تحريرات في الأصول‏ - ج5

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
509 /
1

-

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

المقصد الرابع في المفاهيم‏

3

تمهيد

و قبل الخوض في مباحثه لا بدّ من الإشارة إلى جهات لازمة في المسألة:

الجهة الأولى: في تعريف المنطوق و المفهوم‏

نسب إلى الحاجبيّ تارة (1): و إلى المشهور أخرى‏ (2): أنّ المفهوم عرّف: «بما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق، و المنطوق: ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق».

و حيث إنّ هذا التعريف مخدوش أوّلا: بأنّ الدلالة الالتزاميّة ليست من الدلالات اللفظيّة.

و ثانيا: بأن المقصود من «المفهوم» في المقام ليس مطلق ما يدلّ عليه اللفظ و لو بالدلالة الالتزاميّة بالمعنى الأعمّ.

و ثالثا: بأنّ المفاهيم الحاصلة من دلالة المفردات خارجة عن محطّ الكلام.

و لو أمكن دفع الكلّ، و لكن يرد عليه: أنّه كثيرا ما يستفاد من القضيّة الملفوظة معنى خارجا عن محلّ النطق، من غير كونه محلّ الكلام في المقام بالضرورة، كما إذا قال زيد: «إنّ عمرا جاءني» فإنّه يستفاد منه بالضرورة صحّة مزاج‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 167- السطر 32.

(2)- الفصول الغروية: 145- السطر 20.

4

عمرو، و اقتداره على المجي‏ء، و غير ذلك من المعاني التي هي خارجة عن اللفظ في محلّ النطق.

و حيث إنّه تعريف مخدوش عدلوا عنه إلى «أنّ المنطوق يكون حكما لمذكور، و حالا من أحواله، و المفهوم يكون حكما لغير مذكور» (1).

و حيث إنّ هذا أيضا مخدوش: بأن الموضوع مذكور في المفهوم أيضا، ضرورة أنّ زيدا في قولك: «إن جاء زيد فأكرمه» مذكور بشخصه، مع أنّ تعريفه أيضا يكون للمفهوم الأعمّ ممّا هو مورد النّظر في هذه البحوث، عدلوا عن تعريف العضدي إلى ما في «الكفاية»: «من أنّ المفهوم إنّما هو حكم غير مذكور لا أنّه حكم لغير مذكور» (2).

و حيث إنّه أيضا مورد الإشكال بالأعمّية (3)، و بما في بعض حواشيها (4)، مع إمكان الذبّ عنها، عدل عنه الوالد المحقّق فقال: «إنّ المفهوم عبارة عن قضيّة غير مذكورة مستفادة من القضيّة المذكورة عند فرض انتفاء أحد قيود الكلام، و بينهما تقابل السلب و الإيجاب بحسب الحكم» (5).

و غير خفيّ ما فيه من الأعمّية، مع أنّ المفهوم الموافق خارج عن تعريفه.

فالذي هو الأحقّ بالتصديق: أنّ المفهوم تارة: يطلق و يراد منه ما يقابل المنطوق لغة، فما هو المفهوم هو المعنى، و ما هو المنطوق هو اللفظ، و هذا ليس مورد الكلام في هذه المراحل بالضرورة.

____________

(1)- شرح العضدي: 306- السطر 23- 25.

(2)- كفاية الأصول: 230.

(3)- نهاية الدراية: 2: 409- 410

(4)- حاشية كفاية الأصول، القوچاني 1: 163، الحاشية على كفاية الأصول، البروجردي 1: 434.

(5)- تهذيب الأصول 1: 424.

5

و أخرى: يطلق و يراد منه ما يفهم من القضيّة اللفظيّة بدلالة غير مطابقيّة، كما عرفت في المثال المزبور، و يكون لكلّ قضيّة مفهوم، بل مفاهيم كثيرة.

مثلا: إذا قال زيد «جاءني عمرو» فما هو المنطوق معلوم، و أمّا القضايا التي تدلّ عليها هذه الجملة فكثيرة، منها دلالتها على حياة المتكلّم، و أنّه شاعر عالم متصوّر، و غير ذلك ممّا لا يعدّ و لا يحصى، فهذا النحو من المفاهيم أيضا خارج، مع أنّ دلالة القضيّة عليها قطعيّة و ضروريّة، فيكون من البيّن بالمعنى الأخصّ، و من اللاّزم الواضح، و مع ذلك ليس من المفهوم المقصود بالبحث هنا.

و من ذلك يظهر ضعف ما أفاده سيّدنا الأستاذ البروجرديّ (قدّس سرّه): «من صحّة نسبة جميع اللوازم العقليّة و العرفيّة إلى المتكلّم، و يقال: إنّه تنطّق بها، و ليس له إنكارها» (1) انتهى.

و ثالثة: يطلق و يراد منه ما هو مقصود الباحثين الأصوليّين في هذا الفنّ، فعندئذ لا بدّ من مراعاة قيود في الكلام و في تعريفه، حتّى لا يشمل إلاّ الأخير، و يشمل المفهومين: الموافق، و المخالف.

و قبل الإشارة إلى ما هو تعريفه، لا بدّ من الإيماء إلى ما ظنّه الأستاذ المزبور في باب المفاهيم، حتّى يعلم أنّ التعريف الآتي يكون خاليا من الخلل:

و هو أنّ السيّد (رحمه اللَّه) قال: «إنّ جميع ما يستفاد من الدلالات الثلاث، لا يكون إلاّ منطوقا، فإنّ المنطوق ما دلّ عليه اللفظ بالدلالة الوضعيّة، و منها التضمّنية و الالتزاميّة، و يكون المنطوق ما يحتجّ به المتكلّم، و يؤاخذ بأنّه قاله و تكلّم به، و لا يتمكّن من إنكاره إلاّ مكابرة، و جميع المفاهيم المستفادة من الدلالات الثلاث تكون نسبتها إلى اللافظ و المتكلّم صحيحة، فلا تكون مفهوما حذاء المنطوق.

و ما هو المفهوم هي المعاني الأخرى التي يتمكّن المتكلّم من إنكارها،

____________

(1)- نهاية الأصول: 292.

6

و يصدّقه العقلاء بأنّه ما قاله، و لكن ربّما لا يصدّقوه، لأجل استفادتهم منها نوعا، و يحتجّون عليه.

و بالجملة: في قوله: «إن جاء زيد أكرمه» يصدّقوه بأنّه ما قال: «و إن لم يجئ لا تكرمه» و هذا هو المفهوم. فما في كتب المتأخّرين من جعل المفهوم من الدلالة الالتزاميّة (1)، في غير محلّه بالضرورة» (2).

أقول: قد تحرّر في محلّه بطلان الدلالة التضمّنية و الالتزاميّة:

أمّا الأولى، فواضحة، بل لا ترجع إلى معنى معقول.

و أمّا الثانية، فلأنّ الدلالة الوضعيّة هي دلالة اللفظ على المعنى تبعا لوضع الواضع، فلو كان الواضع لاحظ اللازم فيكون قيدا في الموضوع له، و لا يكون من الدلالة الالتزاميّة التي هي متأخّرة في الرتبة عن الدلالة المطابقيّة.

و إن لم يلاحظ الواضع فلا يكون من الوضع، بل هو أمر حاصل من الألسن و كثرة الاستعمال و التلازم الخارجيّ، من غير كونه واردا في الموضوع له، و ربّما يحصل- لأجل الكثرة- وضع تعيّني للمعنى الملزوم و اللازم، فيكون الموضوع له مركّبا و مقيّدا أيضا، فلا يعقل الدلالة الالتزاميّة الوضعيّة إلاّ تساهلا و دعوى: أنّ الواضع اعتبر الملازمة، و هذا أمر غير ممكن، لأنّها واقعيّة، و ليست تحت سلطان الواضع بالضرورة، فعليه تنحصر الدلالة الوضعيّة بالمطابقة.

إذا عرفت هذه الأمور، و جهات المناقشة في تعاريف القوم، فلا بأس بالإشارة إلى نكتة أخرى يلزم مراعاتها في تعريفه: و هي أنّ أخذ صفة غير مذكورة في‏

____________

(1)- قوانين الأصول 1: 168- السطر 25، مطارح الأنظار: 167- السطر 25- 28، كفاية الأصول: 230، فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2: 477.

(2)- نهاية الأصول: 292- 295.

7

تعريف المفهوم، ليس على ما ينبغي، ضرورة أنّ ماهيّة المفهوم ليست مرهونة باللامذكور، لإمكان كونه مذكورا في الكلام أحيانا، فيكون المنطوق مفهوما، و لا داعي إلى أخذه و حمل الصفة على الغالبيّة، أو حمل القضيّة على المهملة دون المطلقة، كما لا يخفى.

فعندئذ نقول: المفهوم الّذي هو مقصود الأصوليّين، هي قضيّة يمكن استفادتها من قضيّة ملفوظة لا بدلالة المطابقة، و كانت تلك الاستفادة لأجل أخذ قيد و خصوصيّة في القضيّة الملفوظة و في الكلام، إخباريّا كان، أو إنشائيّا، فتخرج المفاهيم الأفراديّة بقولنا: «قضية» و يكون قولنا: «يمكن» لإفادة أنّها ليست مستفادة بتّا و قطعا، لما فيه الخلاف.

و تخرج القضايا الذهنيّة بقولنا: «ملفوظة» و تكون المعقولات الثالثة و الرابعة خارجة.

و خرج المفهوم المطابقي للجملة بقولنا: «لا بدلالة مطابقيّة».

و يشمل سائر الدلالات، فإنّ المفهوم ما يستفاد منها بأيّة دلالة كانت.

و من قولنا: «لأجل أخذ قيد» يظهر خروج المفاهيم حسب الإطلاق الثاني الّذي مرّ تفصيله. و لا حاجة إلى سائر القيود، إلا أنّا ذكرناها إيضاحا للمرام، و اللَّه وليّ الإنعام.

و من هذه المقالة يستفاد أمور اخر:

الأوّل: أنّ المفهوم و المنطوق من أنحاء مداليل الكلام، و لا وجه لتخيّل كون المفهوم من أنحاء الدلالة.

الثاني: أنّ المفهوم و المنطوق وجوديّان، و لا ثالث لهما، و دعوى أنّ بينهما تقابل العدم و الملكة، أو هما من الضدّين اللّذين لهما ثالث، لأنّ المفهوم من المداليل‏

8

الالتزاميّة باللزوم البيّن‏ (1)، في غير محلّها.

الثالث: أنّ المفهوم المذكور في الكلام أحيانا لا يخرج عن المفهوميّة، كما أنّ المنطوق الّذي ينقلب مفهوما أو يصحّ أن يعبّر عنه: «بأنّه مفهوم» لا يوجب كونهما من المتضايفين.

مثلا: إذا قال: «و إن لم يجئ زيد فلا تكرمه» يكون مفهومه «إن جاء زيد فأكرمه» و لكن يعلم منه أنّهما اعتباريّان.

اللهمّ إلاّ أن يقال: ما هو المتقدّم في القول هو المنطوق، و المتأخّر مفهوم مصرّح به، فافهم و اغتنم، و اللَّه وليّ التوفيق.

الجهة الثانية: في أنّ نزاع المفهوم صغرويّ أو كبرويّ‏

ربّما يستظهر من كلام الأقدمين، أنّ النزاع كان في حجّية المفهوم‏ (2).

و قيل: «إنّ البحث عن حجّيته راجع إلى البحث عن حجّية الظواهر، و يندرج في تلك المسألة، و النزاع هنا ليس كبرويّا، بل يكون حول أنّ القضيّة المشتملة على الخصوصيّة و القيد لها المفهوم، أم لا، فيكون النزاع صغرويّا» (3).

و اختار السيّد البروجرديّ (قدّس سرّه) من المتأخّرين كبرويّة النزاع، لما مرّ منه من أنّ الكلام في هذا الفنّ حول المفاهيم غير المستندة إلى الوضع و إحدى الدلالات، فيكون خارجا عن بحوث الظواهر، و يرجع إلى دلالة فعل المتكلّم المختار المريد-

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2: 477، أجود التقريرات 1: 413- 414.

(2)- لاحظ نهاية الأصول: 295.

(3)- محاضرات في أصول الفقه 5: 59.

9

الّذي أخذ في كلامه الخصوصيّة و القيد- على الانتفاء عند الانتفاء (1).

