تحرير الأصول

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
509 /
3

[مقدمة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد الانبياء و خاتم المرسلين و على آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين‏

اما بعد فغير خفى على ذوى الالباب ان اشرف علم ينتفع به الانسان و يبنى به سعادة دنياه و عقباه هو العلم بالدين و احكامه المسمى بعلم الفقه. و لا ريب فى انه يتوقف على مقدمات عديدة من جملتها بل من اهمها علم الاصول فان الاصول كما يظهر من اسمه يكون كالاصل الذى يتفرع عليه اغصان الفقه و ازهاره‏

4

و يتجرى منه مجاريه و انهاره و يتضح به مسالكه و اهدافه. و حقيق ان يقال انه بدون الاصول الحقيقى الذى يكون بمعنى غور الفكر فى المبادى و احاطته على المبانى يصير الفقه كالجسد بلا روح لا يحرك و لا يتحرك و كالمشعل بلا نور لا ينور و لا يتنور. بل حقيق ان يقال انه بدون الاصول لا يكون الفقه فقها اصلا لان الفقه عبارة عن استنباط الاحكام من منابعها و مناشئها و هذا لا يتم بل لا يحصل إلّا مع المعرفة التفصيلية بكيفية الاستفادة منها بوسيلة التطلع على النواميس العرفية و العقلية و الشرعية المتقررة فى علم الاصول تطلعا شاملا عميقا حتى يحيط بسببه على جوانبها المختلفة و يقدر على تطبيقها على مواردها الكثيرة بالوجوه الصحيحية اللائقة.

ثم ان علم الاصول و ان كان من البدو مطرحا لانظار العلماء و الفضلاء فى الحوزات العلمية و قد اودعوا نتائج مجهوداتهم المشكورة فى تصانيفهم الكثيرة القيمة إلّا انه و خصوصا مباحثه العقلية لم يقرب الى الكمال حتى زمن الشيخ الانصارى صاحب الفضيلة و النفس الزكية فانه قد ابتكر فيها بطرح مسائل مهمة و ابداع المعانى اللطيفة و النكات الدقيقة ما تفتتح بها المناظر العالية تجاه الافكار الغالية.

و قد اتبعه فى مشيه النافذ العقلانى، المتأخرون عنه عموما و فى مقدمتهم الآخوند و العلمان النائينى و العراقى خصوصا فبذلوا غاية جهدهم حول اثره الكبير الاصولى و هو رسائله الذى صار الى الآن من محاور البحث فى كل محفل علمى و ظهر نتيجة جهدهم المتزايد المتواصل بصورة تقريرات تشبه بالرسائل مطلبا و تزيد عنه تنقيحا و تنظيما.

و لكن يمكن ان يقال مع الاسف: انه و ان صنف فى الاصول قديما و حديثا كتب كثيرة إلّا ان اكثرها لا يخلو من خلل مخلة يصعب معها النيل بمطالبه لغالب طلابه كالايجاز المخل او الاطناب الممل او الاغلاق فى البيان و العبارة او

5

الاشتمال على مسائل غير مثمرة. و لذا قد سعينا سعيا وافرا حسبما يقتضيه الحال و ضيق المجال لان يسلم هذا الكتاب من الخلل المزبورة و امثالها حتى يصير مفيدا بكل الافادة لمن يكون فى مقام الاستفادة.

و هذا الكتاب يكون تقريرا لبحث الاستاذ المعظم شيخ الفقهاء و المجتهدين حضرة آية اللّه العظمى الحاجى ميرزا هاشم الآملي ادام اللّه ايام افاضاته. و لقد استفاد سنين كثيرة من محضر العلماء العظام الكرام، كالاستاذ الحائرى فى قم المشرفة، و كالآيتين الأصفهانيين سيد ابو الحسن و الحاج شيخ محمد حسين المعروف بالكمپانى و الشيخين العلمين النائينى و العراقى فى النجف الاشرف، و كان اكثر استفادته فى الفقه من محضر الآية السيد الاصفهانى و فيه و فى الاصول من محضر الاستاذ، العراقى فاصبح بتوفيق اللّه و بجده الدائم متبحرا فى العلمين حتى صار من كبار المؤسسين فيهما و من عظماء اساتذتهما بقم المشرفة صانها الله عن كل بلية.

و لقد حضرت سنين كثيرة فى مجالس درسه فى الاصول فوجدته خاليا عن الفضول و حاويا على المأمول، دقيقا فى بحثه و صائبا فى نظره كاستاذه المفخم الشيخ العراقى الذى قد ربى فى ظل عناياته و اخذ منه اكثر آرائه و تحقيقاته. و لقد قرر بعض ابحاث استاذه فى كتابه المسمى ببدائع الافكار فى النصف الاول من المباحث اللفظية و هذا الكتاب يقرر بعض ابحاثه المشتمل على لباب تحقيقاته و تحقيقات اساتذته فى النصف الآخر من المباحث العقلية فكان ذلك المبتدأ و هذا المنتهى.

و لقد سميته بتحرير الاصول لتحريره به و علقت عليه بعض التعاليق المناسبة لبعض مطالبه و اعرضت عن ذكر جميع التعاليق التى سنح ببالى حذرا من اطالة الكلام الموجب لملالة الافهام.

و ينبغى ان نشير هنا الى بعض مزايا هذا الكتاب ليكون المطالع على ذكر منها.

6

الاول انه مشتمل على الابحاث المهمة النافعة من الاستصحاب و ما يلحق به من القواعد الهامة التى يبتلى بها فى الفقه كثيرا، كقاعدة اليد، و قاعدة التجاوز و الفراغ، و اصالة الصحة و قاعدة القرعة، ثم التعادل و التراجيح مع تحقيق كامل لا يكاد يوجد فى محل آخر خصوصا بالنسبة الى القواعد المزبورة و احترز مع ذلك عن ذكر المطالب التى تكون غير نافعة او غير مهمة فيكون الكتاب من هذه الجهة واجدا للفوائد و خاليا عن الزوائد إن شاء الله تعالى.

الثانى انه قد ذكر فيه الانظار المختلفة المهمة و الآراء المتخالفة الرائجة بحيث تزيد بصيرة المتطلع بالنظر اليها فقديما ما قيل «بمقابلة الآراء تعرف مواضع الصواب و الخطاء». فيكون الكتاب من هذه الجهة معركة لانظار المحققين بل مجتمعة لحاصل كتب العلماء الاساطين و خصوصا الرسائل و الكفاية و تقريرات النائينى و العراقى.

الثالث انه قد بوب و نظم مطالبه بالوجه الاكمل الذى يجد المطالب مطلوبه فيه بلا صعوبة و بين ايضا بالبيان الواضح الذى يتضح المراد منها على المطالع باول مطالعة. فيكون الكتاب من هذه الجهة سهل التناول لاهل الفضل لاعاليهم بل لاوساطهم و ادانيهم.

نرجو من الله تعالى ان يقبله منا بمنه و كرمه و ان يجعله ذخيرة لآخرتنا و وسيلة لاستفادة اخواننا بحق محمد و آله الطيبين الطاهرين.

المقصد الثالث فى الاستصحاب‏

و قبل ذكر ادلة حجيته لا بد من الاشارة الى امور:

الامر الاول: [حول تعريف الشيخ و النائينى و ما يرد عليه‏]

ان الاستصحاب فى اللغة يكون بمعنى اخذ الشى‏ء مصاحبا و منه استصحاب اجزاء ما لا يؤكل لحمه فى الصلاة. اما فى الاصطلاح فقد عرف‏

7

بتعاريف مختلفة نكتفى بذكر بعضها رعاية للاختصار و ان كان مثل هذه التعاريف تعاريف صورية لا تظهر بها الحقيقة.

فمنها ما قاله الشيخ و هو ابقاء ما كان. ثم فسره قده بالحكم بقاء ما كان و قد ايده استاذنا العراقى بان هذا التعريف مع اختصاره يكون اتقن تعاريف الاستصحاب و ملائما مع جميع ادلة حجيته التى عبارة عن الاخبار و حكم العقل و بناء العقلاء. لان كل واحد من هذه الادلة يدل على الحكم ببقاء ما كان كما سيأتى تفصيله.

و لكن يرد على ذاك التعريف و هذا التأييد اشكالات.

الاول ان الحكم لا يمكن ان يتعلق بالبقاء اصلا لان البقاء لا يكون من اعمال المكلفين حتى يمكن طلبه منهم بل يكون من الامور الانتزاعية التى تنتزع من استمرار الشي‏ء غاية الامر انه قد يكون الباعث على استمرار الشي‏ء اعمال المكلفين. و لكن هذه الاعمال الباعثة عليه لا تكون بقاء للشي‏ء بل تكون ابقاء له كما ان الحكم بها ايضا لا يكون حكما ببقاء الشي‏ء بل يكون حكما بابقائه.

الثانى ان الحكم بالبقاء او الابقاء انما يتم على فرض كون دليل حجية الاستصحاب الاخبار لانها تدل على حرمة نقص اليقين السابق فى ظرف الشك فيه الملازمة للحكم بوجوب ابقائه بترتيب آثاره عليه. و بعبارة اخرى انها تدل على وجوب الابقاء و الاستمرار الذى يكون حكما و لا تحكى عن نفس الابقاء و الاستمرار الذى يكون عملا. و هذا بخلاف ما اذا كان دليل حجيته بناء العقلاء او حكم العقل فانه لا يدل شي‏ء منهما على حكم الاستمرار بل يحكى عن نفس الاستمرار بمعنى ان بناء العقلاء فى الاستصحاب عبارة عن الجرى العملى على ابقاء آثار اليقين السابق فى ظرف الشك و لا ريب فى ان هذا الجرى الذى يكون امرا قهريا اجنبى عن مقام الحكم بالابقاء و كك الكلام بالنسبة الى حكم العقل فانه ايضا لا يكون بمعنى انشاء وجوب ابقاء اليقين السابق فى ظرف الشك فيه بترتيب آثاره عليه بل يكون بمعنى تصديق الملازمة بين حدوث الشي‏ء و بقائه‏

8

ما لم يثبت خلافه و ان كان هذا التصديق مستتبعا لترتيب آثاره عليه قهرا فى ظرف الشك فى بقائه مثلا.

الثالث ان حجية الاستصحاب الذى نكون بصدد اثباتها لا تتم مع التعريف المزبور لان الحجية لا تكون إلّا باعتبار احد الامرين.

الاول ما نعلم وجوده و نبحث عن حجيته كالشهرة و امثالها التى يبحث عنها بحثا حكميا بمعنى انه يبحث عن انها هل تكون حجة او لا تكون حجة لا انها هل تكون موجودة او لا تكون موجودة اذ لا شك فى وجودها.

الثانى ما نعلم حجيته و نبحث عن وجوده كالمفاهيم و امثالها التى يبحث عنها بحثا موضوعيا بمعنى انه يبحث عن انها هل تكون موجودة او لا تكون موجودة لا انها هل تكون حجة او لا تكون حجة اذ لا شك فى حجيتها على فرض وجودها لان المفاهيم عبارة عن المدلولات الالتزامية و هى تكون فى رتبة المدلول المطابقى من جهة شمول دليل الاعتبار لهما معا و ان كانت متأخرة عنه وجودا.

و انت خبير بان الاستصحاب بمعنى الحكم بالبقاء او الابقاء لا تكون فيه جهة الحجية لا باعتبار الامر الاول و لا باعتبار الامر الثانى اما باعتبار الامر الثانى فواضح و اما باعتبار الامر الاول فلان الحكم بالبقاء على فرض تسلمه يكون نتيجة الحجة لا نفس الحجة. و بعبارة اخرى الحكم المزبور يكون فقهيا لا اصوليا لان الاصول عبارة عن الحجة التى تقع فى طريق الحكم و لا يكون نفس الحكم.

و منها ما قاله النائينى قده و محصله ان دليل حجية الاستصحاب منحصر بالاخبار و هى تدل على انه حكم شرعى ببقاء الاحراز السابق من حيث اثره الذى عبارة عن الجرى العملى على طبقه.

ثم قال بهذا التعريف يمتاز الاستصحاب عن ساير الاصول العقلية و الامارات اما عن ساير الاصول فلانها لا تشتمل على جهة الاحراز و لذا لا تندرج تحت التعريف المزبور الذى يشير الى جهة احراز الاستصحاب و اما عن الامارات فلان دليل‏

9

اعتبارها يجعل الواقع المكشوف بها فردا تنزيليا لليقين او المتيقن بنحو الاطلاق مع انه لا يستفاد هذا من التعريف المزبور للاستصحاب بل انما يستفاد منه لزوم ترتيب الاثر العملى المنظور فقط.

و يرد عليه ايضا اشكالان الاول ان اخذ الاحراز فى تعريف الاستصحاب لا يتم على مسلكه من ان الروايات الواردة فيه كقوله (ع) لا تنقض اليقين بالشك تجعل المشكوك بمنزلة المتيقن و لا تجعل الشك بمنزلة اليقين و مع عدم صيرورته بمنزلة اليقين فلا يكون هناك احراز اصلا حتى يؤخذ فى التعريف نعم هو يتم على مسلكنا من ان الروايات الواردة فيه تجعل الشك بمنزلة اليقين فتعطى لنا اليقين التنزيلى الذى يكون بمعنى الاحراز فى الحقيقة.

الثانى ان اخذ الاحراز يكون بمعنى الكشف عن الواقع و لكن الاقتصار على الجرى العملى يكون باعتبار عدم الكشف عن الواقع فاجتماعهما فى التعريف يكون بمعنى اجتماع الاحراز و عدم الاحراز و هذا يكون اجتماعا للنقيضين.

ثم انه ربما يقال بعدم امكان اخذ الجامع بين مفاد الادلة التى استدلوا بها على حجية الاستصحاب و لذا لا يلائم شي‏ء من تعاريفه مع جميعها لان المستفاد من الاخبار مثلا يمكن ان يكون اصلا محرزا للواقع و يمكن ان يكون اصلا عمليا غير محرز للواقع و لكن المستفاد من بناء العقلاء او حكم العقل لا يكون إلّا اصلا عمليا غير محرز للواقع.

