تكلف.

و منها قوله تعالى‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ (1).

و الظاهر أنّ هذه الآية على ما استدل له أدل من غيرها؛ فإنّ مفادها أنّ اللّه تعالى لا يضل قوما، أي لا يحرمهم عن توفيقه و الإعانات الباطنية التي تسوق الإنسان إلى الكمالات، بعد هدايتهم ببعث النبي و بيان المعارف و العقائد بسبب ارتكابهم مبغوضا حتى يبين لهم ما يتقون، أي حتى يبين لهم أحكامه و ما يجب فعله عليهم و ما يحرم ارتكابه، و ليس من شأنه الاضلال الذي هو قسم من العقوبة على اكتساب السيئات و الخروج عن رسم العبودية بعد هدايتهم ببعث النبي، إلّا أن يبين لهم ما يتقون و ارتكابهم خلاف ما امروا به و ما نهوا عنه و استحقاقهم للاضلال و الحرمان عن الإعانات الباطنية؛ فإنّه على هذا لا يكون اضلالهم و عقوبتهم على خلاف ما يكون اللّه تعالى أهلا له.

____________

(1). التوبة (9): 115.

53

و منها قوله تعالى‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1).

و لكن الاستدلال بها على ما نحن بصدده لا يتم على جميع الاحتمالات المتطرقة فيها؛ فإنّ المراد بالهلكة و الحياة إمّا يكون الروحانية منهما أو الجسمانية، أو يكون المراد من إحداهما الروحانية و من الاخرى الجسمانية، و على جميع هذه التقادير فإمّا أن يكون قوله تعالى «عن بينة» متعلقا بقوله تعالى «ليهلك» و «يحيى» أو متعلقا ب «من هلك» و «من حيّ».

فلو كان متعلقا بالأوّل يكون معناه على احتمال أن يكون المراد بالهلاك و الحياة الروحانية منهما أنّ ما فعل اللّه تعالى ممّا هو مذكور في صدر الآية و هو قوله تعالى‏ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا (2) إنّما فعل لإراءة الحق و إظهار الواقع؛ فإنّ غلبة فئة قليلة على فئة كثيرة خصوصا مع ما كان عليه المشركون من القوة و الشوكة و السلاح يعد من الامور الخارقة للعادة، و فعل اللّه كل ذلك حتى يهلك من هلك عن بينة و يحيى من حيّ عن بينة، كما هو الشأن في إظهار غيره من خوارق العادات.

و على احتمال أن يكون المراد منهما الهلكة و الحياة الجسمانيتين‏

____________

(1). الأنفال (8): 42.

(2). الأنفال (8): 42.

54

يكون المفاد: أنّ ما أنعم اللّه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و المسلمين في غزوة بدر من نصرتهم على المشركين مع قلة عدد المسلمين إنّما يكون لأجل أن يهلك من هلك من المشركين عن بينة و يحيى من حيّ من المسلمين عن بينة.

و أمّا لو كان قوله «عن بينة» متعلقا ب «من هلك» و ب «من حيّ» يكون المعنى أنّ اللّه غلّب المسلمين على المشركين ليهلك الهلكة الجسمانية- على احتمال- من هلك عن بينة و هم أعداء النبي و المسلمين؛ فإنّهم قد رأوا من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) المعجزات الباهرات و مع ذلك لم يؤمنوا، فيكون هلاكهم عن بينة، و يحيى بالحياة الجسمانية من حي بالحياة الروحانية عن بينة و هم المسلمون، أو ليهلك بالهلاك الروحاني- على الاحتمال الآخر- من هلك عن بينة، و يحيى بالحياة الروحانية من حي عن بينة لمزيد بصيرته و ثقته بصدق النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

هذا، و لكن لا يتم الاستدلال بواحد من هذه الاحتمالات على البراءة؛ فإنّه ليست في الآية دلالة على أنّ الهلكة لا تتحقق في جميع الموارد إلّا عن بينة، فيمكن أن لا تكون الهلكة الراجعة إلى الفروع كالهلكة الراجعة إلى الامور الاعتقادية التي لا تتحقق إلّا عن بينة. هذا بعض الكلام في الآيات.

الاستدلال للبراءة بالأخبار

استدلوا للبراءة بروايات لا معارضة لها مع ما استدل به الأخباري‏