الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج3

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
365 /
5

الجزء الثالث‏

تتمة الباب الأول‏

الفصل الثالث:

الاسراء و المعراج‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإسراء و المعراج:

بعد بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ، و في اثناء المرحلة السرية، التي استمرت ثلاث، أو خمس سنوات، كان-على الارجح- الاسراء و المعراج: الاسراء إلى بيت المقدس، حسب نص القرآن الكريم.

و المعراج من هناك إلى السماء، الذي وردت به أخبار كثيرة.

و حيث إن التفاصيل الدقيقة لهاتين القضيتين يصعب الجزم في كثير منها إلا بعد البحث الطويل و العميق. و ذلك لأن هذه القضية، و جزئياتها قد تعرضت على مر الزمان للتلاعب و التزيد فيها، من قبل الرواة و القصاصين، ثم من قبل أعداء الاسلام؛ بهدف تشويه هذا الدين، و اظهاره على أنه يحوي الغرائب و العجائب، و الاساطير و الخرافات، لأسباب شخصية، و سياسية و غيرها. و لم يسلم من مكائد هؤلاء حتى رموز الإسلام، و حفظته و أئمة المسلمين أيضا.

و قد حذر الإمام الرضا «عليه السلام» من هؤلاء-حسبما روي عنه- حيث قال لإبن أبي محمود: «إن مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا و جعلوها على أقسام ثلاثة: أحدها: الغلو. و ثانيها: التقصير في أمرنا.

8

و ثالثها: التصريح بمثالب اعدائنا.

فاذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا، و نسبوهم الى القول بربوبيتنا. و إذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا. و اذا سمعوا مثالب اعدائنا باسمائهم ثلبونا باسمائنا و قد قال اللّه عز و جل: و لا تسبوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبّوا اللّه عدوا بغير علم‏ (1) » .

و بعد ما تقدم، فإن التعرض لبحث التفاصيل الدقيقة لقضية الاسراء و المعراج يحتاج الى توفر تام، و تأليف مستقل؛ و لذا فنحن لا نستطيع في هذه الفرصة المتوفرة لنا أن نعطي تصورا دقيقا عنه.

و على هذا فسوف نكتفي بالإشارة الى بعض الجوانب التي رأينا:

أن من المناسب التعرض لها؛ فنقول:

متى كان الاسراء و المعراج:

إن المشهور هو أن الاسراء و المعراج قد كان قبل الهجرة بمدة وجيزة؛ فبعضهم قال: ستة أشهر، و بعضهم قال: في السنة الثانية عشرة للبعثة، أو في الحادية عشرة او في العاشرة. و قيل: بعد الهجرة (2) .

و في مقابل ذلك نجد البعض يقول: إنه كان في السنة الثانية من البعثة (3) ، و قيل في الخامسة، و قيل في الثالثة-و هو الارجح عندنا-و لعل ابن عساكر يختار ما يقرب مما ذكرنا، حيث إنه ذكر الإسراء في أول البعثة كما ذكره عنه ابن كثير (4)

____________

(1) راجع: البحار ج 26 ص 239 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 304.

(2) راجع: السيرة الحلبية، و تاريخ الخميس، و غير ذلك.

(3) البحار ج 18 ص 319 عن العدد، و نقل ذلك عن الزهري في عدة مصادر.

(4) البداية و النهاية ج 3 ص 108.

9

و قال مغلطاي، بعد أن ذكر بعض الاقوال: «و قيل: كان بعد النبوة بخمسة أعوام، و قيل: بعام و نصف عام. و قال عياض: بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا (1) » .

و قال ملا علي القاري: «و ذكر النووي: أن معظم السلف، و جمهور المحدثين و الفقهاء على أن الاسراء و المعراج كان بعد البعثة بستة عشر شهرا (2) » .

و قال ابن شهرآشوب: «ثم فرضت الصلوات الخمس بعد اسرائه في السنة التاسعة من نبوته‏ (3) » . و لكنه لم يبين لنا تاريخه باليوم و الشهر.

و قال الديار بكري: «فأما سنة الاسراء، فقال الزهري: كان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه القاضي عياض، و رجحه القرطبي، و النووي. و قيل: قبل الهجرة بسنة إلخ‏ (4) » . غ

الأدلة على المختار:

و أما ما يدل على أن الاسراء قد كان في السنوات الاولى من المبعث؛ فعدا عن الاقوال المتقدمة، و لا سيما ما ذكره الزهري و النووي، نشير إلى الامور التالية:

1-ما روي عن ابن عباس أن ذلك كان بعد البعثة بسنتين‏ (5) و ابن

____________

(1) سيرة مغلطاي ص 27.

(2) شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 222.

(3) المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 43.

(4) تاريخ الخميس ج 1 ص 307.

(5) البحار ج 18 ص 319 و 381 عن المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 177، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 26. حيث ذكر ذلك بعد المبعث، و قبل الانذار.

10

عباس كان أقرب الى زمن الرسول، و اعرف بسيرته من هؤلاء المؤرخين، فاذا ثبت النص عنه قدّم على اقوال هؤلاء.

و لربما لا يكون هذا مخالفا لما تقدم عن الزهري و غيره، إذا كان ابن عباس لا يحسب الثلاث سنوات الأولى، على اعتبار: أنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» إنما امر بانذار الناس بعدها.

2-قد ورد عن الامام أمير المؤمنين «عليه السلام» : أن الاسراء قد كان بعد ثلاث سنين من مبعثه‏ (1) .

و هذا هو الاصح و المعتمد.

3-و يدل على ذلك بشكل قاطع ما روي عن: ابن عباس، و سعد بن مالك، و سعد بن أبي وقاص، و الإمام الصادق «عليه السلام» ، و عمر بن الخطاب، و عائشة، من أنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قال لعائشة-حينما عاتبته على كثرة تقبيله ابنته سيدة النساء، فاطمة «عليها السلام» -:

نعم يا عائشة، لما اسري بي الى السماء أدخلني جبرئيل الجنة، فناولني منها تفاحة، فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلت واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة؛ ففاطمة حوراء انسية، و كلما اشتقت إلى الجنة قبلتها (2) .

____________

(1) البحار ج 18 ص 379 عن الخرائج و الجرايح.

(2) تاريخ بغداد ج 5 ص 87، و المواهب اللدنية ج 2 ص 29، و مقتل الحسين للخوارزمي ص 63/64 و ذخائر العقبى ص 36، و ميزان الاعتدال ج 2 ص 297 و 160، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 165، و تلخيصه للذهبي، و مجمع الزوائد ج 9 ص 202، و ينابيع المودة ص 97، و نزهة المجالس ج 2 ص 179، و مناقب المغازلي ص 358 و البحار ج 18 ص 315 و 350، 364، و نور الأبصار ص 44 و 45 و علل الشرائع ص 72، و تفسير القمي و نظم درر السمطين ص 176 و محاضرة-

11

و معلوم مما سبق: أن فاطمة قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات؛ فالاسراء و المعراج كانا قبل ذلك بأكثر من تسعة أشهر، و لعله قبل ذلك بسنتين. حتى أذن اللّه لتلك النطفة بالظهور، و الاستقرار في موضعها.

4-إن سورة الاسراء قد نزلت في أوائل البعثة، و يدل ذلك:

ألف-ما رواه البخاري و غيره، من ان قوله تعالى في سورة الاسراء: «و لا تجهر بصلاتك، و لا تخافت بها» قد نزل بمكة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» مختف. كان اذا صلى باصحابه رفع صوته بالقرآن؛ فاذا سمع المشركون سبوا القرآن، و من انزله، و من جاء به الخ‏ (1) .

و معلوم: أن اختفاء النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» في دار الأرقم إنما كان في أوائل البعثة.

و اجاب المحقق الروحاني على ذلك، بان من الممكن ان يكون «صلى اللّه عليه و آله و سلم» حينئذ مختفيا في شعب ابي طالب.

و لكن، لنا ان نناقشه بان شعب ابي طالب لم يكن محل اختفاء لهم، و انما كانوا محاصرين فيه، فالتعبير بالاختفاء يدل على أن ذلك قد كان في اوائل البعثة.

____________

قالأوائل ص 88 و ملحقات إحقاق الحق للمرعشي ج 10 ص 1-11 عن بعض من تقدم، و عن: أرجح المطالب ص 239، و وسيلة المآل ص 78/79، و إعراب ثلاثين سورة ص 120، و كنز العمال ج 14 ص 97 و ج 3 ص 94، و مفتاح النجا ص 98 مخطوط و أخبار الدول ص 87-و عن ميزان الاعتدال ج 1 ص 38 و 253 و ج 2 ص 26 و 84. و الدر المنثور ج 4 ص 153 عن الطبراني و الحاكم.

(1) صحيح البخاري طبع سنة 1309 ج 3 ص 99، و الدر المنثور ج 4 ص 206 عنه و عن: مسلم و أحمد و الترمذي، و النسائي، و سعيد بن منصور، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه، و الطبراني و البيهقي.

12

و وجود هجوم في سورة الاسراء على عقائد المشركين، لا يضر؛ اذا كانت السورة قد نزلت في اوائل البعثة.

ب-ما ذكره البعض في مقال له‏ (1) من أن سورة الإسراء قد نزلت بعد الحجر بثلاث سور (2) و سورة الحجر قد نزلت في المرحلة السرية.

و فيها جاء قوله تعالى: «فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ، وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ» . الامر الذي تسبب عنه الجهر بالدعوة و اظهارها.

و ايراد المحقق الروحاني هنا بان في السورة ما يدل على وجود الصدام بين النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» و المشركين. و هذا الصدام إنما حصل بعد الاختفاء في دار الأرقم، و بعد الاعلان بالدعوة.

يجاب عنه بما تقدم، من أن من غير البعيد ان تكون هذه السورة قد نزلت تدريجا؛ فبدأ نزولها في اول البعثة. ثم اكملت في فترة التحدي و المجابهة بين النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» و المشركين.

و يدل على قدم نزولها أيضا قول ابن مسعود عن سور الاسراء، و الكهف، و مريم: انهن من العتاق الاول، و هن من تلادي‏ (3) .

و ابن مسعود ممن هاجر الى الحبشة، و رجع منها، و النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» يتجهز الى بدر (4) .

إلا أن يقال: إن ابن مسعود إنما هاجر الى الحبشة بعد الطائف، أي في الهجرة الثانية، لا في الاولى؛ فلاحظ؛ فان ذلك لا يلائم قوله: انهن

____________

(1) راجع: مجلة الوعي الإسلامي المغربية عدد 163 ص 56.

(2) راجع: الاتقان ج 1 ص 11، و تاريخ القرآن للزنجاني ص 37.

(3) صحيح البخاري ج 3 ط سنة 1309 ص 96 و الدر المنثور ج 4 ص 136 عنه و عن ابن الضريس و ابن مردويه.

(4) فتح الباري ج 7 ص 145.