و يرد عليه ان المستفاد من بناء العقلاء او حكم العقل ايضا يمكن ان يكون اصلا محرزا للواقع بل يكون الظاهر منه هذا لانه يشكل قبول التعبد للعقل و العقلاء بما هم عقلاء حتى يحمل بنائهم عليه بل يكون بنائهم بلحاظ احراز الواقع عندهم غالبا و لو من حيث كشف الجرى العملى عنه ظاهرا. (1)

____________

(1)- التعاريف التى ذكرت للاستصحاب او لغيره من الموضوعات الشرعية و غير الشرعية و ان كانت تعاريف صوريه لا حقيقيه اذ يشكل جدا درك حقايق-

10

الامر الثانى: [فى ان الاستصحاب يكون من المسائل الاصولية او الفقهية]

انه قد اختلف فى ان الاستصحاب يكون من المسائل الاصولية مطلقا او يكون من القواعد الفقهية مطلقا ام يفصل بين الاحكام و الموضوعات فيكون‏

____________

الاشياء و كذا ابرازها لافهام العامه إلّا انه لا يبعد ان يكون اتم تعاريفه هو ان يقال:

ان الاستصحاب عبارة عن الحكم بالعمل وفق ما كان ما لم يثبت خلافه فان هذا التعريف لا يشتمل على عنوان البقاء المذكور فى تعريف الشيخ كما لا يشتمل على عنوان الاحراز المذكور فى تعريف النائينى و لذا لا يرد عليه الاشكالات الواردة عليهما اضف الى هذا ان الاستصحاب و ان كان جريا عمليا بترتيب الآثار المتيقن السابق فى ظرف الشك فى بقائه إلّا ان هذا الجرى العملى لا يكون عاريا عن الحكم به اذ العمل العارى عن الحكم يكون عملا عمياء لا يناسب شأن العقلاء الذين يلتفتون غالبا الى مبادى اعمالهم و غاياتها و لو اجمالا و لا ريب فى ان هذا الالتفات الذى يكون هو المنشا للجرى العملى موجب للحكم به بل يكون هو هو فى الحقيقة و بعبارة اخرى نفس استناد الجرى العملى الى العقلاء حاكى عن حكمهم الابرازى او الارتكازى بوجوب اتباع المتيقن السابق فى ظرف الشك فيه و إلّا لا يتصور وجه لجريهم العملى على وفقه بل يصير لغوا فى الحقيقة و لذا اندرجنا لفظ الحكم فى تعريفنا كما اندرجه الشيخ و النائينى فى تعريفهما غير ان الحكم فى تعريفنا قد تعلق بالجرى العملى و لكنه فى تعريف الشيخ قد تعلق بالبقاء او الابقاء و فى تعريف النائينى قد تعلق بالاحراز و لذا لا يرد على تعريفنا ما يرد على تعريفهما.

نعم يبقى هناك بيان علة هذا الالتفات و الجرى العملى و انها عبارة عن نفس اليقين السابق من حيث انه مقتضى للتأثير بقاء ما لم يثبت خلافه او عبارة عن الامور الاخرى و لكن هذا كله يكون من مبادى الشى و لا يكون دخيلا فى حقيقته حتى يلزم ذكره فيه.

11

اصوليا فى الاول و فقيها فى الثانى فيه اقوال.

يظهر من بعض كلمات الشيخ انه يكون من القواعد الفقهية لا المسائل الأصولية و استدل عليه بما محصله ان المسألة الأصولية عبارة عما يقع كبرى فى طريق استنباط الحكم الشرعى او تنتهى اليه وظيفة المجتهد بعد اليأس عن الظفر بالدليل على الحكم الشرعى و لكن الاستصحاب لا يكون كبرى لاستنباط الحكم او الوظيفة بل يكون قاعدة كلية فقهيه نظير قاعدة لا ضرر و لا ضرار و قاعدة يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و غيرهما من القواعد التى تستفاد من الروايات كرواية لا تنقض و امثالها و تنطبق على مواردها الكلية و الجزئية.

و يرد عليه ان القاعدة الفقهية لا تجرى فى جميع ابواب الفقه بل تجرى فى بعضها كما اوضح فى محلها و هذا بخلاف الاستصحاب فانه يجرى فى جميعها و مجرد استفادته من الروايات لا يجعله قاعدة فقهيه كما ان استفادة حجية الخبر الواحد او الشهرة او الحجج الاخرى منها لا تجعلها قاعدة فقهيه بل تكون مع هذا مسئلة اصوليه لانطباق ضابط الأصولية الذى اشير اليه على جميعها و بعبارة اخرى يكون لجميعها دخل قريب لا بعيد فى الاستنباط لانه يتركب من كل واحد منها بضميمة كل واحد من مواردها قياس تستنج منه الاحكام الواقعية او الوظائف العملية الظاهرية.

و اختار النائينى التفصيل المذكور آنفا و استدل عليه بان المسألة الأصولية لا بد من ان تكون كلية حتى يمكن ان تقع كبرى للاستنباط فان كان مورد الاستصحاب موضوعا شخصيا كحالات المكلف التى يكون امر انطباق الاستصحاب عليها بيده لا بيد المجتهد فلا ريب فى ان النتيجة الحاصلة من انطباقه عليها لا يكون امرا كليا حتى يقال بانه قد وقع كبرى فى طريق الاستنباط فيصير مسئلة اصوليه بل يكون حكما شخصيا فقيها كما هو واضح.

ثم ابرم مرامه بذكر اشكالات و ردها فقال بتوضيح و تلخيص منا.

12

ان قلت يلزم على هذا ان يكون دليل واحد كالاستصحاب مستعملا فى المعنيين المختلفين كالأصولية و الفقهية و لا ريب فى ان استعمال اللفظ فى المعنيين قبيح او محال قلت ان جهة الأصولية و الفقهية لا تكون من خصوصيات معنى الاستصحاب حتى يرد الاشكال المزبور بل تكون من خصوصيات موارده التى ينطبق عليها و معها لا يلزم تعدد المعنى اصلا.

ان قلت ان الامارات الاخرى كالظواهر ايضا تكون كالاستصحاب فقهيه اذا لو خطت بالنسبة الى الاوقاف و الأقارير و الوصايا و امثالها من الخطابات التى قد توجهت الى مكلف خاص و اختلف فى مقدار التكليف المستفاد منها و اصولية اذا لو خطت بالنسبة الى الروايات التى قد توجهت الى المجتهدين بالنيابة عن جميع المكلفين و اختلف فى الحكم الكلى المستفاد منها قلت نلتزم بهذا و لا نرى به بأسا لان ضابط الأصولية كما قلنا مرارا عبارة عن دليل الحكم الكلى الذى ينفع فى كثير من ابواب الفقه و لكثير من المكلفين حتى يمكن ان يقع كبرى فى طريق الاستنباط و لا يضربها انطباقها على حكم خاص لمكلف خاص فى كثير من الحالات الشخصية و ان كان مثل هذه الانطباقات لجزأيه غير مشتمل على ضابط الأصولية.

و لكن يرد عليه ان الاستصحاب و كذا ساير الحجج كالظواهر و ان كان قابلا للانطباق على الاحكام الكلية و الحالات الشخصية و الاول يلائم مع ضابط الأصولية و الثانى لا يلائم معه إلّا ان هذا الانطباق خارج عن حقيقة الاستصحاب و ساير الحجج و راجع الى مواردها و اما حقيقتها التى تحسب حجة و تنطبق على الموارد الكلبة تارة و على الموارد الشخصية اخرى فهى اصولية مطلقا سواء استعملت فى طريق استنباط الاحكام و الوظائف الكلية الذى يكون من شأن المجتهد او استعملت فى طريق استنباط الاحكام او الوظائف الشخصية الذى يكون من شأن المقلد لان ضابط الأصولية و هى الوقوع فى طريق استنباط

13

الاحكام الكلية ينطبق على كلا الموردين حتى على المورد الثانى اذ المورد الثانى ايضا لا يتم مورديته له بالنحو الكلى الا بعد ما ثبت حجيته فى الاصول و بالجملة حجية الاستصحاب و غيره من الحجج التى تتوقف استفادة حكم كثير من المسائل الكلية او الشخصية على اثباتها تكون مسئلة اصوليه و ان كان انطباقها على المسائل الشخصية تثمر ثمرة فقهيه لا اصوليه.

الامر الثالث [فى عدم وجود الجامع بين الاستصحاب و قاعدة اليقين و قاعدة المقتضى و المانع‏]

انه لا يكون بين الاستصحاب و قاعدة اليقين و قاعدة المقتضى و المانع جامع ماهوى بل يكون بينه و بينهما بون بعيد و ذلك لان زمان اليقين و الشك فى الاستصحاب متحد و لكن متعلقهما مختلف اذ متعلق اليقين فيه عبارة عن حدوث الشى و لكن متعلق الشك عبارة عن بقاء الشى فيختلفان من هذه الجهة و ان كان يشتركان فى ذات الشى الملحوظ فى كليهما و هذا مثل ما اذا ايقنت يوم الجمعة بعدالة زيد فى يوم الخميس و شككت مع يقينك فى بقاء عدالته الى يوم الجمعة مثلا.

و لكن قاعدة اليقين تكون بعكس هذا لان متعلق اليقين و الشك فيها متحد و لكن زمانهما مختلف اذ زمان اليقين فيها يكون سابقا و زمان الشك يكون لاحقا و متعلقا بنفس ما تعلق به اليقين السابق و هذا مثل ما اذا ايقنت يوم الخميس بعدالة زيد فيه و شككت يوم الجمعة فى نفس ما ايقنت به يوم الخميس.

و اما قاعدة المقتضى و المانع التى قال بعض الاعيان برجوع جميع مسائل الفقه و الاصول اليها كما قال بعضهم برجوع جميعها الى الطلب و الإرادة او الى الارادة الاستعمالية و الارادة الجدية فان كانت بمعنى احراز وجود المقتضى مع الشك فى عروض المانع عليه بعد وجوده فهى فى الحقيقة تكون من موارد الاستصحاب و اما ان كانت بمعنى احراز وجود المقتضى مع الشك فى عروض المانع عليه مقارنا لاول آنات وجوده فهى لا تكون من موارد الاستصحاب بل‏

14

تكون اجنبية عنه لانها و ان كانت موافقة مع الاستصحاب فى اتحاد زمان يقينها و شكها إلّا انها مخالفة معه فى ان متعلق يقينها مغاير مع متعلق شكها بالكليّة اذ متعلق يقينها عبارة عن المقتضى و لكن متعلق شكها عبارة عن المانع الذى لا يكون مشتركا مع المقتضى اصلا و لذا يفترق عن الاستصحاب الذى يكون متعلق يقينه مشتركا مع متعلق شكه من حيث ذاته و ان كان مختلفا معه من حيث حدوثه و بقائه كما اشرنا اليه فى مثاله.

و بالجملة لا يكون بين القواعد المزبورة جامع ماهوى بل يكون كل واحد منها ناظرا الى جهة خاصة مباينة مع غيرها و لذا لا يمكن ان يستدل بمثل قوله ع فى صحيحه زرارة لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر على حجية جميعها و ان امكن انطباقها على مورد كل واحد منها بادعاء دلالته على لزوم الاخذ باليقين و عدم الاعتناء بالشك مطلقا سواء كان زمان اليقين و الشك متحدا ام كان مختلفا و سواء كان متعلقهما متحدا ام كان مختلفا و لكنك خبير بان اثبات هذا موقوف على الغاء هاتين الخصوصيتين و هو مخالف لظاهر الصحيحة المزبورة و ساير الروايات الواردة فى الاستصحاب فانه يظهر منها ان الشك مقارن مع اليقين و متعلق ببقاء ما تعلق به اليقين.

و لا يخفى ان المقتضى او المانع الذى جعله الشيخ و كذا بعض اتباعه وجها للتفصيل فى الاستصحاب لا يكون بمعنى قاعدة المقتضى و المانع لان المقتضى فى السنة الاصولين تارة يراد منه معناه الفلسفى و هى العلة التى يعبر عنه بما منه باعتبار ترشح المعلول منه و ثانية يراد منه الموضوع و ان كان هو ايضا بمنزلة العلة لترشح الحكم منه و ثالثة يراد منه المناط و ان كان هو ايضا بمنزلة العلة لترشح المصلحة منه و على اى حال لا يكون المقتضى المذكور فى تفصيل الشيخ و اتباعه ناظرا الى شي‏ء من هذه المعانى بل يكون ناظرا الى معنى آخر و محصلها ان المستصحب قد يكون بحيث نقطع باقتضائه للبقاء و لكن شك فى بقائه لاحتمال‏

15

عروض المانع عليه فهذا يكون من قبيل الشك فى المانع كما اذا نشك فى بقاء البناء الذى بنى فى منطقة حارة و قد يكون بحيث لا نقطع باقتضائه للبقاء بل نشك فى اصل اقتضائه للبقاء فهذا يكون من قبيل الشك فى المقتضى كما اذا نشك فى بقاء البناء الذى بنى فى منطقة مرطوبة و انت بصير بان هذه المعنى للمقتضى و المانع تفارق مع المعانى المزبورة و ان امكن تصوير الجامع بين جميعها بملاحظة ان المقتضى المذكور فى قاعدة المقتضى و المانع يكون بمعنى ما منه باعتبار حدوثه و المذكور فى تفصيل الشيخ ايضا يكون بمعنى ما منه و لكن باعتبار بقائه و كك الكلام بالنسبة الى المانع الذى يكون مقابلا للمقتضى.

الامر الرابع [فى انه يعتبر فى الاستصحاب امران: حول استصحاب الاحكام الكلية و الشخصية]

قد ظهر مما قلنا فى الامر الثالث انه يعتبر فى الاستصحاب امران. الاول ان يكون متعلق اليقين سابقا على متعلق الشك بعكس قاعدة اليقين و قاعدة المقتضى و المانع اللتين يكون متعلق اليقين فيهما متحدا او مقارنا مع متعلق الشك.

الثانى ان يكون متعلق اليقين و متعلق الشك متحدين فى الخارج و متعددين فى الرتبة بمنى انه يلزم فى الاستصحاب اتحاد متعلقهما بحسب الوجود الشخصى الخارجى لا بحسب الوجود الطبيعى فقط اذ لو كان اتحادهما بحسب الوجود الطبيعى كافيا للزم ان نحكم بصحة استصحاب الكلى القسم الثالث فيما اذا شك فى مجي‏ء عمرو عند ذهاب زيد عن الدار مثلا فان زيدا و عمروا يتحدان بحسب طبيعى الإنسانية الموجودة فى كليهما مع انهم لا يجرون هذا الاستصحاب و يستدلون لعدم جريانه بانها يختلفان فى الوجود الخارجى بحيث انهما يعدان موضوعين متغايرين.