و كأنّه (قدّس سرّه) تحفّظا على ما أخذه موضوعا للعلم، اعتبر كبرويّة النزاع، و إلاّ يلزم خروج هذا المقصد من علم الأصول.

و أمّا المتأخّرون فلا يضرّهم البحث الصغرويّ، ضرورة أنّ المفهوم بعد ثبوته يصحّح الكبرى لقياس الاستنتاج، و حجّة بالحمل الشائع على المسألة الفرعيّة.

و الّذي هو التحقيق هو التفصيل، فما كان من المفاهيم مستفادا من إثبات العلّية التامّة المنحصرة في جانب المنطوق، فذلك المفهوم حجّة، و ليس مندرجا في بحث الظواهر، لأنّها محلّ الخلاف حجّيتها، بخلاف هذا المفهوم، فإنّ حجّيته قطعيّة، و ليست قابلة للخلاف، للزوم الخلف كما هو الواضح.

بل حجّية المفهوم في هذا الفرض ليست قابلة للسلب، بخلاف حجّية القطع، فإنّها قابلة للسلب، كما تحرّر منّا في بحوث الإجزاء (2)، و يأتي في محلّه‏ (3) و أنّ ما اشتهر «من أنّ حجّية القطع ذاتيّة» (4) ممّا لا أساس له.

نعم، حجّية المفهوم بعد كون المنطوق دليلا على علّية الشرط للجزاء علّية تامّة منحصرة ليست قابلة للسلب.

و أمّا دعوى: أنّها ذاتيّة، فهي غير صحيحة حسب الاصطلاحات في إطلاقات «الذاتيّ» في أبواب الإيساغوجي و البرهان. هذا هو القسم الأوّل من المفاهيم.

و أمّا الطائفة الثانية منها، فهي التي تستفاد من المنطوق حسب الأفهام العرفيّة،

____________

(1)- نهاية الأصول: 293- 295.

(2)- تقدّم في الجزء الأوّل: 301.

(3)- يأتي في الجزء السادس: 25- 27.

(4)- فرائد الأصول 1: 4، فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 6، نهاية الدراية 3: 18.

10

من غير دلالة المنطوق على العلّية التامّة المنحصرة، فهذه تكون قابلة للجعل، و تكون قابلة للخلاف، و ليست مندرجة في الظواهر بنحو الإطلاق، فلا يكفي النزاع الآتي في الظواهر (1) عن هذا النزاع.

مثلا: إذا قلنا، بأنّ للجملة المغيّاة مفهوما، و المفهوم مستفاد من أخذ الغاية عرفا، فهو ليس من أنحاء مداليل الكلام حتّى يكون من الظواهر كما عرفت، بل هو ربّما يستند إلى بعض الجهات الاخر، مثل اللغويّة، و اللالغويّة، فلا بد من عقد البحث عن حجّيته بعد فرض ثبوته، و لا يكفي مجرّد ثبوته، فهناك نزاعان:

أحدهما: صغرويّ، و هو أنّ للجملة الشرطيّة و الوصفيّة مفهوما، أم لا؟

ثانيهما: صغرويّ و كبرويّ من جهتين، صغرويّ لأجل البحث عن أصل وجود المفهوم للغاية، و كبرويّ لأجل البحث عن حجّيته بعد ثبوته، لأنّه ربّما لا يكون من اللازم البين، بل يكون من مداليل الكلام حسب المتعارف في محيط التقنين.

نعم، كما لا يكون النزاع عن حجّية الظواهر من النزاع العقلائيّ، لوضوحها، كذلك الأمر هنا، فلا تخلط.

و هناك طائفة ثالثة: و هي المفاهيم الموافقة، فإنّ النزاع فيها مثل الطائفة الثانية أيضا، كما ترى.

اللهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ في الطائفة الثانية أيضا يريد القائل بالمفهوم إثبات انحصار موضوع الحكم بما في المنطوق، و نتيجة ذلك سلب سنخ الحكم عن الموضوعات الاخر، فتدبّر.

____________

(1)- يأتي في الجزء السادس: 301- 303 و 315- 324.

11

الجهة الثالثة: في أنّ المقصود نفي سنخ الحكم لا شخصه‏

لا شبهة في انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه، و لا شبهة في أنّ انتفاء موضوع الحكم بانتفاء وحدته، و لا شبهة في أنّ تلك الوحدة تختلّ بانتفاء الكلّ، أو الجزء، أو القيد الداخل في الموضوع تقيّدا، و الخارج عنه قيدا.

نعم، ربّما يتوهّم بقاء الحكم الشخصيّ، بقيام علّة أخرى مقام العلّة الأولى التي استتبعت ذلك الحكم. و لكنّه على تقدير تماميّته لا يكون من الاختلال في موضوعه، بل هو من التبادل في علّة الحكم، و أنّها كانت واسطة في الثبوت، دون العروض.

مثلا: إذا قال المولى «أكرم زيدا لمجيئه» فإنّ وجوب الإكرام يمكن أن يبقى لعلّة أخرى عند انتفاء المجي‏ء، بخلاف ما إذا رجعت القضيّة إلى أنّ زيدا الجائي موضوع الحكم، فإنّه لا يعقل بقاء الإرادة المتشخّصة بالمتعلّق و المراد، مع تبدّل المراد و تغيّره في عالم تعلّق الإرادة التشريعيّة.

فبالجملة: انتفاء الحكم الشخصيّ عند انتفاء القيد ضروريّ، و عدم ثبوت الحكم الشخصي عند عدم ثبوت العلّة الأولى قطعيّ، فإنّه لا يجب إكرامه عند عدم مجيئه رأسا. فهذان نحوان من الانتفاء عند الانتفاء ممّا لا كلام فيهما، و ليسا مورد النزاع و البحث في فنّ المفاهيم.

و الّذي هو المقصود في المقام للباحثين، مسألة انتفاء سنخ الحكم بانتفاء القيد، و أنّ زيدا محكوم بعدم الإكرام و لو أتى بآلاف من جهات أخرى موجبة للإكرام، ضرورة أنّ قضيّة المفهوم هو أنّ المجي‏ء علّة تامّة منحصرة، فلا يجب إكرامه‏

12

عند عدم المجي‏ء، و أنّ زيدا ليس قابلا لأن يكون محكوم الوجوب بجهة أخرى من الجهات و المقتضيات.

فعلى هذا من يدّعي المفهوم يريد ذلك، و من ينكره يريد جواز كون زيد مورد الإيجاب، لعلّة أخرى.

شبهة و حلّ‏

ربّما يخطر بالبال: أنّ مفهوم قولهم «إن جاءك زيد فأكرمه» «إن لم يجئ زيد فالوجوب منتف» و لا يدلّ على اعتبار عدم الوجوب، بل المستفاد منه انتهاء أمد الوجوب و شخصه عند عدم المجي‏ء فاستفادة المفهوم المقصود في المقام غير ممكنة، فالنزاع غلط و غير صحيح.

و ربّما يؤيّد ذلك ما لو قال المولى: «إن جاءك زيد يجب إكرامه» فإنّه لا يستفاد منه مفهوم إلاّ انتفاء الوجوب الثابت في القضيّة الملفوظة، و هذا هو انتفاء شخص الحكم.

فالمفاهيم لا تدلّ إلاّ على انتفاء شخص الحكم، الّذي هو منفيّ بحكم العقل بالضرورة، فلا وجه لما تعارف فيه من النزاع، و أنّ المفهوم يفيد انتفاء سنخ الحكم كما في مفهوم المخالفة، فلاحظ و تدبّر.

أقول: تندفع الشبهة بالتدبّر فيما هو مدّعى القائل بالمفهوم، و هو أنّ المستفاد من المنطوق انحصار الحكم المستفاد من المنطوق بالموضوع المذكور فيه، أو انحصار علّة الحكم بما في المنطوق، و نتيجة ذلك نفي سنخ الحكم قطعا و لو كان مفاد الجملة المفهوميّة- حسب الاستظهار العرفيّ- نفي شخص الحكم إذا كانت تلك الجملة ملفوظة.

و بعبارة أخرى: لا يستند انتفاء سنخ الحكم إلى ظاهر القضيّة المفهوميّة، و إلى‏

13

مقتضى أوضاع المفهوم، بل يستند انتفاء سنخ الحكم إلى ما هو المستفاد بحسب الأوضاع و الأحوال من المنطوق، و تلك القضيّة تابعة لهذه القضيّة، من غير النّظر إلى مداليلها الوضعيّة اللفظيّة، لعدم ذكر منها.

نعم، إذا كانت القضيّة الثانية مذكورة أحيانا في الدليل، و كانت ظاهرة في أمر على خلاف ظهور المنطوق في الحصر، فلنا دعوى تقدّم ظهور القضيّة الثانية على الأولى في بعض الفروض، كما إذا كانت استفادة المفهوم مستندة إلى الإطلاق مثلا، و كانت القضيّة الثانية التي هي مفهوم ظاهرة بالوضع في عدم الحصر، فتدبّر.

تنبيه: في خروج بعض أنحاء المفهوم المخالف و الموافق عن محلّ النزاع‏

ربّما يكون من المفهوم المخالف ما هو الخارج عن محطّ النزاع، كما إذا كانت الجملة بصدد التحديد الماهويّ، فإنّه يوجب الانتفاء عند الانتفاء.

مثلا: إذا قيل في جواب «ما حقيقة الإنسان؟»: «إنّه الحيوان الناطق» أو «المائت» فلا بدّ من الالتزام بالمفهوم، و إلاّ يلزم احتمال وجود الفصل الآخر لتلك الماهيّة الجنسيّة، و لا يعقل ذلك، لأنّ الذاتيّات محفوظة في أنحاء الوجودات.

كما ربّما يكون من المفهوم الموافق ما هو أيضا خارج من محطّ التشاحّ، و يكون حجّة قطعا، و ذلك في القضايا التي سيقت لإفادة المفهوم، بحيث لا يكون المنطوق مرادا، فلو قلنا بأنّ النهي عن القول بالتأفيف ليس زجرا عن المدلول المطابقي، فلا بدّ و أن يكون مفهومه مرادا، فرارا من اللغويّة غير الجائزة بحقّ المولى تعالى و تقدّس. و هذا و ذاك أقوى المفاهيم في قسمي المخالف و الموافق.

و ربّما يوجد في الأمثلة ما لا ثمرة للقول بالمفهوم لها، كما في قولهم: «إن جاءك زيد فأكرمه» إلاّ على القول بأنّ مفهومه تحريم الإكرام عند عدم المجي‏ء و هذا يعلم بالتأمّل و التدبّر.

14

و على كلّ تقدير: لا يورث انتفاء ثمرة القول بالمفهوم في بعض الأمثلة بما هو المهمّ في المقام، و اللَّه وليّ الإنعام.

الجهة الرابعة: حول مختار السيّد الأستاذ البروجرديّ في البحث عن الواحد الجامع بين الجمل‏

بناء المتأخّرين على البحث المستقلّ عن كلّ واحدة من الجمل التي يمكن أن تكون ذات مفهوم، كالشرطيّة، و الوصفيّة، و الاستثناء و غيرها، و بناء السيّد الأستاذ البروجرديّ على البحث الواحد الجامع المشتمل على جميع البحوث‏ (1).

و قال حول مرامه: إنّ أخذ القيد في الكلام، لا بدّ و أن يكون لغرض الإفادة، و إنّ المقصود هو دخالة القيد في موضوعيّة الحكم، و إلاّ يكون لغوا، فإذا قال المولى:

«إن كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء» يعلم- حسب البناءات العقلائيّة القائمة أوّلا على أصالة الحقيقة و أصالة الجدّ- أنّ قيد الكرّية دخيل في عدم تنجّس الماء، و لا يكون الماء القليل موضوعا لعدم التنجّس، فيكون دليلا على ابن أبي عقيل‏ (2) و لو كان القليل لا يتنجّس لكان أخذ القيد المزبور لغوا و زائدا، و هو خلاف بناء العقلاء و فهمهم بالضرورة.

ثمّ (قدّس سرّه) بعد ما أفاد ذلك بما لا حاجة إليه من الإطالة في هذه المقالة قال: «بناء على هذا لا يمكن الالتزام بالانتفاء عند الانتفاء الّذي هو مسلك المتأخّرين في باب المفاهيم من إثبات العلّية المنحصرة، فإنّه لا مانع من كون الخصوصيّات الاخر

____________

(1)- نهاية الأصول: 296- 297.

