تحريرات في الأصول‏ - ج8

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
600 /
1

[تتمة المقصد العاشر]

[تتمة الجهة الثالثة]

المسألة الثالثة في الأقلّ و الأكثر

2

-

3

مقدّمة

قد عرفت في بحث الشكّ في التكليف: أنّ الشكّ مجرى البراءة (1)، و في مباحث الاشتغال: أنّ القاعدة تقتضي الاحتياط في موارد الشكّ في المكلّف به‏ (2)، و إنّما الكلام هنا- و هو باب الأقلّ و الأكثر دون المتباينين- في أنّ الشكّ فيه من الشكّ في التكليف، لا المكلّف به كما أفاده في «الدرر» (3) و الأمر سهل.

و بالجملة: ليس هنا بحث كبرويّ؛ لتمامية الكبرى في البابين السابقين، و إنّما هو حول صغرى المسألة، و لذلك يتصدّى القائلون بالبراءة إلى إرجاع الشكّ هنا إلى التكليف، و الاحتياطيّون إلى العكس؛ بمعنى أنّه لا تجري البراءة؛ لتنجّز التكليف و إن لم يكن أحيانا من الشكّ في المكلّف به، فما في كلام العلّامة الأراكيّ من كون المسألة دائما من الشكّ في المكلّف به‏ (4)، في غير محلّه، فليتدبّر.

و بالجملة: يستدعي التحقيق في بحوث الأقلّ و الأكثر تقديم بعض امور وجيزة:

____________

(1)- تقدّم في الجزء السابع: 3- 5.

(2)- تقدّم في الجزء السابع: 303- 307.

(3)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 474.

(4)- نهاية الأفكار 3: 374 و 375.

4

أحدها: في الفرق بين هذه المسألة و مسائل الأسباب و المحصّلات‏

أنّ الجهة المبحوث عنها في الأقلّ و الأكثر، غير الجهة المبحوث عنها في مسائل الأسباب و المحصّلات، و ليست هي من موارد الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين، أو الارتباطيّين؛ لإمكان كون المأمور به هناك أمرا بسيطا، و المحصّل أيضا بسيطا، و جهالة المكلّف لا توجب كون الواقع من الأقلّ و الأكثر، بخلاف ما نحن فيه و ما هو باب المركّبات و المقيّدات. بل المقيّدات أيضا بحث آخر و مسألة أخرى ملاكا و اعتبارا و قولا و دليلا.

و أمّا تصوير المراتب في البسائط الاعتباريّة، و تصوير الأشدّ و الأضعف و أفعل التفضيل في مطلق الاعتباريّات، فهو و إن كان ممكنا، إلّا أنّ متعلّق الأوامر و النواهي غير ممكن أن يكون كذلك، إلّا برجوعه إلى الأقلّ و الأكثر بمعناه الرائج في المركّبات.

نعم، تجوز دعوى: أنّ المركّبات كلّها تكون كذلك، كما عليه بعض الأساطين (رحمه اللَّه) و المسألة تطلب من محالّ اخر (1)؛ لقلّة ثمراتها هنا.

ثانيها: في المراد من «الأقلّ»

إنّما المراد من «الأقلّ» ما هو غير القابل لأن يتحقّق و يمتثل به الأمر أو النهي بدون الأكثر؛ سواء كان أقل طبيعيّا، أو اعتباريّا، فما قد يتخيّل من أنّ الأقلّ، البشرط كذا، و اللابشرط كذا (2)، مجرّد توهّم كما هو المعلوم. و قد توهّم ذلك في باب التخيير

____________

(1)- لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 1: 21.

(2)- كفاية الاصول: 175- 176، نهاية الأفكار 3: 373، نهاية النهاية 2: 137.

5

بين الأقلّ و الأكثر في قبال من أدعى امتناعه‏ (1)، فلا تغفل.

و غير خفيّ: أنّ انطباق عنوان الأقلّ و الأكثر على المشروط و المطلق بالنسبة إلى المقيّد، بضرب من المسامحة، و لذلك ليس الخلاف في مسألة الشكّ في المطلق و المقيّد، على نعت الخلاف في الأقلّ و الأكثر الطبيعيّين الاعتباريّين، كالصلاة و أمثالها.

ثالثها: في أنحاء الأقلّ و الأكثر

يتصوّر الأقلّ و الأكثر في متعلّق الحكم، و متعلّق المتعلّق المعبّر عنه ب «الموضوع» أحيانا.

و على كلّ تقدير: إمّا يكونان مستقلّين، أو ارتباطيّين.

و على كلّ: إمّا في الشبهة الوجوبيّة، أو التحريميّة على أقسام مناشئها، مع خصوصيّة في صورة كون المنشأ تعارض النصوص، فلا تغفل.

و الأقلّ و الأكثر بمعناهما الشامل للمطلق و المقيّد، أعمّ من أن يكون المركّب ذا أجزاء تحليليّة، أو خارجيّة؛ فإنّ الصلاة بالقياس إلى السورة مركّب ذو أجزاء خارجيّة، و بالقياس إلى الطهور و الاستقبال ذو أجزاء تحليليّة عقليّة، كالإيمان بالقياس إلى الرقبة، سواء كان منشأ هذه الأجزاء امورا مباينة الوجود، كالمثال الأوّل، أو متّحد الوجود، كالمثال الثاني، و كالموالاة و الترتيب في مثل الصلاة أيضا.

إذا تبيّنت هذه الامور، فالكلام يتمّ في طيّ بحوث هي الأهمّ:

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 235.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

البحث الأوّل: في الشبهة التحريميّة من الأقلّ و الأكثر

و فيها تجري البراءة في صورة دوران الأمر بين المطلق و المقيّد، فإنّ المعلوم حرمته هو المقيّد، و المطلق مشكوك تجري فيه البراءة. و لا وجه لتخيّل الاحتياط المحتمل في الصورة الثانية، فإنّ الغناء المردّد مفهومه بين امور- ربّما تبلغ الأقوال فيها إلى الأربعين- يكون من المجمل المعلوم حرمة الأكثر؛ أي الجامع للقيود المحتملة، و ليس نسبة الفاقد إلى الجامع، كنسبة الأقلّ في الشبهة الوجوبيّة من المركّبات الخارجيّة إلى الأكثر، حتّى يحتمل تماميّة الحجّة بالنسبة إليه؛ و تعلّق النهي الضمنيّ به مثلا.

بقي شي‏ء: في بيان المثال لهذه الشبهة

إنّ من أمثلة الأقلّ و الأكثر من الشبهة التحريميّة؛ هو تردّد حرمة حلق اللحية بين كونها متعلّقة بالمجموع، أو بكلّ جزء منها. و في الحقيقة هذا هو المثال لها؛ لكونه من المركّب ذي الأجزاء، كالمركّبات الاخر، و يكون مصبّ الأقلّ و الأكثر متعلّق المتعلّق.

8

و مقتضى القول بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة- من ناحية تماميّة البيان بالنسبة إلى الأقلّ؛ لكونه إمّا واجبا نفسيّا، أو ضمنيّا، فيكون الأكثر مجرى البراءة- هو الاشتغال في المثال؛ ضرورة أنّ حلق بعض اللحية إمّا محرّم في نفسه، أو محرّم بتحريم ضمنيّ، فهو القدر المتيقّن، و تجري البراءة بالنسبة إلى الزائد، و عندئذ يلزم كون الأقلّ في الشبهة التحريميّة محرّما، و هو نفس طبيعيّ الحلق، في قبال الأكثر و هو حلق مجموع اللحية، خلافا لما هو المعروف: من أنّ الأكثر في الشبهة التحريميّة قطعيّ، و الأقلّ مجرى البراءة، عكس الشبهة الوجوبيّة.

و حيث إنّ الوجوب الضمنيّ من الأكاذيب و الممتنعات و إن كان يقول به الاستاذ العلّامة البروجرديّ (قدّس سرّه)(1) فالحرمة الضمنيّة مثله، و تصير النتيجة في صورة دوران الأمر بين العموم الاستغراقيّ و المجموعيّ: هي البراءة في الشبهة التحريميّة، و قد مرّ حكم الشبهة الوجوبيّة من هذه المسألة في موضع من الكتاب‏ (2)، فليراجع.

و أمّا وجه البراءة فهو واضح؛ ضرورة أنّ المجموع هو الأبعاض في لحاظ الاجتماع، فلو تردّد الأمر بين الأمرين المذكورين، يكون المصداق المقطوع به هو حلق المجموع، بخلاف حلق البعض، و لا حجّة تامّة عليه كما ترى.

و غير خفيّ: أنّ ما يأتي في الشبهة الوجوبيّة من تقريب البراءة من ناحية وجوب المقدّمة، يأتي هنا من ناحية حرمة المقدّمة، و ما يتوجّه إليه هناك يتوجّه إليه هنا، فليتدبّر.

____________

(1)- نهاية الاصول: 587- 589.

(2)- تقدّم في الجزء السابع: 208- 210.

9

البحث الثاني في موارد الدوران بين المطلق و المقيّد (*)

إذا شكّ في أنّ الواجب هل هو الطبيعيّ، أو هو مع الخصوصيّة؟ تكون البراءة محكّمة بالضرورة.

نعم، في بعض الأمثلة الخاصّة- سواء كان من الطبيعيّ و الحصّة، أم كان شبيها به- لا تجري البراءة؛ لحكم العرف بالتباين، و المتّبع في تشخيص ذلك هو العقلاء.

و من الغريب ذهاب بعضهم إلى الاشتغال‏ (1)؛ نظرا إلى حكم العرف بأنّ الإنسان و الحيوان متباينان!! فإنّه و لو صحّ في موقف، و لكنّه ليس سندا للاستنتاج الكلّي.

و لو تردّد بين وجوب إكرام الإنسان أو زيد في نذر و شبهه، أو تردّد في تعيّن الأخذ بفتوى من قلّده، أو جواز الأخذ بفتوى كلّ أحد، فربّما يشكل؛ لأنّه من ناحية أنّ زيدا هو الإنسان و الخصوصيّة، مجرى البراءة، و هكذا في المثال الثاني.

____________

(*)- الأولى جعل البحث المذكور مسألة مستقلّة أجنبيّة عن بحث الأقلّ و الأكثر، كالأسباب و المحصّلات، كما يأتي تتمّة إن شاء اللّه تعالى [منه (قدّس سرّه)‏].

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 208.

10

و من جهة أنّ تحليل زيد إلى الإنسان و الخصوصيّة، تحليل غير عرفيّ، و أنّ في موارد الشكّ في جواز الأخذ بالفتوى يتعيّن المقيّد؛ لرجوعه إلى القطع بعدم الجواز.

و حيث إنّ المسألة تندرج في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير في لحاظ، و قد مرّ تفصيله‏ (1)، فمن شاء فليراجع- بالنسبة إلى المسألة الثانية- محلّها.

و أمّا بالنسبة إلى المثال الأوّل، فيتوجّه إلى تقريب الاشتغال: أنّه يلزم وجوب إكرام زيد و إنسان؛ نظرا إلى أنّه في مرحلة الامتثال، لو كان الاكتفاء بإكرام زيد كافيا؛ بدعوى: أنّه القدر المتيقّن، فلازمه فهم العقلاء و العرف الطبيعيّ و الخصوصيّة المتّحدة معه، و تصير النتيجة عندئذ هي البراءة في مقام التعلّق و التكليف.

و دعوى: أنّ العرف سند في تشخيص المفاهيم، و لا سنديّة له في مرحلة الامتثال‏ (2)، غير مسموعة في مثل المقام المتوقّف على الصدق.

و توهّم: أنّ التطبيق شأن العقل، كما عليه العلّامة الخراسانيّ في مورد من بحوثه‏ (3)، و تبعه العلّامة النائينيّ (رحمه اللَّه)(4) في غير محلّه، كما تحرّر بتفصيل في مقامه.

نعم، هنا وجه للاشتغال من غير أن يتوجّه إليه الإشكال المذكور: و هو أنّ المتّبع عند العقلاء هو المحدود المنشأ، دون التحليلات العقليّة، و إذا وجب إكرام زيد أو الإنسان أو إكرام إنسان أو الحيوان، لا يكون الإنشاء إلّا متعلّقا بعنوان واحد عرفيّ بسيط عقلائيّ. و إرجاعه إلى أنّ الواجب هو الجنس و الخصوصيّة الفصليّة أو الخصوصيّة الفرديّة، بل و الخصوصيّة العرضيّة، أيضا غير جائز؛ لأنّ الوجوب الثابت‏

____________

(1)- تقدّم في الجزء السابع: 238.

