الغدير - ج10

- الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي المزيد...
385 /
1

-

2

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحانك نحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين .

يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ، قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ، وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ، وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، خذوا ما آتيناكم بقوة ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ، نحن نقص عليك نبأهم بالحق ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ، إنهم ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ، يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة ، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين .

(الأميني)

3

يتبع الجزء التاسع

بقية البحث عن مناقب الخلفاء الثلاثة

4 - أخرج البخاري في كتاب المناقب من صحيحه ج 5: 243 باب فضل أبي بكر بعد النبي من طريق عبد الله بن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) فنخير أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم .

وذكر في باب مناقب عثمان ج 5: 262 عن ابن عمر أيضا بلفظ: كنا في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا نعدل بأبي بكر أحدا ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نترك أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لا نفاضل بينهم .

وبهذا اللفظ حكاه الحافظ العراقي عن الصحيحين في طرح التثريب 1: 82 .

وأخرج في تاريخه ج 1 قسم 1: 14 بلفظ: كنا في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وبعده نقول: خير أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان .

وأخرج أحمد في مسنده 2: 14 عن ابن عمر قال: كنا نعد ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت .

وأخرج ابن داود والطبراني عن ابن عمر: كنا نقول ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) حي: أفضل أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بعده أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، فيسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك فلا ينكره (1) وروى ابن سليمان في فضائل الصحابة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر: كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس .

فيسمع

____________

(1) فتح الباري 7: 13 ، طرح التثريب 1: 82 ذكر زيادة الطبراني .

4

النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك فلا ينكره (1).

وفي لفظ البزار: كنا نقول في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم): أبو بكر وعمر وعثمان .

يعني بالخلافة (2) وفي لفظ الترمذي: كنا نقول ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) حي (3) وفي لفظ البخاري في تاريخه أقسم 1: 49: كنا نقول في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم): من يلي هذا الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ؟ فيقال: أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نسكت .

قال الأميني: هذه الرواية عمدة ما تمسك به القوم فيما وقع من الانتخاب الدستوري في الاسلام ، وقد اتخذها المتكلمون حجة لدى البحث عن الإمامة ، واتبع أثرهم المحدثون ، ولهم عند إخراجها تصويب وتصعيد ، وتبجح وابتهاج ، وجاء كثيرون وقد أطنبوا وأسهبوا في القول لدى شرحها ، وجعلوها كحجر أساسي علوا عليها أمر الخلافة الراشدة ، واحتجوا بها على صحة البيعة التي عم شومها الاسلام ، وحفت بهناة ووصمات وشتتت شمل المسلمين ، وفتت في عضد الدين ، وفصمت عراه ، وجرت الويلات على أمة محمد حتى اليوم ، فلنا عندئذ أن نبسط القول ، ونوقف القارئ على جلية الحال ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة ، والله ولي التوفيق .

كان عبد الله بن عمر على العهد النبوي الذي ادعى أنه كان يخير فيه فيختار في أبان شبيبته حتى أنه كان لم يبلغ الحلم في جملة من سنيه ، ولذلك رده رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الجهاد يوم بدر وأحد واستصغره ، وأجاز له يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة كما ثبت في الصحيح (4) وهو على جميع الأقوال في ولادته وهجرته ووفاته لم يكن مجاوزا العشرين يوم وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو في مثل هذا السن لا يخير عادة في التفاضل بين مشيخة الصحابة ووجوه الأمة ، ولا يتخذ حكما يمضى رأيه في الخيرة ، لأن الحكم الفاصل في مثل هذا يستدعي ممارثة طويلة ، ووقوفا على تجاريب متتابعة مقرونة بعقلية ناضجة ، وتمييز بين مقتضيات الفضيلة ، وعرفان لنفسيات الرجال

____________

(1) فتح الباري 7: 13 .

(2) تاريخ ابن كثير 7: 205 .

(3) صحيح الترمذي 13: 161 .

(4) صحيح البخاري 6: 74 ، تاريخ الطبري 2: 296 ، عيون الأثر 2: 6 ، 7 ، فتح الباري 7: 232 .

5

وقوة في النفس لا يتمايل بها الهوى ، وابن عمر كان يفقد كل هذه لما ذكرناه من صغر سنه يوم ذاك المانع عن كل ما ذكرناه ، وروايته هذه أقوى شاهد على فقدانه تلكم الملكات الفاضلة ، قال أبو غسان الدوري: كنت عند علي بن الجعد فذكروا عنده حديث ابن عمر: كنا نفاضل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنقول: خير هذه الأمة بعد النبي أبو بكر وعمر وعثمان فيبلغ النبي (صلى الله عليه وسلم) فلا ينكر .

فقال علي بن الجعد: انظروا إلى هذا الصبي هو لم يحسن أن يطلق امرأته يقول: كنا نفاضل (1) .

ومن عرف ابن عمر وقرأ صحيفة تاريخه السوداء عرفه بضئولة الرأي ، واتباع الهوى ، وبفقدانه كل تلكم الخلل يوم بلغ أشده وكبر سنه فضلا عن عنفوان شبابه ، وسيوافيك نزر من آرائه السخيفة .

دع ابن عمر ومن لف لفه يختار ويتقول ، وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة ، وما كان لمؤمن ومؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (2) .

ودع البخاري ومن حذا حذوه يصحح الباطل ، ولا يعرف الحي من اللي ، واسمع لغواهم ولا تخف طغواهم ، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ، قد جئناك بآية من ربك ، والسلام على من اتبع الهدى .

قال أبو عمر في الاستيعاب في ترجمة علي (عليه السلام)ج 2: 467: من قال بحديث ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت .

يعني فلا نفاضل ، وهو الذي أنكر ابن معين وتكلم فيه بكلام غليظ لأن القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر أن عليا أفضل الناس بعد عثمان رضي الله عنه ، وهذا مما لم يختلفوا فيه وإنما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان ، واختلف السلف أيضا في تفضيل علي وأبي بكر ، وفي إجماع الجميع الذي وصفنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط وأنه لا يصح معناه وإن كان إسناده صحيحا . ه .

وقال ابن حجر بعد ذكر محصل كلام أبي عمر هذا: وتعقب أيضا بأنه لا يلزم من

____________

(1) تاريخ الخطيب 11: 363 .

(2) سورة القصص: 68 ، الأحزاب: 36 .

6

سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله على الدوام ، وبأن الإجماع المذكور إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر فيخرج حديثه عن أن يكون غلطا . ه .

وليت من تعقب ابن عبد البر إن لم يكن يأخذ بكل ما جاء في علي أمير المؤمنين من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة كان يأخذ بما جاء به قومه عن أنس فحسب ثم يحكم فيما جاء به ابن عمر قال أنس: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن الله افترض عليكم حب أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج (1) " الرياض النضرة 1: 29 " .

وشتان بين رأي ابن عمر وبين قول أبيه في علي (عليه السلام)هذا مولاي ومولى كل مؤمن ، من لم يكن مولاه فليس بمؤمن ، راجع ما مضى ج 1: 341 ط 1 ، و 382 ط 2 .

ولعل القوم سترا على عوار اختيار ابن عمر ، وتخلصا عن نقد أبي عمر المذكور اختلقوا من طريق جعدبة (2) بن يحيى عن العلاء بن البشير العبشمي عن ابن أبي أويس عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: كنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفاضل فنقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .

____________

(1) أثبتنا في محله أن هذه المنقبة لا تصح في غير علي (عليه السلام)وهي فيمن سواه تخالف الكتاب والسنة والعقل والمنطق ، ولا تساعدها سيرتهم مدى حياتهم الدنيا .

(2) جعدبة متروك يروي عن العلاء مناكير ، والعلاء ضعيف حديثه غير صحيح .

راجع لسان الميزان 2: 105 و ج 4: 183 .

7

واختلقوا من طريق محمد أبي البلاط (1) عن زهد بن أبي عتاب عن ابن عمر أيضا: قال: كنا نقول في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم): يلي الأمر بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم نسكت .

وسلم) ، ولذلك قال عمر بن الخطاب: إن أبا بكر صاحب رسول الله ، ثاني اثنين ، فإنه أولى المسلمين بأموركم . ا ه .

ألا مسائل ابن حجر عن أن صحبة يومين في الغار التي تتصور على أنحاء ، وللقول فيها مجال واسع ، صحبة ما أمكنت الرجل من أن يصف صاحبه لما جاءه اليهود وقالوا: صف لنا صاحبك .