(2)- لاحظ مختلف الشيعة 1: 176.

15

دخيلة في عدم تنجّس الماء، كالمطريّة و الجريان».

فما يثبت عنده (قدّس سرّه) بالمفهوم إثبات حكم التنجّس للقليل، دون سائر المياه ذات الخصوصيّة، و بذلك يظهر أن كلّ قيد يكون مأخوذا في الكلام، حكمه مثل الشرط، من غير إفادته الانتفاء عند الانتفاء، لأنّ الفرار من اللغويّة يحصل بكون القيد دخيلا و إن لم يكن علّة منحصرة (1)، انتهى بتحرير منّا.

أقول: قد عرفت في الجهة السابقة، أنّ انتفاء شخص الحكم قطعيّ عند المخالف و المؤالف، و ما هو مورد النزاع هو انتفاء سنخ الحكم‏ (2)، و بناء على هذا تصير نتيجة ما سلكه (رحمه اللَّه): أنّ بعد ثبوت قيديّة القيد المأخوذ في الكلام، أنّ الحكم المذكور في القضيّة الملفوظة منتف عند انتفاء القيد، فلا يكون القليل موضوعا للحكم، و هذا ممّا لا خلاف فيه، و ما هو مورد الخلاف هو نفي إمكان تنجّس الماء المتخصّص بخصوصيّة أخرى.

و بعبارة أخرى: يعتبر في النزاع المحرّر بين الأعلام كون المسألة المتنازع فيها، قابلة لأن يذهب جمع إلى أحد طرفي المسألة، و جمع آخر إلى طرفها الآخر، و إلاّ فلا ثمرة في طرحها.

مع لزوم كون العلم غير متناه من مسائله الوفاقيّة و الخلافيّة.

و ما أفاده (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن أن يذهب أحد إلى المفهوم، و هو الانتفاء عند الانتفاء، و لا إلى عدم المفهوم، و هو عدم ثبوت حكم التنجّس للماء القليل.

و إن شئت قلت: ما جعله محورا للكلام أمره دائر بين أمرين:

أحدهما: أن يكون النزاع في الانتفاء عند الانتفاء، و هو نزاع لا يذهب إلى‏

____________

(1)- نهاية الأصول: 296- 297.

(2)- تقدّم في الصفحة 11.

16

تصديقه أحد، و يكون الكلّ منكرا لذلك.

ثانيهما: أن يكون النزاع في احتمال ثبوت شخص الحكم للماء القليل بإلغاء قيد الكرّية، بدعوى أنّه قيد جي‏ء به في الكلام لبعض الجهات الاخر من التوطئة و غيرها، أو لأجل كونه في كلام السائل، أو لكثرة الابتلاء به، أو لأنّه قيد ندبيّ، و كلّ ذلك مرميّ بالأصول العقلائيّة، و لا يذهب إلى خلافه أحد.

هذا مع أنّ النزاع الثاني لو كان يذهب إلى طرفه الاخر شخص، و لكنّه لا يضرّ بالنزاع الّذي حرّره المتأخّرون، فيكون هناك نزاعان: نزاع في أن للقيد يثبت أصل المدخليّة، أم لا.

و على تقدير ثبوت المدخليّة، تكون المدخليّة على وجه العلّية المنحصرة، أم لا.

و يترتّب على الأوّل تنجّس القليل و عدمه، و على الثاني تنجّس الجاري و عدمه.

و لا يجوز الاقتصار و الاختصار على ما تنازع فيه المتقدّمون، و صرف العمر فيما جعلوه محور كلامهم فقط، و لا سيّما إذا كان قليل الجدوى، و بدويّ النّظر، و قد مرّ منّا مرارا: أنّ للمتأخّرين أن ينظروا فيما يصحّ أن يكون مصبّا للنزاع، و يكون مفيدا في الفقه، سواء نازعوا فيه، أم لم ينازعوا، فضلا عمّا إذا تشاحّوا فيما لا يرجع إلى محصّل عند المتأخّرين، فلاحظ و تدبّر و اغتنم.

و بالجملة: تحصّل من مجموع ما ذكرناه نقدا عليه (قدّس سرّه) أمور:

الأوّل: لا بأس بأن يتنازع في الأمرين:

النزاع في دخالة القيد في موضوع الحكم و عدمها، و يترتّب عليه في المثال المزبور انفعال القليل و عدمه.

و النزاع في أنّ القيد المذكور علّة منحصرة، و الموضوع المأخوذ في الدليل‏

17

تمام الموضوع، و لا موضوع آخر للحكم المذكور فيه بشخصه، و لا بسنخه، و يترتّب عليه اشتراط الكرّية في الماء الجاري، كما عن العلاّمة (رحمه اللَّه)(1) و عدمه.

الثاني: لا معنى للنزاع الأوّل بعد ذهاب الكلّ إلى أصل الدخالة، فرارا من اللغويّة. و ذهاب مثل ابن أبي عقيل إلى عدم انفعال الماء القليل‏ (2)، ليس مستندا إلى إنكار ذلك المفهوم، بل مستند إلى الأدلّة الخاصّة.

الثالث: ليس إثبات نجاسة القليل بعد الاعتراف بدخالة القيد، من ثمرات القول بالمفهوم، بل هو مقتضى الاعتراف المذكور عقلا، ضرورة انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد، فلا بدّ و أن لا يتنجّس القليل، فتأمّل.

الرابع: النسبة التي ادّعاها (3) غير واضحة، و قد استظهر السيّد المحقّق الوالد (4)- مدّ ظلّه- من كلام السيّد (رحمه اللَّه)(5) خلاف ما نسبه إليه.

إذا تبيّنت هذه الجهات، و علمت أنّ البحث لا بدّ و أن يكون حول القضايا الخاصّة في الفصول المختلفة، لاختلاف القضايا حسب الأنظار في إفادة الانتفاء عند الانتفاء، و اختلافها في الظهور و الدلالة، فنقول: الكلام حول المسألة في المقام يتمّ في مباحث:

____________

(1)- منتهى المطلب 1: 6- السطر 12.

(2)- تقدّم في الصفحة 14، الهامش 2.

(3)- نهاية الأصول: 296- 297.

(4)- مناهج الوصول 2: 179، تهذيب الأصول 1: 426.

(5)- الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 406.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

المبحث الأوّل في القضيّة الشرطيّة

و أنّها هل تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء، أم لا، أو تكون هي مختلفة، فمنها:

ما يدلّ، و منها: ما لا يدلّ، و يكون منشأ الاختلاف و التفصيل تارة: الوضع و الدلالة الوضعيّة و المعاني الحرفيّة المستندة إلى أدوات الشروط، فيدلّ مثل «إن» مثلا، دون «إذا» و «إذا» و أخرى: مقدمات الإطلاق، فإنّه ربّما لا تكون الجملة الشرطيّة مفيدة، لعدم الإطلاق لها و أخرى تصير مفيدة في موضوع آخر، لكونها في مقام البيان مثلا؟

وجوه، بل أقوال.

و قبل الخوض في التقاريب الممكنة التي استند إليها في دلالة القضيّة على المفهوم، لا بدّ من الإشارة إلى نكتة: و هي أنّ الّذي يتوقّف عليه القول بالمفهوم أحد أمرين على سبيل منع الخلوّ:

أحدهما: إثبات أنّ الموضوع المأخوذ في الدليل منحصرا موضوع للحكم، و لا يكون شي‏ء آخر موضوعا، و لا يقبل الشي‏ء الآخر أن ينوب مناب جزء الموضوع و قيده، فيكون الموضوع في قولك: «إن جاء زيد فأكرمه» «زيدا الجائي» و لا يكون عمرو الجائي و لا زيد المتلوّن بخصوصيّة أخرى موضوعا، فإنّه إذا ثبت‏

20

ذلك يثبت المفهوم بالضرورة.

ثانيهما: إثبات أنّ الخصوصيّة المذكورة في مثل القضيّة الشرطيّة و الوضعيّة أو بعض آخر منها هي العلّة التامّة المنحصرة للحكم المذكور في القضيّة، و تصير النتيجة- حسب مذهب العدلية من اقتضاء الحكم علّة و مصلحة و سببا- انتفاء سببيّة الأمور الاخر لوجوب الإكرام، فيكون منتفيا بانتفاء الموضوع، أو بانتفاء تلك الخصوصيّة و العلّة، و لا تنوب منابها علّة أو علل أخرى و لو اجتمعت ألف مرّة.

و غير خفيّ: أنّ بذلك التقريب تظهر أمور:

أحدها: ما توهّمه بعض المعاصرين، من أنّ المفهوم يدور مدار الحصر المستفاد من القضيّة المشترك فيها جميع القضايا، فإنّه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن مصبّ الحصر مختلف، فإنّ حصر الموضوع بالموضوعيّة أمر، و حصر العلّة الخارجة عن الموضوع أمر آخر، كما هو الواضح.

ثانيها: من الأعلام رحمهم اللَّه من أرجع القضايا الشرطيّة إلى القضايا البتّية، متخيّلا بعض المناسبات، و مدّعيا أنّه مقتضى الفهم العرفيّ‏ (1)، و قد تحرّر منّا في محلّه خلافه، و التفصيل في محلّه‏ (2).

و الّذي هو المقصود هنا: أنّ رجوع القضيّة الشرطيّة إلى البتّية و عدمها، لا يورث سقوط النزاع في القضيّة الشرطيّة، بل من أرجعها إليها لا بدّ و أن يدّعي حصر الموضوع بعد الإرجاع، و لا يجوز له استظهار العلّية من القضيّة الشرطيّة، ثمّ إرجاعها إلى البتّية، كما لا يخفى.

و من الغريب أنّه (قدّس سرّه) مع إصراره في الرجوع المذكور، استظهر من القضيّة

____________

(1)- فوائد الأصول 2: 179 و 482.

(2)- تقدّم في الجزء الثالث: 91- 92.

21

الشرطيّة- بما لها من الخصوصيّات- بعض مقاصده، و بعض الجهات اللاّزمة في ثبوت المفهوم لها، و الأمر بعد ما عرفت، سهل لا غبار عليه.

ثمّ إنّ من ثمرات رجوع القضيّة الشرطيّة إلى البتّية الحقيقيّة، إنكار المفهوم و إثباته، فإنّ من الممكن دعوى المفهوم للقضيّة الشرطيّة، بدعوى أنّ الشرط و الجزاء، يورث العلّية و الانحصار بضمّ بعض المقدّمات الاخر، و أمّا القضيّة الوضعيّة و أمثالها فلا تدلّ على المفهوم، و لذلك كان اشتمالها على المفهوم، أقرب عندهم من سائر القضايا.

ثالثها: أنّ من القضايا ما ليست شرطيّة، و لكنّها في حكمها، كقوله تعالى:

خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ‏ (1) بناء على كون جملة تُطَهِّرُهُمْ‏ جزاء فالجهة المبحوث عنها أعمّ منها، كما لا يخفى.

وجوه في دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم‏

إذا ظهرت هذه المقالة فليعلم: أن الوجوه التي يمكن أن يتمسّك بها أو تمسّكوا بها كثيرة، لا بأس بذكرها:

الوجه الأوّل: دعوى الدلالة الوضعيّة لأدوات الشرط (2)، أو للهيئة الشرطيّة، من كلمة «إن» و الشرط، و «الفاء» و الجزاء (3)، أو دعوى دلالتها على العلّة و اللزوم بالوضع، و على الانحصار بالإطلاق‏ (4) على الوجه الآتي إن شاء اللَّه تعالى.

____________

(1)- التوبة (9): 103.

(2)- معالم الدين: 80، هداية المسترشدين: 282- السطر 5- 6، مطارح الأنظار: 170- السطر 35- 36.

(3)- الفصول الغرويّة: 147- السطر 26.

(4)- لاحظ نهاية الأفكار 1: 481.

22

و لا يحتاج إفسادها و إبطالها إلى تجشّم الاستدلال، و إقامة السلطان و البرهان، و الرجوع إلى موارد الاستعمالات تعطي خلافه، ضرورة إمكان كون القضيّة الشرطيّة من القضيّة الاتفاقيّة، و من القضيّة المشتملة على المتضايفين، و معلولي علّة ثالثة، و من البرهان اللمّي و الإنيّ، فيكون الشرط معلول الجزاء، و كلّ ذلك شاهد على عدم اقتضاء الأدوات لشي‏ء ممّا ذكر مطلقا.