(2)- أجود التقريرات 1: 49 و 85.

(3)- كفاية الاصول: 77.

(4)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 574، أجود التقريرات 1: 85.

11

شرعا غير متعلّق به، و عندئذ لا بدّ من الاحتياط في مثل هذه الموارد التي يتردّد الأمر بين العنوانين البسيطين عرفا، و إلّا فلو شكّ في أنّ الواجب هو الحيوان الناطق أم الحيوان، أو الإنسان أو الإنسان العالم، أو الإنسان الموجود في ضمن زيد أو مطلقه- بمعنى أنّ محطّ الإنشاء هو العنوان المذكور، أم المقيّد بقيد الزيديّة- فإنّه لا مجال لتوهّم الاشتغال.

بقي تنبيه: فيما يتوجّه إلى المحققين الآخند و النائيني و العراقي رحمهم اللّه‏

لا يكاد ينقضي تعجّبي من مقالات «الكفاية» (1) و العلّامة الأراكيّ (رحمه اللَّه)(2) و من دونهما في المقام‏ (3).

و توهّم: أنّ مقصودهم من البحث في هذه المسألة ما يجول حول هذه الأمثلة، في غير محلّه؛ لتصريحه في «الكفاية» بأنّ الصلاة المشروطة غير الصلاة بلا شرط في الخارج، فكيف يكون المباين سببا لسقوط الأمر عن المباين‏ (4)؟!

و أنت خبير بما فيه حسب الموازين العقليّة، مع أنّ القدر الثابت حسب العلم هو الأمر المتعلّق بطبيعيّ الصلاة، فلا يكون المباين سببا للسقوط.

نعم، الشكّ في حصول الامتثال دائما في مطلق الموارد، مسبّب عن الشكّ في حدود المجعول، فإذا ثبت أنّ الحجّة لا تقوم إلّا على ذات المشروط، فكلّ فرد تحقّق ليس مباينا لما ثبتت الحجّة عليه، فاغتنم.

و ما في تقريرات العلّامة الأراكيّ أيضا يرجع إليه‏ (5)، و تصير النتيجة على هذا

____________

(1)- كفاية الاصول: 417.

(2)- مقالات الاصول 2: 97 و 100- 101.

(3)- حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 259- 261.

(4)- كفاية الاصول: 417.

(5)- نهاية الأفكار 3: 397- 398.

12

محكّمية البراءات الثلاث: العقليّة، و العقلائيّة، و الشرعيّة بالضرورة القطعيّة، إلّا في موارد خاصّة على التقريب المذكور.

و من الغريب ما في كلام العلّامة النائينيّ (رحمه اللَّه) من التزامه بالاشتغال في مورد دوران الأمر بين الجنس و غيره؛ نظرا إلى أنّ الجنس لمكان عدم تحصّله لا بدّ و أن يكون في طيّ فصل، فتندرج المسألة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير (1)، فأطال الكلام حوله هو و تلميذه‏ (2)!! و قد تحقّق أمر المسألة منّا سابقا (3).

و يتوجّه إلى المقيس: أنّ النوع أيضا لا تحصّل له إلّا بالوجود. بل الفصول أنحاء الوجودات على وجه حرّرناه في «قواعدنا الحكميّة» (4) فالخلط بين ما لا يكونون أهله، و بين الامور العرفيّة و الشرعيّة، بعيد عن الصواب، و المرجع عندئذ هو العرف، و ملاحظة مصبّ الأمر و النهي، و كفاية بلوغ المولى إلى مأموله في مورد الأمر بالجنس، أو الاعتباريّ، أو بشي‏ء انتزاعيّ، فإنّه أيضا جائز، مع أنّ الخارج ظرف نفسها، لا وجودها، فإذا جاز مثله في الأخيرين بالضرورة، فكيف بالجنس الذي هو يعتبر عن المادّة اللابشرط الخارجيّة حسبما حرّرناه؟! فاغتنم.

إعادة و تحصيل‏

قد تبيّن في موارد الدوران بين المطلق و المقيّد: أنّ محطّ النزاع هو الشكّ في أنّ محطّ الأمر هو المطلق، أو المقيّد؛ من غير رجوعه إلى الدوران بين التعيين و التخيير؛ فإنّ في المسألة الثانية يكون الدوران حول التخيير الشرعيّ، و فيما نحن‏

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 207- 208.

(2)- منتهى الاصول 2: 323- 324.

(3)- تقدّم في الجزء السابع: 238.

(4)- القواعد الحكمية للمؤلف (قدّس سرّه) (مفقودة).

13

فيه يكون حول التخيير العقليّ. و إرجاع التخيير الشرعيّ إلى العقليّ- كما عليه جمع- موكول إلى المجلّد الأوّل، و تحرر تحقيقه‏ (1)؛ و أنّه لا يرجع إيجابات التخيير الشرعيّة إلى العقليّة.

ففيما نحن فيه يكون الحكم هي البراءة؛ سواء كان المطلق و المقيّد من قبيل الجنس و النوع، أو النوع و الحصّة، أو الموضوع و العرض اللازم، كالهاشميّة و القرشيّة، أو غير اللازم؛ لأنّ مناط البراءة و الاشتغال ملاحظة مصبّ الأمر، و سقوط الأمر و الامتثال تابع لكيفيّة الأمر الثابت عقلا.

نعم، في موارد المطلق و المقيّد العنوانيّين، تكون البراءة الشرعيّة و العقليّة واضحة، و أمّا في موارد المطلق و المقيّد الخارجيّين، فربّما تختلف الأمثلة، كمثال التردّد بين زيد و الحيوان، أو زيد و الإنسان؛ لمكان ما عرفت من ثبوت الإنشاء و تعلّقه بالنسبة إلى أحدهما، و عدم رجوع المنشأ إلى شي‏ء و زيادة مشكوكة عرفا، ففي كلّ مورد كان الأمر كذلك لا بدّ من الاحتياط، لا بتكرار العمل خارجا. و يصحّ الاكتفاء بعتق زيد في مورد الدوران بين كونه واجب العتق أو الإنسان.

و أمّا في مثال النوع و الحصّة، كالبقرة أو البقرة الحجازيّة في الكفّارات، أو مثال الجنس و النوع، كالحيوان أو البقرة، فلا يبعد كون محطّ الإنسان بحسب تحليل عرفيّ أيضا نفس الطبيعة، و المشكوك فيه هي خصوصيّة البقريّة، فتأمّل جيّدا.

____________

(1)- تقدّم في الجزء السابع: 7.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

البحث الثالث في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين‏

و هما غير الارتباطيّين؛ ضرورة أنّ الاستقلاليّ مخصوص بتكاليف متعدّدة، و ملاكات عديدة، و إطاعات و عقابات؛ حسبما هو المشهور عنهم‏ (1)، بخلاف الارتباطيّ، و إن الحكم عند الكلّ فيه البراءة؛ لكونه ليس من الأقلّ و الأكثر، لأنّ الأقلّ معلوم التكليف ذاتا، و الأكثر مشكوك، فعدّه منه بضرب من المسامحة.

و هذا من غير فرق بين الاستقلاليّ في الواجبات، كالدين و الصلوات القضائيّة و الصيام و أمثال ذلك، أو في المحرّمات، كخطوات المجاز بالمسجدين، فإنّ الأقلّ محرّم على حدة، و هكذا الأكثر، و كساعات المكث في المسجد و هكذا.

أقول: في كلا النظرين مناقشة:

أمّا في النظر الأوّل: فإنّ المديون إذا كان دينه ألف دينار، و كان التكليف كثيرا، فهل تلك الكثرة تكون إلى حدّ خاصّ، أم هي غير متناهية؟

و على كلّ تقدير: يستوحش أذهان المسلمين من عقابات كثيرة بالنسبة إلى دين الدينار الواحد؛ حسب أجزائه المتعارفة كالفلس، فضلا عن الأعشار

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 373، منتهى الاصول 2: 303.

16

و المشاعات الأعداديّة، كالثلث و النصف.

فما اشتهر من التكاليف الكثيرة و الملاكات و الإطاعات و العقاب‏ (1)، غير صحيح قطعا، بل هناك عنوان واحد و هو «الدين» و يجب أداء الدين، من غير سراية الأمر منه إلى الدراهم و الدنانير، فلو غصب دينارا و أتلفه، فعليه ردّ دينار، فلو ردّ بعضه لم يؤدّ دينه، و لا يمتثل إلّا بعد أداء مجموع الدين، و إذا أدّى بعضه دون بعض يستحقّ على ترك الواجب الواحد؛ و هو أداء الدين.

نعم، أداء بعض الدين صحيح، و لكنّه ليس عملا بالوظيفة الشرعيّة ظاهرا.

و حديث تخفيف العذاب أجنبيّ عن حديث الامتثال و العصيان.

بل لو غصب دينارا آخر من ذلك المغصوب منه، تشتغل ذمّته بدينارين، و يجب عليه أداء الدين، و لا يتوجّه إليه الأمر الجديد، و إنّما التوسعة فيما يدان به، و أمّا مفهوم «الدين» فهو غير متّسع، و إنّما يبقى الأمر إلى أن تفرغ الذمّة من الدينارين المعتبرين دينا، و لا يعقل تعدّد الأمر كما لا يخفى.

و الذي هو الحقّ في باب قضاء الصلوات: أنّ من فاتته صلاة أو صلوات كثيرة، لا فارق بينهما إلّا بأنّ الأوّل يسقط أمر القضاء المتوجّه إليه بأداء صلاة، و الآخر بأداء صلوات، و إلّا فلا تتوجّه إليه الأوامر الكثيرة، و إلّا يلزم أن ينوي خصوصيّة يوم الفوت؛ لامتناع الأوامر الكثيرة إلّا باعتبار قيد في المأمور به، فليتأمّل.

و بالجملة: لو سلّمنا إمكان حلّ الجهة الأخيرة كما أوضحناه في محلّه‏ (2)، لا تكون الأدلّة إلّا متكفّلة لإيجاب قضاء الفائت، فلو أزاد الفائت- كما ازداد الدين- لا يتكثّر الأمر، و إنّما تشتغل الذمّة بما لا يخلص منه إلّا بإتيان مجموع الفوائت فما

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 373، حقائق الاصول 2: 313، تهذيب الاصول 2: 321.

(2)- لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الصوم: 73 و ما بعدها.

17

هو مصبّ الأمر ذاتا هو عنوان «القضاء».

و الأمر كذلك في الاستئجار على الكثير من التوصّليات و التعبّديات، فإنّ ما يجب على الأجير شي‏ء واحد، و الأمر تعلّق به كما ترى. و هذا عندي في باب قضاء الفوائت بلا إشكال، و لازمه قصد القضاء عند أداء الفوائت، كما عليه الجلّ‏ (1).

نعم، في بعض الصور تكفي النيّة الموجودة؛ لعدم انطباق المنويّ إلّا على ما هو المأمور به أداء كان، أو قضاء، كما في موارد تخيّل بقاء الوقت.

و ما ذكرناه من الاستيحاش في المثال الأوّل، لا يتوجّه إلى المثال الثاني كما هو الواضح. و للمسألة الثانية موقف آخر في الفقه؛ بل الاولى، و إنّما النظر الإشارة إلى ما ظنّه القوم هنا، فاغتنم.

و أمّا المناقشة في النظر الثاني: فهي أنّ مقتضى الشكّ في الزائد هي البراءة.

و لكن يناقش فيه:

أوّلا: أنّه على ما أسّسناه تشبه المسألة بباب المحصّلات‏ (2)، و المرجع هناك الاشتغال في المحصّلات العرفيّة و العقليّة؛ فإنّ الدين يعتبر على المديون باعتبار أمر آخر، فيكون انتزاعيّا عن منشأ، و ليس الواجب ردّ الدينارين؛ لما لا دليل عليه، بل الموجود في الأدلّة ردّ الدين و أدائه، و هكذا في القضاء.

و لأجل ذلك ذهب المشهور في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين في الصلوات إلى وجوب الأكثر (3)، و هذا يشهد على أنّ التخلّف عن المشهور في الشريعة مشكل؛ لاستنادهم إلى ما يخفى على المدقّقين و المحقّقين، فضلا عن الفضلاء المعاصرين،

____________

(1)- شرائع الإسلام 1: 68، تذكرة الفقهاء 3: 101، الدروس الشرعية 1: 166، جواهر الكلام 9: 164.