فقال: معشر اليهود لقد كنت معه في الغار كاصبعي هاتين ، ولقد صعدت معه جبل حراء وأن خنصري لفي خنصره ، ولكن الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم) شديد ، وهذا علي ابن أبي طالب . فأتوا عليا فقالوا: يا أبا الحسن ؟ صف لنا ابن عمك ، فوصفه . الحديث (3)

____________

(1) لا يعرف لا يدر رجال الجرح والتعديل من هو. لسان الميزان 5: 96 .

(2) وفي ص 75 - 82 ، 93 ، 141 ط 2 .

(3) الرياض النضرة 2: 195 .

8

كيف استحق الرجل بمثل هذه الصحبة الخلافة وصار بذلك أولى الناس بأمورهم ؟ وأما صحبة علي (عليه السلام)إياه منذ نعومة أظفاره إلى آخر نفس لفظه (صلى اللّٰه عليه و آله) حتى عاد منه كالظل من ذيه ، وعد نفسه في الكتاب العزيز ، وقرنت ولايته بولاية الله وولاية نبيه وجعلت مودته أجر الرسالة ، فلم تستوجب استحقاقه بها الخلافة والأولوية بأمور الناس بعد قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ إن هذا لشئ عجاب .

ثم لو كان الأمر كما زعم ابن عمر من الاختيار فتقديم أبي بكر يوم السقيفة الرجلين: عمر وأبا عبيدة على نفسه وقوله: بايعوا أحد الرجلين .

أو قوله: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم . لماذا ؟

ولماذا قول أبي بكر لأبي عبيدة الجراح حفار القبور: هلم أبايعك فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إنك أمين هذه الأمة ؟ تاريخ ابن عساكر 7: 160.

ولماذا قول أبي بكر في خطبة له: أما والله ما أنا بخيركم ولقد كنت لمقامي هذا كارها ؟ أو قوله: ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني ؟ أو قوله: إني

____________

(1) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 75 ط 1 .

(2) في كتاب الجهاد ، باب قول النبي: لا نورث ما تركنا فهو صدقة ، عند قول علي (عليه السلام)لأبي بكر: لكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله .

9

وليت عليكم ولست بخيركم ؟ أو قوله: أقيلوني أقيلوني لست بخيركم (1) .

(4) ولماذا قال لأصحاب الشورى: لله درهم إن ولوها الأصيلع ، كيف يحملهم على الحق ، قالوا: أتعلم ذلك منه ولا تستخلفه ؟ قال: إن أستخلف فقد أستخلف من هو خير مني ، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني .

؟ (5) ولماذا تمنى عمر يوم طعن سالم بن معقل أحد الموالي قائلا: لو كان سالم حي

____________

(1) راجع الجزء السابع ص 118 ط 1 .

(2) جاء في صحيحة مرت في ج 5: 358 ط 2 ، و ج 7 ص 168 ط 1 .

(3) أخرجه أحمد وابن سعد وابن جرير وابن الأثير وابن الجوزي وابن حجر والحلبي راجع كنز العمال 3: 140 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 48 ، الغدير 5: 316 ط 1 ، و 369 ط 2 .

(4) الأنساب 5: 16 ، الاستيعاب في ترجمة عمر 4 ص 419 ، فتح الباري 7 ص 55 ، شرح ابن أبي الحديد 3: 170 .

(5) الرياض 2: 241 .

10

ما جعلتها شورى ؟ (1) وفي لفظ الطبري: استخلفته .

وفي لفظ للباقلاني: لرأيت أني قد أصبت الرأي ، وما تداخلني فيه الشكوك .

ولماذا كان يقول: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة ، وأبي عبيدة الجراح ؟ (2) .

ولماذا قال للقائلين له (لو عهدت يا أمير المؤمنين): لو أدركت أبا عبيدة الجراح ثم وليته ثم قدمت على ربي فقال لي: لم استخلفته على أمة محمد ؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول لكل أمة أمين ، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة الجراح ، ولو أدركت خالدا ثم وليته ثم قدمت على ربي فقال لي: من استخلفت على أمة محمد ؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول لخالد: سيف من سيوف الله سله الله على المشركين (3) .

ولماذا قوله: لو أدركت أبا عبيدة لاستخلفته وما شاورت ، فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله ؟ (4) .

ومر في الجزء الخامس ص 311 ط 1 ، و 362 ط 2 إن عائشة قالت لعبد الله بن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا ، فإني أخشى عليهم الفتنة ، فأتى عبد الله فأعلمه فقال: ومن تأمرني أن استخلف ؟ لو أدركت أبا عبيدة الجراح باقيا لاستخلفته ووليته ، فإذا قدمت على ربي فسألني وقال لي: من وليت على أمة محمد ؟ قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح .

ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد ؟ قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: إن معاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيمة ، ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته ، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد ؟ قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله على المشركين .

____________

(1) التمهيد للباقلاني ص 204 ، طرح التثريب 1: 49 ، تاريخ الطبري 5: 34 .

(2) طبقات ابن سعد ط ليدن 3: 248 .

(3) تاريخ ابن عساكر 5: 102 .

(4) تاريخ ابن عساكر 7: 160 .

11

ولماذا ساوى عمر بين أصحاب الشورى ، ولما قيل له: استخلف .

قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راض ، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن ؟! صحيح البخاري 5: 267 .

وأين هذا من قول عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان: إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا .

وقوله: أيها الناس إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان ؟ ! (1).

ولماذا بدء عبد الرحمن بن عوف بعلي (عليه السلام)أولا للبيعة وقدمه على عثمان يوم الشورى غير أنه اشترط عليه (صلوات الله عليه) القيام بسيرة الشيخين فلم يقبله وقبله عثمان فبايعه على ذلك ؟ (2) وقد مر الكلام حول هذا الشرط في الجزء التاسع ص 88 ، 90 ط 2 .

ولماذا قال أبو وائل لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا ؟ أخرجه أحمد في مسنده ص 75 .

ولماذا قال معاوية: إنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف ، لأنهم أهل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلما مضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة .

يأتي تمام كلامه في هذا الجزء .

ولماذا قال العباس عم النبي لعلي (عليه السلام)يوم قبض النبي (صلى الله عليه وسلم): أبسط يدك فلنبايعك ؟ (3) .

ولماذا قال العباس لأبي بكر: فإن كنت برسول الله طلبت ؟ فحقنا أخذت ، و إن كنت بالمؤمنين طلبت ؟ فنحن منهم ، متقدمون فيهم .

وإن كان هذا الأمر إنما يجب لك بالمؤمنين ؟ فما وجب إذ كنا كارهين ؟ إلى آخر ما مر في ج 5: 320 ط 1 .

ولماذا تقاعد عمار وشتم أبا سرح لما قال: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع

____________

(1) تاريخ الطبري 5: 40 ، تاريخ ابن كثير: 164 .

(2) مسند أحمد 1: 75 ، تمهيد الباقلاني ص 209 ، تاريخ الطبري 5: 40 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 104 ، الصواعق ص 63 ، فتح الباري 13 . 168 .

(3) تاريخ ابن عساكر 7: 245 .

12

عثمان ؟ وخالف مقداد وجمع آخر من عيون الصحابة عن بيعة عثمان وتمت بالإرهاب والترعيد وقال عمار لعبد الرحمن: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا .

فقال المقداد: صدق عمار إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا (1) وقال علي لعبد الرحمن: حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك ، والله كل يوم هو في شأن ؟ ! (تاريخ الطبري 5: 37) .

ولماذا قال سعد بن أبي وقاص لعبد الرحمن بن عوف: إن كنت تدعوني والأمر لك وقد فارقك عثمان على مبايعتك ؟ كنت معك ، وإن كنت إنما تريد الأمر لعثمان ؟ فعلي أحق بالأمر وأحب إلي من عثمان ، بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤسنا ؟ ! .

أنساب البلاذري 5: 20 ، تاريخ الطبري 5: 36 ، الكامل لابن الأثير 3: 29 ، فتح الباري 13: 168 .

ولماذا قال الزبير: لو مات عمر لبايعت طلحة فوالله ما كان بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ؟ ! (2) .

ولماذا جابه الزبير يوم قال عمر: أكلكم يطمع في الخلافة بعدي بقوله ما الذي يبعدنا منها ؟ وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة (شرح ابن أبي الحديد 1: 62) وأين يقع قول علي أمير المؤمنين (عليه السلام)على صهوة المنبر: أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ؟ ! (إلى آخر الخطبة الشقشقية) ، إلى كلمات أخرى له تضاد هذه المفاضلة .

