تحريرات في الأصول‏ - ج3

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
516 /
1

[تتمة المقصد الثاني في الأوامر]

الفصل السادس في مقدمة الواجب‏

2

-

3

و البحث حول هذه المسألة يستدعي تقديم أمور:

الأمر الأول: في تحرير محل النزاع و مقام التشاح‏

أي ما يمكن أن يقع مورد البحث عند الأعلام- رضي اللَّه عنهم- من بدو حدوثها. و كان ذلك بين العامة و الخاصة، معنونا في كتبهم الأصولية، و لا يحضرني الآن تاريخ البحث، مع قلة جدواه.

و على كل تقدير: لا شبهة في أنه إذا كان شي‏ء واجبا، و كان في وجوده الخارجي، محتاجا إلى المبادئ الخاصة و المقدمات المعينة، من الشرائط، و العلل، و رفع الموانع و هكذا، و كان هذا واضحا عند العقل، فالعقل يدرك لا بدية ذلك، قضاء لحق امتناع المعلول بدون علته، فبعد إدراك العلية، و تشخيص العلة، يدرك لزوم ذاك عند إرادة إيجاد الواجب و ذي المقدمة. و هذا لا يعقل أن يقع مورد النفي، حتى يبحث عنه عاقل.

و أيضا: ليس البحث حول أن الإرادة المتعلقة بالواجب و الوجوب الثابت لذي المقدمة، يترشح بنفسه إلى المقدمات الدخيلة في تحققه، لأن معنى ذلك كون المقدمات داخلة في أجزاء الواجب، و هو خلف.

و لا يقول أحد: بأن هذا الترشح قهري، لعدم إمكان تعلق الشي‏ء- بعد الإضافة إلى شي‏ء آخر- بشي‏ء ثان، لأنه قد تشخص بذلك المضاف، فالإرادة المتعلقة بالبعث إلى الصلاة، لا تتجاوز عنها إلى مقدماتها الخارجة عن ماهيتها قهرا.

4

و لا يمكن اختيارا أيضا إلا بإرجاعها إلى أجزائها في الماهية مثلا.

و لا أيضا في أن المولى و الآمر بعد إدراك اللابدية العقلية، هل يوجب المقدمة إيجابا إنشائيا، كما يوجب ذي المقدمة؟ لأنه كثيرا ما يحتاج الواجب إلى مقدمات، و لا يكون لإيجابها في الأخبار و الآثار أثر، فلا معنى لإلزام الشرع بإيجاب المقدمة بعد إيجاب ذي المقدمة.

و لا أيضا في أن الوجوب الثابت بنحو الحقيقة، يسند حقيقة إلى المقدمة، أم مجازا، فيكون البحث لغويا.

و لا يعقل أن يكون البحث في أصل الملازمة بين إرادة الشي‏ء و إرادة المقدمات، التي هي ملازمة طبيعية تكوينية، لأن المقدمات كثيرا ما تكون مذهولا عنها. مع أن إرادة المقدمة، ليست معلولة إرادة ذي المقدمة و مخلوقتها، بل هي مخلوقة النّفس و معلولتها، كإرادة ذي المقدمة.

نعم، هي من مبادئ تلك الإرادة، و لكن مجرد كونها من مبادئ إرادة المقدمة، لا يستلزم تحقق الإرادة التشريعية في نفس المولى قهرا عليه.

فتحصل: أن الوجوب و الإيجاب، ليس بمجرد درك التوقف الثابت في نفس الآمر و لو كان عالما بالمقدمات على الإطلاق، كما في المولى الحقيقي و الشرع الواقعي، فإنه أمر اعتباري إنشائي متقوم بالإظهار.

و لا أيضا في أن المولى هل له طلب نفساني من العبد بالنسبة إلى المقدمات، و عنوان «ما يتوقف عليه الواجب»؟ لأن هذا بحسب الثبوت غير قابل للإنكار، ضرورة أن الآمر المتوجه العالم بجميع المقدمات، و الطالب لشي‏ء طلبا جديا، و الشائق إليه شوقا عاليا، يطلب- بحسب الطبع النفسانيّ، و بحسب الارتكاز الوجداني، و لأجل العشق للمطلوب الأعلى- طلبا نفسانيا، أي يكون ذا علاقة بذلك، و ذا محبة، و اشتياق إليه، و لكنه ليس إرادة، فإنها صفة فعالة للنفس، و مخلوق‏

5

صادر منها، على ما تقرر منا في محله‏ (1)، و في هذا الكتاب‏ (2)، و لا يكون من اللوازم لتلك الإرادة كسائر اللوازم.

بل الّذي يمكن أن يقع محل النفي و الإثبات: هو أن الآمر بعد الأمر بالشي‏ء، و بعد درك اللابدية القهرية، و بعد ثبوت الشوق إليها طبعا، فهل يريد ذلك كما أراد الواجب الأصلي و ذا المقدمة، أم لا؟

أو يقال: هل إبراز الطلب لشي‏ء و إنشاء الإرادة التشريعية، قرينة عقلائية و كاشف عرفي عن حصول تلك الإرادة منه لتلك المقدمات- بعد إمكان ذلك- أم لا؟ فمن أوجب استظهر ذلك، و من أنكر اقتنع بمقتضى الصناعة بعد فقد الدليل اللفظي عليها. و مما ذكرناه يظهر مواضع الخلط و الاشتباه في كلمات القوم‏ (3)، حتى الوالد المحقق- مد ظله- (4).

و من العجب: ما توهمه القوم: «من أن البحث هنا حول ترشح الإرادة قهرا عن إرادة ذي المقدمة» (5)!! و أنت خبير: بأن ذلك يرجع إلى كون الإرادة الثابتة مخلوقة الإرادة الأولى، و هذا واضح المنع.

و هكذا ما أفاده الوالد- مد ظله-: «من جعل الملازمة بين إرادة الواجب، و إرادة ما يراه المولى مقدمة، مورد البحث» (6)!!

____________

(1)- القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

(2)- تقدم في الجزء الثاني: 40- 41.

(3)- نهاية الأفكار 1: 258، نهاية الأصول: 153، محاضرات في أصول الفقه 2: 293.

(4)- مناهج الوصول 1: 323- 327، تهذيب الأصول 1: 198.

(5)- أجود التقريرات 1: 214، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 262، منتهى الأصول 1: 275.

(6)- مناهج الوصول 1: 326، تهذيب الأصول 1: 198.

6

ضرورة أن الكلام حول ما إذا كان المولى فرضا عالما بالمقدمة، و عالما بالتوقف، و شائقا نحوه، فإنه هل يمكن هنا القول بالوجوب، أم لا، أو يمكن أن يقال:

بأنه يريد ذلك زائدا على الشوق و الاشتياق، أم لا؟

و لو كان الوجوب و الإرادة قهري الوجود بعد تلك الإرادة- لأنها ليست إلا الشوق المؤكد، و هو حاصل- فلا يبقى مورد للنزاع، و يصير القول بوجوب المقدمة قطعيا، لأن الشوق و الميل الطبيعي قطعي و وجداني.

فتحصل: أن مقدمة الواجب ليس مورد البحث وجوبها بالمعنى الاعتباري الإنشائيّ، فإنه ممنوع قطعا، إلا في مقدمات أوجبها الشرع بألفاظ الإيجاب، بل المراد هو حصول الإرادة التشريعية في نفس المولى، كالإرادة التشريعية الموجودة في نفسه بالنسبة إلى ذي المقدمة، فيكون- على هذا- ما هو محط البحث: أن الإرادة المتعلقة بطبيعة، أو إيجاب أمر، هل تتعقبه إرادة أخرى متعلقة بمقدماتها، أم لا؟

و إن شئت قلت: هل مقدمة الواجب تكون مرادة بإرادة تشريعية أخرى، أم لا؟

و أما التعبير ب «الوجوب» فهو غلط، لأن الوجوب و الإيجاب فرع الإنشاء و الإبراز، و لا معنى لإرادة اللزوم العقلي منه، لأنه أمر مفروغ عنه، كما هو الواضح.

و لا يخفى: أن الفرق بين الإرادتين، هو أن الأولى ليست من مبادئها الوجودية إرادة، بخلاف الثانية و هي الإرادة المتعلقة بالمقدمة، فإنها من مبادئها الإرادة الأولى المتعلقة بإيجاب كذا، و ليست المبادئ الموجودة في النّفس، موجبة لإجبارها على خلقها، حتى يقال باضطرارها إليه، لما تقرر منا: من أن النّفس مختارة في ذلك و لو حصلت مبادئها التي توهمها القوم مبادئ لها (1).

ضرورة أن مع الشوق الأكيد لها، لا مانع من عدم تجمع النّفس على إبداعها، لملاحظة مصالح اخر، و منها الثمرات المترتبة على القول بالوجوب في باب‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الثاني: 52 و ما بعدها.

7

المقدمة، فإنه يمكن أن لا تتصدى لإيجادها، بلحاظ أن لا يترتب تلك الثمرات عليها، فافهم و اغتنم، و كن من الشاكرين.

ثم إن العنوان الجامع هو عنوان «ما يتوقف عليه الواجب» فلو التزم أحد بوجوب المقدمة، فلا يقول: بأن ما يراه المولى مقدمة هو الواجب، أو ما يراه العبد مقدمة هو اللازم، لاختلاف تشخيص المولى و عبده فيما هو الموقوف عليه أحيانا.

و حيث إن البحث لا يختص بالمولى الحقيقي الواقف على كل الأمور، فلا بدّ من اعتبار عنوان جامع يشمل ما هو الموقوف عليه واقعا، و يشترك فيه جميع الموالي، و هو هذا كما لا يخفى.

الأمر الثاني: هل مسألة مقدمة الواجب من المسائل الأصولية؟

اختلفت كلمات الأعلام في أن هذه المسألة، من مسائل أي من العلوم؟ فهل هي مسألة كلامية، بتوهم أن المتكلم يبحث عن صحة العقوبة و المثوبة على الواجب المقدمي و عدمها (1)؟ و هذا غير صحيح، لأن ذلك بعد الفراغ عن أصل وجوبها، و إلا فلا معنى لذلك البحث.

أم هي مسألة تعد من مبادئ الأحكام؟ كما اختاره السيد الأستاذ البروجردي (قدس سره)(2)- تبعا للحاجبي و البهائي‏ (3)، و هو مختار المحشي المدقق (قدس سره)(4)- معللا: «بأن القدماء كانوا يبحثون في فصل عن معاندات الأحكام و ملازماتها،

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 259، لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 294.

(2)- نهاية الأصول: 154.

(3)- شرح العضدي: 90- السطر 21، زبدة الأصول: 55، هداية المسترشدين: 191- السطر 31.

(4)- نهاية الدراية 2: 9.

8

و يسمونها: المبادئ الأحكامية، و هذا منها. و لا يكون من مباحث الأصول، لأن موضوعه هو الحجة في الفقه، و لا معنى للبحث عن الحجية هنا، بل البحث عنها بعد الفراغ عن أصل وجودها، و ما هو محل البحث هي الملازمة بين الوجوبين، فإن كانت الملازمة فالحجية أحد المتلازمين على الآخر واضحة، و لا معنى للبحث، و إن لم تكن ملازمة فلا معنى للحجية».

و أنت خبير بما مر منا في محله: من أن المعتبر في العلوم هي المبادئ التصورية، و التصديقية، و ليست مبادئ الأحكام إلا راجعة إلى إحداهما (1).

هذا مع أن ما هو محط البحث هو حجية الملازمة، و لا يلزم في المسائل التي يحمل عليها «الحجية» كونها محل الخلاف، كحجية القطع، فبعد ثبوت الملازمة يبحث عن حجيتها، فيصير بحث المقدمة من المبادئ التصديقية لموضوع هذه المسألة.

أو هي من المسائل الفقهية، لأن البحث حول المقدمة يرجع إلى أنه واجب شرعا، أم لا (2)؟

و فيه: أن المنظور فيه هو استكشاف أن الملازمة بين الإرادتين ملازمة عرفية، فإن ثبتت الملازمة فيحكم بالوجوب.

و بعبارة أخرى: إذا سئل عن الفقيه: «ما الدليل على وجوبها؟» فلا بدّ و أن يتمسك بمثل ذلك، فما هو المبحوث عنه هنا ليس بحثا فقهيا، و إن كان ظاهر عنوان القوم يوهم ذلك. و لكنك عرفت: أن عنوان البحث ما ذكرناه: و هو أنه إذا أوجب الشرع شيئا، فهل تكون مقدماته مرادة، أم لا؟ و هذا معناه أنه هل العقلاء و العرف، يرون الملازمة حتى يحكموا بوجود اللازم، أم لا؟ فليتدبر.