(2)- يأتي في الصفحة 59 و ما بعدها.

(3)- شرائع الإسلام 1: 112، مستند الشيعة 7: 307.

18

و قد تشبّثوا لحلّ هذه المشكلة بوجوه رديئة (1).

و ثانيا: لو فرضنا أنّ الواجب في مثل الدين هو عنوان «الدين» المتّحد مع الدينارين، و لذلك يعتبرون وجوب أداء الدين مريدين به ردّ التالف، فالبراءة في ظرف محكّمة؛ و هو ظرف الشكّ في وجوب الأكثر، و أمّا إذا أدّى الأقلّ فيبقى استصحاب بقاء الدين محكّما. و هذا الاستصحاب يوجد شكّه بعد أداء الأقلّ، ففي رتبة البراءة ليس شكّ استصحابيّ، و في رتبة الاستصحاب لا يمكن تقدّمها عليه و رفع شكّه؛ لعدم لسان للبراءة كما هو الواضح.

و نتيجة استصحاب اشتغال الذمّة، وجوب ردّ مقدار يطمئنّ بالأداء، كي ينقض اليقين باليقين الآخر.

و توهّم: أنّه لا مصداق للبراءة ثانيا بعد أداء الأقلّ، كي يكون الاستصحاب حاكما عليه، في غير محلّه؛ لأنّه قد مرّ انحلال الأدلّة و القواعد حسب وجود الشكّ و موضوعاتها عند الحاجة إليها، و الأمر هنا كذلك. و لا لغويّة؛ لأنّها في الإطلاق دون الذات، و الممنوع هو الثاني دون الأوّل.

نعم، لو قلنا: إنّ الدين ليس إلّا العنوان التالف و هو الدينار، فيشكل الاستصحاب. بل يمنع.

اللهمّ إلّا أن يستصحب اشتغال الذمّة بالفلوس، فلا تذهل.

____________

(1)- مستند الشيعة 7: 308- 311، مستمسك العروة الوثقى 7: 83- 84.

19

البحث الرابع في الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين من المركّبات الخارجيّة

أي التي تكون ذوات الأجزاء العينيّة، كالحجّ، و الصلوات، و الاعتكاف، و غير ذلك. و قد اختلفت الأقوال و الآراء براءة و اشتغالا إلى ثلاثة.

ثالثها: جريان العقليّة دون الشرعيّة.

رابعها: عكسه، كما يأتي وجهه‏ (1)، و مضى في موضع من الكتاب بعض البحث حوله‏ (2).

و غير خفيّ: أنّ القول بالبراءة العقليّة لا يحتاج إلى تمهيد المقدّمات العديدة، و طيّ المراحل الستّ و الخمس، كما ترى في كتب الأصحاب رحمهم اللّه‏ (3) ضرورة أنّه إذا لم يثبت الاشتغال، و لم تتمّ الحجّة عليه، يكفي هو للبراءة؛ لأنّ عدم تماميّة الاشتغال‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 49.

(2)- تقدّم في الجزء الرابع: 28- 29.

(3)- نهاية الأفكار 3: 375- 382، تهذيب الاصول 2: 323- 326، أنوار الهداية 2: 279- 282.

20

يلازم عدم تماميّة البيان، فتجري طبعا البراءة العقليّة.

و توهّم كفاية الاحتمال للاشتغال و لزوم الاحتياط و لو كان صحيحا، إلّا أنّه دائم الوجود مع البراءة العقليّة. مع أنّه غير خال من المناقشة؛ لكفاية الاحتمال المنجّز بيانا، فكيف تجري البراءة العقليّة؟! أو كفايته للخروج عن جزافيّة العقاب، فمع احتمال العقاب لا يتنجّز الواقع بلا حجّة كما تحرّر، فلا تخلط.

و بالجملة: لو شكّ في أنّ في الأقلّ و الأكثر يكون الحكم منجّزا، أم لا، لاختلاف الوجوه الناهضة، يتمّ القول بالبراءة في هذه المسألة بالضرورة.

فالمهمّ في المسألة هو الفحص عمّا يمكن أن يعدّ وجها للاحتياط، ثمّ إرداف المسألة بما هو التحقيق في بساط المركّبات الاختراعيّة التأليفيّة؛ كي يتّضح مغزى المرام في المقام.

الوجوه المستند إليها لتقريب الاشتغال‏

فنقول: ما يمكن أن يصير وجها للاشتغال وجوه، نشير إليها مع رعاية الإيجاز و الاختصار:

الوجه الأوّل: نسب إلى العلّامة المحشّي على «المعالم» (رحمه اللَّه): أنّ في جميع الأحيان يرجع الشكّ في الأقلّ و الأكثر إلى المتباينين‏ (1)، و النتيجة هي الاحتياط؛ و ذلك لأنّ ما هو المقسم لتقسيم الماهيّات، هي الماهيّة اللابشرط المقسميّ، و هي لا تعقل أن تكون متعلّق الأمر أو النهي، بل هي مجرّد تحليل عقليّ و تجريد نفسيّ، و ما هو مصبّ الأمر هو اللابشرط القسميّ، أو بشرط لا، أو بشرط شي‏ء، و كلّها متباينات. و الضرورة تقضي بأنّ المخترع إمّا يعتبر الاستعاذة، أو لا يعتبر، و هذا

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 152- 153، أجود التقريرات 2: 286.

21

معنى ملاحظة اختراعه بشرط شي‏ء أو لا بشرط، و على كلّ لا تجري البراءة (1)، انتهى بإضافة منّا كي يصبح التقريب تامّا.

و أنت خبير: بأنّ اللابشرطيّة لو كانت شيئا في تقسيم الماهيّات، يلزم كونها بشرط شي‏ء، فتتداخل الأقسام، فالفرق بين اللابشرط المقسميّ و القسميّ ليس إلّا مجرّد اعتبار، و ما هو الخارجيّ عند المحقّقين و متعلّق الأمر؛ هو نفس الطبيعة خالية عن أيّ نظر. و لو كان المنظور في اللابشرط القسميّ هي اللابشرطيّة الواقعيّة، فهو قسم في مرحلة التقسيم، و عين المقسم في مرحلة الواقع و الخارج، و تفصيل المسألة يطلب من الكتب العقليّة (2)، لا الاصوليّة.

و بالنتيجة مصبّ الأمر و لو كان اللابشرط القسميّ، إلّا أنّ ما هو الواقع هو المقسميّ؛ فإنّ الصورة الاولى هي اللابشرط الواقعيّ القسميّ باعتبار و المقسميّ، و الوجود هو أيضا لا بشرط مقسميّ، و تسمّى باعتبارين، و ما هو الواقع هو المقسميّ، إلّا أنّ ضرورة التقسيم دعت إلى هذا الاعتبار، كما لا يخفى.

الوجه الثاني: مذكور في «تهذيب» الوالد المحقّق- مدّ ظلّه- و هو يرجع إلى الأوّل‏ (3)، كما أنّ حديث لزوم الاحتياط بالتكرار أيضا، يتوجّه إلى المحقّق المحشّي (قدّس سرّه).

الوجه الثالث: أنّ ترك الأقلّ ممّا لا يكون عليه العقاب بما هو ترك الأقلّ؛ لكونه مردّدا بين النفسيّ الأصليّ المترتّب على تركه العقاب، و ما لا يترتّب على تركه العقاب، فلا بدّ من ضمّ الأكثر، و هذا يشهد على عدم انحلال العلم بوجوب‏

____________

(1)- هداية المسترشدين: 449/ السطر 19 و ما بعدها.

(2)- الحكمة المتعالية 2: 16- 22، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 95.

(3)- تهذيب الاصول 2: 331.

22

الأقلّ أو الأكثر بمثله‏ (1).

و هذا في غاية الوهن؛ فإنّ بترك الأقلّ يترك الكلّ؛ سواء كان الأقلّ، أو الأكثر، فكيف لا يستحقّ به العقاب؟!

الوجه الرابع: ما عن المحقّق المحشّي (رحمه اللَّه) السابق، و قد تصدّى أيضا لإثبات كون الأقلّ و الأكثر طبيعتين وجوديّتين غير مندرجة إحداهما في الاخرى، فعندئذ لا ينحلّ العلم الإجماليّ‏ (2).

و فيه: مضافا إلى لزوم تكرار الصلاة كما لا يخفى- أنّ الأقلّ على تقدير كونه مصبّ الحكم ليس مندرجا، و أمّا على تقدير كون الأكثر مصبّ الحكم، فهو فإن في الأكثر بالضرورة، و عندئذ له أن يقول كما قال: بأنّ العلم التفصيليّ بالوجوب للأقلّ الأعمّ من النفسيّ و التبعيّ، لا يكفي لحلّ العلم الإجماليّ، و سيظهر حاله. و هذا هو الكلام المتين في جملة ما نسب إليه (رحمه اللَّه).

الوجه الخامس: ما في «الرسائل» ببيان منّي‏ (3)، و أمّا ما في «الرسائل» فلضعفه الواضح لا نطيل الكلام حوله: و هو أنّ مقتضى العلم الإجماليّ، انكشاف ما لا يرضى الشرع بتركه، و استكشاف المحبوب الإلزاميّ للمولى، و لا شبهة في أنّ العقل حاكم بلزوم القيام طبق المحبوب الإلزاميّ، و الانزجار عن المبغوض، و إن لم يقم عليه أمر لفظيّ أو نهي بالضرورة، و على هذا لا بدّ من الإتيان بالأكثر؛ كي يتبيّن له العمل بالوظيفة المستكشفة بالأمر المردّد متعلّقه، و لا حاجة إلى حديث «أنّ الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة» (4) و لا إلى مسائل المصالح‏

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 473. أنوار الهداية 2: 289.

(2)- هداية المسترشدين: 449/ السطر 19- 32.

(3)- فرائد الاصول 2: 461.

(4)- نفس المصدر.

23

و المفاسد، كما لا يخفى.

و توهّم: أنّ الاستكشاف غير ممكن؛ لاحتمال كون المحبوب شيئا آخر، في غير محلّه؛ لأنّه مضافا إلى المناقشة الصغرويّة؛ لإمكان قطع المكلّف بعدم مدخليّة شي‏ء آخر في محبوبيّة المركّب، أنّ الظواهر العقلائيّة تشهد على ذلك، و لأجله قام دأب الفقهاء على إسناد محبوبيّة المكلّف به إلى المولى، و إفتائهم على طبق الأمر، مع أنّ الإفتاء إخبار عن الواقع؛ لقيام الطريق العقلائيّ عليه، فليتدبّر.

و بالجملة: تقريبنا حول هذا الوجه أحسن و أدقّ و أخلى من الإشكالات من التقريبين في «الرسائل» مع ما فيهما من الإشكالات.

و الذي يتوجّه إليه، و ربّما ينفعك لحلّ التقريبين أيضا: هو أنّ الشرع في توجيه التكاليف، كما يلاحظ جانب المحبوب الإلزاميّ و المبغوض، يلاحظ جانب التسهيل على العباد، و يقتضي هذا اللحاظ إمّا التوسعة بذكر الأدلّة الدالّة عليها، أو التوسعة بسكوته عمّا لا يسكت عنه نسيانا.

فعندئذ إذا علمنا المحبوب الإلزاميّ على كلّ تقدير، فالواجب هو الاحتياط، من غير أن تصرف الأوامر من المتعلّقات إلى ما هو المحبوب الذي هو وراؤها، و من غير كونه في مرحلة الإنشاء قيدا أو شرطا و مصبّا له، كي يتوجّه إليه ما يتوجّه إلى التقريبين.

و أمّا إذا علمنا في الأقلّ و الأكثر: أنّ له المحبوب الإلزاميّ المراعى في جانبه التسهيل أحيانا، ففي صورة انتراكه بترك الأكثر لا عقوبة و لا مؤاخذة؛ لما لا حجّة على المحبوب الإلزاميّ المطلق، فما هو المحبوب الإلزاميّ المنجّز غير مستكشف؛ ضرورة أنّه إن كان قائما بالأقلّ ففيه رعاية المحبوب الإلزاميّ و رعاية التسهيل، فاجتمعتا فيه، فلا بدّ من الإتيان به، و إن كان قائما بالأكثر فلم تجتمع الجهتان، فلا وجه لإيجابه بعد الجهل بالتعلّق.