13

من العتاق الأول.

5-ان سورة النجم التي يذكرون انها تذكر المعراج في آياتها-قد نزلت هي الأخرى في اوائل البعثة؛ فانها نزلت بعد اثنتين او ثلاث و عشرين سورة، و نزل بعدها اربعة و ستون سورة في مكة (1) ، و سيأتي في قصة الغرانيق المكذوبة او المحرفة: أنهم يقولون: إنها انما نزلت بعد الهجرة الى الحبشة بثلاثة اشهر. و الهجرة الى الحبشة إنما كانت في السنة الخامسة.

بل لقد قيل: إن سورة النجم هي اول سورة اعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» بقراءتها؛ فقرأها على المؤمنين و المشركين جميعا (2) .

و إن كان من الممكن النقاش في كون آيات سورة النجم ناظرة الى المعراج، كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

6-و يؤيد كون هذه القضية قد حصلت في اوائل البعثة: انه حين عرج به «صلى اللّه عليه و آله و سلم» صار الملائكة يسألون: أو قد أرسل إليه؟ (3) فان هذا يشير إلى أن ذلك إنما كان في أول بعثته «صلى اللّه عليه و آله و سلم» لا بعد عشرة أو اثنتي عشرة سنة، فان أمره «صلى اللّه عليه و آله و سلم» كان قد اشتهر في أهل السماوات حينئذ. بل يمكن أن يكون قد اشتهر ذلك منذ الايام الاولى من البعثة.

7-ما يدل على أن الاسراء قد كان قبل وفاة ابي طالب: فإن بعض الروايات تذكر أن أبا طالب (ره) قد افتقده ليلته، فلم يزل يطلبه حتى وجده، فذهب إلى المسجد، و معه الهاشميون، فسل سيفه عند الحجر، و امر

____________

(1) راجع الاتقان ج 1 ص 10-11 و 25.

(2) تفسير الميزان مجلد 19 ص 26.

(3) مجمع الزوائد ج 1 ص 69/70 عن البزار و المواهب اللدنية ج 2 ص 6، و تاريخ الخميس ج 1 ص 310.

14

الهاشميين باظهار السيوف التي معهم، ثم التفت إلى قريش، و قال: لو لم أره ما بقي منكم عين تطرف. فقالت قريش: لقد ركبت منا عظيما (1)

8-ما روي من أن جبرئيل قال للنبي حين رجوعه: حاجتي أن تقرأ على خديجة من اللّه و منّي السلام‏ (2) .

9-و عن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قال: ثم رجعت إلى خديجة، و ما تحولت عن جانبها (3) .

فكل ذلك يدل على أن هذا الحدث قد كان قبل وفاة شيخ الأبطح، و أم المؤمنين خديجة «رحمها اللّه» و هما قد توفيا في السنة العاشرة من بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ، فكيف يكون الاسراء و المعراج قد حصل في الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو بعدها؟!. غ

تسمية أبي بكر بالصّديق‏

إنه إذا تأكد لنا: أن الاسراء و المعراج كان في السنة الثالثة من البعثة. أي قبل أن يسلم من المسلمين أربعون رجلا؛ فاننا نعرف: أن الاسراء كان قبل اسلام أبي بكر بمدة طويلة؛ لأنه كما تقدم قد اسلم بعد اكثر من خمسين رجلا، بل إنما اسلم حوالي السنة الخامسة من البعثة، بل في السابعة أي بعد وقوع المواجهة بين قريش و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» أو بعد الهجرة إلى الحبشة فهو أول من أسلم بعد هذه المواجهة أو الهجرة-على الظاهر.

____________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 1 ص 180، و البحار ج 18 ص 384.

(2) البحار ج 18 ص 385 عن العياشي، عن زرارة، و حمران بن أعين، و محمد بن مسلم، عن الباقر (ع) .

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 315.

15

و إذا كان الاسراء قد حصل قبل اسلامه بمدة طويلة، فلا يبقى مجال لتصديق ما يذكر هنا، من أنه قد سمّي صديقا، حينما صدق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» في قضية الاسراء (1) ، و لا لما يذكرونه، من أن ملكا كان يكلم رسول اللّه حين المعراج بصوت أبي بكر (2) و قد صرح الحفاظ بكذب طائفة من تلك الروايات‏ (3) .

و الصحيح: هو أنه قد كلمه بصوت علي «عليه السلام» (4) . و بذلك يظهر حال سائر ما يذكر هنا لهذا الرجل من فضائل و مواقف تنسب إليه في السنوات الثلاث الأولى من البعثة.

و بعد ما تقدم نقول: جاء في الشفاء عن ابي حمراء قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» : لما اسري بي الى السماء إذا على العرش مكتوب: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، أيدته بعلي «عليه السلام» (5) . غ

الإسراء و المعراج في اليقظة أو في المنام:

يرى البعض: أن الاسراء قد كان بالروح فقط، في عالم الرؤيا،

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 315، و المواهب اللدنية ج 2 ص 40 مستدرك الحاكم، و ابن إسحاق.

(2) المواهب اللدنية ج 2 ص 29/30. و راجع الدر المنثور ج 4 ص 155 و راجع ص 154.

(3) راجع: الغدير ج 5 ص 303 و 324 و 325 فإنه قد نقل هذه الروايات و تكذيبها عن: ميزان الاعتدال ج 1 ص 370، و لسان الميزان ج 5 ص 235، و تهذيب التهذيب ج 5 ص 138، و السيوطي في الموضوعات، و ابن حبان، و ابن عدي.

(4) المناقب للخوارزمي ص 37 و ينابيع المودة ص 83.

(5) تاريخ الخميس ج 1 ص 313.

16

و يحتجون بما عن عائشة: ما فقدت جسد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» (1) .

و عن معاوية: انها رؤيا صالحة (2) . و حكي مثل ذلك عن الحسن البصري.

و لكن الصحيح هو ما ذهب إليه الامامية و معظم المسلمين من أن الاسراء إنما كان بالروح و الجسد معا. أما المعراج فذهب الاكثر إلى أنه كان بالروح و الجسد و هو الصحيح أيضا. و نحن نشير هنا إلى ما يلي:

أولا: بالنسبة لعائشة، قال القسطلاني: «و أجيب: بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجا، و لا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد، على الخلاف في الاسراء متى كان» (3) .

و أما معاوية فحاله معلوم مما ذكرناه في الجزء الأول: المدخل لدراسة السيرة.

و ثانيا: قال تعالى: «سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى» (4) و قال في سورة النجم-اذا كانت الآيات ناظرة إلى المعراج، و يرجع الضمير فيها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» لا إلى جبرئيل-: «فَكََانَ قََابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ََ. `فَأَوْحى‏ََ إِلى‏ََ عَبْدِهِ مََا أَوْحى‏ََ» (5) .

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 308، و المواهب اللدنية ج 2 ص 2، و البحار ج 18 ص 291 و في المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 177: أن الجهمية قالت بهذا.

(2) البحار ج 18 ص 291 عن: المقاصد و شرحه، و راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 308.

(3) المواهب اللدنية ج 2 ص 2.

(4) الإسراء: 1.

(5) النجم: 9-10.

17

فان لفظ العبد إنما يطلق على الروح و الجسد معا، و لو كان مناما، لكان قال: بروح عبده، و إلى روح عبده.

كما أن قوله تعالى: « مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ وَ مََا طَغى‏ََ » ظاهر في البصر الحقيقي أيضا (1) .

أضف إلى ذلك: أن آية سورة الاسراء، و آيات سورة النجم واردة في مقام الامتنان. و فيها ثناء على اللّه، و عجيب قدرته، و ذلك لا يحسن، و لا يتم لمجرد رؤيا رآها النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ؛ إذ ربما يرى غير النبي، و حتى الفاسق الفاجر رؤيا اعظم من ذلك.

هذا بالإضافة إلى أن الرؤيا عند عامة الناس لا تدل على عظيم قدرته تعالى، إذ ربما تفسر على أنها نوع من الاوهام و الخيالات، فيفوت الغرض المقصود من الاسراء و المعراج، كما هو ظاهر (2) .

و ثالثا: انه لو كان الاسراء مجرد رؤيا صالحة؛ فلا يبقى فيه اعجاز؛ و لما أنكره المشركون و المعاندون، و لما ارتدّ ناس ممن كان قد اسلم، كما سنشير اليه.

و رابعا: لو كان مجرد رؤيا، لم يخرج ابو طالب و الهاشميون في طلبه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» . و كان العباس يناديه حتى اجابه من بعض النواحي، حسبما ورد في بعض الروايات.

و اما لماذا ينكرون: ان يكون ذلك بالروح و الجسد معا؛ فهو إما لعدم قدرتهم على تعقل ذلك، او لأجل الحط من كرامة النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» كما تقدم في المدخل لدراسة السيرة، او لعدم قدرتهم

____________

(1) راجع هذا الاستدلال في: البحار ج 18 ص 286 عن الرازي، و المواهب اللدنية ج 2 ص 4، و تاريخ الخميس ج 1 ص 308.

(2) راجع: تفسير الميزان ج 13 ص 24.

غ

18

على اقناع الناس بامر مبهم كهذا. غ

الاسراء و المعراج في القرآن:

اننا نؤمن بالاسراء استنادا إلى قوله تعالى: «سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى، اَلَّذِي بََارَكْنََا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيََاتِنََا (1) » ... فمحط النظر في الآية هو بيان الاسراء فقط.

اما المعراج، فانه لم يذكر في القرآن صراحة، إلا ما جاء في تفسير آيات سورة النجم و هي قوله تعالى: «ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ََ. `وَ هُوَ بِالْأُفُقِ اَلْأَعْلى‏ََ. `ثُمَّ دَنََا فَتَدَلََّى. `فَكََانَ قََابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ََ. `فَأَوْحى‏ََ إِلى‏ََ عَبْدِهِ مََا أَوْحى‏ََ. `مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ مََا رَأى‏ََ. » (2) ، ان قلنا ان الضمير فيها يرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ، لا إلى ذي المرة، الذي هو جبرئيل.

مع أن الثاني هو الظاهر، و يدل عليه رواية صحيحة السند، عالية الاسناد، عن الامام الرضا «عليه السلام» . و الرواية تستشهد و تستدل بنص الآيات في السورة. (3) .

و يدل على ذلك ايضا و يفسره قوله تعالى: «وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ اَلْمُبِينِ‏ (4) » فراجع.

و لكن كثرة الاخبار الواردة في المعراج، و حتى تواترها القطعي لا يبقي مجالا للشك في حصول المعراج؛ فنحن نؤمن به أيضا استنادا إلى ذلك.

____________

(1) الإسراء: 1.

(2) النجم: 6-12.

(3) راجع البرهان للبحراني ج 4 ص 248 و ستأتي الرواية تحت عنوان: لا تدركه الأبصار.

(4) التكوير: 23.