ولماذا كان أبو عبيدة أحب إلى رسول الله بعد الشيخين من أصحابه كما في صحيحة جاء بها ابن ماجة في سننه 1 ص 51 ، والترمذي في صحيحه 13: 126 عن ابن شقيق قال: قلت لعايشة رضي الله عنها: أي أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ قالت: أبو بكر .

قلت: ثم من ؟ قالت: عمر .

قلت: ثم من ؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجراح قلت: ثم من ؟ فسكتت ؟

____________

(1) تاريخ ابن جرير الطبري 5 - 37 ، الكامل لابن الأثير 3: 28 .

(2) أصل الحديث في صحيح البخاري ، راجع شرح بهجة المحافل 1: 58 .

13

وأخرجها أحمد في مسنده 6: 218 ، وابن عساكر في تاريخه 7: 161 .

وشتان بين اختيار ابن عمر وبين ما جاء عن ابن أبي مليكة قال: قيل لعائشة: من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مستخلفا لو استخلف ؟ قالت: أبو بكر . قيل لها: ثم من ؟ قالت ، عمر . فقيل لها: ثم من ؟ قالت: أبو عبيدة . وانتهت إلى هذه ؟ ! (1) .

وأين كان ابن عمر عن أناس كانوا يفضلون بلال الحبشي على أبي بكر حتى قال: كيف تفضلوني عليه وإنما أنا حسنة من حسناته ؟ (2) .

وأنى اختيار ابن عمر من قول كعب بن زهير:

صهر النبي وخـير الناس كلهم * وكـل من رامه بالفخر مفخور

صلى الصلاة مع الأمي أولهـم * قبل العباد ورب الناس مكفور؟!

ومن قول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب:

ما كنـت أحـسب أن الأمر منتقل * عـن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليـس أول مـن صلى لقبلـتهم * وأعـلم الناس بالآيـات والسنن؟

وآخـر النـاس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن ؟

من فيـه ما فيـهم ما تمترون به * وليـس في القوم ما فيه من الحسن

مـاذا الـذي ردكم عنه ؟ فنعلمه * هـا إن بيعـتكم مـن أول الفتن

ومن قول الفضل بن أبي لهب:

ألا إن خـير الناس بعـد محمد * مهيمنـه التاليه في العرف والنكر

وخـيرته في خـيـبر ورسوله * بنـبذ عهود الشرك فوق أبي بكر

وأول مـن صلـى وصنو نبيه * وأول مـن أردى الغـواة لدى بدر

فـذاك علي الخير من ذا يفوقه؟ * أبو حسن حلف القرابـة والصهر

ومن قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث:

وكـان ولـي الأمر بعد محمد * عـلي وفي كل المواطن صاحبه

وصـي رسـول الله حقا وجاره * وأول من صلى ومن لان جانبه

____________

(1) صحيح مسلم 7: 110 . تاريخ ابن عساكر 7: 161 .

(2) تاريخ ابن عساكر 3: 314 .

14

ومن قول النجاشي أحد بني الحرب بن كعب من أبيات له:

جعـلتم عـليـا وأشيـاعـه * نظيـر ابن هند أما تستحونا ؟

إلى أفضل الناس بعد الرسول * وصنـو الرسول من العالمين

وصهر الـرسول ومن مثله * إذا كـان يوم يشيب القرونا ؟

ومن قول جرير بن عبد الله البجلي من أبيات له:

فـصلى الإلـه عـلى أحمد * رسـول المـليك تمام النعم

وصلـى على الطهر من بعده * خـليفتنا القـائم المـدعـم

عليا عـنـيت وصـي النـبـي * يجـالد عـنـه غـواة الأمـم

له الفضل والسبق والمكرمات * وبـيـت النـبوة لا يهتـضم

ومن قول زجر بن قيس إلى خاله جرير:

جرير بن عبد الله لا تردد الهدى * وبايـع عـليـا إنني لك ناصح

فإن عليا خير من وطئ الحصى * سوى أحمد والموت غاد ورائح

ومما قيل على لسان الأشعث بن قيس الكندي:

أتانا الرسـول رسول الوصي * عـلي المهـذب مـن هاشم

رسـول الـوصي وصي النبي * وخـير الـبرية مـن قـائم

وزيـر النـبي وذو صهـره * وخـير البرية فـي العـالم

له الفضل والسبق بالصالحات * لهـدي النـبي بـه يـأتمي

وأنت ترى من جراء ذلك الاختيار الباطل الذي جاء به ابن عمر أن تدهورت السياسة فصار الانتخاب نصا ، وانقلبت الدمقراطية - إن كانت - إلى دكتاتورية محضة رضيت الأمة أم غضبت ، ثم عاد الأمر شورى ويا لله وللشورى وسيف عبد الرحمن بن عوف هو العامل الوحيد يوم ذاك ، إلى أن أصبح ملكا عضوضا ، ووصلت النوبة إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء ، إلى رجال العبث والفساد ، إلى أبناء الخمور والفجور ، إلى أن تمكن معاوية الخمر والربا من استخلاف يزيد العرة والشره قائلا: من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه وما أظن قوما ينتهين حتى تصيبهم بوائق تجتث

15

أصولهم ، وقد أنذرت إن أغنت النذر (1) .

لم يكن لأعيان الأمة ، ووجوه الصحابة ، وصلحاء الملة ، وخيرة الناس في أمر تلكم الأدوار القاتمة حل ولا عقد ، بل كانوا مضطهدين مقهورين مبتزين يرون حكم الله مبدلا ، وكتابه منبوذا ، وفرائضه محرفة عن جهات أشراعه ، وسنن نبيه متروكة .

أليست هذه الأحاديث إلى أمثالها المعدودة بالمئات إنكارا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقولهم - إن كان هناك قول -: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس ؟ أليست آي المباهلة والتطهير والولاية وأضرابها إلى ثلاثمائة آية النازلة في علي (عليه السلام)(4) تضاد ذلك القول القارص ؟ هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أم هل تستوي الظلمات والنور ؟ (5) هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ (6) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ؟ لا يستوون (7) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ؟ (8) أفمن كان على بينة

____________

(1) الكامل لابن الأثير 3: 217 .

(2) كل هذه الأحاديث مرت في الأجزاء الماضية .

(3) حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم الاصبهاني 1: 230 .

(4) تاريخ الخطيب 6: 221 ، السيرة الحلبية 2: 230 .

(5) سورة الرعد: 16 .

(6) سورة الزمر: 8 .

(7) سورة السجدة: 18 .

(8) سورة هود: 24 .

16

من ربه كمن زين سوء عمله ؟ (1) أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ؟ أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ؟ (2) قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث (3) لا يستوي القاعدون من الرجال غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله (4) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة (5) ما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات (6) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ ! (7) .

____________

(1) سورة محمد: 14 .

(2) سورة الملك: 22 .

(3) سورة المائدة: 100 .

(4) سورة النساء: 95 .

(5) سورة الحشر: 20 .

(6) سورة غافر: 58 .

(7) سورة محمد: 24 .

17

ما هذا الاختيار ؟ وكيف يتم ؟ ولم وبم ؟

هل تدري ما الذي دعى ابن عمر إلى رمي القول على عواهنه ؟ إلى رمي الصحابة بعزوه المختلق ، ونسبة هذا الاختيار المبير إليهم وأنهم تركوا المفاضلة بعد الثلاثة وأنهم قالوا: ثم نترك أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لا نفاضل بينهم .

وقالوا: كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس فيسمع النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك فلا ينكره ؟ .

قال الجاحظ: لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الاسلام والتقدم فيه ، ومتى ذكرت النجدة والذب عن الاسلام ، ومتى ذكر الفقه في الدين ، ومتى ذكر الزهد في الأموال التي تتناصر الناس عليها ، ومتى ذكر الاعطاء في الماعون ، كان مذكورا في هذه الخصال كلها إلا علي رضي الله عنه .

ثمار القلوب للثعالبي ص 67 .

لست أدري كيف ترك المخيرون أصحاب محمد بعد الثلاثة لا تفاضل بينهم ؟ وبماذا استوى الناس وفيهم العشرة المبشرة ؟ وفيهم من رآه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) شبيه عيسى في أمته هديا وبر أو نسكا وزهدا وصدقا وجدا وخلقا وخلقا (3) .

____________

(1) مرت هذه الأحاديث كلها بمصادرها في طيات الأجزاء الماضية .

(2) راجع الجزء الثاني ص 54 - 56 ط 1 ، و 59 - 61 ط 2 .

(3) هو سيدنا أبو ذر راجع الجزء الثامن .