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 51.

(2)- معالم الدين: 57، لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 293.

9

أم هي من المسائل الأصولية، كما هو المشهور بين أبناء التحصيل، و المعروف بين أهل النّظر (1)، معللين: «بأن ميزان المسألة الأصولية منطبق عليها، لوقوعها في طريق استنباط الحكم الكلي الفرعي».

أو هي مسألة فلسفية، وجوه و جهات.

فبالجملة: يدور الأمر بين المسلكين، فإن قلنا: بأن موضوع العلم هي الحجة في الفقه و الدليل عليه، و مسائله متقومة بتشخيص تعينات تلك الحجة و مصاديقها، فالبحث عن هذه المسألة يكون من المبادئ التصديقية.

و إن قلنا: بأن موضوع العلم ما يمكن أن يقع ... إلى آخره، و مسائله كذا، فالمسألة من مسائل الأصول، فتكون النتيجة تابعة لبحث آخر.

و الّذي عرفت منا: أن هذه المسألة من المبادئ، إلا أنه بعد الفراغ عن الملازمة يقع عنوان الملازمة من مصاديق الحجة و تعيناتها، بمعنى أن أحد المتلازمين حجة على الآخر، فتدبر.

ثم إن الظاهر من كتب القدماء ك «العدة» (2) و كتاب أبي الحسين البصري‏ (3):

أن المسألة لفظية. و بناء المتأخرين على أنها عقلية صرفة و محضة، أو عقلائية، غير دخيل فيها اللفظ (4).

و ما يتمسك به من الدلالة الالتزامية على وجود تلك الإرادة (5)، غير واقع في‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 114، أجود التقريرات 1: 212، نهاية الأفكار 1: 261، مناهج الوصول 1: 327- 329، محاضرات في أصول الفقه 2: 295.

(2)- عدة الأصول: 74.

(3)- المعتمد في أصول الفقه 1: 93.

(4)- أجود التقريرات 1: 212، مناهج الوصول: 327، محاضرات في أصول الفقه 2: 295.

(5)- نهاية الأفكار 1: 261.

10

محله، كما أوضحه السيد الوالد المحقق- مد ظله- (1).

و على كل تقدير: تختلف الأدلة القائمة، و لو كان الاستدلال ميزان اللفظية و العقلية، فهي مسألة عقلية، و عرفية، و لفظية، فتدبر جيدا.

الأمر الثالث: في خروج مقدمة الحرام‏

مقتضى ما يظهر من القوم: أن ما هو محط البحث هو مقدمة الواجب، و هو الفعل الّذي وجب بحسب الشرع، فيكون الترك الواجب في المحرمات، خارجا عن حريم الكلام، و لذلك عقدوا له بابا في الفصل الآخر (2).

و لقد عدل عما ذكره القوم في «الدرر» و قال: «الأولى جعل عنوان البحث هكذا: هل الإرادات الحتمية للمريد- سواء كانت متعلقة بالفعل ابتداء، أو بالترك من جهة مبغوضية الفعل- تقتضي إرادة ما يحتاج ذلك المراد إليه» (3) انتهى.

و أنت خبير بما تقرر في محله: من أنه في المحرمات ليست إرادة متعلقة بترك الفعل رأسا، و إلا يلزم أن لا يصدر عنه الفعل قهرا و جبرا، بل الّذي هو المراد هو الزجر عن المادة، و في الأمر هو البعث إليها، و التحريك نحوها (4)، فلا بدّ من إثبات الملازمة بين الإرادة المتعلقة بالزجر، و إرادة الترك و البعث نحوه، ثم بعد إثبات تلك الملازمة، يستكشف ملازمة أخرى بين الإرادة الثانية و إرادة ثالثة أخرى، و هذا غير موافق للتحقيق، فما هو مورد البحث هنا هو مقدمة الواجب.

____________

(1)- تهذيب الأصول 1: 200- 201، مناهج الوصول 1: 327- 328.

(2)- كفاية الأصول: 159، أجود التقريرات 1: 248، مناهج الوصول 1: 415، محاضرات في أصول الفقه 2: 439.

(3)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 84.

(4)- يأتي في الجزء الرابع: 83- 93.

11

نعم، إذا كان الترك مبعوثا إليه في مورد، فهو مورد النزاع، و يكون هو من الواجبات الشرعية كالفعل. فليتدبر جيدا.

الأمر الرابع: حول إمكان الالتزام بأن المقدمة مستحبة

المعروف و المشهور: أن المسألة ثنائية الطرف، و يكون أمر المقدمة دائرا بين الوجوب الشرعي الغيري و عدمه، بعد مفروغية لزومها العقلي‏ (1)، ضرورة أن الملازمة إن ثبتت فهي واجبة، و إلا فلا.

و لكنك أحطت خبرا و سيأتي زيادة توضيح: بأن من الممكن الالتزام باستحباب المقدمة شرعا، مثلا إذا كان الحج واجبا، و المشي إليه واجبا عقلا، و كان المولى يجد أن الناس مختلفون في الانبعاث عن أمر الحج، فمنهم: من ينبعث عنه بلا لحاظ شي‏ء آخر، و منهم: من يلاحظ التجارة في ذلك، و منهم: من لا ينبعث إلا إذا كان فيه النّفع الكثير، فإذا رأى المولى ذلك:

فتارة: يلاحظ المشي و الأقدام في نفسها، فلا يكون في تلك مصلحة أصلا.

و أخرى: يلاحظ أن هذه الأقدام تنتهي إلى الواجب، فيجعل حذاء كل قدم ثوابا، و تكون هذه الأقدام مستحبة، و مورد الأمر التشريعي الناشئ من الأمر بذي المقدمة.

و السر في ذلك: أن الملازمة بين الإرادتين ليست عقلية، بل يمكن التفكيك بينهما، و لكن يمكن دعوى كونها نوعية و غالبية، فإذا كانت الإرادة الثانية تحت سلطان المولى، فربما يريد إرادة تشريعية إلزامية، و أخرى يريد إرادة تشريعية ندبية.

____________

(1)- كفاية الأصول: 114، أجود التقريرات 1: 213- 214، نهاية الأفكار 1: 258، تهذيب الأصول 1: 198، محاضرات في أصول الفقه 2: 292- 293.

12

و من ذلك تنحل شبهة الثواب على المشي إلى زيارة مولى الكل أمير المؤمنين (عليه السلام) ذهابا و إيابا، و إلى زيارة السيد الشهيد (عليه السلام) ذهابا، و هكذا.

الأمر الخامس: إناطة هذا البحث بأحد أنحاء التقدم‏

مناط البحث و الملاك في مسألة مقدمة الواجب: هو أن يكون بين ذي المقدمة و المقدمة أحد أقسام التقدم، حتى يمكن أن تكون الإرادة الثانية، متعلقة بأمر غير ما هو ذو المقدمة، ضرورة امتناع تعدد الإرادة التأسيسية مع وحدة المراد.

فإذا كان الميزان هو الغيرية الواقعية بحسب الاعتبار، لا بحسب الوجود، يندرج كل شي‏ء يكون بينه و بين الآخر عنوان «المقدمية» و «ذي المقدمية» و لو كانا بحسب العين و الخارج متحدي الوجود في مصب النزاع، و ذلك لأن محل تعلق الإرادة التشريعية- على ما تقرر في مبحث تعلق الأوامر- ليس الخارج، و لا الطبيعية الخارجية، بل محط تعلق الأمر عالم وراء عالم الذهن و الخارج، و داخل فيهما، كما في عالم الاعتباريات و الماهيات‏ (1)، فلاحظ.

أقسام المقدمة و بيان ما يدخل منها في محل البحث‏

إذا أحطت خبرا بهذا المختصر، نبين لك أمورا:

أحدها: دخول العلة التامة و المعلول في بحث المقدمة

، لأن ملاك التقدم هي العلية، و ملاك السبق هي السببية، فلو كان الواجب عنوان «المسبب» يقع البحث في تحقق الإرادة الأخرى متعلقة بالعلة و السبب، و إن كانت العلة و المعلول مختلفين بالرتبة، و متحدين في معنى آخر.

____________

(1)- تقدم في الجزء الثاني: 230- 237.

13

ثانيها: دخول الوجود بالنسبة إلى الماهية في محل النزاع‏

، بناء على تجريد الوجود منها، فإنه لو كان العقل يدرك أن الطبيعة لا تصير قابلة للأثر إلا بالوجود، فيقع البحث المزبور هنا، و يكون الوجود مقدما على الطبيعة تقدما بالحقيقة، على ما هو المصطلح عليه في الكتب العقلية (1)، فإذا أمر بالضرب، تحصل- على القول بوجوب المقدمة- إرادة أخرى لإيجادها خارجا مقدمة.

ثالثها

: يدخل العلل الناقصة و المعدات الوجودية، التي يكون تقدمها على ذي المقدمة تقدما بالطبع، و يكون تأخر ذي المقدمة عنه تأخرا بالطبع. و هذا هو القدر المتيقن عند الأصحاب في محط النزاع.

رابعها: دخول أجزاء المركب‏

، فإن ذات كل جزء إذا لوحظ بالنسبة إلى المركب التأليفي كالبيت، و الاعتباري كالصلاة، بل و الحقيقي كالجسم- على إشكال منا في تركبه، و لقد تحرر في كتابنا «القواعد الحكمية» (2) بساطته- فهو أمر مباين للكل، و لا يعتبر منه عنوان «الجزئية» في هذا اللحاظ، لأن المنظور هو ذاته، لا عنوان «الجزء» و يصح في هذا اللحاظ سلب عنوان «الصلاة» عن الركوع و السجود، و هكذا كل واحد من الأجزاء إذا لوحظ مستقلا و بعنوانه الذاتي الدخيل في تحقق الكل.

و هذا قسم آخر من التقدم و السبق، فلك أن تعبر عنه ب «التقدم بالطبع» لأن الصورة و المادة- كل واحدة- مقدمة على الجسم بالطبع و إن كان الجسم في ماهيته مركبا منهما على المشهور (3)، أو سمه باسم آخر، و هو «التقدم بالذات» مثلا،

____________

(1)- الحكمة المتعالية 3: 257، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 86- 87.

(2)- مفقودة.

(3)- الشفاء، قسم الطبيعيات 1: 34.

14

و سيأتي شبهات على اندراج بعض هذه الأقسام في محل النزاع مع دفعها (1).

خامسها: اندراج أجزاء المركب بما هي أجزاء

، فإن كل جزء و إن كان لا ينتزع عنه عنوان «الجزئية» إلا مع انتزاع عنوان «الكلية» عن الكل، و لكن الكل و الجزء على قسمين:

أحدهما: ما لا يصدق الطبيعة على الكل بدون هذا الجزء الخاصّ.

ثانيهما: ما يصدق.

مثلا تارة: يلاحظ الشي‏ء المركب الّذي ليس له إلا جزءان، فإذا اعتبر أحد الجزءين مقابل الكل، لا يصدق على البقية اسم الطبيعة في هذه المرتبة.

و أخرى: يلاحظ المركب ذا أجزاء كثيرة كالصلاة، فإذا لوحظ جزؤها فلا يسلب عنوان «الصلاة» عن البقية.

فعليه ما يكون من قبيل القسم الأول، يكون تقدمه على المركب تقدما بالتجوهر، و ما يكون من القسم الثاني، يكون تقدمه بالذات أو بالطبع أيضا، و يكون عنوان «الجزء» غير منتزع عن الجزء الملحوظ حذاء المركب، و ينتزع في الفرض الثاني، لأن كلية الكل باقية بالأخريات، فلا مانع من انتزاع الجزئية.

نعم، مع ذلك كله لا يعقل انتزاع الجزئية على وصف الفعلية و إن كانت البقية كلا، فإنها ليست كلا بالقياس إلى هذا الجزء إلا شأنا، كما أن هذا الجزء ليس جزء له إلا شأنا. و لكن مناط تعلق الإرادة الثانية موجود، و هو الغيرية في مرحلة اللحاظ و التشريع.

سادسها: دخول قيود المركب في محل النزاع أيضا

، ضرورة أن المركب قد يكون ذا أجزاء، كالركوع، و السجود، و قد يكون ذا قيود و شروط، كالطهور، و الستر، و الاستقبال، و هكذا، فإن كل واحد من الأجزاء- سواء كان جزء متدرج‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 16- 27.