19

و أما القول بوجود تعارض بين آية سورة الاسراء، و بين الروايات الدالة على المعراج، على اعتبار: ان الآية تدل على ان انتهاء السير كان في المسجد الاقصى، و لم يكن بعده سير.

فلا يصح؛ لأن هناك رحلتين مختلفتين من حيث الكيفية و القصد.

و قد كان انتهاء الرحلة الاولى في المسجد الاقصى، و لم يتعلق غرض في الآية ببيان الرحلة الثانية أصلا. غ

سؤال هام و جوابه:

و اما لماذا لم يذكر المعراج في القرآن صراحة، كما كان الحال بالنسبة إلى الاسراء.

فلربما يكون السر في ذلك هو ان الاسراء امر قريب إلى الحس، فالتصديق به يكون ايسر و أقرب.

و إذا كانوا قد صعب عليهم التصديق بالاسراء، بل و استهزؤا و شنعوا عليه ما شاء لهم بغيهم و حنقهم. رغم أنه قد أخبرهم بما جرى للقافلة التي رآها في طريقه، و بأنها قد اضلت بعيرا، و كسرت فيها ناقة حمراء في الوقت الفلاني، و بان لهم صدقه في ذلك. و رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» وصف لهم بيت المقدس وصفا دقيقا، يعلمون صحته و صدقه، مع علمهم بعدم رؤيته «صلى اللّه عليه و آله و سلم» له فيما مضى.

و أيضا، إذا كان بعض ضعفاء المسلمين قد ارتدوا، حين أخبرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» بقضية الاسراء (1) ، الذي هو من جملة

____________

(1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 328، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 21، و أخرجه أبو نعيم، و منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 353 حياة الصحابة ج 3 ص 73 عن بعض من تقدم. و تاريخ الخميس ج 1 ص 308 و 315، و المواهب اللدنية ج 2 ص 40.

20

المعجزات القاطعة، و البراهين الساطعة.

نعم، إذا كان ذلك كله، فكيف تكون الحال إذا أخبرهم بما هو اكثر غرابة و بعدا عن أذهانهم، و هو رحلته إلى السماوات العلى، و ما شاهد فيها من عجائب الصنع، و بديع الخلق؟!.

و لهذا، فاننا نرجح: أنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد تدرّج في اخباره لهم بالاسراء و المعراج، فأخبرهم أولا بالاسراء، أما المعراج؛ فأخبر به أولياءه المؤمنين القادرين على التحمل، و التعقل. ثم صار يتوسع في اخباره لغيرهم بذلك في الأوقات المناسبة، و بحسب ما تقتضيه المصلحة، و متطلبات الدعوة إلى اللّه تعالى. غ

الداعية الحكيم:

و لعل مما تقدم يظهر: أنه اذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» إنما جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، و من الضلالة إلى الهدى، فان من الطبيعي أن يهتم في الحفاظ على الركيزة الايمانية التي يحصل عليها، و أن لا يدخلها في أجواء ليس لها القدرة على استيعابها و لا على مواجهة اخطار الانحراف فيها.

و من الواضح: أنه إذا أخبرهم بقضية المعراج، مع عدم قدرتهم على التحمل و التفاعل معها و لا على تصورها، فانهم إذا ارتدوا حينئذ فسيكونون معذورين، و لا سيما إذا كان التصديق بهذه القضية إنما يستند إلى المستوى الايماني لديهم بالدرجة الاولى.

و أما قضية الاسراء، فقد كان بالإمكان أن يؤدي الاخبار عنها نفس النتيجة المتوخاة، و هي الجهة الاعجازية ذات الطابع المعين مع امكان الاستناد في مقام الاقناع بها إلى أدلة تقربها إلى الحس، و تجعل القبول بها أيسر و أسهل من تلك، و لا يعتمد فيها على المستوى الايماني‏

21

و حسب. و إذن؛ فلا يبقى ثمة مبرر لارتداد هؤلاء، و لا لعناد أولئك. غ

لا تدركه الابصار:

و يرى البعض، استنادا إلى قوله تعالى: «أَ فَتُمََارُونَهُ عَلى‏ََ مََا يَرى‏ََ، `وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ََ. `عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى‏ََ إلخ‏ (1) » : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد رأى اللّه حين المعراج بعين رأسه، و رووا ذلك عن ابن عباس. بل لقد حكى النقاش عن أحمد بن حنبل، أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه، رآه، حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد (2) .

و نحن لا نريد أن نفيض في الحديث حول الرؤية له تعالى، فلقد أثبت علماؤنا الابرار، بما لا مجال معه للشك استحالة رؤيته تعالى، سواء في الدنيا، أو في الآخرة. و قد فندوا أدلة المجسمة المثبتين للرؤية في الدنيا و الآخرة، أو في الآخرة فقط بشكل علمي و قاطع.. فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه بمراجعة دلائل الصدق، و غيره من الكتب المعدة لذلك‏ (3) .

و نكتفي هنا بالاشارة إلى أن الرواية عن ابن عباس غير ثابتة، فقد روي عنه أيضا خلافها (4) .

و روى عن عائشة: أن مسروقا قال لها: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ربه؟قالت: لقد قفّ شعري مما

____________

(1) النجم: 12-14.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 314.

(3) مثل: دلائل الصدق، و غيره من الكتب الباحثة في الشأن العقائدي.

(4) راجع في الروايات الكثيرة عنه: الدر المنثور ج 6 ص 122-126.

22

قلت... إلى أن قالت: من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لا تدركه الابصار إلخ‏ (1) .

و عند مسلم: أنها أضافت: أنها سألت النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» عن ذلك، فأخبرها: أنه لم يره، و إنما رأى جبرئيل‏ (2) .

و الروايات في أن المقصود بالآيات في سورة النجم هو جبرئيل كثيرة جدا و كذلك الروايات التي تؤكد: على أنه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» قد رآه بقلبه و فؤاده، لا بعينه و بصره، فانها كثيرة أيضا. (3)

بل إن نفس الآيات ظاهرة-إن لم تكن صريحة-في أن المقصود هو جبرئيل، بيان ذلك باختصار:

ان قوله تعالى: علمه شديد القوى يراد بشديد القوى هو جبرئيل «عليه السلام» ، ثم وصف جبرئيل، الذي وصفه اللّه بالقوة في قوله: «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ‏ (4) » بكونه ذا مرة، (أي شدة و حصافة في العقل و الرأي) (5) ، و قوله (فاستوى) أي ان ذلك الشديد، ذا المرة. استقام أو استولى، و هو بالافق الاعلى. و قوله: ثم دنا، أي ذلك الشديد ذو المرة دنا

____________

(1) المواهب اللدنية ج 2 ص 34 عن البخاري و مسلم، و تاريخ الخميس ج 1 ص 313، و الدر المنثور ج 6 ص 124 عن عبد بن حميد، و الترمذي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الحاكم و ابن مردويه.

(2) المواهب اللدنية ج 2 ص 35 عن مسلم.

(3) يكفي أن يرجع الطالب إلى الدر المنثور ج 6 ص 122-126 و تاريخ الخميس ج 1 ص 313/314 و المواهب اللدنية ج 2 ص 36/37 و غير ذلك من المصادر الكثيرة جدا.

(4) التكوير: 20.

(5) احتمل بعض المحققين: أن يكون وصف اللّه تعالى لجبرئيل بالشدة في مقابل التابع من الجن الذي كان ضعيفا بحيث يستطيع الإنسان أن يتسلط عليه.

23

من النبي و تدلى في الافق نحو النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» .

ثم، إن ذلك الشديد القوي ذا المرة الذي دنا فتدلى، أوحى إلى النبي الذي هو عبد اللّه ما أوحى.

و رجوع الضمير إلى اللّه مع عدم سبق ذكره، لا ضير فيه لوضوحه، كما قال العلامة الطباطبائي، أو على أن يكون ضمائر فأوحى إلى عبده ما أوحى راجعة الى اللّه تعالى.

ثم قال: ما كذب الفؤاد ما رأى. و المرئي هو الآيات الكبرى، و منها ما تقدم من الدنوّ، و التدلي، و كون جبرئيل بالافق الاعلى.

و ليس في الآية ما يدل على أن الرؤية قد كانت للّه تعالى. و يدل على ما نقول قوله تعالى الآتي: «مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ وَ مََا طَغى‏ََ. `لَقَدْ رَأى‏ََ مِنْ آيََاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرى‏ََ» .

ثم قال تعالى: أفتمارونه على ما يرى. أي اتجادلونه في رؤيته جبرئيل، و هل هذا أمر نظري عقلي يصح الجدال و المراء فيه؟و هل بامكانه أن يكذب بصره و يقول: لا أراه؟!فان الكفار كانوا ينكرون الوحي له، و رؤيته الملك.

ثم قال تعالى: و لقد رآه، -و الضمير يرجع إلى ذلك الذي لا يزال يتحدث عنه-، نزلة أخرى، أي في نزول آخر، و الذي كان ينزل عليه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» هو جبرئيل، فانه رآه و التقى معه على صورته في نزلة ثانية عند سدرة المنتهى. و السدرة نوع من الشجر.

و لا بد أن تكون هذه الرؤية الثانية في الارض، و إلا لوجب أن يقول: و لقد رآه نزلة أخرى، ثم عرج به الى السماء، حتى انتهى الى السدرة، فرآه عندها.

و يبدو: أنه كان في الارض-كما يراه بعض المحققين-شجرة سدر

24

كان لقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» بجبرئيل عندها، و عند تلك السدرة توجد جنة المأوى، أي جنة و بستان يؤوى اليها، أو أن الجنة في الآخرة ستكون في تلك المنطقة.

و بعض المحققين يرى: أن المراد بالنزلة الدفعة، و أنه قد رأى جبرئيل بعد العروج عند سدرة المنتهى، و ان الجنة الحقيقية موجودة هناك.

و نقول:

إن هذا الكلام خلاف ظاهر التعبير بنزلة. و تحقيق مكان الجنة ليس هنا محله.

و هكذا يتضح: أن هذه الآيات ناظرة إلى رؤية النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» لجبرئيل على صورته الحقيقية مرتين في نزلتين لجبرئيل.

و هذا هو ما أكده الامام الرضا «عليه السلام» في رواية صحيحة السند عنه، جاء فيها: قال أبو قرة: إنا روينا: أن اللّه قسم الرؤية و الكلام بين نبيين؛ فقسم الكلام لموسى، و لمحمد الرؤية.

فقال أبو الحسن «عليه السلام» : فمن المبلغ عن اللّه إلى الثقلين، من الجن و الانس: «لا تدركه الابصار. و لا يحيطون به علما. و ليس كمثله شي‏ء» ؟أليس محمد «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ؟

قال: بلى.

قال: كيف يجيى‏ء رجل إلى الخلق جميعا؛ فيخبرهم: أنه جاء من عند اللّه، و أنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول: «لا تدركه الابصار. و لا يحيطون به علما. و ليس كمثله شي‏ء» ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، و أحطت علما، و هو على صورة البشر؟!أما تستحون؟!. ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند اللّه بشي‏ء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.

