الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج7

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
374 /
5

الجزء السابع‏

تتمة القسم الثالث: حتى غزوة الخندق‏

تتمة الباب الخامس: شخصيات و أحداث‏

الفصل الثاني:

سلمان الفارسي حرّا

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تذكير ضروري:
إننا قبل أن ندخل في موضوع تحرر سلمان من الرق، نشير إلى أن هذا البحث قد كتب، بالإضافة إلى بحوث اخرى تتعلق بسلمان، كموضوع التمييز العنصري، الذي عانى منه سلمان كما عانى منه الآخرون، و موضوع بيان السبب في قبوله الإشتراك في الحكم، في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، مع أنه يعتبر من المعارضين لخلافة من عدا أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و موضوعات اخرى. قد كتبت هذه البحوث، لتكون جزءا من هذا الكتاب، ثم رأينا أنها قد أصبحت من السعة بحيث لا مناص من افرادها، كتأليف مستقل، يمكن الرجوع إليه، للراغبين في الإطلاع عليه، فأفردناها في كتاب بإسم سلمان الفارسي في مواجهة التحدي.

و لكننا لم نجد بدا هنا من ايراد الفصل الذي يرتبط بتحرير سلمان من الرق، لأنه يعتبر جزأ من هذا الكتاب بالذات و لعل الإحالة على ذلك الكتاب فيه، لا تخلو من بعض المحاذير. فرضينا لأنفسنا: أن نقع في محذور ايراد هذا الفصل في كتابين، و هو أمر لم نكن نحب أن يصدر منا؛ من أجل أن نوفر على القارى‏ء معاناة محذور الإحالة على كتاب لربما لا يكون متوفرا لديه: فنقول: غ

8

متى تحرر سلمان؟!
و يقولون: إن تحرير سلمان من رق العبودية بصورة كاملة، قد كان في أول السنة الخامسة من الهجرة النبوية الشريفة (1) .

و ذلك قبل وقعة الخندق، التي يرى عدد من المؤرخين:

أنها كنت سنة خمس، في ذي القعدة منها (2) .

و لكننا بدورنا نقول: إن ذلك مشكوك فيه من ناحيتين:

الأولى: في تاريخ وقعة الخندق.

الثانية: في تاريخ عتق سلمان. غ

تاريخ غزوة الخندق:
فاما بالنسبة للناحية الأولى، اعني تاريخ غزوة الخندق؛ فإننا نقول:

1-لو سلم أنها كانت في السنة الخامسة، فإن مجرد ذلك لا يكفي، في تعيين زمان عتقه على النحو المذكور، إذ قد يكون العتق قد تم

____________

(1) الثقات: ج 1 ص 257 و تاريخ الخميس ج 1 ص 352 و 468.

(2) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 53 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري طبع الإستقامة ج 2 ص 233 و الكامل في التاريخ، ج 2 ص 178 و تاريخ الخميس ج 1 ص 179 و المحبر ص 113 و فتوح البلدان ج 1 ص 23، و ليراجع: صفة الصفوة ج 1 ص 455-459 و مختصر التاريخ لإبن الكازروني ص 42 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328، و شذرات الذهب ج 1 ص 11 و التنبيه و الإشراف ص 115 و البدء و التاريخ ج 4 ص 216 و مغازي الواقدي ج 2 ص 440 و 441 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 67 و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 47 و ج 4 قسم 1 ص 60 و تاريخ بغداد ج 1 ص 170، و أنساب الأشراف ج 1 (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ) ص 343.

9

بعد أحد بأشهر يسيرة، في السنة الرابعة مثلا، ثم حضر الخندق، بعد ذلك بسنة أو أكثر، أو أقل.

2-لقد جزم البعض بأن الخندق كانت في سنة أربع، و صححه النووي في الروضة، و في شرحه لصحيح مسلم‏ (1) .

بل لقد قال ولي الدين العراقي عن غزوة الخندق: «المشهور أنها في السنة الرابعة للهجرة» (2) .

و قال عياض «إن سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق، من الرمية، التي اصابته، و ذلك سنة أربع بإجماع أهل السير، إلا شيئا قاله الواقدى» (3) .