و توهّم وضعها لإفادة العلّية المنحصرة إلاّ مع القرينة، و في القضايا المزبورة تكون القرينة موجودة، لا يرجع إلى محصّل، و يكون مجرّد تخيّل كما لا يخفى.

الوجه الثاني: دعوى انصراف أدوات الشرط و هيئة القضية إلى العلّة المنحصرة. و توهّم امتناع الانصراف في المعاني الحرفيّة، لأنّها جزئيّة (1)، في غير محلّه كما ترى.

و لكنّ الشأن في أنّها دعوى بلا بيّنة و لا برهان، بل يأباها القياس و السلطان حسبما عرفت من شهادة الوجدان فيما مرّ، فتدبّر.

و ربّما يتخيّل الانصراف، لأجل الأكمليّة (2).

و فيه: منع للصغرى و الكبرى:

أمّا الثانية فواضحة.

و أمّا الأولى، فلأنّ انحصار العلّة لا يوجب الأكمليّة و اشتداد الربط، لأنّه أمر خارج عن حدّ العلّية كما ترى.

الوجه الثالث: دعوى التفصيل بين الأدوات و القضايا، فما كانت مصدّرة بمثل «إذ» و «إذا» و كل حرف من الحروف الشرطيّة المشتملة على التوقيت المسمّاة

____________

(1)- مطارح الأنظار: 170- السطر 30- 31.

(2)- لاحظ مطارح الأنظار: 170- السطر 25- 26.

23

ب «الشرطيّة الموقّتة» فهي لا تفيد، ضرورة أنّ موارد استعمالاتها تأبى عن ذلك، و لأجله ترى استعمالها في القضايا الاتفاقيّة، فلا يقال: «إن كان الإنسان كذا فكذا» بل المثال المعروف هو «أنّه إذا كان الإنسان كذا فكذا».

و هكذا في الموارد الاخر، مثل ما في الأخبار «إذا قصّرت أفطرت» و بالعكس‏ (1)، و «إذا صلحت النافلة تمّت الفريضة» (2) و هكذا ممّا لا يكون الشرط علّة الجزاء.

و بالجملة: هذه الأدوات لا تفيد التعليق و الاشتراط، بل هي- حسب أخذ التوقيت في معانيها- تفيد أنّ الحكم المذكور يكون في وقت المجي‏ء، و تكون الجملة الأولى و هي قوله: «إذا جاء» لإفادة وقت الإكرام، لا تعليق وجوب الإكرام على المجي‏ء.

و بعبارة أخرى: الحكم في القضايا الشرطيّة الموقّتة مفروض الموضوع، و أنّ الموضوع يتحقّق فيما بعد، و أنّ زيدا يجي‏ء، فيكون وجوب الإكرام قطعيّا، و لكنّ ظرف الإكرام وقت المجي‏ء من غير تعليق.

و إن شئت قلت: أداة الشرط مختلفة، فمثل «لو» تفيد التعليق، و لكنّه تعليق فرضيّ، و يمتنع تحقّق التالي، أو هي لإفادة الامتناع الذاتيّ، أو الغيريّ، أو الادعائيّ.

و مثل «إذ» و أمثالها لا تفيد التعليق، بل تكون بيانا لموضوع الحكم، و أنّ ظرف ذلك الإكرام وقت المجي‏ء و إن كان الموضوع بحسب اللّب مقيّدا، و لكن بحسب الظاهر لا يفيد تعليق الحكم على القيد، لما فرض موجوديّته.

____________

(1)- تهذيب الأحكام 3: 220، وسائل الشيعة 8: 503، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 15، الحديث 17.

(2)- وسائل الشيعة 4: 82، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 21، الحديث 4.

24

و من ذلك القبيل قولهم (عليهم السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ ...» (1) فإنّه ليس في موقف أنّ عدم التنجيس معلّق على الكرّية، و كأنّه يرجع القضيّة إلى اللقب، و هو «أنّ الكرّ لا ينجّسه شي‏ء» و منه قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ... (2).

و مثل «إن» و أخواتها موضوعة حسبما في الكتب النحويّة، لظرف الشكّ في تحقّق الجملة الأولى، و أنّه يكون المتكلّم في الطائفة الأولى عالما بعدم وقوع الشرط، و في الطائفة الثانية عالما بتحقّق الشرط، و أمّا في الأخيرة فهو شاكّ، فيعلّق الحكم على الشرط (3)، و المستفاد من التعليق هو الانتفاء عند الانتفاء.

أقول: للنظر في هذه المقالة مجال واسع، و قد كنّا في سالف الزمان مصرّين على اختلاف أدوات الشرط بحسب لوازم معناها، و ليس كلّها على نهج واحد، كما يظهر من أهل الأدب، و يترتّب عليه بعض المسائل الفقهيّة:

و منها: أنّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ... (4) ليس في مقام إفادة اشتراط الوجوب، بل هو في موقف إفادة أنّ صلاة الجمعة المفروض تحقّقها خارجا، يكون وقت الإقامة وقت النداء، و ليس معناه إنّه إذا لم يكن نداء فلا وجوب، كما توهّمه جماعة، و التفصيل في محلّه، و من شاء حقيقة الأمر فليراجع تفسيرنا (5) عند قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا ... (6).

____________

(1)- الكافي 3: 2- 2، وسائل الشيعة 1: 117، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1.

(2)- النصر (110): 1.

(3)- شرح الكافية 2: 108- 109.

(4)- الجمعة (62): 9.

(5)- تفسير القرآن الكريم، المؤلّف (قدّس سرّه) (البقرة: 11، اللغة و الصرف و مسائلها).

(6)- البقرة (2): 11.

25

و لكن الشأن هنا؛ أنّ قضيّة التقريب المزبور ليست المفهوم و الانتفاء عند الانتفاء؛ لعدم استفادة حصر المعلق عليه بما هو المذكور في القضيّة.

نعم، يترتّب عليها أنّ الشرط و القيد المأخوذ في الجملة الأولى، دخيل في ترتّب الحكم و تحقّق الوجوب، و ليس من قبيل الاتفاقيّات و ما يشبهها ممّا مرّ (1).

و سيأتي أنّ أصل الدخالة كما يمكن استفادته من الأداة، يمكن استفادته من الأداة، يمكن استفادته من الأمر الآخر؛ و هو كون الجزاء حكما و قضيّة إنشائيّة، و الشرط على هذا يكون موضوعا و علّة، و تكون العلّة المزبورة و القيد المذكور بالنسبة إلى الحكم و ترتّبه دخيلا و متقدّما، و لا يعقل أن يكون مفاد الجزاء علّة لمفاد الشرط؛ لعدم إمكان كون الحكم علّة موضوعه مثلا.

و بعبارة أخرى: لا تكون القضيّة التي جزاؤها حكم إنشائيّ لا إخباريّ متشكّلا من الاتفاقيّات أو المتلازمين أو المتضايفين، بخلاف ما إذا كان الجزاء إخباريّا، فإنّه قابل لأن يتحقّق و يتشكّل من جميع المذكورات، فلاحظ و تدبّر جيّدا.

الوجه الرابع: دعوى استفادة حصر الموضوع أو حصر العلّية من إطلاق أداة الشرط أو إطلاق هيئة القضيّة، قياسيّا بما مرّ في بحوث الأوامر: من أنّ المنسبق من إطلاقها هو الواجب العينيّ النفسيّ التعيينيّ، من دون اقتضاء وضع إيّاه‏ (2).

و ما في «الكفاية» (3) و غيره‏ (4): «من أنّ مقدّمات الإطلاق لا تتمّ بالنسبة إليهما؛ لكونهما من المعاني الحرفية، لأنّ الإطلاق فرع إمكان التقييد» خال من التحصيل‏

____________

(1) تقدّم في الصفحة 22.

(2) كفاية الأصول: 232.

(3) كفاية الأصول: 232- 233.

(4) نهاية النهاية 1: 257، و لاحظ نهاية الدراية 2: 415.

26

من جهات محرّرة في المسائل مرارا.

فمنها: أنّ الإطلاق المستند في الأوامر و المقصود هنا، ليس الإطلاق المصطلح عليه في أبواب المطلق و المقيّد، و قد مرّ منا تفصيله‏ (1).

و إجماله: أنّ المراد من «الإطلاق» هنا هو الإلقاء و الاستناد إلى القرينة العدميّة العامّة لتعيين أحد القسمين و هو الوجوب النفسيّ ... إلى آخره، لأنّ الجامع غير مقصود بالضرورة، بخلاف الإطلاق المصطلح عليه في محله، فإن مصبّه الجامع بين الأقسام، و ثمرته رفض الأقسام. لا تعيين أحد الأقسام.

و منها: أنّ إمكان التقييد ليس من شرائط صحّة التمسّك بالإطلاق، و قد مرّ تفصيله في بحوث التعبّدي و التوصّلي‏ (2).

و منها: أنّ المعاني الحرفيّة قابلة للتقيد الحاليّ، دون الذاتيّ الصنعيّ، كما يقيّد الأعلام الشخصيّة و سائر الجزئيّات الخارجيّة، و قد مر تفصيله في تلك البحوث‏ (3)، و في مسألة رجوع القيد، إلى الهيئة في الواجب المشروط و المطلق‏ (4).

و منها: أنّ الحاجة إلى مقدّمات الحكمة هنا ممنوعة، كما في الأوامر و النواهي، فاغتنم.

و بالجملة: ما هو الحجر الأساس؛ أنّ الخلط بين الإطلاقين في مباحث الأمر و المطلق و المقيّد، يوجب الانحرافات الكثيرة كما ترى.

و على هذا، يتمّ الاستدلال المزبور، فإنّ المستدلّ يريد من «الإطلاق» ذلك، فما في «تهذيب» الوالد- مدّ ظلّه- (5) أيضا لا يخلو من التأسّف، مع توجّهه إلى بعض‏

____________

(1) تقدّم في الجزء الثاني: 189- 190.

(2) تقدّم في الجزء الثاني: 148- 152.

(3) تقدّم في الجزء الأوّل 98- 108.

(4) تقدّم في الجزء الثالث: 57.

(5) تهذيب الأصول 1: 428- 429.

27

هذه المذكورات.

و لكنّ الشأن؛ أنّ الكلام في المقيس عليه تامّ، بشهادة العرف و الوجدان، و أمّا في المقيس فلا؛ لعدم وجود القرينة العامّة العدميّة على أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء، كما هو الظاهر الواضح.

و الخامس: أنّ استفادة المفهوم فرع إثبات أمور، لو أمكن المناقشة في بعض منها يختلّ المقصود:

أحدها: إثبات أنّ القيد المأخوذ في المقدّم، يكون دخيلا في موضوع الحكم، أو في ثبوت الحكم على موضوعه، و المتكفّل لذلك أوّلا: حكم العقلاء بأنّ الأصل في القيود أنّها احترازيّة، و لا تكون لغوا، و تكون دخيلة.

و ثانيا: أنّ كون التالي قضيّة إنشائيّة و حكما شرعيّا، يوجب كون القيد المزبور، ظاهرا في دخالته في موضوع الحكم المذكور في التالي؛ إن رجعت الشرطيّة إلى البتّية، أو في علّة ثبوت الحكم على موضوعة المزبور في المقدّم، و إلاّ فربّما لا يكون بين المقدّم و التالي دخالة موضوعية، أو علّية في القضايا الإخباريّة، فبما أنّ القضيّة الشرطيّة شرعيّة متكفلة للحكم الإلهيّ، تكون ظاهرة في أنّ القيد المأخوذ في المقدّم دخيل على الوجهين المزبورين.

ثانيها: إثبات أنّ الارتباط الموجود بين المقدّم و التالي، يكون من قبيل الارتباط بين العلّة التامّة و المعلول، فلو كان الربط من قبيل الارتباط الإعداديّ، فلا يثبت المقصود و المدّعى بالضرورة. و المتكفّل لذلك- أي لإثبات عدم الشريك، و أنّ الربط يكون على وجه العلّية التامّة، و لو كان على وجه الارتباط الناقص و الإعداديّ، لكان يحتمل وجود الشريك المعانق معه في حصول المعلول، و بالجملة المتكفل له- هو الإطلاق بعد كون المتكلّم في مقام البيان أوّلا.

و ثانيا: كون الحكم الإنشائيّ مفاد التالي يوجب أن يكون الربط تامّا، و إلاّ

28

يلزم ما في حكم اللغويّة؛ لأنّ أخذ القيد الناقص و إهمال تمام القيود، يرجع إلى كون القيد المزبور أيضا لغوا في محيط العقلاء الحاكمين بأنّ القيد المزبور دخيل في الحكم.