25

قال أبو قرة: فانه يقول: «و لقد رآه نزلة أخرى» ؟

فقال أبو الحسن «عليه السلام» : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى، حيث قال: «ما كذب الفؤاد ما رأى» ، يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى» ؛ فآيات اللّه غير اللّه، و قد قال اللّه: «و لا يحيطون به علما» . فاذا رأته الابصار؛ فقد أحاطت به العلم، و وقعت المعرفة.

فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟!.

فقال أبو الحسن «عليه السلام» : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها. و ما أجمع المسلمون عليه: أنه لا يحاط به علما، و لا تدركه الابصار، و ليس كمثله شي‏ء (1) .

و في الرواية دلالة على حجية ظواهر الكتاب، و على حجية السياق القرآني ايضا. صلوات اللّه و سلامه عليك يا أبا الحسن و على آبائك و ابناءك الطاهرين، فانكم ما زلتم حصون الاسلام، و المدافعين عنه، و الباذلين مهجكم في سبيله، فانتم مصابيح الدجى، و العروة الوثقى، و الحجة على أهل الدنيا. غ

الاسراء من المسجد:

صريح القرآن: أن الاسراء كان من المسجد، و جاء في عدد من الروايات: أنه كان من بيت أم هاني‏ (2) و احتمل السيد الطباطبائي أن يكون

____________

(1) أصول الكافي ط سنة 1388 في إيران ج 1 ص 74/75. و البرهان للبحراني ج 4 ص 248.

(2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 43.

26

الاسراء حصل مرتين، إحداهما من بيت أم هاني‏ (1) .

و يحتمل أيضا التجوز، و ارادة مكة من «المسجد الحرام» . و هو اطلاق متعارف، قال تعالى: «هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ» و يقال: هو يسكن في مشهد الرضا، مع أنه يسكن في البلد المحيطة به. و أطلق في الروايات مسجد الشجرة على ذي الحليفة. و مثل ذلك كثير، فان من المتعارف أن يطلق على المكان الذي فيه شي‏ء معروف اسم ذلك الشي‏ء المعروف.

و يحتمل أيضا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله و سلم» خرج تلك الليلة الى المسجد من بيت أم هاني، ثم اسري به من المسجد. غ

موسى، و فرض الصلوات الخمس:

هذا، و قد جاء في بعض الروايات: أن الصلوات الخمس قد فرضت حين المعراج، و أنها فرضت أولا خمسين صلاة في اليوم. و حين عودة الرسول «صلى اللّه عليه و آله و سلم» التقى بموسى، فأشار عليه أن يرجع إلى اللّه، و يسأله التخفيف، لأن الامة لا تطيق ذلك-كما لم تطقه بنو اسرائيل-فرجع، و طلب إلى اللّه التخفيف فخففها إلى أربعين، و عاد الرسول؛ فمر بموسى، فاشار عليه بطلب التخفيف، ففعل، فخففت إلى ثلاثين، ثم إلى عشرين، ثم إلى عشرة، ثم إلى خمسة، ثم استحيا الرسول «صلى اللّه عليه و آله و سلم» من المراجعة من جديد فاستقرت الصلوات على خمس‏ (2) .

____________

(1) الميزان ج 13 ص 31.

(2) لقد وردت هذه الرواية في مختلف كتب الحديث، و التاريخ عند غير الشيعة، و لذا فلا نرى حاجة لذكر مصادرها. فراجع على سبيل المثال: كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 45، و وردت أيضا في كتب الإمامية رحمهم اللّه تعالى، و أعلى درجاتهم، فراجع: البحار ج 18 ص 330 و 335 و 348 و 349 و 350 و 408 عن:

27

و هذه الرواية و إن كانت قد وردت في بعض المصادر الشيعية أيضا، الا أننا لا نستطيع قبولها، و قال عنها السيد المرتضى «رحمه اللّه» : «أما هذه الرواية فهي من طريق الآحاد، التي لا توجب علما، و هي مع ذلك مضعفة (1) » .

و نحن هنا نشير الى الأسئلة التالية:

لماذا يفرض اللّه على الامة هذا العدد أولا، ثم يعود إلى تخفيفه بعد المراجعة، فانه إن كانت المصلحة في الخمسين، فلا معنى للتخفيف، و إن كانت المصلحة في الخمس، فلماذا يفرض الخمسين، ثم الاربعين، ثم الثلاثين و هكذا. و في بعض الروايات: أنه كان في كل مرة يحط عنه خمسا، حتى انتهى الى خمس صلوات.

و قد أجاب بعض المحققين عن هذا بأن ما جرى هنا ما هو إلا نظير اضافة الرسول «صلى اللّه عليه و آله و سلم» الركعتين الأخيرتين في الرباعية من الصلاة اليومية؛ و نظير التكليف بعدم الفرار من الزحف، مع أنه علم أن فيكم ضعفا. و نظير الرفث الى النساء ليلة الصيام، فقد نسخت حرمته بعد وقوع المخالفات منهم؛ قال تعالى: عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتََانُونَ أَنْفُسَكُمْ؛ فَتََابَ عَلَيْكُمْ، وَ عَفََا عَنْكُمْ؛ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ (2) .

و نقول: ان ما ذكره-حفظه اللّه لا يكفي لدفع ما ذكرناه، أما بالنسبة لتشريع الركعتين الأخيرتين في الرباعية من قبله «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ؛ فإن اللّه سبحانه قد فوّض له ذلك حينما يعلم «صلى اللّه

____________

قأمالي الصدوق ص 270/271 و 274، 275، و توحيد الصدوق ص 167/168، و علل الشرائع ص 55/56، و الخصال ج 1 ص 129.

(1) تنزيه الأنبياء ص 121.

(2) البقرة: 187.

غ

28

عليه و آله و سلم» بتحقق مصلحته و مقتضيه في متن الواقع.

و اما بالنسبة لحكم الفرار من الزحف، و حكم الرفث الى النساء، فان المقصود بـ: «علم أن فيكم ضعفا» . و «علم انكم كنتم تختانون انفسكم» هو تحقق معلوم اللّه سبحانه في الخارج. أي أن الحكم السابق، و هو حرمة الفرار بملاحظة قلة العدد، و حرمة الرفث قد استمر و بقي الى أن حصل الضعف و حصلت الخيانة و تغير الموضوع. فنسخ الحكم الاول، فنسخت حرمة الرفث و نسخت حرمة الفرار و ليس المراد علم اللّه بعد جهله، و العياذ باللّه.

أما السيد المرتضى، فقد أجاب «رحمه اللّه» عن التساؤل الذي طرحناه فيما سبق بنحو آخر، و هو: أن من الممكن أن تكون المصلحة أولا تقتضي الخمسين، ثم تغيرت هذه المصلحة بسبب المراجعة، و أصبحت تقتضي الخمس‏ (1) .

و لكنه جواب منظور فيه؛ فان النبي إذا كان يعلم: أن اللّه تعالى لا يشرع إلا وفق المصلحة، فانه لا يبقى مجال لمراجعته أصلا؛ لأنه كأنه حينئذ يطلب تشريعا لا يوافق المصلحة.

و لو صحّت المراجعة هنا، و اوجبت تبدل المصلحة صحّت في كل مورد، و اوجبت ذلك ايضا، فلماذا كانت هنا. و لم تكن في سائر الموارد.

كما أن تعليل موسى للتخفيف بعدم طاقة الأمة، كأنه يدل على أنه يعتقد: أن هذا التشريع يخالف المصلحة.

و هذا محال بالنسبة الى اللّه تعالى. و لا يمكن صدوره لا من موسى «عليه السلام» و لا من نبينا «صلى اللّه عليه و آله و سلم» .

قال صاحب المعالم:

____________

(1) تنزيه الأنبياء ص 121.

29

«المطالبة بصحة الرواية، مع أن فيها طعنا على الأنبياء بالإقدام على المراجعة في الاوامر المطلقة» (1) .

و سؤال آخر: كيف لم يعلم اللّه تعالى: أن الأمة لا تطيق ذلك، و علم بذلك موسى؟:

و سؤال آخر، و هو: ما المراد بعدم الإطاقة؟هل المراد بها عدم الإطاقة عقلا؟فيرد عليه: انه لا يمكن القول بجواز التكليف بما لا يطاق؟ أو المراد به ما كان في مستوى العسر و الحرج، المنفي في الشرع الاسلامي، كما دلت عليه الروايات و الآيات و لا سيما قوله تعالى: «يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ، وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ» (2) و «مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (3) و غير ذلك من الآيات.

و مما ذكرناه يتضح: أنه لا يمكن أن يكون تعالى قد كلف بني اسرائيل مالا يطيقون.

و اما قوله تعالى: «رَبَّنََا، وَ لاََ تَحْمِلْ عَلَيْنََا إِصْراً كَمََا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنََا» (4) .

فهو لا يدل على ذلك لعطف قوله «ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به» عليه؛ فيدل على أن المراد بالإصر هو ما يطاق، لا ما لا يطاق. و يمكن ان يكون المراد بالاصر: جزاء السيئات الثقيل و الشاق، أو المبادرة بعذاب الاستيصال.

و اما طلبهم أن لا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به، فليس المراد أنه

____________

(1) معالم الدين ص 208 مبحث النسخ.

(2) البقرة: 185.

(3) الحج: 78.

(4) البقرة: 286.

30

يحمّلهم ذلك في التكليف الابتدائي، لأن العقل لا يجيز ذلك، بل المراد مالا طاقة لهم به، مما يتسبب عن المخالفة و هو العذاب الأليم، و العقاب العظيم.

و سؤال آخر هنا، و هو:

كيف نسي اللّه تعالى تلك التجربة الفاشلة مع بني اسرائيل، حتى أراد أن يكررها مع أمة محمد من جديد؟!.

و لعل هذه التجربة كانت هي عذر ابراهيم الذي مر عليه محمد «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ذهابا و ايابا عشر مرات، أو عشرين‏ (1) على اختلاف النقل. و لكنه لم يسأله عن شي‏ء، و لا أمره بشي‏ء!!.

و إن كنا نستغرب عدم سؤاله عن سر هذه الجولات المتتالية ذهابا و ايابا؟!.

و لماذا لم يلتفت نبينا الاعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» إلى ثقل هذا التشريع على امته، و التفت إليه نبي اللّه موسى؟و لماذا بقي يغفل عن ذلك خمس مرات، بل ستة أو اكثر و لا يعرف: أن هذا ليس هو الحد المطلوب، حتى يضطر موسى لأن يرصد له الطريق باستمرار، و لولاه لوقعت الأمة في الحرج و العسر؟.