15

الوجود غير محفوظ مع الطبيعة، كالأجزاء الأولية، أو جزء محفوظا معها من أول وجودها إلى آخره، كالشروط و القيود المزبورة- متعلق الأمر الأول و الإرادة الأولى بعين تعلقه بالكل الإجمالي، و كل واحد منها غير المركب، و يسلب عنه عنوان الصلاة، فتثبت الغيرية، و يحصل مناط تعلق الإرادة الثانية به.

فبالجملة: المناط و الميزان- بعد فرض كونهما مقدمة و ذا المقدمة لمتعلق الإرادة الأخرى بالمقدمة- هي الغيرية في عالم الاعتبار و اللحاظ الموافق للواقع الاعتباري، لا الخارجي و العيني و التكويني، فلا تخلط.

سابعها: دخول أمثال الطهارات الثلاث في محل البحث أيضا

، لأن كونها محصلات القيود المعتبرة في المركب، لا يضر بكونها- بنحو- من مقدماته، و لذلك اشتهر هذا في الاندراج أيضا (1)، فليتأمل.

فتحصل حتى الآن: أن مناط دخول شي‏ء في محط البحث، ثبوت الغيرية بينه و بين ذي المقدمة، مع توقف ذي المقدمة عليه بنحو من التوقف، سواء كان ذلك يرجع إلى التوقف في الوجود، أو التوقف في الاسم و الماهية. و قد عرفت: أن ظرف الغيرية هو ظرف تعلق الإرادة و الجعل، أي يعتبر الغيرية في مقام الجعل و التشريع، و مقام تحقق الإرادة الثانية التشريعية التأسيسية، و إن سلبت الغيرية بحسب الوجود و الخارج.

و مما ذكرناه يظهر مواقف الضعف في كلمات القوم رحمهم اللَّه و ينقدح طريق دفع الشبهات المتوهمة في المسألة، و لكن لمكان ابتلاء الفضلاء و المحققين بالإشكالات و الانحرافات، لا بد من التفصيل في الأمر، و اللَّه من ورائها محيط.

____________

(1)- قوانين الأصول 1: 100- السطر 15 و 19 و 21، هداية المسترشدين: 195- السطر 11، أجود التقريرات 1: 220، نهاية الأفكار 1: 270، نهاية الأصول: 157.

16

شبهات و تفصيات‏

الأولى:

ليست الأسباب التوليدية و العلل التامة داخلة في محط البحث، و ذلك لأن الأمر الأول و الإرادة الأولى، ترجع من مصبها- بحسب اللفظ و الإنشاء- إلى العلة و السبب، لأنه مورد القدرة و الاختيار، دون ذاك.

و لأن العلة و المعلول لا يختلفان إلا بالاعتبار في الخارج، فإن حركة اليد و المفتاح واحدة تنسب إلى اليد تارة، و إلى المفتاح أخرى، فلا يمكن ترشيح الإرادة الثانية للعنوان الآخر، بعد كونهما بحسب الوجود واحدا (1).

و فيه أولا: أن ما هو المحرر في محله، إمكان كون الواجب الشرعي هو المسبب، و يكفي لاختياريته اختيارية سببه، و لا داعي إلى تبديل مصب الإرادة الأولى.

هذا مع أن ما هو المأمور به نوعا، يكون له الأسباب المتفرقة الناقصة، التي تجمعها في العين يستلزم وجود المعلول و المسبب، و مجرد تخلل الإرادة، لا يستلزم تجويز كون الواجب في هذه المواقف، نفس ما هو المأمور به إنشاء، و في العلل التامة علته و سببه. بل مع ملاحظة أن ما هو مورد الاختيار حقيقة هي الإرادة الفاعلية- لا الفعل، فإنه مختار باختيارية الإرادة- لا يلزم انقلاب جميع الواجبات الشرعية إلى الأمر الآخر، فليتدبر.

و ثانيا: ليس معنى العلية، وحدة وجود العلة و المعلول، و إن قلنا: بأن معنى‏

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 219، منتهى الأصول 1: 283.

17

العلية هي التشأن، كما هو المقرر عند أهله‏ (1).

و ثالثا: ليست العلية بين حركة اليد و المفتاح كما اشتهر، بل المفتاح بمنزلة الإصبع يكون حركته كحركة جالس السفينة مجازية، لا حقيقية، و حركة المعلول حقيقية، لا مجازية.

و رابعا: يكفي الاختلاف العنواني الكاشف عن اختلاف الاعتبارين في تحصل الإرادة الثانية، ضرورة أن المولى إذا قال: «حرك المفتاح» فإنه غير ما إذا قال: «حرك يدك» و إذا كان بين العنوانين في عالم التشريع اختلاف و غيرية، فلا بأس بتعدد الإرادتين حسبما عرفت من الميزان و الملاك في موضوع البحث. فما اشتهر في الأسباب التوليدية- كالإلقاء و الإحراق، و القتل و الضرب بالبندقة، و التقبيل و الرجوع في المطلقة الرجعية (2)- غير تام، لاختلاف العنوانين حسب الاعتبار واقعا في محيط التشريع.

و مما ذكرناه يظهر إمكان توسعة هذه الشبهة إلى العلة الناقصة بالبيان الّذي تحرر، مع ما مر من جوابه.

و بعبارة أخرى: لو تمت هذه الشبهة و هي رجوع الحكم المتعلق بالمعلول و المسبب إلى العلة و السبب، للزم أولا: إنكار جميع الواجبات الشرعية، لأن اختيارية تلك الأفعال باختيارية إرادة تعلقت بها، على ما تقرر في مباحث الإرادة (3)، و ثانيا: خروج جميع المقدمات الخارجية و الداخلية عن حريم البحث، لأن المعلول لا يحصل إلا بعد تجمع العلل الناقصة، و حيث إن العلة و المعلول مختلفان وجودا في الاعتبار، و هو غير كاف لتعدد الإرادة، فيلزم عدم حصول‏

____________

(1)- الحكمة المتعالية 2: 299- 301.

(2)- أجود التقريرات 1: 219، منتهى الأصول 1: 283.

(3)- تقدم في الجزء الثاني: 43- 48.

18

الإرادة الثانية متعلقة بمجموع العلل، فتأمل.

الثانية:

ليس المركب إلا الأجزاء الداخلية بالأسر، فإذن لا يعتبر الغيرية و البينونة بين المقدمة و ذي المقدمة (1).

و بعبارة أخرى: لا يمكن تعلق الإرادة التأسيسية الثانية التشريعية بالأجزاء، للزوم كون الشي‏ء الواحد متعلق الإرادتين التأسيسيتين المستقلتين، و هذا محال بالبديهة.

و قد يقال: «إن المركب و ذا المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، و المقدمة هي الأجزاء بالأسر» (2).

و أنت خبير بما فيه و إن قال به «الكفاية» ضرورة أن الأجزاء بالأسر، لا يعقل لحاظها إلا مجتمعة، فيكون هذا التعبير و التعبير الأول واحدا.

و بعبارة أخرى: لا يمكن سلب المركب عن الأجزاء بالأسر، و لا العكس، لما تحرر في محله: من أن الأجزاء بالأسر مورد اللحاظ الإجمالي قهرا، فتكون هي و المركب- و هو الأجزاء في لحاظ الاجتماع- واحدا (3)، فلا تغفل.

و الّذي هو الحق ما عرفت: من أن المركب يكون تحت عنوان واحد، و موصوفا بمفهوم فارد، مثل الصلاة و الحج و الاعتكاف و العسكر و الثريا و الفوج و الدار، من غير فرق بين المركبات المؤلفة، و المركبات الاعتبارية، و المركبات‏

____________

(1)- هداية المسترشدين: 216، أجود التقريرات 1: 216، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 264- 268، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1:

313- 319، تهذيب الأصول 1: 204.

(2)- كفاية الأصول: 115.

(3)- لاحظ الحكمة المتعالية 2: 37- 44.

19

الحقيقية، كالبيت و العسكر و الجسم‏ (1)، فإذا كان الجزء المزبور يلاحظ حيال الكل، و حذاء المركب كالركوع قبال الصلاة، فيسلب الكل- و هو عنوان «الصلاة»- عنه، و يسلب هو عن الصلاة، فيحصل الغيرية في عالم اللحاظ و يكفي ذلك لتحقق الإرادة الثانية.

و إذا انضم إلى الجزء المزبور جزء آخر- كذكر الركوع- فالأمر كذلك، و لكنه إذا تراكمت الأجزاء الملحوظة قبال الكل، بحيث صارت الصلاة صادقة على تلك الأجزاء الملحوظة اجتماعا قبال الكل، فلا يكون هي المقدمة، بل هي نفس ذي المقدمة و المركب، و لا يحصل الغيرية حينئذ حتى يحصل المتعلق الآخر للإرادة الثانية.

فما ترى في كلمات العلمين البروجردي و الوالد الخميني- عفي عنهما- (2)، فهو في غاية المتانة في حل هذه المشكلة، و لكن لا يخلو من قصور، لما لا يلزم مراعاة كل جزء على حدة، بل المناط هي ملاحظة مقدار من الأجزاء، بحيث لا ينتفي عنوان المسمى عن الباقية، فإذا لوحظت ثلاثة أجزاء من الصلاة فهي أيضا مقدمة، و هكذا الاثنان منها و الأربعة.

و أما توهم إمكان لحاظ الجزء قبال الكل، مع لحاظ الجزء الآخر في عرض اللحاظ الأول، حتى يلزم عدم صدق المركب على الباقي، و لا على الجزء الملحوظ، فهو غير تام، لأن الجمع بينهما غير ممكن، لأن اللحاظ الأول متقوم بأن يكون حذاء الجزء مركب، و لو كان في عرضه لحاظ الجزء الآخر ممكنا، للزم انحلال المركب رأسا، لا لحاظ الجزء قبال الكل، فليتبصر.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 13.

(2)- نهاية الأصول: 155- 156، مناهج الوصول 1: 329- 332، تهذيب الأصول 1:

204- 206.

20

إن قلت: إذا كان المركب ذا جزءين، أو لوحظ نصف أجزاء الصلاة، بحيث لا يصدق على كل واحد من القسمين عنوان «الصلاة» فيلزم خروج هذا عن حريم النزاع.

و بعبارة أخرى: بناء على هذا، يلزم خروج الأجزاء المتقدمة بالتقدم التجوهري عن محط التشاح، لأن الطبيعة ليست صادقة على الجزء الآخر.

قلت: يلاحظ الجزء تارة: بعنوان الجزئية حذاء الكلية، و يكون عنوانهما فعليين، و أخرى: ذات الجزء حذاء الكل. فإنه إذا لوحظ الأول فلا تقدم، و لا تأخر، و يكون- لمكان التضايف بين العنوانين- ملازمة في الاعتبار و الانتزاع.

و إذا لوحظ الثاني، فلا يلزم عدم صدق الكل، لأن ما في الكل هو عنوان الكل، و الجزء مغفول عنه، و فان فيه، فيصح أن يقال: «الجسم مركب، و أحد الجزءين منه الصورة» فإن قولنا: «أحد جزئيه الصورة» في حال لحاظ الجسم إجمالا، و فانيا فيه ما هو جزؤه الواقعي بالفعل، لا ما هو جزؤه الشأني.

فما هو جزؤه الواقعي الفعلي، هو موجود معه، و مورث لصدق «الجسم» و لحاظه، و ما هو ليس بجزئه الفعلي يقع حذاء الجسم، و لا يورث سلب صدق «الجسم» و عدم إمكان لحاظه الإجمالي، فافهم و اغتنم جدا.

إن قلت: ليس الجزء الداخليّ من المقدمات الخارجية، كما ترى، و لا من الداخلية، لأن الكل- و هو المركب- يتحقق بدونه.

مثلا: الركوع على هذا، جزء المركب، و لكنه يتحقق بدونه، لصدق المركب- على ما تقرر في الصحيح و الأعم‏ (1)- على بقية الأجزاء. فما هو المقدمة ما لا يتحقق المركب إلا به، و ما لا يتحقق المركب إلا به يكون- على ما فرضتم- غير مقدمة.

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 226- 230.

21

و بعبارة أخرى: لحاظ كل جزء مقدمة، لا يستلزم إلا عدم كونه مقدمة، لتحقق المركب بدونه. و لحاظ المجموع بالأسر مقدمة- كما صنعه «الكفاية» (1)- لا يستلزم إلا كون المقدمة نفس المركب، فعليه تكون الأجزاء خارجة عن محط البحث، كما أفاده العلامة الأراكي (قدس سره)(2).