و توهّم عدم جواز التمسّك بإطلاق الشرط لرفع الشريك؛ بدعوى أنّ سببيّة الشرط سببيّة عرفيّة، و هي غير قابلة للجعل، و ما هو قابل للجعل يمكن التمسّك بإطلاقه، كما نسب إلى بعض مقاربي العصر (1)، فاسد جدّاً؛ لما عرفت من صحّة التمسّك بالإطلاق الأحواليّ، مع أنّ موضوعه الأشخاص‏ (2)، و من صحّة التمسّك بإطلاق الموضوع، مع أنّ كثيرا من الموضوعات عرفيّات غير مجعولة، و التفصيل في محلّه‏ (3).

و بناء على هذا، يثبت حسب هذه المقدّمات إلى هنا؛ أنّ المقدّم و التالي ليسا من المتلازمين في المعلوليّة لثالث، و لا من المتضايفين. و مجرّد إمكان تشكيل القضيّة الشرطيّة منهما، لا ينافي كون الأصل العقلائيّ- فيما إذا كان التالي حكما شرعيّا إنشائيّا أو حكما عرفيا و قانونيّا- على أنّ الربط بينهما يكون على نحو العلّية و المعلوليّة، و يكون المقدّم علّة، و التالي معلولا.

و على هذا، يثبت ثالث الأمور التي يجب إثباتها حتّى يثبت المفهوم: و هو كون المقدّم علّة دون التالي.

و بالجملة: لا بدّ أوّلا من إثبات أصل علقة الربط، و ثانيا: أنّ الربط هو الربط العلّي، و ثالثا: أنّ المقدّم هي العلة التامّة، أو هو تمام الموضوع، و لا شريك له في‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2: 481.

(2)- يأتي في الصفحة 456- 458.

(3)- يأتي في الصفحة 420 و 434- 435.

29

الثبوت عند الثبوت.

و إن شئت قلت: لا بدّ أولا، من إثبات أصل علقة الربط مقابل القضايا الاتفاقيّة.

و ثانيا: إثبات أنّ الربط الموجود ربط علّي مقابل الارتباط الثابت بين المتضايفين، و معلولي علّة ثالثة.

و ثالثا: إثبات أنّ المقدّم علّة و لو كانت ناقصة، مقابل ما إذا كان التالي علّة ناقصة.

و رابعا: إثبات أنّ المقدّم علّة تامّة مقابل عكسها.

و قد استفدنا كلّ هذه الأمور الأربعة من الخصوصيّات، و العمدة حكم العقلاء فيما إذا كان التالي حكما إنشائيّا.

و أمّا التمسّك بالظهور السياقيّ، و أنّ ما هو المقدّم بالطبع هو المقدّم في الوضع‏ (1)، فلا يخلو من التأسف. و هذا نظير التمسّك ب «الفاء» التي هي للترتّب‏ (2)، فإنّ الترتّب كما يكون في القضيّة اللزومية، يكون في القضيّة الاتفاقيّة المشتملة على المقدّم و التالي، و نظير التمسّك بأنّ جزم الجملة الثانية بالجملة الأولى، حسب القواعد النحويّة، فكلّ ذلك في غير محلّه.

و ما هو السبب هو اشتمال القضيّة على الحكم الإنشائيّ في التالي، ضرورة امتناع كون الحكم علّة لشي‏ء، و ضرورة حكم قاطبة العقلاء بأنّ المقدّم و ما هو تمام الموضوع لذلك الحكم أو القيد المذكور في المقدّم، علّة تامّة لثبوت الحكم على موضوعه.

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2: 80 (4) 481.

(2)- حقائق الأصول 1: 449.

30

فإلى هنا قد فرغنا من عهدة المبادئ التي يتوقّف إثبات المفهوم عليها، و لا وجه لإنكارها، بل في إنكارها نوع مكابرة للعقل و الوجدان.

و الّذي هو المهمّ في المسألة، و عليه يدور اختلاف تقاريب القوم في المقام، رابعها، أي رابع تلك الأمور في وجه، أو خامس هذه المبادئ في وجه آخر، و هو إثبات كون المقدّم علّة تامّة منحصرة، و إثبات حصر الموضوع بالمذكور في المقدّم.

و من هنا يظهر: أنّ الوجوه التي تمسّكوا بها ليست مختلفة في تلك المبادئ، و لا يليق الخلاف فيها، و إنّما الخلاف في إثبات المبدأ الأخير و الأمر الآخر، و هو الحصر، فلا وجه لما يستفاد من ظاهر القوم من اختلاف الأعلام في كيفيّة استفادة العلّية المنحصرة من القضيّة الشرطيّة، بل هم مختلفون في جهة واحدة، و هي حصر المقدّم في العلّية، بعد اعتراف الكلّ بأصل العلّية، و الأمر سهل.

إن قلت: لا حاجة إلى إثبات علّية المقدّم للتالي في استفادة المفهوم، ضرورة إمكان ذلك مع كونهما معلولي علّة ثالثة منحصرة، و ذلك لأنّ التالي و المقدّم إذا كانا معلولي ثالث، و كان الثالث علّة وحيدة لهما، يلزم من انتفاء المقدّم انتفاء تلك العلّة، و من انتفاء العلّة انتفاء التالي، و يثبت بذلك الانتفاء عند الانتفاء، لما لا يعقل أن يكون التالي ثابتا بعلّة أخرى، لأنّه لا علّة له إلاّ ما هو علّة المقدّم.

مثلا: إذا نظرنا إلى قولك: «إذا قصّرت أفطرت» يمكن استفادة المفهوم من هذه القضيّة مع كون القصر و الإفطار معلولي السفر، فلو كان علّة القصر و الإفطار منحصرة بالسفر، يلزم من انتفاء القصر انتفاء السفر، و من انتفاء السفر انتفاء الإفطار بالضرورة، حسب قانون العلّية فيكون حكم الإفطار و عدمه دائرا مدار حكم السفر بالواسطة.

نعم، إذا كان للإفطار علّة أخرى لا يمكن الحكم بالانتفاء عند الانتفاء،

31

لإمكان ثبوت الإفطار و إن كان القصر منتفيا.

قلت: نعم، إلاّ أنّ إثبات هذا الحصر في غاية الصعوبة، بل لا طريق لنا إليه، و غاية ما يمكن تقريبه- كما يأتي- إثبات حصر العلّة المذكورة. هذا أوّلا.

و ثانيا: إنّ القضيّة الشرطيّة إذا كانت مشتملة على الحكم في المقدّم و التالي، يمكن أن يكون المقدّم و التالي معلولي علّة ثالثة، بمساعدة العرف و العقلاء، و أمّا إذا كان المقدّم من الأمور التكوينيّة، فما هو المقطوع به عندهم هو أنّ التالي- الّذي هو حكم معلول المقدّم- بمعنى أنّ المقدّم سبب جعل التالي، لا بمعنى الإفاضة و الخلق، ضرورة أنّ التالي من معاليل المقنّن و المشرّع بعلّية المقدّم و سببيّته، أو باقتضائه و سنخيّته، كما لا يخفى.

الوجوه المستدلّ بها على العلّية المنحصرة

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ المتكفّل لإثبات الجزء الأخير و الأمر الآخر- و هو حصر العلّة- بعض تقاريب تصدّى لها الأعلام رحمهم اللَّه و الكلّ لا يخلو من الإشكال و الإعضال:

الوجه الأوّل: و لعلّه أقواها، هو أنّ مقتضى الترتّب العلّي أن يكون المقدّم بعنوانه الخاصّ علّة، و لو لم تكن العلّة منحصرة لزم استناد التالي إلى الجامع بينهما، و هو خلاف ظاهر الترتّب على المقدّم بعنوانه.

و بعبارة أخرى: التعليق على المجي‏ء ظاهر في كون المجي‏ء بما هو مجي‏ء بخصوصه علّة، لا بما أنّه مصداق للجامع بينه و بين أمر آخر، و لازمه الانحصار (1)،

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 147- 148.

32

انتهى ملخّص ما عن «الفصول».

أقول: هذا ما قرّره السيّد الأستاذ البروجرديّ (قدّس سرّه) و قد ذكر أنّه عرضه على شيخه (قدّس سرّه) و أجاب (رحمه اللَّه): «بأنّ عدم صدور الواحد عن الاثنين، و كون العلّة بحسب الحقيقة عبارة عن الجامع، أمر تقتضيه الدقّة العقليّة، دون الأنظار العرفيّة، و المرجع هو العرف» (1).

و أنت خبير بما فيه، ضرورة أنّ المدّعي يستظهر من ظاهر الاستناد أنّ ما هو العلّة هو المجي‏ء، و لو كان العلّة جامع المجي‏ء و الخصوصيّة الأخرى لكان ينبغي أن يستند إلى تلك الخصوصيّة الجامعة، و لكان ينبغي أن يذكر تلك الخصوصيّة، دون ما لا خصوصيّة له بعنوانه.

و من هنا يظهر: أنّ المسألة ليست حول قاعدة صدور الكثير من الواحد، حتّى يقال: بأنّ مصبّ القاعدة هي البسائط الحقيقيّة، و الوحدات الشخصيّة الذاتيّة المساوقة للوجود، فما في «تهذيب الأصول» للوالد المحقّق- مدّ ظلّه- (2) أيضا خروج عن جهة الاستدلال و إن كان استند إليها السيّد الأستاذ البروجرديّ (قدّس سرّه)(3) إلاّ أنّه استناد إلى ما لا حاجة إليه. و لأجل ذلك لم يستند «الفصول» و لا العلاّمة المحشّي (قدّس سرّه)(4) إلى تلك القاعدة، و قد ذكرنا العبارة الأولى التي له، فراجع.

و من الغريب ما أفاده الوالد- مدّ ظلّه- أيضا: «من أنّ القضيّة الشرطيّة يمكن أن تتشكّل من مطلق المتلازمين، فالعلّية و المعلوليّة ممّا لا أصل لهما في‏

____________

(1)- نهاية الأصول: 299- 300.

(2)- تهذيب الأصول 1: 430.

(3)- نهاية الأصول: 299.

(4)- نهاية الدراية 2: 416.

33

المقام» (1)!! انتهى.

ضرورة أنّ مقتضى ما مرّ منّا في القضايا الشرطيّة الشرعيّة- أي التي يكون التالي حكما إنشائيّا جعليّا- هو أنّ المقدّم علّة بحكم العقلاء، و أنّ المراد من «السبب»- كما أشرنا إليه أيضا- و «العلّية» ليست العلّية المصطلح عليها، و لا حاجة إليها في استفادة المفهوم، و ما هو المحتاج إليه هو أنّ المقدّم تمام السبب لإرادة المولى و إيجاب الإكرام، و أنّه هو السبب الوحيد لترشّح تلك الإرادة، حتّى يكون لازمه الانتفاء عند الانتفاء، فلا وجه لتوهّم العلّية المولّدة، و لا العلّية المفيضة في المقام، و لا هي دخيلة فيما هو المهم لي من المرام.

و أيضا يظهر على ما قرّبناه، أنّ الدعوى هي استفادة العرف من جعل المجي‏ء في المقدّم، أنّ خصوصيّة المجي‏ء توجب الإكرام، دون الأمر الآخر، و إلاّ كان عليه ذكرها، و لو كانت الخصوصيّة الأخرى دخيلة و موجبة، لكان في ذكر هذه الخصوصيّة إخلالا بما هو الدخيل في الحكم، فمن عدم ذكر خصوصيّة أخرى يستفاد عدم الشريك، و من اختيار خصوصيّة المجي‏ء يستفاد عدم البديل، و الأوّل نتيجة الاستناد إليه في جعل الإيجاب.

فلا يتوجّه إلى هذا التقريب الإشكالات المذكورة في «تهذيب الأصول» (2) و غيره‏ (3):

و منها: أنّ الحكم المجعول في التالي مستند إلى هذه الخصوصيّة، و ما يستند إلى خصوصيّة أخرى هو الحكم الآخر، فلا وجه لتوهّم أنّ الواحد يصدر من‏

____________

(1)- تهذيب الأصول 1: 430.

(2)- تهذيب الأصول 1: 430.

(3)- لاحظ نهاية الأصول: 300، غرر العوائد من درر الفوائد: 76.

