تحقيق الأصول‏ - ج1

- السيد علي الحسيني الميلاني المزيد...
402 /
5

كلمة المؤلّف‏

الحمد للَّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على‏ محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين من الأولين و الآخرين .. و بعد

فقد كان من منن اللَّه عليَّ أنْ حبّب إليّ العلم و رغّبني فيه و جعلني من طلّابه، و يسّر لي سبل تحصيله و طرق الوصول إليه و هيّأ لي المهم من أسبابه، فلمّا صرفت فيه عمري و أعطيته كلّي أنالني بعضه و لم يخيّب سعيي.

و كان لي في كلّ مرحلةٍ دراسية أساتذة محقّقون أعلام، حضرت عليهم بحوثهم و عطف اللَّه عليَّ قلوبهم، فاعتنوا بي أشدّ عناية و اهتمّوا بشأني أبلغ اهتمام، حتى بلغت المرحلة النهائية التي استفدت فيها من أفذاذ الامّة و كبار الأئمّة، فكان أوّلهم سيدنا الجد الأعظم آية اللَّه العظمى‏ السيد محمّد هادي الميلاني (قدّس سرّه)، في مدينة مشهد المقدّسة، ثم نزلت قم حيث الحوزة العلميّة الكبرى‏، فأخذت من أشهر أعيان علمائها في الفقه و الاصول، و لازمت غير واحدٍ منهم، و دوّنت ما تلقّيته من وافر علومهم، و أخصّ بالذكر سيّدنا الاستاذ آية اللَّه العظمى‏ السيد محمد رضا الگلپايگاني (قدّس سرّه)، إذ لازمته في‏

6

دروسه الفقهيّة، و طبعت عدّة مجلّدات ممّا حرّرته منها بأمرٍ منه. و شيخنا الاستاذ آية اللَّه العظمى‏ الوحيد الخراساني دام ظلّه، الذي لازمته في الفقه و الاصول، و حرّرت إفاداته كلّها.

لقد حضرت على‏ شيخنا في علم الاصول دورةً كاملةً، و تقرّر إعدادها للنشر لكثرة الطلب لها من الأفاضل، بعد قراءتها عليه، ليبدي ملاحظاته حولها و ليضيف إليها من المطالب ما لم يتّسع الوقت لإلقائه في مجلس الدرس، إلّا أنّه قد توقّف العمل، لقلّة الفرص، بسبب قيامه بأعباء المرجعيّة، و لتبدّل جملةٍ من آرائه في الدورة اللاحقة التي لم اوفّق لحضورها لكثرة الأشغال.

و لمّا راجعني بعض الفضلاء يطلبون منّي الدرس، و أذن شيخنا بذلك، جعلتُ موضوع البحث و عنوانه بيان ما قرّرته من إفاداته في الدورة السابقة، و ما حرّرته من أشرطة بحثه في الدورة اللاحقة، مضيفاً إلى ذلك فوائد من سيّدنا الاستاذ آية اللَّه العظمى‏ السيد محمد الروحاني (قدّس سرّه) من كتاب منتقى الاصول، و فوائد اخرى‏ من غيره.

و جاء هذا الكتاب حاوياً لأهمّ ما طرحته في الدرس، و كان ما ذكرته هو السبب في تسميته ب (تحقيق الاصول على ضوء بحوث شيخنا الاستاذ ...) و قد عزمت على نشره بعد الاستخارة عند بيت اللَّه الحرام في الحج عام 1422 ه.

فإنْ كان فيه نقص أو سهو فهو منّي.

و اللَّه أسأل أن ينفع به أهل الفضل، و أن يحفظنا من الخطأ و الزلل، إنه سميع مجيب.

علي الحسيني الميلاني‏

7

تمهيدات‏

8

اعتاد الأساتذة الأعلام كصاحب (الكفاية) (قدّس سرّه) و جماعة، على الابتداء بالبحث عن أمور، كموضوع علم الاصول، و المائز بينه و بين غيره من العلوم، و ضابط المسألة الاصوليّة، و غير ذلك، و تعرّضوا بهذه المناسبة لموضوع كلّ علم، و المائز بين العلوم على وجه الإطلاق، و قضايا أخرى‏.

فمنهم من أطنب في البحث عن تلك الامور، و منهم من اقتصر على قدر الحاجة، و منهم من أعرض عن الدخول في ذلك لعدم الفائدة العمليّة.

لكنّا رأينا من الأفضل التعرّض لها بقدر الحاجة، لئلّا يخلو بحثنا عن تلك الفوائد العلميّة ... فنقول و باللَّه التوفيق:

9

موضوع العلم‏

قال في (الكفاية):

«موضوع كلّ علم- و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، أي بلا واسطة في العروض- هو نفس موضوعات مسائله عيناً و ما يتّحد معها خارجاً، و إنْ كان يغايرها مفهوماً، تغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده».

فهنا مطالب:

الأوّل: هل لكلّ علم موضوع؟

أقوال، فعن المشهور القول بذلك، و ظاهر عبارة (الكفاية) أنه مفروغ عنه بين العلماء.

و قد استدلّ القائلون به بوجهين:

أحدهما: إنّ في كلّ علمٍ غرضاً، و الغرض أمر واحد هو معلولٌ لمسائله المختلفة، لكنّ الموضوعات المتعدّدة المتباينة لا تؤثر أثراً واحداً، فلا بد من وجود جامعٍ بينها، ليكون هو العلة و المؤثر في حصول الغرض الواحد، لأنّ الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد.

10

و قد حاول في (المحاضرات) إبطال هذا الاستدلال بما لا يخلو بعضه عن النظر.

و الثاني: إنّ تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها، فلو لم يكن لكلّ علم موضوع واحد لتداخلت العلوم فيما بينها.

و هذا الوجه يبتني على كون تمايزها بالموضوعات، لا بالأغراض و لا المحمولات، و هذا أوّل الكلام، و سيأتي توضيح ذلك.

و لما أشرنا إليه من الكلام في الدليلين المذكورين لقول المشهور، ذهب في (المحاضرات) إلى أنّه لا دليل على اقتضاء كلّ علمٍ وجود الموضوع، و أنّه لا حاجة إلى ذلك.

رأي الاستاذ

و الذي اختاره شيخنا هو أنّه إنْ اريد من قولهم: «لكلّ علم موضوع» ضرورة وجوده لكلّ علمٍ، بنحو القضيّة الحقيقيّة- أي: كلّما وجد و تعنون بعنوان العلم فلا بدّ و أن يكون له موضوع- فهذا ما لا دليل عليه. و إنْ اريد منه القضيّة الخارجيّة، بمعنى‏ أن العلوم المدوّنة- كعلمي الطب و الهندسة و غيرهما لها موضوعات تجمع بين مسائلها، فهذا حق ... لكنّ هذا إنّما هو في العلوم ذات المحمولات الحقيقيّة، و أما العلوم الاعتباريّة كعلم الفقه فلا، و لذا خصّ الشيخ في (الشفاء) و كذا تلميذه بهمنيار و الخواجه و غيرهم هذا البحث بالعلوم الحقيقيّة.

أقول:

في كلامه- دام ظلّه- أمران، أحدهما: الترديد المذكور في المراد من قول المشهور «لكلّ علم موضوع»، و الآخر: الموافقة على ضرورة وجود

11

الموضوع في العلوم المدوّنة الحقيقيّة دون الاعتباريّة منها.

و لعلّ السبب في ذلك هو التسليم للإشكال الرابع من إشكالات (المحاضرات)، حيث نقض قول المشهور ببعض العلوم، كعلم الفقه، إذ لا يعقل وجود موضوع واحد يجمع بين موضوعات مسائله، لكونها قضايا اعتباريّة، و لا يعقل الجامع الحقيقي بين القضايا الاعتبارية، أو لكون موضوعاتها من مقولات متباينة بل متنافرة، فكيف يكون بينها جامع ذاتي؟

فقال شيخنا: هذا الإشكال حق، إلّا أنه يرد على صاحب (الكفاية) القائل بأنّ الموضوع الجامع يتّحد مع موضوعات المسائل اتّحاد الطبيعي مع أفراده، أمّا المشهور فلا يقولون بهذا كما أشرنا.

و قد اجيب عن الإشكال المذكور بأنّ الأحكام الشرعيّة، و إنْ كانت قضايا اعتباريّة بلحاظ المعتبَر و المنشأ، إلّا أنها حقيقيّة بلحاظ نفس الاعتبار و مبادئ الحكم، لكونها من مقولة الكيف النفساني، و هي بهذا الاعتبار تكون مورداً لحكم العقل بحقّ الطّاعة و العبوديّة الذي هو الغرض الملحوظ في علم الفقه. و أمّا تباين موضوعات المسائل الفقهيّة فجوابه: إنّه لا بدّ و أن يراد بالموضوع الواحد لكلّ علمٍ وجود محور واحدٍ تدور حوله كلّ بحوث العلم الواحد، و هذا قد لا يتطابق مع ما يجعل موضوعاً للمسائل بحسب التدوين خارجاً ... فالمقصود من الموضوع الواحد هو المحور الواحد للبحوث في المسائل لا ما جعل موضوعاً لها في مرحلة التدوين، و هذا المحور لا يلزم أنْ يكون موضوعاً في تلك المرحلة، فقد تتطابق الموضوعيّة- أي المحوريّة- مع الموضوعيّة في مرحلة التأليف، و قد لا تتطابق، و التطابق بينهما غير لازم‏ (1).

فإنْ كان ما ذكر نظريّةً جديدة، فقد يمكن المساعدة عليها، لأنّ وجود

____________

(1) بحوث في علم الاصول، مباحث الدليل اللفظي 1/ 41.

12

محورٍ لكلّ علمٍ تدور عليه بحوثه أمر ارتكازي غير قابل للإنكار، و أمّا إن كان شرحاً و توجيهاً لقول صاحب (الكفاية) و المشهور، ففيه تأمّل لأنه لا يتحمَّل هذا التوجيه و التفسير، و أمّا كلمات أعلام المعقول في المقام، فلا بدّ من مراجعتها ... و اللَّه العالم.

المطلب الثاني: ما هي حقيقة موضوع العلم؟

قالوا: هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، ثم اختلفوا في المراد من «العرض الذاتي» هنا، فأمّا «العرض» فالمراد منه: ما كان خارج عن الذات و محمولًا عليه و ان كان جوهراً كالذات، كالناطق بالنسبة إلى الحيوان، حيث يحمل عليه و هو خارج عنه، و هو نفسه جوهر.

رأي المشهور

أمّا «الذاتي» منه، فالمشهور على أنّه ما كان خارجاً عن الذات، لكنه لاحق للذات و ثابت له باقتضاء جوهر الذات. و ذهب جماعة من المتأخّرين- و تبعهم المحقق صاحب (الكفاية)- إلى‏ أنّ العرض الذاتي ما لا واسطة له في العروض، في مقابل ما له واسطة فيه، ففي قوله (رحمه اللَّه) «أي بلا واسطة في العروض» إشارة إلى اختيار هذا القول خلافاً للمشهور.

ثم إنّ المشهور قسّموا ما كان باقتضاء جوهر الذات إلى قسمين:

أحدهما: ما كان باقتضاء جوهر الذات بلا واسطة في العروض، و سمّوه بالعارض الذاتي الأوّلي، كعروض الناطق على الحيوان، حيث أنه خارج عن ذات الحيوان محمول عليه، و لا واسطة في هذا الحمل و العروض و اللحوق، اذ علّة لحوق الفصل للجنس ليس إلّا الجنس، و علّة لحوق الجنس للفصل‏

13

ليس إلّا الفصل.

