تتميم كتاب أصول الفقه للمظفر

- الشيخ غلام رضا عرفانيان اليزدي المزيد...
92 /
9

فهرس التّتميم‏

تقديم 13

المدخل‏

سرّ التّصميم على تقديم التّتميم 15

بادرة الخير 16

الفحص عن الحجّة على التكليف 16

ما وجه وجوب الفحص عن الأدلة؟ 16

رموز الفحص عن الأدلّة 17

تنبيهان 18

1- مقدار الفحص 18

2- الفرق الاصطلاحيّ بين الدليل و الأمارة و الأصل العملى و الدليل الفقاهتي 19

مدار الحكم الواقعيّ و الظاهري 20

أصالة البراءة في لسان الأدلّة الأربعة

قاعدة قبح العقاب بلا بيان تساند البراءة 25

10

الإجماع و السيرة على البراءة في الشبهة المذكورة 25

وجه تقديم العقل و الإجماع على الكتاب و السّنة 27

أصالة البراءة في الكتاب الكريم‏

الآية 7 من سورة الطلاق 31

الآية 15 من سورة الإسراء 32

الآية 115 من سورة التوبة 33

الآية 119 من سورة الأنعام 33

الآية 147 من سورة الأنعام 34

الآيات الظاهرة الباهرة خمس مغنية عن غيرها 35

أصالة البراءة في لسان السنّة

1- صحيحة عبد اللّه بن سنان 39

روايتا ابني سليمان و عمّار بمفاد الصحيحة 41

2- معتبرة مسعدة بن صدقة 41

حديث الحلّ بقوالبه الستة 43

3- حديث الرفع 43

تقوية سند الحديث بروايات معاضدة 44

الاستدلال بحديث الرفع على المطلوب في ضمن مدارج ثلاثة 45

إسناد الرفع الى ما لا يعلم ظاهري 46

ثمرات مهمّة على المدارج و المناهج 48

حكومة الحديث على أدلّة الاحكام 49

11

و قد تبيّن إلى هنا انّ لإجراء الحديث ضوابط ثلاث 50

4- الحديث المعتبر المعروف بحديث الحجب 51

أظهرية حديث الحجب 51

5- مرسل الصدوق المعاضد برواية الأمالى 52

الورود، معناه الشائع: الوصول 54

المرسل من أصرح أخبار الباب 54

الاستدلال بالاستصحاب على البراءة 55

فذلكة البحث 57

أصالة الاحتياط في لسان السنّة

صحيح و موثّق من أخبار الاحتياط 61

تصنيف أخبار الاحتياط بأصناف ثلاثة 62

تحليل علمي فى الاصناف الثلاثة من أخبار الاحتياط 63

تحقيق معنى الشبهة 64

ما ذا جار في الشك في الوجوب و الموضوع؟ 65

اعتراض نهائي و جوابه بملاحظة النسبة بين الأدلتين 66

أقسام الشكّ البدوي 67

الاستدلال على الاحتياط بدليل عقلي 68

جواب الاستدلال المذكور 69

حقيقة العلم الإجماليّ و الشكّ المقرون به 70

الميزان لمعرفة الشبهة الموضوعية الّتي لم تجر فيها البراءة؟ 71

الملاقي لأحد الأطراف المعلوم بالإجمال نجاستة 74

12

تحتّم الاجتناب عن الملاقي كالملاقى 75

الشبهة غير المحصورة، حكمها و ضابطها 77

العلم الإجماليّ التعبّدي 78

الإشارة الى المسالك الأربعة في حجّية الأمارة 78

انحلال العلم الإجماليّ حقيقة أو حكما؟ 79

دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر 80

دوران الواجب بين التعيين و التخيير 83

أصالة التخيير في حالة الدوران بين المحذورين‏

تنقيح موضوع البحث بتفصيل فيه 88

تنجيز العلم الإجماليّ في صورة التمكّن من المخالفة القطعية 89

التخيير في المسألة الاصولية و الفرعية 90

تفنيد مباني الأصحاب في مجرى أصالة التخيير 91

المختار هو العمل على طبق الاضطرار و التوقف 92

13

تقديم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه، الصّلاة و السّلام على رسول اللّه و آله المعصومين المكرّمين.

و بعد، عند ما قدّم لي أخي في اللّه سماحة حجة الاسلام و المسلمين الشّيخ ميرزا غلامرضا عرفانيان حفظه اللّه، التّتميم الّذي ألحقه بكتاب (اصول الفقه) لشيخنا المحقّق المظفّر (رحمه اللّه)، نقلني إلى أجواء النّجف الأشرف قبل أكثر من ربع قرن و إلى أجواء الشّيخ المظفّر و مجلسه العامر بحديث العلم، و صدره الواسع، و قلبه الكبير و همومه الكبيرة، و طموحاته لمستقبل هذه الجامعة التي يقصدها شباب المسلمين لطلب العلم من كلّ فجّ عميق.

و لقد كنّا نجد- و نحن يومئذ شباب، ندرس في هذه الجامعة الكبيرة- في حديث الشيخ و همومه و طموحاته الصّدق و العزم و الوعي فننشد إليه و تتجاوب معه نفوسنا.

و كان شيخنا المظفر يشفع (القول) ب (العمل) ... فلا ينقد دون أن يؤسّس و لا يهدم قبل أن يبني.

فوضع كتاب (المنطق) و كتاب (أصول الفقه) للمشاركة في تطوير المناهج الدراسيّة و تجديد بناء الحوزة العلميّة.

14

و كان مجلس درسه عامرا بنخبة من الفضلاء الشباب الذين تجتذبهم سعة علمه وسعة صدره معا.

و كان اخونا الشّيخ ميرزا غلامرضا عرفانيان حفظه اللّه يومئذ من أولئك الشّباب الذين يحيطون بشيخنا المظفّر، و يستقون من نمير علمه و عذب اخلاقه.

و قد تأثر باستاذه الشّيخ و حمل همومه و طموحاته و كان من أوفى تلاميذه له من بعده و أكثرهم اعجابا و تأثّرا به، و طالما ذكر الشّيخ في اجلال و اكبار و حبّ و احترام.

و من مظاهر وفائه حفظه اللّه بأستاذه الجليل هذا التّتميم القيّم فقد عاجلت المنيّة شيخنا المظفّر و استأثر اللّه تعالى بروحه الطّيّبة قبل أن يكمّل كتابه القيّم الجليل (أصول الفقه)، و شقّ الكتاب طريقه إلى الحوزتين العلميّتين في (النّجف الأشرف) و (قم المقدّسة) و أصبح جزءاً من المنهج الدراسيّ لطلّاب أصول الفقه في المرحلة الإعداديّة (السطح) لهذا العلم رغم النّقص الموجود في آخر الكتاب.

فإنّ المؤلّف (رحمه اللّه) لم يمهله الأجل ليلحق أصالة البراءة و الاحتياط و التخيير بآخر الكتاب ليتمّ بها الكتاب.

فنهض اخونا الشّيخ الجليل ميرزا غلامرضا عرفانيان بهذه المهمّة و كتب هذه الاصول الثّلاثة على النّهج الذي كتب الشّيخ المظفّر (رحمه اللّه) (أصول الفقه)، و ألحقه بالكتاب، لتتمّ بذلك دورة كاملة لأصول الفقه، و عسى أن يحقّق اللّه تعالى به ما حقّق بالأصل من نفع و فائدة و نرجو أن يكمّل به المدرّسون و الطّلاب في الحوزات العلميّة دراستهم لأصول الفقه.

و أن يجدوا فيه من الأصالة و السّلاسة و الفائدة ما يجدونه في (الأصل).