و لماذا لا ينزل اللّه العدد إلى الخمس مباشرة من دون أن يضطر الرسول إلى الصعود و النزول المتعب و المتواصل باستمرار؟!غ

استبعاد الاسراء و المعراج:

و بعد، فلا بد لنا من الاشارة هنا: إلى أن استبعاد الاسراء

____________

(1) لأن ابراهيم حسب نص الرواية كان في السماء السابعة، و موسى كان في السادسة و كان موسى يرجع النبي إلى ربه، كي يسأله التخفيف، فيرجع ثم يعود إليه فيرجعه من جديد.

31

و المعراج؛ بدعوى عدم امكان تصور أن تقطع تلك المسافات الشاسعة، التي تعد بآلاف الاميال في ليلة واحدة ذهابا و ايابا-هذا الاستبعاد-في غير محله.

فقد حضر عرش بلقيس لدى سليمان من اليمن إلى بلاد الشام في أقل من لمح البصر. و كان عفريت من الجن قد تكفل بأن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه.

و أما بالنسبة لنا اليوم فقد اصبح التصديق بالاسراء و المعراج اكثر سهولة، و الاقناع به أقرب منالا، و لا سيما بعد أن تمكن هذا الانسان العاجز المحدود من أن يصنع ما يمكنه من قطع 13 كيلومترا في ثانية واحدة، و لربما يتضاعف ذلك عدة مرات في المستقبل. كما أنه قد اكتشف أن سرعة النور هي حوالي ثلاثمائة الف كيلومتر في الثانية (1) ، بل يعتقد بعض العلماء: ان الموجات غير المرئية للجاذبية تستطيع أن تقطع العالم بلحظة واحدة من دون حاجة إلى الزمان..

و بعد كل هذا فإنه إذا كان قطع المسافات البعيدة بهذه السرعة المذهلة ليس مستحيلا على هذا الانسان المحدود، الذي بقي الاعوام الطوال يفكر و يستعد، و يجمع الخبرات و الامكانات، فهل يستحيل على خالق الانسان و الكون، و مبدعه أن يسري بعبده الذي اصطفاه رسولا للبشرية جمعاء، ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، و إلى ملكوت السموات، ثم يعيده إلى مكانه الأول؟!. غ

من اهداف الإسراء و المعراج:

اننا اذا أردنا معرفة الأهداف و الحكم، و المعجزات، و التأثيرات

____________

(1) راجع حول سرعة النور: موسوعة المعارف و العلوم ص 10.

32

العميقة للإسراء و المعراج، فلا بد لنا من دراسة كل نصوصه، و فقراته، و مراحله بدقة و عمق. بعد تحقيق الصحيح منها. و حيث ان ذلك غير متيسّر بل هو متعذر علينا في ظروفنا الحاضرة، فاننا لا بد ان نكتفي بالإشارة الى الامور التالية:

أولا: ان حادثة الإسراء و المعراج معجزة كبرى خالدة، و لسوف يبقى البشر الى الأبد عاجزين عن مجاراتها، و ادراك أسرارها و لعل اعجازها هذا اصبح اكثر وضوحا في هذا القرن العشرين، بعد ان تعرف هذا الانسان على بعض اسرار الكون و عجائبه. و ما يعترض سبيل النفوذ الى السماوات من عقبات و مصاعب.

و اعجازها هذا إنما يكون بعد التسليم بنبوة النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» عن طريق الخضوع لمعجزته الخالدة، و هي القرآن، او اليقين بصدقه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» عن أي طريق آخر، بحيث يكون ذلك موجبا لليقين بصدق اخباراته كلها؛ فاذا اخبر «صلى اللّه عليه و آله و سلم» بهذه الحادثة، فان اخباره مساوق لليقين بوقوعها. و هي حينئذ تكون معجزة خالدة تتحدى هذا الانسان على مدى التاريخ.

و ثانيا: يلاحظ: ان هذه القضية قد حصلت بعد البعثة بقليل، و قد بين اللّه سبحانه الهدف من هذه الجولة الكونية؛ فقال في سورة الاسراء:

«لِنُرِيَهُ مِنْ آيََاتِنََا» .

و إذا كان الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» هو الأسوة و القدوة للإنسانية جمعاء، و اذا كانت مهمته هي حمل اعباء الرسالة الى العالم بأسره، و اذا كان سوف يواجه من التحديات، و من المصاعب و المشكلات ما هو بحجم هذه المهمة الكبرى، فان من الطبيعي: أن يعدّه اللّه سبحانه إعدادا جيدا لذلك، و ليكن المقصود من قصة الاسراء

33

و المعراج هو ان يشاهد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» بعض آثار عظمة اللّه تعالى، في عملية تربوية رائعة، و تعميق و ترسيخ للطاقة الإيمانية فيه، و ليعدّه لمواجهة التحديات الكبرى التي تنتظره، و تحمل المشاق و المصاعب و الأذايا التي لم يواجهها احد قبله، و لا بعده، حتى لقد قال حسبما نقل «ما أوذي نبي مثلما أوذيت» . و على حسب نص السيوطي، و المناوي، و غيرهما: «ما أوذي احد ما أوذيت» (1) و لا سيما اذا عرفنا: ان عمق إدراك هذا النبي الاعظم «صلى اللّه عليه و آله و سلم» -و هو عقل الكل، و إمام الكل-لاخطار الانحرافات في المجتمعات، و انعكاساتها العميقة على الاجيال اللاحقة كان من شأنه أن يعصر نفسه ألما من اجلهم، و يزيد في تأثره و عذاب روحه حتى لقد خاطبه اللّه تعالى بقوله: «فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ‏ (2) » .

و أيضا، فانه بالاسراء و المعراج يفتح قلبه و عقله ليكون أرحب من هذا الكون، و يمنحه الرؤية الواضحة، و الوعي الاعمق في تعامله مع الأمور، و معالجته للمشكلات. و لا سيما إذا كان لا بد أن يتحمل مسؤولية قيادة الأمة و العالم بأسره.

و كذلك ليصل هذا النبي الأميّ إلى درجة الشهود و العيان بالنسبة إلى ما أوحي إليه، و سمع به عن عظمة ملكوت اللّه سبحانه، و لينتقل من مرحلة السماع إلى مرحلة الرؤية و الشهود، ليزيد في المعرفة يقينا، و في الايمان رسوخا.

و ثالثا: لقد كان الانسان-و لا سيما العربي آنئذ-يعيش في نطاق ضيق، و ذهنية محدودة، و لا يستطيع أن يتصور أكثر من الامور الحسية، أو

____________

(1) راجع: الجامع الصغير ج 2 ص 144 و كنوز الحقائق، هامش الجامع الصغير ج 2 ص 83.

(2) فاطر/8.

34

القريبة من الحس، التي كانت تحيط به، أو يلتمس آثارها عن قرب.

و ذلك من قبيل الفرس، و السيف، و القمر، و النجوم، و الماء و الكلاء، و نحوها، و يشعر بالحب، و البغض و الشجاعة و غير ذلك.

فكان-و الحالة هذه-لا بد من فتح عيني هذا الانسان على الكون الارحب، الذي استخلفه اللّه فيه، ليطرح على نفسه الكثير من التساؤلات عنه، و يبعث الطموح فيه للتعرف عليه، و استكناه أسراره، و بعد ذلك احياء الامل و بث روح جديدة فيه، ليبذل المحاولة للخروج من هذا الجو الضيق الذي يرى نفسه فيه، و من ذلك الواقع المزري، الذي يعاني منه.

و هذا بالطبع ينسحب على كل أمة، و كل جيل، و إلى الابد.

و رابعا: و الأهم من ذلك: ان يلمس هذا الانسان عظمة اللّه سبحانه، و يدرك بديع صنعه، و عظيم قدرته، من اجل ان يثق بنفسه و دينه. و يطمئن الى أنه بإيمانه باللّه، إنما يكون قد التجأ إلى ركن وثيق لا يختار له الاّ الأصلح، و لا يريد له الا الخير، قادر على كل شي‏ء، و محيط بكل الموجودات.

و خامسا: و اخيرا، انه يريد ان يتحدى الاجيال الآتية، و يخبر عما سيؤول اليه البحث العلمي-من التغلب، على المصاعب الكونية، و غزو الفضاء؛ فكان هذا الغزو بما له من طابع اعجازي خالد هو الأسبق و الاكثر غرابة و ابداعا؛ و ليطمئن المؤمنون، و ليربط اللّه على قلوبهم، و يزيدهم ايمانا كما قلنا. غ

الأذان:

و نحن نعتقد: أن الأذان قد شرع في مناسبة الإسراء و المعراج كما جاء في الخبر الصحيح، و لكنهم إنما يذكرون ذلك بعد الهجرة؛ فنحن نرجي‏ء الحديث عنه إلى هناك، إن شاء اللّه تعالى. غ

35

اليهود و المسجد في القرآن:

قال تعالى:

وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ فِي اَلْكِتََابِ: لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. `فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ أُولاََهُمََا بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ عِبََاداً لَنََا، أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَجََاسُوا خِلاََلَ اَلدِّيََارِ، وَ كََانَ وَعْداً مَفْعُولاً. `ثُمَّ رَدَدْنََا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، وَ أَمْدَدْنََاكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ، وَ جَعَلْنََاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. `إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهََا؛ فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ؛ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ، وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَ لِيُتَبِّرُوا مََا عَلَوْا تَتْبِيراً. `عَسى‏ََ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ، وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنََا، وَ جَعَلْنََا جَهَنَّمَ لِلْكََافِرِينَ حَصِيراً، `إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَ يُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلصََّالِحََاتِ: أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً. `وَ أَنَّ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً (1) . غ

مفاد الآيات إجمالا:

فهذه الآيات الكريمة تتضمن:

أ: أحداثا أربعة هامة، هي التالية:

1-إن بني اسرائيل سوف يفسدون في الارض، و يعلون علوا كبيرا، بعد أن كتب اللّه عليهم الجلاء، و ضرب عليهم الذل و المسكنة، و باؤا بغضب من اللّه.

2-إن عبادا للّه أولي بأس شديد سوف يحاربون الاسرائليين، بعد فسادهم و علوهم، و يطأون بلادهم، و يجوسون خلال ديارهم جزاء على بغيهم و فسادهم، و يدخلون المسجد الاقصى ايضا.

____________

(1) سورة الإسراء: 4-10.

36

3-إن بني اسرائيل سوف تكثر بعد ذلك أموالهم، و أولادهم، و ذلك يحتاج إلى مدة طويلة نسبيا، و لسوف يجهزون جيشا أعظم من جيش أولئك العباد، و تكون الكرة لهم عليهم.

4-ثم انهم بعد ان يعودوا إلى الافساد من جديد؛ في مهلة زمنية لا بأس بمقدارها يعود أولئك العباد إلى حربهم، ليسوؤا وجوههم، و ليتبروا ما علوا تتبرا.

ب: إن حصول المرتين الاولى و الثانية، يعني الافساد و الاول من بني اسرائيل ثم إرسال اللّه تعالى عبادا له عليهم، أمر حتمي، لقوله تعالى: (وَ كََانَ وَعْداً مَفْعُولاً) . أما المرتان الأخيرتان فهما تتوقفان على اعتبار بني اسرائيل بما حصل، ثم اختيارهم أحد الامرين.