24

و توهّم: أنّه لا بدّ و أن ندري بأنّه لاحظ التسهيل بالسكوت عن الأكثر، و لو احتملنا أنّه لم يلاحظ؛ لأهمّية الجهات الذاتيّة من العرضيّة، إلّا أنّ الدليل على الأكثر لم يبلغ إلينا، غير كاف على تقريبنا، و يتوجّه إلى ما أورد على التقريبين؛ و ذلك لأنّ في صورة احتمال وجود رعاية التسهيل و التوسعة بعدم إيجاب الأكثر، لا طريق إلى المحبوب الإلزاميّ على كلّ تقدير بالضرورة، و تصير النتيجة أنّ الشرع قد انصرف عن محبوبه الإلزاميّ و الجهات الذاتيّة؛ نظرا إلى تلك الجهات العرضيّة الراجعة إلى أمور أهمّ جدّا.

الوجه السادس: ما عن «الفصول» و ارتضاه العلّامة النائينيّ (رحمه اللَّه)(1) و هو ببيان تلخيصيّ منّا: أنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة، و فيما نحن فيه الاشتغال اليقينيّ بالأقلّ ثابت؛ سواء قلنا: بأنّه نفسيّ على كلّ تقدير، أو قلنا بدورانه بين النفسيّة، و بين الضمنيّة و الغيريّة و التبعيّة و العقليّة، و الجزء الزائد المشكوك فيه محكوم بالبراءة في حدّ ذاته، و أمّا بالنظر إلى أنّه لا يحصل العلم بالفراغ إلّا بإتيانه، فيجب تحصيله‏ (2).

و الإشكال: بأنّ ما هو مجرى البراءة العقليّة، معناه أنّ العقاب على ترك الأقلّ لأجل ترك الجزء الارتباطيّ غير صحيح، فلازمه أنّ العقل لا يرى وجها لإيجاب الأكثر على الإطلاق.

يندفع بما أشير إليه: و هو أنّ الأمر و إن كان كذلك إذا نظرنا إلى الأقلّ المعلوم و الأكثر المشكوك فيه، و لكن قضيّة النظر الثاني هي وجوب الأكثر وجوبا مترشّحا من معلوميّة الأقلّ بالتفصيل، و مشكوكيّة الفراغ منه.

و بالجملة: مقتضى المحكيّ عن «الفصول» أنّه إن قلنا: بأنّ الأقلّ واجب‏

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 159- 161.

(2)- نهاية الأفكار 3: 387- 388، الفصول الغروية: 357/ السطر 11- 17.

25

نفسيّ على كلّ تقدير، فلا بدّ من العلم بالفراغ، و هو لا يحصل إلّا بالزائد و إن قلنا: إنّه واجب ملوّن بلون آخر غير النفسيّة، فالعلم الإجماليّ لا ينحلّ، فيلزم الأكثر فتدبر.

لا يقال: لا مجرى للقاعدة المشار إليها في مورد الشكّ في الفراغ المسبّب عن الشكّ في الاشتغال؛ ضرورة أنّه بعد درك العقل في الرتبة السابقة عدم الاشتغال، فالشكّ الناشئ عنه ليس مجرى القاعدة.

لأنّا نقول: هذا ما في كلام العلّامة الأراكيّ (رحمه اللَّه)(1) إلّا أنّه يندفع: بأنّ الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة الشرعيّة دون العقليّة؛ ضرورة أنّ شأن العقل درك عدم الاستحقاق من ناحية ترك الأكثر، و يدرك الاستحقاق عند ترك الأقلّ، فإذا كان يدرك عدم تحقّق الأقلّ إلّا بالأكثر في صورة وجوب الأكثر، فيدرك لزوم الأكثر، فالفرار من المعلوم بالتفصيل غير معقول إلّا بامتثال ما هو المعلوم بالتفصيل، و هو الأقلّ المأتيّ به في ضمن الأكثر.

ففرق بين درك لزوم الأكثر؛ كي ينافي دركه البراءة منه، و بين دركه لزوم الأقلّ منضمّا مع الأكثر؛ كي يعلم بسقوط الأمر المعلوم المتوجّه إلى الأقلّ. و ممّا ذكرنا يظهر مواضع الخلل في كلمات القوم حول المناقشة في هذا التقريب‏ (2).

و الذي هو الأصل في الخدشة؛ أنّ قاعدة الاشتغال اليقينيّ مصبّها الامور المضمونة على الإنسان، و المعتبرة في الذمّة كالديون، فإنّه باعتبار ثبوتها في الذمّة يحتاج إلى العلم بالسقوط، و أمّا باب التكاليف التي لا تتجاوز عن البعث و الزجر و حدود الحجّة القائمة عليهما، فهو خارج عنها.

و لعمري، إنّه كثيرا ما يقع الخلط؛ و يقولون بالاشتغال في مواضع البراءة غفلة عن حقيقة الحال.

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 389.

(2)- أنوار الهداية 2: 295.

26

و بالجملة: العقل هنا تابع الحجّة القطعيّة، و لا شغل إلّا درك العقل بعد تماميّة الحجّة لزوم القيام بالوظيفة.

فعندئذ نقول: الحجّة قائمة على الأقلّ فقط، و لا حجّة بالنسبة إلى الأكثر، كما هو صريح كلامه (رحمه اللَّه)(1)، فعندئذ إذا قام بوظيفته المعلومة بالتفصيل و هو الأقلّ، فقد أتى بما عليه الحجّة، و ترك ما لا حجّة عليه. و إسراء اقتضاء ممّا قام عليه الحجّة إلى ما لم يقم عليه الحجّة، منوط بحديث اشتغال الذمّة بالأقلّ، و الشكّ في السقوط، و هذا من الأكاذيب القطعيّة في بحوث البراءة و الاشتغال، و إن كانت صحيحة في الجملة بدليل ثان شرعيّ؛ لآثار اخر فقهيّة.

و لذلك من يقول: بأنّ التكاليف امور اعتباريّة في الذمّة (2)، فلا بدّ إذا توجّه إلى لازمه أن يقول بالاشتغال، و لو لم يقل فهو لقصور فيه، كما لا يخفى.

الوجه السابع: ما أفاده صاحب «الكفاية»- عليه الرحمة-: و هو أنّ مقتضى كون الأقلّ واجبا على كلّ تقدير- بالوجوب النفسيّ، أو الغيريّ- هو تنجّز الأكثر؛ ضرورة أنّه لا يعقل التفكيك بين فرض فعليّة التكليف في ناحية الأقلّ، و عدم تنجّز الأكثر؛ لاستلزام تلك الفعلية تنجّزه، فالقول بانحلال العلم الإجماليّ يستلزم الخلف؛ لأنّ المفروض ذلك.

و بعبارة أخرى: كيف يكون العلم الإجماليّ موجبا للانحلال فيما نحن فيه، مع أنّ لازم الانحلال عدم الانحلال؟! ضرورة أنّ معنى انحلاله هو العلم التفصيليّ بالأقلّ، و هو لا يعقل إلّا مع كون الأكثر طرف العلم‏ (3).

و على كلّ تقدير: هناك يكون العلم منجّزا بالنسبة إلى الأقلّ و الأكثر:

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 388.

(2)- العروة الوثقى 2: 488، كتاب الحج، الفصل الثالث، المسألة 8.

(3)- كفاية الاصول: 413.

27

أمّا بالنسبة إلى الأقلّ؛ فهو لكونه إمّا واجبا في نفسه، أو لكونه واجبا في غيره.

و أمّا بالنسبة إلى الأكثر؛ فلأنّ تنجّز الأقلّ بذلك العلم التفصيليّ يستتبع تنجّز الأكثر، و لو صحّ جريان البراءة العقليّة بالنسبة إلى الأكثر، لصحّ بالنسبة إلى الأقلّ، فيلزم جواز المخالفة القطعيّة، فيعلم عدم جوازها مطلقا.

و ربّما يتخيّل: أنّ البراءة العقليّة عن الأكثر تجري؛ لأنّ العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ فرع فعليّة التكليف في ناحية الأكثر، دون تنجّزه‏ (1).

و فيه: أنّ العقل إذا كان يرى و يدرك ذلك التفرّع، فيرى و يدرك تماميّة الحجّة بالنسبة إلى الأكثر أيضا.

نعم، الشرع ربّما يفكّك بين الأمرين، كما في الصلاتين المترتّبتين المعلوم بطلان إحداهما، و كان الترتيب شرطا واقعيّا، فإنّه يعلم تفصيلا ببطلان الثانية، و لا يعقل صحّة الاولى واقعا؛ للزوم الشكّ في بطلان الثانية، و لكن تجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الاولى حسب الظاهر؛ لإمكان الالتزام به. و لولا القاعدة كان الأمر الأوّل أيضا منجّزا؛ لأنّ العلم التفصيليّ ببطلان الثانية محقّق على تقدير بطلان الاولى، فكيف تجري البراءة العقليّة بالنسبة إلى الاولى؟!

و غير خفيّ: أنّ المهمّ حلّ هذه المشكلة على القول بوجوب المقدّمة وجوبا من غير سنخ وجوب ذي المقدّمة، و إلّا فهو تصديق على المبنى، و لذا نجد أنّ كثيرا من الأعلام‏ (2)- و منهم الوالد- مدّ ظلّه‏ (3)- مذعنون بالمشكلة على المبنى.

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 158 و 159، أجود التقريرات 2: 289.

(2)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 156- 157، نهاية الأفكار 3:

386- 387، نهاية الدراية 4: 295.

(3)- أنوار الهداية 2: 297، تهذيب الاصول 2: 339- 340.

28

و قيل: «إنّه (قدّس سرّه) أيضا عدل عن هذا؛ لما قال في محلّه بعدم وجوب المقدّمات الداخليّة» (1).

و أيضا غير خفيّ: أنّ المشكلة كما تأتي على القول بالوجوب الغيريّ للأجزاء، تأتي على القول بالوجوب الضمنيّ؛ و ذلك لأنّ الوجوب الضمنيّ إمّا لا أصل له، كما إذا اريد منه الوجوب النفسيّ المنبسط على الأجزاء، و المقسّط حسب القطعات في المركّب.

و إمّا هو سنخ آخر يحصل من اعتبار الانضمام و التقيّد بالمعنى الحرفيّ بين الأجزاء، فيكون العلم الإجماليّ غير منحلّ به؛ للاختلاف السنخيّ بينه و بين المعلوم بالإجمال، و سيمرّ عليك إن شاء اللّه زيادة توضيح حول الوجوب الضمنيّ الواضح فساده، بل لا يتصوّر له معنى‏ (2).

أقول: في جميع أطراف العلم الإجماليّ إذا لم يكن منحلّا، يكون ارتكاب أحد الأطراف غير مستتبع للقطع باستحقاق العقاب، و إنّما يدرك العقل ذلك عند الإصابة، بخلاف ما إذا أدرك الاستحقاق قطعيّا في صورة ترك بعض الأطراف دون بعض، فإنّه يشهد على عدم وجود العلم الإجماليّ المنجّز.

و أنت خبير: بأنّ ترك الأقلّ يوجب القطع بالعقاب؛ أي باستحقاقه، دون الأكثر، فتكون المسألة خارجة عن موازين العلم الإجماليّ، فمن أتى بالصلاة و ترك الجزء يشكّ في الاستحقاق، و يكون العقاب عليه بلا بيان؛ لأنّ العلم الإجماليّ غير موجود على النحو المتعارف في موارده.

و ما في «الكفاية»: «من أنّ ترك الأقلّ لا يستوجب العقوبة إلّا لأجل تنجّز

____________

(1)- أنوار الهداية 2: 298، كفاية الاصول: 115- 116.

(2)- يأتي في الصفحة 36- 37.

29

الأكثر» (1) غير سديد؛ فإنّ المركّب ينعدم بانعدام جزء ما، و لا يستحقّ- في صورة الترك الكلّي- إلّا لأجل ترك المركّب من ناحية الأجزاء المعلومة، دون المجهولة.

و بالجملة: لا ينبغي الخلط بين حديث انحلال العلم الإجماليّ، و حديث تنجيزه، و ما نحن فيه لا يكون العلم منحلّا، و لكنّه لا يصلح للتنجيز.