18

وفيهم من كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يراه جلدة ما بين عينيه وأنفه ، طيبا مطيبا ، قد ملئ إيمانا إلى مشاشه ، يدور مع الحق أينما دار (1) .

وفيهم من رآه (صلى اللّٰه عليه و آله) أثقل في الميزان من أحد ، ويراه رجال الصحابة: أشبه الناس هديا ودلا وسمتا بمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) وفيهم من قربه (صلى اللّٰه عليه و آله) وأدناه وعلمه علم ما كان وما يكون (3) وفيهم من جاء فيه عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قوله: من أراد أن ينظر إلى رجل نور قلبه فلينظر إلى سلمان .

وقوله: إن الله عز وجل يحب من أصحابي أربعة أخبرني أنه يحبهم ، وأمرني أن أحبهم: علي ، أبو ذر ، سلمان ، المقداد ، وصح فيه قوله: سلمان منا أهل البيت .

وقال علي أمير المؤمنين: سلمان رجل منا أهل البيت ، أدرك علم الأولين والآخرين ، ما لكم بلقمان الحكيم كان بحرا لا ينزف (4) وفيهم العباس عم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الذي كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يجله إجلال الولد والده ، خاصة خص الله العباس بها من بين الناس ، وله قال (صلى اللّٰه عليه و آله): يا أبا الفضل ! لك من الله حتى ترضى .

وخطب (صلى اللّٰه عليه و آله) في قضية فقال: من أكرم الناس على الله ؟ قالوا: أنت يا رسول الله قال: فإن العباس مني وأنا منه . (مستدرك الحاكم 3: 325) .

وجاء في حديث استسقاء عمر بالعباس عام الرمادة (5) إن عمر خطب الناس فقال: يا أيها الناس إن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده يعظمه ويفخمه ويبر قسمه ، فاقتدوا أيها الناس برسول الله في عمه العباس ، واتخذوه وسيلة إلى الله عز وجل فيما نزل بكم (6) وفيهم معاذ بن جبل وقد صح فيه عند القوم قول رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): إنه أعلم الأولين والآخرين بعد النبيين والمرسلين ، وإن الله يباهي به الملائكة (7) .

____________

(1) هو سيدنا عمار بن ياسر راجع من الجزء التاسع صحيفة 24 - 28 .

(2) هو سيدنا ابن مسعود راجع من الجزء التاسع صحيفة 7 - 11 .

(3) هو سيدنا حذيفة اليماني راجع ج 5: 53 ط 1 ، و 60 ط 2 .

(4) تاريخ ابن عساكر 6: 198 - 203 .

(5) راجع ما مر في الجزء السابع: 300 ، 301 .

(6) مستدرك الحاكم 3: 324 ، 325 ، 329 ، 334 .

(7) مستدرك الحاكم 3: 271 .

19

وفيهم أبي بن كعب وقد صحح الحاكم فيه قول أبي مسهر: إن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) سماه سيد الأنصار فلم يمت حتى قالوا: سيد المسلمين .

(1) وفيهم أسامة بن زيد حب رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقد جاء فيه عن ابن عمر نفسه في الصحيحين قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لما طعن بعض الناس في أمارته وقد أمره على جيش كان فيهم أبو بكر وعمر: فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل ، وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده (2) .

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أسامة أحب إلي ما حاشا فاطمة ولا غيرها (مسند أحمد 2: 96 ، 106 ، 110) .

إلى أناس آخرين يعدون في الرعيل الأول من رجالات الفضائل والفواضل من أمة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) فهل كان ابن عمر يعرف هؤلاء الرجال ومبلغهم من العظمة وما ورد فيهم عن النبي الأقدس من جمل الثناء عليهم ثم يساوي بينهم وبين من عداهم نظراء أبناء هند والنابغة والزرقاء ؟ .

فإن كان لا يدري فتلك مصيبة * وإن كان يدري فالمصيبة أعظم

وكيف يتم هذا الاختيار وقد عزى القوم إلى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): ما من نبي إلا وقد أعطي سبعة نجباء رفقاء وأعطيت أنا أربعة عشر: سبعة من قريش: علي والحسن والحسين وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر .

وسبعة من المهاجرين: عبد الله بن مسعود ، وسلمان ، وأبو ذر ، وحذيفة ، وعمار ، والمقداد ، وبلال ؟ (3) نعم لا يرضى ابن عمر أن يكون علي أمير المؤمنين أفضل من أحد من أصحاب محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) حتى بعد عثمان وليد بيت أمية ، قتيل الصحابة العدول ومخذولهم ، ولا يروقه أن يحكم بالمفاضلة بينه (عليه السلام)وبين ابن هند وإن كان عاليا من المسرفين ، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ، كأن في أذنيه وقرا ، ولا بينه وبين ابن النابغة

____________

(1) مستدرك الحاكم 3: 302 .

(2) صحيح البخاري 5: 279 ، صحيح مسلم 7: 131 ، صحيح الترمذي 13: 218 ، مسند أحمد 2: 20 .

(3) تاريخ ابن عساكر 5: 21 ، وفي كنز العمال نقلا عن أحمد وتمام وابن عساكر من طريق علي (عليه السلام).

20

الأبتر ابن الأبتر ، ولا بينه وبين مغيرة بن شعبة أزنى ثقيف ، ولا بينه وبين أبناء أمية أثمار الشجرة الملعونة في القرآن من وزغ طريد إلى لعين مثله إلى فاسق مستهتر إلى فاحش متفحش ، ولا بينه وبين سلسلة الخمارين رجال الخمور والفجور في الجاهلية أو - الاسلام نظراء: أبي بكر بن شغوب . راجع الغدير 7: 99 .

أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري . مسند أحمد 3: 181 ، 227 ، سنن البيهقي 8: 286 ، الغدير 7: 99 .

أبي عبيدة ابن الجراح . مسند أحمد 3: 181 ، سنن البيهقي 8: 286 ، شرح صحيح مسلم للنووي 8: 23 هامش إرشاد الساري ، مجمع الزوائد 5: 52 .

أبي محجن الثقفي . تفسير القرطبي 3: 57 ، الإصابة 4: 175 .

أبي بن كعب . مسند أحمد 3: 181 ، سنن البيهقي 8: 286 .

أنس بن مالك . غير واحد من الصحاح والمسانيد ، راجع الغدير 7: 97 ، 101 .

حسان بن ثابت . تفسير القرطبي 3: 56 وهو القائل: ونشر بها فتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء خالد بن عجير .

الإصابة 1: 459 . سعد بن أبي وقاص .

سنن البيهقي 8: 285 ، تفسير ابن كثير 2: 95 ، تفسير أبي حيان 4: 12 ، إرشاد الساري 7: 104 ، تفسير الخازن 1: 252 ، تفسير الآلوسي 2: 11 ، تفسير الشوكاني 2: 71 .

21

سليط بن النعمان . الامتاع للمقريزي ص 112 .

سهيل بن بيضاء . منسد أحمد 3: 227 ، سنن البيهقي 8: 290 ، الغدير 7: 99 .

ضرار بن الأزور . تاريخ ابن عساكر 7: 31 ، 133 .

ضرار بن الخطاب . تاريخ ابن عساكر 7: 133 .

عبد الرحمن بن عمر . المعارف لابن قتيبة ص 80 ، الغدير 6: 296 - 300 ط 1 .

عبد الرحمن بن عوف . أحكام القرآن للجصاص 2: 245 ، مستدرك الحاكم 4: 142: وكثير من التفاسير ، وفي الحديث تحريف أشار إليه الحاكم في المستدرك 2: 307 ، راجع الغدير 6: 236 ط 1 ، و 252 ط 2 .

عبد الله بن أبي سرح أخي عثمان من الرضاعة . كتاب صفين ص 180 .

عتبان بن مالك . تفسير الخازن 1: 152 .

عمرو بن العاص . الغدير 2: 136 ط 2 .

قيس بن عاصم المنقري . تفسير القرطبي 3: 56 .

كنانة بن أبي الحقيق . الامتاع للمقريزي ص 112 .

معاذ بن جبل . شرح صحيح مسلم للنووي 8: 232 هامش إرشاد الساري ، الغدير 7: 99 .

22

نعيم بن مسعود الأشجعي . الامتاع للمقريزي ص 112 .

نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري . الاستيعاب 1: 308 ، أسد الغابة 5: 36 ، تاريخ ابن كثير 8: 70 .

وليد بن عقبة أخي عثمان لأمه . الغدير 8: 123 - 128 ط 1 .