34

الاثنين، بل الاثنان يصدران من الخصوصيّتين.

و قد علمت: أنّ الاستناد إلى القاعدة المزبورة كان في غير محلّه، و لا حاجة إليها، و ما هو المستند إليه هو التقريب العرفيّ غير المندفع بما أفادوه، فإذا كانت الكرّية من أسباب عدم الانفعال و المطريّة و الجريان و الميعان، كان ينبغي أن يذكر الجهة الجامعة لعدم الانفعال، فمن الإخلال بذكرها يظهر أنّ الجهة الوحيدة هي الكرّية.

أقول: و الّذي هو الدفع الوحيد عن التقريب المزبور، أنّ التمسّك المزبور و الاحتجاج المذكور، يتمّ إذا كانت الجهة الجامعة الممكن أخذها في مقدّم القضيّة الشرطيّة ممكنة، و كانت من الجوامع القريبة غير المخلّة بالغرض، و كانت معلومة المفهوم حسب الأفهام العرفيّة، و هذا ممّا يقلّ اتفاقه، و عندئذ لا يصحّ الاحتجاج و التمسّك بفعل المولى و أخذه خصوصيّة المجي‏ء و الكرّية: بأنّ هذه الخصوصيّة هي الجهة الوحيدة.

و بالجملة: نتيجته أخذ الخصوصيّة دون الجامع، مع إمكانه ظهور القضيّة في أنّ السبب الوحيد للحكم في التالي، هي الخصوصيّة المذكورة في المقدّم، و تصير النتيجة نفي سببيّة المطر و الجريان لعدم الانفعال، أو نفي موضوعيّتهما له. و لكنّ الشأن إحراز إمكان أخذ الجامع القريب، و هذا ممّا لا سبيل إليه إلاّ أحيانا، فافهم و تدبّر جيّدا.

و بعبارة أخرى: يتمّ الاستدلال المزبور من غير الحاجة إلى التمسّك بالقاعدة المزبورة إذا كان العرف ينتقل إلى الجهة الجامعة، و إلاّ فلا يمكن التتميم إلاّ بها كما لا يخفى.

و في الاستدلال بناء عليه أنظار أشير إليها، و أهمّها ما ذكرناه: من أنّ مع‏

35

فرض صحّة القاعدة صغرى و كبرى، لا يكون ما نحن فيه من صدور الكثير من الواحد، بل هنا صدور كثير من الكثير، ضرورة أنّ الاعتصام المجعول عقيب الكرّ، غير الاعتصام المجعول عقيب الجاري و المطر، فلا يتوحّد الحكم المجعول حتّى يلزم توحّد الجهة المقتضية. مع أنّ المجعول في التالي- كما عرفت- يستند إلى جاعله و منشئه، لأنّه حكم إنشائيّ، و المقدّم في حكم العلّة، و ليست العلّية على نعت الحقيقة في المقام، كما لا يخفى.

الوجه الثاني: أنّ قضيّة مقدّمات الحكمة الجارية في الجزاء و التالي، هو ارتباط الجزاء بالشرط، و إناطته به بالخصوص، و معناه دوران الجزاء مداره وجودا و عدما، حيث إنّه قيّد الجزاء بذلك الشرط، و لم يقيّد بشي‏ء آخر، لا على نحو الاشتراك، و لا على نحو الاستقلال، و هذا هو المقصود من المفهوم في القضيّة، انتهى ملخّص ما أردنا نقله عن تقريرات العلاّمة الكاظمي (قدّس سرّه)(1).

و بعبارة أخرى: قضيّة مقدّمات الإطلاق نفي كلمة «واو» العاطفة الدالّة على الشركة، و نفي كلمة «أو» الدالّة على الاستقلال و النيابة و البدليّة، فإذا انتفى وجودهما يثبت الانحصار طبعا، فيثبت المفهوم قطعا.

أقول: يتوجّه إليه نقضا: أنّ المقدّمات المزبورة تجري في اللقب أيضا كما لا يخفى بتقريب أنّ قوله «أكرم زيدا» كما يفيد إطلاقه عدم شركة عمرو في لزوم إكرام زيد، لا بدّ و أنّ يفيد إطلاقه عدم وجوب إكرام عمرو أيضا، لأنّه لو كان يجب إكرام عمرو لكان عليه أن يقول: «أكرم زيدا، و أكرم عمرا» و حيث اقتصر على الأوّل فينتفي الحكم بالنسبة إلى الثاني.

و حلاّ: بأنّ من ترك البديل لا يلزم الإخلال بالغرض و المقصود، ضرورة

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2: 482- 483.

36

إمكان كون المجي‏ء تمام الموضوع، أو علّة لوجوب الإكرام، فإذا تحقّق المجي‏ء يجب الإكرام، و تكون هناك خصوصيّة أخرى موجبة لإيجاب الإكرام، من غير أن يلزم عقلا بيان تلك الخصوصيّة، فمقدّمات الحكمة لا تفيد إلاّ ما ينافي الحكمة و المصلحة و الغرض، و أمّا الزائد عليها فهو محتاج إلى التقريب الآخر.

الوجه الثالث: و من هنا يظهر الخلل في الوجه الثالث، و هو التمسّك بمقدّماتها لإطلاق الشرط و نفي الشريك و البديل‏ (1). هذا مع أنّ الإتيان بكلمة «أو» يورث التخيير، مع أنّ المقصود هنا ليس نفي التخيير.

و بعبارة أخرى: المقصود من إثبات المفهوم نفي سنخ الحكم، و من إنكار المفهوم إثبات جواز تعدّد الحكم فيما يمكن تعدّده، فيجب إكرام زيد- لأجل الخصوصيّات الكثيرة- بوجوبات متعدّدة و إكرامات كثيرة. مع أنّ في الإتيان بكلمة «أو» في المقدّم، لا يثبت إلاّ إناطة الجزاء بالشرط على سبيل التخيير، و هذا من الشواهد القطعيّة على أنّ مقدّمات الحكمة، لا تفيد نفي البديل و الخصوصيّة الأخرى النائبة عن الخصوصيّة المذكورة، أو المستقلّة في اقتضائها للوجوب الآخر وراء الوجوب المزبور في القضيّة.

و بالجملة: تحصّل لحدّ الآن، أنّ من شأن الإطلاق ليس نفي موضوعيّة الموضوع الآخر لسنخ الحكم المذكور في القضيّة، و لا نفي عليّة العلّة الأخرى غير المزبورة فيها بالنسبة إلى سنخ ذلك الحكم بالضرورة.

الوجه الرابع: قضية إطلاق الشرط أنّه يؤثر في الجزاء، سواء سبقه الآخر، أو قارنه، و هذا هو المنتهي إلى المفهوم، ضرورة أنّ مع سبق الخصوصيّة الأخرى المؤثّرة يلزم الإخلال بالإطلاق، كما لا يخفى‏ (2).

____________

(1)- نهاية الأفكار 2: 482.

(2)- لاحظ كفاية الأصول: 233.

37

و بعبارة أخرى: قضيّة قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء» (1) أنّ الكرّية مستتبعة للاعتصام، سواء قارنها الجريان، أو سبقها، و معنى ذلك نفي دخالة الخصوصيّة الأخرى في الاعتصام.

أقول أوّلا: إنّه لا يتمّ التقريب المزبور في صورة إمكان تعدّد الجزاء و تكرّره، كما في إكرام زيد، فعلى هذا لا مانع من كون الخصوصيّة المذكورة في القضيّة مستتبعة للحكم، و لو كانت مسبوقة بالأخرى فيتعدّد الحكم، و تندرج المسألة في باب التداخل الآتي تفصيله‏ (2).

و ثانيا: لا يكون نفي دخالة الخصوصيّة الأخرى و اقتضائها سنخ الحكم المذكور في القضيّة، من شئون مقدّمات الحكمة كما عرفت، لما لا يلزم من الإخلال المزبور إخلال بالمقصود بالضرورة.

و بالجملة: ما هو لازم على المولى بيانه، هي الأمور الراجعة إلى قيود شخص الحكم المذكور في القضيّة، و أمّا نفي سنخ الحكم عن سائر الموضوعات، فهو خارج عن شأن المقدّمات الجارية في القضيّة المذكورة.

و أمّا دعوى ظهور القضيّة في أنّ الاعتصام مستند دائما إلى الكرّية، فهو يرجع إلى الوجه الأوّل الّذي فرغنا منه.

الوجه الخامس: عن العلاّمة الأراكي (قدّس سرّه): أنّ تعليق ثبوت المفهوم في القضيّة الشرطيّة على كون الشرط علّة منحصرة، و انتفائه على عدم كونه كذلك، مستدرك، للاتفاق على كون الشرط علّة منحصرة بالنسبة إلى شخص الحكم المعلّق عليه،

____________

(1)- الكافي 3: 2- 2، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1.

(2)- يأتي في الصفحة 74- 75.

38

و على هذا تلزم لغويّة النزاع في انحصار علّية الشرط و عدمه.

و إنّما المفيد في ثبوت المفهوم و عدمه، البحث عن كون الجزاء المعلّق على الشرط- و هو وجوب إكرام زيد- هل هو طبيعيّ الحكم، أو حصّة منه؟ فعلى الأوّل يثبت المفهوم، و على الثاني لا.

و على هذا نقول: إنّ الحكم التكليفيّ إمّا ينشأ بمادّته كالوجوب و التحريم، أو ينشأ بهيئته، و على كلّ تقدير يكون المنشأ عندنا كلّي الحكم و طبيعيّ الوجوب و التحريم، و على هذا يمكن إحراز إطلاقه في كلّ منهما بمقدّمات الحكمة، و إذا أحرز إطلاق الحكم ثبت أنّ المعلّق على الشرط هو طبيعيّ الوجوب المطلق، فيثبت هذا الطبيعي بثبوت الشرط، و ينتفي بانتفائه، و لا حقيقة للمفهوم الّذي هو محلّ الكلام إلاّ ذلك.

ثمّ استشكل عليه في مفهوم اللقب، فشرع في جوابه بما لا يرجع إلى محصّل.

و بالجملة: ما يمكن أن يكون مورد نظره هو أنّ الحكم المجعول في التالي إن كان مصداقا من الحكم، فلا يمكن إثبات هذا المصداق و إنشاؤه عقيب الخصوصيّة الأخرى، حتّى يمكن نفيه بالإطلاق أو بالمفهوم.

و إن كان المجعول حكما كلّيا يمكن أن يكون له المصداق الآخر عقيب الخصوصيّة الأخرى- و هي ضيافة زيد وراء مجيئه- فعندئذ يمكن نفيه بالمفهوم، فالمفهوم يدور مدار ذلك، و حيث إنّ المجعول هو الطبيعيّ، فيثبت المفهوم.

و وجه كونه طبيعيّا و كلّيا، أنّ طبع القضايا على أنّ ترتّب الحكم يكون على وجه الإهمال، و معلوم أنّها في قوّة الجزئيّة لا إطلاق لها حتّى يشمل جميع وجودات طبيعة الحكم، حتّى ينتفي الجميع بانتفاء الشرط.

نعم، لو كانت في البين جهة زائدة على ربط الحكم بموضوعه- كما في القضيّة الشرطيّة- أمكن دعوى الإطلاق فيها، و يثبت حينئذ المفهوم في مثلها و في‏

39

الغاية و أداة الحصر، دون اللقب، و مثله الوصف‏ (1)، انتهى ملخّص ما أفيد.

أقول: لو سلّمنا جميع ما أفاده (قدّس سرّه) و سلّمنا أنّ المفهوم يمكن دعواه بناء على كون المنشأ في التالي هو طبيعيّ الحكم، لكان اللاّزم بعد ذلك التمسّك بإطلاق الجزاء، و قد مرّ أنّ شأن مقدّمات الحكمة ليس إلاّ إثبات كون مصبّ الحكم تمام الموضوع، و أمّا نفي موضوعيّة غيره لسنخ الحكم فهو خارج عن عهدة تلك المقدّمات، كما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا مع أنّ في كلماته مواضع كثيرة من المناقشة.