و ثانيهما: ما كان باقتضاء جوهر الذات لكن مع الواسطة في العروض، و الواسطة:

تارةً: أمر مساوٍ للموضوع داخلي، و هذا منحصر بالفصل، مثاله:

التعجّب العارض على الإنسان بواسطة أمرٍ مساوٍ داخلي و هو الناطق، لأن الإنسان متعجّب بعلّة كونه ذا نفس ناطقة.

و اخرى‏: أمر مساوٍ له خارجي، و مثاله: الضاحك العارض على الإنسان بواسطة التعجّب، و التعجّب واسطة خارجية مساوية للإنسان.

قالوا: و ما كان غير ذلك فهو عرض غريب، فالأعراض الغريبة ثلاثة:

ما كان خارجاً عن الذات عارضاً عليه بواسطة أمر أعم، و هو تارةً:

داخل في الذات، مثل «الحيوان» يكون واسطة لعروض الإرادة على الإنسان، و الحيوان أعم من الإنسان، و اخرى: خارج عن الذات، «كالجسم» يكون واسطة لعروض التحيّز على الأبيض، و الجسم أعم من الأبيض. فهذا قسمان.

و ما كان خارجاً عن الذات عارضاً عليه بواسطة أمر خارجي أخص.

و هذا هو القسم الثالث من أقسام العرض الغريب، كالتعجّب العارض على الحيوان بواسطة الإنسان، و الإنسان أخص من الحيوان.

و على الجملة، فهنا تعريفان، أحدهما للمشهور، و هو أن موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي عمّا يلحق الموضوع باقتضاء ذاته، إمّا بلا واسطة و إمّا بواسطة أمرٍ مساوٍ، سواء كان المساوي داخليّاً أو خارجياً.

و الثاني: ما اختاره صاحب (الكفاية) من أنّ موضوع كلّ علمٍ ما يبحث فيه عن عوارضه العارضة عليه بلا واسطة.

14

و يظهر الفرق بين المسلكين في علم الاصول في كثير من المسائل، فمثلًا نقول: هل الأمر بالشي‏ء، الوارد في الكتاب و السنّة، يقتضي النهي عن ضدّه الخاص أو العام؟ فاقتضاء النهي أو استلزامه يعرض على الأمر، فعلى مسلك المحقق الخراساني يكون هذا العروض بلا واسطة، و يكون الاقتضاء حقيقيّاً و بلا عناية، أما على مسلك المشهور، فإنّ هذا العروض إنما هو بواسطة أمر أعم، لأنّ ذلك لا يختص بالأمر الكتابي بل كلّ أمر كذلك- بناءً على القول به- سواء وقع في الكتاب أو لا؛ و كذا في السنّة، فهناك عروض بواسطة أمر أعم، و العارض على الشي‏ء بواسطة الأمر الأعم من العوارض الغريبة عندهم كما تقدّم.

و أيضاً: لا يلزم بناءً على مذهب صاحب (الكفاية) أنْ يكون العروض باقتضاء ذات المعروض، إذ الملاك عندهم هو أن لا تكون واسطة في العروض، وعليه، فالحجيّة تثبت للخبر مثلًا، لعدم الواسطة في عروضها عليه، مع أنها ليست باقتضاء ذاته.

السبب في عدول الكفاية

ثم إنّ السبب في عدول أصحاب هذا القول- كصاحب (الكفاية)- عمّا قاله المشهور، هو التخلص من اشكالٍ يلزم عليه، و توضيح ذلك هو: إنّ المحمولات في مسائل العلوم تعرض على موضوعاتها، و تلك الموضوعات هي الواسطة لعروضها على موضوع العلم، فمثلًا- في علم النحو- يعرض الرفع على الفاعل، و بواسطته يعرض على الكلمة التي هي موضوع علم النحو، لكنّ «الفاعل» أخص من «الكلمة» فيلزم أن يكون هذا البحث في علم النحو بحثاً عن العرض الغريب. و كذا في غيره من العلوم، كالفقه مثلًا،

15

فبناءً على أن موضوعه «فعل المكلَّف» يكون الوجوب عارضاً على الصّلاة، و بتوسّط الصلاة يعرض على موضوع العلم الذي هو فعل المكلَّف و هو أعم من الصّلاة. و كما يكون موضوع المسألة أخص من موضوع العلم- كما في علمي النحو و الفقه كما ذكرنا- كذلك قد يكون أعم، و ذلك كما في علم الاصول، فيكون العروض بواسطة أمر أعم، لأن الموضوع فيه- على المشهور- الأدلّة الأربعة، لكن البحث عن وجوب المقدمة و عدمه- مثلًا- غير مختص بالخطابات الشرعيّة، و كذا في مسألة اقتضاء الأمر للنهي عن الضد، أو ظهور الأمر في الوجوب، و نحو ذلك.

أمّا بناءً على تفسير العرض الذاتي بما لا واسطة له في العروض، فالإشكال مندفع، إذ المناط عدم الواسطة في العروض، و هو حاصل، لكون موضوع العلم متحداً وجوداً مع موضوع المسألة، لأن «الفاعل» متّحد وجوداً مع «الكلمة»، و كذا «الصّلاة» مع «فعل المكلّف»، و إنْ اختلفا مفهوماً، و لذا قال في (الكفاية): «هو نفس موضوعات مسائله عيناً و ما يتّحد معها خارجاً، و إنْ كان يغايرها مفهوماً ...».

يعني: إن نسبة موضوع المسألة إلى موضوع العلم نسبة النوع إلى الجنس، فموضوع العلم إنْ لوحظ لا بشرط بالنسبة إلى موضوعات المسائل، كان العرض فيها عرضاً ذاتيّاً لموضوع العلم، و إنْ لوحظ بشرط لا، صار عرضاً غريباً. مثاله: «الحيوان» فإنّه إن لوحظ بشرط لا بالنسبة إلى الناطق و الصاهل، كان التعجّب العارض عليه عرضاً غريباً و إسناد التعجّب إليه مجازيّاً، و إنْ لوحظ متّحداً مع الناطق و كان وجودهما واحداً، كان التعجّب العارض بواسطة الناطق عرضاً ذاتيّاً بالنسبة إلى الناطق و بالنسبة إلى الإنسان.

16

كان هذا بيان الإشكال و شرح طريق المحقّق الخراساني لدفعه.

و قد حقّق شيخنا دام ظلّه هذا الطريق و فصّل في المقام بما حاصله: أنّ هذا الطّريق إنّما يفيد في الواسطة التي هي أعم، و علم الاصول من هذا القبيل كما تقدّم، إذ العروض و إنْ كان بواسطة أمر أعم، لكنّ الصّدق حقيقي عرفاً و ليس مجازيّاً. أمّا في سائر العلوم التي يكون موضوع المسألة فيها أخص، فالإسناد ليس حقيقيّاً لا عقلًا و لا عرفاً، فيكون الإشكال فيها باقياً على حاله.

كما أنّ جواب صدر المتألّهين- و المحقق الأصفهاني- عن الإشكال، إنما يفيد فيما إذا كانت الواسطة و العارض موجودين بوجودٍ واحدٍ، كالجوهرية و الجسميّة، فإنّهما موجودان بوجودٍ واحدٍ و مجعولان بجعل واحد، الجوهر يوجد بنفس تعلّق الجعل بالجسم، فالجسم و إنْ عرض على «موجود» بتوسط «جوهر» لكنّ «جوهر» واسطة للعروض بحسب الترتيب العقلي، إذ الموجود عقلًا يكون ممكناً و الممكن يصير جوهراً، و الجوهر يصير جسماً، لكنّ الإمكان و الجوهريّة و الجسميّة كلّها موجودة بوجود واحد.

فنفس هذه الجسميّة تصير من العوارض الذاتيّة للموجود بتوسط الجوهريّة التي هي عارضة بتوسط الإمكان- أي الإمكان الفقري- إلّا أنّ كلّ ذلك عروض ذاتي، لأنها جميعاً موجودة بوجودٍ واحد.

بخلاف ما إذا كانت الواسطة و العارض موجودين بوجودين، كالتعجّب العارض على الحيوان بواسطة الإنسان، فالعارض غريب لا ذاتي ... و الإشكال حينئذٍ باق.

و المحقق النائيني حاول دفع الإشكال بالنزاع في الصغرى، فأنكر أنْ يكون العارض على الجنس بواسطة النوع عرضاً غريباً.

17

لكنّ ما ذكره (قدّس سرّه) لا ينسجم مع تصريحات أكابر الفلاسفة، كالشيخ و الخواجه و غيرهما، في تعريف العرض الذاتي، و كلّهم يجعلون ما ذكر من العرض الغريب لا الذاتي.

رأي السيد الخوئي‏

و في (المحاضرات) ما ملخّصه: إن أساس الإشكال أمران هما: الالتزام بأنّ البحث في العلوم لا بدّ و أن يكون من الأعراض الذاتيّة لموضوع العلم.

و الالتزام بأن العارض على الشي‏ء بواسطة الخارج الأخص أو الداخل الأعم، من الأعراض الغريبة لا الذاتيّة.

قال: و يمكننا منع كلا الأمرين على سبيل منع الخلو، بأنْ يقال: كلّ مسألة ترتّب عليها الغرض الذي لأجله دوّن العلم فهي من مسائل ذاك العلم، سواء كان المحمول فيها من العوارض الذاتيّة لموضوع العلم أو لا، و الاختصاص في البحث عن الذاتي فقط لا دليل عليه بالخصوص.

قال: و لو سلّمنا لزوم ذلك، لأمكن دعوى أنّ العارض بواسطة الخارج الأخص أو الداخل الأعم، من العوارض الذاتيّة.

قال الاستاذ:

أمّا منع الأمر الثاني فكما ترى، لأنه ينافي ما اصطلحوا عليه.

و أمّا منع الأمر الأول، فقد سبقه إلى ذلك المحقق الأصفهاني، حيث ذكر أنّ كثيراً من مسائل العلوم يشتمل على البحث عمّا لا يكون عرضاً ذاتياً لموضوع العلم، من أجل دخله في الغرض المطلوب من تدوين ذاك العلم و بحوثه.

و قد قرّر شيخنا الاستاذ هذا الإشكال، حيث ذكر أن أدلّة القوم على تلك‏

18

الدعوى أربعة:

الأول: إن لم يكن كذلك، لم تكن العلوم متباينة.

و الثاني: إن لم يكن كذلك، لا يكون للعلم موضوع خاص به.

و الثالث: أنه إذا بحث في العلم عن العرض الغريب، لزم أن يكون العلم الجزئي كليّاً.

و الرابع: أنّه إذا بحث في العلم عن العرض الغريب، لزم تداخل العلمين.

ثم ناقش هذه الأدلّة، و أوضح عدم وفاء شي‏ء منها لإثبات الدعوى المذكورة.

و هذا تمام الكلام في المطلب الثاني.

المطلب الثالث: في الاتحاد و التغاير بين موضوع العلم و موضوعات المسائل‏

ذكر المحقق صاحب (الكفاية): أن موضوع العلم متّحد مع موضوعات مسائله خارجاً، و إن كان بينهما تغاير مفهوماً، كتغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده.

و قد اورد على الاتّحاد الذي ذكره، بوجوهٍ لا جواب عن بعضها، كالإشكال بأنّ موضوع علم الطب هو بدن الإنسان، و نسبته إلى موضوعات مسائله نسبة الكلّ إلى الأجزاء لا الكلّي إلى المصاديق.