رحم اللّه شيخنا الجليل المظفّر، و حفظ اللّه أخانا الشّيخ ميرزا غلامرضا عرفانيان و بارك في جهده و عمله.

محمّد مهدي الآصفي في شعبان 1411 قم المقدّسة

15

المدخل‏

سرّ التّصميم على تقديم التّتميم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الهادي لذوي العلم و العقول إلى أبواب الفقه و الاصول، و مرشدهم إلى مركز الهداية و أصل الاصول، أبي القاسم محمّد و آله الطّاهرين عليهم الصّلاة و السّلام أجمعين، هداة البشر في السّفر و الحضر.

و بعد: فإنّ كتاب اصول الفقه لشيخنا المؤيّد الاستاذ العلّامة المظفّر- أعلى اللّه سبحانه مقامه- قد وقع نبراسا للممارسين بتعلّم الاصول. و من المؤسف عدم توفيقه لتخريج المقصد الرّابع منه في الاصول العلميّة تماماً، و قد صدر من قلمه الفذّ قسم مختصر في الاستصحاب.

16

بادرة الخير

و كان قد يخلج ببالي ممّا بعد وفاته- (قدّس اللّه نفسه)- أن اكمّل و أتمّم هذا الكتاب- الّذي قد حضرت في النجف الأشرف محاضرات مصنّفه في حلقات تدريسه قسما كبيرا منه- بتحرير ما فات منه و ما لم يتيسّر له ترقيمه و تحقيق منيته به.

و من بوادر الخير أنّه اتّفق لي اجتماع أخيراً مع عالم نورانيّ، ففي جرّاء الكلام أصرّ عليّ بالقيام على تدارك الفائت من المرام، فصار باعثاً مؤكّداً لتحقيق ما هو في بالي، فها أنا خائض في تنجيز المقصود بعون المعين المعبود.

الفحص عن الحجّة على التكليف‏

و أشرع في الكتابة ممّا بعد قوله: لا سيّما مثل أصل البراءة، فإنّ المطلوب منه في مقام العمل نفي التكليف إثباتا للوظيفة و روما لبراءة العهدة منه، و إجرائه مع عدم التفتيش عن الدليل و الأمارة على التكليف الشرعي، جرأة على الشريعة لم يرخّص فيها بانيها.

ما وجه وجوب الفحص عن الأدلّة؟

و بعبارة اخرى: أصل البراءة عن التكليف معناه: مرتبة من الترخيص و الإباحة بحكم الشرع أو العقل في الظاهر، و من هنا عبّر عنه في بعض الأوساط و الحوزات العلميّة بالحكم الظاهري، و الذهاب إليه لم يرخّص لبّا و واقعا إلّا بعد عدم الظفر بالأدلّة على الأحكام الشرعية، و هي على المعروف أربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل، أي إدراك العقل للحكم الشرعي، أو الوظيفة العمليّة من‏

17

مقدمات معتبرة (1).

و بعبارة ثالثة: وجوب الفحص عن الأدلّة على المجتهد جاء من قبل عدم معذوريّة المكلّف المقصّر في التعلّم، و الدليل على عدمها من وجوه:

1- وجوب دفع الضرر المحتمل بحكم العقل الضروري، فإنّ في ترك الفحص عن الحكم الشرعيّ مع القدرة عليه ضررا اخرويّا و لو احتمالا يلزم اندفاعه بتحصيل المؤمّن، و هو هنا ليس إلّا الفحص و التفتيش عن الحجّة على الوظيفة العبوديّة.

2- الأدلّة الدالّة على وجوب تحصيل العلم و لزوم التعلّم لأجل العمل كتابا و سنّة، من قبيل: آيتي النّفر، و السؤال‏ (2)، و الروايات الدالّة على تحتّم التفقّه، و مذمّة ترك التعلّم.

منها: رواية معتبرة لمسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليه السلام)، و قد سئل عن قوله تعالى‏ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، فقال: «إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما؟ فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما عملت؟ و إن قال: كنت جاهلا قال: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة (3).

رموز الفحص عن الأدلّة

3- الإجماع القطعيّ على عدم جواز العمل بأصل البراءة قبل استفراغ الواسع‏

____________

(1) فيه إشارة الى تقدم الدليل و الأمارة على الاصول العملية التي لم يجعل في مؤدّاها غير الخروج بها عن الحيرة، و غير معرفة الوظيفة، و هذا بخلاف مؤدّى الدّليل فإنّه محتو للحكم و التكليف الشّرعي، إمّا الواقعيّ أو الظاهري على ما يأتي شرحه في المتن.

(2) التوبة: 123، و النحل: 45.

(3) أمالي الشيخ الطوسي: الجزء 1، ح 10، و راجع كتابنا الرأي السديد في الاجتهاد و التقليد: ص 8.

18

في الأدلّة على ما ذكره الشيخ الأنصاريّ في فرائده‏ (1).

و لكن يرد عليه: أنّه إجماع مستنديّ و مدركيّ، أي مقتبس ممّا ورد في ذلك من النقل و العقل، و ليس دليلا تعبّديّا مستقلا.

اللهمّ إلّا أن يكون مرجعه إلى حكم العقلاء من نكتة مركوزة عندهم، و هي ثبوت حقّ طاعة المولى الحقيقيّ على المكلّفين حتّى في التكاليف المحتملة و المجهولة إلى أن يطمئنّ بعدمها، فحصا بالمقدار المعقول اللازم عن المؤمّن، و الخطابات الشرعيّة بلسان أدلّة البراءة حسب إطلاقها إمضاء لذلك القانون الارتكازيّ للعقلاء بنطاق واحد، أي بمقدار دائرة الارتكاز.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من الدليل على لزوم الفحص عن الحجّة على التكليف عند الشبهة جار في غير أصل البراءة، حتّى أصالة الطهارة و قاعدتي الفراغ و التجاوز، فكيف بالاستصحاب، و الاشتغال، و التخيير و مطلق الاصول النافية للتكليف؟ و الدليل على التّعميم مفصّلا موكول الى محلّه.

تنبيهان‏

الأوّل: مقدار الفحص، و إنّما حدّه: حصول اليأس عن الظفر بالدليل بمراجعة المصادر و الكتب الموضوعة لدرج الأدلّة فيها و هذا يختلف باختلاف الأعصار.

ففي عصرنا المرسوم هو مراجعة الكتب الأربعة: الكافي، الفقيه، التهذيب، الاستبصار و شروحها، و وسائل الشّيعة و مستدركها، و الوافي، و البحار، و كلّ كتاب روائيّ أو درائيّ يظنّ المجتهد المستنبط بوجود رواية أو مستند فيه.

____________

(1) في خاتمة مباحث البراءة و الاشتغال.

19

و أمّا الفحص عنه في الكتب الممهّدة لعلوم الأدب و المبادئ منها: اللغة الصغرى، و الرجال، و النسب، و التراجم، فالظاهر عدم لزومه؛ لأنّ مراجعة الزائد على القدر المتعارف توجب الخروج عن المتعارف و هو الوصول إلى حدّ اليأس المظنون الاطمئناني من وجود دليل على التّكليف. و أمّا تحصيل العلم باليأس فمع أنّه ربّما يلزم منه العسر و الحرج يلزم منه تعطيل استعلام حال سائر التكاليف، و استنباط بقيّة الأحكام و استخراجها.

الثّاني: الفرق الاصطلاحي بين الدليل و الأمارة و الأصل العملي و الدليل الفقاهتي.