و كذا يلزم اختلاف متعلقهما بحسب الرتبة بان يكون متعلق اليقين ملحوظا من جهة الحدوث و متعلق الشك ملحوظا من جهة البقاء اذ لو اتحد متعلقهما حتى من هذا الحيث لصار الاستصحاب مرادا مع قاعدة اليقين التى يتحد متعلق شكها مع‏

16

متعلق يقينها حتى من هذا الحيث.

و ما ذكره القوم فى شرائط الاستصحاب من لزوم اتحاد قضيته المتيقنة مع قضيته المشكوكة ايضا يكون من نتائج اعتبار الامرين المزبورين و إلّا فمع عدم اعتبارهما لا يبقى مجال لاعتبار هذا الشرط كما هو واضح و على اى حال قد اشكل على استصحاب الاحكام الكلية بملاحظة هذا الشرط او ذلكما الامرين من جهتين.

الجهة الاولى ان موضوع الاحكام الكلية عبارة عن الطبيعى الذى يتصوره المشرع او المجتهد فى ذهنه و يحكم عليه بمقتضى المصالح او المفاسد المنظورة بحكم خاص كالطاهر فى قولنا الماء طاهر فان الموضوع فى هذا الحكم لا يكون ماء مخصوصا فى الخارج بل يكون طبيعى الماء الذى يتصور فى الذهن و كك الكلام فيما اذا شككنا فى نجاسته بعد تغيره فانه يتشكل ح قضية مشكوكة يكون موضوعها ايضا طبيعيا كليا فى الذهن لا فردا مخصوصا فى الخارج.

و بالجملة موضوع جميع القضايا الكلية سواء كانت متيقنة كالقضية الاولى او كانت مشكوكة كالقضية الثانية يكون طبيعيا ذهنيا. و لا ريب فى ان كل طبيعى يمتاز عن الطبيعى الآخر بحسب وجوده الذهنى و ان كان بينهما نسبة الاطلاق و التقييد فان موضوع القضية المتيقنة فى الاحكام الكلية و هو المطلق و ان يتحد مع موضوع القضية المشكوكة و هو المقيد بحسب الظاهر إلّا انه يختلف معه بحسب المواقع مثلا الماء بالنسبة الى الماء المتغير و الحيوان بالنسبة الى الحيوان الناطق يتحدان فى الوجود الذهنى صورتا و لكنهما يختلفان واقعا بحيث انهما يعدان بالنظر الى الوجود الواقعى شيئين متغايرين لو لم يعدان شيئين متباينين و لذا لا يمكن ان يتحقق معه اتحاد حقيقى بين القضية المتيقنة و القضية المشكوكة اللتين يتشكلان منهما و هذا بخلاف القضايا الشخصية فانها تكون من الاول ناظرة الى‏

17

الوجود الشخصى الخارجى و لذا يتحقق الاتحاد الحقيقى بين موضوع متيقنها و موضوع مشكوكها.

و لكن يرد هذا الاشكال بان موضوع الاحكام الكلية و ان كان طبيعيا و هو يكون امرا ذهنيا لا خارجيا إلّا انه لم يعتبر بلحظ انه طبيعى يتصور فى الذهن بل يعتبر بلحاظ انه مرآة و ناظر الى الخارج و على هذا يتحقق الاتحاد الحقيقى بين موضوع القضية المشكوكة و هو المطلق و بين موضوع القضية المشكوكة و هو المقيد بملاحظة صدق كل واحد منهما على الخارج الذى يكون كل واحد منهما ناظرا اليه و تدور عليه المصلحة او المفسدة

الجهة الثانية ان الشك فى الاحكام الشخصية لا يلازم مع الشك فى وجود موضوعاتها لانه مع القطع بوجود الموضوع الخارجى ايضا يمكن ان يشك فى حكمه من اجل احتمال عروض بعض الموانع عليه و لكن الشك فى الاحكام الكلية لا زال يلازم مع الشك فى موضوعاتها لان موضوع الحكم الكلى كما قلنا آنفا عبارة عن الطبيعى الذى يتصوره المشرع او المجتهد فى ذهنه مع جميع خصوصياته التى تستتبع حكما خاصا فى نظره فان رأى هذا الموضوع مشتملا على جميع خصوصياته فلا محاله بحكم بترتيب الحكم عليه و ان لم يره مشتملا عليه فلا محاله يحكم بعدم ترتبه عليه و على هذا يدور امر مثل هذا الموضوع الكلى المعلوم فى الذهن بين الاثبات و النفى و لا يكون له حالة مترددة بينهما يعبر عنها بالشك حتى يصير موردا للاستصحاب و بعبارة أخرى لا يمكن التفكيك بين العلم بتقييد الحكم و تقييد الموضوع و لا بين العلم باطلاقهما و لا بين الشك فى اطلاقهما او تقييدهما بل يكون العلم بتقييد كل واحد منهما او باطلاقه ملازما للعلم بتقييد الآخر او باطلاقه و كك الكلام بالنسبة الى الشك‏

مثلا قولنا اذا كان العالم عادلا فيجب اكرامه و ان كان قضية شرطية قيد بحسب الظاهر حكمها لا موضوعها إلّا انه يكون فى الواقع بمنزلة القضية

18

الوصفية التى قيد موضوعها ايضا و هى قولنا العالم العادل يجب اكرامه و ذلك لان العالم فى المثال المزبور ان كان مقيدا بالقيد الذى قيد به حكمه فهو المطلوب و ان كان غير مقيد بالقيد المزبور فعليه يصير وجوب اكرامه مطلقا من جهته و هذا مستلزم للغويته التى تكون خلفا للفرض و كك الكلام فى العكس و هو الصورة التى يرجع القيد يحسب الظاهر الى الموضوع لا الحكم كالقضية الوصفية و بالجملة كل قيد ذكر فى الكلام لا يكون مقيدا للموضوع فقط و لا للحكم فقط بل يكون فى الواقع مقيدا لهما وجدانا و برهانا.

و لكن يرد عليه ان القيود المذكورة فى الكلام لا يكون بنحو واحد بل يكون بحسب مقام الثبوت بنحوين مختلفين و ذلك لان لحاظ القيد قد يكون من جهة دخله فى اصل اعتبار المصلحة كقيد الموسم بالنسبة الى الحج و قد يكون لحاظ من جهة دخله فى تحقق المصلحة لا فى اصل اعتبارها كقيد الاستطاعة بالنسبة الى الحج و انت خبير بان هذين اللحاظين لا يكونان فى رتبة واحدة بل يكونان فى رتبتين طوليتين بحيث انه لا يمكن ان يلاحظ احدهما فى رتبة ملاحظة الآخر و لذا لا يمكن ارجاع القيد المتوجه باحدهما الى الآخر و على اى حال ان كان القيد من السنخ الاول فهو يكون من قبيل الواجب المشروط الذى يقيد فيه حكم الحج اى يعتبر مصلحته بنحو خاص و ان كان من السنخ الثانى فهو يكون من قبيل الواجب المعلق الذى يقيد فيه موضوع الحج اى يعتبر عمله فى وقت خاص مثلا.

و اما الاشكال على الواجب المشروط بان القيد الراجع الى حكمه يكون قيدا لموضوعه ايضا و إلّا يلزم ان يصير موضوعه مطلقا و مستتبعا لحكمه فى حال وجود قيده و عدم وجوده فهذا الاشكال مردود.

اولا بان موضوعه و ان لم يمكن ان يكون مطلقا مع كون حكمه مقيدا إلّا انه لا يلزم من هذا ان نجعله مقيدا كحكمه بل يتم بان نجعله امرا متوسطا بينهما و هو الذى يعبر عنها بالحينية التى يعتبر فيها حصة من طبيعى الموضوع المقارن مع قيد

19

حكمه و لا يلزم من هذا ان يقيد الموضوع بالتقيد اللحاظى فى رتبة تقييد حكمه بل غايته انه يصير متقيدا بالتقيّد القهرى بعد تقييد حكمه و انت خبر بانه يكون فرق كثير بين تقييد الموضوع بقيد اولا و بين صيرورته متقيدا به ثانيا فان تقييد الموضوع اولا يكون تقييدا لحاظيا و موجبا لتضيق دائرته و لكن نقيدها ثانيا لا يكون تقييدا لحاظيا بل يكون تقيدا قهريا و غير موجب لتضييق دائرته بل يبقى على اطلاقه الذاتى حتى بعد صيرورته متقيدا بالتقيد القهرى الحاصل من قبل تقييد حكمه بالتقييد اللحاظى فافهم.

و بملاحظة هذه النكتة يجاب عن مثل الاشكال المزبور الذى اوردوه على القضايا الخبرية كقولنا زيد قائم بتقريب ان موضوعه و هو زيد اما مقيد فى الواقع بالقائم فحمله عليه مستلزم لاشكال تحصيل الحاصل و اما مقيد باللاقائم فحمله عليه مستلزم لاشكال تحصيل المحل و اجتماع النقيضين و اما مطلق من جهة القائم و اللاقائم فحمله عليه مستلزم لكلا الاشكالين فى الواقع. فيقال فى جواب هذا الايراد ايضا بان موضوع القضايا الكلية او الشخصية لا يكون مقيدا و لا مطلقا بل يكون امرا متوسطا بينهما المعبر عنه بالحينية التى اعتبر فيها ذات الموضوع بنفسها من دون ملاحظة اطلاقه او تقييده غاية الامر انه يصير متقيدا بعد حمل محموله عليه و لكن هذا التقيد القهرى البعدى لا يوجب تقييده اللحاظي حتى بعد تقيده القهرى فضلا عما قبله.

و بالجملة لا يكون القيد المعتبر فى ناحية الحكم مستلزما لاعتباره فى ناحية الموضوع و لذا لا يكون الشك فى بقاء الحكم من جهة الشك فى بقاء قيده مستلزما للشك فى بقاء موضوعه بل يمكن ان يشك فى بقاء الحكم و قيده فقط مع القطع ببقاء موضوعه و عليه هذا يجرى فيه الاستصحاب من دون ان يلزم عليه اشكال عدم حصوله القطع ببقاء موضوعه مع الشك فيه‏

و ثانيا لو سلمنا ان قيد الحكم مستلزم لتقييد موضوعه و ان الشك فى بقاء

20

الحكم ايضا مستلزم للشك فى بقاء موضوعه الا انا نقول ان الاستصحاب يجرى حتى مع هذا التسليم لان الشك فى بقاء قيد الحكم و ان كان مستلزما للشك فى بقاء موضوعه حسب الفرض و لكن هذا الاستلزام انما يتم بالنظر الدقيق العقلى و لا يتم بالنظر المسامحى العرفى اذا العرف يرى الموضوع الذى اخذه من لسان الدليل بحسب ما يلاحظه من مناسبة الحكم و الموضوع عبارة عن ذات الماء فى قوله ع الماء اذا تغير ينجس مثلا و يرى لقيود التى ذكرت معه راجعة الى حكم الماء لا الى نفس الماء و بعبارة اخرى العرف يرى فى مثل هذه القيود حيثية تعليلة لا حيثية تقييدية فيقول ان التغير يكون علة لعروض النجاسة على الماء لا قيدا للماء فاذا شك فى وجود التغير فلا يكون هذا الشك موجبا للشك فى اصل وجود الماء الذى يكون هو الموضوع بنظره بل يكون اصل وجود الماء اى الموضوع مقطوعا بنظره و لكن تغيره يكون مشكوكا بنظره و لذا يبنى على عدمه و يستصحب طهارة الماء بلا اشكال.

و ثالثا لو سلمنا ان الشك فى بقاء قيد الحكم موجب للشك فى بقاء الموضوع حتى فى نظر العرف و لكن سنبأت فى محله ان الاستصحاب يجرى حتى مع الشك فى بقاء الموضوع إلّا اذا كان الاثر المتوقع من جريانه موقوفا على العلم ببقاء الموضوع كما اذا شك المكلف فى بقاء عدالة زيد حين ما اراد ان يقتدى به فان استصحاب عدالته لا ينفع للاقتداء به الا مع العلم بقاء حياته و لذا لا يجرى الاستصحاب الحكمى فى مثل هذه الموارد اذا شك فى بقاء الموضوع ايضا و اما فى الموارد التى يترتب الاثر بمجرد استصحاب الحكم حتى مع الشك فى بقاء الموضوع كما اذا شك فى جواز البقاء على التقليد عن مقلده من جهة احتمال فسقه فلا ريب فى ان الاستصحاب الحكمى يجرى فيها حتى مع الشك فى بقاء الموضوع لان اثر التقليد يترتب عليه مع هذا الشك ايضا.

و قد ظهر من هذه الاجوبة الثلاثة الخلل الواقعة فى كلمات بعض الاعلام.

21

منها ما يظهر من بعضهم من عدم صحة جريان الاستصحاب فى الاحكام الكلية مع انه لا يقيد جريان الاستصحاب بحصول الاتحاد الدقيق العقلى فيما بين قضيته المشكوكة و قضيته المتيقنة بل بحكم بصحة جريانه حتى مع حصول الاتحاد المسامحى العرفى بينهما. و منها ما يظهر من بعضهم كالآخوند من الاكتفاء بحصول الاتحاد العرفى بينهما معللا بانه لا يمكن ان يحصل بينهما اتحاد عقلى مع انه قد تسلم الواجبات المشروطة التى يرجع قيدها الى الحكم لا الى الموضوع و معه يحصل بينهما الاتحاد العقلى ايضا كما ذكرناه فى جوابنا الاول.

الامر الخامس: [فى ان اليقين و الشك لا يشملان التقديريين‏]

ان اليقين و الشك المأخوذين فى حقيقة الاستصحاب لا يشملان التقديرى بل يختصان بالفعلى و ذلك لان الظاهر من كل عنوان اخذ فى لسان اى خطاب ظاهر فى الفعلية لا الاعم منها و من التقديرية. مثلا قولنا اكرم العالم يدل على وجوب اكرام من يكون عالما فعلا لا من كان عالما سابقا او يصير عالما بعدا و كك الكلام فى قوله ع لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر فان اليقين او الشك المذكور فى هذه الخطابات ظاهر فى الفعلى الذى يكون موجودا فى هذا الآن لا التقديرى الذى كان موجودا فى السابق على تقدير الالتفات اليه مثلا.

اضف الى هذا الظهور ان الاستصحاب محرز للواقع و لا ريب فى ان محرزيته للواقع تتوقف على فعلية اليقين و الشك اذ اليقين او الشك التقديرى لا يكون منتجا للاحراز الفعلى بل بكون منتجا للاحراز التقديرى المناسب له و مثله لا يكون احرازا فى الحقيقة حتى يصير حجة على المكلف.