فقوله: «بإجماع أهل السير» يحتمل رجوعه إلى سنة أربع، فيكون قد ادعى الإجماع على كون الخندق في سنة أربع، و يحتمل رجوعه إلى موت سعد بن معاذ بعد الخندق، و تكون كلمة «و ذلك سنة أربع» معترضة، و لا تعبر إلا عن رأيه.

و مما يدل على أن الخندق قد كانت سنة أربع.

____________

(1) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31 و الجامع لإبن أبي زيد القيرواني ص 279 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 302 و المحبر ص 113 و عنوان المعارف في ذكر الخلائف ص 12 و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 76 و شرح صحيح مسلم للنووي، بهامش إرشاد الساري ج 8 ص 64 و نقله في وفاء الوفاء ج 1 ص 300 و في تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 عن النووي في الروضة، و أصرّ عليه ابن خلدون في كتابه: العبر، و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و 33 و راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 20.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي، بهامش إرشاد الساري ج 10 ص 226 و فتح الباري ج 8 ص 360.

10

1-أنهم يذكرون بالنسبة لزيد بن ثابت: أن أباه قتل يوم بعاث و هو إبن ست سنين، و كانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين‏ (1) و قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة و عمر زيد إحدى عشرة سنة (2) .

ثم يقولون: إن أول مشاهد زيد، الخندق‏ (3) ، لأن النبي (ص) قد أجازه يوم الخندق‏ (4) و هو ابن خمس عشرة سنة (5) .

و الخندق إنما كانت في شوال سنة أربع‏ (6) .

و يروى عن زيد قوله: أجازني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الخندق، و كساني قبطية (7) .

____________

(1) تهذيب الكمال ج 10 ص 27-30 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و راجع:

شذرات الذهب ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449.

(2) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 عن زيد نفسه. و تهذيب التهذيب ج 3 ص 399 و الثقات ج 3 ص 136 و صفة الصفوة ج 1 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 427-428 و تهذيب الكمال ج 10 ص 25-27 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 200-201 و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 551 و شذرات الذهب ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449.

(3) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 و شذرات الذهب ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 و راجع: تهذيب التهذيب ج 3 ص 399 عن الواقدي.

(4) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 و مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31.

(5) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و مجمع الزوائد ج 9 ص 345.

(6) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31 و تقدمت طائفة أخرى من المصادر.

(7) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 432 و في هامشه عن الطبراني، و تهذيب الكمال ج 10

11

و عنه: أجزت يوم الخندق، و كانت وقعة بعاث و أنا ابن ست سنين‏ (1) .

و عنه: لم أجز في بدر، و لا في أحد، و أجزت في الخندق‏ (2) .

و توفي زيد سنة ثمان و أربعين، و سنة تسع و خمسون سنة (3) .

و قال الواقدي: مات سنة خمس و أربعين و هو إبن ست و خمسين سنة (4) .

و قد استدل النووي، و إبن خلدون-و ربما يظهر ذلك من البخاري- على أن غزوة الخندق قد كانت سنة أربع‏ (5) : بأنهم قد أجمعوا على أن حرب أحد، كانت سنة ثلاث و لم يجز النبي «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن عمر أن يشترك فيها؛ لأن عمره كان أربع عشرة سنة، ثم أجازه في وقعة الخندق لأنه كان قد بلغ الخامسة عشرة (6) ، فتكون الخندق بعد أحد بسنة

____________

ق ص 29 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449.

(1) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 433 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 و تهذيب الكمال ج 10 ص 30.

(2) الإصابة ج 1 ص 561.

(3) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31.

(4) صفة الصفوة ج 1 ص 704-705.

(5) راجع فتح الباري ج 7 ص 302 و شرح صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج 8 ص 64 و العبر، و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و 33 و راجع:

تاريخ الخميس ج 1 ص 480. المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و صحيح البخاري ج 3 ص 20 طبع سنة 1309 هـ. فإنه نقل في عنوان الباب عن موسى بن عقبة:

أن الخندق كانت سنة أربع.

(6) سنن ابن ماجة ج 2 ص 850 و مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 2 ص 17، و صحيح البخاري ج 3 ص 20 و ج 2 ص 69، و صحيح مسلم ج 6 ص 30،

12

واحدة.

و قد حاول البعض الإجابة على ذلك بطرح بعض الإحتمالات البعيدة، و قد اجبنا عنها في كتابنا: «حديث الإفك» ص 96-99، فليراجعه من اراد.