الدليل معناه العام: هو العلّة لفهم الحكم الشّرعيّ علما أو ظنّا اطمئنانيّا، و هو قياس منطقيّ متألّف من مقدّمتين، شرعيّتين أو عقليّتين أو مختلفتين، كان القياس المؤلّف استثنائيّا أو اقترانيّا، تقدّم تلويح إلى ذلك في الجزء الأول: ص 207.

و الدليل بهذا المعنى يشمل جميع الأقسام المذكورة في العنوان، و لكن بحسب الاصطلاح المصطاد من كلام منقول عن مدرسة الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) أنّ كلّ واحد من الأربعة في مقابل الآخر (1). و أجمع التّفسير و أكمله في الفرق و التمييز بينها هو تعبير تلميذ الشيخ الأنصاري: ميرزا موسى في أوائل أوثقه، حيث قال:

«ثمّ إنّ مجمل الكلام في ضابط الأدلّة و الاصول: أنّ ما اعتبره الشارع سواء كان من باب التأسيس أو الإمضاء و التقرير: إمّا أن يكون اعتباره في نفس الأحكام الكلّيّة، أو في الموضوعات الخارجيّة، أو في الأعمّ منهما. و على التّقادير: إمّا أن‏

____________

(1) ذكره الشيخ في الرسائل مرّتين: مرّة في أوائل المقصد الثالث، و اخرى في أواخر بحث الاستصحاب قبل مبحث قاعدتي الفراغ و التجاوز، و تعبيره الثّاني أحسن في الجملة في تشخيص المراد من الدليل الاجتهاديّ و الفقهائي، و الأمارة، و عبارة أوثق الوسائل أجمع و أكمل، و لذلك أوردناها بنصّها.

20

يكون اعتباره من باب الكشف و الإصابة، سواء كان له جهة كشف عند العرف و اعتبره الشارع من هذه الجهة أم لا، و لكن علم من دليل اعتباره أنّ الشارع إنّما اعتبره من حيث الكشف و الإصابة فيكون كشفه حينئذ تعبّديّا.

و إمّا أن يكون اعتباره من باب التعبّد من دون اعتبار جهة كشف فيه، سواء كانت له جهة كشف عند العقلاء أم لا.

فما اعتبره الشارع في الأحكام الكلّيّة من حيث الكشف يسمّى دليلا، و ربّما يوصف بالاجتهادي، و في الموضوعات يسمّى أمارة.

و ما اعتبره من باب التعبّد المحض لبيان كيفيّة عمل الجاهل و الشاكّ في الأحكام يسمّى أصلا عمليّا، و ربّما يسمّى بالدليل الفقاهتي، و في لسان آخر بالدّليل الفقهائي، و هو الأنسب، و في الموضوعات أصلا عمليّا ...» إلى آخره.

مدار الحكم الواقعي و الظّاهري‏

و الحكم المشترك فيه العالم و الجاهل: إمّا واقعيّ أو ظاهريّ.

و للحكم الواقعيّ إطلاقان: واقعيّ أوليّ و هو المستفاد من الأدلّة الاجتهاديّة القطعيّة، و واقعي ثانويّ و هو المستفاد من الأدلّة الاجتهاديّة الظنيّة، و قد يسمّى بالحكم الظاهري.

كما أنّ الحكم الظاهري أيضا له اصطلاحان:

1- ما تقدّم.

2- ما كان مستفادا من التمسّك بالأصل العملي (الدليل الفقهائيّ).

و بعبارة اخرى: الأحكام و التكاليف المشترك فيها العالم و الجاهل لو كانت قطعيّة- أي مستفادة بالأدلّة الاجتهاديّة القطعيّة- فهي واقعيّة أوّليّة. و لو كانت مستنبطة من‏

21

الأدلّة الظنّيّة و معلومة بها فهي أحكام ظاهريّة و واقعيّة ثانويّة. و لو كانت التكاليف مستفادة من الرجوع إلى الدليل الفقهائي- و هو ما يخرج المكلّف من التحيّر في الوقائع و القضايا المشكوك فيها بعد فقدان الدليل الاجتهاديّ، و بعد العلم بعدم خلوها من التكاليف- فهي أيضا أحكام ظاهريّة بحسب ما تمّ تحقيقه في مدرسة الوحيد البهبهانيّ و العصور الّتي بعده، و وظائف عمليّة للشاكّ طبق ما كمل تخريجه في مدرسة الميرزا النائينيّ و من في عصره و تلو عصره من المحقّقين الاصوليّين.

و هذا التنبيه الثاني لقد صدّر الكتاب بمفاده عند الكلام في المدخل، و في ضمن التمهيد هنا، و لكنه لمّا كان غير منقّح و غير متّضح اعيد هنا لأجل المناسبة زيادة للفائدة.

فحينا حان حين الولوج في أدلّة البراءة كتابا و سنّة، و عقلا و اجماعا و استصحابا في الشبهة البدويّة الحكميّة التحريمية.

و أمّا الشّبهة الوجوبيّة و الموضوعيّة فتأتي الإشارة الى خروجهما باتّفاق من المجتهدين و الاحتياطيّين عن محور بحث البراءة (1).

____________

(1) راجع ص 62- 63.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

أصالة البراءة في لسان الأدلّة الأربعة

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

أصل البراءة في لسان العقل و الإجماع‏

قاعدة قبح العقاب بلا بيان تساند البراءة في الشّبهة الحكميّة التحريميّة

نقتصر في الكلام على تقريرهما المناسب للمقام على ما أورده الشيخ الأعظم في فرائده.

و ملخّص ما أفاده في الاحتجاج بالعقل: أنّ إدراك العقل قبح العقاب و استحقاقه على شي‏ء من دون بيان حكمه من المولى أمر ضروري، و شاهده حكم العقلاء بقبح مؤاخذة المولى عبيده على عمل لم يعلمهم حكمه بالحرمة.

و من هنا يعلم ورود هذه القاعدة على قاعدة دفع الضرر المحتمل؛ لأنّها متفرّعة على وجود احتمال الضرر، أي العقاب، و لا احتمال بعد إدراك العقل و حكم العقلاء لقبح العقاب من دون بيان.

الاجماع و السّيرة على البراءة في الشّبهة المذكورة

و حاصل ما قرره في الاحتجاج بالإجماع على المطلوب من ناحيتين:

26

الناحية الاولى:

دعوى ذهاب كلّ العلماء من متأخّري المتأخّرين- و فيهم الاحتياطيّون و المجتهدون- الى البراءة و الأمن عن العقاب على فعل شي‏ء مجهول الحكم، أي: لم يرد فيه دليل عقليّ أو نقليّ على تحريمه.

و هذه الدعوى إنّما هي تنفع بعد إبطال أدلّة الاحتياطيّين عقلا و نقلا، و المسلّم بطلانها على ما يأتي.

الناحية الثانية:

دعوى إجماع جميع العلماء من المتقدّمين و المتأخّرين على أنّ ما يشكّ فيه من حيث الحرمة و لم يرد على تحريمه دليل يجوز ارتكابه، و لا يجب الاحتياط فيه.

و بالإمكان تحصيل هذا النحو من الإجماع من:

1- ملاحظة كلمات العلماء في كتبهم من مباحث الفقه و اصوله و فتاواهم من زمن الكلينيّ و المفيد و الصدوقين و السيّدين و الشيخ الطوسيّ و غيرهم من المشايخ فإنّ اللائح منها عدم وجوب الاحتياط في المسألة.

2- ملاحظة الإجماعات المنقولة و الشهرات المحقّقة من تتّبع كلمات الأصحاب المتضمّنة لدعوى اعتقاد الإمامية و أهل مذهبهم، و اتّفاق المحصّلين و المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة، و إطباق العلماء على أصل البراءة فيما شكّ في حكمه و لم يرد فيه نصّ.