هذا كله على مبنى رجوع لا تنقض اليقين بالشك الى نفس اليقين كما نقول بها بتقريب ان عدم نقضه يكون بمعنى عدم نقض آثاره و اما على مبنى رجوعه الى المتيقن كما يقول بها الشيخ بتقريب ان اليقين صار منقوضا بالشك العارض عليه قهرا و لا يمكن النهى عن نقضه اصلا فيشكل تخصيص اليقين او لشك بالفعلى بل‏

22

يشمل التقديرى ايضا لان اليقين او الشك على هذه المبنى لا يكون عنوانا ملحوظا بالاستقلال بل يكون مرآتا للمتقين او المشكوك و هو لا يتفاوت بين ان يلحظ بالنسبة الى هذه الازمنة فعلا او بالنسبة الى الازمنة السابقة تقديرا فاذا التفت المكلف فى زمان ما الى شى‏ء فتيقن بحدوثه و شك فى بقائه فيجب عليه ح ان يرتب عليه آثاره العملية لا من هذا الزمان فقط بل من الازمنة السابقة التى لو التفت المكلف فيها لحصل له هذا اليقين و الشك قطعا.

و لكن الانصاف انه لا يكون بين المبنيين فرق فى ان اليقين او الشك المأخوذ فى خطاب الاستصحاب ظاهر فى الفعلى و لا يشمل التقديرى و ذلك لان اليقين و ان كان مرآتا للمتقين إلّا ان جريان الاستصحاب يدور مدار وجود نفس اليقين فلا يجرى فى فرض عدم وجود اليقين اى عدم فعليته و لو مع وجود المتقين فى الواقع من جهة مرآتية اليقين التقديرى له و بعبارة اخرى الاستصحاب لا يكون من الاحكام الواقعية التى تدور مدار الواقع بل يكون من الاحكام الظاهرية بل من الاصول العملية التى تدور مدار نفس وجود اليقين و الشك بحيث انه يقيد موضوعه بهما حتى مع فرض كونهما مرآتا للواقع. (1)

____________

(1) يمكن ان يقال بصحة الاستصحاب حتى مع اليقين و الشك التقدير بين الموجودين بنحو من الوجود فى زمان السابق عند الالتفات اليهما فى الزمان الحاضر بتقريب ان الاستصحاب يدور مدار نفس اليقين و الشك مع وحدة متعلقهما ذاتا و اختلافهما زمانا من غير فرق بين ان يحصل اليقين او الشك فى زمان الحاضر او يحصل فى الزمان السابق و فى الفرض الاخير ايضا من غير فرق بين ان التفت الى يقينه او شكه فى الزمان السابق او يلتفت اليه فى الزمان الحاضر لانه على جميع هذه التقادير يصدق ضابط الاستصحاب الذى اشرنا اليه و الشاهد على هذا انه اذا رأى احد ميتة زيد فى اليوم و تيقن بحياته فى ما قبل الامس و تيقن ايضا بانه لو التفت الى حياته و موته فى الامس لشك فيها فان العقلاء يجرون آثار حياته فى الامس-

23

و على اى حال قد رتبوا على كفاية اليقين التقديرى او اختصاصه بالفعلى ثمرة لا تخلو من اشكال.

اما الثمرة فهى ان المكلف اذا تيقن بالحدث و غفل و صلى ثم التفت بعد ما صلى و لكن شك فى انه هل تطهر ام لا ففى هذه المسألة ان قلنا بلزوم اليقين و الشك الفعليين فلا يجرى استصحاب الحدث الا بعد الصلاة الذى يكون حال التفاته حسب الفرض و هو لا يوجب بطلان الصلاة لانه فى هذا الحال تجرى قاعدة الفراغ التى تكون حاكمة عليه و لذا يحكم بصحة الصلاة بسببها و اما ان قلنا بكفاية اليقين و الشك التقديريين فيجرى استصحاب الحدث حتى قبل الصلاة فى الواقع و حيث انه لا تجرى قاعدة الفراغ فى ذاك الحال فلا محالة يؤثر الاستصحاب اثره فيحكم بفساد الصلاة بسببه لان المكلف على هذا الفرض قد دخل فى صلاته حالكونه محدثا ظاهرا بمقتضى الاستصحاب الجارى واقعا.

و اما الاشكال فهو انه لو قلنا بكفاية اليقين و الشك التقديريين ايضا لا بد

____________

- مع ان الشك فيه لم يكن فعليا بل كان تقديريا يلتفت اليه فى اليوم و لا يكون هذا الا من اجل اطلاق حجية الاستصحاب عند العقلاء من الجهات التى اشرنا اليها.

و الروايات التى استدل بها على حجية الاستصحاب كقوله ع لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر و ان كانت ظاهرة فى فعلية اليقين و الشك بملاحظة ظهورهما فى اتصاف صاحبهما به فعلا إلّا ان هذا الظهور على فرض تسليمه لا ينافى مع شمول التعليل العام الذى ذكر فيها للتقديرى ايضا و هو قوله (ع) فانه لا ينقض اليقين بالشك بل ينقض بيقين آخر فان هذا التعليل العام ينطبق على جميع موارد اليقين السابق على الشك اللاحق سواء كان كلاهما فعليين اى موجودين فى الزمان الحاضر او كان كلاهما تقديريين اى موجودين بنحو من الوجود فى الزمان السابق مع الالتفات اليهما فى الزمان الحاضر.

24

من ان نحكم بصحة صلاته لان استصحاب الحدث على هذا الفرض و ان كان جاريا حتى قبل الصلاة فى الواقع إلّا ان ترتيب اثره العملى و هو الحكم بفساد الصلاة لا يكون مقارنا لجريانه الواقعى الذى لم يلتفت المكلف اليه بداهة انه مع عدم التفاته اليه لا يمكن بل و لا يعقل ان يترتب اثره العملى عليه و بالجملة ترتيب اثره العملى عليه لا يكون إلّا فى ظرف الالتفات اليه و حيث ان الالتفات اليه قد تحقق بعد الصلاة حسب الفرض و فى هذا الحال تجرى قاعدة الفراغ ايضا فلا محالة يصير الاستصحاب المقتضى للفساد محكوما للقاعدة و معه يحكم بصحة الصلاة كما يحكم بها فى الفرض الذى يكون اليقين و الشك فعليين لا تقديريين.

نعم لو كان جريان قاعدة الفراغ مشروطا بان لا تكون الصلاة موردا للاستصحاب حتى بالنحو الواقعى المزبور فحينئذ لا تجرى القاعدة فيحكم ببطلان الصلاة بسبب الاستصحاب المزبور و لكنه لا يكون مشروطا به بل انما يكون مشروطا بان لا يتحقق قبل الصلاة الشك الفعلى لذى يجرى معه الاستصحاب الفعلى و المفروض انه لم يتحقق هذا الشك قبلها بل انما تحقق بعدها. و من هنا تعرف انه لا تجرى القاعدة مع تحقق الشك الفعلى قبل الصلاة و ان لم يستمر الى زمان الدخول فيها فدخل فيها غافلا عنه او زاعما بخلافه و ذلك لان القاعدة تكون ح فاقدة لشرطها و هو عدم تحقق الشك الفعلى قبل الصلاة مطلقا.

الامر السادس: [فى اقسام الاستصحاب بالاعتبارات المختلفة]

ان الاستصحاب ينقسم باعتبارات مختلفة على اقسام متعددة فتارة ينقسم باعتبار الدليل الدال عليه و هى الاخبار و العقل و بناء العقلاء و ثانية ينقسم باعتبار المستصحب من حيث انه اما وجودى و اما عدمى و على كلا التقديرين اما كلى و اما شخصى و على جميع التقادير اما موضوعى و اما حكمى و على التقدير الاخير اما عقلى و اما شرعى و ثالثة ينقسم باعتبار منشإ الشك من حيث انه ينشأ اما من الشك فى بقاء المقتضى و اما من الشك فى وجود الرافع و اما من الشك فى رافعية الموجود.

و قد وقع الاختلاف بين الاعلام فى ان الاستصحاب هل يكون حجة فى جميع‏

25

هذه الاقسام او يكون حجة فى بعضها و من اجل هذا الاختلاف قد وجدت فيه تفصيلات مختلفة تبلغ حوالى عشرة سنتعرض لاهمها و هو اربعة بعد ذكر ادلته و نصفح عن غيرها لعدم الجدوى فيها:

و كك قد وقع الاختلاف بينهم فى مقدار حجية الاستصحاب و انه يكون اصلا غير محرز لا يثبت به الا الوظيفة العملية المترقبة منه ام يكون امارة او اصلا محرزا يثبت به لوازم الواقع المنكشف به و كك اختلفوا ايضا فى حدود جريان الاستصحاب من حيث مورده تارة من جهة انه هل يشترط بان يكون مقطوعا او يعم ما اذا كان مظنونا و هو الذى ثبت بالاصل او الامارة و اخرى من جهة انه هل يشترط بان يكون غير مبتلى بالمعارض او يعم ما اذا كان مبتلا به كاطراف العلم الاجمالى و ثالثة من جهة انه هل يشترط بان يكون منجزا او يعم ما اذا كان معلقا و كك اختلفوا من جهات اخرى سنتعرض لاهمها فى التنبيهات التى سيجي‏ء ذكرها بعد ذكر التفصيلات. و كيف كان الحق ان الاستصحاب حجة مطلقا و يمكن ان يستدل عليه بامور:

فى ادلة الاستصحاب‏

منها الاجماع‏

بتقريب ان العلماء اتفقوا على التمسك بالاستصحاب فى موارد كثيرة و هذا يكشف عن رأى المعصوم و لذا يكون حجة على المطلوب و اشكل عليه بان احراز اتفاقهم عليه مع مصير عدة منهم الى خلافه قولا او عملا مشكل جدا و يمكن ان يجاب عنه بان خلاف عدة منهم لا يضر بحصول الاتفاق و لا بحجية لان هذه العدة على فرض تسليم مخالفتهم معروفة باشخاصهم مع ان مخالفتهم انما

26

يكون بالنسبة الى بعض موارد الاستصحاب لا بالنسبة الى أصله.

نعم يرد على الاجماع المزبور اشكالان آخران.

الاول انه يحتمل بل يظن ان يكون اجماعا مدركيا يستند الى بناء العقلاء او الروايات او غيرهما من الادلة و لذا لا يكون دليلا مستقلا بنفسه.

الثانى ان الاجمال دليل لبى و لذا يقتصر على القدر المتيقن من دلالة و هو فيما نحن فيه عبارة عن خصوص الشك فى المقتضى بل و خصوص الشك فى الموضوع مثلا لا الاعم منهما و من غيرهما لانهم اختلفوا فى جريان الاستصحاب فى غيرهما كما انهم اختلفوا ايضا فى جريانه من بعض الجهات الاخرى.

و منها بناء العقلاء

بتقريب انهم ياخذون بالحالة السابقة فى جميع امورهم الراجعة الى معاشهم او معادهم.

و يرد عليه ان اخذهم بالحالة السابقة ان كان بمعنى الجرى العملى الطبيعى من دون اعتبار حالة الشك و الالتفات كما ان الامر يكون كك حتى بالنسبة الى الحيوانات كالغنم و امثالها التى تذهب فى كل يوم الى منازلها بمقتضى عادتها فهو و ان كان مسلما و لكن هذا الجرى العملى الطبيعى الذى لا تتحقق فيه حالة الشك و الالتفات لا يكون دليلا على حجية الاستصحاب الذى تعتبر فيه هذه الحالة فان الاستصحاب بملاحظة هذه الحالة اجنبى عن الجرى الطبيعى الموجود فى افراد الانسان بل الحيوان.

و اما ان كان بمعنى الجرى العملى حتى مع اعتبار حالة الشك و الالتفات فهذا لو سلمنا جريانه بالنسبة الى الامور الراجعة الى معاش العقلاء فلا نسلم جريانه بالنسبة الى الامور الراجعة الى معادهم لان العقلاء بما هم عقلاء لا تكون لهم هذه الامور اصلا نعم تكون لهم هذه الامور بما هم متشرعين و لكن بنائهم على حجية الاستصحاب على هذا الفرض يصير دليلا آخرا يبحث عنه فى ضمن البحث عن السيرة مثلا:

27

اضف الى هذا ان وجه بنائهم على حجية الاستصحاب على فرض تسليم جريانه فى امور معادهم ايضا لا يكون منحصرا فى جهة الاخذ بالحالة السابقة اذ يمكن ان يكون من جهة اعتمادهم على الظن الحاصل منها او من جهة عملهم بالاحتياط الموافق معها و على هذا ايضا يصير دليلا آخرا يبحث عنه فى ضمن البحث عن حجية مطلق الظن او فى ضمن البحث عن وجوب الاحتياط مع عدم كون مطلق الظن حجة.

و لكن الانصاف ان حجية الاستصحاب عند العقلاء لا يكون من جهة موافقته مع الاحتياط و لا من جهة حصول الظن منه بل يكون من جهة نفس بنائهم على عدم الالتفات الى الشك المسبوق باليقين و الشاهد على هذا انهم يعملون بالاستصحاب حتى مع عدم حصول الظن منه و حتى مع عدم كونه موافقا مع الاحتياط و بعبارة اخرى انهم يتبعون الحلة السابقة المتيقنة لعدم التفاتهم باحتمال تغييرها الا بعد إتيانه و لو كان حكمة عدم التفاتهم به غلبة موافقتها مع الاحتياط او غلبة حصول الظن منها.

و كك الانصاف ان حجية الاستصحاب عند العقلاء لا يختص بامور المعاش بل يعم امور المعاد حتى مع عدم وجود هذه الامور فيما بينهم لانه لو لم تكن لهم هذه الامور و لكن نكون لهم امور السياسة و المجازاة و الحقوق و امثالها و انت خبير بان هذه الامور نكون شبيهة بامور المعاد بل تكون بعينها و لو من بعض الجهات و لذا يكون بنائهم على اجراء الاستصحاب فيها كاشفا عن انهم يرونه حجة فى امور المعاد ايضا.

و لكن اشكل الآخوند على حجية الاستصحاب ببناء العقلاء بان الآيات الدالة على حرمة اتباع غير العلم و كذا الروايات الدالة على وجوب العمل بالاحتياط او البراءة عند الشك و عدم العلم تردع عن بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب و لو مع فرض تماميته بنفسه لان الاستصحاب لا يكون مفيدا للعلم قطعا و لذا يحرم اتباعه بمقتضى الآيات و الروايات المزبورة.