و من العجيب أنّه نسب إليه: أنّ مناط المفهوم لو كان العلّية المنحصرة، لكانت القضايا كلّها- حتّى اللقبيّة- ذات مفهوم، و ذلك لأنّ الظاهر من كلّ قضيّة أنّ ما أخذ موضوعا فيها أنّه تمام الموضوع، و أنّ هذا الحكم المذكور فيها لا موضوع له إلاّ ذلك‏ (2)!! و أنت خبير بما فيه من الضعف، و لو أراد إثبات أنّ قضيّة مقدّمات الحكمة هو أنّ الموضوع المذكور تمام الموضوع، و الحكم المذكور فيها شخصيّ لا موضوع له، فهو صحيح، إلاّ أنّه لا يثبت به المفهوم، و ما يثبت به المفهوم نفي موضوعيّة سائر الموضوعات الاخر لسنخ الحكم و لمماثله من الوجوب أو التحريم.

تذنيب: حول ثبوت المفهوم لبعض القضايا الشرطيّة

ربّما يخطر بالبال أن يقال: إنّ القضيّة الشرطيّة إذا كانت ظاهرة في القضيّة الحقيقيّة التعليقيّة، و كان الحكم المذكور في التالي غير قابل للتكرار بالطبع، فالمفهوم ثابت، و إلاّ فلا.

____________

(1)- نهاية الأفكار 2: 478- 480.

(2)- منتهى الأصول 1: 425.

40

مثلا: قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء» إذا كان ظاهرا حسب الإطلاق في أنّ كلّما تحقّقت الكرّية في الخارج يثبت للماء الاعتصام، فمعنى ذلك أنّ الجريان السابق على الكرّية لا ينفع، و لا يوجب الاعتصام، لأنّ الكرّية المتأخّرة تستتبع الاعتصام، و لا يمكن أن يتعدّد الاعتصام بتعدّد الأسباب و الخصوصيّات، فيثبت نفي الاعتصام عند خصوصيّة الجريان و غيره، و لا نعني من المفهوم إلاّ ذلك كما لا يخفى.

و أمّا القضايا الشرطيّة التي لا يكون المقدّم منحلا إلى القضيّة الحقيقيّة، أو يكون الحكم في التالي قابلا للتكرار بحسب الطبع، فلا يثبت فيها المفهوم.

مثلا: في قولهم «إن استطعت فحجّ» إذا لم يكن المستفاد منه قضيّة حقيقيّة و هو قولك: «كلّما تحقّقت الاستطاعة يجب الحج» ضرورة أنّ الحجّ لا يجب إلاّ بأوّل وجودها، فإنّه حينئذ لا يمكن نفي ثبوت الحجّ بسبب آخر غير الاستطاعة، كالنذر حال التسكّع.

و هكذا في المثال المعروف «إن جاءك زيد فأكرمه» فإنّ المستفاد من المقدّم و لو كان قضيّة حقيقيّة، و لكن لمكان إمكان تعدّد الحكم بالخصوصيّات المتعدّدة، لا يمكن إثبات المفهوم بنفي الحكم عند تلك الخصوصيّات، ضرورة أنّ القضيّة الحقيقيّة هنا باقية على حالها، و مستتبعة للحكم دائما، من غير تناف مع استتباع الخصوصيّة الأخرى لمماثل الحكم المذكور.

فقوله: «كلّما تحقّق المجي‏ء يتحقّق وجوب الإكرام» باق على حاله، سواء سبقت الخصوصيّة الأخرى، أو لم تسبق، لأنّ مع سبق الخصوصيّة الأخرى يلزم وجوب الإكرام الآخر و وجوب ثان، و من لحوق المجي‏ء يلزم الوجوب الآخر غير ذلك الوجوب شخصا، كما لا يخفى.

41

فتحصّل لحدّ الآن: أنّ القضايا الشرطيّة الشرعيّة على أقسام ثلاثة، لا يبعد ثبوت المفهوم للطائفة الأولى، دون الطائفتين الأخيرتين، و إنّما الشأن في استفادة تلك القضيّة عرفا من الشرطيّة، و هذا يمكن في صورة ثبوت الإطلاق الأفرادي و الأزمانيّ، كما في قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء» فتدبّر تعرف.

ذنابة: حول الاستدلال على المفهوم بالقضايا المستعملة في الوصايا

ربّما يستدلّ على المفهوم بالقضايا المستعملة في الوصايا و الأوقاف، فلو كانت القضيّة الموصى بها شرطيّة أو وصفيّة، فقال الموصي: «منافع هذا البستان لأولادي إن كانوا فقراء» أو «لعدول أولادي» فادعى الغنيّ منهم سهما، أو الفاسق منهم حصّة، فيستدلّ عليه بالمفهوم، و أنّ الموصي قال: «هو لأولادي إن كانوا فقراء» و معناه أنّهم إن لم يكونوا فقراء فلا شي‏ء منها لهم»، فيعلم من ذلك- باقتضاء العرف و الوجدان- ثبوت المفهوم‏ (1).

و الإشكال على الاستدلال: بأنّ وجه عدم استحقاق الغنيّ و الفاسق منهم، خروجهم عن محطّ الوقف سواء ثبت المفهوم، أم لا، في غير محلّه، لأنّ نظر المستدلّ إلى أنّه استدلال عرفيّ في المحاكم العرفيّة، غافلين عن هذه الدقيقة، و عن أنّ عدم اندراجهم في محطّ الإنشاء كاف في سقوط دعواهم، بل العرف يجد زائدا عليه دليلا على سقوط دعواهم، و أنّ الواقف أخرجهم، لا أنّه لم يدخلهم، ففرق بين عدم دخولهم في محطّ الوقف، و بين إخراجهم منه حسب الإنشاء، فما في كتب الأصحاب من المناقشة في الاستدلال‏ (2)، لا يخلو من تأسّف.

نعم، لنا أن نقول: بأنّه لو تبيّن أنّ الموصي أوصى بوصيّة أخرى، و هي أنّ‏

____________

(1)- تمهيد القواعد: 110.

(2)- مطارح الأنظار: 173- السطر 8- 15، كفاية الأصول: 236، مناهج الوصول 2: 187.

42

منافع هذا البستان لأولادي إذا كانوا طلاّب النجف الأشرف، و كان جميع أولاده أغنياء و طلاّبا في النجف، و لم تكن المنافع باقية بحسب الأزمنة المتأخّرة حتى يمكن الجمع بين الوصيّتين بالتخصيص و التقييد، فهل لا يكون حكم العقلاء إلاّ صرف المنافع فيهم من غير توهّم المعارضة؟! فيعلم منه أنّه ليس استدلالهم بالمفهوم من الدقّة العرفيّة، بل هو استدلال تسامحيّ، فلاحظ و تأمّل.

و إن شئت قلت: إنّ المدّعي ترجع دعواه إلى جعل القيد المزبور لغوا، و هذا خلاف مرتكز العقلاء في باب احترازيّة القيود، فيستدلّون على خلاف مدّعاه: بأنّ قضيّة القيد خروج من لا يكون موصوفا به.

و أمّا إذا ادّعى أنّه لأجل خصوصيّة أخرى، و هي كونه من الطلاّب في النجف يستحقّ من المنافع، فإن كان من الموصي وصيّة منطبقة عليه، فتسمع دعواه من غير توهّم المعارضة و التقييد، أو ترجيح المنطوق على المفهوم المقصود في المقام، فلاحظ فإنّه مزالّ الأقدام.

تنبيهات‏

التنبيه الأوّل: حول الإشكال في مفهوم طائفة من القضايا الشرطيّة

لا شبهة في عدم المفهوم للقضايا الشرطيّة التي يكون مفاد الجملة و الخصوصيّة المأخوذة فيها انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع، كآية النبأ (1)، و آية التحصّن‏ (2) على إشكال فيها، و قولك: «إن كان زيد موجودا فأكرمه» فإنّه ينتفي الحكم في ناحية المفهوم بانتفاء الموضوع، و في المثل المعروف «إن رزقت ولدا فاختنه».

____________

(1)- الحجرات (49): 6.

(2)- النور (24): 33.

43

و أمّا إذا كان المحمول في سنخ هذه القضايا ثابتا لموضوع آخر، كما إذا ورد «إن رزقت ولدا فأكرم زيدا» فإنّه يثبت له المفهوم على القول به، لإمكان اقتضاء الخصوصيّة الأخرى لوجوب إكرام زيد، كما هو الواضح.

و غير خفيّ: أنّ صحّة هذه القضايا استعمالا دليل على أنّ المفهوم ليس مفاد أداة الشرط و الهيئة وضعا، و إلاّ يلزم المجازيّة أو تعدّد الوضع، و الكلّ غير تامّ، فافهم و اغتنم.

و لا شبهة في ثبوت المفهوم على القول به، في القضايا الشرطيّة التي يكون مفاد التالي معنى كلّيا، كقولك: «إذا افترق البائعان فالبيع لازم» ضرورة أنّ طبيعة اللزوم ذات أفراد كثيرة، و القضيّة الشرطيّة متكفّلة بمنطوقها لإثبات فرد من لزوم البيع عند الافتراق، و بمفهومها تتكفّل لنفي الفرد الآخر من تلك الطبيعة عن سائر الخصوصيّات و المقتضيات.

و هذا هو المراد من سنخ الحكم المنفيّ بالمفهوم، أي فرد مماثل للفرد الثابت في المنطوق، المندرج تحت طبيعة كلّية استعماليّة في ناحية المنطوق.

و إنّما الإشكال في طائفة من القضايا الشرطيّة، نشير إليها على سبيل الإجمال:

الأولى: قال سيّدنا الأستاذ البروجرديّ (قدّس سرّه): القضيّة الشرطيّة على قسمين، الأوّل: ما كان مقدّمها بمنزلة الموضوع، و تاليها بمنزلة المحمول، فكأنّها قضيّة حمليّة ذكرت بصورة الشرطيّة، و ذلك كقول الطبيب مثلا للمريض: «إن شربت الدواء الفلانيّ انقطع مرضك» فإنّه بمنزلة أن يقول: «شرب الدواء الفلانيّ قاطع لمرضك» و كقول المنجّم: «إن كان زحل في الدرجة الكذائيّة رخصت الأسعار» مثلا و نحو ذلك، فهذا القسم من الشرطيّات التي مفادها الحمليّات لا مفهوم لها (1)، انتهى ما أردناه.

____________

(1)- نهاية الأصول: 298.

44

أقول أوّلا: إنّ القضايا الشرطيّة في وجه، مفادها مفاد الحمليّات بلا فرق بين صنوفها، بل اختاره العلاّمة النائينيّ (قدّس سرّه)(1) و قد فرغنا من فساد ذلك بما لا مزيد عليه، و في وجه كلّها قضايا شرطيّة مقابل الحمليّات، و من أقسام القضايا المعتبرة في العلوم بلا رجوع إلى غيرها.

و ثانيا: لو ثبت المفهوم في القضيّة الشرطيّة و هو قولك: «إن جاء زيد يجب إكرامه» فهو ثابت في هذه القضايا، لجريان جميع التقاريب المنتهية إليه فيها بالضرورة، ضرورة إمكان انقطاع مرضه بخصوصيّة أخرى و بالتداوي الآخر غير الشرب، فإن كان لها المفهوم فيدلّ على أنّ انقطاع مرضه مخصوص بهذا الشرب، و إلاّ فلا يدلّ على الاختصاص بتلك الخصوصيّة.

الثانية: اتفقوا على القول بالمفهوم للقضيّة الشرطيّة الشرعيّة التي كان التالي متضمّنا للحكم الكلّي، كقولك: «إن جاء زيد يجب إكرامه».

و اختلفوا فيما إذا أنشئ وجوب الإكرام بالهيئة (2)، و المنكر يقول: إنّ المنشأ بها ليس إلاّ مصداقا جزئيّا غير مشتمل على الفرد الآخر حتّى ينتفي به.

و هذا نظير ما إذا قال: «إن جاءك زيد» ثمّ أشار بالإشارة الخارجيّة إلى ضربه مثلا، فإنّه لا معنى لأن يقال: مفهوم هذه القضيّة هو أنّه إن لم يجئ فلا تضربه، لأنّه لم ينشئ معنى قابلا للثبوت في ناحية المنطوق، و للانتفاء في ناحية المفهوم، ضرورة أنّ ما كان شأنه ذلك لا بدّ و أن يكون كليّا حتّى يثبت في ناحية المنطوق، و ينتفي في ناحية المفهوم، و يكون الانتفاء بالمفهوم لا لأجل انتفاء شخص الحكم، فإنّه ليس‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 178- 179.

(2)- مطارح الأنظار: 173- السطر 19- 27، نهاية الأفكار 2: 474- 475، مناهج الوصول 2: 188.