23

بيعة ابن عمر تارة وتقاعسه عنها أخرى

هذه عقلية ابن عمر النابية عن إدراك الحقايق ، وهي التي أرجأته عن بيعة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)وحدته إلى بيعة عثمان ولم يتسلل عنه حتى يوم مقتله بعد ما نقم عليه الصحابة أجمع خلا شذاذا منهم ، بل كان هو الذي أغرى عثمان بنفسه حتى قتل كما جاء في أنساب البلاذري 5: 76 عن نافع قال: حدثني عبد الله بن عمر قال قال عثمان وهو محصور: ما تقول فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس ؟ قال: قلت: وما هو ؟ قال: قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعك فإن فعلت وإلا قتلوك فدع أمرهم إليهم .

قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك ؟ قال: لا .

قال: فقلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الاسلام فكلما سخط قوم أميرهم خلعوه لا تخلع قميصا قمصكه الله .

وفي إثر هذا جاء في الأثر: إن عثمان لما أشرف على الناس فسمع بعضهم يقول: لا نقتله ولكن نعزله قال: أما عزلي فلا وأما قتلي فعسى .

وهذا من أتفه ما ارتآه ابن عمر فإن أمره عثمان أن لا يخلع نفسه خيفة أن يطرد ذلك جار في صورة عدم الخلع المنتهي إلى القتل الذي هو أفظع من الخلع ، وفي كل منهما سقوط هيبة السلطان وزوال أبهة الخلافة ، غير أن البقاء مخلوعا أخف وطأة وأبعد عن مثار الفتن ، ومن المشاهد الفتن الثائرة بعد قتل عثمان من قاتليه والحاضين عليه والمتخاذلين عنه فمن قائلة: اقتلوا نعثلا . قتل الله نعثلا . تطلب ثاره . ومألبين عليه أخذا بضبعي الهودج يحثان على الهتاف بثارات عثمان ، وموها عليها نبح كلاب الحوأب ، ومتقاعد عنه بالشام حتى إذا أودي به كتب الكتائب وخرج إلى صفين وأزلف إليه من كان يقول لما بلغه أنه محصور: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار .

ولما بلغه مقتله قال: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع (1) قال هذا ثم طفق يثب مع معاوية

____________

(1) راجع ما مر في الجزء الثاني ص 139 ، والجزء التاسع ص 137 - 140 .

24

يطلب الثار ، وكان من ولائد وقعة صفين مقتل الخوارج بنهروان ، فمن جراء هذه المعامع كانت مجزرة كبرى لزرافات من الصحابة والتابعين ووجهاء الأمصار ورؤساء القبائل وصلحاء المسلمين ، وهل كانت هذه المفاسد إلا ولائد ذلك الرأي الفطير الذي أسدى به ابن عمر للخليفة المقتول ، ولو كان سالم القوم كما أشار إليه المغيرة بن الأخنس فخلعوه بقي حلس بيته ولا ثائر ولا مشاغب ، وبقيت بيوت المسلمين عامرة ولم تكن تنتشر الفتن في البلاد ، قال ابن حجر في فتح الباري 13: 10: انتشرت الفتن في البلاد فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان ، والقتال بالنهروان بسبب التحكيم بصفين ، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شئ من ذلك أو عن شئ تولد عنه . ا ه .

وقال في ص 42: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق عثمان: بلاء يصيبنه .

هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك . ه .

ونحن لا نعرف لابن عمر حجة فيما ارتكبه من البيعة والقعود إلا ما نحته له ابن حجر في فتح الباري 5: 19 بقوله: لم يذكر ابن عمر خلافة علي لأنه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه كما هو مشهور في صحيح الأخبار ، وكان رأي ابن عمر أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس ، ولهذا لم يبايع أيضا لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما ، وبايع ليزيد بن معاوية ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير . ا ه .

وقال في الفتح أيضا ج 13: 165: كان عبد الله بن عمر في تلك المدة إمتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية ، ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي ، واجتمع عليه الناس ، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه ، ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى أن قتل ابن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ .

هذه حجة داحضة موه بها ابن حجر على الحقايق الراهنة لتغرير أمة جاهلة ، و لعله اتخذها مما جاء في الحديث من إنه لما تخلف عبد الله بن عمر عن بيعة علي (عليه السلام)أمر بإحضاره فأحضر فقال له: بايع .

قال: لا أبايع حتى تبايع جميع الناس .

قال له علي (عليه السلام)فأعطني حميلا (1) أن لا تبرح .

قال: ولا أعطيك حميلا .

فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين !

____________

(1) الحميل كفعيل: الكفيل .

25

إن هذا قد أمن سوطك وسيفك ، فدعني أضرب عنقه . قال: لست أريد ذلك منه على كره خلوا سبيله . فلما انصرف قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقد كان صغيرا وهو سئ الخلق وهو في كبره أسوأ خلقا .

وروي أنه أتاه في اليوم الثاني فقال: إني لك ناصح إن بيعتك لم يرض بها الناس كلهم ، فلو نظرت لدينك ورددت الأمر شورى بين المسلمين .

فقال علي (عليه السلام): ويحك وهل ما كان عن طلب مني ؟ ألم يبلغك صنيعهم بي ؟ قم يا أحمق ، ما أنت وهذا الكلام ؟ فخرج ثم أتى عليا (عليه السلام)آت في اليوم الثالث فقال: إن ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك فأمر بالبعثة في أثره فجاءت أم كلثوم ابنته فسألته وضرعت إليه فيه وقالت: يا أمير المؤمنين ! إنما خرج إلى مكة ليقيم بها ، وإنه ليس بصاحب سلطان ، ولا هو من رجال هذا الشأن ، وطلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لأنه ابن بعلها فأجابها وكف البعثة إليه وقال: دعوه وما أراد .

جواهر الأخبار للصعدي المطبوع في ذيل كتاب البحر الزخار ج 5: 71 .

هلموا معي يا أمة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) نسائل ابن عمر ، هلا بايع هو أبا بكر ولم يجتمع عليه الناس ، وانعقدت بيعته باثنين أو أربعة أو خمسة كما مر في ج 7 ص 141 ط 1 ؟ والاختلاف هنالك كان قائما على ساق ، وهو الذي فرق صفوف الأمة حتى اليوم ، وكان ابن عمر ينظر إليه من كثب ، ثم لحقتها موافقة الناس بالإرهاب في بعض ، وإطماع في آخرين ، وأمر دبر بليل بين لفيف من زبانية الخلافة ، وتمت بعد وصمات مر الايعاز إليها في الجزء السابع ص 74 - 87 ، تمت وصدور أمة صالحة واغرة عليها وعلى من تقمصها ، وهو يعلم أن محل علي (عليه السلام)منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ، ولا يرقى إليه الطير .

وأما أبوه فلم يثبت أمره إلا بتعيين أبي بكر إياه ، فيا عجبا يستقيلها في حياته إذا عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا ضرعيها ، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها (1) والناس متذمر على المستخلف كلهم ورم أنفه من ذلك قائلين: ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا ؟ ثم

____________

(1) جمل لمولانا أمير المؤمنين من خطبته الشقشقية راجع ج 7: 81 ط 2.

26

ألحقت الناس به العوامل المذكورة .

وأما حديث الشورى ، وما أدراك ما حديث الشورى ؟ فسل عنه سيف عبد الرحمن بن عوف الذي لم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره ، واذكر قوله لعلي: بايع وإلا ضربت عنقك أو قوله له: لا تجعلن على نفسك سبيلا كما ذكره البخاري والطبري وغيرهما (1) وزاد ابن قتيبة: فإنه السيف لا غير .

أو قول أصحاب الشورى لما خرج علي مغضبا ولحقوه: بايع وإلا جاهدناك (2) أو قول أمير المؤمنين: متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكني أسففت إذا سفوا ، وطرت إذا طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال آخر لصهره مع هن وهن .

الخ (3) لكن ابن عمر - على زعم ابن حجر - لا يرى كل هذه خلافا في خلافة القوم ، ولا في معاوية من إنجاز الأمر بعد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)بين السيف والمطامع ، وفي القلوب منه ما فيها إلى أن لفظ نفسه الأخير ، هذا سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة ومن رجال الشورى الست تخلف عن بيعته ، دخل على معاوية فقال له: السلام عليك أيها الملك فقال له: فهلا غير ذلك ؟ أنتم المؤمنون وأنا أميركم ، فقال سعد: نعم إن كنا أمرناك وفي لفظ: نحن المؤمنون ولم نؤمرك .

فقال معاوية: لا يبلغني أن أحدا يقول: إن سعدا ليس من قريش إلا فعلت به وفعلت ، إن سعدا الوسط في قريش .