فلأجل ابراز عنصر الاختيار هذا و التشكيك بصدوره منهم، عبّر بـ «ان» : إِنْ أَحْسَنْتُمْ الخ.. لانها تستعمل في مقام الترديد و الشك في صدور الإحسان منهم. غ

ضرب القاعدة، و إعطاء الضابطة:

ثم إنه بالنسبة للافساد الثاني قد اختار التعبير بـ «إذا» كما استعمل نفس هذه الكلمة بالنسبة لافسادهم الأول، و ذلك لافادة أن اختيارهم لطريق الشر أمر حتمي. و لا شك فيه لما يعلمه اللّه فيهم من خصائص، و طموحات.

و لكن جواب الشرط قد جاء بصيغة المضارع لافادة حصول سوء الوجوه و التتبير بصورة تدريجية، ليكون ذلك أدعى في الاذلال، و أدلّ على المساءة و لكن هذا المضارع إنما هو بملاحظة زمان تحقق الشرط في المستقبل.

و يلاحظ هنا: كثرة المؤكدات على صدور ذلك منهم؛ فلاحظ قوله‏

37

تعالى: قَضَيْنََا المشير الى حتمية ذلك لكن لا على سبيل الجبر، و إنما على سبيل الإخبار بما هو حتمي الوقوع بحسب ما يعلمه اللّه من أحوالهم.

ثم عبر بكلمة: فِي اَلْكِتََابِ المفيدة إلى نوع التأكيد أيضا.

ثم أتى بلام الإبتداء في أكثر من مورد، فقال: لَتُفْسِدُنَّ، وَ لَتَعْلُنَّ . ثم أتى بنون التوكيد. مشفوعة بإذا التي تستعمل في مقام الجزم بتحقق الشرط.

و عقب على ذلك باعتاره وعدا قد جاء بصيغة التحقق و الوقوع، حيث قال: فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ و لم يقل: وقت أو موعد و هو يقتضي الحصول و التحقق أيضا، ثم الحقه بكلمة: بَعَثْنََا ، و لم يقل: سنبعث، ليشير إلى أنه أمر حاصل لا محالة، فهو يخبر عن وقوعه.

ثم عاد فكرر كونه وعدا و لكن بصيغة تؤكد وقوعه و حصوله حيث قال: وَ كََانَ وَعْداً ثم وصفه بقوله: مَفْعُولاً .

و نلاحظ أيضا أنه لم يزل يعبر بـ: «أمددنا، بعثنا، جعلنا، رددنا» بصيغة الخبر عن أمر حاصل، و اظهارا للثقة بحصوله أيضا. فلاحظ الآيات.

ج: إن المستفاد من هذه الآيات هو: أن من سوف تجري لهم مع بني اسرائيل هذه الاحداث هم جماعة واحدة، يجوسون خلال ديار بني اسرائيل أولا، ثم ترد الكرة لبني اسرائيل عليهم، ثم يعودون هم إلى ضرب بني اسرائيل ضربة تسوء لها وجوههم، و يتّبروا فيها ما علوا.

و ذلك لأن الضمائر في: «جاسوا، و عليهم، و ليسوؤا، و ليدخلوا، و دخلوه و ليتبروا» -كل هذه الضمائر ترجع إلى جماعة واحدة، عبر عنها بقوله تعالى: عِبََاداً لَنََا ، و ليس غيره في الآيات يصلح مرجعا لهذه الضمائر-أصلا.

د: يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء العباد سوف يدخلون المسجد

38

مرتين. و أن دخولهم هذا سوف يكون على نحو واحد في المرتين معا، أي بالقوة و القهر، و الغلبة كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ .

هـ: إنه تعالى بعد أن ذكر الأحداث الأربعة عاد فقال: وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنََا و هو لبيان قاعدة كلية، و سنة إلهية في مواجهة طغيان بني اسرائيل و فسادهم، و هو لا يدل على أن ذلك سوف يقع منهم، بعد تلك الأحداث الأربعة، بل إن ما سوف يقع جزما هو ما ذكر. أما ما سواه فلا دليل على حدوثه، بل إن تعبيره بـ «إن» الشرطية، الموضوعة للاستعمال في غير موارد الجزم لربما يشير إلى عدم الوقوع.

و: ان المقصود بـ: عِبََاداً لَنََا قوم مؤمنون، و ذلك لاقتضاء ظاهر قوله: بَعَثْنََا ، و قوله: عِبََاداً لَنََا (1) لأن البعث، و العباد له، لم يستعملا في القرآن-إلا ما شذ-إلا في مقام المدح و الثناء، و لا سيما مثل قوله تعالى: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ ، و غير ذلك.

و لا أقل من أنه قصد به ما سوى الكافرين.

و لربما يشير إلى ذلك أيضا: أنه تعالى بعد أن ذكر انتصار عباده على بني اسرائيل و ما سوف يحيق ببني اسرائيل من سوء، و أنه جعل جهنم للكافرين حصيرا، عاد فأجمل كل ذلك على شكل قاعدة كلية، فبين: ان سنة اللّه هي أن يبشر عباده المؤمنين الذين يقفون المواقف الصالحة، و يدافعون عن دينه-كهؤلاء العباد الذين أرسلهم على بني اسرائيل-بأن لهم أجرا عظيما. و أن الذين لا يؤمنون بالآخرة، و يفسدون في الارض، و يعلون، علوا كبيرا، كما هو حال بني اسرائيل قد أعتد لهم عذابا اليما، فقال:

إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَ يُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ

____________

(1) الميزان للعلامة الطباطبائي ج 13 ص 39.

39

يَعْمَلُونَ اَلصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً. `وَ أَنَّ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً .

ثم دخل في موضوع آخر.

و يرى العلامة المحقق البحاثة السيد الطباطبائي «رحمه اللّه» : أنه لا دليل في الكلام-أي في قوله تعالى: بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ عِبََاداً لَنََا يدل على كون المبعوثين (مؤمنين) ؛ إذ لا ضير في عدّ مجيئهم إلى بني اسرائيل، مع ما كان فيه من القتل الذريع، و الاسر، و السبي، و النهب، و التخريب، بعثا إليها؛ لأنه كان على سبيل المجازاة على إفسادهم في الأرض، و علوّهم، و بغيهم بغير الحق؛ فما ظلمهم اللّه ببعث أعدائهم، و تأييدهم عليهم، و لكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم‏ (1) .

و نقول:

إننا لا نستطيع-بدورنا-أن نقبل: أن اللّه تعالى يؤيد الظالمين و المجرمين بأي وجه. نعم، هو يخلي بينهم و بينهم، و يوقف تاييداته لهم، و هذا غير تأييده لأولئك، و بعثهم على هؤلاء.

إلا أن يدّعى أن المراد هو التسليط عليهم. و ذلك بالتخلية فيما بينهم، و وقف التأييدات للفئة المؤمنة بسبب ما فعلته.

لكن يرد عليه: أن نسبة البعث-و الحالة هذه الى اللّه سبحانه- تصبح غير ظاهرة، و لا مقبولة.

كما أننا قد أشرنا فيما سبق إلى وجود بعض القرائن المشيرة إلى إيمان المبعوثين. فالأظهر هنا: هو أن أولئك العباد سوف يدفعهم أمر اللّه تعالى و التكليف الشرعي إلى القيام بذلك العمل؛ فيصح أن يقال: إن اللّه هو المحرك و الباعث لهم.

____________

(1) تفسير الميزان ج 13 ص 39.

40

هذا ما يستفاد من الآيات بشكل عام.

بقي الكلام في تطبيقها الخارجي؛ فهل حصل و تحقق مفادها كله في السابق؟أو أنه لسوف يحصل ذلك كله في الآتي!. أو أن بعض ذلك قد حصل؟. و البعض الآخر متوقع الحصول؟!. غ

أقوال الرواة و المفسرين:

لقد راجعنا عددا من كتب الحديث و التفسير، فوجدنا الروايات و الانظار مختلفة و متباينة في ذلك..

و نحن نذكر موجزا عن تلك الروايات، و الآراء بتلخيص منّا، و ذلك على النحو التالي:

1-عن ابن مسعود: إن الفساد الاول هو قتل زكريا، فبعث اللّه عليهم ملك النبط، ثم عادوا هم فغزوا النبط، فأصابوا منهم.

2-عن عطية العوفي: بعث اللّه عليهم أولا جالوت، ثم قتله طالوت على يد داود، ثم قتلوا يحيى؛ فبعث عليهم بخت نصر. و كذا عن ابن عباس.

3-عن علي: الفساد الاول قتل زكريا، و الثاني قتل يحيى، مع عدم بيان من بعث عليهم في المرتين.

4-عن حذيفة: المرة الأولى بخت نصر، ثم ردّهم كورش، ثم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ابطنا نحوس، ثم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ثالثا اسبيانوس.

5-عن ابن زيد: الاولى قتل زكريا و يحيى، فسلط عليهم سابور ذا الاكتاف، الفارسي، من قبل زكريا، و بخت نصر من قبل يحيى.

6-عن مجاهد: ان ملك فارس بعث جندا إليهم ليتجسسوا

41

أخبارهم و يسمعوا حديثهم. ثم رجعت فارس، و لم يكثر قتال، و نصرت عليهم بنو اسرائيل، ثم بعث عليهم ملك فارس ببابل جيشا، أمر عليه بخت نصر؛ فدمروهم. (1) غ

رأي العلامة الطباطبائي:

قال العلامة البحاثة المحقق الطباطبائي أيده اللّه تعالى:

«... و الذي يظهر من تاريخ اليهود: أن المبعوث أولا لتخريب بيت المقدس هو بخت نصر، و بقي خرابا سبعين سنة. و المبعوث ثانيا هو قيصر الروم اسبيانوس، سيّر إليهم وزيره طوطوز، فخرب البيت، و أذل القوم قبل الميلاد بقرن تقريبا.

و ليس من البعيد: أن يكون الحادثتان هما المرادتان في الآيات؛ فان الحوادث الأخرى لم تفن جمعهم، و لم تذهب بملكهم و استقلالهم بالمرة، لكن نازلة بخت نصر ذهبت بجمعهم، و سؤددهم إلى زمن كورش، ثم اجتمع شملهم بعد برهة، ثم غلب عليهم الروم، و أذهبت بقوتهم، و شوكتهم، فلم يزالوا على ذلك إلى زمن ظهور الاسلام» .

قال هذا سلمه اللّه بعد أن ذكر: أنه كالمسلّم: أن إحدى هاتين النكايتين كانت على يد بخت نصر (2) .

و لكنه عاد فأورد على نفسه بأن في الآيات إشعارا بأن المبعوث إلى بني إسرائيل هم قوم بأعيانهم في كلا المرتين.