قلت: الجزء تارة: يلاحظ بالنسبة إلى الطبيعة بما هي طبيعة، و أخرى: يلاحظ إلى الكل و الطبيعة بما هي مأمور بها:

فعلى الأول: الأمر كما تحقق، و ليس البحث حوله، و على الثاني: ليس كما توهم، لأن المأمور به لا يتحقق إلا به، و هذا هو محل النزاع.

الثالثة:

قد استشكل العلامة المحشي «للمعالم» (قدس سرهما) بإشكال آخر على الأجزاء الداخلية: بأن دخولها يستلزم اتصاف الشي‏ء الواحد بوجوبين، أحدهما: نفسي متعلق بالكل، و الثاني: غيري متعلق بالأجزاء، و حيث إنها ليست إلا الكل، فيلزم اتحاد موضوعهما (3).

و أنت خبير: بأن منشأ هذه الشبهة، عدم إمكان كيفية تصوير الجزء و الكل، و الخلط بين ما هو الموقوف عليه، و ما هو الموقوف، و بعد ما أحطت إحاطة كاملة بأن الموضوع للوجوب النفسيّ هو الكل، و الموضوع للوجوب الغيري هو الجزء الملحوظ حيال الكل، فلا يبقى لهذه الشبهة مورد.

و ربما يتخيل إمكان اجتماع الوجوبين، كما في موارد النذر، و في مثل صلاة

____________

(1)- كفاية الأصول: 115.

(2)- نهاية الأفكار 1: 262.

(3)- لاحظ هداية المسترشدين: 216.

22

الظهر بالنسبة إلى العصر (1).

و أنت خبير: بأنه في مورد الأول لا يبقى الوجوبان بحالهما، بل يرجعان إلى الواحد، على ما اشتهر (2)، و هذا فيما نحن فيه غير صحيح، للزوم كون الإرادة الثانية و الإرادة النفسيّة متداخلتان، فيرجع إلى الإرادة الواحدة النفسيّة الشديدة بالنسبة إلى الظهر، و هي غير كافية لما هو الغرض في بحث المقدمة، من الثمرة الفرضية الآتي بيانها (3).

مع أن قضية ما سلف منا (4): أن مورد الإرادة النفسيّة العبادية في الواجب المنذور هي الظهر، و مورد الإرادة النفسيّة التوصلية عنوان «الوفاء بالنذر» فلا معنى للتداخل.

و في المورد الثاني، ليس الظهر بما هو ظهر مورد الإرادة المقدمية، بل هو بعنوان «التوقف و الوقوف عليه» و هذا متحد مع عنوان «الظهر» في الخارج، و مختلف معه في محيط التشريع و الجعل، فلا تغفل، و تأمل.

الرابعة:

ما مر من الشبهات على الأجزاء الداخلية، يأتي على القيود المأخوذة في الطبيعة. و خروج هذه القيود عن مسمى الطبائع- كما في الأعم و الصحيح على ما قيل‏ (5)، خلافا للحق- لا يستلزم خروجها عن محط النزاع في هذه المسألة، لأن مناط البحث: هو أن إيجاب شي‏ء، هل يستلزم الإيجاب الآخر، أو إرادة أخرى، أم‏

____________

(1)- لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 299- 301.

(2)- لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 301.

(3)- يأتي في الصفحة 250.

(4)- تقدم في الجزء الأول: 269.

(5)- نهاية الأفكار 1: 75- 76.

23

لا؟ و إذا كانت القيود واردة في محل الهيئة، فهي كالأجزاء. و توهم خروجها عن منصرف كلمات الأعلام، لا يورث قصورا في ملاك البحث.

الخامسة:

ربما يشكل دخول أمثال الطهارات الثلاث في محل البحث، و ذلك لأن ما هو قيد المأمور به، ليس الغسل و الوضوء و التيمم، بل القيد هو المعنى المحصل منها، فكل ما كان من هذا القبيل فهو خارج، لأن دخوله و اندراجه في البحث، فرع ثبوت الملازمة بين إرادة الكل و إرادة القيد، حتى يقال: بأن الإرادة الثانية المتعلقة بالقيد، تستتبع الإرادة الثالثة المتعلقة بمحصلات القيود، بناء على أعمية مورد البحث من الملازمة بين إرادة ذي المقدمة و المقدمة، أو إرادة المقدمة و إرادة مقدمة المقدمة، و بناء على دخول العلة التامة في البحث، كما مضى و عرفت‏ (1).

و فيه: أن ما هو الأقوى عند بعض، هو أن المقدمة و الواجب الشرطي، ليس إلا هذه الغسلات الخارجية، مع عدم تخلل إحدى النواقض بينها و بين المركب، و أما حصول الأمر النفسانيّ منها في النّفس، و أنه هو الشرط، فهو غير مبرهن عليه، و يصير هذا من قبيل شرطية الظهر للعصر (2). هذا أولا، فتأمل.

و ثانيا: لا يمكن التفكيك بين الإرادة الثانية و الثالثة، فمن التزم بالملازمة، فهو لأجل ملاك يأتي في المرحلة المتأخرة أيضا و هكذا. و لا معنى لكون البحث حول الملازمة بين الإرادة النفسيّة و غيرها، بل الجهة المبحوث عنها أعم منها و من ذلك.

و ملاكه: هو أن الإرادة المتعلقة بشي‏ء هل تستتبع إرادة أخرى متعلقة بما يتوقف عليه ذاك الشي‏ء، أم لا؟ سواء كانت تلك الإرادة نفسية، أم مقدمية. و لذلك‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 12.

(2)- التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 515.

24

لا بد من كون عنوان البحث هكذا، لا أن إيجاب شي‏ء هل يكون كذا، أم لا؟ حتى يقال: بأن خصوصية الإيجاب و الإنشاء و الإبراز، داخلة في محط الكلام.

و مما يترتب على العنوان المزبور، شمول البحث لما إذا كانت إرادة المولى معلومة بالقرائن، لا بالإنشاء، فإنه أيضا مندرج في محط النزاع، كما لا يخفى.

و ثالثا: أن مقدمة المقدمة، و محصل المقدمة، و علة القيد و الجزء، إذا لو حظت نسبة الكل إليها، يكون بينهما الغيرية و التوقف، فيكون داخل البحث، و لا يلزم مراعاة المقدمات القريبة حتى يشكل الأمر هنا، كما هو الظاهر.

فالمحصول مما قدمناه إلى هنا: اندراج جميع هذه الأمور في محط البحث و مصب التشاح بلا شبهة.

نعم، الجزء بما هو جزء و هو فان في الكل، لا يمكن لحاظه، لأنه باللحاظ يخرج عن الجزئية الفعلية، و يصير جزء شأنيا.

و عليه لا يعقل اعتبار الاثنينية بين الجزء الفعلي و الكل، لأن حقيقة الجزء الفعلي مرهونة بالغفلة، و إذا نظرنا إليه فهو بحذاء الكل، فما ترى في كلمات المدقق المحشي (قدس سره)(1) لا يخلو عن التأسف، و البحث بعد كونه عرفيا لا نرد مناهله العقلية.

السادسة:

ربما يشكل اندراج الأجزاء الخارجية التعبدية- و هي في الاصطلاح الصحيح مثل الطهارات الثلاث، قبال المقدمات الوجودية، و الأجزاء الداخلية، و القيود و الشروط- لأجل أن الالتزام بالملازمة، يستلزم سقوطها عن المقدمية.

و بعبارة أخرى: الأجزاء الخارجية التعبدية، لا يمكن أن تكون واردة مورد البحث، بخلاف الخارجية التوصلية، و ذلك لأن مقدميتها موقوفة على عدم ثبوت‏

____________

(1)- نهاية الدراية 2: 26- 27.

25

الإرادة الثانية، و إلا يلزم عدم كونها قابلة لكونها مقدمة، و ذلك لما سيأتي تفصيله في تقسيم الواجب إلى النفسيّ و الغيري، و أن الواجب الغيري ليس تعبديا و قربيا (1)، فإذن لا يمكن الإتيان بالطهارات الثلاث على وجه التقرب و العبادة، لأن الباعث نحوها الأمر الغيري، و ما يمكن أن ينبعث عنه العبد هو الأمر الغيري، و من وجوده يلزم عدمه، لأنه يدعو إلى المقدمة و ما هو الموقوف عليه، و لا يعقل امتثال مثله، ضرورة أن الأمر المتعلق بالصلاة، لا يعقل أن يكون توصليا، فالأمر المتعلق بالوضوء كذلك، و هكذا.

أقول: قد أجيب عن هذه الشبهة في تلك المسألة بأجوبة عديدة (2)، كلها غير مصدقة، و لعل أمتن الأجوبة: هو أن عبادية الشي‏ء ليست بالانبعاث عن الأمر و الامتثال فقط، بل عبادية الشي‏ء تابعة لما عرفت تفصيله في التعبدي و التوصلي‏ (3)، فيكون على هذا ما هو المبعوث إليه بالأمر الغيري عبادة، و لا يتقوم عنوان العبادة إلا بكون العمل مما يتقرب به عرفا أو شرعا.

و لو كانت العبادة متقومة بالأمر، للزم أن يكون نهي المشركين عن عبادة الأوثان غير جدي، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم الشرع الأقدس، و هل هذا إلا أنها ليست متقومة بالأمر؟! و لا يضر الانبعاث عن الأمر الغيري بالعبادية، بعد كون الأمر داعيا إلى متعلقه، و هي العبادة، و ما هو الموضوع لأن يعبد و يتقرب به لله تعالى.

السابعة:

المشهور في ألسنة جماعة: أن الأجزاء واجبة بالوجوب الضمني، فلا يعقل‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 170- 175.

(2)- كفاية الأصول: 139- 140، نهاية الأفكار 1: 327- 328، تهذيب الأصول 1: 253.

(3)- تقدم في الجزء الثاني: 113- 117.

26

اتصافها بالوجوب الغيري‏ (1)، لأنهما كالوجوب و الحرمة في التعاند و التخالف.

و معنى «الوجوب الضمني» هو الوجوب الانبساطي، فهي واجبات بمثله.

و أنت خبير: بأن العناوين المركبة بسائط عرفية، و تكون الأجزاء في ظرف لحاظها موضوعا للأمر، مغفولا عنها، و أن المولى لا يرى إلا الصلاة و الحج، فلا معنى للوجوب الانبساطي رأسا، و أنه من الأغلاط الأولية الشائعة بين الفضلاء، و لا يتوجهون إلى ما يقولون: من التجزئة في الأمر، فإن التجزئة في الأمور الاعتبارية ممكنة، كما ذكرناه في العقد الواقع على المجموع المركب من ماله و مال غيره، من غير الانحلال إلى العقدين. و لكنه في موقف أساس الحاجة، لتقوم البناءات العقلائية به، لا جزافا و قهرا، و لا ثمرة لهذه التجزئة في المقام بعد ارتباطية المركب حسب الفرض.

و بعبارة أخرى: لا يعقل تجزئة الواحد الاعتباري إلا بلحاظ متعلقه، و إذا تجزأ فيصير كل واجبا مستقلا، و لا يعقل حينئذ اعتبار الأقل و الأكثر، و هذا خلف.

و مما يشهد على التجزي: ما أفاده القوم في إرث الخيار (2) و لكنك تعلم أنه يرجع إلى استقلال كل من الوارث. في إعمال حصته من الخيار، و هذا فيما نحن فيه غير مطلوب قطعا.

و لو كان التجزي المزبور صحيحا، لكان يصح انه ينبعث عن تلك الأوامر الجزئية، مع عدم اطلاعه على عنوان «الصلاة» و أمر الكل، و لا أظن التزامهم به، فالوجوب الضمني من المجازات لا الحقائق، فلا تخلط.

هذا مع أن متعلق الوجوب الضمني، غير متعلق الوجوب الغيري، فإن‏

____________

(1)- لاحظ نهاية الأفكار 1: 268، نهاية الأصول: 157.

(2)- قواعد الأحكام 1: 143- السطر 22، منية الطالب 2: 158- السطر 20.

27

الأجزاء الموصوفة بالضمنية هي حال فنائها في الكل، حتى يكون الكل و تلك الأجزاء واحدة، فيكون واجبا ضمنيا نفسيا، و ما هو الموصوف بالوجوب الغيري، هو ذات الجزء الملحوظ إزاء الكل و قباله، على الوجه الّذي عرفت‏ (1).