ثابت النسب (4) .

وهذا ابن عباس وهو يجابه معاوية ويدحض حجته ، قال عبيد الله بن عبد الله المديني: حج معاوية فمر بالمدينة فجلس في مجلس فيه سعد وفيه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس فالتفت إلى عبد الله بن العباس فقال: يا أبا عباس إنك لم تعرف حقنا من باطل غيرنا ، فكنت علينا ولم تكن معنا ، وأنا ابن عم المقتول ظلما يعني عثمان وكنت أحق بهذا الأمر من غيري .

فقال ابن عباس: أللهم إن كان هكذا فهذا - وأومأ إلى ابن عمر - أحق بها منك لأن أباه قتل قبل ابن عمك .

فقال معاوية: ولا سواء إن أباه هذا قتله المشركون ، وابن عمي

____________

(1) صحيح البخاري باب كيف يبايع الإمام ج 10: 208 ، تاريخ الطبري 5: 37 ، 40 ، الإمامة والسياسة 1: 25 ، الكامل لابن الأثير 3: 30 ، الصواعق ص 36 ، فتح الباري 13: 168 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 102 .

(2) أنساب البلاذري 5: 22 .

(3) راجع الجزء السابع ص 81 .

(4) تاريخ ابن عساكر 5: 251 و ج 6: 106 .

27

قتله المسلمون . فقال ابن عباس: هم والله أبعد لك وأدحض لحجتك . فتركه (1) .

وأنكرت عائشة على معاوية في دعواه الخلافة وبلغه ذلك فقال: عجبا لعائشة تزعم أني في غير ما أنا أهله وأن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ، ما لها ولهذا يغفر الله لها إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس وقد استأثر الله به .

فقال الحسن بن علي ((عليهما السلام)) أو عجب ذلك يا معاوية ؟ قال: أي والله قال: أفلا أخبرك بما هو أعجب من هذا ؟ قال: ما هو ؟ قال: جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك (شرح ابن أبي الحديد 4: 5) .

وهكذا كان أكابر الصحابة مناوئين له في المدينة الطيبة فأسمعوه النكير ، وسمعوا إدا من القول .

قالوا: فما تأمرنا ؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول (5) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما (6) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي

____________

(1) تاريخ ابن عساكر 6: 107 .

(2) سيوافيك تفصيله إنشاء الله تعالى .

(3) كنوز الدقائق للمناوي ص 10 . أخرجه ابن عدي عن أبي سعيد والعقيلي عن طريق الحسن وسفيان بن محمد من طريق جابر وغيرهم . وسيوافيك الكلام في إسناده إنشاء الله تعالى .

(4) تاريخ ابن كثير 6: 221 .

(5) صحيح مسلم 6: 17 ، سنن ابن ماجة 2: 204 ، سنن البيهقي 8 .

144 عن الشيخين ، تيسير الوصول 2: 35 عن الشيخين أيضا ، مسند أحمد 2: 297 ، المحلى 9: 360 .

(6) صحيح مسلم 6: 23 ، مستدرك الحاكم 2: 156 ، سنن البيهقي 8 .

144 ، الفصل لابن حزم 4: 88 ، المحلى 9: 360 ، تيسير الوصول 2: 35 .

28

جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان . وفي لفظ: فاقتلوه(1) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه (2) .

وقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص: من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر .

قال عبد الرحمن بن عبد رب: فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه .

وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي .

فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا ، والله عز وجل يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما .

قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله (3) .

قال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 8: 43: قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر .

معناه: ادفعوا الثاني فإنه خارج على الإمام ، فإن لم يندفع إلا بحرب وقتال فقاتلوه ، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله ولا ضمان فيه لأنه ظالم متعد في قتاله . قال: قوله: فقلت له: هذا ابن عمك معاوية . إلى آخره .

المقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول وأن الثاني يقتل فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليا رضي الله عنه وكانت قد سبقت بيعة علي فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل المال بالباطل ، ومن قتل النفس ، لأنه قتال بغير حق فلا يستحق أحد مالا في مقاتلته .

____________

(1) صحيح مسلم 6: 22 ، مستدرك الحاكم 2: 156 ، سنن البيهقي 8 . 168 ، 169 .

(2) صحيح مسلم 6: 23 ، سنن البيهقي 8: 169 ، تيسير الوصول 2: 35 ، المحلى 9: 360 .

(3) صحيح مسلم 6: 18 ، سنن البيهقي 8: 169 ، سنن ابن ماجة 2: 467 ، المحلى 9: 360 .

29

وقال ص 40 في شرح قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): ستكون خلفاء فتكثر .

الحديث: معنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها ، ويحرم عليه طلبها وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أم جاهلين ، وسواء كانا في بلدين أو بلد ، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره ، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء ، وقيل: تكون لمن عقدت في بلد الإمام . وقيل: يقرع بينهم .

وهذان فاسدان ، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الاسلام أم لا ، وقال إمام الحرمين في كتابه " الارشاد " (1): قال أصحابنا لا يجوز عقدها لشخصين ، قال: وعندي إنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمع عليه ، قال: فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال ، وهو خارج عن القواطع .

وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصول ، وأراد به إمام الحرمين ، وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم .

ا ه فكان من واجب ابن عمر نظرا إلى هذه النصوص أن يبايع عليا ولا يتقاعد عن بيعته وقد بايعه المهاجرون والأنصار والبدريون وأصحاب الشجرة على بكرة أبيهم ، قال ابن حجر في فتح الباري 7: 586: كانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة 35 فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان .

ه وكان من واجب الرجل قتال معاوية الخارج على الإمام الطاهر إن كان هو عضادة الدين آخذا بطقوسه ، تابعا سننه اللاحب ، مؤمنا بما جاء به نبيه الأقدس (صلى اللّٰه عليه و آله) بل الأمر كما قال عبد الله بن هاشم المرقال في كلمة له: فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ، ولا جنة ولا نار ، لكان القتال مع علي أفضل من القتال مع معاوية بن أكالة الأكباد . كتاب صفين ص 405 .

متى اختلف في بيعة علي أمير المؤمنين اثنان من رجال الحل والعقد من صلحاء الأمة ؟ ومتى تمت كلمة الأمة في بيعة خليفة منذ اسس الانتخاب الدستوري مثل

____________

(1) راجع الارشاد ص 525 طبع مكتبة الخانجي .

30

ما تمت لعلي (عليه السلام)؟ ولم يكن متقاعس عن بيعته (سلام الله عليه) إلا شرذمة المعتزلة العثمانيين وهم سبعة وثامنهم ابن عمر كما مر في الجزء السابع ص 142 ، فما الذي جعل بيعة أناس معدودين لم تبلغ عدتهم عشرة إجماعا واتفاقا في بيعة أبي بكر ، وأوجب على ابن عمر اتباعهم ، وحرم عليه التزحزح عنهم ؟ وجعل إجماع الأمة من المهاجرين والأنصار ورجال الأمصار على بيعة علي أمير المؤمنين وتخلف عدة تعد بالأنامل عنها خلافا وتفرقا ؟ .

وليت ابن عمر إن كان لم يأخذ بحكم الكتاب والسنة في الاستخلاف كان يأخذ برأي أبيه فيه وقد سمعه يقول: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل أحد ثم في كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شئ (1) .

وقال في كلام له: لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشام وعبد الله ابن أبي ربيعة من اليمن فلا يريان لكم فضلا لسابقتكم ، وإن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء (2) .

ولعل هذا الرأي كان من المتسالم عليه عند السلف وبذلك احتج مولانا أمير المؤمنين على معاوية في كتاب له كتب إليه بقول: واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعقد معهم الإمامة ، ولا يدخلون في الشورى (3) .

وكتب ابن عباس إلى معاوية: ما أنت وذكر الخلافة ؟ وإنما أنت طليق بن طليق والخلافة للمهاجرين الأولين ، وليس الطلقاء منها في شئ (4) وفي لفظ: إن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى فما أنت والخلافة ؟ وأنت طليق الاسلام ، وابن رأس الأحزاب ، وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر .

ومن كلام لابن عباس يخاطب أبا موسى الأشعري: ليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة وأعلم يا أبا موسى ؟ إن معاوية طليق الاسلام ، وأن أباه رأس الأحزاب ،

____________

(1) طبقات ابن سعد ط ليدن 3: 248 ، فتح الباري 13: 176 ، أسد الغابة 4: 387 .

(2) الإصابة 2: 305 .