____________

(1) راجع هذه الروايات في الدر المنثور للسيوطي ج 4 ص 163-165 عن ابن جرير، و ابن عساكر، و ابن أبي حاتم، متفرقا. و راجع: تفسير الطبري، و تفسير ابن كثير، و فتح القدير، و غير ذلك من التفاسير، في تفسير الآيات في سورة الإسراء.

(2) تفسير الميزان ج 13 ص 44/45.

42

و أجاب عن ذلك بأنه مجرد إشعار؛ من دون تصريح.

و نقول: إن الضمائر حسبما تقدم ليس لها مرجع في الكلام سوى قوله: «عبادا لنا» . و هذا يدل دلالة واضحة على وحدة القوم المرسلين على بني اسرائيل و ليس مجرد إشعار.

و مرادنا بالوحدة هو أن يكون لهم رابطة تجمعهم ككونهم فرسا، أو مسلمين مثلا. و يرد على كلامه سلمه اللّه، و على جميع الروايات المتقدمة، عن الدر المنثور و غيره ما يلي:

1-إننا لم نجد لبني اسرائيل كرة على بخت نصر، و لا على سابور و لا غيرهما. بل إن كورش قد أرجعهم إلى بلادهم بعد حوالي مئة سنة من اسر بخت نصر لهم. مع أن الآية تكاد تكون صريحة بأن لبني اسرائيل كرّة على أولئك العباد المبعوثين.

2-إن النبط لم يدخلوا المسجد مرتين و كذلك بخت نصر، و قيصر، و غيرهم ممن ذكر جميعا. و قد أشارت الآية الى أن المبعوثين سوف يدخلون المسجد مرتين.

3-إن جميع أولئك ما كانوا من المؤمنين، بل كانوا من الطغاة و المتجبرين.

4-إن بخت نصّر كان قبل الميلاد بست مئة سنة تقريبا (1) و كان يحيى معاصرا للمسيح «عليه السلام» (2) فكيف ينتقم له بخت نصّر؟كما أن سابور متأخر عن بخت نصر، لا مقدم عليه كما في الرواية.

____________

(1) تفسير الميزان ج 13 ص 44 و في تاريخ الخميس ج 1 ص 173: من وقت تخريب بخت نصر بيت المقدس إلى مولد يحيى أربع مئة و إحدى و ستون سنة.

(2) راجع: قصص الأنبياء للنجّار ص 369.

43

5-هذا كله عدا عن الاشكال في أسانيد تلكم الروايات‏ (1) .

6-إن افسادهم في منطقة محدودة، لا يعني كون ذلك هو المقصود من الآية التي تتحدث عن افساد كبير، و علوّ لهم في الارض.

و لا شك انهم كانوا على مدى التاريخ أضعف من ان يكون لهم علو في الارض كلها، بل و حتى على سابور، أو بخت نصّر او غيرهما. غ

رأي آخر في الآيات:

و يحتمل البعض: أن الفساد الأول كان في منطقة الحجاز، فبعث اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» عليهم، و ضربهم الضربة القاصمة، و كان دخول عمر إلى المسجد الأقصى، الذي يمثل دخول المسلمين، هو المعني في الآيات. و تبقى المرة الثانية ستأتي. كما و يحتمل أن تكون هي ضربة بخت نصر لهم هي الأولى، و الثانية هي ضربة عمر لهم.

و لكن ذلك لا يمكن قبوله؛ لأن عمر حينما دخل المسجد الأقصى لم يكن في بيت المقدس أحد من اليهود، و إنما كان تحت سيطرة النصارى، الذين استولوا عليه قبل ذلك بعقود من الزمن. و كانوا يجعلون الاقذار و الاوساخ على (الصخرة) ، التي هي قبلة اليهود، بل كانت المرأة ترسل بخرقة حيضها من بلاد الروم إلى بيت المقدس لتلقى على الصخرة، مبالغة في امتهانها، و إذلالا لليهود و احتقارا لهم‏ (2) .

كما أنه لا معنى لارادة بخت نصّر؛ ليكون هو بطل المرة الأولى، و ذلك لما أشرنا إليه في النقاط الست الآنفة الذكر.

____________

(1) هذه النقاط أشار إليها الأخ العلامة الشيخ ابراهيم الأنصاري حفظه اللّه تعالى في مقاله، في مجلة الهادي.

(2) تقدم ذلك في تمهيد الكتاب.

غ

44

رأي آخر:

و ثمة رأي آخر يقول: إن الفساد الأول هو انكارهم نبوة نبينا «صلى اللّه عليه و آله و سلم» ، مع أنهم يعرفونه كما يعرفون ابناءهم، و اتفقوا مع المشركين ضده.

و إرسال عباد اللّه على هؤلاء المفسدين هو ما جرى في صدر الاسلام. فأرسل اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» و المسلمين عليهم؛ فضربوهم في خيبر و قريظة؛ و قينقاع، و غير ذلك، و جاسوا خلال ديارهم، ثم دخل المسلمون المسجد الاقصى في زمن عمر.

و الفساد الثاني هو ما جرى و يجري منهم في فلسطين و لبنان، و المنطقة بشكل عام، في هذا القرن الرابع عشر، و لسوف يأتي المهدي «عجل اللّه فرجه» لينتقم منهم. و يدخل المسلمون المسجد، كما دخلوه أول مرة في عهد عمر.

و قد قرّر بعض الاعلام هذا، و طبق الآيات عليه، على النحو التالي:

إنه ليس في الآيات ما يدل على أن الغلبة على اليهود، و غلبة اليهود على أولئك العباد تكون في مكان واحد محدد. و قوله تعالى: كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يشعر، بل يدل على أن قوله: فَجََاسُوا خِلاََلَ اَلدِّيََارِ ، هو غير دخولهم المسجد، اي انهما أمران متغايران، كما يدل على أن الجوس خلال الديار متقدم على دخولهم المسجد، و ذلك لمكان اللام في قوله: لِيَدْخُلُوا التي هي لام العاقبة و قد تحقق ذلك في زمن عمر. كما أن عدم ذكر دخول العباد بيت المقدس حينما بعثهم أولا يدل على أن دخول المسجد لمّا يتحقق لهم عند ذلك.

و تدل الآية على أن دخول المسجد في الثانية يكون أشد على اليهود لقوله و ليتبروا ما علوا تتبيرا، ففسادهم الثاني يكون في غلبتهم على البلاد

45

المقدسة، و قتلهم المسلمين، و هذا ما يحصل في هذا العصر. و جزاؤهم سيكون عاجلا على يد أهل قم إن شاء اللّه تعالى، أو المهدي المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه، أو بامارته مع كون الجيش من أهل قم، و اللّه العالم.

و نقول:

هذا رأي لا يمكن المساعدة عليه، لأن ما ذكر في تطبيق الآيات عليه مخالف لظاهرها.

فأولا: إن الظاهر: هو أن دخول المسجد سيكون عنوة و قهرا و رغما عن بني اسرائيل. و حينما دخل المسلمون المسجد في عهد عمر لم يكن في بيت المقدس أحد من اليهود، و إنما كان النصارى هم المسيطرون.

فلم يحارب المسلمون اليهود ليدخلوا المسجد بالرغم عنهم، من جهة، و من جهة أخرى فان عمر قد دخل بيت المقدس صلحا و ليس عنوة، و ظاهر الآية: هو أن الدخول سيكون عنوة، معه سوء الوجوه، و فيه القهر و الغلبة على اليهود انفسهم، لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ، وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَ لِيُتَبِّرُوا مََا عَلَوْا تَتْبِيراً .

و ثانيا: ما ذكر من أن اللام في «ليدخلوا» تدل على أن الدخول سيتأخر عن الجوس خلال الديار، و أن التفريق بين الجوس خلال الديار، و دخول المسجد، يدل على ذلك أيضا. و كذا عدم ذكر الدخول للمسجد في المرة الأولى.

إن هذا الذي ذكر، لا يدل على ذلك؛ لأن ظاهر الآيات: أنه قد اكتفي في المرة الأولى عن ذكر دخول المسجد، بذكر الجوس خلال الديار، لأنه مستبطن له و يكون في ضمنه، ثم اوضحه بقوله: كما دخلوه أول مرة و قوله: ليدخلوا معطوف على ليسوؤا بالواو، التي لا تدل على الترتيب الزماني.

46

بل لعل ذكر دخول المسجد بين التتبير لما علوا، و بين سوء الوجوه للإشارة الى أن دخول المسجد سيكون في وسط المعركة، في المرة الثانية، و كذلك سيكون في المرة الأولى لقوله تعالى؛ كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ .

و إلا، فلو صح ما ذكره صاحب هذا الرأي، لوجب أن يكون الدخول الثاني للمسجد صلحا، لا عنوة، كما كان دخول عمر بن الخطاب في السابق. و حينئذ فلا يبقى معنى لذكر دخول المسجد فيما بين قوله: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ، و بين قوله: لِيُتَبِّرُوا مََا عَلَوْا تَتْبِيراً .

و ثالثا: إنه لم يكن لليهود في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله و سلم» فساد في الارض، و علو كبير فيها، و إنما كانوا في محيط ضيق جدا محصورين في نواحي المدينة، و كانوا مقهورين من قبل الأوس و الخزرج، و يمالئون مشركي مكة، و سائر القبائل في المنطقة، فلا يصح أن يقال: إن لهم‏ عُلُوًّا كَبِيراً . فضلا عن إضافة قوله: فِي اَلْأَرْضِ سواء قلنا: إن المراد: الأرض المقدسة، يعني فلسطين، أو قلنا: بان المراد الارض مطلقا اي معظمها، أو السيطرة على مراكز القوة و النفوذ فيها. غ

وثمة رأي آخر أيضا:

و هو أن الحروب التي جرت بين العرب و اسرائيل تمثل المراحل الثلاث الأولى، و بقيت المرحلة الأخيرة، التي أشارت إليها الآية بالقول: فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ، لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ إلخ... و هي سوف تأتي إن شاء اللّه تعالى‏ (1) .

و هذا أيضا رأي لا يمكن المساعدة عليه؛ لأن العرب الذين حاربوا إسرائيل لم يجوسوا خلال ديار بني اسرائيل في حروبهم تلك، و لا دخلوا

____________

(1) هذا رأي الشيخ ابراهيم الأنصاري في مجلة الهادي.

47

المسجد عنوة، بل إنهم ليسوا من عباد اللّه المؤمنين؛ لأنهم قد تخلوا عن دينهم، و جروا خلف شهواتهم، و استبدت بهم انحرافاتهم بشكل واضح لكل أحد. غ

و الروايات ماذا تقول:

لقد وردت بعض الروايات-التي ليس لها أسانيد-معتبرة-تفيد:

أن الفساد الأول هو قتل علي، و طعن الحسن «عليه السلام» ، و العلو الكبير هو قتل الحسين، و وعد أولاهما نصر دم الحسين، و المبعوثون أولا هم قوم قبل خروج القائم، و كان وعدا مفعولا: خروج القائم. و ثم رددنا لكم الكرة عليهم: خروج الحسين في سبعين من أصحابه‏ (1) .