3- ملاحظة سيرة المسلمين، فإنّهم بعد الفحص و عدم وجدانهم الدليل على حكم شي‏ء بانون على عدم وجوب الاجتناب عنه، و بمجرّد احتمال ورود النهي عنه من الشرع لا يعتنون به، و هذا إجماع عمليّ منهم كاشف عن رضا

27

المعصوم (عليه السلام)، و مدلّ على أنّ طريقة الشارع تبليغ المحرّمات لا المباحات، و ليس ذاك إلّا لعدم الحاجة الى بيان الرخصة في الفعل و كفاية عدم وجدان النهي فيه.

وجه تقديم العقل و الاجماع على الكتاب و السّنّة

هذا و إنّما قدّمنا البحث عن مفاد العقل و الإجماع في المسألة لاختصاره، و لأنّ عمدة ما يستدلّ به على البراءة أخذا من الكتاب و السنّة راجعة إلى استقلال العقل، و أنّ الإجماع مستندي، إذ المسلمون- عالما و سوقيا- دأبهم في اتّفاقهم المذكور على وفق ما جاء من الشارع بلسان الوحي.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

أصالة البراءة في الكتاب الكريم‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

أصالة البراءة في الكتاب الكريم‏

استدلّ عليها بآيات:

1- منها في سورة الطلاق الآية 7: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها». و معنى ما آتاها: ما اعطاها و ما اقدرها عليه من الطاقة.

قال الطبرسيّ في المجمع: (و في هذا دلالة على أنّه سبحانه لا يكلّف أحدا ما لا يقدر عليه و ما لا يطيقه) (1).

و تقريب الآية الى نفي الحكم المجهول و براءة الذمّة عنه: أنّ اللّه لا يكلّف نفسا مكلفا إلّا بمقدار قدرتها عليه، أو إلّا بشي‏ء أقدرها عليه، و التكليف بحكم مجهول تكليف بغير المقدور عرفا، إذ الخطاب الشرعيّ وارد على طبق متفاهم العرف.

و بهذا التقريب تكون الآية شاملة لموردها أيضا، و هو خصوص الإنفاق‏

____________

(1) مجمع البيان 10: 309.

32

بقدر الرزق، كما ينظر إليه ما قبلها، و هو: «و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه»، فالمورد لم يخصّص به الوارد، بل هو عامّ، و المعنى على هذا: لا يكلّف نفسا إلّا بدفع مقدار مقدور عليه من المال، و لا يكلّف نفسا إلّا بفعل واجب أو ترك حرام أقدرها عليه، فمجي‏ء الإيتاء بمعنى الإقدار المناسب مع مورد الآية سهّل أمر الاستدلال بها على ما نحن فيه و إن كان في غير المقام قد يناسب أن يكون بمعنى الإعلام.

و على ما ذكرنا فإيراد الشيخ الأنصاريّ على إرادة المعنى الأعمّ باستلزامها لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى مندفع و غير وارد.

و نفس التقريب جار في عديل الآية الشريفة من قوله تعالى في آخر سورة البقرة: الآية 286 «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها».

نظرا إلى أنّ فعل مجهول الحكم أو تركه بعنوان حكم ظاهريّ و وظيفة عبودية خارج عن وسع المكلّف عند عامّة الناس و في عرفهم، فدلالة الآيتين واضحة على المقصود (1).

2- و منها في سورة بني إسرائيل (الاسراء) الآية 15: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»، أي ليس من شأننا أن نؤاخذ و نعذّب الناس دنيويا و اخرويا لا فعلا و لا استحقاقا إلّا بعد أن نوصل إليهم بيانا و نعلم العباد وظيفتهم و نتمّ عليهم الحجّة عقلا و نقلا، فالآية شاملة لبراءة المكلّف عن مخالفة التكليف‏

____________

(1) و في نفس السورة الآية: (233) لها عين الدلالة، و لها أخوات لفظا و دلالة في سور اخرى.

33

المجهول ما لم يصل إليه.

و ببيان آخر: أنّ سياق الآية و سبكها- استقراء لنظائرها- هو نفي تبدّل سجيّة اللّه و تغيّر عادته في القرون الماضية و هذه الامّة المرحومة طرّا بمقتضى الحكمة أن لا يعذّب من دون بيان الحجّة، فإنّ ذلك غير لائق بالمولى اللطيف الحقيقي، فهذا التفسير شامل لنفي العذاب الاخرويّ و استحقاقه، و إلّا فثبوت الاستحقاق مع نفي فعلية العذاب خلاف ما هو لائق للّه سبحانه أن لا يؤاخذ قبل تمامية البيان من العقل و النقل، فدلالة هذه الآية أيضا تامّة على المرام.

3- و منها في سورة التوبة الآية (115): «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ»، معناها يقرب من مفاد سابقتها، أي لم يكن لائقا به سبحانه أن يعذّب قوما في الدنيا و الآخرة إلّا بعد هدايتهم إلى الإسلام، و بعد أن يبيّن لهم ما يرضيه و ما يسخطه. و دلالتها على المدّعى- و هو: عدم تحقّق الذنب بفعل محتمل الحرمة و ترك محتمل الوجوب قبل حصول البيان و وصوله من الشارع- أوضح من أن يخفى، و أدلّة الاحتياط و التوقّف الآتي ذكرها لم يعدّ بيانا ملزما؛ لأنّ مفادها على ما يأتي ليس هو الالزام.

4- و منها في سورة الانعام الآية (119): «وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» تدلّ على إباحة ما لم يوجد تحريمه في الشرع بعد التفصيل و البيان من قبل الشارع.

34

وجه الدلالة: أنّ اللّه سبحانه قد ذمّ على الالتزام بترك شي‏ء لم يوجد تحريمه في الكتاب و السنّة، أي الأدلّة التي بأيدينا، فالمتروك حينئذ مجهول الحرمة، و الالتزام بتركه مورد للتوبيخ بالآية؛ لأنّه تشريع في الظاهر مقابل دستور الشريعة.

و من هذا التقريب يظهر: أنّ ظاهر لسان الآية لسان إبطال وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية التحريمية، فتكون الآية أظهر من أخواتها في الدلالة على المقصود، و هو جريان البراءة و إثبات الإباحة الظاهرية في الشبهة.

5- و منها في سورة الانعام، الآية 147: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً».

دلّت الآية الشريفة على أنّ ما التزمه اليهود بتحريمه على أنفسهم و لم يعلم حرمته فيما أوحى اللّه إلى رسوله من الشريعة افتراء عليه سبحانه من قبلهم فإنّه تشريع محرّم، إذ هو من باب إدخال ما لم يعلم من الدين فيه، فالآية كسابقتها واردة مورد التوبيخ عليهم بأنّهم انصرفوا عن أصل مسلّم عقلائي، و هو:

ما لم يعلم المنع عنه لا يجب ترتيب أثر التحريم عليه، و لا يصحّ الالتزام بتركه، فإنّه قول بغير إذن.

و معنى هذا: أنّه لمّا لم يوجد بيان على الحرمة تكون الوظيفة الذهاب الى البراءة، فبمجرّد عدم العلم بخطاب واقعيّ على التكليف الواقعيّ يكون المكلف مرخّصا ظاهرا في الارتكاب، و يستساغ له الترخيص فعلا في‏

35

الاقتحام، و حقيقة ذلك نفي وجوب الاحتياط.