(3) الإمامة والسياسة 71 وفي ط 81 ، العقد الفريد 2: 233 وفي ط 284 ، نهج البلاغة 2: 5 ، شرح ابن أبي الحديد 1: 248 ، و ج 3: 300 .

(4) الإمامة والسياسة 1: 85 ، وفي ط 97 ، شرح ابن أبي الحديد 2: 289 .

31

وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة (1) .

ومن كتاب لمسور بن مخرمة ، (2) إلى معاوية: إنك أخطأت خطأ عظيما ، وأخطأت مواضع النصرة ، وتناولتها من مكان بعيد ، وما أنت والخلافة يا معاوية ؟ وأنت طليق وأبوك من الأحزاب ؟ فكف عنا فليس لك قبلنا ولي ولا نصير (3) .

وفي مناظرة لسعنة بن عريض الصحابي مع معاوية: منعت ولد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الخلافة ، وما أنت وهي وأنت طليق بن طليق ؟ يأتي تمام الحديث إنشاء الله تعالى .

وعاتب عبد الرحمن بن غنم الأشعري الصحابي (4) أبا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذا انصرفا من عند علي رضي الله عنه رسولين لمعاوية وكان مما قال لهما: عجبا منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليا إلى أن يجعلها شورى ؟ وقد علمتما أنه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق ، وإن من رضيه خير ممن كرهه ، ومن بايعه خير ممن لم يبايعه ، وأي مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة ؟ وهو وأبوه من رؤس الأحزاب .

فندما على مسيرهما وتابا منه بين يديه (5) .

ومن كلام لصعصعة بن صوحان يخاطب به معاوية: إنما أنت طليق به طليق ، أطلقكما رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فأنى تصح الخلافة لطليق ؟ ! (6) .

فأين يقع عندئذ معاوية الطليق ابن الطليق من الخلافة ؟ وأي قيمة في سوق الاعتبار لرأي ابن عمر ؟ وما الذي يبرر بيعته إياه إن لم يبررها عداء سيد العترة ؟

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 1: 195 .

(2) نسب هذا الكتاب في كتاب صفين ص 70 إلى عبد الله بن عمر وهو وهم ، والأبيات التي كتبها رجل من الأنصار مع الكتاب تكذب تلك النسبة . فراجع .

(3) الإمامة والسياسة 1: 75 ، وفي ط 85 .

(4) قال أبو عمر في الاستيعاب: كان من أفقه أهل الشام ، وهو الذي فقه عامة التابعين بالشام وكانت له جلالة وقدر .

(5) الاستيعاب ترجمة عبد الرحمن ج 2: 402 ، أسد الغابة 3: 318 .

(6) مروج الذهب 1: 78 ، يأتي تمام الكلام في هذا الجزء إنشاء الله تعالى .

32

أي إجماع على بيعة يزيد ؟

ثم أي إجماع صحيح من رجال الدين صحح لابن عمر بيعة يزيد الممجوج عند الصحابة والتابعين ، المنبوذ لدى صلحاء الأمة ، المعروف بالخلاعة والمجون والخمور والفجور على حد قول شاعر القضاة الأستاذ بولس سلامة في ملحمة الغدير ص 217:

رافـع الصـوت داعيا للفلاح * اخفض الصوت في أذان الصباح

وترفـق بصاحب العرش مشغولا * عـن الله بالقـيـان المـلاح

ألـف " الله أكـبر " لا يسـاوي * بين كـفي يـزيد نهـلـة راح

تتـلظى فـي الدنـان بـكرا فـلم * تـدنس بلثـم ولا بـماء قـراح

والأمة مجمعة على شرطية العدالة في الإمامة ، قال القرطبي في تفسيره 1: 231: الحادي عشر - من شروط الإمامة - أن يكون عدلا لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم لقوله (عليه السلام): أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون . وفي التنزيل في وصف طالوت: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم . فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة .

وقال في صفحة 232: الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم ، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره ، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض فيها ، فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله ، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله . ه .

أجل: المائة ألف المقبوضة من معاوية لتلك البيعة الغاشمة (1) جعلت الفرقة لابن عمر إجماعا ، والاختلاف إصفاقا ، كما فعلت مثله عند غير ابن عمر من سماسرة النهمة

____________

(1) راجع أنساب الأشراف للبلاذري 5: 31 .

33

والشره ، فركضوا إلى البيعة ضابحين يقدمهم عبد الله فبايعه بعد أبيه وكتب إليه ببيعته ، ونصب عينه الناهض الكريم ، والفادي الأقدس ، الحسين السبط (سلام الله عليه) المتحلي بآصرة النبوة ، وشرف الإمامة ، وعلم الشريعة ، وخلق الأنبياء ، والفضائل المرموقة ، سيد شباب أهل الجنة أجمعين ، وقد حنت إليه القلوب ، وارتمت إليه الأفئدة فرحين بكسر رتاج الجور ، ورافضين لمن بعده .

لكن الرجل لم يتأثر بكل هذه ولم يرها خلافا ، ونبذ وصية نبيه الكريم وراء ظهره ولم يعبأ بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها: كربلا .

فمن شهد ذلك منكم فلينصره (1) نعم: نصر ذلك المظلوم قرة عين رسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بتقرير بيعة يزيد .

وحسبانها بيعة صحيحة ، كان ينهى عن نكثها عند مرتجع الوفد المدني من الشام وقد شاهدوا منه البوائق والموبقات معتقدين خروجه عن حدود الاسلام قائلين: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويعزف بالطنابير ، ويضرب عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسامر الحراب والفتيان ، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه.

فتابعهم الناس (2) وقال ابن فليح: إن أبا عمرو بن حفص وفد على يزيد فأكرمه وأحسن جائزته ، فلما قدم المدينة قام إلى جنب المنبر وكان مرضيا صالحا فقال: ألم أحب ؟ ألم أكرم ؟ والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة سكرا . فأجمع الناس على خلعه بالمدينة (3) .

وكان مسور بن مخرمة الصحابي ممن وفد إلى يزيد ، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر فكتب إلى يزيد بذلك فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورا الحد فقال أبو حرة:

أيشـربها صحباء كالمسك ريحها * أبو خالد والحد يضرب مسور(4)

قد جبههم ابن عمر بما جاء هو عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كما فصلناه في الجزء السابع

____________

(1) الإصابة 2: 68 .

(2) تاريخ الطبري 7: 4 ، أنساب البلاذري 5: 31 ، فتح الباري 13: 59 . يأتي الحديث على تفصيله في هذا الجزء .

(3) تاريخ ابن عساكر 7: 280 .

(4) أنساب الأشراف للبلاذري 5: 31 .

34

ص 145 ، جمع أهل بيته وحشمه ومواليه وقال: لا يخعلن أحد منكم يزيد ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صيلما بيني وبينه .

وفي لفظ البخاري: إني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه .

وتمسك في تقرير تلك البيعة الملعونة بما عزاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان .

جهلا منه بأساليب الكلام لما هو المعلوم من أن مصداق هذا الكلي هو الفرد المتأهل للبيعة الدينية بيع الله ورسوله ، لا من هو بمنتأى عن الله سبحانه ، وبمجنب عن رسوله ، كيزيد الطاغية أو والده الباغي .

ومهما ننس من شئ فإنا لا ننسى مبدء البيعة ليزيد على عهد ابن آكلة الأكباد بين صفيحة مسلولة ومنيحة مفاضة ، أقعدت هاتيك من نفى جدارة الخلافة عن يزيد ، وأثارت هذه سماسرة الشهوات ، فبايعوا بين صدور واغرة ، وأفئدة لا ترى ما تأتي به من البيعة إلا هزوا .

وفي لهوات الفضاء وأطراف المفاوز كل فار بدينه متعوذين من معرة هذه البيعة الغاشمة ، وكان عبد الله نفسه ممن تأبى عن البيعة (1) لأول وهلة من قبل أن يتذوق طعم هاتيك الرضيخة ، - مائة ألف - وكان يقول: إن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء على الآباء (2) وبعد أن تذوقه كان لم يزل بين اثنتين: فضيحة العدول عن رأيه في يزيد ، ومغبة التمرد عليه ، لا سيما بعد أخذ المنحة ، فلم يبرح مصانعا حتى بايعه بعد أبيه ، ولما جاءت بيعته قال: إن كان خيرا رضينا ، وإن كان بلاء صبرنا (3) ونحت لذلك التريث حجة تافهة من أن المانع عن البيعة كان هو وجود أبيه .

وكان ليزيد أن يناقشه الحساب بأن أباه لم يكن يأخذ البيعة له في عرض بيعته ، وإنما أخذها طولية لما بعده ، لكنه لم يناقشه لحصول الغاية .