مع أن الجمع بين الوجوبين، لا يلزم مع قطع النّظر عما سمعت، لأن ما هو مصب الأمر الغيري هو عنوان «الموقوف عليه و المحتاج إليه» لا ذات الجزء فلا تخلط جدا.

هذا مع أن قضية الانحلال إلى الوجوبات الضمنية، الانحلال إلى القيود الوجودية كالطهارة، و القيود العدمية كعدم القرآن و هكذا، و لا أظن التزامهم به.

و لعمري، إن أساس شبهات الأعلام في المقام‏ (2)، قصور باعهم عن الاطلاع على كيفية اعتبار المركبات و أجزائها، مع خلطهم بين الاتحاد و الغيرية في الخارج و محيط التشريع، و لذلك ترى أنه نسب إلى العلامة الأراكي (رحمه اللَّه)(3) أو غيره‏ (4)، بل و الشيخ الأنصاري (قدس سره)(5): أن دخول الأجزاء في محط النزاع، منوط بكون مصب الأوامر الصور الذهنية، لا الخارج، و حيث إن المأمور به هو الوجود، لا الصورة، و لا الطبيعة، فلا يعقل التعدد بين الكل و الجزء، لاتحادهما في الوجود.

و أنت خبير: بأن من يقول: بأن المأمور به هو الوجودات‏ (6)، ليس مقصوده‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 18- 20.

(2)- كفاية الأصول: 115، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 267- 268، نهاية الأفكار 1: 262- 269، نهاية الأصول: 157، منتهى الأصول 1: 278.

(3)- لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 313- 314، مقالات الأصول 1: 292.

(4)- منتهى الأصول 1: 279.

(5)- مطارح الأنظار: 40- السطر 1- 8، لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري: 123- 124.

(6)- منتهى الأصول 1: 268.

28

الوجود بالحمل الشائع، فإذن لا بد و أن يلزم التفكيك في محيط التشريع. مع أنك قد عرفت: أن متعلق الأمر هي الطبيعة (1)، و مسألة الوجود و الإيجاد من اللوازم العقلية التي تدخل في محط البحث هنا أيضا، و إن كان الوجود و الطبيعة في الخارج متحدين هوية.

بقي شي‏ء: في ثمرة دخول الأجزاء في النزاع‏

ذكر العلامة الأراكي (قدس سره): أن ثمرة القولين تظهر في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، من جهة الرجوع إلى البراءة و الاشتغال، فإنه على القول بدخول الأجزاء في محل النزاع، و ثبوت الملازمة، ربما يتعين الاشتغال- كما اختاره «الكفاية» نظرا إلى حصول العلم الإجمالي بالتكليف، و عدم إمكان حله بالعلم التفصيليّ بالأقل الأعم من النفسيّ و الغيري، لتولد مثله من العلم الإجمالي السابق عليه‏ (2)- و أما على القول بعدم دخولها في محط النزاع، فلا تكون واجبة، فينحل العلم، لأنه إجمالي تخيلي، لا واقعي، ضرورة رجوعه إلى العلم التفصيليّ و الشك البدوي‏ (3)، انتهى بعد تصرفنا فيما هو مقصوده، و إلا فما نسب إليه لا يخلو من تأسف.

و أما توهم: أن هذه الثمرة تترتب على القول بالوجوب الضمني، فهو لا يضر، لأن ذلك لا يورث عدم ترتبها على الوجوب الغيري.

نعم، ربما يخطر بالبال دعوى: أن مع الالتزام بالوجوب الغيري، يمكن إجراء البراءة العقلية، و ذلك لأن مجرد عدم انحلال العلم الإجمالي، لا يورث تمامية البيان‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الثاني: 228.

(2)- كفاية الأصول: 413.

(3)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 319، نهاية الأفكار 1: 269.

29

على الجزء المشكوك، و لا يصحح العقوبة عليه.

و بعبارة أخرى: يلزم من الانحلال محذور علمي، و لكنه لا يستلزم تمامية الحجة العقلية على مورد الشك، و لذلك تجري البراءة الشرعية في طرف مثل هذا العلم الإجمالي، مع أن موضوعها ما لا حجة عليه شرعا و عقلا.

هذا، و قضية ما سلف في كيفية دخول جزء المركب في محل النزاع‏ (1)، أن كل جزء إذا كان يلاحظ بحيال الكل، و يكون عنوان الكل عنه مسلوبا، و هو مسلوب عن عنوان الكل، كالركوع و الصلاة، فهو غير المركب، و يحتاج المركب إليه.

و أما فيما تعارف في الأقل و الأكثر من مشكوكية الجزء العاشر، فلا يكون الأجزاء التسعة مورد الوجوب الغيري، لأنها و الطبيعة واحدة، و لا يسلب عن الأجزاء التسعة عنوان «الصلاة» لأنها هي، فلا تكون واجبة بالوجوب الغيري، فلا يمكن استشمام الانحلال المزبور من هذه المسألة، فلا تغفل، و اغتنم جدا.

و أما توهم: أن هذا ليس من نتائج القول بدخول الجزء في محط البحث، بل هو من ثمرات القول بالوجوب الغيري، فهو في غير محله، لأن الوجوب الغيري لا يمكن إلا بعد إمكان البحث عنه، و هذا لا يتحقق إلا مع إدراج الجزء في محل النزاع، كما لا يخفى.

ثم إن الأصحاب قسموا المقدمة إلى عقلية، و شرعية، و عادية. و إلى مقدمة الوجود، و الصحة، و العلم، و الوجوب‏ (2)، و حيث لا تكون من المسائل العلمية، و لا من التقاسيم الصحيحة، عدلنا عن إطالة البحث عنها، و اللَّه ولي التوفيق.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 13.

(2)- كفاية الأصول: 116- 117، أجود التقريرات 1: 220، محاضرات في أصول الفقه 2:

302- 303.

30

الأمر السادس: حول جريان شبهة الشرط المتأخر في المتقدم‏

مقتضى ما تحرر منا في ملاك بحث المقدمة (1)، عدم الفرق بين المقدمات المتقدمة زمانا، كالمعدات، و بين الأمور الدخيلة في تحصل المأمور به المقارنة معه زمانا، و بين ما هو المتأخر عنه زمانا الدخيلة في تحققه خارجا. و حيث لا شبهة في الأولى و الثانية، تصل النوبة إلى الشبهة العقلية في الثالثة الآتية من ذي قبل إن شاء اللَّه تعالى‏ (2).

إن قلت: تقدم العلل الناقصة على المعلول، و انحفاظها إلى حال استجماع شرائط التأثير، مما لا بأس به، كما هو المتراءى في جميع العلل الزمانية، و أما تقدم تلك العلة و فناؤها، فهو أيضا غير ممكن، لأن فرض كونها علة ناقصة، يناقض إمكان تحقق المعلول عند عدمها.

قلت: هذا ما يظهر من «الكفاية» (3) حيث أجرى الشبهة العقلية بالنسبة إلى المقدمة المتقدمة زمانا. و استشكل جل من تأخر عنه: بأن الوجدان في المعدات على خلافه‏ (4)، غافلين عن أن مقصود «الكفاية» ليس ما هو الظاهر فساده، بل مقصوده هو أن فرض العلة الناقصة، و انعدامها حين تحقق الأثر، مما لا يجتمعان عقلا، و ذلك مثل العقد المتصرم بالنسبة إلى تحقق المعلول، و هو المعنى الإنشائيّ و الملكية الإنشائية، فإنه كيف يعقل حصول الأمور المتأخرة تأخرا عليا، مع عدم‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 12- 15.

(2)- يأتي في الصفحة 36.

(3)- كفاية الأصول: 118.

(4)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 284، حاشية كفاية الأصول، المشكيني 1: 467، نهاية الدراية 2: 35.

31

وجود العلة التامة؟! و توهم: أن آدم (عليه السلام) معد بالنسبة إلى النبي الأعظم و معدوم، غير نافع، لأن الالتزام ببقاء أثر المعد الأول مع المعد الآخر، يكفي لرفع الشبهة، كما هو كذلك في المعدات المترتبة، و لكن لا يمكن الالتزام بذلك هنا، ضرورة أن الألفاظ المعتبرة في الإيجاب و الحروف، اللازم استعمالها في تحقق الأمر الإنشائيّ، ليست ذات أثر محفوظ في التأخر بالضرورة، حتى يقال: بأن الحرف الأخير و الحرف الأول، كالأب و الجد بالنسبة إلى الملكية و الابن.

و بعبارة أخرى: الأمر هنا ليس كالأمر في صدور الفعل من الفاعل، فإن القدرة و العلم من شرائط تحقق الفعل، و لكن الإرادة هي العلة التي إليها يستند الفعل، و يعتبر بقاء القدرة و العلم حين تأثير الإرادة.

و أما الحرف الأخير من ألفاظ الإيجاب، فليس علة حصول الملكية الإنشائية، بل الملكية تستند إلى ألفاظ الإيجاب بأجمعها، فلا ينبغي الخلط بين ذوات المعدات، و بين آثارها اللازمة في حصول المستعد في ظرفه، فعليه كما يشكل الأمر في المقدمة المتأخرة، يشكل الأمر في المقدمة المتقدمة زمانا.

و لا يصح أن يقاس ذلك بالصلاة، فإن الصلاة ليست معتبرة علة، حتى يقال:

بأن تصرم أجزائها ينافي اعتبار العلية للمجموع، بل الصلاة نفس المأمور بها، فإذا تحقق الجزء الأخير فقد تحقق المركب الاعتباري فيسقط أمره، لا أنها علة للسقوط، كما مضى في بحث الإجزاء (1).

نعم، إذا لاحظنا أنها علة المعراج و سبب التقرب، فيشكل بأن المعلول- و هو التقرب- إما يحصل بالجزء الأخير، و هو معلوم العدم، أو يحصل تدريجا.

و أما إمكان حصول ذلك مستندا إلى التكبيرة إلى السلام، و مع ذلك عند تحققه‏

____________

(1)- لاحظ ما تقدم في الجزء الثاني: 268- 270.

32

لا يكون للتكبيرة وجود إلا بنحو التموج الهوائي، فهو مما لا يمكن الالتزام به عقلا.

نعم، يتوجه إلى «الكفاية»: أن البحث هنا حول أن الوجوب المتعلق بذي المقدمة، يستلزم وجوبا آخر، أم لا، و هذه المسألة و مسألة بيع الفضولي و أمثالها، خارجة عن الجهة المبحوث عنها في المقام، و لا يكون في الواجبات الشرعية، إلا و تكون المقدمات المتقدمة عليها زمانا، باقية بآثارها حال الإتيان بالمركب، فيكون الشرائط المعتبرة في تحققه صحيحا، حاصلة عند الإتيان به، و قد مضى أن جميع المقدمات الوجودية و الأجزاء الخارجية بذاتها، الداخلية بآثارها- و هو التقيد المعتبر في المركب- داخلة في حريم النزاع و محط البحث‏ (1).

و أما حل هذه المعضلة، فهو هين بعد المراجعة إلى أوسعية الأمور الاعتبارية من هذه التوهمات الباردة، و أن العقود ليست عللا واقعية للمعاليل الاعتبارية، بل هي موضوعات أو اعتبار العلل. و أما مسألة صحة بيع الفضولي المفروض لحوق الإجازة به من الأول فهي عندنا ممنوعة أولا، و يأتي ما هو حل أمثال هذه الشبهة (2) ثانيا إن شاء اللَّه تعالى.

فبالجملة تحصل: أن أساس الشبهة، مأخوذ من مقايسة التكوين بالتشريع و الاعتبار هنا، ضرورة أنه في التكوين لا يعقل كون العلة متصرمة الوجود و متقضية الذات، و المعلول آني الوجود و دفعي التحقق، و لكن في الاعتباريات ليست علية و معلولية إلا اعتبارا، و معنى ذلك عدم المنع عقلا من الوحدة العرفية بين الأجزاء المتصرمة، و لذلك اعتبرت الموالاة كما لا يخفى.

و ربما توهم من أجل هذه الشبهة صاحب «المقالات»: أن الإنشاء ليس إيجادا، بل الإنشاء هو إبراز ما في الخيال، فيكون المعاني الإنشائية موجودات في‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 12- 15.

(2)- يأتي في الصفحة 41.