19

تمايز العلوم‏

و اختلف الأعلام في الجامع بين موضوعات مسائل العلم الواحد و المائز بين العلوم، فقيل: الوحدة الاعتبارية، و قيل: الموضوعات، و قيل:

المحمولات، و قيل: الأغراض.

و هذا الأخير هو مختار صاحب (الكفاية) حيث قال: «و المسائل عبارة عن جملةٍ من قضايا متشتّتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دُوّن هذا العلم ... و قد انقدح بما ذكرنا أن تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين، لا الموضوعات و لا المحمولات ... و إلّا كان ...».

فنقول: كلّ علمٍ مدوّن فله موضوع يبحث عنه فيه، في مسائل متشتّتة متكوّنة من موضوعات و محمولات، و هذا التشتّت قد يكون من جهة الموضوع، و قد يكون من جهة المحمول، و قد يكون من جهة الموضوع و المحمول معاً، فما هو الجامع بين هذه المسائل المتشتتة؟ و ما هو المائز بين هذا العلم و غيره من العلوم؟

الآراء في المقام:

مذهب المشهور هو أنّ التمايز بالموضوعات، لأنّ هناك بين مسائل كلّ علمٍ من العلوم جهة اتّحاد، عبّر عنها الشيخ ابن سينا و غيره بالتناسب، و هذا التناسب غير حاصل بالمحمولات، لأنّها إنّما تكون ملحوظة بالعرض، و كلّ ما بالعرض ينتهي إلى‏ ما بالذّات، و كذا الأغراض، فلا بدّ و أن يكون‏

20

بالموضوعات، فهي الجامعة و المائزة.

و اختار المحقق البروجردي أنه بالمحمولات، و نسبه إلى مشهور القدماء.

و بما ذكرنا يظهر ما فيه و في النسبة إليهم.

و قد خالفهم المحقق الخراساني، مع قوله بأنّ موضوع كلّ علمٍ ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، و مقتضاه: أن تكون الموضوعات هي الجامعة بين شتات المسائل، لأمرين:

أحدهما: إن في علم الاصول مسائل كثيرة هي من مسائل علوم اخرى، فجعل الغرض هو الجامع فراراً من هذا المشكل، لأن المسائل- و إنْ تداخلت بين العلوم- تختلف من ناحية الغرض الداعي إلى تدوينها، فلا مانع من كون المسألة الواحدة من مسائل علمين، و هما متمايزان لاختلاف الغرض.

و الثاني: إنّه و إنْ كان لكلّ علمٍ موضوعاً يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، إلّا أنّ لازم القول بتمايز العلوم بالموضوعات أنْ يكون كلّ بابٍ من كلّ علمٍ علماً على حده، و كذا بناءً على‏ كونه بالمحمولات، فجعل الغرض هو الجامع فراراً من هذا المشكل.

و فصّل المحقق الخوئي في المقام، فوافق صاحب (الكفاية)- من كون المائز هو الغرض ليس إلّا- في بعض الصور و خالفه في البعض الآخر، فقال:

بأنّه تارةً يراد من التمايز مرحلة الإثبات لمن يجهل العلوم، و اخرى يراد منه التمايز في مرحلة الثبوت و في مقام التدوين.

أما المقام الأول: فحقيقته أن كلّ شخص إذا كان جاهلًا بحقيقة علمٍ من العلوم و أراد الإحاطة به و لو بصورة إجمالية، فللعالم بذاك العلم أنْ يميّزه له‏

21

عن غيره من العلوم بما شاء من التمييز، بالموضوع أو المحمول أو الغرض، كأن يقول له في مقام تعريف علم النحو: إن موضوعه الكلمة و الكلام، أو يقول: غايته حفظ اللسان عن الخطأ من المقال، أو يقول: محموله الإعراب و البناء.

و أما المقام الثاني: فلأن المؤلّف و المدوّن للعلم يختلف تمييزه له عن غيره باختلاف الدواعي.

فتارة: يكون هناك غرض خارجي يترتب على العلم و المعرفة بتلك المسائل التي دوّنها، فلا بدَّ من البحث عن كلّ مسألةٍ اشتملت على ذلك الغرض، كما أن التمييز حينئذٍ لا بدّ و أن يكون بالغرض، و ليس له التمييز بالموضوعات، إذ لا عبرة- في الغرض- بوحدة الموضوع و تعدّده، على أنه يقتضي أن يكون كلّ باب بل كلّ مسألة علماً على حدة، كما ذكر صاحب (الكفاية).

و أخرى: يكون الداعي إلى التدوين نفس العلم و المعرفة، دون أنْ يكون هناك غرض خارجي يدعوه إلى تدوين المسائل. و هذا يكون على نحوين، فتارةً هناك موضوع يريد أن يبحث عن أحواله، كما في علم الطب، فلا بدّ من التمييز بالموضوع، و اخرى هناك محمول يريد أن يبحث عمّا يعرض عليه ذلك المحمول، كالحركة و السكون، فلا بدّ من التمييز بالمحمول فقط (1).

و حاصله: الموافقة مع صاحب (الكفاية) في خصوص ما إذا كان الغرض من التدوين هو غرض خاص، كالصحّة و المرض في علم الطب،

____________

(1) تعليقة أجود التقريرات 1/ 11 مؤسّسة صاحب العصر (عليه السلام)، مصابيح الاصول 19- 20.

22

و حفظ اللّسان في علم النحو، و صيانة الفكر في علم المنطق، و المخالفة فيما إذا لم يكن الغرض من التدوين إلّا المعرفة.

مناقشة الاستاذ

و أورد شيخنا الاستاذ على دليل مائزيّة الغرض بنحو الإطلاق- كما عليه في (الكفاية)، أو موجبةً جزئيّة كما عليه المحقق الخوئي- بأنّ ما ذكر من:

لزوم كون كلّ باب علماً على حده لو كان التمايز بالموضوع، لازم القول بمائزيّة الغرض كذلك، لأنّ الغرض الحاصل من حجيّة الاستصحاب مغاير للغرض الحاصل من مسألة منجّزية العلم الإجمالي، هذا في علم الاصول، و في المنطق كذلك، إذ الغرض الحاصل من مباحث المعرّف مغاير للغرض الحاصل من مباحث القضايا، فهما غرضان، و هكذا.

فإن قيل: الأغراض المترتبة على المباحث و الأبواب لها جامع، و ذلك الغرض الجامع غير داخل تحت غرض جامع آخر، فالأغراض المترتّبة على الأبواب في علم الاصول و إن كانت مختلفة، لكنّها كلّها تجتمع تحت غرضٍ واحدٍ جامعٍ لها، و هو التمكّن من استنباط الوظيفة الشرعية- بالمعنى الأعم، من العلم و العلمي و الأصل العملي- و ليس هناك غرض فوقه.

و كذا الأمر في علم المنطق و غيره.

قلنا: القائل بكون التمايز بالموضوعات أيضاً يقول نظير هذا، فهو يقول بأنّ هناك موضوعاً جامعاً بين موضوعات المسائل و الأبواب، يبحث في العلم عن العوارض الذاتيّة لذلك الموضوع، فالافتراق بين العلوم يكون باختلاف الموضوعات في العوارض الذاتيّة، حيث أنّ في كلّ أبواب هذا العلم يبحث عن العوارض الذاتية للموضوع الجامع بين الموضوعات، ذلك الموضوع‏

23

الذي لا يبحث في غير هذا العلم عن عوارضه ... و بالجملة: فإنّه لا يقع في علم آخر بحث عن العوارض الذاتية للموضوع المبحوث عن عوارضه في هذا العلم، و هذا الملاك موجود في موضوعات العلوم، و لا يوجد في موضوعات الأبواب.

فما ذكره صاحب (الكفاية)- و وافقه في (المحاضرات) موجبةً جزئية- مخدوش نقضاً و حلّاً.

آراء الاستاذ

ثم إن شيخنا الاستاذ اختلفت كلماته في هذا المقام، فقد اختار في الدورة الاولى: أن الفرق بين الأبواب و المسائل، و بين العلوم، بأن العلوم يمكن أنْ تتعدّد بتعدّد الموضوعات، لعدم الجامع المشترك بين الموضوعات الموجبة لتعدّد العلوم، بخلاف الأبواب و المسائل، فقولهم- في علم النحو مثلًا- الفاعل مرفوع، و المفعول منصوب، و المضاف إليه مجرور، يمكن تصوير جامع بينها و هو الكلمة و الكلام، لصدقه على كلٍّ من الموضوعات الثلاثة على حدٍّ سواء.

ثم إنّه عدل عن هذا، لكونه إنّما يتمّ في بعض العلوم دون الجميع، فقد تكون النسبة بين موضوعي علمين نسبة العموم و الخصوص كالطب و الطبيعي، فبينهما جامع مشترك كالجامع بين البابين من العلم الواحد أو المسألتين، فليس الموضوع ما به التمايز في مثل ذلك.

و اختار في الدورة الثانية- التي حضرناها: أنّ التمايز يمكن أن يكون بالموضوعات، كما ذكر المشهور، أمّا في المسائل و الأبواب من العلم الواحد فالمحمولات فيها عوارض ذاتيّة للموضوع دائماً، فلا يلزم من كون الموضوع‏

24

ملاكاً للتمايز أنْ تكون الأبواب و المسائل من كلّ علمٍ علوماً على حده، كما ذكر صاحب (الكفاية).

لكنّ هذا إنّما يتم على مبنى المشهور في حقيقة موضوع كلّ علم.

و أفاد في الدورة المتأخّرة- في مقام المناقشة مع مبنى صاحب (الكفاية)- أن هناك- بالضرورة- ارتباطاً بين الأغراض المختلفة و المسائل المختلفة، و هذا الارتباط في العلوم الاعتبارية- كعلم النحو- اعتباري، و في العلوم غير الاعتبارية كعلم الطب ذاتي، و الذاتي إمّا هو من ارتباط الشي‏ء بمقتضيه و إمّا من ارتباط الشي‏ء بشرطه، فالغرض الحاصل من العلم يحصل من ترتّب المحمولات على الموضوعات، و هذا الترتّب إنما يكون لأجل الارتباط، كما أنّ حصول الغرض لا يكون إلّا بارتباطٍ بينه و بين الموضوع.

و مقتضى القاعدة أنْ يكون التمايز في الدرجة الأولى بما هو متقدّم على الغرض، و هو المنشأ في تمايز الأغراض، و هو المسائل.

أقول: فيكون ما ذهب إليه أخيراً قولًا آخر في البحث، و حاصله: أنّه إن كان للعلم موضوع- كعلم الطبيعي الذي موضوعه الجسم من حيث الحركة و السّكون- فالتمايز بينه و بين غيره يكون بموضوعه الجامع بين موضوعات مسائله، و إن لا يكون له موضوع بسبب اختلاف مسائله اختلافاً لا جامع ذاتي بينها ينطبق على موضوعات مسائله، فالتمايز يكون بالمسائل.

ثم ذكر إشكال المحقق الخراساني في (الكفاية) بأنّه لو كان الامتياز بالمسائل لم يبق أيّ تداخل لعلم الاصول مع بعض العلوم في بعض المسائل، مع وجود هذا التداخل بالضّرورة و كونها مشتركة بينه و بينها ... فاضطرّ إلى إنكار الاشتراك قائلًا ما حاصله: بأنّ المسألة المطروحة في علم الاصول و غيره‏

25

و إنْ كانت متّحدةً في ظاهر لفظها و عنوانها، إلّا أن الجهة المبحوث عنها في كلّ علم تختلف عن الجهة المبحوث عنها في غيره، و مثّل لذلك بمسألة جواز اجتماع الأمر و النهي المطروحة في الاصول و الفقه و الكلام معاً، و أفاد بأنّها و إنْ كانت بهذه الصيغة إلّا أنها في الحقيقة تعدّ في كلّ علمٍ مسألة مستقلّة عنها في غيره.