28

و اورد عليه اولا بان الاستصحاب الذى جرى عليه بناء العقلاء و ان لم يكن مفيدا للعلم القطعى و لكن يكون مفيدا للاطمينان الذى يساوق مع العلم العادى و على هذا ايضا يخرج عن تحت موضوع الآيات و الروايات المزبورة بالتخصص او بالحكومة.

و ثانيا ان ما قاله هنا منقوض بما قاله فى باب الخبر الواحد و ساير الظهورات التى تكون حجة ببناء العقلاء و لا يفيد العلم القطعى بل انما يقيد الاطمينان فانه التزم هناك بخروج الخبر الواحد و ساير الظهورات عن تحت موضوع الآيات و الروايات المزبورة بالتخصص و لكن التزم هنا برادعيتها عن حجية الاستصحاب مع ان الاستصحاب ايضا يكون كالخبر الواحد و ساير الظهورات معمولا عند العقلاء و مفيدا للاطمينان.

و لكن يمكن ان يوجه هذا الفرق بان حجية الاستصحاب عند العقلاء لا تكون من جهة افادته للاطمينان بل تكون من جهة نفس بنائهم على الاخذ بالحالة السابقة و لذا لا يخرج عن تحت موضوع الآيات و الروايات المزبورة و هذا بخلاف حجية الظهورات فانها تكون من جهة افادته للاطمينان اى العلم العادى و لذا تخرج عن تحت موضوعها.

و لا نريد من هذا ان الاستصحاب حيث انه يكون اصلا عمليا فبناء العقلاء عليه ايضا يكون اصلا عمليا غير مفيد للاطمينان و ذلك لانه يمكن ان يكون بنائهم على الاستصحاب امارة و ان كانت نفس الاستصحاب اصلا عمليا كما انه يكون الامر كك بالنسبة الى الروايات فانها تكون امارة على حجية الاستصحاب قطعا مع ان نفس الاستصحاب المستفاد منها تكون اصلا عمليا.

بل نريد من هذا ان بناء العقلاء يكون على طورين فطور منه مستند الى حصول العلم القطعى او العادى و هو الاطمينان كما يكون كك فى باب الظهورات فمثل هذا يقدم على الآيات و الروايات المزبورة بالتخصص مع قطع النظر عن امضاء الشارع‏

29

له و بالحكومة مع النظر اليه و طور آخر منه لا يكون مستندا الى حصول العلم او الاطمينان بل يكون مجرد بناء عملى يتكل عليه من باب اللابدية و لا ريب فى ان مثل هذا لا يقدم على الآيات و الروايات المزبورة و القدر المتيقن من بناء العقلاء فى الاستصحاب انه يكون من هذا الطور لا الطور الاول و لذا لا يبعد ان يكون الفرق بينه و بين الظهورات التى تكون من الطور الاول موجها.

ان قلت اثبات حجية الاستصحاب بناء العقلاء لا يتوقف على احراز امضائه من طرف الشارع حتى يقال بانه لا يتم بملاحظة الآيات و الروايات المزبورة التى لا اقل من احتمال رادعيتها بل بثبت حجيته مع عدم احراز رادعيتها و حيث ان رادعيتها تكون احتماليا فلذا لا تكون محرزة حتى تضر بحجيته خصوصا بملاحظة ان عدم الرادعية لا يكون بمعنى عدم وجود الرادع واقعا حتى لا يمكن احراز عدمه مع احتمال وجوده بل يكون بمعنى عدم وجود الرادع ظاهرا و لذا يمكن احراز عدمه حتى مع احتمال وجوده.

قلت حجية الآيات و الروايات المزبورة منجزة بنفسها و لكن حجية بناء العقلاء على الاستصحاب معلقة على عدم ردع الشارع عنه لو لم تكن معلقة على امضائه له و لذا حجية الاولى تكون فعلية و حجية الثانية تكون شأنية و لا ريب فى انه اذا دار الامر بينهما يحكم بحكومة الاولى على الثانية لو لم يكن اعتبار الثانية من جهة افادتها للعلم العادى و إلّا انعكست الحكومة فيحكم بحكومة الثانية على الاولى فافهم.

و منها الروايات و هى العمدة فى الباب و نقتصر على بعضها رعاية للاختصار.

فمنها مضمرة زرارة

التى لا يضرها الاضمار بعد كونها من مثل زرارة الموثق عندنا بكل الوثوق و هى «قلت له الرجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء قال (ع): يا زرارة قد تنام العين و لا ننام القلب و الاذن‏

30

فاذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء قلت فان حرك فى جنبه شي‏ء و لم يعلم به قال (ع) لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بين و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و انما تنقضه بيقين آخر. (1)

فالفقرة الاولى من هذه الرواية و هى «قلت له الرجل ينام و هو على وضوء ...» تكون فى الحقيقة سؤالا عن الشبهة الحكمية بملاحظة ان للنوم تكون مراتب مختلفة لا ينقض الوضوء ببعضها و ينقض ببعضها الآخر و حيث انه قد اشتبه على زرارة حكم هذه المراتب من جهة ناقضيتها و عدم ناقضيتها فسئل عن حكمها عن الامام حتى يتميز له النوم الناقض عن غيره فاجاب له الامام بان النوم الناقض عبارة عن النوم الذى غلب على العين و القلب اى على الحس الظاهر و الباطن معا و لذا لا يكون النوم الغالب على خصوص العين ناقضا.

و من هنا تعرف انه لا وجه لحمل سؤال زرارة على الاشراف على النوم او على ارادة النوم حتى ترتفع به المناقضة المتوهمة بين قوله «ينام» و بين قوله «و هو على وضوء» و ذلك لان ارادة النوم او الاشراف عليه لا يكون فيه جهة اشتباه حتى يحتاج الى السؤال عنه و ما يكون فيه جهة اشتباه عبارة عن نفس النوم و لكن بملاحظة مراتبه التى اشرنا اليها و لذا يحمل سؤال زرارة عليها.

و اما الفقرة الثانية التى سئل زرارة سؤاله الثانى فيها و هى قوله ان حرك فى جنبه و هو لا يعلم فقد اختلف فى انها ايضا ترجع الى الشبهة المفهومية لطلب زيادة التوضيح فيها او ترجع الى الشبهة الموضوعية و الحق انها لا ترجع الى الشبهة المفهومية لان زرارة قد سئل عنها فى الفقرة الاولى فلم تبق حاجة الى تكرار السؤال عنها مع ان سؤاله الثانى يدور مدار علمه او عدم علمه بتحرك شي‏ء فى جنبه و لا ريب فى ان هذا مناسب للموضوع لا الحكم.

____________

(1) وسائل ابواب نواقض الوضوء باب 1 حديث 1

31

اضف الى هذا ان جواب الامام ايضا ظاهر فى ان الشبهة الثانية موضوعية لا حكمية لان جوابه (ع) مركب من امرين احدهما نفى امارية عدم العلم بما تحرك فى جنبه للنوم و ثانيهما لزوم الاخذ بالحالة السابقة مع عدم العلم المزبور و هى اليقين بالوضوء مثلا و انت خبير بان كل واحد من هذين الامرين راجع الى بيان وظيفة الشخص بملاحظة شكه لا الى بيان النوم الناقض بملاحظة واقعه و لذا يكون جوابه ع جوابا عن الحكم الظاهرى لا عن الحكم الواقعى.

و بالجملة الرواية بملاحظة فقرته الاولى و الثانية معا متكفلة لحكم الناقض من ناحية الشبهة الحكمية و الشبهة الموضوعية معا.

و لكن قد اشكل الاستاذ العراقى على رجوع السؤال المذكور فى الفقرة الثانية الى الشبهة الموضوعية بانه على هذا لا يتم جواب الامام بلزوم استصحاب بقاء الحالة السابقة اى الوضوء و ذلك لان الشك فى بقاء الوضوء مسبب عن الشك فى تحقق النوم و قد برهن فى محله انه مع جريان الاستصحاب فى السبب لا معنى لجريانه فى السبب و هذا بخلاف ما اذا كان السؤال راجعا الى الشبهة المفهومية فانه يتم ح جواب الامام بجريان الاستصحاب فى المسبب اى الوضوء و ذلك لان شك الرجل فى تحقق النوم الناقض اى السب فى فرض الشبهة فى مفهومه يكون من باب الشك فى الفرد المردد نظير ما اذا شك فى مفهوم الرضاع المحرم و انه هل يتحقق بثلاث عشر رضعة او باربعة عشر رضعة فشك من اجل هذا فى ان ثلاث عشر رضعة المحققة هل تكون محرمة او لا تكون محرمة و حيث انه قد ثبت فى محله عدم جريان الاستصحاب فى الفرد المردد من المفهوم المشتبه كالنوم الناقض فيما نحن فيه فلذا اجراه الامام فى المسبب اى الوضوء و حكم بلزوم الاخذ باليقين السابق المتعلق به.

و يرد عليه ما قلنا آنفا من انه يلزم على هذا ان يصير جواب الامام عن الشبهة المفهومية تكرارا لما قاله الامام (ع) فى الفقرة الاولى و اما حكم الامام بجريان‏

32

الاستصحاب فى الوضوء اى المسبب فلا يكون من اجل ان جريان الاستصحاب فى النوم اى السبب يكون من قبيل استصحاب الفرد المردد و هو غير جائز بل يكون من اجل ان هذا الاستصحاب لا يؤثر اثرا شرعيا اذا الاثر الشرعى لا يترتب على تحقق النوم او عدمه بل انما يترتب على بقاء الوضوء او عدمه و لذا قد اجرى الامام الاستصحاب فى ناحيته.

اضف الى هذا انا لا نسلم ان النوم يكون سببا لعدم بقاء الوضوء بل يكون ضدا له فى الحقيقة و ان اشتهر فى السنتهم التعبير عنه بالسبب الناقض و المبطل و لا ريب فى ان جريان الاستصحاب فى احد الضدين لا يثبت الضد الآخر الا على القول بالاصل المثبت و لذا لا ينفع استصحاب عدم النوم لا ثبات بقاء الوضوء بل لا بد من استصحاب بقاء نفس الوضوء.

ثم انه قد اختلف الاعلام فى تعيين جزاء الشرط الذى ذكر فى الرواية و هو قوله ع «و إلّا» على اقوال الاول انه محذوف و اقيمت العلة و هى جملة فانه على يقين من وضوئه مقامه فيكون تقدير الرواية انه ان لم يستيقن بنومه فهو واجد لوضوئه المتيقن حكما فلا يجب عليه تجديده ثانيا.

الثانى ان يكون الجزاء نفس الجملة الخبرية المزبورة و لكن مع تأويلها الى معنى انشائى فيكون كالقول الاول فى اثبات لزوم الاخذ بالحالة السابقة و عدم وجوب تجديد الوضوء معه.

الثالث ان يكون الجزاء لازم الحملة الخبرية المزبورة و هو عدم اليقين بالنوم فتدل الرواية على انه مع عدم يقينك بالنوم فلا محالة تكون على الوضوء لوجود الملازمة بينهما و على هذا ايضا لا يجب تجديد الوضوء.

الرابع ان يكون الجزاء قوله ع بنحو العموم «لا تنقض اليقين بالشك» و انما قال قبل هذا فانه على يقين من وضوئه للتوطئة لذكر العموم و لاندراج المورد المسئول عنه تحت العموم.

33

و الاحسن من هذه الاقوال هو القول الاول الذى اختاره الشيخ و ان وصفه النائينى بغاية الضعف و ذلك لان يقين الرجل بوضوئه سابقا الذى اتكل عليه الامام فى طول جوابه يكون فى الحقيقة علة لعدم وجوب تجديده حين شكه فى عروض النوم عليه و لا ريب فى ان المدار سواء كان فى باب الجزاء او غيره يكون على العلة واقعا و لو مع قيام المعلول مقامها ظاهرا.

و القول الثانى اختاره النائينى (ره) و استدل عليه بان الجزاء و ان كان نفس العلة التى تكون جملة خبرية إلّا انه لا بد من حملها على الحكم الانشائى حتى يناسب مع شأن الشارع الذى يكون مشرعا لا مخبرا.

و لكن يرد عليه ان حمل الجملة الخبرية على الحكم الانشائى و ان كان مشهورا بينهم و لكنه لا يتم ظاهرا الا فى الموارد التى تقوم عليه قرينة خاصة و ذلك لانه مستلزم للدور المحال اذا لتعبير عن الحكم الانشائى بالجملة الخبرية لا يكون إلّا من جهة جعل المقتضى بالفتح و هو العمل المتحقق فى الخارج مقام المقتضى بالكسر و هو ارادة المولى المتحققة فى نفسه بعناية ان ارادته تكون فى نظر العبد بمثابة من الاهمية التى يحققها فى الخارج قطعا بحيث انه يتراءى تحققه فعلا، هذا غاية ما يقال فى توجيه ما اشتهر بينهم و لكنك خبير بان استفادة الانشاء من الخبر موقوفة على دلالة الخبر على الارادة مع ان دلالة الخبر على الارادة موقوفة على استفادة الانشاء منه فيكون استفادة الانشاء موقوفة على نفسها و هذا دور باطل نعم يمكن ان يقال بانه يستفاد الانشاء منه و لكن بقرينة ان الامام يكون فى مقام بيان الحكم كما انه يستفاد منه فى ساير الموارد المشابهة ايضا بهذه القرينة لا بصرف انه يكون مشرعا لا مخبرا.

و اما القول الثانى و الثالث فيظهر ضعفهما بملاحظة كونهما خلاف الظاهر كما هو واضح.

[الغاء خصوصيتها بوجوه اربعة]

و لكن الذى يسهل الخطب هو ان استفادة حجية الاستصحاب من‏

34

الرواية حتى بالنحو العام الذى ينفع فى ساير الموارد لا يتوقف على تعيين الجزاء بل يتم بدونه ايضا و لكن بعد الغاء خصوصية الوضوء فى قوله (ع) «فانه على يقين من وضوئه» و بعبارة اخرى يكفى اثبات عدم دخل خصوصية الوضوء فى الحكم بالاستصحاب لاستنتاج حجيته بالنحو العام فنقول يمكن اثبات هذا بوجوه اربعة.