الآيات الظاهرة الباهرة مغنية عن غيرها

هذا، و هناك آيات اخرى قد استدلّ بها على ما هو هدف الاصولي، و لكن لمّا كانت غير ظاهرة في غرضه فالاكتفاء بالآيات الباهرة الخمس الّتي ذكرناها في إثبات المسألة كان أولى، مراعاة للاختصار و اشتغالا بالأهمّ.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

أصالة البراءة في لسان السنّة

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

اصالة البراءة في لسان السنة

أحاديث عديدة تمسّك بها القائلون بالبراءة في الشبهة الحكمية، لا سيّما التّحريميّة منها، و نحن بقرار الاختصار و اختيار ما هو الأوفى و الأدلّ نكتفي بذكر خمسة منها:

صحيحة عبد اللّه بن سنان تعمّ الشّبهة الحكميّة و الموضوعيّة

1- صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (1). ظاهر الصحيحة فرض إمكان الانقسام الفعليّ للشي‏ء بأقسام ثلاثة:

1- معلوم الحلّيّة.

2- معلوم الحرمة.

____________

(1) رواها المشايخ الثلاثة: الكليني، الصدوق، الشيخ الطوسي بأسانيدهم المعتبرة، انظر وسائل الشيعة 12: 59 ب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 1.

40

3- المشكوك في انطباق أحد القسمين عليه.

و بما أنّ في الشبهة الحكميّة التحريميّة يمكن فرض الاتّصاف بالانقسام المذكور بالفعل، كالشبهة الموضوعيّة فلا مانع من تقريب دلالتها على مشكوك الحرمة، فيقال: إنّ شرب الماء من ملكه حلال، و شرب الماء المغصوب حرام، و شرب الماء المملوك له عن ماعون مغصوب أو مجرى مغصوب أو شربه على الأرض المغصوبة يشكّ في حكمه، فيقال: إنّه شي‏ء فيه قسم حلال و قسم حرام، فهذا القسم المشكوك من الشرب حلال الى أن يعرف عينا بمعرفة تفصيليّة أنّه من أيّ القسمين من كلّيّ الشرب، هل هو من قسم الشرب المباح أو الممنوع؟

و هذا بعين صلاحيّة الصّحيحة لانطباقها على الشّبهة الموضوعية، فيقال:

إنّ هذا المائع الموجود إمّا ماء فهو حلال، و إمّا خمر فهو حرام، و إمّا فرد يشكّ في كونه من أحد القسمين و من أيّ الموضوعين فهو حلال الى أن يعلم أنّه خمر.

و بعبارة اخرى: كلّ شي‏ء كلّيّ قابل للاتّصاف بوصف الحلّيّة و بوصف الحرمة، كاللحم- مثلا- اذا صار مشكوكا في حكمه فالصحيحة تحكم بأنّه حلال ظاهرا الى ارتفاع الشكّ بعلم تفصيلي، فيقال: لحم الغنم حلال، و لحم الأرنب حرام، و لحم الحمير قسم ثالث لا يدرى أنّه حلال أو حرام فهو محكوم بالحلّيّة بنطاق عموم الصحيحة حتّى تعلم حرمته بعينها، أي تفصيلا.

41

فقد عرفت من هذا البيان أنّ الشبهة الحكميّة كالموضوعيّة يتصوّر فيها كون منشأ الاشتباه وجود قسمين معلومين للشي‏ء، فاذا صار مشكوكا موضوعا أو حكما يصحّ أن يدّعى بوضوح، شمول الصحيحة للشبهتين: الحكميّة و الموضوعيّة.

مثال صيرورة الشي‏ء مشكوكا موضوعا هو الشكّ في كون لحم هل من المذكّى أو الميتة؟ و المراد من الغاية: معرفة الحرام تفصيلا كما اشير اليه في دائرة المشتبه كلّيّا كان أو جزئيّا، و هذا واضح.

و مثل الصحيحة في تقريب الدلالة: رواية عبد اللّه بن سليمان، و مرسل ابن عمّار (1).

2- معتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» (2).

قد يقال: إنّها بلحاظ ذيلها و اشتمالها على أمثلة هي من الشبهة الموضوعيّة، فهي ذات قرينة أو محتمل القرينة على اختصاصها بها.

و لكن الصحيح استفادة العموم منها بسياق صدرها، أي: كلّ شي‏ء

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 90 و 92 ب 61 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 1 و 7.

(2) وسائل الشيعة 12: ص 60 الحديث 4.

42

مشكوك حكما أو موضوعا لك حلال حتّى تكشف بالكشف التفصيليّ حرمته و أنّه حرام.

و أمّا الأمثلة المذيّلة فهي من قبيل ذكر النظائر و التمثيل للصدر، و ليست بصدد تطبيقه على الأمثلة كي يقال باختصاصها بالشبهة الموضوعية، بل في الحقيقة أنّها بصدرها في مقام تحقيق أصالة الحلّ و البراءة و بذيلها حاكية عن إنشاءات مختلفة مستقلّة، و على ذلك لا مانع من التمسّك بها على جريان البراءة في الشبهة الحكمية، لا سيّما التحريمية منها.

و الاستبانة و البيّنة المذكورتان في الذيل مشيرتان الى مدلول الغاية المذكور في الصّدر، و ليس المراد من البيّنة معناها المصطلح في مبحث القضاء؛ لأنّ ذلك فيما يكون فيه الترافع، و لا موضوع له في المفروض في المعتبرة.

مع أنّ حكم الحاكم على ما هو الغالب مستند الى علمه، و الاستبانة عنده و قيام البيّنة لديه لا بوصف المجتهد المستنبط الموجّه اليه الخطاب بل بوصف الحاكم القاضي المستهدف بها عنده: معناها اللغوي و هو الحجّة و الدليل.

إذا يرتفع بما ذكرنا التشويش الواقع في بعض الكلمات من أنّ ذكر الاستبانة و البيّنة في المعتبرة منحصرا دليل على اختصاص مصبّها بالشبهة الموضوعية، إذ ارتفاع الحلّيّة في الشبهة الموضوعية كما يكون بهما يكون أيضا بالإقرار، و بإخبار العدل الواحد على المبنى و بالاستصحاب، و بحكم الحاكم و غيرها، كما في الشبهة الحكمية، و على ذلك فالحصر إضافي، و جريانه ممكن في الشبهتين.

43

حديث الحلّ بقوالبه السّتّة

ثمّ اعلم: أنّ حديث الحلّ له في المنابع الروائية و بعض الكتب الاصولية قوالب ستة، قد عرفت منها أربعة: الصحيحة، و رواية عبد اللّه بن سليمان، و مرسل ابن عمّار، و المعتبرة. و الخامس ما ورد في ذيل الخبر المرويّ في أمالي الشيخ الطوسي، و يأتي.

و الكلام في هذه الموارد نفسه في الموردين المتقدمين، و تزيد عليهما بضعف السند، غير أنّها لا تقلّ عن التأييد.

و الاستدلال بالقالب السادس منها على البراءة- و هو: كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام- أيضا قاصر؛ لأنّه شاذّ غير مأثور في كتب الأخبار و إن كان لا بأس به تعاضدا لسلاسته و وضوح دلالته، و لعلّه لأجل هذا استدلّ به الشيخ الأنصاري، و يقوى في النفس أنّه متّخذ و مقتبس من قالب مسند و هو أحد الخمسة.

حديث الرفع‏

3- الحديث المشهور بحديث الرفع المأثور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

«رفع عن امّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا اليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكر في الوسوسة في‏

44

الخلق ما لم ينطق بشفة» (1). و قد وقع التعبير عنه في ألسنة طيبة بالصحيح، و ادّعى بعض الأعاظم بأنّه صحّ عن أئمّتنا (عليهم السلام)، و أسندوه الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فما ربّما يتوهّم من كونه نبويا ضعيفا، ضعيف جدّا. انتهى‏ (2).