أقول: لكنْ يمكن المناقشة فيه: بأنّ المسألة تتشكّل من الموضوع و المحمول و النسبة، و كما أنّ المسألة متقدّمة على الغرض، و ما به الامتياز يكون قبل الغرض، كذلك الموضوع فهو متقدّم على المحمول و على المسألة المتشكّلة منهما، فلولا الموضوع لم يكن المحمول و لا المسألة، و بالجملة، فالذي ذكره في جواب مسلك صاحب (الكفاية) ينفي ذلك المسلك و لا يثبت ما ذهب إليه، بل يقوّي مبنى التمايز بالموضوعات كما اختاره في الدورة الثانية، و في بعض العلوم في الدورة المتأخّرة ...

و أمّا ابتناء ذلك على مسلك المشهور من ضرورة وجود الموضوع لكلّ علم، فواضحٌ أنّ جميع هذه البحوث إنما هي على أساس ذاك المبنى، و إلّا فقد تقدم منه دام ظلّه أنْ لا برهان على ضرورة وجود موضوع جامع بين موضوعات المسائل، و على أن البحث في العلوم لا بدَّ و أنْ يكون عن الأعراض الذاتيّة.

القول بالوحدة الاعتباريّة:

و أمّا القول بالوحدة الاعتباريّة، فقد جاء في (نهاية الدراية)- لدى الجواب عن إشكال صاحب (الكفاية) على قول المشهور بلزوم كون كلّ باب من أبواب علم واحدٍ بل كلّ مسألة منه علماً برأسه لتمايز موضوعاتها- ما

26

حاصله: إن تمايز العلوم يمكن أن يكون بالموضوع الجامع بين المسائل، لأن العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعدّدة بينها وحدة اعتبارية، و الموضوع الجامع بين مسائله هو المائز بينه و بين غيره من العلوم، و لا يلزم من ذلك أن يكون كلّ بابٍ أو كل مسألةٍ علماً على حدة، لوجود نوع سنخيّة بين أبواب كلّ علم، بالإضافة إلى اشتراكها جميعاً في تحصيل الغرض الواحد.

و قد أجاب عنه شيخنا الاستاذ بأنّه- في الحقيقة- التزام بما جاء في (الكفاية) و ليس جواباً عنه، إذ اللّازم حينئذٍ هو التحقيق عن منشأ تلك الوحدة و التعدّد، و أنها لوحدة الموضوع و تعدّده أو لوحدة الغرض و تعدّده.

القول بالتمايز بالمحمولات:

و أمّا القول بكون التمايز بالمحمولات، فقد اختاره السيد البروجردي، وعليه حمل كلام القدماء، قال: «الحق مع القدماء حيث قالوا: إن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، إذ المراد بموضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و ليس هو إلّا عبارة عن جامع محمولات المسائل الذي يكون تمايز العلوم بتمايزه» (1).

و قد مهّد لتوضيح هذا القول خمس مقدمات، و لعلَّ عمدة كلامه في بيان مرامه هو: «إن جامع محمولات المسائل في كلّ علمٍ هو الذي ينسبق أوّلًا إلى الذهن و يكون معلوماً عنده، فيوضع في وعاء الذهن، و يطلب في العلم تعيّناته و تشخّصاته التي تعرض له، مثلًا: في علم الإلهي بالمعنى الأعم يكون نفس الوجود معلوماً لنا و حاضراً في ذهننا، فنطلب في العلم تعيّناته‏

____________

(1) نهاية الاصول: 8.

27

و انقساماته اللاحقة له، من الوجوب و الإمكان ... فصورة القضيّة و إنْ كان هو قولنا: الجسم موجود مثلًا، و لكن الموضوع حقيقةً هو عنوان الموجودية، و كذلك في علم النحو، فإنّ أوّل ما ينسبق إلى ذهن المتتبّع لاستعمالات العرب إنما هو إعراب آخر الكلمة، فيطلب في علم النحو الخصوصيات التي بسببها يتحقّق الإعراب و اختلافاته، فالموضوع حقيقةً في «الفاعل مرفوع» هو وصف المرفوعية، و كذا في غير هذا المثال.

فالحاصل: إن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، أعني بها جامع محمولات المسائل، و تمايز المسائل بتمايز الموضوعات فيها».

و هذا الذي ذكرناه عنه هو عمدة كلامه (رحمه اللَّه) و ربما يوجد بين هذا الكلام، و ما ذكره في المقدّمة الأولى- حول موضوع علم الإلهيات بالمعنى الأعم- منافاة، و من هنا أشكل الشيخ الاستاذ على المقدّمة الأولى، فراجع، و لكنّ هذا الكلام إنّما يتمّ في علم الاصول فقط، حيث أنّ المتبادر إلى الذهن فيه و الذي يبحث عن تعيناته هو «الحجّة»، إلّا أنّ الواقع في سائر العلوم هو أخذهم الشي‏ء موضوعاً ثمّ بحثهم عن خصوصياته و تعيّناته، فالموضوع في علم الحساب هو «العدد» و في علم النحو «الكلمة و الكلام» و في الإلهيّات بالمعنى الأعم هو «الوجود» باتّفاق الفلاسفة، فلم يكن «الوجود» عندهم محمولًا أصلًا، و نسبة القول بكون الموضوع هو الجامع بين المحمولات إلى القدماء غير تامّة كما ذكر شيخنا الاستاذ دام ظلّه.

28

موضوع علم الاصول‏

لا يشترط أن يكون لكلّ علمٍ موضوع، لعدم الدليل التام على ذلك، مؤيّداً بما حكاه شيخنا عن الشفاء و شرح الإشارات و أساس الاقتباس و الجوهر النضيد، من أن العلوم تارةً تتشكّل من موضوع واحدٍ و اخرى من موضوعات.

و على هذا، فلا يعتبر أن يكون لعلم الاصول موضوع خاص، بل لا يكون له موضوع لأمرين:

أحدهما: إن علم الاصول ليس من العلوم المطلوب منها المعرفة فقط، بل الغرض منه هو التمكّن من استنباط الأحكام الكليّة الإلهيّة، و كلّ علمٍ يدوَّن لغرضٍ، فالمقصود تحصيل الغرض و الوصول إليه، سواء كان له موضوع أو لم يكن.

و الآخر: إنَّ موضوعات مسائل هذا العلم مختلفة و غير قابلة لتصوير جامع بينها، إذ يستحيل تصوير جامع بين الخبر و الشهرة و اليقين- و هو موضوع الاستصحاب- و الوجوب، و هو موضوع مسألة مقدمة الواجب ...

و هكذا ..

رأي صاحب الكفاية

و من هنا أيضاً يظهر ما في مختار (الكفاية) من وجود الجامع، و أنّ نسبته إلى موضوعات المسائل نسبة الكلّي إلى المصاديق، و إنْ لم يكن له عنوان خاص و اسم مخصوص .... فَجَعَلَ موضوع علم الاصول: الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة.

29

رأي المشهور

و منه أيضاً يظهر ما في القول المعروف من جعله «الأدلّة الأربعة»، على الوجوه الأربعة و هي: احتمال أن تكون هي الموضوع بوصف الدليليّة، و أنْ تكون هي الموضوع لا بوصف الدليليّة، فالدليليّة على الأول جزء من الموضوع و على الثاني من أحواله، و احتمال أن يكون المراد من «السنّة» منها هو المحكي بها، و هو قول المعصوم و فعله و تقريره، و يكون المراد منها الأعم من المحكي و الحاكي، و هو الخبر.

مضافاً إلى وجود الإشكال في كلٍّ من هذه الوجوه الأربعة.

و توضيح الإشكال في ذلك هو أنّه:

إن‏ كانت الأدلّة الأربعة موضوع العلم بوصف دليليّتها، بمعنى أن البحث يكون عمّا يعرض الدليل بعد الفراغ عن دليليّته، كما عن المحقق القمّي، ففيه: أنّه لا يتناسب مع قولهم: لكلّ علم موضوع جامع بين موضوعات مسائله، يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، إذ لا جامع بين العقل و الإجماع، كما أن «السنّة» عنوان مشير إلى «القول و الفعل و التقرير» و ليس جامعاً، إذ لا جامع بين الثلاثة.

فهذا الوجه ينافي قولهم بذلك، لكن صاحب (الحاشية) جمع بين هذين المتنافيين.

و أيضاً: فإن لازم هذا الوجه خروج أكثر مسائل علم الاصول، عدا مباحث الألفاظ، إذ البحث عن الخبر و الشهرة و الاستصحاب و غيرها إنّما هو عن أصل الدليليّة و الحجيّة.

و إنْ‏ كانت هي الموضوع لكنْ لا بوصف الدليليّة، كما عليه صاحب‏

30

(الفصول)، ارتفع الإشكال الثاني، بناءً على كون المراد من «السنّة» هو الأعم من الحاكي، بالنسبة إلى قسم من المسائل، و هي التي يكون البحث فيها عن أصل الدليليّة، لكن مباحث الاستلزامات العقلية، و مباحث الإطلاق و التقييد، و العموم و الخصوص، و نحوها من مباحث الألفاظ، كلّها تخرج، لأنّ البحث ليس عن عوارض الأدلة الأربعة، فيكون من العوارض الغريبة، لكون الموضوع في كل هذه المباحث أعمّ من الكتاب و السنّة، كما أنّ الشهرة أيضاً تخرج، إلّا أن تدخل في السنّة، لكونها- كالخبر- حاكية.

و أمّا بناءً على كون المراد من «السنّة» خصوص المحكي، و هو «القول و الفعل و التقرير» فيضاف الإشكال بخروج مباحث حجيّة الخبر، و مباحث باب التعارض، لأنّ البحث هناك إنما هو عن حجيّة الخبر الحاكي، و المفروض عدم كونه سنّةً، فلا يكون البحث بحثاً عن عوارض الأدلة الأربعة.

و قد حاول الشيخ الأعظم دفع هذا الإشكال بإرجاع البحث عن خبر الواحد إلى البحث عن ثبوت السنّة، بأنّ البحث في الحقيقة: أنّه هل السنّة- التي هي عبارة عن قول المعصوم و فعله و تقريره- كما تثبت بالخبر المتواتر و بالقرينة القطعية، تثبت بخبر الواحد الثقة أو لا تثبت؟ فيكون بحثاً عن عوارض السنّة.

لكنّ هذه المحاولة غير مفيدة، لأنّه إنْ اريد بالثبوت: الثبوت الواقعي الخارجي، فقد أورد عليه شيخنا- تبعاً للمحقق الخوئي- بأن الخبر حينئذٍ حاك و كاشف عن السنّة، و الكاشف عن الشي‏ء في رتبةٍ متأخرة عنه، و يستحيل أن يكون علةً له.

31

و أمّا ما أجاب في (الكفاية)- و تبعه الميرزا و العراقي- من أنّه حينئذٍ بحث عن الثبوت بمفاد كان التامة و ليس بحثاً عن عوارض السنّة، الذي هو بحث عن العوارض بمفاد كان الناقصة، فقد أجاب عنه شيخنا بإمكان إرجاعه إلى العوارض، لأنّ البحث ليس عن الوجود الخارجي للشي‏ء، بل هو عن وجوده بعلّةٍ خاصّة، و أنّه هل توجد السنّة و تثبت خارجاً بالخبر أو لا؟ فهو بحث بمفاد كان الناقصة.