33

النّفس، و مظهرات بالألفاظ، فإن هذا لا يستلزم إشكالا، بخلاف ما إذا قلنا بالإيجاد، فإن الإيجاد بالمتصرم بالذات، لا يعقل بعد تصرم الجزء الأول عند تحقق المعلول الإنشائيّ‏ (1).

و لكنك أحطت خبرا: بأن اعتبار المبادلة مثلا قبل الإبراز إن كان بيعا، فقد تحقق و لا يحتاج إلى الإبراز، فيكون الوفاء واجبا، و إن لم يكن متحققا فيعلم: أنه يتحقق بالإبراز و الاستعمال، و حيث لا سبيل إلى الأول يتعين الثاني. و ما هو الجواب عنه ما عرفت: من أن الإيجاد الاعتباري لا يقاس بالإيجاد الحقيقي.

خروج شرائط التكليف عن محط البحث‏

ثم إنك بعد الإحاطة بما أسمعناك، تجد أن البحث عن شرائط التكليف المتقدمة زمانا عليه، أو المتأخرة عنه، أو المقارنة معه، خارج عن محط البحث فيما نحن فيه، ضرورة أن الكلام هنا حول الملازمة بين الإرادة الموجودة المتعلقة بذي المقدمة، و إرادة أخرى متعلقة بالمقدمة، و أما شرط نفس تعلق الإرادة الأولى فهو بحث آخر، و مجرد اشتراك الكل في المحذور العقلي لا يصحح إسراء الكلام إلى غير المقام.

و غير خفي: أن المراد من شرائط التكليف المتقدمة زمانا، أو المتأخرة زمانا، هو ما إذا تخلل الزمان بين الشرط و المشروط، فيكون في الزمان الأول الشرط موجودا، ثم انعدم و بلغ الزمان الثاني الّذي هو زمان التكليف، أو انقضى زمان التكليف، ثم بلغ زمان الشرط، مثل عقد الفضولي بالنسبة إلى الإجازة، و صوم المستحاضة بالنسبة إلى الأغسال الليلية.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 325.

34

و هذا مثل ما إذا فرضنا أن قدرة المكلف في الخارج، شرط التكليف، فإن كانت هي حاصلة حين التكليف فهو، و إلا فإن كانت حينه معدومة، ثم وجدت حين الامتثال، فإنه داخل في محط البحث. أو قلنا: بأنه في مثل «إن جاءك زيد فأكرمه غدا» يكون الوجوب بعد تحقق المجي‏ء- و هو الشرط- حاصلا بعد مضي اليوم، لا بعد تحقق المجي‏ء بلا فصل، فإنه يندرج في محط البحث.

و أما إرجاع هذا إلى الشرط المقارن، و أن ما هو الشرط هو الوجود اللحاظي و الذهني، و لا يكون القدرة- بالحمل الشائع- شرط تحقق الإرادة الجدية، لا في الخطاب الشخصي، و لا في القانوني‏ (1)، فهو خروج عن الجهة المبحوث عنها، و إلا فهو من الواضح الّذي لا غبار عليه في التكاليف الشخصية في القضايا الخارجية.

نعم، ربما استشكل العلامة النائيني (قدس سره) في الخطابات الكلية التي تكون بنحو القضايا الحقيقية، معللا: «بأن المجعول و الجعل و الفعلية و الإنشاء في الخطاب الشخصي، متحدا الزمان، و لا يكون تفكيك بين زمان الجعل الإنشائيّ، و زمان فعلية التكليف، لحصول شرطه و في القضايا الحقيقية مختلفا الزمان، فإنه يمكن أن يتحقق الحكم الإنشائيّ، و لا يكون هذا فعليا، لعدم استجماع شرائطه. و شرائط هذا هي الأمور الخارجية الموجودة في عمود الزمان، لا الذهنية و اللحاظية، لأنها من قيود الموضوعات، و قيود الموضوعات للتكاليف لا بد من تحققها، لأن نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى معلولها» (2).

و أنت خبير: بأن هذا التفصيل أيضا أجنبي عن البحث، لأن معنى هذا هو أن فعلية التكليف، لا تحصل إلا مع اقترانها بالقيود المعتبرة فيها زمانا، و هذا لا ينافي ما

____________

(1)- لاحظ كفاية الأصول: 118- 119.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي- 1: 275- 276، و 4: 174- 175.

35

سلكه «الكفاية» و غيره‏ (1)، لأنهم ليسوا بصدد بيان جميع مراحل التكليف، بل هم بصدد دفع الشبهة المعروفة، و هي أنه مع عجز المكلف حين التكليف، كيف يمكن ترشح الإرادة الجدية من المولى الملتفت؟! فأجيب: بأن ما هو شرط الفعل الاختياري ليس القدرة بالحمل الشائع، بل الميزان علم المكلف بالقدرة، فإنه كاف.

مع أن القدرة على الامتثال في ظرفه، كافية لحصول الجد من الأول، لأن الغرض يحصل بها سواء كانت حاصلة حين التكليف، أم لم تكن. و نظيره في الوضعيات بيع السلف، فإن العجز حين النقل، لا يورث قصورا في الإرادة الجدية، كما هو الظاهر.

فتحصل: أن الأعلام مع ورودهم فيما هو الخارج عن البحث في هذه المسألة، لم يكونوا واردين فيما هو مورد البحث في الشرط المتقدم و المتأخر زمانا، فإن البحث حول ما يكون متقدما زمانا، و يكون هو شرطا، لا أثره الباقي كالطهارة و الوضوء.

فبالجملة: لو سلمنا أن شرائط التكليف، قابلة لإدراجها في هذه المسألة، لأنها بعد فرض تحقق الوجوب فعلا قبل تحقق شرطه، يأتي الكلام: و هو أن بين هذه الإرادة و إرادة الشرط، أيضا ملازمة، أم لا، لأن من الممكن ترشح الإرادة الأخرى بعد فعلية الإرادة الأولى و تعلقها بالشرط المتأخر.

اللهم إلا أن يقال: بأن هذا خلف، لرجوعه إلى الوجوب غير المشروط، لأنه إذا وجب تحصيل الشرط يلزم ذلك، فيكون لأجله شرط التكليف خارجا عن بحث الملازمة.

فتحصل: أنه لا ينبغي الخلط بين الجهة المبحوث عنها في بحث المقدمة،

____________

(1)- كفاية الأصول: 118- 119، نهاية الأفكار 1: 279- 281.

36

و بين شرائط التكليف. و لا ينبغي أيضا الخلط بين ما هو الشبهة في شرائط المأمور به، و بين ما هو شرط التكليف في مثل القدرة المعتبرة في تحقق الإرادة، فإن ما هو مصحح حصول الإرادة، ليس إلا الصور العلمية الحاصلة في نفس المولى، و هذا ليس- كما عرفت- حلا للشبهة.

فإذا عرفت ذلك فالحق: أنه مع إمكان الالتزام بالشرط المتأخر في شرائط المأمور به، يمكن ذلك في شرائط التكليف أيضا قطعا، لأن ما يأتي من الأجوبة لتصحيح الشرط المتأخر واقعا، يأتي جوابا عنها في هذه المسألة (1) فانتظر، و ما هو الصحيح من بين تلك الأجوبة هو الصحيح هنا، لوحدة المناط و الملاك شبهة، فافهم و تدبر جيدا.

شبهة قوية على إدراج المقدمة المتأخرة في محل البحث‏

إذا تبين لك محط البحث، و حدود النزاع في بحث مقدمة الواجب، فإدراج المقدمة المتأخرة في محل البحث مورد الشبهة عقلا، كما عرفت الشبهات الكثيرة في إدراج كثير من المقدمات في حريم النزاع‏ (2)، و تلك الشبهة هنا قوية، و ذلك لأن العقل البديهي حاكم: بأن كل شي‏ء تكوينيا كان أو اعتباريا، إذا فرض معلوليته لشي‏ء آخر، فلا بدّ من تمامية أجزاء العلة و شرائطها في الرتبة السابقة، حتى يتحقق المعلول، و إلا يلزم الخلف، و يقع التناقض في الاعتبار، فإنه كيف يمكن القول: بأن صوم المستحاضة قبل مجي‏ء الأغسال الليلية، صحيح بالفعل، و قد سقط أمره كسائر المركبات الاعتبارية، و مع ذلك مشروط بشرط مستقبل، و هي تلك الأغسال؟!

____________

(1)- يأتي في الصفحة 38- 42.

(2)- تقدم في الصفحة 16- 29.

37

أو كيف يمكن دعوى: أن عقد الفضولي قبل لحوق الإجازة، أثر أثره، و انتقل الملك إلى صاحبه واقعا و ثبوتا، و مع ذلك تكون الإجازة شرطا دخيلا في ذلك؟! فإذا لا يعقل ذلك، لا يعقل ترشح الإرادة الغيرية إليها، و لذلك أصبحت الأصحاب- (رضوان اللَّه عليهم)- صرعى و حيارى، و كل أخذ مهربا.

فمنهم: من أنكر أصل الشرطية.

و منهم: من تصرف في معنى «الشرط».

و منهم: من خرج عن أصل الشبهة غفلة و اشتباها.

و منهم: من تصرف فيما هو الشرط.

و من بينهم من تصدى لحل هذه المعضلة، و نشير إليها إجمالا:

فأما من أنكر أصل الشرطية (1)، فهو في راحة، و جوابه في الفقه.

و أما من خرج عن الخصوصية في المسألة، فهو العلامة النائيني، فإنه (قدس سره) اعتبر المتأخر شرطا، لا الشرط متأخرا، فقال: «هذا المتأخر الّذي هو الشرط كأجزاء المركب الداخلية، فكما تكون صحة الركعة الأولى مشروطة بالأخيرة، و بإتيانها يصح الكل، كذلك الأمر هنا» (2).

و أنت خبير: بأن الإعضال في المقام، ناشئ من القول بالصحّة الفعلية للمتقدم، و أن صومها صحيح فعلي إذا كان الغسل في ظرفه موجودا، لا الصحة التأهلية و المراعاتية، و أن العقد صحيح فعلي مؤثر من الأول، إذا كان بحسب الثبوت يلحقه الإجازة، لا تأهلا، و إلا فهو أمر واضح الإمكان، و رائج الوقوع.

و أما من تصرف في معنى «الشرط» فهو العلامة الأراكي (رحمه اللَّه) و ملخص ما

____________

(1)- جواهر الكلام 3: 366، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133- السطر 20- 21.

(2)- أجود التقريرات 1: 221.

38

أفاده مرارا، و بنى عليه المسائل العلمية، و به انحل عنده العويصات و الشبهات: أن الشرط ليس جزء دخيلا في الأثر، و إن أطلق عليه في بعض الأحيان فهو هنا غير مقصود، بل الشرط هو طرف ما يحدد المقتضي، و طرف ما يحصل به الخصوصية اللازمة لتأثير المقتضي أثره.

و بعبارة أخرى: لا معنى لتأثير طبيعي النار في طبيعي القطن، و لا لطبيعي الصلاة في طبيعي القرب، أو في سقوط الأمر، بل كما في التكوين يكون النار بحصتها الخاصة مؤثرة، كذلك الصوم و الصلاة بحصتهما الخاصة مؤثران، و كما أن تلك الخصوصية تحصل للنار من الإضافة إلى القطن، و تحصل المماسة التي هي شرط التأثير للمقتضي، و ليس هو من أجزاء العلة، كذلك تحصل الخصوصية التي بها يكون العقد صحيحا، و الصوم صحيحا بالإضافة، و أما هذه الخصوصية فكما تحصل من الإضافة إلى المقارن و المتقدم و المتأخر في التكوين، كذلك الأمر في التشريع‏ (1).

أقول: قد مر منا ما هو الجواب عن مقالته، و إجماله أولا: أنه في التكوين أيضا، لا يعقل حصول الإضافة الفعلية من الطرف المعدوم الفعلي.

و ثانيا: أن الأمور التكوينية الخارجية، تكون المؤثرات فيها و المتأثرات بها تابعة للوجود، و هو لا يكون طبيعيا، فلا بدّ من الشخصية الخارجية حتى يحصل الأثر.

و هذا في الاعتباريات التي تكون أمورا كلية و مفاهيم خالية من الشخصية، غير معقول، بل التحصص لا يعقل أن يحصل إلا بالتقييد، فإذا كان قيد الكلي و الطبيعي فعليا، فما هو منشأ هذا القيد لا يعقل معدوميته، بل إذا لاحظنا نسبة القيد إلى ما هو منشأه، فهو يكون بالعلية، فكيف يمكن تأثير المعدوم في الموجود، أو حصول المعلول قبل علته؟!