و الضعف المدّعى في شأن سنده: لوقوع أحمد بن محمد بن يحيى في الطريق و أنّه غير وثيق، و قد حاول بعض المقرّرين لدرس بعض الأساطين من المعاصرين- (طيّب اللّه رمسه)- بتعويضه بسند آخر معتبر (3). و تحقيق الكلام في ذلك موكول الى مستوى فوقانيّ فوق مستوى كتابنا.

تقوية سند الحديث بروايات معاضدة

و يعاضد السند و المتن أنّه مرويّ في الكافي، عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي رفعه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «وضع عن امّتي تسع خصال» (4) و ساقه بمثل مرسل الفقيه بتعبير «وضع عن امّتي» كما في بعض نسخ التوحيد أيضا، و هو

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة 1: 326 الحديث 601 عن الخصال و التوحيد.

(2) أوثق الوسائل في الاستدلال للبراءة بحديث الرفع: ص 259.

(3) و هو مرسل الفقيه المسترسل بقول الصدوق: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «وضع عن امّتي تسعة أشياء الخ»، جامع أحاديث الشيعة 1: 325 الحديث 600.

(4) الكافي 2: 462- 463 باب ما رفع عن الامّة، أواخر كتاب الإيمان و الكفر، و مرسل الفقيه تقدم مصدره آنفا، و هو فيه في باب: فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه.

45

بمعنى الرفع عنهم.

و مرويّ في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى، عن اسماعيل الجعفي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «وضع عن هذه الامّة ستّ: الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطرّوا اليه» (1).

و في مرسل الدعائم قال جعفر بن محمد (عليهما السلام): «رفع اللّه عن هذه الامّة أربعا: ما لا يستطيعون، و ما استكرهوا عليه، و ما نسوا، و ما جهلوا حتّى يعلموا (2)

الاستدلال بحديث الرّفع على المطلوب في ضمن مدارج ثلاثة

و بعد ثبوت قوّة لسنده متظافرا يتمّ الاستدلال به على نفي وجوب الاحتياط، و على البراءة عن لزوم التحفّظ في الشبهة الحكمية التحريمية و الموضوعية التحريمية بطيّ مدارج ثلاثة:

المدرج الأول: أنّ الرفع الوارد مسند الى وجود الامور التسعة و أنفسها، و لكن في ظرف التشريع، أي: أنّ أكل لحم الحمير المجهول حكما أو موضوعا وجوده التشريعيّ و القانونيّ مرفوع، فليس على آكله حدّ، و ليس متّصفا بالفسق؛ لأنّه لم يفعل حراما.

و بعبارة اخرى واضحة: ظهور حال الشارع في أنّ إنشاء الرفع صادر منه بما

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة 1: 326 الحديث 602.

(2) جامع أحاديث الشيعة 1: 326 الحديث 602 (4).

46

هو مولى ذو اللطف و التفضّل يقتضي بالعناية هذه أن يكون كلّ واحد من الأشياء التسعة مرفوعا عن جميع الامّة حقيقة بوجودها التشريعية لا التكوينية، فإنّها بهذا الوجود ثابتة حسّا، غير قابلة للرفع. و بالوجود التشريعيّ كانت ثابتة إمّا في الامم السالفة، أو لهذه الامّة بداية الأمر، و لذا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في ضمن النصّ مخبر عن إنشاء الشارع المقدّس عزّ شأنه.

فإنشاء الرفع و إسناده الى ذوات الامور المذكورة بلحاظ الإخبار عن عالم التقنين حقيقيّ، لا عنائي و مجازيّ بتقدير المعاقبة و المؤاخذة، فإنّ الأصل عدم التقدير.

و الملخّص: أنّ المراد برفع الامور المذكورة: عدم توجيه الخطاب الوارد في الأدلّة الأولية على نحو يشمل مورد الاضطرار و الإكراه و الخطأ و الجهل و ما الى ذلك إن كان هناك خطاب إلزامي.

اسناد الرّفع الى ما يعلم ظاهريّ‏

المدرج الثاني: أنّ الرفع بالإضافة الى: «ما لا يعلمون» ظاهريّ لا واقعي بحيث إن كان الحكم ثابتا لازيل عن صفحة الوجود و نفي عن دائرة التكليف بهذا الحديث؛ لأنّه يستلزم أخذ العلم بالحكم قيدا لنفس الحكم. و معنى ذلك:

اختصاص التكليف بالعالم به، و هو تصويب مستحيل و مناف مع وجود الإجماع على اشتراك العالم و الجاهل في الأحكام لو لم يكن لأدلّتها إطلاق و ظهور في شمولها لهما، و إلّا فينافي الرفع الواقعيّ للحكم المشكوك إطلاق‏

47

الأدلّة أيضا.

و الرفع الظاهري يقصد نفي وجوب الاحتياط على الجاهل الشاكّ، و أنّه مأمون تجاه وضع الحكم المجهول كلّيّا أو جزئيّا وضعا ظاهريا عليه بإيجاب الاحتياط في حقّه قبال الحكم المجهول.

و بعبارة وافية مختصرة: الرفع متعلق بالمجعول كما أنّ العلم متعلق به، فكأنّ لسان الحديث هو: أنّ الحكم المجعول المجهول فعلا حيث تحقّق مرتفع الى أن يعلم.

المدرج الثالث: أنّ مركز الاستدلال في الحديث و هو «ما لا يعلمون» شامل للشبهتين: الحكمية و الموضوعية معا.

و ما قد يدّعى من عدم تأتّي ذلك- لأنّ في الشبهة الحكمية المرفوع هو الحكم، و في الموضوعية هو الموضوع، و إسناد الرفع الى الحكم إسناد الى ما هو له حقيقي، و الى غيره إسناد الى غيره مجازي، و لا يمكن الجمع بينهما لتعاندهما- مردود: بأنّ إسناده الى الحكم أيضا إسناد الى غير ما هو له مجازى، و إنما هو رفع ظاهريّ بعناية نفي لزوم الاحتياط كما عرفت.

و بالجملة: المراد برفع الحكم و الموضوع المجهولين، رفعهما ظاهرا، أي أنّه لو اشتبه حكم شرب التتن أو اذا اشتبه الخلّ بالخمر فالحديث يدلّ على عدم توجّه الخطاب الواقعيّ بحيث يشمل صورة الجهل كي يكون الاحتياط واجبا في الشبهتين.

48

و فرض جامع معقول بينهما بأن يراد بلفظة الموصول «ما» الحكم المشكوك كلّيا (الشبهة الحكمية) و جزئيا (الشبهة الموضوعية) يصحّح الإسناد، و المصحّح للذهاب الى التعميم هو إطلاق الموصول، و به يحصل الوصول الى ما هو المأمول.

و اختيار هذه المدارج و المناهج المعقولة المفضّلة لها ثمرات مهمّة، منها:

الهرب و الخلاص من الإشكالات الصعبة المضطربة الواردة على هذا الحديث، صفحنا عنها اقتصادا.

ثمرات مهمّة على المدارج و المناهج‏

و من الثمرات المترتبة على المختار: دفع الإيراد عن شمول الحديث لجانب الترك عند الإكراه أو الاضطرار اليه، حيث يقال: رفع الترك مساوق لوضع الفعل، و الحديث لا ينظر الى الوضع، و إنّما هو ناظر الى الرفع، فيمكن الفرار من محذور تعلّق الاضطرار بالترك، إذ على المختار في المدرج الأول لا ضير في شمول الرفع للثبوت التشريعيّ المنطبق على الترك المضطرّ اليه.