و ما في كلام بعضهم: من أنّ الانحلال هنا إمّا وجدانا، أو تعبّدا و حكما، و كلاهما مفقودان في محلّه، إلّا أنّه لا حاجة إليه، كما هو كثير الدور في موارد العلم الإجماليّ اللاحق بالنسبة إلى أحد الأطراف المسبوق بالمنجّز، كما إذا علم إجمالا بحرمة الإناء الشرقيّ؛ لكونه مال الغير، أو حرمة الغربيّ؛ لكونه متنجّسا، فإنّه لمكان منجّزية الاحتمال في ناحية الإناء الشرقيّ، لا يورث التنجّز عندهم بالنسبة إلى الغربيّ، و هكذا في أشباهه. مع أنّ الانحلال ممنوع.

فعلى هذا، و لو كان العلم الإجماليّ المردّد بين الأقلّ و الأكثر، غير منحلّ بالتفصيليّ و الشكّ البدويّ؛ لمكان اختلاف وجوب الكلّ و الأجزاء الداخليّة، و لكنّه لا يورث الاشتغال، فاغتنم.

الوجه الثامن: أنّ التقرّب بالأقلّ غير ممكن، فلا تجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر في المركّبات العباديّة، بل الأقلّ مردّد بين كونه واجبا و محرّما (2).

و فيه: أنّ الحرمة تشريعيّة، و احتمال وجود الأمر النفسيّ يكفي لحصول القربة المعتبرة.

و يمكن دعوى: أنّ مقتضى الشهرة هو الاحتياط؛ لأنّ الامتثال عند المشهور هو الانبعاث عن الأمر، و هذا لا يمكن إلّا بعد إحرازه وجدانا أو تعبّدا (3)، فتأمّل.

____________

(1)- كفاية الاصول: 413.

(2)- فرائد الاصول 2: 463- 464.

(3)- جواهر الكلام 9: 155- 161، فرائد الاصول 1: 150- 151.

30

و في بعض الأخبار في كتاب الصوم ورد في ذيل رواية: «إنّا لا نفعل إلّا ما أمرنا» (1) فلا بدّ من وجود الأمر، و هو لا يحرز في الأقلّ، بخلاف الأكثر فتدبّر.

و جواز الاحتياط بالتكرار في موارد الجهالة المطلقة، لا يقتضي جوازه هنا، و لذلك استشكل حتى مع التمكّن من الاجتهاد و التقليد.

الوجه التاسع: البراءة و إن كانت جارية بالنسبة إلى الأكثر في حدّ ذاته، إلّا أنّ بعد الإتيان بالأقلّ هناك شكّ استصحابيّ يقتضي بقاء الوجوب المعلوم بالتفصيل.

و لست أقول: هناك وجوب كلّي متعلّق بالأقلّ، كي يقال: لا معنى للشكّ في بقائه؛ لكونه إمّا من استصحاب الفرد المردّد، أو من استصحاب الكلّي الانتزاعيّ غير المجعول، فلا يجري الأوّل؛ لجهة اختلال ركنه، و لا الثاني؛ لعدم تعلّق الجعل به و لو كان حقيقة الاستصحاب هو التعبّد بإيجاد المماثل، نظير الاستصحاب الحكميّ في موارد المتباينين من الشبهة الوجوبيّة، فإنّه إذا أتى بالظهر يشكّ في بقاء الحكم، فإنّه لا يجري:

أمّا الشخصيّ؛ فلضرورة أنّه دائر بين مقطوع الارتفاع، و هو الظهر، و مقطوع البقاء و هو الجمعة.

و أمّا الكلّي؛ فلأنّ الوجوب المنتزع من وجوب الظهر و الجمعة، ليس ذا أثر إلّا بفصله، و إبقاء الجامع في الشبهة الحكميّة غير الشبهة الموضوعيّة، فإنّ الكلّ و إن كان من القسم الثاني، إلّا أنّ الأوّل غير مجعول بذاته و غير مثمر، و الثاني يعتبر موضوعا للحكم، فإذا كان لدليله الإطلاق فلا بأس به عرفا، بل و عقلا، و تفصيله في تنبيهات الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى‏ (2).

و أمّا فيما نحن فيه، فيستصحب الحكم النفسيّ الثابت للأجزاء المعلومة

____________

(1)- وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصحّ منه الصوم، الباب 12، الحديث 5.

(2)- يأتي في الصفحة 454 و 502- 505.

31

بالتفصيل؛ لاحتمال بقائه حسب الارتباطيّة. و توهّم حكومة البراءة العقليّة على مثل هذا الاستصحاب، ناشئ عن قلّة دراسة اصوليّة.

هذا على القول بالوجوب النفسيّ للأجزاء على كلّ تقدير. و أمّا على القول بالوجوب الغيريّ فقد عرفت وجه جريانه، و وجه اندفاعه‏ (1).

اللهمّ إلّا أن يقال إنّ نفس التعبّد بحكم الجامع الانتزاعيّ له الأثر، و هو الإتيان بالأكثر، و لا يعتبر في المستصحب أزيد من جواز التعبّد و معقوليّته، و ما هو غير قابل للجعل هو الجامع الانتزاعيّ، و أمّا التعبّد به لأثر فلا بأس به؛ ضرورة تنجّز النفسيّ لو كان بمثل هذا الاستصحاب، و عندئذ لا تصل النوبة إلى البراءة العقليّة؛ لوروده عليها، و لا الشرعيّة؛ للحكومة، فإنّه فعلا شاكّ في أنّه بعد الإتيان بالأقلّ يبقى الوجوب، أم لا.

و يشبه هذا الاستصحاب الاستقباليّ الذي هو جار عندهم في مثل بقاء الوقت و الشهر؛ للأثر المترتّب عليه، و لا سيّما بناء على كون الاستصحاب بحكم الأمارة.

و أمّا توهّم الاستصحاب الموضوعيّ باستصحاب عدم إتيان ما هو الواجب المردّد بين الأقلّ و الأكثر (2)، فهو ممنوع؛ لأنّ نفس العدم المضاف المذكور ليس موضوع الأثر، و المضاف إليه إذا كان له الأثر، فاستصحاب عدمه لإخراجه عن ذاك الأثر جائز، إلّا أنّه هنا هو أيضا بلا أثر؛ لأنّ إتيان الواجب أثره عقليّ، و هو سقوط الأمر، لا شرعيّ.

و بالجملة: استصحاب الحكم الشخصيّ و هو الوجوب النفسيّ جار، و الشكّ في بقائه لأجل ترك الجزء الدخيل احتمالا.

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 24- 26.

(2)- نهاية الأفكار 3: 367.

32

بل استصحاب الكلّي الانتزاعيّ، أيضا يوجب تنجّز الوجوب النفسيّ لو كان باقيا ببقاء الأكثر. و هذا ليس من الأصل المثبت؛ لأنّ التنجّز من آثار الاستصحاب، لا المستصحب، و من الآثار الثابتة للأعمّ من الحكم الواقعيّ و الظاهريّ. بل هو مقتضى منجّزية الاستصحاب، كما لا يخفى.

فالإطاعة و التنجّز و آثار نفس الحكم الجنسيّ و طبيعيّ الحكم، مترتّبة قطعا.

بل لا يكون المجعول في الوجوب النفسيّ أو الغيريّ إلّا الطبيعيّ، إلّا أنّه بالقياس إلى الجهات الخارجيّة يعتبر أنّه نفسيّ، أو غيريّ، لا أنّ الجاعل يجعل الوجوب النفسي أو الغيريّ ملاحظا إيّاه.

فاستصحاب بقاء طبيعيّ الوجوب أو التعبّد بالمماثل، يوجب موضوعا لدرك العقل المتحرّك إلى الأثر الأعمّ، و هو الإتيان بالأقلّ و الأكثر، و حيث يكفي الإتيان بالأكثر عن الأقلّ اللابشرط، لا يلزم التكرار، فليتدبّر جيّدا.

إن قلت: هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم لحاظ الأكثر، أو عدم إرادة الأكثر، أو عدم جعل الأكثر، أو عدم وجوب الأكثر عدما أزليّا، أو عدما قبل التكليف، أو عدما قبل الوقت، و الكلّ واحد.

قلت: هذه هي الشبهة القاسانيّة النراقيّة المندفعة بما تحرّر منّا في محلّه‏ (1):

من عدم جريان هذه الاستصحابات كلّها؛ لاختلال أركانها: و هو عدم العلم بالحالة السابقة، و التفصيل في الاستصحاب، فلا معارضة.

إن قلت: الشكّ في بقاء الوجوب مسبّب عن الشكّ في جزئيّة الجزء الزائد، و عن وجوب الزائد، و عن استحقاق العقاب على ترك الأقلّ بترك الأكثر، و عندئذ لا تصل النوبة إليه بعد جريان البراءة في المرتبة السابقة.

قلت: قد مرّ آنفا أنّ الاصول العقليّة، لا تتمكّن من الحكومة على الاصول‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 533.

33

الشرعيّة، بل الاصول الشرعيّة واردة عليها، كما هو الواضح. و أمّا البراءة الشرعيّة فهي في الرتبة السابقة تجري؛ بمعنى ملاحظة وجوب الجزء بما هو هو، و أمّا بعد جريان الاستصحاب فلا محلّ لها، و لا يعقل أن يكون مفاد البراءة الشرعيّة رفع الشكّ تعبّدا؛ لعدم كونها أصلا ناظرا إلى الواقع.

نعم، على القول: بأنّ مقتضى البراءة الشرعيّة انتفاء التكليف واقعا، كما كان هو مختارنا في السابق، أو كان رفع الحكم ادعاء برفع جميع آثاره، كما هو مذهب السيّد المحقّق الوالد- مدّ ظلّه- (1) يمكن دعوى عدم جريانه، و لكنّها أيضا غير مسموعة؛ لأنّ في رتبة جريان البراءة لا استصحاب؛ لأنّ ركنه بعد فرض إتيان الأقلّ، و في فرض إتيان الأقلّ لا تقاوم الاستصحاب؛ لأنّه ينجّز مورد الشكّ الذي هو موضوع البراءة، و سيأتي مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى‏ (2).

هذا على تقدير جريان البراءة الشرعيّة، كما يأتي من ذي قبل إن شاء اللّه تعالى.

فبالجملة: تلك الوجوه المذكورة غير ناهضة للاشتغال إلّا الوجه الأخير، من غير حاجة إلى البحث عن موازين المركّبات و الأجزاء، و كيفيّة الاختراعيّات الشرعيّة، و الغور فيها، فإنّه و إن كان مفيدا أحيانا تشحيذا للأذهان، إلّا أنّ فيما هو البحث الاصوليّ- و هو الفحص عن دليل الاشتغال- غير نافع؛ لأنّه إذا لم يكن دليله تامّا فالبراءة محكّمة. و قد عرفت أنّه لا حاجة في تضعيف أدلّة الاشتغال إلى إطالة الكلام حول وضع المركّبات‏ (3).

و حيث إنّ كلام القوم لا يخلو من الزلّات الكثيرة، و أحسن من ورد في هذا

____________

(1)- انظر تهذيب الاصول 2: 152 و 159.

(2)- يأتي في الصفحة 37- 38.

(3)- تقدّم في الصفحة 19.

34

الميدان والدي المحقّق- مدّ ظلّه- و لكن مع ذلك لم يؤدّ «التهذيب» حقّ المسألة (1)، نشير في طيّ تذييل موجز إلى الحقّ في المركّبات، و حديث كيفيّة تعلّق الأمر بها، و حديث نسبة الأجزاء إلى الأمر.

تذييل و تكميل: لإثبات الاشتغال في الارتباطيّ من المركبات الخارجية

لا شبهة و لا غبار في أنّ الكثير بما هو كثير، و الكثرة بما هي كثرة، لا يمكن أن تصير مصبّا للأمر الوحدانيّ، و لا يعقل أن يتعلّق الأمر الوحدانيّ- الذي قوام تشخّصه بالمتعلّق- بالكثير غير المندمجة أجزاؤه، و أن يكون قوامه الكثرة غير الفانية في المعنى الفردانيّ الوحدانيّ.

و لا شبهة في أنّ الآمر لا يتمكّن حين توجيه الأمر إلى المتعلّق الوحدانيّ، من أن يلاحظ الأجزاء بحيال ذلك العنوان الواحد، بل الأجزاء في هذه المرحلة مغفول عنها، أو مورد التغافل، فلا يرى إلّا واحدا.