45

مقصود المثبتين، فلاحظ و تدبر.

و لأجل هذه العويصة قيل: «ثبوت المفهوم هنا و عدمه، دائر مدار كون الموضوع له في الهيئات عامّا أو خاصّا، فإن كان عامّا فلا بأس به، و إن كان خاصّا فلا يمكن إثباته» (1) و حيث إنّ «الكفاية» (2) و العلاّمة الأراكيّ‏ (3) ذهبا إلى العموم في ناحية الوضع و الموضوع له، نجيا من هذه المهلكة.

و ربّما ينسب‏ (4) إلى العلاّمة المحشّي، الشيخ محمّد تقيّ (قدّس سرّه)(5) أنّ في ناحية المفهوم ينتفي شخص الحكم أيضا، و لكنّه ممنوع، لما يظهر من الرجوع إلى كلام العلاّمة جدّي الفاضل في حواشيه على «الدرر» خلافه‏ (6)، فراجع.

و الّذي يهمّ بالبحث أوّلا: أنّ المنشأ بمادّة الوجوب و التحريم شخصيّ و جزئيّ بحسب الإرادة الجدّية، و إن كان اللفظ بحسب الإرادة الاستعماليّة مستعملا في المعنى الكليّ، إلاّ أنّ المناط هو الأوّل دون الثاني، فلا يختصّ الإشكال بالصورة المذكورة.

و ثانيا: أنّ الأوامر و النواهي الواردة في كلمات المعصومين ليست تشريعيّات حقيقة، لما أنّ المشرّع الحقيقيّ هو اللَّه تعالى، فتكون هذه الأوامر غير مولويّة، بل هي حاكيات لأحكام اللَّه الثابتة، فوزانها وزان الجمل الخبريّة، فيكون فيها المفهوم، لأنّها ترجع إلى الجملة المشتملة على المعاني الكلّية، و هو قوله: «إن جاء زيد

____________

(1)- هداية المسترشدين: 281- السطر 15- 16.

(2)- كفاية الأصول: 25 و 237.

(3)- نهاية الأفكار 1: 53- 54.

(4)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 196.

(5)- هداية المسترشدين: 281- السطر 10- 14.

(6)- غرر العوائد من درر الفوائد: 77- 78.

46

فحكم اللَّه تعالى هو وجوب إكرامه».

اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الأمور مفوّضة إليهم (صلوات اللَّه تعالى عليهم)- كما عن جماعة، و لكنّه خلاف ما عليه المحقّقون. هذا أوّلا.

و ثانيا: أنّ الإرجاع المزبور غير لازم، لإمكان أن يكون الإنشاء إرشاديّا، و مع ذلك لا يكون راجعا إلى الكلّية و الإخباريّة، بل وزانه وزان المنشأ الثابت، فإن كان المنشأ الثابت جملة شرطيّة مشتملة على الهيئة في الجزاء، فهو هنا و في مرحلة الإرشاد كذلك.

و إن كانت جملة مشتملة على المعنى الاسميّ العامّ، فهي في مقام الإرشاد أيضا مثله، لئلا تلزم الخيانة في الحكاية.

فعلى هذا، لو كان المفهوم متوقّفا على كلّية المعنى و عموم الموضوع له، فلا تنحلّ المشكلة بمثله الّذي زعمه الأستاذ البروجرديّ (قدّس سرّه)(1) فراجع.

و ثالثا: قد تصدّوا للجواب عن هذه المشكلة، و هو بين ما يكون جوابا عرفيّا و تمسّكا بذيل العرف، و بين ما هو جواب صناعيّ:

فمن الأوّل: ما ذكرناه‏ (2) من أنّ من الممكن و قد وقع كثيرا، التصريح بالمفهوم في القضايا الشرعيّة، من غير أن يترقّب العرف و ينظر إلى جهة العموم في وضع الحروف و خصوصه، بل الكلّ يشهدون بأنّ قوله: «و إن لم يجئ زيد فلا تكرمه» مفهوم قوله: «إن جاء ...» إلى آخره، و مقصوده نفي الوجوب عند سائر الخصوصيّات.

بل هو يفيد أمرا آخر: و هو تحريم الإكرام عند سائر الخصوصيّات، بناء على‏

____________

(1)- نهاية الأصول: 131.

(2)- تقدّم في الصفحة 6- 7.

47

كون النهي مفيدا للحرمة في أمثال المقام.

و هذا ممّا يشهد عليه الوجدان، و يصدّقه العرف الدّقيق. و لا يحمل قوله المصرّح به على أنّه ليس مفهوم الجملة الأولى، أو يكون لنفي ما يحكم به العقل، و هو الحكم الشخصيّ.

و لعمري، إنّ هذا هو أمتن الوجوه العرفيّة التي تمسّك بها مثل الشيخ (قدّس سرّه) في «طهارته» (1)، و تبعه «تهذيب الأصول» (2) و تمسّك به «الدرر» (3) و العلاّمة النائينيّ‏ (4) رحمهما اللَّه و الأمر سهل.

و من الثاني: ما ذكرناه‏ (5)، و ربّما يستظهر من العلاّمة المحشّي الأصفهاني (قدّس سرّه)(6): و هو أنّ قضيّة إثبات العلّية المنحصرة نفي الأحكام المماثلة للحكم المذكور في التالي، و إلاّ يلزم كونه لغوا أو خلفا، ضرورة أنّ كلّ معلول شخصيّ علّته وحيدة طبعا و منحصرة عقلا.

مثلا: حرارة الماء الموجود في القدر علّتها إذا كانت النار، فهي وحيدة و منحصرة، و لا داعي إلى إثبات حصرها، لأنّها واقعيّة ثابتة بالضرورة، فإذا أريد إثبات انحصار علّة حرارة الماء، فلا يكون المقصود إلاّ أنّ سائر الموجبات للحرارة ليست قابلة لتسخين الماء، فيكون الغرض نفي العلل الأخرى عند وجودها عن التأثير فيه، و نفي الحرارة عن الماء إلاّ عند ثبوت النار.

____________

(1)- الطهارة، الشيخ الأعظم الأنصاري: 49- السطر 26.

(2)- تهذيب الأصول 1: 431- 432.

(3)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 197.

(4)- فوائد الأصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2: 484، أجود التقريرات 1: 420.

(5)- تقدّم في الصفحة 33.

(6)- نهاية الدراية 2: 416.

48

و هنا الأمر كذلك، فإنّ من إثبات حصر العلّية بالمجي‏ء، لا يكون المقصود إلاّ نفي الوجوبات الاخر عند وجود الخصوصيّات الأخرى، و إلاّ فلو كان الحكم المذكور في القضيّة مورد النّظر ثبوتا و نفيا، فلا معنى لإثبات الحصر، فنفي الأفراد الاخر المماثلة للحكم الشخصيّ المذكور في التالي، من تبعات حصر العلّية الثابت للمقدّم، فافهم و اغتنم.

أقول: العلّية المنحصرة إن كانت تثبت بالإطلاق، فكما هي لا تثبت في القضايا الشرطيّة التي يكون المفهوم فيها مسلوب الموضوع، كما في القضايا الأولى التي مرّ تفصيلها (1)، كذلك هي لا تثبت في المقام، لأنّ الدلالة الوضعيّة الثابتة في التالي توجب الظهور المنجّز، و هو مقدّم على الظهور الإطلاقيّ.

نعم، إذا قلنا: بأنّ استفادة الحصر مستندة إلى القاعدة العقليّة المشار إليها (2)، كان لهذا الحلّ الصناعيّ محلّ.

و من الممكن دعوى انحلال المعضلة مطلقا حسب الصناعة، لأنّه لا يتوقّف على كون المنشأ في التالي سنخ الحكم، حتّى يقدّم الظهور الوضعيّ على الإطلاقيّ، بل المنشأ في التالي على كلّ تقدير شخص الحكم، و لكن معنى الحكم المماثل موقوف على إثبات حصر العلّية، فلو ثبت فلا بدّ من نفيه بحكم الضرورة.

تذنيب: حول دلالة بعض الطوائف من القضايا الشرطيّة على المفهوم‏

قد عرفت منّا القول بالمفهوم في بعض الطوائف من القضايا الشرطيّة الشرعيّة، و علمت أنّ ذلك لا يتقوّم بالقول بانحصار العلّية و إن كان يستفاد منها

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 42- 43.

(2)- تقدّمت في الصفحة 32- 33.

49

الحصر، إلاّ أنّ المفهوم لا يستند إليه، بل هما معا يستفادان من تلك القضيّة (1).

فعلى هذا نقول: إنّ المنشأ في التالي في أمثال تلك القضايا التي لا يتحمّل التالي تكرار الطبيعة منتف، سواء كان آلة الإنشاء معاني اسميّة، أو حرفيّة، فيكون المنشأ كلّيا أو شخصيّا.

مثلا: إذا ورد «إن جاءك زيد اقتله» و قلنا إنّ المستفاد منه أنّ كلّما جاء زيد، و كلَّما تحقّق مجي‏ء زيد، يتحقّق لزوم قتله، فإنّ المفهوم ثابت، و لا تكون الخصوصيّة الأخرى مقتضية للوجوب المزبور و لو كان شخصيّا، فلو أريد إثبات وجوب القتل عند خصوصيّة أخرى، فهو منفيّ بالمفهوم، لما يلزم استناد التالي- حسب الظاهر الثابت عرفا- إلى غير المقدّم في فرض، مع أنّ الظاهر من القضيّة ثبوت الاستناد في جميع الفروض.

و هذا معناه حصر العلّية بالمجي‏ء، إلاّ أنّ المفهوم دائر مدار ثبوت الإطلاق الأزمانيّ و الأفراديّ، كما في قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‏ء» فلاحظ و تدبّر جيّدا.

الثالثة: لا شبهة في سقوط الخلاف إذا كان الحكم في المفهوم، منتفيا بانتفاء الموضوع كما مرّ (2)، و أمّا إذا كان الموضوع قابلا للوجود، بحيث لا يكون موضوعا للمنطوق، و لكن يخرج المفهوم عن السالبة بانتفاء الموضوع، فهل حينئذ يثبت المفهوم أيضا، أم لا؟

مثلا: إذا ورد «إن جاءك زيد فاستقبله» فإنّ مفاد المنطوق وجوب الاستقبال عند المجي‏ء الاختياريّ فرضا، فإذا لم يجئ فلا يعقل الاستقبال، و لكن يمكن إحضاره و مجيئه بإكراه، و عندئذ يحصل موضوع المفهوم، لإمكان استقباله، فهل‏

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 39- 40.

(2)- تقدّم في الصفحة 42.

50

قضيّة المفهوم هنا أيضا نفي وجوب الاستقبال، أم لا و تكون القضيّة بلا مفهوم، كما كانت من الأوّل؟ وجهان:

من أنّ دليل المفهوم لا يقصر عن شمولها بعد ذلك.

و من أنّ مقدّمات الإطلاق مشكوك جريانها في هذه الصورة، و كانت القضيّة في عدم جريان تلك المقدّمات مثل القضايا السالبة بانتفاء الموضوع، فلاحظ و تدبّر جيّدا.

الرابعة: في مفهوم قولك «إن جاء زيد يجب إكرامه» احتمالان:

أحدهما: كون الموضوع مفروض الوجود، و هذا ممّا لا كلام فيه.

و ثانيهما: كون القضيّة السالبة أعمّ، فهل يثبت المفهوم عند وجود الموضوع، أم لا؟ وجهان.

و دعوى: أنّ الفرار من اللغويّة يقتضي الحكم بالمفهوم، و أنّ الموضوع مفروض الوجود (1)، غير تامّة، لإمكان كون القرينة على عدم فرض الموضوع، شاهدا على عدم المفهوم رأسا، فلا داعي إلى الإقرار بالمفهوم أوّلا حتّى يتشبّث بذيل اللغويّة، فتدبّر.

التنبيه الثاني: حول اشتمال الجملة الشرطيّة على العلّة المصرّح بها

إذا كانت الجملة الشرطيّة أو كلّ ما كان مثلها- في أنّ أخذ المفهوم منها منوط بإثبات العلّية و الانحصار- مشتملة على العلّة المصرّح بها، كقوله: «إن جاءك زيد فأكرمه، لأنّه عالم» فإن قلنا بأنّ المفهوم يستفاد من الدلالة الوضعيّة للأداة أو

____________

(1)- لاحظ نهاية الأصول: 296.