الوجه الاول ان الامام (ع) قد تشكل لاستنتاج حكم عدم وجوب الوضوء على من تيقن به و شك فى عروض النوم عليه صغرى و كبرى اما الصغرى فهى قوله (ع) فانه على يقين من وضوئه و اما الكبرى فهى قوله (ع) «و لا ينقض اليقين بالشك ابدا» و لا ريب فى ان الصغرى و ان كانت تفارق عن الكبرى فى ان الاصغر و هو موضوع الصغرى لا يذكر فى الكبرى كما ان الاكبر و هو موضوع الكبرى لا يذكر فى الصغرى إلّا انها تشارك معها فى ان الاوسط يذكر فيهما معا لانه يكون محمولا فى الصغرى و يكون مع ذلك موضوعا فى الكبرى فى الشكل الاول و بصور اخرى فى الاشكال الاخرى.

اذا عرفت هذا فنقول ان الاوسط فيما نحن فيه و هو اليقين الذى يكون موضوعا لكبرى الرواية و رتب عليه الاكبر و هو حرمة النقض فى قوله (ع) (لا تنقض اليقين بالشك) محتمل لاحتمالات ثلاثة.

الاول ان يكون عاما لجميع موارد الوضوء و غيره الثانى ان يكون خاصا بموارد الوضوء سواء كان الشك فيه من جهة النوم او من الجهات الاخرى الثالث ان يكون مخصوصا بموارد الوضوء و من جهة النوم فقط لا ريب فى انه لا يمكن تأييد الاحتمال الثالث الذى يكون أخص لانه لا يتوهم بل و لا مجال لتوهم ان استصحاب الوضوء المتيقن السابق مخصوص بما اذا كان الشك فيه من جهة النوم و لا يعم ما اذا كان من جهة البول مثلا و كك الكلام بالنسبة الى الاحتمال الثانى الذى يكون خاصا فانه و ان كان اقوى من الاحتمال الثالث إلّا انه ايضا مخالف لظاهر قوله ع و لا نقيض اليقين بالشك لانه ظاهر فى بيان القاعدة الكلية التى تكون مرتكزة فى ذهن السائل و الامام من دون ان يختص بالوضوء او بغيره فيبقى الاحتمال الاول الذى‏

35

يكون عاما و يوافق مع الارتكاز بل و مع ظاهر الرواية خصوصا بمناسبة حكمها و موضوعها التى تدل على ان عناية الامام قد تعلق بنفس اليقين و الشك من اجل ان اليقين مثلا يكون مستحكما بطبعه و لذا لا ينقض بالشك الذى يكون متزلزلا بطبعه و غير قادر على مقارنته و على هذا قيد «من وضوئه» فى قوله (ع) «فانه على يقين من وضوئه» الذى جعلناه صغرى للرواية لا يكون قيدا احترازيا بل يكون قيدا توضيحيا بمعنى انه لا يكون دخيلا فى تطبيق الكبرى عليه بل يكون الدخيل فيه نفس اليقين الذى قد يتعلق بالوضوء و قد يتعلق بغيره.

اضف الى هذا انه قد طبق الامام (ع) الكبرى المزبورة فى موارد كثيرة من مسائل الصوم و الصلاة و الحج و غيرها بحيث انه لا يبقى شك بعد ملاحظة جميعها بل بعضها فى انها تكون قاعدة كلية غير مختصة بمورد الوضوء او بجهة النوم.

الوجه الثانى ما قاله النائينى (ره) و محصله ان اليقين المذكور فى الصغرى و ان قيد بالوضوء ظاهرا إلّا ان هذا القيد لا يكون قيدا احترازيا بل يكون قيدا لابديا من اجل ان اليقين و امثاله التى تكون معنى حرفيا و ذات اضافة بين الشيئين لا تذكر بدون متعلقها بل تذكر مع متعلقها و طرف اضافتها فيقال اليقين بالصلاة او اليقين بالوضوء و لذا لا يكون القيد المزبور دليلا على التقييد لان التقييد انما يتصور فى الموارد التى يمكن اطلاقها لا فى مثلا هذه الموارد التى لا يمكن اطلاقها.

و يرد عليه ان لزوم ذكر المتعلق فى اليقين و امثاله من المعانى الحرفية و الاضافية مخصوص بمصداقها و اما مفهومها و هو نفس اليقين الذى يكون هو المدار فى كلام الامام فلا يلزم فيه ذكر متعلقه لانه يمكن ان يلاحظ بنفسه او باطلاقه من دون ان يلاحظ معه متعلق خاص.

الوجه الثالث ما قاله الشيخ مبتنيا على جعل جملة «فانه على يقين من وضوئه» علة للجزاء لا نفس الجزاء بتقريب ان هذه الجملة لو كانت جزاء فلا يستفاد منها الا حكم مورد الشرط و لذا لا يتعدى منه الى غيره و اما لو كانت علة للجزاء كما

36

هو الظاهر فيستفاد منها الضابط العام الذى يشتمل مورد الشرط و غيره من اجل دلالته على معنى العلية التى تقتضى التعميم طبعا.

الوجه الرابع ما قاله الآخوند و محصله ان كلمة من وضوئه فى قوله ع «فانه على يقين من وضوئه» لا يكون متعلقا باليقين حتى يصير مقيدا له بل يكون متعلقا بالعامل المحذوف كمستقر و امثاله و لذا يصير مساوقا لقولنا «فانه من وضوئه على يقين» بحيث يكون من وضوئه فى رتبة العلة لحصول اليقين لا فى رتبة القيد له و عليه يصير اليقين المذكور فى الكبرى بل و فى الصغرى مطلقا غير مقيد بشي‏ء و معه يتم تعميم حجية الاستصحاب لكل يقين شك فى نقضه سواء كان بالنسبة الى الوضوء او بالنسبة الى غيره.

و اشكل عليه الاستاذ العراقى بانه مع كونه مخالفا لظاهر الرواية لا يكفى لاثبات التعميم المطلوب لان غايته ان يصير كلمة من وضوئه علة لليقين لا قيدا له و لكن لا ريب فى انه كما لا يمكن استفادة الحكم المطلق من الامر المقيد كك لا يمكن استفادته من الامر المعلل فان قولنا تاكل الرمان لانه حامض يكون نظير قولنا لا تاكل الرمان الحامض فى انه لا يدل بالقطع على حرمة اكل كل حامض اذ يحتمل جدا ان يكون الحامض علة للحرمة و لكن بوصف تقيده بمورده و هو الحموضة الموجودة فى خصوص الرمان لا بوصف اطلاقه و هو الحموضة الموجودة فى اى شى‏ء.

و يرد عليه ان الانصاف انه لا يكون القول الاول نظير القول الثانى بل يكون بينهما فرق واضح لان القول الاول يعطى لنا علة تدل بظاهرها على تعميم الحكم حتى لغير موردها و اما احتمال كونها علة بوصف تقيدها بموردها كالرمان او غيره المستلزم لصيرورتها جزء العلة فيدفع باصالة الاطلاق الذى يثبت بها ان العلة المذكورة فى الكلام تكون علة تامة و مستقلة.

و بهذا تعرف انه لا وجه لتأييد اشكال العراقى (ره) بانه يلزم علينا ان نأخذ بالقدر المتيقن فى مقام التخاطب و هو عبارة عن حجية الاستصحاب فى خصوص‏

37

الوضوء لان كلمة «من الوضوء» لو لم يكن قيدا فلا اقل من ان يكون محتملا للقيدية و معه ايضا يشكل اثبات حجية الاستصحاب فى غيره و ذلك لان احتمال قرينيتها ايضا يدفع باصالة الاطلاق المزبورة.

بقى فى المقام امران الامر الاول انه ربما يورد على الاستدلال بالرواية بانها لا تدل على حرمة نقض كل واحد من افراد اليقين بنحو عموم السلب حتى لا يتم مع جواز نقض بعض افرادها بل تدل على حرمة نقض مجموع افراد اليقين بنحو سلب العموم و لذا يتم مع جواز نقض بعض افرادها و عليه لا تكون الرواية دليلا على المدعى و هو اثبات حجية الاستصحاب مطلقا.

و اجاب عنه بعضهم بان الكبرى التى اتكل عليه الامام و هى قوله (ع) «لا ينقض اليقين بالشك ابدا» لا بد من ان تكون بنحو عموم السلب لانه لو كان بنحو سلب العموم الذى يصدق مع تخلف البعض لا يتم استنتاج النتيجة المطلوبة حتى بالنسبة الى الوضوء الذى يكون صغرى من صغريات الكبرى المزبورة اذ يمكن ان تكون هذه الصغرى او امثالها من البعض المختلف الذى يكون خارجا عن تحتها و حيث ان الامام (ع) قد طبق الكبرى المزبورة على الصغرى المسئول عنها و استنتج حكمها من تطبيقها عليها فيكشف منه ان الكبرى المزبورة لا تكون بنحو سلب العموم بل يكون بنحو عموم السلب الذى يشمل جميع مواردها.

و لكن يرد على هذا الجواب ان استنتاج حكم الصغرى لا يتوقف على كلية الكبرى بالنسبة الى جميع نظائرها بل يتم بمجرد تطبيقها عليها و هو حاصل من ظاهر الرواية بل صريحها.

و اجاب النائينى (ره) بجواب آخر محصله ان سلب العموم انما يكون فى الموارد التى يتحقق العموم فى الرتبة السابقة على تحقق السلب كقولنا لا تكرم الفساق و اشباهه التى تعلق السلب فيها بما يدل على العموم بنفسه و اما عموم السلب فهو

38

يكون فى الموارد التى يتحقق العموم فى الرتبة اللاحقة على تحقق السلب لا السابقة عليه كقولنا لا تكرم فاسقا او لا تكرم الفاسق او اشباهه التى تعلق السلب فيها بالطبيعى او النكرة و ما نحن فيه يكون من قبيل الثانى لان السلب قد تعلق فيه بطبيعى اليقين الذى لا يدل على العموم بنفسه بل يدل عليه بعد تعلق السلب به بملاحظة ان نفى الطبيعى لا يكون إلّا بنفى جميع افراده و لذا لا يحسب مثل هذا من باب سلب العموم بل يحسب من باب عموم السلب.

و يرد عليه ايضا ما اوردنا فى مبحث النواهى على ما اشتهر فى السنتهم من ان الامر يدل على صرف الوجود و النهى يدل على الطبيعة السارية معللا بان النهى اى طلب ترك طبيعة من الطبائع لا يمتثل إلّا بترك جميع افرادها بخلاف الامر فانه يمتثل بمجرد ايجاد فرد منها و حاصل الايراد هو انه لا يكون بين طلب ترك الطبيعة الذى يكون مفاد النهى و بين طلب ايجاد الطبيعة الذى يكون مفاد الامر فرق من جهة دلالة الاول على الطبيعة السارية و دلالة الثانى على صرف الوجود اذ يمكن ان يدل كل واحد منهما على ما يدعى دلالة الآخر عليه مثلا لو نهى الشارع عن اكل البصل فى ليلة الجمعة فلا ريب فى انه يدل على طلب تركه بنحو صرف الوجود لا- الطبيعة السارية لان الغرض من النهى المزبور و هو حفظ الفم من الرائحة الكريهة مثلا يفوت و لو باكله مرة واحدة و لذا يسقط النهى المزبور بعده. (1)

____________

(1) الحق ان الامر و النهى يختلفان بطبعهما فى الدلالة على صرف الوجود او على الطبيعة السارية و لو مع قطع النظر عن القرائن الحالية او المقالية لان مفاد الامر عبارة عن طلب ايجاد الشى و هذا يكون مفادا اثباتيا و لذا يصدق حتى مع وجود اول فرد من افراده من دون ان يتوقف على وجود ساير افراده و هذا بخلاف النهى فان مفاده يكون مفادا نافيا و لذا لا يصدق إلّا بنفى جميع افراده و بعبارة اخرى اذا تعلق امر و نهى بشى‏ء واحد كرقبة فالامر يدل بطبعه على وجوب ايجاده و لذا يسقط قهرا بمجرد ايجاده و لو فى المرة الاولى و لكن النهى يدل بطبعه-

39

و على هذا يلزم علينا ان نلاحظ اولا متعلق الامر او النهى و انه هل اعتبر قبل تعلقه به بنحو صرف الوجود فيصير امره او نهيه ايضا بنحو صرف الوجود او اعتبر قبل تعلقه به بنحو الطبيعة السارية فيصير امره او نهيه ايضا بنحو الطبيعة السارية و لا يكشف واحد من هذين الاعتبارين إلّا بملاحظة القرائن الموجودة فى الكلام و هذه القرائن التى يكشف منها ان نهى «لا تنقض اليقين بالشك» فى الرواية المبحوثة عنها يكون بنحو عموم السلب حتى مع قطع النظر عن جهة سلبه عبارة عن ارتكازية القاعدة المزبورة اولا و كونها بمنزلة الكبرى ثانيا و تاكيدها بلفظ ابدا ثالثا.

الامر الثانى انه قد اشكل على الرواية بان النقض المذكور فيها تعلق بالوضوء مع انه لا يمكن ان يتعلق به لان الوضوء و هو العمل الخاص المعبر عنه بالغسلتان و المسحتان قد انصرم و انعدم بعد تحققه فلا يكون قابلا للحكم باستصحابه و عدم نقضه و ما يكون قابلا له عبارة عن اثره الذى يعبر عنه بالطهارة مع انها لم تذكر فى الرواية.

و اجاب عنه الاستاذ العراقى بان الوضوء لم يلحظ بنفسه بل يلحظ باعتبار اثره اى الطهارة و لكن لما كان فى الطهارة خفاء فى نظر اكثر الناس فلذا عبر الامام عنها بذكر سببها و هو الوضوء الذى لا يكون فيه خفاء فى نظر اكثر الناس.

____________

- على وجوب تركه و لذا لا يسقط بمجرد تركه فى فرد من افراده بل انما يسقط بتركه فى جميعها.

هذا بحسب مقام الثبوت الراجع الى ملاحظة طبيعة الامر الذى يكون اثباتيا و طبيعة النهى الذى يكون نافيا و اما بحسب مقام الاثبات فقد اشتهر فى السنة اهل الادب ان النكرة او الطبيعى الواقع فى سياق النفى او النهى يدل على العموم فهذه الشهرة بضميمة عدم وجودها فى مورد الامر يحكى عن مطابقة مقام الاثبات مع مقام الثبوت.

40

و لكن الحق انه لا حاجة الى هذا التوجيه بل يصح ابقاء الرواية على ظاهرها من تعلق حكم لا تنقض بنفس الوضوء و ذلك لان الوضوء و ان انعدم بعد تحققه فى ظرف التكوين و الخارج إلّا انه لم ينعدم فى ظرف التشريع و الاعتبار اذ الشارع قد اعتبره باقيا ما لم يطرأ عليه ناقض كالنوم كما ان اوفوا بالقعود و امثاله ايضا يكون كك بمعنى ان وجوب الوفاء يتعلق بنفس العقد و لكن باعتبار انه باقى فى ظرف الاعتبار الشرعى و ان كان منعدما ظاهرا بعد تحققه فى ظرف التكوين الخارجى.