و إن اريد بالثبوت: الثبوت العلمي، بأنْ يكون الخبر واسطةً في الإثبات، أي علةً للعلم بالسنّة- لا لوجودها- فيكون بحثاً عن العوارض، و عن مفاد كان الناقصة. ففيه: إنّ المبحوث عن حجيّته و هو خبر الواحد- يقبل الصّدق و الكذب، و لا يوجب العلم كما في المتواتر و المحفوف بالقرينة.

و إنْ اريد بالثبوت: الثبوت التعبّدي، بمعنى أنّ الشارع هل جعل خبر الواحد حجةً كاشفةً عن ثبوت السنّة؟ كان البحث بحثاً عن العوارض، لكن عن عوارض الخبر لا عن عوارض السنّة التي هي الموضوع.

قاله في (الكفاية) و تبعه غيره.

و أجاب الميرزا: بأنْ عنوان كون السنّة محكيّة يعرض لها بواسطة الخبر الذي هو مباين لها، فيكون من العوارض الغريبة (1).

قال شيخنا دام ظلّه: أمّا جواب (الكفاية) عن كلام الشيخ فوارد، لكنْ بناءً على أن مدلول أدلّة اعتبار خبر الثقة هو إنشاء الحكم المماثل. فهو جوابٌ مبنائي. و أمّا جواب الميرزا ففيه: إنّ حجية الخبر على مسلكه اعتبار الشارع الخبر علماً، لكنّ حصول هذه الصفة للخبر- أي: صفة العلمية الاعتبارية له-

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 9- 10.

32

إنما كان باعتبار الشارع، فكان اعتبار الشارع واسطة في ثبوته، وعليه، فإن هذا المعتبر يكون عرضاً غريباً للخبر.

ثم إنّ المحقق الأصفهاني حاول توجيه كلام الشيخ- على فرض إرادة الثبوت التعبّدي- على المسلكين: إنشاء الحكم المماثل، و المنجزيّة و المعذريّة، أمّا على الأول: فبأنّ الحكم الذي يجعل من قبل الشارع على طبق الحكم الذي أتى به المخبر كقول زرارة: صلاة الجمعة واجبة، له وجود حقيقي، فالحكم و إنْ كان اعتبارياً، إلّا أن الوجوب الصادر طبق قول زرارة وجوب حقيقي للحكم الظاهري الذي أخبر به زرارة، و هذا الوجود الحقيقي وجود تنزيلي للسنّة، فالبحث عن ثبوت السنّة بخبر الواحد بحث عن الثبوت التنزيلي لها بخبر الواحد، أي: هل السنّة تثبت تنزيلًا بالخبر أو لا؟

و أمّا على الثاني، فإنّ المنجزيّة و المتنجزيّة متضايفتان، فجعل الخبر منجزاً يلازم جعل السنّة متنجّزة، فيصحّ البحث عن كلٍّ منهما، بل الثبوت التعبّدي أكثر مساساً بالسنّة من التنجّز، حيث أن اعتبار الثبوت هو اعتبار كون الخبر وجوداً للسنّة (1)، و الحاصل: إنّ المسألة تكون اصوليّة، لأن البحث يقع عن أنه هل السنّة تصير متنجّزة بالخبر أو لا؟

لكن لا يخفى أنّ ما ذكره طاب ثراه إخراجٌ لعناوين المسائل المطروحة في العلم عن ظواهرها، و إرجاعٌ لها إلى قضايا و معانٍ اخرى، لأنّ موضوع العلم- كما هو مفروض- هو «السنّة» و المسألة هي: هل خبر الواحد حجة أو لا؟ فالحجيّة محمولة على الخبر، و هو حاكٍ عن السنّة و ليس بمصداقٍ لها ...

و لو أنّا أردنا إرجاع صور القضايا في العلم إلى قضايا اخرى، للزم خروج كثير

____________

(1) نهاية الدراية 1/ 37.

33

من مسائله عنه، فلو أرجعنا قولنا في الاصول: هل وجوب ذي المقدّمة يستلزم وجوب المقدّمة أو لا؟ إلى قولنا: هل مقدمة الواجب واجبة أو لا؟

لخرجت المسألة عن الاصول و دخلت في الفقه.

قال الاستاذ:

و التحقيق: إن الإشكال لا يندفع على أيّ المسالك الموجودة في باب حجيّة خبر الثقة، و هي أربعة:

أحدها: ما ذهب إليه المشهور، و هو إنشاء الشارع الحكم في مورد الخبر و غيره من الأمارات، كما قال العلّامة: ظنّية الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم، و اختاره المحقق الخراساني و المحقق العراقي في باب المجعول في الاستصحاب.

و الثاني: انّ المجعول في مورد الأمارات هو المنجزيّة و المعذريّة. و هو ما يستفاد من بعض كلمات المحقق الخراساني.

و الثالث: إن مدلول أدلّة اعتبار الخبر مثلًا جعله علماً و كاشفاً عن الواقع، و هو ما يعبّر عنه بمسلك تتميم الكشف، و هو مختار الميرزا.

و الرابع: تنزيل المؤدّى‏ منزلة الواقع.

و البحث عن حجيّة الخبر- على جميع هذه المسالك- بحث عن عوارضه لا عن عوارض السنّة ... و هذا هو مقتضى‏ الأدلة أيضاً، كقوله (عليه السلام): «لا عذر لأحدٍ من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا» (1) و قوله (عليه السلام): «العمري ثقتي، فما أدّى‏ إليك عنّي فعنّي يؤدّي و ما قال لك عنّي‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 150 ط مؤسّسة آل البيت، الباب 11 من أبواب صفات القاضي رقم: 40.

34

فعنّي يقول» (1) و التشكيك من عوارض الخبر لا من عوارض السنّة، و مقتضى الخبر الثاني هو تنزيل كلام الراوي منزلة كلامه، لا أنّ كلامه يثبت بكلام الرّاوي.

و تلخص: عدم تمامية القول بموضوعيّة الأدلّة الأربعة للاصول، مطلقاً.

هذا، و لا يخفى أن هذا ما استقرّ عليه رأي شيخنا أخيراً، أمّا في الدورة السابقة التي حضرناها، فقد اختار أنّ الموضوع ذوات الأدلة مع أعميّة السنّة، و أجاب عن الإشكال بخروج عدّةٍ من المباحث المهمة كالشهرة و مباحث الألفاظ و الاستلزامات العقليّة، بأنّه يبتني على القول بكون العرض الداخلي غريباً لا ذاتيّاً، و هو خلاف التحقيق، لعدم الواسطة في العروض في هذه المسائل، و عدم صحّة السّلب.

لكنّ هذا الجواب إنما يتمُّ في مباحث الألفاظ و نحوها، أمّا في الشهرة مثلًا فلا، و لذا التزم بكون البحث عنها في علم الاصول استطراديّاً، و هو كما ترى.

و أما ما ذهب إليه صاحب (الكفاية)- و تبعه الميرزا- من أنه كلّي منطبق على جميع موضوعات مسائله ... فغير صحيح أيضاً، لما عرفت من أن الصحيح أنْ لا جامع بين موضوعات مسائل علم الاصول.

رأي السيد البروجردي و المحقق الأصفهاني و الكلام حولهما

و ذهب المحقق البروجردي إلى أنّ الموضوع هو «الحجّة في الفقه»

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 138 ط مؤسّسة آل البيت، الباب 11 من أبواب صفات القاضي رقم: 4.

35

و تلقّاه بعضهم بالقبول و تعبيره: «ما هو الدليل على الحكم الشرعي»، و سيأتي ذكر رأي المحقق الأصفهاني.

و تقريب الاستدلال كما في تقرير بحثه‏ (1) هو: إنا نعلم بوجود الحجج الشرعيّة على الأحكام الشرعيّة، فلكلّ حكم من الأحكام دليلٌ، غير أنّا نجهل بتعيّنات تلك الأدلة و الحجج، و قد جعل علم الاصول للبحث عنها، و أنّه هل الدليل و الحجة على الأحكام الفقهية العملية هو خبر الواحد أو لا؟ ظاهر الكتاب أو لا؟ الشهرة أو لا؟ و هكذا. فالموضوع في الحقيقة هو ما يكون عندنا معلوماً، و المحمول ما يكون مجهولًا و نريد رفع الجهل عنه، مع لحاظ أن المراد من «العارض» هنا هو العارض المنطقي لا الفلسفي، فالمقصود ما كان خارجاً عن الشي‏ء و محمولًا عليه، أي: فكما يكون الوجود خارجاً عن ذات الجوهر و محمولًا عليه كذلك نقول: الخبر حجة، بمعنى أن الحجيّة خارجة عن ذات الخبر و محمولة عليه.

و الكلام على هذا الرأي يقع في جهتين، جهة الكبرى و أصل المبنى في موضوع كلّ علمٍ، وجهة التطبيق على علم الاصول، أمّا الجهة الأولى، فقد تقدّم الكلام عليها. و أمّا في الجهة الثانية، فقد طبق (رحمه اللَّه) ما ذكره على الخبر و الشهرة و الإجماع، و هذا لا كلام فيه.

أمّا على القطع، فيرد عليه أنّ القطع بالحكم الشرعي إنّما هو نتيجة المسألة الاصوليّة، أي: إن المسائل في هذا العلم مبادي تحصيل القطع بالحكم الشرعي و انكشافه، و النتيجة دائماً متأخرة، فلا يصح جعل حجيّة القطع مبحثاً من مباحث علم الاصول.

و كذا على المفاهيم، فإنه يرد عليه بأنّ المراد من «الحجة» في باب‏

____________

(1) نهاية الاصول: 11.

36

المفاهيم هو أصل وجود المفهوم لا حجيّته- بعد وجوده- كما في باب الأخبار مثلًا.

ثم إنه يرد على ما أفاده خروج مباحث الألفاظ من الأوامر و النواهي، و العام و الخاص، و المطلق و المقيّد، و المشتق، و الصحيح و الأعم ... لأنّ البحث في هذه المسائل ليس عن تعيّنات الحجّة.

و النكتة المهمّة الجديرة بالذكر هي: جعله تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي هو الغرض من علم الاصول، فيكون الموضوع لهذا العلم هو «الحجة» لأنه الموافق للغرض، مع أنّ شأن علم الاصول، بالنسبة إلى الأحكام الفقهيّة، شأن علم المنطق بالنسبة إلى الفكر الصحيح و الاستدلال المتين في سائر العلوم، فعلم الاصول كالآلة بالنسبة إلى علم الفقه، و لذا عبّر المحقق الخراساني بالصّناعة، كما سيأتي ... فعلم الاصول- بالنظر الدقيق- هو المبادئ التصديقيّة لمحمولات موضوعات الفقه، ففي الاصول يتمّ وجه صحّة حمل «الوجوب» على «الصلاة» مثلًا ... و هناك تقوم الحجة على ثبوته لها ...

و هكذا.

فالحق في المسألة: إنّ لموضوع علم الاصول خصوصيّة الصّلاحيّة للاتّصاف بالحجيّة للحكم الشرعي، و كلّ مسألةٍ يكون لموضوعها هذه الخصوصيّة فهي مسألة اصوليّة، و الجامع بين هذه الموضوعات عرضي و ليس بذاتي، و حينئذٍ لا يرد الإشكال الثالث بخروج كثير من المباحث، لأن الموضوع في مسألة «الإجزاء» هو إتيان المأمور به، فإذا ثبت كونه مجزياً كان حجةً على صحّة العمل و سقوط القضاء، فكان الموضوع المذكور صالحاً لانطباق عنوان الحجة عليه، و الموضوع في مسألة المقدّمة يصلح- بعد ثبوت‏

37

الاستلزام- لأنْ يكون حجةً، على القول بوجوب المقدمة، و الخبر موضوع يصلح- بعد ثبوت حجيّته- لأن يكون حجةً على الحكم الشرعي.