مثاله: لو نذر أن يشرب من ماء زمزم فاضطرّ الى ترك الشرب فالمرفوع هو الثبوت التشريعيّ للترك المضطرّ اليه، و معناه: رفع أثره تفضّلا و امتنانا، و هو وجوب الكفّارة، لا أنّ معناه هو رفع الترك كي يكون مساوقا مع وضع الشرب المضطرّ الى تركه فإنّه أثر باطل.

49

حكومة حديث الرّفع على أدلّة الأحكام‏

و من الثمرات: التصوير الصحيح لحكومة (1) هذا الحديث على أدلّة الأحكام الأوّلية، و ذلك بلحاظ نظره و تعرّضه عناية الى حيثية عقد حملها، فيكون الرفع المسند الى الموضوعات التسعة على طراز قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا رهبانية في الاسلام» (2). و من المعلوم أنّ النفي في النصّ راجع بالنتيجة الى المشروعية التي هي حكم منفيّ حقيقة بنفي ثبوت الموضوع (الرهبانية) تشريعا، فعلى هذا التصوير يكون الرفع المنصبّ على ذوات الموضوعات المرفوعة ناظرا الى عقد الحمل لأدلّة الأحكام الأولية.

و معنى النظر: هو طردها عن هذه الموارد تشريعا بعناية طرد الوجود التشريعيّ على النحو المناسب لذوات المرفوعات، ففي «ما لا يعلمون» المناسب هو رفع الشي‏ء المجهول عن موطن التشريع، و برفعه يرفع الحكم تعبّدا عن عقد الحمل للدليل الأوّلي.

و الحكومة هذه تستبطن رفع إيجاب الاحتياط و التحفّظ ظاهرا عن المورد المشكوك إلى أن يرتفع الجهل، و بذلك يثبت جواز الاقتحام في الشبهة، و عدم استحقاق العقاب عليه لو ثبتت مخالفته مع الحكم الواقعيّ الذي هو

____________

(1) لا الورود و لا التخصيص، تقدم الفرق بينها، و كذا كيفية حكومة الأمارات على الاصول العملية في الجزء الثالث من هذا الكتاب: ص 223- 224.

(2) نهاية ابن الاثير 2: 280.

50

مدلول الدليل الأوّلي، فالحكم الواقعيّ لو كان، يصبح محكوما بحديث الرفع عناية.

و فيما لا يطيقون المرفوع هو الثبوت التشريعيّ للفعل الواصل الى حدّ الحرج، كتكليف المكلّف بشي‏ء لا يطيق لامتثاله، كإرادة الامتثال التفصيليّ في التكاليف المجهولة، و برفعه يرتفع في جانب عقد الحمل للدليل الأوّلي العقوبة- التي هي حكم وضعيّ- على ترك الامتثال ... و هكذا، أي قس على هذا سائر الفقرات في الحديث.

و قد تبيّن إلى هنا أنّ لإجراء الحديث ضوابط ثلاث:

1- أن يكون ما يرفع ممّا لا يعلم فعلا أو ترك فعل من أفعال المكلف أو من تروكه، و يكون ملتفتا و قاصدا اليهما.

2- أن يكون في رفعه و إسقاطه تفضّل و لطف و رأفة و رحمة على الامّة، و اذا كان شيئا في رفعه كلفة و مشقّة عليهم و لو على بعضهم فلا يجري، كالحكم ببطلان بيع من اضطرّ الى بيع داره- مثلا- فإنّ في رفع بيعه تشريعا بالحكم ببطلانه زحمة و تحميل عليه، و كذا لو اكره زيد متوعدا على ضرب شخص بأنّه إن لم يضربه يضرب فلا يجوز لزيد أن يضربه تمسّكا بالحديث، بل عليه أن يتحمّل الضرب؛ لأنّ رفع الحرمة عن ضرب ذلك الشخص غير مشروع؛ بالنظر الى أنّ رفعها مستلزم لعدم الحبّ و الودّ على جميع الامّة و إن كان بالنسبة الى زيد على طبق المنّة.

و الرفع في الحديث اذا يثبت الصعوبة و المشكلة على طرف فهو على خلاف‏

51

سياقه، حيث إنّه اجري مجرى الإحسان و الامتنان.

3- أن يكون متعلّقا أو موضوعا- أي متعلق المتعلّق- للحكم الشرعي، فحينئذ يكون له الثبوت الشرعي، فيكون وضعه بيد الشارع و لو بإيجابه الاحتياط و عدمه.

الحديث المعتبر المعروف بحديث الحجب‏

4- حديث الحجب: ورد في معتبرة أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم» (1).

ظاهره أنّ الشي‏ء الذي حجبه اللّه و ستره عن عباده (بلحاظ أنّه فعّال لما يشاء و خبير بالمصالح و أزمّة الامور طرّا بيده و لا يسأل عمّا يفعل) فهو موضوع و مرفوض عنهم بعد جعله و وضعه عليهم، لا ما سكت عنه سبحانه و تعالى و لم يجعله من الأول، فإنّ ما كان غير مجعول من بدء الأمر كيف يصحّ أن يرفع؟

أظهريّة حديث الحجب‏

و ببيان آخر: ظاهر الحجب المسند إليه تعالى أنّ ما حجبه عن عباده باعتبار أنّه ربّهم و صاحب اختيارهم فهو مرفوع عن عمومهم عموما استغراقيا،

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة 1: 326 الحديث 606 (8). و في الوسائل 18: 119 الحديث 28 «ما حجب اللّه علمه عن العباد ...».

52

لا عموما جمعيا؛ كي لا تشمل المعتبرة الأحكام التي يجهلها بعضهم دون بعض، سواء كان وجه الحجب أمرا من الامور الخارجية- كإخفاء الغاصبين، أو قهر سماويّ أو جبابريّ كضياع الكتب و هلاكها من قبيل التصانيف الكثيرة لمحمد بن أبي عمير حيث سال المطر عليها، أو دفنتها اخته حينما كان في الحبس و تحت الضغط أربع سنين- أو غير ذلك من قبيل عدم كون المعصوم مأمورا بإبلاغه الى العباد.

و في كل ذلك يصدق إسناد الحجب (حجب الحكم الواقعيّ) اليه سبحانه حقيقة، حيث إنّه ربّ العالمين و خالق الكون و التكوين.

و قد يقتضي بعض المصالح إخفائه و ستره و لو بسلب التوفيق عن العباد لا بسبب تقصيرهم، و ذلك بعدم فحصهم عن الحكم الواقعيّ الفعليّ على ما يشير اليه لفظ: «موضوع عنهم»، أي الحكم الواقعيّ الفعليّ المحجوب المجهول ساقط و مرفوض و متروك عنهم لطفا و رأفة فلا يجب عليهم الاحتياط، و في الحقيقة المرفوع في حقّهم هو إيجاب الاحتياط.

و بهذا الشرح المختصر لهذا الحديث المعتبر ظهر أنّه في واقعة البراءة في الشبهة الحكمية أظهر من حديث الرفع على ما تقدم، و من غيره على ما يأتي؛ لخلوه عن تلك التشاويش و التفاصيل.

مرسل الصّدوق المعاضد برواية الامالى‏

5- ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا عن الصادق- (عليه السلام)- أنّه قال: «كلّ‏

53

شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (1).

و ورد في أمالي الشيخ الطوسيّ ما يقرب من المرسلة بسند غير نقي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر و نهي، و كلّ شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا ما لم تعرف الحرام منه فتدعه» (2).