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 320- 321.

39

و لعمري، إن ما كان يفيده في هذه المقالة، غير ما استفاد منها بعدها، فإن ما تفيده هو أن التحصص، لا يعتبر أن يكون بالتقييد، كما نرى في التكوين، و إلا يلزم تقيد العلة بالمعلول في التأثير، و هو دور واضح. و هذا صحيح.

و أما ما استفاده منها: فهو أن هذا التحصص يحصل بالإضافة إلى المتأخر و المتقدم، و يكون هذا جاريا في الاعتباريات. و هذا غير صحيح جدا، كما عرفت تفصيله.

و أما من تصرف فيما هو الشرط فهم جماعة:

أحدهم: الفاضل الخبير صاحب «الفصول» (رحمه اللَّه) فقال: «إن الشرط هو عنوان التعقب بالأغسال، أو الإجازة» (1).

و ثانيهم: العلامة صاحب «الكفاية» (رحمه اللَّه) فقال: إن الشرط هو الإضافة إلى المتأخر، فإن الأشياء تختلف حسب اختلافات الإضافة في الحسن و القبح، فلا منع من اتصاف المتقدم بالحسن إذا أضيف إلى المتأخر، فيكون سبب الحسن هي الإضافة إلى المتأخر، فما هو القرين مع المتقدم- و هو الإضافة- شرط (2). هذا هو ثمرة كلامه، و إن لا يخلو عباراته من التأسف. و لعل إليه يرجع كلام العلامة الأراكي‏ (3) أيضا كما لا يخفى. كما أن هذا مأخوذ أيضا مما سبق من «الفصول» فلا تغفل.

و أنت خبير: بأن الإضافة الفعلية لا تحصل مع انعدام الطرف، فإن المتضايفين متكافئان وجودا و فعلية و قوة و هكذا. هذا مع أن الشرط هو الغسل و الإجازة حسب الدليل.

____________

(1)- الفصول الغروية: 80- السطر 35- 37.

(2)- كفاية الأصول: 119- 120.

(3)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 320- 321.

40

و توهم: أن الإضافة تحصل من لحاظ الإجازة المتأخرة، و التعقب يوجد بلحاظ الغسل، فهو أفحش، لأنه يرجع إلى إسقاط الشرطية، لأن لحاظ الغسل المتأخر، لا يستلزم إيجابه و وجوب الإتيان.

فبالجملة: لا شبهة في مدخلية المتأخر في الجملة و لو للعنوان الفعلي المقترن، و هذا بعد كونه معدوما غير ممكن.

و لعمري، إن هذا الخلط قد وقع في كلام جملة منهم، زاعمين أن الإضافة قليلة المئونة، أو غافلين عن أن طرف الإضافة ليس أمرا ذهنيا، مع أن طرفها الآخر خارجي، و هو الفعل الّذي أتي به. مع أن الذهنية المحضة لا تكون شرطا.

نعم، ربما يخطر بالبال دعوى: أن مقصودهم أن الشرط مقارن، و هو الأمر المعتبر وصفا للفعل، و هو العقد و الصوم، و ذلك الأمر عنوان «التعقب» أو غير ذلك، و هذا العنوان متقوم بالطرف، و يكفي لذلك كونه أمرا ذهنيا، و لكن لا مجرد الذهنية، بل الصورة الذهنية الحاكية عن الخارج التي تصير صادقة، و يتحقق محاكاة بعد ذلك.

و أنت خبير: بأن عنوان «التعقب» لا يعقل أن يحصل من الإضافة إلى الطرف المقارن و لو كان ذهنيا، بل هو متقوم بالمتأخر، فيكون الطرف ما في الخارج، و هو معدوم. و كلام «الكفاية» (1) صريح في إفادة أن الإضافة إلى المتأخر، تورث الحسن للمتقدم، و هذا أيضا غير تام.

نعم، إن قلنا: بأن الشرط هو المقارن مع الصورة الذهنية، الّذي تعقبته الأغسال الليلية و الإجازة مثلا، فهذا أقل محذورا مما اشتهر في كلماتهم. و لكنه خلاف الأدلة إثباتا، و يلزم بناء عليه بطلان صوم المستحاضة إذا كان بناؤها على عدم الإتيان بالأغسال الليلية، و الالتزام بذلك مشكل إلا من جهة الإخلال بقصد القربة. و هكذا يلزم بطلان عقد الفضولي الصادر من الغاصب الباني على عدم إلحاق‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 119- 120.

41

الإجازة، فلاحظ و تدبر جيدا.

و أما من تصدى لتصوير الشرط المتأخر من غير التصرف في الشرط، و من غير الخروج عن محل البحث، مع عدم الذهول عن أن الإضافة إلى المتأخر غير معقولة، فهو الوالد المحقق- مد ظله- فقال:

«إن للحقائق المتصرمة الخارجية- كالزمان و الحركة، بما أنها متصرمة و متقضية الذات- أجزاء طولية قهرا، و تكون تلك الأجزاء بعضها متقدما على الآخر.

لا بالتقدم العنواني، و لا بالتقدم الإضافي و الاعتباري، بل هذا هو المعبر عنه ب «واقع التقدم» فإنه لا يمكن إنكار ذلك وجدانا، فإن اليوم متقدم على الغد، لا بمفهوم «التقدم» حتى يلزم انخرام القاعدة العقلية: «و هي أن المتضايفين متكافئان قوة و فعلا» بل اليوم له التقدم الذاتي و بالذات على الغد، سواء لوحظ ذلك، أم لم يلحظ.

هذا في نفس أجزاء المتدرج الذاتي.

و أما الحوادث الواقعة في أفق الأزمنة، فلها أيضا هذا النحو من التقدم و التأخر بالتبع، و تصير حينئذ الحوادث الواقعة في هذا الزمان مثلا متقدمة بواقع التقدم- لا بمفهومه الإضافي- على الحوادث الآتية.

إذا تبين لك ذلك تقدر على حل المعضلة، لأن هذا المعنى الواقعي لا يكون موجودا بواقعيته التقدمية إلا إذا لحقه المتأخر، فإن جاءت الإجازة و الأغسال الليلية، يكون العقد و الصوم مقدما عليهما بواقع التقدم، و إلا فلا يكونان متقدمين بهذا المعنى من التقدم، من غير لزوم تأثير المعدوم المتأخر في الموجود المتقدم، بل هذا أمر حاصل من طبع الزمان و الزماني، لما فيه من التصرم الذاتي الّذي عرفت معناه» (1).

أقول: لو كان التقدم و التأخر بالمعنى المزبور ذاتيين، يلزم كون الشي‏ء الواحد ذا ذاتين متخالفتين، فإن اليوم ذاتيه التقدم على الغد، و ذاتيه التأخر عن‏

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 341- 342، تهذيب الأصول 1: 213- 215.

42

الأمس، و قد صرح بهذا الذاتي مرارا. و كيف يمكن أن يقال: بأن الحادث في اليوم له التقدم الواقعي على الحادث في الغد، و ليس له التقدم الواقعي على ما لم يحدث في الغد، و لا يحدث فيه؟! مع أن التقدم لو كان ذاتيا فلا تفكيك.

و بالجملة: عنوان «الذاتي» هنا أطلق على الذاتي في باب البرهان، و هو خارج المحمول، و إذا كان التقدم بواقع التقدم تقدما بالذات، فيعتبر منه هذا العنوان، سواء كان شي‏ء، أو لم يكن. و إذا قطعنا النّظر عن عنوان «الذات» و «العرض» و نظرنا إلى الواقعيات، فلا يكون هناك خارج المحمول و ذاتي باب البرهان، و لا يحكم هنا إلا على شي‏ء متقضي الذات، و متصرم الوجود، و لا يكون تقدم، و لا تأخر، بل هناك أمر عيني، و هو الزمان و الحركة.

و ما ترى في الكتب العقلية: من التعبير ب «واقع التقدم» أريد منه ما هو الأمر الخارجي المتصرم، و إلا فبمجرد توجيه اللحاظ إلى ما وراء التكوين من العناوين الاخر، يلزم ما لا يلتزم به الخبير البصير.

ثم إن ما سلكه غير موافق للفقه، لأن الظاهر أن المتأخر دخيل في التأثير، لا أن العقد و الصوم المتقدمين بواقع التقدم، تمام الموضوع للحكم بالصحّة، فتدبر.

و أما التمسك بذيل العرف، بأن هذه العناوين- ك «التقدم، و التأخر، و التعقب»- من الانتزاعيات عن المتدرجات كالزمان، و عن الزمانيات بالتبع‏ (1)، فهو لحل معضلة انخرام القاعدة العقلية: «و هي أن المتضايفين متكافئان قوة و فعلا» مما لا بأس به، و لكنه خلاف الظواهر من دخالة التأخر اعتبارا في النقل و الصحة، و من أن نفس الإجازة و الأغسال الليلية شرط، لا العناوين الانتزاعية بالانتزاعات العرفية، حتى يسامح عقلا في ذلك.

بقي شي‏ء: و هو أن من الأمور الاعتبارية بيد المعتبرين سعة و ضيقا، و أن‏

____________

(1)- لاحظ مناهج الوصول 1: 343، تهذيب الأصول 1: 216.

43

الملكية منها، و أن نسبة العقد إلى الملكية نسبة الموضوع إلى الحكم، و لا علية في البين، فلا منع من اعتبار الملكية عند تحقق عقد الفضولي إذا كان يتعقب بالإجازة، فلا إطلاق، و لا تقييد، بل هناك التزام بأمرين، أحدهما: حصول الملكية من الأول بموضوعية عقد الفضولي، و لكن إذا كان هذا متعقبا بالإجازة، فلا يقيد بالمفهوم الإضافي حتى يلزم الإشكال.

و أنت خبير: بأن مثل هذا لا يورث انحلال الشبهة في الصوم، فإن الصوم الّذي أراده المولى إذا كان صحيحا، فينتهي أمد الإرادة، و هذا أثر تكويني من الصحة الاعتبارية، فكيف يعقل تحقق الأمد، و انتهاء الإرادة قبل حصول الأغسال الدخيلة؟! مع أن انقلاب عنوان الإضافة إلى القضية الشرطية، يستلزم عدم انخرام قاعدة «أن المتضايفين متكافئان» و لا يستلزم عدم انخرام قاعدة «أن المتأخر لا يعقل كونه دخيلا في صحة المتقدم» و هذا فيما نحن فيه معناه ذلك، لأن العقد المتقدم إن أثر أثره، و لا قيد له رأسا بنحو السالبة المحصلة، فلا وجه للزوم لحوق الإجازة. و إن كان هناك حالة انتظارية، فيلزم تدخل المتأخر في المتقدم. و هذا أشد إشكالا، و أصعب على المتأخرين من انخرام القاعدة الأولى.

تنبيه: في توهم وقوع الشرط المتأخر و جوابه‏

قد يتوهم أن الشرط المتأخر واقع، و ذلك في مثل الحمامي و المستحم، فإن رضا الحمامي مشروط بأداء المستحم حين الخروج، فالرضا متقدم، و الخروج متأخر.

و لعمري، إن الضحك عليه أولى من انخراط هؤلاء في عداد الفضلاء. و من العجيب خلط هذا الفاضل بين الكشف الحقيقي و الانقلابي فتوهم أن إشكال‏

44

الشرط المتأخر ينحل!! فلاحظ و تأمل.

التحقيق في الجواب عن شبهة الشرط المتأخر

إذا أحطت خبرا و علمت: أن هذه الوجوه كلها، لا تغني و لا تسمن من جوع، لا تشفي العليل، و لا تروي الغليل، فاعلم: أن الأمور الإضافية و المتدرجات الزمانية و الحوادث الكونية المتصرمة بذواتها- قضها و قضيضها- لها وجهتان، و إليها ينظر من مقامين، و بذلك يختلف أحكامها و آثارها العقلية و الاعتبارية:

فإن لاحظناها من أفق الزمان، و كان اللاحظ زمانيا، من الحوادث المتقضية بذاتها الداخلة في أحكام المادة و المدة، فلا يجد العالم إلا حقيقة متصرمة زائلة و داثرة، تمام هويتها بين حالتي الوجود و العدم، و كل جزء منه محفوف بالعدمين، لا بقاء للمتقدم عند المتأخر، و لا للمتأخر عند المتقدم، و هذه هي الحركة القطعية التي هي أس الحركة.