و على هذا الأساس قال المحقق الأصفهاني بأنه ليس لعلم الاصول موضوع معيَّن، بل هو موضوعات مختلفة لها جامع عرضي، و هو كونها منسوبة إلى غرض واحدٍ هو إقامة الحجّة على الحكم الشّرعي، نظير علم الطب الذي لا جامع ذاتي بين موضوعات مسائله، و إنّما يجمعها عنوان عرضي، و هو ما يعبّر عنه بما يكون منسوباً إلى الصحّة.

و لا يرد على هذا البيان شي‏ء مما ذكر، و إن كان في التنظير بين الاصول و الطب نظر، نظراً إلى أن ما ذكره يتم في علم الطب، فكلّ ما يكون له علاقة بصحّة البدن فهو من مسائله، لكنْ ليس كلّ ما له علاقة بإقامة الحجّة يعدّ من مسائل علم الاصول، فعلم الرجال- مثلًا- له نسبة و علاقة بإقامة الحجة على حكم العمل، مع أنّه علم مستقل عن الاصول.

إنما الكلام في كيفيّة هذه العلاقة و الدخل، فإنا إذا قلنا بأنْ المعتبر أنْ تكون العلاقة مباشرة و الدخل بلا واسطة، لزم خروج عمدة المباحث الاصولية، لكون دخلها في إقامة الحجة مع الواسطة، فلا يبقى تحت التعريف إلّا مثل الخبر و الشّهرة مما يكون دخله بالمباشرة، و تحمل «الحجيّة» عليه بلا واسطة، أمّا مثل مباحث العام و الخاص و الإطلاق و التّقييد و ظهورات الأوامر و النواهي، فلا يكون شي‏ء منها حجةً ما لم تنطبق عليها و يضمّ إليها حجيّة الظاهر، فعندئذٍ يمكن إقامة الحجّة على الحكم الشرعي بها ... نظير علم الرّجال فإنّه إذا ثبت وثاقة زيد احتيج إلى كبرى حجيّة خبر الثقة، فيكون دخيلًا في إقامة الحجّة على الحكم الشرعي.

38

ثم لا يخفى الفرق بينه و بين مسلك المحقق البروجردي، فإنه اتّخذ عنوان الحجّة في الفقه جامعاً بين محمولات المسائل و جعل المحمول الكلّي موضوعاً، أمّا المحقق الأصفهاني، فقد جعل الموضوع جامعاً بين موضوعات المسائل، فهو من هذه الجهة موافق للمشهور غير أنه جعله عرضياً لا ذاتيّاً خلافاً لصاحب (الكفاية).

و الحاصل: إنه و إنْ لم يقم برهان على ضرورة وجود الموضوع الجامع بين موضوعات العلم، إلّا أن البيان المذكور غاية ما يمكن أنْ يقال.

أقول:

هذا ما أفاده (مدّ ظلّه)، لكنّ ما أورده في الدورة السابقة باق على حاله، و حاصله: إن الجامع العنواني لا يتّحد مع معنونه في الخارج، لأن موطنه الذهن دائماً، فجعله موضوعاً- و الحال هذه- يؤول إلى إنكار الموضوع، فليتدبّر.

39

تعريفُ علم الاصول‏

و اختلفت كلماتهم في تعريف علم الاصول:

فقال المشهور: هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة.

و قال في (الكفاية): صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أنْ تقع في طريق الاستنباط أو التي ينتهى إليها في مقام العمل.

و قال الشيخ الأعظم: هو القواعد التي تطبيقها بيد المجتهد.

و قال الميرزا: هو العلم بالقواعد التي إذا انضمّت إليها صغرياتها أنتجت نتيجةً فقهية.

و قال المحقق الأصفهاني: هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق إقامة الحجّة على حكم العمل.

و قال المحقق العراقي: هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق تعيين الوظيفة العمليّة.

تعريف المشهور

و قد أشكل على تعريف المشهور بزيادة لفظة «العلم»، لأنّ هذه القواعد علم سواء علم بها أولا، و بزيادة «الممهّدة»، لعدم دخل التمهيد في العلم، فهي العلم سواء كانت ممهّدة للاستنباط أو لا، و في جملة «لاستنباط الأحكام الشرعية» بأنها مستلزمة لخروج كثير من الأدلة الدالة عليه، يطبّق في‏

40

موارده الخاصة به، و تخرج الاصول العملية العقليّة، كقبح العقاب بلا بيان، و كالتخيير عند دوران الأمر بين المحذورين، و كالظنّ الانسدادي بناءً على الحكومة لا الكشف، فإنّها أحكام عقليّة تطبَّق في مواردها.

تعريف الكفاية

و لهذه الامور عدل صاحب (الكفاية) إلى التعريف الذي ذكره، فيكون جامعاً بالقيد الذي أضافه لما كان يخرج من تعريف المشهور، و لا يرد عليه شي‏ء مما ورد عليه ... لكن يرد على تعريفه: أوّلًا: إنه قال «صناعة» لإفادة آليّة علم الاصول كما أشرنا سابقاً، لكنّ علم الاصول هو نفس القواعد لا أنّه صناعة تعرف بها القواعد. و ثانياً: ان ما يعرف به القواعد، يكون من المبادي التصديقيّة، و هي خارجة عن مسائل العلم. أورده السيد الحكيم‏ (1).

ثمّ إنّ المحقق الأصفهاني [بعد أنْ بيّن وجه الأولويّة في قول (الكفاية):

«الأولى تعريفه بأنه صناعة يعرف بها القواعد ..»- بأنّ من وجوه الأولويّة تبديل تخصيص القواعد بكونها واسطة في الاستنباط- كما عن القوم- بتعميمها لما لا يقع في طريق الاستنباط، بل ينتهي إليه الأمر في مقام العمل، و ذكر أن وجه الأولويّة استلزام التخصيص خروج جملة من المسائل المدوّنة في الاصول، لأنه لا ينتهي إلى حكم شرعي، بل ظن به أبداً، و إنما يستحق العقاب على مخالفته عقلًا كالقطع، و مثل الاصول العمليّة في الشبهات الحكميّة، لكون مضامينها بأنفسها أحكاماً شرعيّة و ليست واسطةً في استنباطها في الشرعية منها. و أما العقليّة فلا تنتهي إلى حكم شرعي أبداً] أجرى الإشكال الذي يستلزمه التخصيص- كما عن القوم- في جلّ مسائل الاصول،

____________

(1) حقائق الاصول 1/ 16.

41

فذكر الأمارات غير العلميّة سنداً كخبر الواحد، أو دلالةً كظواهر الألفاظ، و قال بأنّ مرجع حجيّة الأمارات غير العلمية مطلقاً إمّا إلى الحكم الشرعي، أو غير منتهية إليه أبداً، و على أي تقدير ليس فيها توسيط للاستنباط.

فالحاصل: إن عدول صاحب (الكفاية) عن تعريف القوم ليس لأجل خروج الاصول فقط، بل لأجل خروج الأمارات أيضاً .... فيكون تعريفه أولى من تعريفهم لدخول ذلك كلّه به في علم الاصول.

لكنّه بعد أن أوضح كيفية لزوم خروج الأمارات عن تعريف القوم، استدرك قائلًا:

«إلّا أن يوجّه مباحث الأمارات غير العلميّة.

أمّا بناءً على إنشاء الحكم المماثل، بأنّ الأمر بتصديق العادل مثلًا ليس عين وجوب ما أخبر بوجوبه العادل، بل لازمه ذلك، و المبحوث عنه في الاصول بيان هذا المعنى الذي لازمه الحكم المماثل، و هذا القدر كاف في التوسيط في مرحلة الاستنباط.

و أمّا بناءً على كون الحجيّة بمعنى تنجيز الواقع، بدعوى أن الاستنباط لا يتوقّف على إحراز الحكم الشرعي، بل تكفي الحجيّة عليه في استنباطه، إذ ليس حقيقة الاستنباط و الاجتهاد إلّا تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي. و من الواضح دخل حجيّة الامارات- بأي معنىً كان- في إقامة الحجّة على حكم العمل في علم الفقه».

قال: «وعليه، فعلم الاصول: ما يبحث فيه عن القواعد الممهّدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي. من دون لزوم التعميم، إلّا بالإضافة إلى ما لا بأس بخروجه، كالبراءة الشرعية التي معناها حليّة مشكوك الحرمة

42

و الحليّة، لا ملزومها، و لا المعذّر عن الحرمة الواقعية» (1).

ثم إنه أشكل على تعريف (الكفاية) باستلزامه محذورين:

أحدهما: لزوم فرض غرضٍ جامع بين الغرضين، لئلّا يكون فن الاصول فنّين.

ثانيهما: إن مباحث حجيّة الخبر و أمثاله ليست مما يرجع إليها بعد الفحص و اليأس عن الدليل على حكم العمل، و أما جعلها مرجعاً من دون تقييد بالفحص و اليأس فيُدخل فيها جميع القواعد العامّة الفقهيّة، فإنّها المرجع في جزئيّاتها.

و قد ذكر شيخنا الاستاذ دام ظلّه هذين المحذورين و قرّبهما.

أقول: لكن في (المنتقى) ما ملخّصه عدم لزوم شي‏ء من المحذورين.

أمّا الثاني: فبأنه يلتزم بإضافة القيد المذكور- و هو قول صاحب (الكفاية): أو التي ينتهى اليها في مقام العمل- و الأمارات و إنْ كانت خارجة عن القيد، أي ذيل التعريف، فهي داخلة في صدره، بناءً على أنّ المراد من الاستنباط هو تحصيل الحجة على الواقع. و المحذور إنّما كان يلزم لو فسّر الاستنباط بإحراز الحكم الشرعي و استخراجه بحيث لا يشمل تحصيل الحجّة عليه، لأن المجعول في الأمارات، إمّا المنجزيّة و المعذريّة، و إما الحكم المماثل، و هي بكلا المسلكين لا تقع في طريق استنباط الأحكام، فيلزم خروجها عن علم الاصول.

و أمّا الأول: فهو يرتفع بتصوّر غرضٍ خارجي جامعٍ بين الغرضين، و يترتّب على جميع مسائل علم الاصول، و ذلك الغرض هو ارتفاع التردّد

____________

(1) نهاية الدراية 1/ 42 ط مؤسّسة آل البيت، بتصرف قليل.

43

و التحيّر الحاصل للمكلَّف من احتمال الحكم، فمسائل الاصول كلّها تنتهي إلى غاية واحدة، و هي ارتفاع التردّد الحاصل من احتمال الحكم الشرعي، سواء كانت نتيجتها الاستنباط أو لم تكن كذلك. و بذلك يرتفع المحذور المذكور.

ثم أوضح شمول هذا التعريف لجميع المسائل الاصوليّة، من الاصول و الأمارات و غيرها.

ثم قال: «نعم يبقى هاهنا سؤال و هو: لم عدل صاحب (الكفاية) إلى هذا التعريف المفصل و ذكر كلا القيدين، مع أن نظره لو كان إلى هذه الجهة المذكورة لكان يكفي في تعريف علم الاصول أن يقول: هو القواعد التي يرتفع بها التحيّر الحاصل للمكلّف من احتمال الحكم الشرعي، إلّا أن الأمر في ذلك سهل، فإنّه لا يعدو كونه إشكالًا لفظيّاً. و لعلّ نظره (قدّس سرّه) إلى الإشارة إلى قصور تعريف المشهور و أنه يحتاج إلى إضافة قيد، لا إلى بطلانه، كما قد يشعر به تبديله و تغييره» (1).