و مهما يكن من أمر؛ فإن احتمال أن يكون تحرر سلمان من الرق قد تم قبل السنة الخامسة من الهجرة؛ يصبح على درجة من القوة. غ

تاريخ الحرية:
و أما بالنسبة لتحديد تاريخ الحرية، فإننا نقول:

إننا نكاد نطمئن إلى أنه قد تحرر في السنة الأولى من الهجرة. بل لقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أنه قد أعتق في مكة (1) .

و يدل على تحرره في السنة الأولى:

1-أن روايات عتقه يدل عدد منها على أنه قد أعتق عقيب اسلامه بلا فصل، و هو إنما أسلم-أو فقل: أظهر إسلامه-في السنة الأولى من الهجرة (2) .

____________

ق و المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج 5 ص 310-311 و طبقات ابن سعد ج 4 ص 105 و أنساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ) ج 1 ص 343-344 بإضافة كلمة: واشف منها، و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و راجع نسب قريش ص 350.

(1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 603، 604 و غيره و ستأتي رواية اخرى تدل على انه كان هو المشير بدعوة أبي بكر الى الإسلام.

(2) راجع: نفس الرحمان ص 20، و هو ظاهر ان لم يكن صريح الرواية التي ذكرها ص 5، 6 و إعتبرها أصح الروايات، و هي موجودة في إكمال الدين ص 162-165 و في روضة الواعظين ص 275-278 و البحار ج 22 ص 355-359 و الدرجات

13

2-قد صرح البعض-كتاريخ كُزيده-بأن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد اشتراه في السنة الأولى من هجرته‏ (1) .

و سيأتي التصريح بذلك عن الشعبي و عن بريدة. و ذلك حين الكلام عن كونه من موالى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

3-و مما يدل على أن سلمان قد تحرر في أول سني الهجرة: غ

كتاب النبي (ص) في مفاداة سلمان:
حيث يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أملى كتاب مفاداة سلمان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و هو- و النص لأبي نعيم-كما يلي.

هذا ما فادى محمد بن عبد اللّه، رسول اللّه، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي، ثم القرظي، بغرس ثلاثمائة نخلة، و أربعين أوقية ذهب؛ فقد برى‏ء محمد بن عبد اللّه رسول اللّه لثمن سلمان الفارسي، و ولاؤه لمحمد بن عبد اللّه رسول اللّه، و أهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل.

شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب، و حذيفة بن اليمان، و أبوذر الغفاري، و المقداد بن الأسود، و بلال مولى أبي بكر، و عبد الرحمان بن عوف رضي اللّه عنهم.

و كتب على بن أبي طالب يوم الإثنين في جمادى الأول، مهاجر محمد بن عبد اللّه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

____________

ق الرفيعة ص 203 و نقلها النوري ايضاً عن الدر النظيم، و عن قصص الأنبياء للراوندي و عن الحسين بن حمدان.

(1) نفس الرحمان ص 20.

14

و قد ذكرت بعض المصادر هذا الكتاب من دون ذكر الشهود (1) . غ

تأملات في الكتاب:
«قال الخطيب: في هذا الحديث نظر، و ذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غزوة الخندق، و كانت في السنة الخامسة من الهجرة، و لو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة لم يفته شي‏ء من المغازي مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أيضاً، فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته‏ (2) .

و قال العلامة المحقق الأحمدي: «أما الشهود فإن فيهم أباذر الغفاري (ره) و هو لم يأت المدينة إلا بعد خندق، مع أن صريح الكتاب أن ذلك كان في السنة الأولى من الهجرة.

و توصيف أبي بكر بالصديق يخالف رسوم كتب صدر الإسلام» (3) .

قال هذا حفظه اللّه بعد ان ذكر: ان الخطيب قد تنظر في الكتاب و أنه لم يذكر الشهود.

كما و ذكر. حفظه اللّه أن ابن عساكر و النوري في نفس الرحمان لم

____________

(1) ذكر أخبار أصفهان ج 1 ص 52، و تاريخ بغداد ج 1 ص 170 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199 و مجموعة الوثائق السياسية ص 328 عن الأولين و عن جامع الآثار في مولد المختار لشمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي و طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 226-227 و نفس الرحمان في فضائل سلمان ص 20-21 عن تاريخ كزيده و مكاتيب الرسول ج 2 ص 409 عن اكثر من تقدم، و قال: «و أوعز إليه في البحار عن الخرائج» .