و لتلك الأجزاء و الحوادث الزمانية صورة جمعية في النفوس البشرية، و بلحاظ تلك الصورة، يتوهم انقسام الزمان و الحركة إلى الأجزاء، و يتخيل تقسيم المتدرج الذاتي إلى شيئين، كالأمس و الغد، و إلى الشهر و الأسبوع، و المتقدم و المتأخر و هكذا، من غير كون موضوع محمول المتقدم محفوظا عند موضوع مفهوم المتأخر حسب العين و لكنهما كالإمكان و الوجوب لا خارجية لهما، بل الخارج ظرف الاتصاف.

و إن لاحظنا أن من يلاحظ الأزمنة فارغ عنها، و من يكون ناظرا إلى المتدرجات خارج عن أفقها و حيطتها، و أنه على سطح آخر أعلى و أرفع، و في وعاء أوسع و أبسط، بحيث تكون تلك المتدرجات الزمانية مجتمعات عنده، و هذه المتفرقات الكونية مطويات بيمينه، فلا يمكن الحكم بالتقدم و التأخر، بل الكل عنده‏

45

و بالقياس إليه، موجودات محصلة فعلية بوجود غير زماني.

و أنت إذا كنت في بئر ناظر منها إلى من يعبر عليها، فتحكم من ذلك المكان بذهاب واحد، و مجي‏ء آخر، مع أنك إذا كنت على سطح ترى الكل، لا تحكم بذلك قطعا، و ليس هذا إلا لأن الأحكام تختلف بلحاظ أماكن الحاكم.

و إذا نظرت إلى هذه المسجلات العصرية، تجد أن المتأخر موجود عندك فعلا، فإن الخطابة المحفوظة في الشرائط لها الأجزاء، بحيث إذا شرع في الإفادة يتقدم بعضها على بعض، مع أن الكل عندك مجتمع و حاضر.

و بهذا القياس الباطل من جهات، و المقرب من جهة واحدة، و بهذا الشمعة سر في الآفاق العلوية، و فوق تلك الآفاق المجردة في الأزمنة المناسبة لها المعبر عنها ب «الدهر» و «السرمد» فلا تجد هناك إلا أن الكل بصورة واحدة جمعية، كما أن الحركة الخارجية توجد بصورة واحدة.

و إذا كان في نفسك هذا التدرج الذاتي موجودا جمعا، فالعالم المتدرج بجوهره يكون هكذا عند السميع البصير، فالصوم لا يكون متقدما، و لا العقد، بل هما مع الأغسال و الإجازة عند المقنن الحقيقي و مشرع الإسلامي.

و حيث إن الحاكم بالصحّة في هذه الديانة المقدسة، ليس من الزمانيات و الواقعيات تحت أحكام الطبائع، حتى يكون الأمر كما توهم، فلا يقاس بالحاكم الزماني، و من الخلط بين القوانين العرفية التي حاكمها العرف و القوانين الشرعية التي حاكمها الشرع الحقيقي، وقعت هذه الالتباسات و الاشتباهات، فالمتأخر ليس إلا مع المتقدم، فلا إعضال. و بهذا تحفظ الظواهر، و ترتفع الشبهة، و لا نخرج عن حريم البحث، فافهم و اغتنم جيدا.

فالمحصول من ذلك: أن جميع المقدمات داخلة في محط النزاع في بحث المقدمة، كما أن إشكال الشرط المتأخر ينحل في الأحكام و الوضعيات و المكلف به.

46

نعم، قد عرفت: أنه مع فعلية الحكم، لا يمكن القول بدخول المتأخر و المتقدم في محط البحث، للزوم الخلف، و مع الالتزام بصحة الصوم فعلا، لا يبقى وجوب ذي المقدمة، حتى يترشح منه إرادة إلى المقدمة المتأخرة (1). و لكن يمكن إدراجهما في المسألة، لما عرفت: أن أصل البحوث العلمية، يرجع إلى مقام لا تقدم و لا تأخر عنده، فلا مانع من ذلك عقلا أيضا.

إن قلت: كيف؟! و يلزم بناء عليه كون الواجب المشروط، واجبا تحصيل شرطه، و هو مما لا يلتزم به قطعا.

قلت: نعم، إلا أنه لا نظير له في الفقه، و لا مثال له في الشريعة، و لا يلزم منه تحصيل شرط الواجب على الإطلاق، لأن الوجوب مشروط بما ليس موجودا في الزمان، لا بما هو الموجود في أفق آخر حتى يلزم الانقلاب، فلا تخلط.

و إن شئت قلت: الكلام بعد الفراغ عن مرحلة الإثبات، و هي دلالة الدليل على أن الحكم فعلي و مشروط بالمتقدم و المتأخر، أو المأمور به و الحكم الوضعي فعلي و مشروط بالمتقدم و المتأخر، و أما لو دل الدليل على عدم فعلية الحكم فلا يلزم تحصيل الشرط، لعدم العلم بفعلية الحكم، كما هو الظاهر الواضح.

فإلى الآن بحمد اللَّه و له الشكر، تبين حدود ما هي الجهة المبحوث عنها في بحث مقدمة الواجب، و اتضح أن فعلية الحكم و صحة المأمور به الفعلية، لا تنافي التقيد بالمتأخر، و لا يلزم منه خروج المتأخر عن حريم النزاع، و هكذا بالنسبة إلى المتقدم.

و لو قيل: المعية في لحاظ الشرع الحقيقي، لا تستلزم بقاء الإرادة التشريعية بعد الإتيان بذي المقدمة، فعليه لا يبقى وجه لإرادة المقدمة بعد انتفاء تلك الإرادة.

قلنا: هذا على رأي من يتوهم: أن الإرادة الثانية تترشح عن الأولى، و تتولد

____________

(1)- لاحظ ما تقدم في الصفحة 36- 38.

47

منها (1)، لا على الرّأي الحق: و هو أن الثانية كالأولى، في أن النّفس يختار في إنشائها، و ما هو الفرق بينها لا يستلزم جبر النّفس في جعلها و خلقها، و ذلك أن الأولى من مبادئ الثانية، و لا عكس. و هذه المبدئية كمبدئية العلم و القدرة، لا كمبدئية العلة للمعلول، فلا تكن من الغافلين، و اشكر و اغتنم.

إن قلت: الحل المزبور يستلزم كون الشرط هو الإجازة بوجودها الدهري، أو الأغسال الليلية بوجودها العلوي الجمعي، و هذا خلاف الظواهر الشرعية.

قلت: كلا، فإن وجودها الزماني مطوي، و لا دليل إلا على أن العقد مشروط بالإجازة، و هو حاصل، و هكذا في صوم المستحاضة.

ذنابة: في اندراج الموانع الوجودية في محط النزاع‏

إلى الآن تبين حدود ما هو الداخل في محط النزاع في المقدمة بحمد اللَّه و له الشكر، فهل يندرج تحته الموانع الوجودية، ضرورة أن الشي‏ء يحتاج في تحققه إلى استجماع الشرائط و المقتضيات، و رفع الموانع و المضادات، أم لا؟

الظاهر نعم، لأن الملاك واحد، و المناط فارد، و مجرد كون الملازمة هناك بين إرادتين، إحداهما: متعلقة بذي المقدمة، و الأخرى: بالمقدمة، و هنا بين الإرادة المتعلقة بذي المقدمة، و الإرادة المتعلقة بالزجر عن المانع، أو بإعدام المانع، لا يورث خللا، و عد مثل هذه الإرادة في الكتب المتعارفة (2) كراهة من السهو، و هو ناشئ من غفلة أرباب المعقول أيضا، حتى صدر المتألهين (رحمه اللَّه)(3) فالأمر سهل.

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 214، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 263 و 285.

(2)- كفاية الأصول: 319- 320، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 317، نهاية الأفكار 3: 67.

(3)- الحكمة المتعالية 4: 113.

48

نعم، بناء على ما سلكناه من امتناع المضادة و الممانعة الوجودية في الأمور الاعتبارية، و أنها ترجع إلى اعتبار الأعدام شرطا في المأمور به، و قيدا له‏ (1)، لا يمكن إدراج مثلها في محط البحث، و من تخيل إمكانه فلا بدّ من إدراجها في محيط النزاع، كما هو الظاهر.

الأمر السابع: في تقاسيم الوجوب‏

و إنما عدلنا عن تعبير القوم و هو «تقسيمات الواجب» (2) لأن الجهة المبحوث عنها في المقام، ترجع إلى لزوم فهم أقسام الوجوب، لأن الكلام حول أن الوجوب المتعلق بشي‏ء، يستلزم الوجوب الآخر، أو الإرادة المتعلقة بشي‏ء تستتبع الإرادة الأخرى، أم لا، من غير النّظر إلى فهم المراد و الواجب.

و من هنا يظهر وجه النّظر فيما صنعه العلامة النائيني (رحمه اللَّه) من تخليط المباحث بتوهم: أن البحث في مقدمة الواجب، لا يستدعي البحث عن أقسام الواجب‏ (3)، مع أن الضرورة قاضية بأن فهم أقسام الوجوب لازم، حتى يعلم أي قسم منها يستدعي وجوب المقدمة.

و بالجملة: هي كثيرة:

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 203، و يأتي في هذا الجزء: 506 و في الجزء الثامن: 56- 57.

(2)- كفاية الأصول: 121، مناهج الوصول 1: 347، نهاية الأصول: 168.

(3)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 169- 170.

49

التقسيم الأول الوجوب المطلق، و الوجوب المشروط

و قد عرف «الإطلاق» و «الاشتراط» بتعاريف شتى‏ (1) لا يهمنا الخوض فيها، و البحث عن تلك الرسوم، مع قصور الكل، و قلة الجدوى.

و الّذي لا بأس بالإيماء إليه: هو أن «المطلق» تارة: يطلق و يراد منه المطلق على الإطلاق، كما في أقسام الماهيات، فالماهية المطلقة هي التي تكون كافة القيود خارجة عن ذاتها، حتى قيد الإطلاق. و هذا هو المراد في بحث المطلق و المقيد عندنا. و اختار جمع أن المطلق في تلك المسألة جمع القيود، لا رفضها (2).

و أخرى: يطلق و يرسل و يراد منه المطلق الحيثي و الإضافي، أي أنه بلحاظ شي‏ء مقيد، و بلحاظ آخر مطلق، و لا يكون مقيدا. و هذا أيضا يراد منه في تلك المسألة، و هو المراد هنا.

فالوجوب المطلق معناه: أنه بالقياس إلى شي‏ء مطلق، و مقابلة المشروط:

____________

(1)- مطارح الأنظار: 43- السطر 2- 5، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 304- السطر 10- 16.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 564، درر الفوائد، المحقق الحائري: 234.

50

و هو أنه بالقياس إلى ذلك الشي‏ء المفروض مشروط، و إن كانا ينعكسان بالقياس إلى شي‏ء ثالث.

و أما المشروط هنا، فهو المقيد في تلك المسألة بعينه، و لكن لما كان عند المشهور يرجع القيد في هذه المسألة إلى الوجوب‏ (1)، عبر عنه ب «المشروط» أخذا عن القضية الشرطية المستعملة في العلوم الأدبية و في الميزان.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المشهور إلى عصر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) كانوا على تصحيح هذا التقسيم‏ (2)، و هو المعروف عن العامة أيضا (3)، و لكنه (قدس سره) استشكل عليهم: بأن هذا غير موافق للعقل و الدليل اللبي، و إن كان مقتضى القواعد الأدبية رجوع الشرط و القيد إلى الهيئة، إلا أن العدول عنها واجب بحكم العقل‏ (4).

فالبحث في هذه المسألة يقع في جهات:

الجهة الأولى مقتضى القواعد الأدبية حول القضية الشرطية و محتملات المسألة

لا شبهة أنه في القضايا الإخبارية، تكون القيود راجعة إلى مفاد هيئة الجملة، فقولنا: «زيد كاتب في السوق» تكون فيه احتمالات ثلاثة:

أحدها: أن زيدا الموجود في السوق كاتب، فيكون القيد راجعا إلى عقد الوضع.

____________

(1)- نهاية الأصول: 169.

(2)- قوانين الأصول 1: 100- السطر 4، هداية المسترشدين: 192- السطر 21، الفصول الغروية: 79- السطر 21، لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 329.

(3)- لاحظ مطارح الأنظار: 43- السطر 4.

(4)- مطارح الأنظار: 45- 46.