لكن لا يخفى أنّ لفظيّة هذا الإشكال إنّما هي على فرض تماميّة إرجاع تعريفه إلى ما ذكره و أتعب نفسه الشريفة، و هذا أوّل الكلام.

و أمّا تعريفه دام ظلّه، فإنّما أفاد دخول الاصول الجارية في الشبهات الموضوعيّة، لكونها رافعة للتحيّر و التردّد في مقام العمل. و أمّا الأمارات فهي جارية و متّبعة سواء قلنا بالمنجزيّة و المعذريّة، أو جعل الحكم المماثل، أو الطريقيّة، بلا أيّ تردّد و تحيّر في مقام العمل، فتأمّل. هذا أوّلًا. و ثانياً: إنه يستلزم خروج عدّةٍ من المسائل عن علم الاصول، كما سيجي‏ء الاعتراف منه و الالتزام بذلك.

____________

(1) منتقى الاصول 1/ 27- 29.

44

تعريف المحقق الأصفهاني‏

تقدّم أنّه عرّف علم الاصول بالقواعد الممهّدة لتحصيل الحجّة على الحكم الشّرعي، و هو تعريف يدخل به ما كان خارجاً عن تعريف صاحب (الكفاية)، كما أنه يصلح لأن يكون جامعاً بين الغرضين، فلا يلزم تعدّد علم الاصول.

لكنّه صرّح في (نهاية الدراية) و في (الاصول على النهج الحديث) بخروج البراءة الشرعية و أصالة الحلّ عن تعريفه، فلا بدّ من جعلها بحوثاً استطرادية، لكون مفادها بنفسها أحكاماً شرعيّة. لكنّ ينقض عليه بالاستصحاب- بناءً على أن مدركه هو الأخبار- فهو أيضاً حكم شرعي، و الملاك في الاصول العملية أنْ تكون حجّة على الحكم الشرعي، فما كان حجةً فهو من مسائل الاصول، و ما لا فلا، فالبراءة الشرعيّة داخلة، لكونها حجّة شرعيّة، فلا وجه للاستطراد ... و كذا قاعدة الحلّ.

ثم إنّ الإشكال المهمّ المتوجّه على هذا التعريف هو: أنّه إنْ أريد من إقامة الحجّة على حكم العمل إقامتها بلا واسطة، و أنّه بمجرّد الوصول إلى تلك القاعدة تحصل الحجّة و تقام على الحكم، لزم خروج كثير من المسائل، ففي بحث دلالة ألفاظ العموم مثلًا لا تكون النتيجة إقامة الحجّة بلا واسطة، و كذا نتيجة مباحث حجيّة الظهور. و إنْ اريد من ذلك إقامتها على الحكم، أعمّ من أن تكون مع الواسطة أو بلا واسطة، لزم دخول بعض العلوم كعلم الرّجال- مثلًا- في علم الاصول.

تعريف المحقق العراقي‏

بل إنّ هذا الإشكال يتوجّه على تعريف المحقق العراقي بأنّه القواعد

45

الخاصّة التي تعمل في استخراج الأحكام الكليّة الإلهيّة أو الوظائف العملية الفعلية، عقليّة كانت أم شرعيّة (1).

و لذا تعرّض له المحقق المذكور، و أجاب بما حاصله: أنا نختار الشق الثاني، و مع ذلك نلتزم بخروج الامور المزبورة عن مسائل الاصول. و ذلك:

أمّا أولًا: فلوضوح أن المهم و المقصود في العلوم الأدبية كالنحو و الصرف ليس هو إثبات الظهور للكلمة و الكلام، بل المهمّ فيها هو إثبات كون الفاعل مرفوعاً و المفعول منصوباً، بخلاف مباحث الأمر و النهي و العام و الخاص ... في علم الاصول، فإنها تتكفّل إحراز الظهور في الكلمة و الكلام.

و أمّا ثانياً: على فرض أن المقصود في العلوم الأدبيّة أيضاً إحراز الظهور في شي‏ء كظهور المرفوع في الفاعلية، و المنصوب في المفعولية، فإنّ غاية ما يقتضيه ذلك حينئذٍ إنّما هو وقوع نتيجتها في طريق استنباط موضوعات الأحكام، لا نفسها، و المسائل الاصولية إنما كانت عبارة عن القواعد الواقعة في طريق استنباط نفس الأحكام الشرعيّة العملية. و توهّم استلزامه خروج مثل مباحث العام و الخاص أيضاً، مدفوع بأنّها و إنْ لم تكن واقعةً في طريق استنباط ذات الحكم الشرعي، إلّا أنها باعتبار تكفّلها لإثبات كيفية تعلّق الحكم بموضوعه كانت دخيلةً في مسائل الاصول، كما هو الشأن أيضاً في مبحث المفهوم و المنطوق، حيث أن دخوله باعتبار تكفّله لبيان إناطة سنخ الحكم بشي‏ء، الذي هو في الحقيقة من أنحاء وجود الحكم و ثبوته. و هذا بخلاف المسائل الأدبية، فإنّها ممحّضة لإثبات موضوع الحكم، بلا نظر فيها إلى كيفيّة تعلّق الحكم أصلًا.

____________

(1) نهاية الافكار 1/ 20.

46

و بهذا البيان يظهر الوجه في خروج مباحث المشتق، لأنّها لا تتكفّل الحكم لا بنفسه و لا بكيفيّة تعلّقه بموضوعه.

هذا كلّه لدفع الإشكال بالنسبة إلى سائر العلوم. أمّا علم الرجال، فقد التزم بدخوله في مسائل علم الاصول، غير أنّه بحث عنه على حده.

لكن يرد على جوابه بالنسبة إلى العلوم الأدبيّة، بأنه لا فرق- بناءً على ما ذكره- بين البحث عن مفاد لفظ «كلّ» و البحث عن مفاد لفظ «الصعيد» مثلًا، ففي الثاني أيضاً يبحث عن كيفيّة تعلّق حكم التيمّم بموضوعه، و أنّه هل هو خصوص التراب أو مطلق وجه الأرض؟ فلما ذا يكون البحث عن مفاد «كلّ» من الاصول، دون البحث عن مفاد «الصّعيد»؟ قاله شيخنا الاستاذ دام بقاه.

أقول: و فيه تأمّل، لأنّ البحث عن مفاد «كلّ» مثلًا، بحث عن كيفيّة تعلّق الحكم بموضوعه من حيث كونه عامّاً، أمّا البحث عن مفاد «الصعيد» فهو بحث عن المعنى الموضوع له هذا اللّفظ، و أنّه التراب أو وجه الأرض، و لم يلحظ في هذا البحث حيثية سعة المفهوم أو ضيقه، و إنّما توجد هذه الحيثيّة عندنا، فعند ما ننظر إلى المعنيين نجد بينهما هذا التفاوت.

تعريف المحقق الخوئي‏

و عرّف المحقق الخوئي علم الاصول: بالعلم بالقواعد المحصّلة للعلم بالوظيفة الفعلية في مقام العمل، و قصد «بالقواعد» القواعد التي تقع نفسها في طريق الاستنباط، فيكون قد اختار الشق الأول- خلافاً للمحقق العراقي- و بذلك تخرج بقيّة العلوم، لكونها إنّما تقع في طريق الاستنباط بضمّ قاعدةٍ اصوليّة، قال:

47

«و الفارق بين القواعد الاصوليّة و غيرها هو: إنّ القواعد الاصوليّة ما كانت صالحةً وحدها- و لو في موردٍ واحد- لأنْ تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، من دون توقّف على مسألةٍ اخرى من مسائل علم الاصول نفسه أو مسائل سائر العلوم، و هذا بخلاف سائر العلوم، إذ لا يترتب عليها وحدها حكم كبروي شرعي، و لا توصل إلى وظيفةٍ فعلية و لو في موردٍ واحد، بل دائماً تحتاج إلى ضم مسألةٍ اصولية إليها. فمثل العلم بالصعيد و أنه عبارة عن مطلق وجه الأرض أو غيره لا يترتب عليه العلم بالحكم، و إنما يستنبط الحكم من الأمر أو النهي و ما يضاهيهما» (1).

و حيث اختار الشق الأوّل، اضطرّ إلى الالتزام بخروج كثير من مباحث الألفاظ، قال: «إنّما هي مسائل لغويّة، لعدم إمكان وقوعها في طريق الاستنباط وحدها، و بما أنّ القوم لم يعنونوها في اللّغة فقد تعرض لها في فن الاصول تفصيلًا» (2).

تعريف المحقق النائيني‏

و المحقق الميرزا بتعريفه العلم بأنّه العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها استنتج منها حكم فرعي كلّي‏ (3)، أخرج المسائل غير الاصولية، لكونها لا تقع كبرى قياس الاستنباط، فعلم الرجال الباحث عن أحوال الرجال من حيث الوثاقة و عدمها، يقول: زيد ثقة مثلًا، فيقع هذا صغرى للقياس في قولنا: هذا ما أخبر بوجوبه زيد الثقة، و كلّ ما أخبر الثقة بوجوبه فهو واجب، فهذا واجب.

____________

(1) مصابيح الاصول: 8- 9.

(2) مصابيح الاصول: 10.

(3) فوائد الاصول 1/ 2.

48

قال شيخنا:

لكنّه قد اعترف في (فوائد الاصول)، في الأمر الثّاني من مبحث الاستصحاب، بأن لازم هذا التعريف خروج مباحث ظهور الأمر و النهي في الوجوب و الحرمة عن علم الاصول، و التزم بكونها استطراديّة. (1)

قال شيخنا دام بقاه: بل يستلزم خروج مباحث ظهور الأمر في الفور أو التراخي، و المرّة أو التكرار، و كذا مباحث العمومات و المفاهيم، لأنّ البحث في هذه كلّها في الصغريات، بل يسري الإشكال إلى مباحث الإطلاق و التقييد بناءً على كون الإطلاق بدلالة اللّفظ لا بحكم العقل.

و أضاف شيخنا إشكالًا آخر على القياس الذي يشكّله الميرزا، و هو أنّه باطل لا يتلائم مع مبناه في حجية الخبر، لأنّه يكون على مبناه- و هو الطريقية- على الشكل التالي: هذا ما قام على وجوبه الخبر، و كلّ ما قام على وجوبه الخبر فهو معلوم الوجوب، فهذا معلوم الوجوب، فتكون النتيجة كون المخبر به معلوماً وجوبه شرعاً، لكنّ هذا مقتضى مبنى جعل الحكم المماثل لا مبنى الطريقيّة، و هذا مطلب مهم، و من هنا أيضاً يقع الإشكال على مبنى التنجيز و التعذير في وجه الفتوى بالوجوب أو الحرمة أو الاستحباب أو الكراهة.

و على الجملة، فهذا التعريف و إنْ أخرج علم الرّجال و غيره من العلوم، إلّا أنه يستلزم خروج مسائل كثيرة عن علم الاصول.

التحقيق في المقام‏

و بعد، فلم نجد التعريف المانع عن دخول علم الرجال و غيره، و الجامع‏

____________

(1) فوائد الاصول 4/ 308.

49

لجميع المسائل، بين التعريفات المذكورة، إذ منها ما يكون مانعاً عن دخول علم الرجال مثلًا، مع الالتزام بالاستطراد في جملة من المسائل المطروحة في علم الاصول، و منها ما يكون جامعاً لجميع المسائل تقريباً، مع الالتزام بكون علم الرجال من مسائل العلم.