(2) تاريخ بغداد ج 1 ص 170.

(3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 410.

15

يذكرا الشهود ايضاً (1) . غ

الرد على الشكوك المشار اليها:
و نقول:

إن لنا هنا ملاحظات، سواء بالنسبة لما ذكره الخطيب أو بالنسبة لما ذكره العلامة الأحمدي.

فأما بالنسبة إلى ما ذكره الخطيب فنشير إلى ما يلي.

أولاً: قوله: إن أول مشاهد سلمان الخندق، و ذلك ينافي ما ورد في الكتاب من أنه قد كوتب في السنة الأولى للهجرة.

هذا القول لا يصح و ذلك لما يلي:

1-إن من الممكن أن يتحرر في أول سني الهجرة، ثم لا يشهد أياً من المشاهد، لعذر ما، قد يصل إلينا، و قد لا يصل.

2-إن مكاتبته في السنة الأولى لا تستلزم حصوله على نعمة الحرية فيها مباشرة، إذ قد يتأخر في تأدية مال الكتابة، فتتأخر حريته. و إن كنا قد ذكرنا آنفاً: أن سلمان لم يكن كذلك، بدليل نفس ما ورد في ذلك الكتاب الآنف الذكر، و أدلة أخرى. و لكننا نريد أن نقول للخطيب: إن ما ذكرته ليس ظاهر اللزوم في نفسه، و لا يصح النقض به، مجرداً عن أي مثبتات أخرى، كما يريد هو أن يدعيه.

3-إن البعض قد ذكر: أن سلمان قد شهد بدراً واحداً أيضاً (2) .

____________

(1) المصدر السابق.

(2) الاستيعاب ج 2 ص 58 بهامش الإصابة. و راجع الإصابة ج 2 ص 62 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 و البحار ج 22 ص 390 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 139 و الدرجات الرفيعة ص 206 و نفس الرحمان ص 20.

غ

16

و يظهر من سليم بن قيس عدّ سلمان في جماعة أهل بدر (1) .

و لعل هذا يفسر لنا سبب فرض عمر له، خمسة آلاف، الذي هو عطاء أهل بدر (2) .

و قد حاول البعض أن يقول: إن مراد القائلين بحضوره بدرا: أنه حضرها و هو عبد، و مراد القائلين بأنه قد شهد الخندق فما بعدها، و لم يحضر بدرا، أنه لم يحضرها و هو حر (3) .

و نقول: إن هذا جمع تبرعي، لا يرضى به أولئك، و لا هؤلاء، لأن مدار النفي و الإثبات هو أصل الحضور و الشهود، من دون نظر إلى الحرية و العبودية، و لذا تجد في بعض العبارات المنقولة التعبير بأنه لم يفته مشهد بعد الخندق، فإنه يكاد يكون صريحا في فوات بعض المشاهد، قبل ذلك.

و ثانيا: قول الخطيب إن التاريخ الهجري لم يكن في عهد الرسول، و أن عمر بن الخطاب هو أول من أرخ به.

لا يمكن قبوله، فقد أثبتنا في كتابنا هذا: ان النبي (ص) هو واضع التاريخ الهجري و قد ارخ به هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» اكثر من مرة، و هذا الكتاب يصلح دليلا على ذلك ايضا.

و أما بالنسبة لكلام العلامة البحاثة الأحمدي، فنحن نشير إلى ما يلي:

____________

(1) راجع: سليم بن قيس ص 52 و نفس الرحمان ص 20 عنه.

(2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 215 و راجع ج 18 ص 35 و ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 48 و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 58 و قاموس الرجال ج 4 ص 424 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 614.

(3) راجع نفس الرحمان ص 20 و راجع تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 566.

17

أ: قوله: إن الخطيب، و إبن عساكر، و نفس الرحمان لم يذكروا الشهود، ليس في محله، كما يعلم بالمراجعة.

ب: إن ما ذكره حول توصيف أبي بكر بالصديق صحيح، و قد تحدثنا في كتابنا هذا: أن تلقيبه بهذا اللقب، لا يصح لا في الإسراء و المعراج، و لا في أول البعثة، و لا في قضية الغار، حسب إختلاف الدعاوى. و ذكرنا هناك: أن الظاهر: هو أن هذا اللقب قد خلع عليه بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمدة ليست بالقصيرة.