و في تفسير القمي: الفساد الأول: فلان و فلان، و نقضهم العهد، و العلو الكبير: ما ادّعوه من الخلافة. و وعد أولاهما: الجمل. و جاسوا خلال الديار: طلبوكم، و قتلوكم، و رددنا لكم الكرة: بنو أمية. و وعد الآخرة: القائم «عليه السلام» ، و كما دخلوه أول مرة: رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله و سلم» .

و واضح: أن مفاد هذه الروايات ليس هو محط نظر الآيات صراحة، و إنما هي-إن صحت-من باب الاشارة إلى أن ما يجري لبني إسرائيل، يجري مثله لهذه الأمة أيضا؛ إذ من الواضح: أن ما ذكرناه في مفاد الآيات لا ينسجم مع ما جاء في هذه الروايات، كما يظهر بالملاحظة، و المقارنة. غ

الرأي الأمثل:

و إذ قد عرفنا معنى الآيات إجمالا، و عرفنا: أن مفادها لم يحصل و لم يقع لبني إسرائيل بعد، لا في تاريخهم القديم، و لا الحديث، فاننا

____________

(1) راجع: البحار ج 51 ص 56 و تفسير البرهان، و تفسير نور الثقلين.

غ

48

نعلم: أن مفادها سيقع في المستقبل، و مفادها هو:

1-أن يفسد بنو اسرائيل في الارض (و لتلاحظ كلمة في الارض) ، فانه لا يصدق ذلك على بلد أو قرية صغيرة في نواحي الحجاز مثلا، بل لا بد أن يكون فسادهم و علوهم في الارض المقدسة، أو في الأرض بصورة عامة. أو على الاقل في مراكز هامة، بحيث يرون انفسهم لا غالب لهم، و لا شي‏ء يقف في وجههم. ثم يعلون علوا كبيرا (و لتلاحظ هذه الجملة بدقة ايضا) .

2-أن يبعث اللّه عليهم عبادا له أتقياء مؤمنين، فيجوسون خلال ديارهم، و يدخلون المسجد. (و التعبير بالجوس لربما يشير إلى عدم المكث طويلا فيها) ؛ لأن الجوس هو الوطء الخفيف، و هو وطأ خلال الديار او فيما بينها من دون ثبات و تحكم فيها نفسها أو لعله إشارة إلى الدخول السري للمجاهدين.

3-ثم يمد اللّه بني اسرائيل بأموال و بنين، و يصير جيشهم أعظم، و يردّ لهم الكرة على السابقين.

4-ثم يعود أولئك المؤمنون لإحتلال بلاد الاسرائليين، و يدخلون المسجد من جديد، و يسوؤون وجوههم إلخ.

كل ذلك سوف يحصل في المستقبل، حسبما تفيده الآيات الكريمة، مع العلم بأنه لم يحصل من ذلك شي‏ء في الماضي.

و يبقى ان نشير الى المؤيدات التالية: غ

القميّون يقاتلون الاسرائيليين:

و يؤيد ما تقدم: ما رواه المجلسي عن كتاب تاريخ قم، تأليف:

الحسن بن محمد بن الحسن القمي:

49

«روى بعض أصحابنا قال: كنت عند أبي عبد اللّه «عليه السلام» جالسا؛ إذ قرأ هذه الآية: حتى‏ (1) إذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا، أولى بأس شديد؛ فجاسوا خلال الديار، و كان وعدا مفعولا.

فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء؟

فقال-ثلاث مرات-هم و اللّه أهل قم» . (2)

و لقد قال هذا «عليه السلام» قبل ان تخلق اسرائيل باكثر من اثني عشر قرنا، و في حين لم يكن لليهود أية قوة في منطقة بيت المقدس.

و قوله «عليه السلام» هذا يعني: أن أهل قم باعتبارهم مسلمين، او قادة للمسلمين هم الذين سوف يقودون الحرب ضد بني اسرائيل في المرة الأولى. و هم المعنيون بقوله: عِبََاداً لَنََا و باقي الحديث يفهم من الآيات الكريمة؛ حيث تعود لإسرائيل الكرة عليهم بجيش أعظم. ثم يعود المسلمون بقيادة أهل قم أو بقيادة غيرهم (المهدي مثلا) ليسوؤا وجوه الإسرائيليين و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة. غ

الغرب و اسرائيل:

و ثمة رواية ضعيفة أيضا تقول: «و تشب نار بالحطب الجزل من غربي الارض، رافعة ذيلها، تدعو يا ويلها لرحلة و مثلها؛ فإذا استدار الفلك، قلتم مات أو هلك بأي واد سلك، فيومئذ تأويل هذه الآية: «ثم رددنا لكم الكرة عليهم، و امددناكم بأموال و بنين، و جعلناكم اكثر نفيرا» . (3)

____________

(1) الموجود في القرآن: (فإذا) فلعل كلمة (حتى) من كلام الراوي.

(2) البحار ج 60 ص 216.

(3) البحار ج 52 ص 272/273. و راجع ج 51 ص 57.

50

فهذه الرواية تشير الى أن المرة الثالثة و هي علّو الإسرائيليين و كرتهم على «عبادا لنا» لسوف تكون بمعونة غريبة، تمدهم بالمال و الجيوش حتى يصبحوا اكثر نفيرا و جندا. و لسوف تكون حربا ضروسا و قاسية، كما يفهم من لحن الرواية المشار اليها، لوصحت. غ

الحروب الطويلة و الصعبة:

و هذه دولة الاسلام قد ظهرت، و هي بقيادة أهل قم، و لكنها تواجه الحروب المدمرة، و المؤامرات الصعبة من قبل قوى الاستكبار العالمي.

و قد جاء في الرواية المروية عن: علي بن عيسى، عن أيوب بن يحيى الجندل، عن أبي الحسن الأول «عليه السلام» ، أنه قال:

«رجل من أهل قم، يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، و لا يملون من الحرب، و لا يجبنون، و على اللّه يتوكلون، و العاقبة للمتقين» . (1)

و لربما يمكن أن نستفيد من قوله: «لا تزلّهم الرياح العواصف» : أن دولة الاسلام هذه سوف تواجه مشكلات صعبة، لا يثبت أمامها الرجال العاديون.

و من قوله: «لا يملون من الحرب» : أنهم سوف يواجهون حروبا طويلة، يمل منها الانسان العادي. و لكنهم سوف يصمدون، و في النهاية سوف ينتصرون إن شاء اللّه، و ذلك لقوله: «و العاقبة للمتقين» .

____________

(1) البحار ج 60 ص 216. و يلاحظ وجود بعض الاختلاف بين هذا النص و بين ما في الترجمة الفارسية لكتاب تاريخ قم. فلعل المترجم قد تصرف في العبارة. و لعل نسخة المجلسي تختلف عن النسخة المتداولة لكتاب تاريخ قم، فليلاحظ ذلك.

غ

51

الفلسطينيون و الأرض:

و بعد كل ما تقدم، فاننا لا بد أن نشير هنا إلى أن الفلسطينيين قد هبوا للدفاع عن شرفهم و كرامتهم، و تحرير أرضهم، و الدفاع عن دينهم و اسلامهم.

و إننا في نفس الوقت الذي نحيي فيه الشعب الفلسطيني المسلم، و نحيي المقاتلين الشرفاء و الغيارى من هذا الشعب الأبي.

فاننا نجد بعض المنظمات، التي لا تمثل الشعب الفلسطيني، و لا اكثرية المناضلين من أجل حقهم و وطنهم، قد اعرضت عن هذا الاسلام العظيم، و لم تتخذه عقيدة و منطلقا لها، بل هي لا تعرف منه الا اسمه، بل هي تحاول الابتعاد عنه، و التبري منه، و تعتبره رجعيا و متأخرا. و ذلك لأنها تسعى وراء الحصول على مكاسب دنيوية، مادية. بل لقد اتخذت الماركسية و غيرها مذهبا و عقيدة لها؛ فبئس للظالمين بدلا.

و الأنكى من ذلك و الأشد مرارة: أننا نشهد من هذه المنظمات محاولات جادة لاجهاض الثورة الاسلامية الفلسطينية، و تضييع ثمرة جهودها و جهادها. فقاتل اللّه الخونة الافاكين أنى يؤفكون.

و لكن شذوذ هؤلاء و انحرافهم لا يعني أنه يجب تشويه صورة الفلسطينيين جميعا في أذهان الشعوب المسلمة المؤمنة؛ فان ذلك سوف يكون ظلما آخر لهذا الشعب، كما أنه سوف يحرم القضية من قوة دافعة لها أهميتها. و ذلك لأن أية قضية إذا أفرغت من محتواها الانساني؛ فانها تفقد زخمها و قوتها، و دافعها العاطفي و ذلك لأن هذا الانسان العادي ربما يخطر له: انه لماذا يقاتل و يضحي، ما دام أن الارض يمكن أن تباع و تشترى، و يقايض عليها، و الانسان وحده هو الاعلى و الأغلى؛ فلماذا إذن تزهق النفوس و الارواح في سبيل قطعة من الأرض، ما دام يمكن‏

52

الاستعاضة عنها بثمنها، ثم الاحتفاظ بهذا الانسان و مواهبه و طاقاته لما هو أهم، و نفعه أعم.

و حتى المسجد أيضا، فليكن لأنصاف الحلول فيه مجال، و لن يمانع الاسرائيليون في وصول المسلمين إلى مسجدهم في كل حين، و ممارسة عباداتهم فيه بحرية، إذا كانوا هم الحكام، أو كان تحت مظلة الامم المتحدة.

نعم، يمكن أن يخطر كل هذا في ذهن الانسان العادي. و لربما يؤثر هذا الخاطر على تعامله مع أقدس قضية، فيما إذا فصل الجانب الإنساني و العاطفي و الاسلامي عن الأرض، فيضعف الدافع لتحريرها. و هناك الكارثة الحقيقية و الخيانة و الجريمة الكبرى.

إذن، فلا بد و أن تبقى المآسي و المظالم التي تعرّض و يتعرض لها الشعب الفلسطيني ماثلة للعيان أمام المقاتل المسلم و المؤمن بعدالة قضيته، ليندفع إلى التضحية و الفداء في سبيل قضيته المقدسة، بروح رضية، و نفس أبية، و ليمتزج من ثم. الوعي بالعاطفة، و كلاهما بالايمان.

مع التأكيد على أنه ليس للمسؤولين و السياسيين أن يربطوا مصيرهم و مصير أمتهم بأولئك المنحرفين، و لا أن يثقوا بهم، لأن أولئك المنحرفين سوف يدفعونهم في النهاية ثمنا لمصالحهم، و يساومون عليهم و بهم‏غ

53

الباب الثاني:

حتى وفاة أبي طالب‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}