____________

(1) الإمامة والسياسة 1: 143 ، تاريخ الطبري 6: 170 ، تاريخ ابن كثير 8: 79 ، لسان الميزان 6: 203 (2) الإمامة والسياسة 1: 143 .

(3) لسان الميزان 6: 294 .

35

(1) وقد جاء في قتلى الحرة عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): إنهم خيار أمتي بعد أصحابي (2) ثم بايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد ومن امتنع قتل (3) ووقعت يوم ذاك جرائم وفجائع وطامات حتى قيل: إنه قتل في تلكم الأيام نحو من عشرة آلاف إنسان سوى النساء والصبيان ، وافتض فيها نحو ألف بكر ، وحبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج (4) ولما بلغ يزيد خبر تلك الوقعة المخزية قال:

رأي ابن عمر في القتال والصلاة

(ومنها) : أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 4: 110 ط ليدن عن ابن عمر أنه كان يقول: لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب .

وقال ابن حجر في فتح الباري 13: 39: كان رأي ابن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة .

وقال ابن كثير في تاريخه 9: 5: كان في مدة الفتنة لا يأتي أميرا إلا صلى خلفه ، وأدى إليه زكاة ماله .

هلا كان ابن عمر بان له الرشد من الغي ، ولم يك يشخص الحق من الباطل ؟

____________

(1) صحيح البخاري 2: 239 ، صحيح مسلم 3: 52 ، 53 .

(2) فتح الباري 13: 40 .

(3) سورة الحجرات . آية 9 .

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

أكان في أذن ابن عمر وقر عن سماع ذلك الهتاف القدسي بمثل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) لعائشة: كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليا وأنت له ظالمة .

وقوله لزوجاته: كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب ، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء .

وقوله لها: انظري أن لا تكوني أنت .

وقوله للزبير: إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له .

وقوله: سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا على الله جهادهم ، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه ، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه ، ليس وراء ذلك شئ .

[ حقا جاهد ابن عمر في الخلاف على قول رسول الله هذا بلسانه وقلبه ما استطاع ] .

وقوله لعلي: يا علي ستقاتل الفئة الباغية وأنت على الحق ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني .

وقوله له: ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين .

وقوله له: أنت فارس العرب وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين .

وقوله لأم سلمة لما رأى عليا: هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي .

____________

(1) صحيح الترمذي 9: 49 ، مستدرك الحاكم 4: 438 ، 440 ، كنز العمال 6: 31 ، 37 .

(2) كتاب صفين ص 542 .

48

وعهده إلى علي (عليه السلام)أن يقاتل بعده القاسطين والناكثين والمارقين (1) .

وقوله لأصحابه: إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا .

قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا ، ولكن خاصف النعل .

وكان أعطى عليا نعله يخصفها (2) . وقوله لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية . وقد قتلته فئة معاوية .

وقول أبي أيوب الأنصاري وأبي سعيد الخدري وعمار بن ياسر: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين .

قلنا يا رسول الله ؟ أمرت بقتال هؤلاء مع من ؟ قال: مع علي بن أبي طالب .

إلى أحاديث أخرى ذكرناها في الجزء الثالث ص 165 - 170 هب أن ابن عمر لم يكن يسمع شيئا من هذه الأحاديث الثابتة عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ، أوما كان يسمع أيضا أوما كان يصدق أولئك الجم الغفير من البدريين أعاظم الصحابة الأولين الذين حاربوا الناكثين والقاسطين وملأ فمهم عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم ، وأمره إياهم بقتال أولئك الطوائف الخارجة على الإمام الحق الطاهر ؟ فأي مين أعظم مما جاء به ابن عمر في كتاب له إلى معاوية من قوله: أحدث (علي) أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عهد: ففزعت إلى الوقوف .

وقلت: إن كان هذا هدى ففضل تركته ، وإن كان ضلالة ، فشر منه نجوت(3).

وهل ابن عمر كان يخفى عليه هتاف الصادع الكريم: علي مع الحق والحق مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة ؟ .

أو قوله: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه ، والحق يدور حيثما دار علي .

أو قوله لعلي: إن الحق معك والحق على لسانك .

وفي قلبك وبين عينيك ، والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي ؟ .

أو قوله مشيرا إلى علي: الحق مع ذا ، الحق مع ذا ، يزول معه حيثما زال ؟ أو قوله: علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ؟

____________

(2) راجع ج 7: 132 .

(3) الإمامة والسياسة 1: 76 ، شرح ابن أبي الحديد 1: 260 .

49

أو قوله لعلي لحمك لحمي ، ودمك دمي ، والحق معك ؟ .

أو قوله ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فإنه أول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين ؟(1) .

أو قوله لعلي وحليلته وشبليه: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم ؟ .

أو قوله لهم: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ؟ .

أو قوله وهم في خيمة: معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجد ، طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ، ردي الولادة ؟ .

أو قوله وهو آخذ بضبع علي: هذا أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ؟ (2) أو قوله في حجة الوداع في ملأ من مائة ألف أو يزيدون: من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وأدر الحق معه حيث دار ؟ (3) .

إلى أخبار جمة ملأت بين الخافقين ، فهل ابن عمر كان بمنتأى عن هذه كلها فحسب تلكم المواقف حربا دنيوية أو فتنة لا يعرف وجهها ، قتالا على الملك (4) ؟ أو كان تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ، وعلى كل تقدير لم يك رأيه إلا اجتهادا في مقابل النص لا يصيخ إليه أي ديني صميم .

ومن المأسوف عليه أن الرجل ندم يوم لم ينفعه الندم عما فاته في تلكم الحروب من مناصرة علي أمير المؤمنين وكان يقول: ما أجدني آسى على شيئ من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية .

وفي لفظ: ما آسى على شيئ إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية .

وفي لفظ: ما أجدني آسى على شيئ فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل

____________

(1) راجع الجزء الثالث ص 22 ، 156 - 159 - 165 ، الاستيعاب 2: 657 ، الإصابة 4: 171 .

(2) راجع الجزء الأول ص 301 و ج 8: 90 ، أحكام القرآن للجصاص 1: 560 .

(3) راجع ما مر في الجزء الأول من حديث الغدير .

(4) راجع مسند أحمد 2: 70 ، 94 ، سنن البيهقي 8: 192 .

50

مع علي الفئة الباغية .

وفي لفظ: قال حين حضرته الوفاة: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

وفي لفظ ابن أبي الجهم: ما آسى على شيئ إلا تركي قتال الفئة الباغية مع علي رضي الله الله عنه(1) .

وأخرج البيهقي في سننه 8: 172 من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر قال: بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر إذ جاءه رجل من أهل العراق فقال: يا أبا عبد الرحمن ! إني و الله لقد حرصت أن اتسمت بسمتك ، واقتدي بك في أمر فرقة الناس ، واعتزل الشر ما استطعت وإني أقرأ آية من كتاب الله محكمة قد أخذت بقلبي فأخبرني عنها أرأيت قول الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحديهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين .

أخبرني عن هذه الآية .

فقال عبد الله: ومالك ولذلك ؟ انصرف عني ، فانطلق حتى توارى عنا سواده أقبل علينا عبد الله بن عمر فقال: ما وجدت في نفسي من شئ من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عز وجل .

هذه حجة الله الجارية على لسان ابن عمر ونفثات ندمه ، وهل أثرت تلكم الحجج في قلبه ؟ وصدق الخبر الخبر يوما ما من أيامه ؟ أنا لا أدري .

هلم معي إلى صلاة ابن عمر

وأما صلاته مع من غلب وتأمر فمن شواهد جهله بشأن العبادات وتهاونه بالدين الحنيف ، ولعبه بشعائر الله شعائر الاسلام المقدس ، قد استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله ، اعتذر الرجل بهذه الخزاية عن تركه الصلاة وراء خير البشر أحد الخيرتين .

أحب الناس إلى الله ورسوله ، علي أمير المؤمنين المعصوم بلسان الله العزيز ، وعن إقامته إياها وراء الحجاج الفاتك المستهتر ، وقد جاء من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: اختلفت أنا وذر المرهبي (2) في الحجاج فقال: مؤمن . وقلت: كافر . قال الحاكم: وبيان

____________

(1) الطبقات الكبرى ط ليدن 4: 136 ، 137 ، الاستيعاب 1: 369 ، 370 ، أسد الغابة 3: 229 ، الرياض النضرة 2: 242 .

(2) كان من عباد أهل الكوفة ، أحد رجال الصحاح الستة .