ظاهر المرسلة و المسندة: أنّ كلّ شي‏ء أو جميع الأشياء المشكوك فيها أنّها محلّلة أو محرّمة فهي مطلقة مباحة بالإباحة الظاهرية المولوية الى أن يصل الى الشاكّ نهي و منع مولويّ عن الاقتحام في المشكوك، أو يصل اليه أمر مولويّ بالتجنّب عنه و الابتعاد منه، و معنى الأمر هكذا هو النهي عن الاقتراب اليه.

و إن شئت ففكّك في الاستدلال على البراءة في الشبهة بين المرسلة و المسندة فيتمسّك بالمرسلة بأن يجعل المراد من الشي‏ء هو عنوانه الثانوي‏ (3)، فيقال: إنّه حلال ظاهرا الى أن يصل الى المكلّف في شأن المشكوك: نهي واقعيّ و حجّة تامة.

و القرينة على ما ذكرنا: أنّ الإباحة المستفادة من المرسلة بإخبار المعصوم‏

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة 1: 328 الحديث 613 (15).

(2) المصدر: ص 328- 329.

(3) لا الشي‏ء بعنوانه الواقعيّ الأوّلي، فإنّه لا معنى للقول بأنّ كلّ شي‏ء مباح واقعا الى أن يرد فيه النهي واقعا، إذ هو من باب إثبات ضدّ برفع ضدّه الآخر، و هو توضيح الواضح.

54

صادرة من الشارع بما أنّه شارع في مقام إثبات السعة على الشاكّ المتحيّر، فهي دالّة على الحكم الشرعي المولوي، و ليست ناظرة الى حكم إرشاديّ بلحاظ أنّ الإطلاق إطلاق شرعيّ مولويّ مساوق مع الإباحة الظاهرية.

إن قلت: إنّ هذا التخريج صحيح فيما لو كان الورود بمعنى الوصول فقط و قد استعمل في الصدور و لا معين في كونه ظاهرا هنا في الأول فيصبح اللفظ مجملا لا يستفاد منه شي‏ء.

الورود معناه الشّائع: الوصول‏

قلت: نعم، إنّه استعمل في الصدور لكن نادرا، و معناه الشائع هو الوصول، مضافا الى دلالة قرينة داخلية على تأكّد انصراف اللفظ الى المعنى الشائع، و هي صدور لفظي «الورود» و «الإطلاق» عن كرسيّ الشرع و محكمة المولى مولويّا تحبّبا و تكرّما على الأحباب.

المرسل من أصرح أخبار الباب‏

و عليه أنّها من أصرح أخبار الباب في الدلالة على السعة تجاه الحكم المجهول كليّا أو جزئيّا، و مقدمة على أخبار الاحتياط الآتية لو لا ضعف سندها و إن كانت معاضدة و مؤيّدة بمسندة الأمالي، و فيها زيادة دلالة على البراءة في الشبهة الحكمية الوجوبية، و هي ثبوت الإطلاق و السعة الى وصول الأمر الى‏

55

المكلّف أيضا إن لم يكن الأمر بشي‏ء عين النهي عن ضدّه، و إلّا فالتشريك المتقدّم يكون نافعا.

و يؤيّده أنّ المرسلة نقلت عن عوالي اللئالي بتعبير: «نصّ»، بدل «نهي» (1).

و بعد من السّنة بقيت أحاديث اخرى حاول الاصوليّون الاستدلال بها على البراءة، و هي مخدوشة مجموعا سندا و دلالة، و فيما تمسّكنا به من الأحاديث المعتبرة مع ما يؤيّدها كفاية على المطلوب و يؤجّل الحديث عنها الى سطح فوقاني، أو بحث عال خارجي.

الاستدلال بالاستصحاب على البراءة

و يمكن تكميل الاستدلال بالسنّة على البراءة باستصحابها بناء على ما هو الحقّ المختار من حجّيته من باب الأخبار، فيقال: إنّ مفاد دليل الاستصحاب هو الشي‏ء الذي متيقّن سابقا و يشكّ في بقائه لاحقا. و بالإمكان تصوّر المتيقّن هنا بأحد لحاظين:

1- عدم التكليف اليقينيّ بلحاظ ما قبل الشريعة.

2- العدم بلحاظ ما قبل التكليف و بعد التميز، و هو حدّ ما قبل الكمال،

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة 1: 328 برقم 613 (15).

56

فالمكلّف اذا شكّ في أنّه بالفعل هل هو مكلّف بلزوم الاحتياط تجاه ما يحتمل حرمته أو وجوبه؟ يجري استصحاب عدم جعل الحكم من الأول باللحاظ الأول؛ لأنّ وضع الأحكام كان تدريجا، و باللحاظ الثاني يجري استصحاب عدم تحقّق الفعلية فعلا للحكم الذي لم يكن عليه ثابتا قبل كماله.

و من المعلوم أنّ المصحّح لجريان الاستصحاب هو أن يكون المستصحب صالحا لورود التعبّد عليه، و عدم جعل الحكم مستمرّا و بقاء و عدم فعليته كذلك له تلك الصلاحية، و لا يلزم أن يكون هو أو أثره مجعولا شرعيا، و أثر استصحاب هذا العدم هو تحصيل المؤمّن على وجه التنجيز أو التعذير.

مضافا إلى جواز أن يجعل المستصحب عدم النهي من الاقتحام أو الترك قبل بلوغه و تميزه فالآن كما كان.

و هذا الاستصحاب مقدّم على دليل الاحتياط لو تمّ له ظهور في اللزوم، فانّ موضوعه احتمال النهي و المنع و ثبوت التكليف، و الاستصحاب رافع لهذا الاحتمال، و حينئذ ينصرف ذاك الظهور الى موارد العلم الإجماليّ و الشكّ في المكلّف به.

قد يقال: إنّ الاستدلال بالاستصحاب على البراءة مغن عن القيل و القال في جهة الاستدلال عليها بالأدلّة اللفظية و العقلية؛ لأنّه من الأدلّة المحرزة، و بلحاظ إحرازة اللسانيّ مقدم على سائر الاصول العملية. و لقد قرع الأسماع أنّ الاستصحاب عرش الاصول و فرش الأمارات، و معه يكون الاستدلال على البراءة بالكتاب و السنّة و العقل و الإجماع لغوا.

57

و يجاب عن المقال: أنّ من الواضح وحدة مفاد أدلّة البراءة المذكورة، و مفاد دليل الاستصحاب في هذا الباب بلا تناف و تعاند، و عليه فكلّ واحد دليل مستقلّ برأسه، و من كان غير مذعن بأحدهما أو غير ملتفت اليه فليحصل التأمين بالتنجيز أو التعذير بذاك الآخر.

و يمكن الاستفادة من الاستصحاب فيما اذا عومل مع دليلي البراءة و الاحتياط معاملة المتكافئين المتعارضين، و بعد التساقط يرجع الى استصحاب عدم فعليّة التكليف من الأول الى الآن، و تأتي الإشارة الى ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

فذلكة البحث: أنّ المقصد الرابع من الكتاب الحاضر موضوعه الشكّ بالحكم و التحيّر فيه، أي عدم تمامية دليل عليه عند الباحث. و الشك على قسمين:

1- شكّ بدوي، و أنّه محور أصل البراءة، كنا نحن في مقام التماس الحجّة عليه و قد فرغنا- بحمد اللّه- الى هنا عن إقامة آيات خمسة و أحاديث كذلك و كذا الاستصحاب على البراءة.

2- شكّ محفوف بالعلم الإجمالي، يأتي كلام حوله يناسب وضع الكتاب.

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}