و منها المضمرة الاخرى لزرارة

و هى «قال قلت له (ع) اصاب ثوبى دم رعاف او شى‏ء من منى فعلمت اثره الى ان اصيب له الماء فاصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبى شيئا و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك قال (ع) تعيد الصلاة و تغسله قلت فان لم اكن رأيت موضعه و علمت انه اصابه فطلبته و لم اقدر عليه فلما صليت وجدته قال (ع) تغسله و تعيد الصلاة قلت فان ظننت انه قد اصابه و لم اتيقن ذلك فنظرت و لم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه قال (ع) تغسله و لا تعيد الصلاة قلت و لم ذلك؟ قال ع لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت و ليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا قلت فانى قد علمت انه اصابه و لم أدر أين هو فأغسله قال (ع) تغسل من ثوبك الناحية التى ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارته قلت فهل على ان شككت فى انه اصابه شى‏ء ان انظر فيه فقال لا و لكنك انما تريد ان تذهب الشك الذى وقع من نفسك قلت فان رأيته فى ثوبى و انا فى الصلاة قال ع تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت فى موضع‏

41

فيه ثم رأيته و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت و غسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدرى لعله شى‏ء اوقع عليك فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك. (1)

و لا يخفى ان هذه الرواية الشريفة تشتمل على جملة من الاحكام الشرعية منها بطلان الصلاة اذا علم بنجاسة ثوبه قبل الاشتغال بها سواء تذكر بها او نسيها و منها بطلانها ايضا اذا علم بنجاسة ثوبه اجمالا لانه وجب عليه حينئذ أن يغسل ثوبه بالمقدار الذى تعلق به علمه الاجمالى.

و منها صحة الصلاة فى الثوب النجس الذى لم يعلم نجاسته قبل الاشتغال بالصلاة لانه مع عدم العلم بها كان محكوما بالطهارة الظاهرية. و منها صحة الصلاة ايضا اذا رأى النجاسة فى اثنائها بشرط ان يطهرها حين ما رآها و إلّا تبطل و تجب اعادتها. و منها عدم وجوب الفحص عن النجاسة حتى مع احتمال وجودها، و منها حجية الاستصحاب و هذه تستفاد من فقرتين من الرواية.

الاولى من ذيلها و هو قوله ع «فليس لك ان تنقض اليقين بالشك» و الثانية من صدرها و هو قوله ع فان ظننت انه اصابه فنظرت فلم أر شيئا فصليت فيه فرأيت فيه قال ع تغسله و لا تعيد الصلاة لانك كنت على يقين من طهارتك و ليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا و هذه الفقرة مشتركة مع الفقرة الاولى فى الاشتمال على الكبرى و لكن تزيد عليها فى ان انطباقها على المورد يكون اظهر و اجلى و لذا نجعلها مركزا لبحثنا.

و تقريب الاستدلال بها منوط بان يكون المراد من الشك المذكور فيها الشك المتحقق قبل الصلاة لا الشك المتحقق بعدها لان الشك القبلى يكون مجرى للاستصحاب النافع للصلاة بخلاف الشك البعدى فانه لا يكون مجرى للاستصحاب‏

____________

(1) استبصار ابواب تطهير الثياب و البدن باب 109 حديث 13 و ذكر فى الوسائل متفرقا فى ابواب النجاسات باب 7 رواية 2 و باب 37 رواية 1 و باب 41 رواية 2 و باب 44 رواية 1

42

النافع لها و بعبارة اخرى لا وجه لتعليل صحة الصلاة بحرمة نقض اليقين السابق عليها فى ظرف الشك المتحقق بعدها لانه لا يكون بعد الصلاة مورد للنقض بالنسبة اليها حتى يحكم بحرمته اضف الى هذا ان الاستصحاب على فرض تاثير جريانه فى الشك البعدى لا يكون محتاجا اليه لانه يجرى فيه قاعدة الفراغ ايضا.

نعم قد يقال بامكان تعليل صحة الصلاة بحرمة نقض اليقين السابق عليها فى ظرف الشك المتحقق بعدها بتقريب ان الشك المتحقق بعدها يكون بنحو الشك السارى الذى يصل الى ظرف اليقين السابق عليها فحكم الامام بعدم الاعتناء بهذا الشك و لو من جهة قاعدة اليقين الذى لا تبقى معها حاجة الى قاعدة الفراغ.

[حول الاشكال الذى اورد عليها]

و لكن يرد عليه انه لا يكون فى الرواية شاهد يشهد على ان الشك المذكور فيها يكون بنحو الشك السارى حتى يصير موردا لقاعدة اليقين بل يكون فيها شاهد يشهد على انه لا يكون بنحو الشك السارى و هو عبارة عما قاله زرارة فى ضمن سؤاله من انه «... فصليت فيه فرأيت فيه» فان قوله فرأيت فيه ظاهر فى ان النجاسة التى رآها فى ثوبه بعد صلاته لم يقطع بانها كانت بعين النجاسة التى ظن بها قبل صلاته لانه لو قطع بعينيتها لها للزم ان يعبر عنها بالجملة المشتملة على الضمير الراجع اليها كقولنا «فرأيته فيه» لا بالجملة الخالية عنه.

و بالجملة صحة الصلاة لا تكون من باب قاعدة اليقين كما لا تكون من باب الاستصحاب الجارى بعدها بل تكون بحسب الظاهر من باب الاستصحاب الجارى قبلها و لو مع كون ظرف اجرائه و ظهور تأثيره فيما بعدها الذى انكشف خلافه فيه حسب الفرض اذ لم يقطع بان النجاسة التى رآها عند هذا الانكشاف كانت بعين النجاسة المظنونة قبلها.

و لكن قد اشكل على الرواية بانه لا يصح الحكم بصحة الصلاة المبحوثة عنها حتى من باب الاستصحاب الجارى قبلها بتقريب ان الاستصحاب يكون من الامارات او الاصول المحرزة و هى لا تكون حجة مطلقة بل تكون حجة مادامية

43

مقيدة بعدم انكشاف خلافه فاذا انكشف خلافه كما هو المفروض من جهة تصريح زرارة بانه رأى النجاسة فى ثوبه بعد صلاته فلا محالة يكشف عدم حجية الاستصحاب المزبور و معه يثبت بطلان الصلاة لا صحنها نعم يصح التمسك بالاستصحاب المزبور لاثبات ان وروده فى الصلاة كان جائزا و لكن هذا المقدار لا يكفى لاثبات صحة الصلاة مع رؤية النجاسة بعدها.

و هذا لاشكال و ان كان مدفوعا بملاحظة ما قلنا آنفا من ان النجاسة التى يفرض رؤيتها بعد الصلاة لا يعلم انها تكون بعين النجاسة التى ظن بوجودها قبل الصلاة حتى يكشف منه عدم كفاية الاستصحاب القبلى لاثبات صحة الصلاة و لكن لزيادة التوضيح فى حل هذا الاشكال بالوجه المزبور او بالوجوه الاخرى نشير اولا الى محتملات شرطية الطهارة للصلاة فنقول انه تحتمل فيها احتمالات خمسة.

الاول ان يكون شرط الطهارة عبارة عن الجامع بين الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية و عليه لا يتصور اصلا بطلان للصلاة التى اتى بها مع الطهارة الظاهرية المستفادة من الاستصحاب و ان انكشف خلافها بعدها لان الصلاة مع هذا الانكشاف ايضا تكون واجدة لشرطها حقيقة.

و لا يرد عليه ان الاستصحاب الذى تستفاد منه الطهارة الظاهرية و كذا ساير الاصول و الامارات لا تكون حجة نفسية بل يكون حجة طريقية تكشف عن وجود مصلحة الواقع فلا تبقى على حجيته مع انكشاف خلافه و ذلك لان هذا المطلب و ان كان صحيحا فى نفسه إلّا انه لا يكون مؤثرا مع الاحتمال المزبور و هو ان الشارع الذى يكون بيده الاعتبار اعتبر شرط الطهارة بالنحو الجامع بين الواقعية و الظاهرية.

الثانى ان يكون شرط الطهارة عبارة عن الجامع بين الطهارة الواقعية و احراز الطهارة الظاهرية و الفرق بين هذا الاحتمال و الاحتمال الاول هو ان الفرد الآخر

44

للجامع فى الاحتمال الاول يكون نفس الطهارة الظاهرية و لكنه فى هذا الاحتمال يكون احرازها لانفسها و على اى حال مع هذا الاحتمال ايضا لا يكون وجه لبطلان الصلاة كما لا يكون وجه له مع الاحتمال الاول.

نعم يرد عليه ان حجية الاستصحاب الذى يحرز به الطهارة الظاهرية اما يكون من باب ترتيب آثار الواقع و هو المعبر عنه بتنزيل المشكوك بمنزلة المتيقن و اما يكون من باب ترتيب آثار اليقين و هو المعبر عنه بتنزيل الشك بمنزلة اليقين فعلى المبنى الاولى يصير اعتبار احراز الطهارة الظاهرية فى عرض الطهارة الواقعية لغوا لان الاستصحاب على هذه المبنى لا يكون مفيدا للاحراز اصلا بل انما يكون حجة على الواقع و على المبنى الثانية يصير اعتبار الطهارة الواقعية فى عرض الطهارة الظاهرية لغوا لان حجية الاستصحاب على هذه المبنى تكون من جهة كفاية نفس الاحراز من دون ان يكون فيه دخل للواقع و بالجملة يشكل الجمع بين الاحراز و الواقع فى عرض واحد لان الاحراز ان لوحظ من حيث طريقية الى الواقع فعليه لا معنى لجعله فى عرض الواقع و ان لوحظ من حيث نفسه فعليه لا معنى لجعل الواقع فى عرضه فافهم.

الثالث ان يكون الطهارة عبارة عن الجامع بين الاحراز الوجدانى للطهارة الواقعية و الاحراز التعبدى للطهارة الواقعية و لكن يرد على هذا الاحتمال ايضا نظير ما يرد على الاحتمال الثانى و هو ان الاحراز ان لوحظ من حيث طريقيته الى الواقع فعليه لا معنى لاعتباره فى الجامع و ان لوحظ من حيث نفسه فعليه لا معنى لاعتبار الطهارة الواقعية فى الجامع.

الرابع ان يكون شرطية الطهارة بمعنى مانعية النجاسة المعلومة و عليه يلزم ان يحكم بصحة الصلاة المبحوثة عنها حتى بدون استصحاب الطهارة لانه اذا شك فى نجاسة الثوب الذى صلى فيه مثلا فلا يصدق عليها النجاسة المعلومة.

45

الخامس ان يكون شرطية الطهارة بمعنى اشتراط الطهارة المعلومة و هذا الاحتمال يكون بعكس الاحتمال الرابع و لذا يحكم معه ببطلان الصلاة حتى مع استصحاب الطهارة لو لم يكن مفيدا للعلم و لكن يرد على كلا الاحتمالين انهما مخالفان لما يستفاد من ظواهر الادلة من ان موضوع الحكم عبارة عن نفس الطهارة او النجاسة مثلا من دون ان يقيد بالعلم بوجودها او بعدم العلم بعدمها.

اذا عرفت هذا فلنرجع الى الاشكال الذى اشرنا اليه و هو عدم صحة الصلاة المبحوثة عنها بالاستصحاب و قد قيل لحله وجوها لا يتم اكثرها

الوجه الاول ان استصحاب الطهارة و ان لم يبق على حجيته من جهة انكشاف خلافه بسبب رؤية النجاسة بعد الصلاة إلّا انه كان حجة قبل الصلاة و حجيته و ان كانت ظاهرية و مقيدة بعدم انكشاف خلافه و لكن يستكشف من نفس مضمرة زرارة ان حجيته فى خصوص المورد اى مورد الشك فى الطهارة تكون واقعية بمعنى انه يجزى عن الواقع و لو مع انكشاف خلافه من اجل كفاية الطهارة الظاهرية المستفادة منه.

و اورد عليه الآخوند و العراقى (ره) انه لا يرتفع الاشكال حتى مع الاستكشاف المزبور لانه يلزم عليه ان يعلل الامام صحة الصلاة المبحوثة عنها بالطهارة المستفادة من الاستصحاب لا بنفس الاستصحاب.

و لكن يرد عليهما انه لو اخترنا الاحتمال الاول او الثانى من الاحتمالات الخمسة المذكورة كما لا يبعد استظهار الاحتمال الاول من الروايات الواردة فعليه يتم تعليل صحة الصلاة بنفس الاستصحاب اضف الى هذا ان الاستصحاب المذكور فى كلام الامام لا يكون مرادا بنفسه بل يكون مرادا بعنوان انه حجة على الواقع و هو الطهارة فيما نحن فيه.

الوجه الثانى ما قاله الآخوند و محصله ان الشرط عبارة عن احراز الطهارة لا نفسها و حيث ان استصحابها محقق لاحرازها فلا محالة يتحقق به شرط الصلاة و معه يحكم بصحتها حتى مع انكشاف خلافه بعدا لانها على هذه المبنى واجدة

46

لشرطها واقعا.

و يرد عليه اولا ان هذا لو سلم تماميته انما ينفع لتوجيه اصل صحة الصلاة و لكن لا ينفع لتوجيه تعليل صحتها بما قاله الامام (ع) و هو «لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا» فان هذا القول يدل على ان صحة الصلاة تكون بلحاظ استصحاب طهارة الثوب فى ظرف الفراغ عن الصلاة و لذا يشكل علينا دركه من اجل ان نقض اليقين بالطهارة بسبب رؤية النجاسة فى ظرف الفراغ عن الصلاة لا يكون نقضا بالشك حتى ينهى عنه الامام ع بل يكون نقضا باليقين و اما لو كان الاستصحاب بالنظر الى ظرف الاشتغال بالصلاة فيرد عليه ايضا انه لم يتحقق فيه شك حتى يجرى فيه الاستصحاب.

و ثانيا انه مخالف للمبنى التى اختارها فى حجية الاستصحاب من انها لا تكون من باب تنزيل الشك بمنزلة اليقين بل يكون من باب جعل المماثل او تنزيل المشكوك بمنزلة المتيقن فان استصحاب الطهارة على هذه المبنى لا يفيد احرازها حتى يرتفع الاشكال بها.