إلّا أنّ ذلك المعنى الوحدانيّ في النظرة الاخرى، ينحلّ إلى الكثير؛ لكونه مجمل ذلك الكثير، و مندمج تلك الكثرة، فالأجزاء لا صولة لها و لا سورة لها و لا لحاظ يتعلّق بها حينما يلاحظ اللاحظ أنّ الأمر الوحدانيّ يدعو إلى ذلك العنوان الفردانيّ.

فالأجزاء بما هي أجزاء، ليست متعلّق الأمر أصلا، و لا يعقل أن يدعو الأمر المتعلّق بالمعنى الوحدانيّ إلى الأجزاء و لو بعين الدعوة إلى الكلّ؛ لأنّ ذلك الحين حين الغفلة و التغافل، فكيف يدعو أمر الغافل عن الأجزاء إليها بأيّ وجه كان؟!

فالأمر المتعلّق بالعمرة أو الحجّ أو الصلاة أو الاعتكاف، لا يدعو و لا يتعلّق‏

____________

(1)- تهذيب الاصول 2: 323- 326.

35

إلّا بعنوان واحد بسيط في الاعتبار، من غير كونه محصّلا و منتزعا، بل هو ينحل إليها واقعا، إلّا أنّ الانحلال إليها في النظرة الثانية المستقلّة إلى الطبيعة، فيقال:

«الصلاة أوّلها التكبير، و آخرها التسليم» و أمّا في موقف قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1) فلا تكبيرة، و لا ركوع، و لا سلام، و لا دعوة إليها، بل الدعوة ممحّضة إلى الصلاة، و هي حقيقة إلهيّة وحدانيّة؛ لأنّ ما تعلّق به واحد: و هو الأمر و البعث المتقوّم تشخّصه به، و الإرادة و العلم واحد أيضا، و هما أيضا يتشخّصان بذلك الواحد.

و لا يعقل أن يتشخّص الواحد بالكثير بما هو كثير. و انحلال الواحد إلى الكثير غير كون المشخّص كثيرا في ظرف مشخّصيته، و غير كون المتعلّق كثيرا في ظرف تعلّق الأمر و البعث.

فحديث الأقلّ و الأكثر، و أنّ الأقلّ- و هو تسعة أجزاء- مورد الأمر و الإرادة، و الأكثر و هي عشرة أجزاء (2)، من الأباطيل و الأكاذيب، و ليس هناك في مرحلة تعلّق الأمر أقلّ و لا أكثر، و لا القليل و لا الكثير؛ لأنّها من مقولة الكم المنفصل، و الصلاة في مرتبة تعلّق الأمر خارجة عن مقولة الكم المنفصل، و داخلة في مقولة الجوهر الاعتباريّ؛ أي هي اعتبار مقولة الجوهر؛ لتعلّق الغرض بها، و هو الحكم و الأمر و تعدّ موضوعا.

و قيام العرض بالعرض و لو فرض جوازه، كقيام الخطّ بالسطح، و هو بالجسم التعليميّ، على إشكال فيه محرّر في محلّه‏ (3)، و أعمّية الموضوع من الجوهر و لو كانت اصطلاحيّة، إلّا أنّ الأقرب في مثل الصلاة الخارجة عن المقولات، هو كونها

____________

(1)- البقرة (2): 43.

(2)- نهاية الأفكار 3: 381- 382، مصباح الاصول 2: 428.

(3)- تقدّم في الجزء الرابع: 172.

36

اعتبار الجوهر، و أنّها تشبه المركّبات التأليفيّة، بل الحقيقيّة الطبيعيّة؛ للذهول عن الأجزاء الذي هو بمنزلة كسر سورة الأجزاء في المركّب الطبيعيّ، فاغتنم، و كن شاكرا لأنعمه تعالى، و الحمد للّه.

فعلى هذا، ليس المأمور به إلّا عنوان العمرة و الصلاة، و لا يتعلّق الأمر إلّا به، و في موارد الشكّ يرجع شكّ المكلّف إلى أنّه ينحلّ إلى تسعة أجزاء، أو عشرة، من غير كون التسعة أو العشرة متعلّق الأمر، كي يقال: إنّ التسعة معلومة الأمر، و هو النفسيّ الاستقلاليّ، أو الضمنيّ الذي هو انحلال الاستقلاليّ و تقسيطه‏ (1)، أو يقال:

هي معلومة الأمر إمّا هو نفسيّ، أو غيريّ. بل هي مقطوع عدم تعلّق الأمر بها، و عدم معقوليّة تعلّق البعث بها.

كما لا يعقل كون الأمر بالصلاة مثلا، داعيا إلى التسعة أو العشرة، كما ترى في كلام «التهذيب» (2) فما سلكه القوم صدرا و ذيلا غفلة و ذهول، و لا ينقضي تعجّبي من قولهم بالأمر الضمنيّ السخيف.

و إنّي ابتليت بالحليفين: الأمر الضمنيّ، و النفسيّ بالنسبة إلى الأجزاء، بخلاف الأمر الغيريّ، فإنّه- كما تحرّر- يمكن ثبوتا، و لكنّه ممنوع إثباتا، فليراجع محلّه‏ (3).

ثمّ إنّ انحلال المركّب إلى الأجزاء على اعتبارين: انحلال عرفيّ، و هو إلى الأجزاء الدخيلة في الماهيّة و الاسم المركّب، و انحلال تعبّدي و بنائيّ، و هو إلى الأجزاء الأعمّ من كونها مقوّمة للاسم، و ما ليس بمقوّم، و لكنّه اعتبر بالقياس إلى سقوط الغرض، أو سقوط الأمر، أو حصول الغاية، أو ترتّب الأثر الخاصّ، و هكذا.

____________

(1)- فرائد الاصول 2: 462.

(2)- تهذيب الاصول 2: 326.

(3)- تقدّم في الجزء الثالث: 279 و 282.

37

مثلا: الصلاة تنحلّ إلى عدّة أجزاء، هي مقوّمة لتلك الهيئة التي تقوم بها، و تكون تلك الأجزاء مقوّمة لها، و إلى بعض الأجزاء مثل الاستعاذة أو السورة، أو غيرهما ممّا لا مدخليّة لها في صدق الاسم، فلو كان مورد الأمر- كما عرفت- عنوان «الصلاة» مثلا، فلا يدعو إلّا إلى ذلك العنوان.

و إذا لم يكن للأمر و دليله إطلاق كما هو المفروض، و شكّ في وجوب شي‏ء هو دخيل عرفا في صدق الماهيّة، فلا وجه لإجراء البراءات الثلاث، كما إذا شكّ في وجوب معظم الأجزاء و كثير منها؛ بحيث ليست بقيّة الأجزاء من الصلاة عرفا، فإنّه واضح وجوب الاحتياط بالنسبة إلى المقدار الصادق عليه عنوان «الصلاة».

و أمّا بالنسبة إلى البعض، أو إذا كان الشكّ من الأوّل في بعض الأجزاء غير الدخيلة، فلا بدّ من الاحتياط حسب الاستصحاب المذكور، دون الوجوه العقليّة المتمسّك بها، فالبراءة العقليّة و الشرعيّة غير جارية؛ لجريان الأصل الشرعيّ الحاكم عليها.

بل هو وارد على البراءة العقليّة، و حاكم على البراءة الشرعيّة:

أمّا وروده على البراءة العقليّة؛ فلأنّ البراءة العقليّة أصل حيث لا مقتضي للاشتغال، و أمّا إذا كان هناك مقتض للاشتغال- و هو استصحاب بقاء وجوب الصلاة المعلوم يقينا، و المشكوك بقاء، المقتضي لإتيان الجزء المشكوك عقلا، و للتنجيز بالنسبة إليه- فيكون بيانا و دليلا و حجّة عقليّة على لزوم الجزء؛ لأنّ ذات الجزء غير داخلة في محطّ العلم السابق.

إلّا أنّ لازم وجوب الصلاة بقاء لازما عقليّا- بمعنى أنّ العقل يدرك أنّه لا يمكن نقض يقينه السابق إلّا باليقين، و هو لا يحصل إلّا بإتيان الأكثر- فعليّة الأكثر؛ للخلاص عن محطّ الواجب الشرعيّ. و ليس هو من الأصل المثبت كما هو الواضح؛

38

فإنّا لسنا بصدد إثبات وجوب الجزء شرعا، بل نفس بقاء الوجوب على الصلاة تعبّدا بأصل محرز، يكون بيانا عقلا على الجزء، فلا تجري البراءة العقليّة بالضرورة، و يكون مقتضى الأصل الشرعيّ واردا و بيانا واقعيّا للأصل العقليّ.

و أمّا حكومته على البراءة الشرعيّة؛ فلأنّ مجرّد كون الشكّ في بقاء وجوب الصلاة، ناشئا عن الشكّ في وجوب الأكثر لا يكفي؛ لتقدّم الأصل الجاري في السبب على الأصل الجاري في المسبّب، كما هو كذلك إذا كان المسبّب مجرى الأمارة الشرعيّة.

و أيضا: هو كذلك إذا كان الأصل الجاري في المسبّب محرزا؛ و ذلك لأنّ حقيقة إحراز وجوب الصلاة تعبّدا و حقيقة و تنجّز الحكم السابق في ظرف الشكّ، هو تنجّز الحكم المشكوك فيه، و هو حكم الجزء.

مع أنّ لازم الحكم إذا كان حكما يترتّب على المستصحب، لا يعدّ من الأصل المثبت، فإذا كان لازم الاستصحاب في مورد حجّة فهو مقدّم على البراءة بعين ما يقدّم نفس الملزوم المستصحب.

هذا إن لم نقل: إنّ موضوع الأدلّة النقليّة و البراءة الشرعيّة، هو الشكّ الذي لا تقم عليه الحجّة الأعمّ من العقليّة و الشرعية، كما أقرّه المحقّق الوالد- مدّ ظلّه- (1)، و إلّا فالاستصحاب وارد على البراءة الشرعيّة أيضا؛ لأنّ غايتها هي الحجّة، و الاستصحاب حجّة في الملزوم و اللازم.

فبالجملة: و لو قلنا بأنّ مفاد البراءة الشرعيّة تقييد الأدلّة الواقعيّة و بحكم الاستثناء و حتى في فقرة «ما لا يعلمون» (2) كما هو الأظهر من غير لزوم الدور

____________

(1)- الاستصحاب، الإمام الخميني (قدّس سرّه): 236 و 241- 242.

(2)- وسائل الشيعة 8: 249، كتاب الصلاة، أبواب الخلل، الباب 30، الحديث 2.

39

و غيره، لا مجرى لها بعد جريان الاستصحاب المذكور.

و بالجملة: إذا شكّ في الوقت أنّه أتى بصلاة الظهر و العصر، يجب عليه- استصحابا- صلاة الظهر و العصر، و هو وارد على قاعدة الاشتغال. و لا شبهة في جريان الاستصحاب المذكور، و يكون مصبّ الاستصحاب عنوان «الصلاة» و أنّها كانت واجبة و مأمورا بها و مبعوثا إليها، و الآن كما كانت، و كذلك الأمر هنا، فالمناقشة في الاستصحاب و مجراه غلط. و توهّم محكوميّته بأصل البراءة العقليّة أو الشرعيّة، أيضا في غير محلّه.

فالمحصول ممّا قدّمناه: أنّه في بعض الصور يجب الاحتياط عقلا؛ و هو ما إذا كان مورد الأمر عنوان «الصلاة» و شكّ في وجوب مقدار من الأجزاء؛ بحيث يلزم الشكّ في صدق العنوان المذكور، أو يعلم انتفاء الصدق.

و في بعض الصور يجب الاحتياط شرعا؛ و هو في مورد لم يكن الجزء بفقده مضرّا بالاسم و العنوان، فإنّه يجري حينئذ استصحاب الوجوب و الأمر، و هو متّبع إلى أن يأتي بكلّ ما يكون محتمل الدخالة في سقوطه.

فتحصّل لحدّ الآن: أنّ البراءتين: العقليّة و الشرعيّة و لو كانتا في حدّ ذاتهما جاريتين، إلّا أنّهما محكومتا الأصل الشرعيّ ورودا أو حكومة، و تحصّل أيضا: أنّه لا تجري البراءة من غير أن يتقوّم اندراج المسألة في المتباينين، كما أشرنا إليه في أوّل البحث‏ (1)، خلافا لصريح «الدرر» (2) و الأراكيّ‏ (3) و غيرهما رحمهم اللّه‏ (4).

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 3.

(2)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 474 و 478.