و بالجملة، يدور الأمر بين اعتبار قيد عدم الواسطة بين المسألة و استنباط الحكم الشرعي منها، و هذا يستلزم خروج بعض المسائل، و بين إلغاء هذا القيد فتدخل المسائل لكنّه يستلزم دخول غير المسائل الوصولية أيضاً في علم الأصول.

أمّا سيّدنا الاستاذ دام ظلّه فحاول إرجاع تعريف (الكفاية) إلى مختاره- مع فارق واحدٍ، و هو شمول تعريفه للاصول و الأمارات الجارية في الشبهات الموضوعيّة أيضاً، و خروجها عن تعريف (الكفاية)- و اختار الشق الأوّل، أعني اعتبار القيد المذكور، ثم التزم بخروج مسألتي الصحيح و الأعم، و المشتق، و حاول إدخال غيرهما من مسائل الألفاظ، لأنَّ الواسطة المعتبر عدمها في اصوليّة المسألة هي الواسطة النظرية، أمّا في هذه المسائل فترتب الحكم عليها هو بواسطة كبرى ارتكازية مسلّمة. كما حاول إدخال مسألة اجتماع الأمر و النهي- مع اعترافه بأنّها على اثنين من المذاهب الثلاثة فيها، و هما الامتناع من جهة اجتماع الضدين، و الامتناع من جهة التزاحم، لا تنتهي إلى رفع التردّد في مقام العمل، بل تحقّق موضوع المسألتين- بأنّ الدخول و لو على مذهبٍ واحدٍ كاف لشمول التعريف لها، و هي بناءً على المذهب الأول- و هو الجواز مطلقاً- داخلة.

و أمّا شيخنا الاستاذ دام ظلّه، فقد اختار في الدورة السابقة تعريف‏

50

صاحب (الكفاية)، ثم عدل عنه فاختار في المتأخّرة تعريف المحقق العراقي و هو: الالتزام بالشق الثاني، الذي لازمه دخول مباحث علم الرّجال، أما بقيّة العلوم فلا تدخل لكونها باحثة عن موضوعات الأحكام الشرعية، كما يخرج مبحث المشتق لكونه بحثاً عن الموضوع كذلك.

إلّا أن شيخنا أخرج مباحث العام و الخاص و نحوهما، ممّا وصفه العراقي بما يبحث فيه عن كيفية تعلّق الحكم بالموضوع، بعد ورود النقض عليه بمثل «الصعيد»، إلّا أن لنا تأملًا في ذلك كما تقدّم.

فظهر أنّ تعريف المحقق العراقي، و تعريف المحقق الأصفهاني، و كذا تعريف المحقق صاحب (الكفاية)- على ما فسّره السيد الاستاذ- كلّها تصبُّ في مصبٍّ واحدٍ، و أنْ لا اختلاف بينها تقريباً إلّا في اللّفظ و التعبير، لكن الأقرب هو الالتزام بالشرط المذكور و اعتباره كي يخرج علم الرجال و نحوه، كما فعل السيّد الاستاذ دام علاه، و اللَّه العالم.

51

الفرق بين القواعد الفقهيّة و القواعد الاصوليّة

بقي الكلام في الفرق بين القواعد الفقهية و القواعد الاصوليّة، و كيفية إخراج الفقهية عن علم الأصول، على ضوء التعاريف المذكورة.

لا يخفى أن القواعد الفقهية تنقسم إلى قسمين، منها ما يجري في الشبهات الموضوعية، و تكون نتيجته الحكم الفرعي الجزئي، كقاعدة الفراغ و التجاوز، المتخذة من قوله (عليه السلام): «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (1) و تفيد مضيّ هذه الصلاة المشكوك في ابتلائها بمانع عن الصحة. و منها: ما يجري في الشبهات الحكمية، و تكون نتيجته الحكم الكلّي الإلهي، كقاعدة: ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده، حيث تفيد مثلًا ضمان فاسد القرض، لأنّ صحيحه موجب له. و هذه القواعد منها ما يكون مفاده حكماً بالعنوان الأوّلي، كالقاعدة المذكورة، و منها: ما يكون مفاده حكماً بالعنوان الثانوي كقاعدة نفي الضرر، بناءً على نوعيّة الضرر المنفي، و أمّا بناءً على شخصيّته فتدخل القاعدة فيما يجري في الشبهات الموضوعيّة.

و من الواضح أيضاً: انقسام الأصول العمليّة إلى: ما يجري في الشبهات الموضوعيّة فقط، و إلى ما يجري في الشبهات الحكميّة فقط، و إلى ما يجري في كلتيهما كالاستصحاب.

____________

(1) وسائل الشيعة 8/ 237 ط مؤسّسة آل البيت، الباب 23 من أبواب الخلل رقم: 3.

52

أمّا ما يجري في الشبهات الموضوعيّة، و ينتج حكماً جزئيّاً [مثل الاستصحاب الجاري في كريّة هذا الماء، من الاصول العملية، و مثل قاعدة الفراغ من القواعد الفقهيّة، الجارية في هذه الصلاة مثلًا] فهو خارج عن المسائل الاصوليّة، لأنّ كلّ أحدٍ يمكنه تطبيق القاعدة أو الأصل على المورد المشكوك فيه، و استنتاج الحكم الشرعي المتعلّق به، من غير فرقٍ بين الفقيه و العامي ... فهذا القسم من القواعد و الاصول خارج.

و أمّا ما يجري في الشبهات الحكمية، فالأصل العملي الجاري في الحكم الأصولي لا ريب في اصوليّته، كاستصحاب حجيّة العام بعد التخصيص، أو استصحاب عدم تحقّق المعارِض للرواية، فهذا القسم من الاصول العمليّة الجارية في الشبهات الحكميّة خارج عن البحث.

إنّما الكلام في الاصول العمليّة و القواعد الفقهيّة التي يتشاركان في التطبيق على الموارد و استخراج الأحكام الكليّة الفرعيّة منها، فما الفارق بينهما؟ و كيف تخرج الثانية عن المسائل الاصوليّة؟

و لك أنْ تقول: إن تعريف علم الفقه- و هو: العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة- كما ينطبق على القواعد الفقهية فتكون من مسائله، كذلك ينطبق على الاصول العملية الجارية في الشبهات الحكميّة، إذ الحكم بنجاسة الماء المتغيّر بالنجاسة الزائل تغيّره، حكم شرعي فرعي، أنتجه الاستصحاب المستفاد عن دليلٍ تفصيلي، و هو صحيحة زرارة مثلًا، الدالّ على بقاء الحكم السابق في الماء المذكور، و على الجملة: فكما أن قاعدة ما لا يضمن حكم فرعي، كذلك الحكم ببقاء نجاسة الماء، و كما أنها مستنبطة من الدليل التفصيلي و هو الإجماع، كذلك الحكم المذكور مستنبط من الدليل‏

53

التفصيلي و هو الأخبار. فانطبق عليها تعريف علم الفقه، فتكون هذه الاصول العملية خارجة عن علم الاصول و داخلة في علم الفقه، فما هو الجواب؟

جواب الشيخ الأعظم و الميرزا

أجاب الشيخ الأعظم بأنّ إجراء الاصول العملية في الأحكام الكليّة الفرعية من عمل المجتهد و وظيفته، بخلاف القواعد الفقهية. و هذا هو الفرق‏ (1)، و عن الميرزا النائيني موافقته في ذلك‏ (2).

و قد أشكلوا عليه بأنّ القواعد الفقهية- كالاصوليّة- لا يمكن إلقاؤها إلى العامّي، فأيّ عامي يمكنه تشخيص الشرط المخالف للكتاب من غيره، كي يطبق قاعدة: كلّ شرط خالف الكتاب و السنّة فهو باطل؟ و هكذا القواعد الاخرى.

جواب المحقق العراقي‏

و أجاب المحقق العراقي بأنّ كلّ قاعدةٍ تُعمل في استخراج الأحكام الكليّة الإلهيّة من دون اختصاصٍ لها ببابٍ دون بابٍ من أبواب الفقه، فهي مسألة اصوليّة، فيخرج مثل قاعدة الطهارة بلحاظ عدم سريانها في جميع أبواب الفقه‏ (3).

و أشكل عليه شيخنا دام بقاه بعدم الدليل، و بالنقض ببعض المسائل الاصوليّة من جهة كونها مختصّةً ببعض الأبواب، كمسألة الملازمة بين النهي و الفساد، لوضوح اختصاصها بأبواب العبادات فقط.

____________

(1) الرسائل 319- 320. أوّل رسالة الاستصحاب، و ليلحظ كلامه فإنه طويل مفيد.

(2) محاضرات في اصول الفقه 1/ 11.

(3) نهاية الأفكار 1/ 20- 21. و يلاحظ أنّه أرجع اليه جواب الشيخ، من جهة اشتراط تطبيق قاعدة الطّهارة بالفحص، و اشتراط تطبيق قاعدة الشروط بمعرفة الكتاب و السنّة، و من الواضح أن لا سبيل في ذلك للعامي الذي لا يتمكن من الفحص و لا يعرف ظواهر الكتاب و السنّة.

54

جواب المحقق الخوئي‏

و أجاب المحقق الخوئي بأنّ الفرق أمّا بين القواعد الفقهية الجارية في الشبهات الموضوعية، و بين القواعد الأصوليّة، فبأنّ القواعد الفقهيّة تنتج في تلك الشبهات الأحكام الجزئيّة الشخصيّة، كقاعدتي الفراغ و التجاوز، و قاعدة اليد، و نفي الضرر ... فقاعدة الفراغ مثلًا تفيد عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من العمل، و هذه الكبرى إذا انضمّت إلى صغراها و هو عمل الشخص المشكوك في صحّته، أنتجت صحّة ذاك العمل. هذا حال هذا القسم من القواعد الفقهية. و أمّا المسائل الاصوليّة، فالناتج منها حكم كلّي عام ثابت لجميع المكلّفين، كمسألة حجيّة خبر الواحد.

و أمّا القواعد الفقهيّة الجارية في الشبهات الحكمية، كقاعدة ما لا يضمن، فإنّها و إنْ انتجت حكماً كليّاً- كالقواعد الاصولية- إلّا أن الفرق عدم وقوعها في طريق الاستنباط، و إنّما هي أحكام مستنبطة تطبّق في مواردها، بخلاف القواعد الاصوليّة، فإنّها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي أو تكون مرجعاً للفقيه في تعيين الوظيفة العمليّة. فهذا هو الفرق‏ (1).

أقول: و قد أورد عليه تلامذته، كالسيد الصدر و شيخنا الاستاذ بالنقض و الحلّ.

و حاصل الكلام عدم تماميّة هذا الجواب، لكون بعض القواعد الفقهيّة الجارية في الشبهات الموضوعيّة تفيد حكماً كليّاً لا جزئيّاً (2)، كما أنّ من‏

____________

(1) مصابيح الاصول 11- 13.

(2) قد وقع الخلاف بين الأعلام في مفاد أدلة قاعدتي نفي الضرر و الحرج، في أن الحرج و الضرر المنفيّين شخصيّان أو نوعيّان، فالسيّد الخوئي مثّل بهما لإفادة الحكم الشخصي بناءً على كونهما شخصيين، و المستشكل عليه يشكل بأنهما يفيدان الحكم الكلي بناءً على كونهما نوعيّين. فالحاصل كون الاستدلال و الإشكال كليهما على المبنى.