و ثالثا ان ما قاله الآخوند من جعل الشرط عبارة عن نفس احراز الطهارة مخالف لبعض المسلميات منها انهم قد اجمعوا على صحة الصلاة التى وقعت فى الثوب النجس مع الجهل بنجاسته مع انه يلزم على ما قال ان يحكم بفسادها لانها لا تكون واجدة لشرطها الذى عبارة عن احراز الطهارة على ما قال و منها انه يلزم على ما قال ان يكون احراز الطهارة تمام الموضوع و عليه تصير نفس الطهارة لغوا و معه لا يبقى مجال لاستصحابها ايضا خصوصا بملاحظة انه يكون على مسلك الآخوند و المشهور طريقا الى الواقع الذى عبارة عن نفس الطهارة فيما نحن فيه.

ان قلت لا تصير نفس الطهارة لغوا لان الاحراز لا يكون امرا مستقلا بنفسه بل يكون امرا ذات اضافة الى الاشياء الاخرى كالطهارة و امثالها و عليه تكون الطهارة دخيلة و ملحوظة حتى على ما قاله الآخوند.

47

قلت ان الطهارة اما تكون بوجودها الواقعى دخيلة و اما تكون بوجودها العملى دخيلة فان كان الاول فعليه يلزم ان يحكم بانكشاف بطلان استصحابها بعد انكشاف خلافها و هذا مخالف لما قاله الآخوند هنا و ان كان الثانى فعليه يلزم ان تصير الطهارة بوجودها الواقعى لغوا و هذا ايضا مخالف لما بنى عليه المشهور و الآخوند نفسه فى وجه حجية الامارات كالاستصحاب و غيره من انها تكون لمحض كاشفيتها عن الواقع و بالجملة لا يمكن التوفيق بين ما قاله هنا و ما بنى عليه هناك.

الوجه الثالث ما قاله النائينى و محصله ان الشرط عبارة عن الجامع بين الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية التى تحرز بالاستصحاب و امثاله و لذا يحكم بصحة الصلاة مع وجود احدهما سواء انكشف الخلاف بعدها او لم ينكشف لانها مع انكشاف الخلاف ايضا واجدة لاحد فردى الشرط و هو الطهارة الظاهرية التى استفيدت من استصحابها.

و يرد عليه اولا ان الجامع لا ينحصر بالفردين المزبورين بل يكون له فرد ثالث ايضا و هو الغفلة عن الطهارة او النجاسة فانه قد اجمع العلماء على صحة الصلاة فى هذه الصورة و لو كانت مقرونة مع النجاسة واقعا مع انها لا تكون واجدة للطهارة الواقعية و لا الظاهرية.

و ثانيا ما قاله انما يثبت اصل صحة الصلاة و لكن لا يوجه تعليل صحتها بالاستصحاب الجارى بعد الصلاة مع ان الامام عللها به فى قوله (ع) «لانك كنت على يقين من طهارتك و ليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا.

و اورد عليه الاستاذ العراقى ايضا ايرادين نذكر محصلهما ببيان منا.

الايراد الاول ان الطهارة المستصحبة التى قال بصحة الصلاة معها اما تكون خصوص الطهارة الواقعية او الظاهرية و اما تكون حصة من جامعهما المحققة مع هذه او تلك و اما تكون نفس جامعهما مع انه لا ينفع شى‏ء من هذه الاحتمالات.

48

اما الاول فلان خصوص الطهارة الواقعية او الظاهرية لا يكون له يقين سابق حتى يستصحب.

اما الثانى فلان المستصحب ان كان الحصة التى تتحقق فى ضمن الطهارة الواقعية فاستصحابها اما موافق مع الواقع فهو خارج عن مورد الرواية لانه قد فرض فيها انكشاف خلافه و اما مخالف مع الواقع فحينئذ اما لا نحكم بصحة الصلاة فهو ايضا خارج عن مورد الرواية لانها قد حكمت بصحتها و اما نحكم بصحة الصلاة ففي هذه الصورة تكون الصحة مترتبة فى الحقيقة على الطهارة الظاهرية التى حصلت من الاستصحاب لا على الطهارة الواقعية التى لم تحصل منه مع انكشاف خلافه حسب الفرض و بالجملة لا يثمر استصحاب الحصة المتحققة فى ضمن الطهارة الواقعية اصلا و اما ان كان المستصحب الحصة التى تتحقق فى ضمن الطهارة الظاهرية التعبدية فيرد عليه ان الاستصحاب لا يجرى فى الامر التعبدى بل انما يجرى فى الامر الواقعى و بعبارة اخرى التعبد يكون نتيجة الاستصحاب لا موضوعه او جزء موضوعه نعم يمكن ان ثبت موضوعه بالتعبد كما اذا استصحب الطهارة الواقعية التى تثبت بالبينة او بقول ذى اليد او بغيرهما من الحجج الظاهرية إلّا ان الموضوع الثابت بالتعبد لا يستصحب من حيث كونه متعبدا بل يستصحب من حيث نفسه من دون ان يكون للتعبد به دخل فى استصحابه. اضف الى هذا ان هذا الاستصحاب ايضا خارج عن مورد الرواية كما هو ظاهر.

و اما الثالث فهو منوط بان يكون المتيقن السابق عبارة عن الجامع مع انه لا يكون كك لان المتيقن السابق عبارة عن الطهارة الواقعية لا الجامع بينها و بين الطهارة التعبدية و لذا لا يمكن استصحابه. اضف الى هذا ان الاثر لا يترتب على نفس الجامع بل يترتب على اثبات الجامع فى احد افراده و استصحاب الجامع لا يكون قادرا على اثباته الا على القول بالاصل المثبت.

الايراد الثانى انه لا يمكن اصلا ان يكون الشرط جامعا بين الطهارة الواقعية

49

و التعبدية لان الطهارة التعبدية متأخرة عن الواقعية برتبتين من جهة ان الطهارة التعبدية متاخرة عن الاستصحاب برتبة و الاستصحاب ايضا متأخر عن الطهارة الواقعية برتبة اخرى فتلك متأخرة عن هذه برتبتين و لذا لا يمكن ان يلاحظ كلاهما فى نظر واحد فلا يمكن ايضا ان يؤخذ بينهما جامع واحد فتامل.

الوجه الرابع ما قاله النائينى ايضا و محصله ان شرط الطهارة عبارة عن عدم العلم بالنجاسة و على هذا يكون تعليل الامام لصحة الصلاة بقوله (ع) لانك كنت على يقين من طهارتك للاشارة الى مصداق من مصاديق شرط الصلاة و لا بدل على ان الطهارة الواقعية تكون شرطا لها و لذا يتم تعليل صحتها بالاستصحاب اذ المصلى مع وجود الطهارة الاستصحابية و كذا مع انكشاف خلافها يكون واجدا للشرط و هو عدم العلم بالنجاسة واقعا:

و لكن يرد عليه اولا انه على هذه المبنى لا حاجة الى استصحاب الطهارة اصلا لان عدم العلم بالنجاسة الذى يكون هو الشرط حسب الفرض حاصل لنا بدو ايضا و ثانيا ان تعليل الامام ظاهر بل صريح فى ان صحة الصلاة تكون بسبب اشتمال الصلاة على الطهارة التى احرزت بالاستصحاب لا بسبب عدم العلم بالنجاسة.

فتحصل من جميع ذلك انه و ان يدفع بهذه الوجوه الاشكال الاول و هو اصل صحة الصلاة المبحوثة عنها و لكن الظاهر انه لا يدفع بها الاشكال الثانى و هو تعليل صحتها بالاستصحاب إلّا ان عدم رفع هذا الاشكال لا يضر بصحة كبرى الاستصحاب التى صرح بها الامام ع بقوله «لا ينقض القين بالشك ابدا» بل تبقى هذه الكبرى المؤيدة بالارتكاز او الناشئة منه دليلا على حجية الاستصحاب محلقا سواء امكن رفع هذا الاشكال او لا يمكن.

50

تذييل‏

قد اختلفت كلمات الاعلام فى كيفية التوفيق بين الروايات الواردة فى باب اشتراط الصلاة بطهارة الثوب و البدن التى تنصرف الى وجودها الواقعى كما تنصرف اليها ساير الشرائط فيلزم عليه ان نحكم ببطلان الصلاة التى وقعت فى النجاسة فى صورة الغفلة عنها او فى صورة استصحاب الطهارة مع انكشاف خلافها و بين الروايات التى تحكم بصحة الصلاة فى الصورة الثانية و كذا فى الصورة الاولى و ما يمكن ان يقال فى حل الاشكال وجوه.

الاول ان تكون الطهارة شرطا للصلاة و لكن فى ظرف العلم بالنجاسة و اما فى ظرف عدم العلم بها فلا تكون الطهارة شرطا فى الحقيقة سواء كان غافلا عنها او كان مستصحبا لها.

و لكن يرد عليه اولا انه مخالف للاجماع كما انه مخالف للروايات الاولى ايضا لانها ظاهرة فى ان الطهارة تكون شرطا للصلاة بنفسها من دون ان يكون دخل للعلم بها او بمقابلها و ثانيا يلزم عليه لغوية الامارات و الاصول التى تحرز بها الطهارة اذ لا نكون عليه محتاجين الى احراز الطهارة بل يكفى لنا عدم العلم بالنجاسة و هو حاصل لنا بدونه ايضا.

الثانى ان نكون الطهارة شرطا للصلاة و لكن بالاعم من وجودها الواقعى و العلمى و عليه لا يكون فرق بين الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية التى احرزت بالاستصحاب و امثاله.

و يرد عليه ايضا انه مخالف للاجماع و لظاهر الروايات الاولى مع انه لا يرفع به عويصة بعض الروايات الثانية التى تدل على صحة الصلاة فى حال الغفلة عن الطهارة و النجاسة لان الغفلة تجتمع مع عدم وجود الطهارة الواقعية و الظاهرية معا. اضف‏

51

الى هذا ان هذا الوجه و كذا الوجه الاول لا يكون جمعا بين الروايات الثانية و الاولى بل يكون فى الحقيقة تقديما للروايات الثانية على الاولى.

الثالث ان تكون الطهارة بوجودها الواقعى شرطا و لكن اذا صلى المكلف مع الطهارة الظاهرية ثم انكشف خلافها فبمقتضى الروايات الثانية نلتزم بان الصلاة الناقصة التى اتى بها مع استصحاب الطهارة او مع الغفلة عنها تجزى عن الصلاة الكاملة بامتنان الشارع فى قبوله الناقصة مكان الكاملة او نلتزم بان التكليف بالكاملة يسقط بعد الاتيان بالناقصة من جهة زوال مصلحتها بالمضادة و هذان الوجهان اللذان يجيئان فى مورد قاعدة التجاوز و الفراغ ايضا يعبر عن اولهما بالوفاء او الاقتناع و يعبر عن ثانيهما بالتفويت او المضادة.

و لكن يرد على اولهما اولا ان الالتزام بوفاء الصلاة الناقصة الفاقدة للطهارة الخبثية مثلا عن الصلاة الكاملة الواجدة لها عند الغفلة عنها او عند قيام الامارة عليها يكون فى الحقيقة بمعنى الالتزام بان شرط الصلاة عبارة عن الجامع بين الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية بل و بين عدم العلم بالنجاسة و هذا يرجع الى الوجه الثانى الذى عرفت بطلانه.

و ثانيا يلزم عليه ان يصير الامر المتعلق بالصلاة امرا تخييريا فى الواقع بين الواجدة للطهارة الخبثية و الفاقدة لها و هذا لو لم يكن ممتنعا بحسب مقام الثبوت فلا اقل من ان يكون ممتنعا بحسب مقام الاثبات لانه مخالف لظاهر الروايات و القواعد المسلمة.

ان قلت ان مصلحة الصلاة الفاقدة لها لا تكون فى عرض مصلحة الصلاة الواجدة لها حتى يلزم تصوير الامر التخييرى بينهما بل يكون مقيدا بعدم تحقق مصلحة الصلاة الواجدة لها اما من جهة الغفلة عنها و اما من جهة قيام الامارة عليها و لذا لا يصير الامر المتعلق بهما امرا تخييريا بينهما و هذا و ان كان مستلزما لاشكال تقييد مصلحة الصلاة الواجدة ببعض الصور إلّا انه لا يرجع الى مقام جعل الحكم الاولى بل‏

52

يرجع فى الحقيقة الى مقام الفراغ عن العمل من باب اقتناع الشارع بالمصلحة الناقصة عن الكاملة منة على اتباعه و مثل هذا لا ضير فى قبوله.

قلت هذا التوجيه و ان يجعل الامر المتعلق بكل واحد منهما فى مرتبة ممتازة عن الآخر فيدفع به اشكال صيرورة الامر المتعلق بهما تخييريا بحسب الظاهر و لكن لا يرد معه اشكال لزوم اعتبار الجامع بين المرتبتين الطوليتين بحسب الواقع و قد اشرنا الى بطلانه ايضا فى ذيل الوجه الثالث من المبحث السابق.

فتحصل من هذه الوجوه انه لا يمكن تصحيح الناقص إلّا بالالتزام بملاك التفويت و المضادة او بالالتزام بملاك آخر كاستفادة تقييد الشرط ببعض الصور من مجموع الروايات الواردة فى الباب فتامل.

و منها صحيحة [ثالثة لزرارة]

و هى قوله (ع) اذا لم يدر فى ثلاث هو او فى اربع و قد احرز الثلاث قام فاضاف اليها اخرى و لا شى‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك فى اليقين و لا يخلط احدهما بالآخر و لكن ينقض اليقين بالشك و يتم على اليقين فيبنى عليه و لا يعتد بالشك فى حال من الحالات. (1)

واحد رواة هذه الرواية و هو محمد بن اسماعيل و ان كان مرددا بين عدة يكون بعضهم من الموثقين و بعضهم من غير الموثقين إلّا انه حسب ما يظهر من التتبع فى مظانه يطابق على النيسابورى الذى يوثقه العلماء و كيف كان قد استدل على حجية الاستصحاب بقوله (ع) لا تنقض اليقين بالشك كما استدل عليه بنفس هذه الجملة فى الروايتين السابقتين ايضا إلّا ان تطبيقه على المورد المذكور فى هذه الرواية لا يكون خاليا عن الاشكال كما لم يكن خاليا منه فى الرواية الثانية.

____________

(1) وسائل ابواب الخلل الواقعة فى الصلاة باب 10 حديث 3