(3)- نهاية الأفكار 3: 375.

(4)- مصباح الاصول 2: 427.

40

تنبيه: في قصور البراءة العقلائيّة في المقام‏

ممّا لا ينبغي أن يختفي: أنّ من أقسام البراءة هي البراءة العقلائيّة، و قد عرفت في محلّه أنّها غير البراءتين: العقليّة، و الشرعيّة نزاعا و قولا و ملاكا، و حديث قبح العقاب بلا بيان براءة عقلائيّة، لا عقليّة (1)، و عندئذ إذا كان المكلّف يحتمل دخالة شي‏ء في المركّب المبتلى به في طول عمره و طيلة حياته، كالصلاة و نحوها في كلّ يوم مرّة، و يرى أنّه بترك الجزء يحتمل ترك المأمور في تلك المدّة، و أنّه قد أتى بعمل لغو، فهل لا يعدّ ذلك من السفاهة، و هل يعدّ العقاب عليه عقابا جزافيّا؟! فهذا التقريب أيضا يؤيّد ما سلكناه، فليتدبّر.

تنبيهات‏

التنبيه الأوّل: فيما لو تردّد الأمر بين الارتباطي و الاستقلالي‏

إذا قلنا بالاشتغال في قسمي الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين و الارتباطيّين، أو قلنا بالبراءة فيهما، فلا بحث في موارد الشكّ في الشبهة الموضوعيّة.

و إذا قلنا بالبراءة في الأوّل، و الاشتغال في الثاني، و تردّد أمر مورد في أنّه من الأوّل أو الثاني، فهل تجري البراءة، أو الاشتغال، أو تختلف مباني الاشتغال في الارتباطيّ؟

و بعبارة أخرى: إذا علمنا أنّ طواف النساء واجب عقيب أعمال العمرة أو الحجّ، و شكّ في أنّه واجب استقلاليّ غير دخيل في صحّة الحجّ و العمرة، أو ارتباطيّ‏

____________

(1)- تقدّم في الجزء السابع: 128.

41

دخيل فيها، كما هو محلّ الخلاف.

أو شكّ في أنّ القنوت واجب في الصلاة، أم لا، و على تقدير وجوبه هل هو دخيل في صحّتها، أم هو واجب في واجب؟

أو شكّ في أنّ ذكر سجود السهو واجب، أم لا، و على تقدير وجوبه هل هو من الجزء الدخيل في الصحّة، أم لا؟

و هكذا في الشهادة الثالثة، أنّها هل هي مستحبّ نفسيّ، أو جزء ارتباطيّ؟

فإن قلنا في وجه الاشتغال بما في «الكفاية» (1) فلا يكون هو وجها تامّا فيما نحن فيه؛ لعدم العلم بوجوب الأقلّ الأعمّ من النفسيّ و الغيريّ، كي يقال: بأنّه يلزم من الانحلال عدم الانحلال؛ ضرورة أنّه يشكّ في أصل كونه- على تقدير وجوبه- جزء ارتباطيّا، فلا يعلم بوجوب الأكثر، و تصير النتيجة هي البراءة؛ لعدم تماميّة ذلك الوجه. و حيث تجري البراءة اللفظيّة في الجزء المستحبّي الدخيل في سقوط الأمر المستحبّي، كما مرّ في بحث البراءة (2)، و يوجب النتيجة العمليّة هنا، يكون المعمول هي البراءة العقليّة و الشرعيّة في تلك الأمثلة.

و أمّا على تقريب الشيخ (رحمه اللَّه) من اتباع المصالح و المفاسد (3)، أو على تقريبنا من اتباع المحبوبيّة الإلزاميّة، أو على تقريب صاحب «الفصول» (4) (رحمه اللَّه) أو على القول الأخير و الوجه الوجيه، فالقاعدة تقتضي الاشتغال كما هو الواضح، و يكون المستصحب هو الأمر في المثال الأخير.

و على تقاريب صاحب الحاشية (قدّس سرّه)(5) تجري البراءة؛ لأنّ النتيجة تابعة

____________

(1)- كفاية الاصول: 413.

(2)- تقدّم في الجزء السابع: 273- 274.

(3)- فرائد الاصول 2: 461.

(4)- الفصول الغروية: 357/ السطر 11- 17.

(5)- هداية المسترشدين: 449- 451.

42

لأخسّ المقدمتين، ضرورة أنّه (رحمه اللَّه) كان يهمّ بأن يدرج الأقلّ و الأكثر في المتباينين كي يثبت به الاشتغال، فإذا شكّ في الاندراج لا يثبت الاشتغال، فلا تتمّ الحجّة، فلا تذهل.

و الذي لا يذهب عليك: أنّ ما ذكرناه لا محصول له في بابي الاشتغال و البراءة؛ لأنّه على كلّ تقدير يعدّ من الأقلّ و الأكثر، و من يقول بالاشتغال فيه يقول به هنا.

نعم، يختلف من جهة أجنبيّة، و يعدّ من أقسام أخر من الأقلّ و الأكثر؛ لاحتمال تحقّق الأقلّ و الجزء المشكوك فيه مستقلّا، كما في طواف النساء، فاغتنم.

التنبيه الثاني: حول منع جريان البراءة الشرعيّة عن الأكثر

اختلفوا في جريان البراءة الشرعيّة مع قطع النظر عن كونها محكومة بالأصل الآخر و عدمه، فربّما يقال: بأنّ إجراء البراءة الشرعيّة عن الأكثر، لا يثبت به أنّ الأقلّ هو المأمور به كي يسقط به أمره، إلّا على القول بالأصل المثبت‏ (1).

و بعبارة اخرى: لا يعقل رفع المشكوك الجزئيّة إلّا برفع التكليف عن الكلّ؛ لأنّ الجزئيّة و أشباهها لا تنالها يد الجعل الاستقلاليّ، فإذا كان الرفع المذكور منوطا برفع التكليف عن الكلّ، فلا بدّ من دعوى رجوع التكليف- بعد الرفع- متعلّقا بالأقلّ، و هو غير ثابت إلّا بدليل حديث الرفع المقصور بنفس الجزء، فيكون لازمه وجوب الكلّ، و هذا هو أهون الاصول المثبتة، فجريان البراءة العقليّة و عدمه غير دخيل في الشرعيّة؛ و أنّ الثانية على كلّ تقدير غير جارية.

و أمّا حديث الملازمة بين البراءتين مطلقا أو من جهة خاصّة، فيأتي- إن شاء

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 163، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 480.

43

اللّه- في التنبيه الآتي‏ (1).

و بالجملة: تشبه مسألتنا هذه مسألة التمسّك بالوجدان و الأصل، فإنّه بلا شبهة يكون الأقلّ واجبا، و الأكثر مشكوكا، فلو لوحظ عدم وجوب الأقلّ- بمقتضى البراءة الشرعيّة- إلى إتيان الأقلّ وجدانا، يثبت سقوط الأمر قهرا، و هذا من المثبت؛ فإنّ ضمّ الوجدان إلى الأصل مطلقا غير صحيح حتّى في الموضوعات المركّبة، فضلا عمّا نحن فيه.

و بعبارة رابعة: في سقوط الأمر بالأقلّ المعلوم قطعا، و في حصول الامتثال اللازم بحكم العقل بعد العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ، لا بدّ من إثبات الإطلاق للأمر بالأقلّ على وجه يقطع بالامتثال، و هذا ممّا لا يمكن إثباته لا بالوجدان، كما هو الواضح، و لا بالأصل و هي البراءة؛ لأنّها ليست ذات بيان و لسان إلّا رفع القيد و الجزء بما هو هو، و هو لا يثبت كون الباقي له الإطلاق؛ بمعنى أنّه في صورة الإتيان به، يسقط الأمر المتعلّق به على كلّ تقدير؛ بحسب الظاهر و في رتبة الامتثال؛ لسكوت البراءة عن ذلك بالضرورة.

و بالأخيرة كيف يحكم بانحلال العلم الإجماليّ لو قلنا بانحلاله بالبراءة الشرعيّة، كما في متن «الكفاية» حيث ذهب إلى جريان البراءة الشرعيّة، دون العقليّة (2)؟!

أو كيف يجوز إثبات الأمر بالأقلّ بغير الأصل المثبت بعد كون المسألة ارتباطيّة؟! و نفي الجزء و القيد غير ممكن إلّا برفع ما به تشخّص الأمر بالكلّ، و هو الموضوع التامّ، ثمّ بعد ذلك جعل الأمر ثانيا متعلّقا بالأقلّ و بالموضوع المنحلّ إليه المتشخّص به، و هذا كلّه بحكم العقل، و من لوازم رفع المشكوك، فإنكار البراءة

____________

(1)- يأتي في الصفحة 49.

(2)- كفاية الاصول: 413- 416.

44

الشرعيّة ممّا لا بدّ منه، كما هو صريح حاشية «الكفاية» و بعض آخر (1)، و إن كان في تعليله نظر واضح.

و ممّا ذكر يظهر: أنّ توهّم كون الإطلاق و التقييد متقابلين بالعدم و الملكة، لا التضادّ (2)، غير كاف لحلّ المشكلة؛ ضرورة أنّهما و إن كانا كذلك اعتبارا لا واقعا، كما تحرّر في محلّه‏ (3)، و أنّ الإطلاق المقابل للتقييد و لو كان الإطلاق القسميّ لا المقسميّ، و لكنّه بحكم المقسميّ في مطلق الموارد و العلوم حتّى العقليّات، إلّا أنّ مشكلة جريان حديث الرفع وراء ذلك: و هي أنّ رفع المنشأ لا يمكن إلّا برفع الأمر بتمامه، و هذا يستتبع المثبتيّة كما لا يخفى.

و هناك مشكلة ثانية: و هي أنّ رفع الجزء و جزئيّة السورة، لا يكفي لتقييد بقيّة الأجزاء بها؛ فإنّ حقيقة الارتباطيّة بين أجزاء المركّب- مضافا إلى اعتبار تلك الأجزاء في المركّب- اعتبار معنى حرفيّ بين الجزء السابق و اللاحق و كونه بينهما، و تقييد كلّ من السابق و اللاحق بذلك الجزء، فرفع جزئيّة السورة عن المركّب يلازم رفع تقييد السابق و اللاحق بها، و يلازم ضمّ الطرفين كلّ إلى الآخر بالمقارنة في مرحلة الظاهر، و كلّ ذلك خارج عن عهدة البراءة الشرعيّة.

و بعبارة اخرى: كلّ جزء شكّ فيه، و كان من الأجزاء الخارجيّة، فهو يلازم القيديّة و الجزئيّة التحليليّة الناشئة من ذلك الجزء العينيّ، و هي السورة.

مثلا: اعتباره السورة في الصلاة جزء شي‏ء، و تقيد الحمد بها شي‏ء آخر، كما أنّ تقيد السورة بالحمد شي‏ء ثالث، و تقييد الركوع المتأخّر شي‏ء رابع، و كلّ ذلك من تبعات الارتباطيّة و الانضماميّة الاعتباريّة بين أجزاء المركّب الوحدانيّ. فإذا رفعت‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 416، الهامش، نهاية الأفكار 3: 390.

(2)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 163.

(3)- تقدّم في الجزء الخامس: 400.

45

جزئيّة السورة ظاهرا، فلا بدّ من رفع تقييد الحمد بها أيضا؛ لكونه مشكوكا فيه، و حيث لا يمكن رفعهما معا؛ لأنّ الشكّ في تقييد الحمد بها مسبّب عن جزئيّة السورة، فلا بدّ و أن تجري البراءة عن جزئيّة السورة، و حيث لا معنى لتقيّد الحمد بالسورة المرفوعة بحسب الظاهر و التعبّد، لا معنى لرفعه بحديث الرفع، و تصير النتيجة امتناع جريان الحديث المذكور.

و إليك مشكلة ثالثة: لو كان حديث الرفع جاريا بالنسبة إلى الأكثر، فالتخلّف عن الأقلّ بتركه أيضا جائز، و حيث إنّه ممنوع قطعا، فالجريان ممنوع أيضا.

و بيان الملازمة: أنّ ترك الكلّ كما يكون بترك مجموع الأجزاء، يكون بترك بعض الأجزاء، و في مورد الترك لمجموع الأجزاء، لا يليق بالمولى أن يحتجّ على العبد بترك البعض دون البعض؛ لكونه ترجيحا بلا مرجّح. مع أنّه سفه في الاحتجاج، و عند ذلك إذا جرى حديث الرفع بالنسبة إلى الأكثر، فترك العبد مجموع المركّب، فإن كان الأقلّ واجبا نفسيّا، فلا حجّة عليه مشكوكة.

و إن كان الأكثر واجبا، فالترك مستند إلى المجموع، دون جزء خاصّ؛ لامتناع استناد ترك الكلّ- في صورة الترك المطلق- إلى جزء معيّن بالضرورة، فلا يكون سبب تجويز الترك إلّا جريان الحديث المذكور.

و توهّم جواز استحقاق العبد، و إمكان عقوبة المولى مستندا إلى الأجزاء المعلومة، في غير محلّه؛ لأنّ الكلّ منترك على كلّ تقدير، و سواء أتى به، أو لم يأت به، و استناده إلى الجزءين- المعلوم و المجهول- على حدّ سواء.

نعم، هو قد تجرّى في ذلك؛ لاحتمال كون الواجب هو الأقلّ. و لكنّه أيضا ممنوع؛ لاستناده إلى البراءة الشرعيّة، لعدم العلم بوجوب الأقلّ النفسي.

و إن شئت قلت: تحرير المشكلة بصورة معارضة البراءتين الشرعيّتين بالنسبة إلى كلّ واحد من الأقلّ و الأكثر، فلا تجري بالنسبة إلى الأكثر للمعارضة، و تصير

46

النتيجة هي الاحتياط حسبما مرّ (1)، و إلّا فالمخالفة القطعيّة عندنا في المتباينين جائزة، بخلاف ما نحن فيه؛ لاختصاصه بالأصل المثبت الشرعيّ و هو الاستصحاب.

فتحصّل لحدّ الآن: أنّ البراءة الشرعيّة إمّا غير جارية؛ لكونها مثبتة، أو لابتلائها بمعضلة عقليّة، أو بالمعارض.

أقول: إنّ الأمر اليقينيّ يستتبع الامتثال اليقينيّ، و هو أعمّ من كونه تعبّديا، أو وجدانيّا، أو كان الدليل القائم على الامتثال مخصوصا بمركّب لا بدّ من الأخذ به؛ فرارا من اللغويّة، أو كان في رواية معتبرة مورد التمسّك للفراغ و الامتثال، كقاعدة الفراغ و التجاوز، بناء على كونها غير أمارة، و تكون أعمّ موردا، كما ذهب إليه بعضهم‏ (2)، إلّا أنّه يتمسّك بهما في الصلاة، و في غير هذه الصور لا يكفي الامتثال الظنّي و الاحتماليّ.

و أمّا على ما هو التحقيق في باب المركّبات، فالشكّ في الامتثال بعد صدق طبيعة المركّب على المأتيّ به، فالامتثال من ناحية صدق المركّب، و رفع ما شكّ في جزئيّته حاصل؛ لأنّ المقصود من البراءة ليس إثبات كون المركّب و الأقلّ مأمورا به، كي يقال: هو مثبت.

كما أنّه لا يتقوّم رفع الجزئيّة برفع الحكم عن الكلّ؛ لأنّ الجزء ليس مورد الأمر النفسيّ، و لا غيره كما عرفت‏ (3)، بل المأمور به هو عناوين «الصلاة، و الحجّ، و العمرة» و تلك الطبائع في النظرة الثانية تنحلّ إلى الأجزاء، و يكون قوام سقوط الأمر بالجزء المشكوك فيه مورد الجهالة، فإذا جرى حديث الرفع بالنسبة إلى ذلك‏

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 34- 39.

(2)- الاستصحاب، الإمام الخميني (قدّس سرّه): 320 و 341.

(3)- تقدّم في الصفحة 35.

47

الجزء، لا يبقى شكّ في سقوط الأمر؛ لأنّ المأمور به متحقّق خارجا، و منشأ الشكّ في سقوط أمره مورد التعبّد بعدم الدخالة، فلا يبقى وجه لتوهّم المثبتيّة بالضرورة.

و هذا على جميع التقادير في تفسير حديث الرفع؛ و هو أنّه رفع واقعيّ و تقييد- كما هو الأشبه- من غير لزوم الدور الممتنع، أو هو رفع تعبّدي، كما هو دأب السيّد المحقّق الوالد- مدّ ظلّه- (1). و ربّما يشير إليه صاحب «الكفاية» هنا بقوله: «إنّ البراءة الشرعيّة بحكم الاستثناء بالنسبة إلى الأدلّة الأوّلية، أو هو حكم ظاهريّ كما عليه الأكثر» (2) فعلى جميع المباني لا يلزم كونه مثبتا؛ بناء على ما أبدعناه في أساس كيفيّة تعلّق الأوامر بالمركّبات‏ (3)، فاغتنم.

و ممّا ذكرنا يظهر وجه عدم وجود المعارضة بين البراءة عن الأكثر و الأقلّ؛ لما لا أكثر و لا أقلّ، بل الصلاة و العمرة مورد الأمر، و إنّما الشكّ في أنّ السورة و طواف النساء اعتبرا دخيلين في سقوط الأمر المتعلّق بالطبيعة، أم لا، من غير كونهما مورد الأمر الضمنيّ و الغيريّ أو غيرهما.

هذا كلّه إذا أردنا رفع الجزئيّة و القيديّة بالحديث الشريف، المستتبع طبعا لعدم استحقاق العبد بترك الكلّ من ناحية ترك الجزء و القيد، الذي تنحلّ إليهما الطبيعة في موطن تقرّرها الماهويّ.

و عندئذ يظهر وجه إمكان كون الجزء و غيره قابلا للجعل الاستقلاليّ؛ لأنّه في موطن اعتبار الجزئيّة يكون الأمر المتعلّق بالطبيعة أجنبيّا عنه، و غير مربوط به؛ ضرورة أنّ المأمور به عنوان بسيط عرفيّ ينحلّ إلى الكثير، و لا يكون الكثير مورد

____________

(1)- تهذيب الاصول 2: 344، أنوار الهداية 2: 305.

(2)- كفاية الاصول: 417.

(3)- تقدّم في الصفحة 34.

48

الأمر و مشخّص الأمر و البعث، كي يلزم رفعه أوّلا، حتّى يصحّ رفع الجزء، ثمّ إثباته بالنسبة إلى الأجزاء الباقية حسب إطلاق أدلّتها، فلا تغفل.

و أمّا إذا أردنا استناد العقاب إلى الأجزاء المعلومة في صورة ترك الكلّ، فمجرّد كون الأقلّ منجّزا على نعت الواسطة في التنجّز- لأنّ الأكثر إذا ترك بترك الأقلّ يكون منجّزا، و إذا ترك بترك الأكثر فلا يكون المتروك منجّزا- غير كاف؛ لأنّ المشكلة ناشئة عن أنّ ترك الكلّ مستند إليهما على السواء، و لا مرجّح لاستناده إلى الأقلّ، فترخيص الشرع بترك الأكثر دخيل في ترك المأمور به، فلا يكون المكلّف عندئذ متجرّيا لأجل تنجّز الأقلّ لو كان مورد التكليف النفسيّ.

فلو احتجّ المولى على العبد: بأنّه «لم لم تصلّ» فله أن يجيب: «لقاعدة البراءة الشرعيّة المنتهية إلى ترك المطلوب طبعا».

و احتجاج المولى بأنّه ترك المأمور به بترك الأجزاء المعلومة المنتهية إلى ترك المطلوب و لو كان صحيحا، معارض باحتجاج العبد الصحيح أيضا، فالعقاب على ترك الكلّ من ناحية ترك الأجزاء المعلومة ممنوع، كما أنّ العقاب على ترك الكلّ بترك الجزء المشكوك، أيضا قبيح.

و لا معنى لاحتجاج المولى على ترك الأجزاء المعلومة؛ لأنّها واجبات غير نفسيّة، و لا عقوبة عليها، فللمولى سؤال واحد؛ و هو عن تركه الصلاة مثلا، و لا يجوز أن يسأل عن أمر آخر وراء ذلك، و للعبد أن يجيب ب «أنّه لم تكن فائدة في إتيان الأجزاء المعلومة بعد ترخيصك ترك الجزء المشكوك فيه».

و لعمري، إنّ هذه المشكلة غير قابلة للحلّ إلّا على ما سلكناه من جريان الاستصحاب المنتهي إلى لزوم إتيان الأكثر (1)، فتدبّر.

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 37- 39.

49

التنبيه الثالث: تلازم جريان البراءتين العقليّة و الشرعيّة هنا

هل البراءتان: العقلية، و الشرعيّة متلازمتان، أم يجوز جريان البراءة الشرعيّة دون العقليّة، كما هو ظاهر «الفصول» (1) و «الكفاية» (2) و تقريرات الكاظميّ‏ (3)، أم يجوز العكس، فتجري البراءة العقليّة، دون الشرعيّة؟ وجوه.

و الذي هو التحقيق على ما هو الحقّ في باب المركّبات و كيفيّة تعلّق الأمر بها: أنّ الأقلّ و الأكثر إن كانا يرجعان إلى المتباينين فيلزم التلازم على المعروف؛ لعدم جريان العقليّة بالضرورة، و النقليّة إمّا لا تجري، و إمّا متعارضان.

نعم، على ما سلكناه تجري النقليّة دون العقليّة من غير المعارضة و التساقط.

و إن قلنا: بأنّ العلم الإجماليّ في الأقلّ و الأكثر لا ينحلّ، و يكون مفاد البراءة الشرعيّة تقييد الأدلّة الواقعيّة و بحكم الاستثناء، فلا يمكن التفكيك؛ لأنّ نفي الجزء عن الجزئيّة فعلا ينافي الانحلال، فيلزم عدم جريان البراءتين أيضا.

و من الغريب ما في «الكفاية» من التفكيك، مع التزامه بأنّ البراءة الشرعيّة بحكم الاستثناء (4)!! فتأمل.

و هكذا على القول: بأنّه الاستثناء واقعا.

نعم، على القول: بأنّه حكم تعبّدي ظاهريّ فلا منع من جريان البراءة الشرعيّة، دون العقليّة. و حديث علّية العلم الإجماليّ للتنجيز المانعة عن الجريان‏

____________

(1)- الفصول الغروية: 357/ السطر 11- 31.

(2)- كفاية الاصول: 413- 416.

(3)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 162.

(4)- كفاية الاصول: 417.

50

مطلقا و لو كان بلا معارض- كما في كلام العلّامة الأراكي (رحمه اللَّه)(1)- غير راجع إلى محصّل، كما تحرّر منّا في مواضع‏ (2).

ثمّ إنّ مقتضى النظر في الأقلّ و الأكثر بما هما عنوانان- و إن كانا منطبقين في مرحلة الامتثال على الواحد؛ لعدم وجوب التكرار في مرحلة الخارج- هو التلازم للمعارضة أيضا.

و أمّا على ما تحرّر عندنا من كيفيّة المركّبات، فتجري البراءتان في حدّ ذاتهما، إلّا أنّ الاستصحاب مقدم على العقليّة ورودا، و على النقليّة حكومة.

و أمّا على ما سلكه «الفصول» و أتباعه، فالبراءة العقليّة غير جارية، دون النقليّة فإنّها تجري؛ ضرورة أنّ تماميّة الحجّة على الأقلّ توجب تنجّز الأكثر، و يكون العقاب عليه بالحجّة، و أمّا بالقياس إلى البراءة الشرعيّة، فلا تكون الحجّة العقليّة تقاوم النقليّة، بل النقليّة واردة على العقليّة؛ لأنّ حجّية العقل من باب عدم الدليل و المؤمّن، و النقليّة مؤمّن على جميع التقاريب.

و مقتضى ما تحرّر منّا في التنبيه الثاني جريان البراءة العقليّة، دون النقليّة، لا لكونها مثبتة، فإنّه أيضا وجه، و لكن لكون جريانها مستتبعا لمشكلة عقليّة، تنتهي إلى عدم صحّة عقوبة تارك الطبيعة في صورة كون الأكثر واجبا، و الالتزام به مشكل عند بعض دوننا، ضرورة أنّ مخالفة الأكثر في هذه الصورة، تشبه مخالفة الطريق المخطئ، كما هو الواضح.

فما قد يتوهّم من التلازم بين البراءتين على الإطلاق‏ (3)، في غير محلّه؛

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 390.

(2)- تقدّم في الجزء السابع: 327 و 391.

(3)- مصباح الاصول 2: 439.