و نضيف إلى ذلك: أنه إن كان أبو بكر نفسه قد كتب هذه الكلمة على كتاب عتق سلمان، فنقول:

إن من غير المألوف أن يطلق الإنسان على نفسه ألقاب التعظيم و التفخيم. بل إن الإنسان العظيم، الذي يحترم نفسه، يعمد في موارد كهذه إلى إظهار التواضع و العزوف عن الفخامة و الأبهة.

و إن كان الآخرون هم الذين اطلقوا عليه لقب «الصديق» ، و أضافوه إلى الكتاب من عند انفسهم، تكرما و حبا و رغبة في تعظيمه، و تفخيمه.

فذلك يعني: أنهم قد تصرفوا بالكتاب، و أضافوا إليه ما ليس منه، دون أن يتركوا أثرا يدل على تصرفهم هذا، و هو عمل مدان، و مرفوض، إن لم نقل إنه مشين، لا سيما و أنهم أهملوا صديقه عمر بن الخطاب، فلم يصفوه بالفاروق كما أهملوا غيره ايضا.

و لا يفوتنا التذكير هنا: بأن النوري قد أورد الكتاب في نفس الرحمان عن تاريخ كزيده و ليس فيه وصف أبي بكر بـ «الصديق» ، بل وصفه بـ «إبن أبي قحافة» . و هو الأنسب، و الأوفق لظاهر الحال.

ج: و أما قولهم: إن أباذر لم يكن قد قدم المدينة حينئذ، لأنه إنما قدمها بعد الخندق.

18

فإننا نقول: المراد: أنه إنما قدمها مستوطنا لها بعد الخندق، أما قبل ذلك، فلعله قدمها للقاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو لبعض حاجاته، فصادف كتابة هذا الكتاب؛ فشهد عليه، ثم عاد إلى بلاده. و ثمة رواية أخرى تشير إلى حضوره‏ (1) . فلتراجع.

د: أضف إلى ذلك: أن وصف بلال بأنه مولى أبي بكر، قد يكون من تزيد الرواة أيضا؛ إذ قد ذكرنا في ما سبق من هذا الكتاب: أن بلالا لم يكن مولى لأبي بكر.

و أخيرا فإن مما يدل على أن الرواة و الكتاب قد زادوا شيئا من عند انفسهم: إضافة عبارة: «رضي اللّه عنهم» إلى الشهود؛ إذ لا شك في أن ذلك قد حصل بعد كتابة ذلك الكتاب، بل و يحتمل ان يكون الشهود جميعا قد اضيفوا بعد ذلك، و إن كان هذا إحتمالا بعيدا جدا. غ

حديث الحرية بطريقة أخرى:
و قد جاء في بعض الروايات، أن الرق قد شغل سلمان حتى فاته بدر و أحد، حتى قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كاتب يا سلمان، فكاتب سيده على ثلاث مئة نخلة (و قيل: على مئة و ستين فسيلة، و قيل:

خمس مئة و قيل: مئة فقط) يحييها له، و أربعين أوقية من ذهب.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أعينوا أخاكم بالنخل.

فأعانه أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالخمس و العشر حتى اجتمعت عنده، فأمره (ص) أن يفقّر لها، و لا يضع منها شيئا حتى يكون

____________

(1) راجع البحار ج 22 ص 358 و إكمال الدين ج 1 ص 164-165 و روضة الواعظين ص 276-278 و الدرجات الرفيعة ص 203 عن إكمال الدين، و نفس الرحمان ص 6 و 22 عن الحسين بن حمدان و ص 5 و صححها عن إكمال الدين، و عن الراوندي في قصص الأنبياء، و عن روضة الواعظين، و عن الدر النظيم.

19

النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يضعها بيده؛ ففعل، فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فغرسها بيده، فحملت من عامها.

و قال (ص) : إذا سمعت بشي‏ء قد جاءني، فأتني، أغنيك بمثل ما بقي من فديتك، فبينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذات يوم في اصحابه، إذ جاء رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب. فقال رسول اللّه (ص) : ما فعل الفارسي المكاتب؟

فدعي له سلمان، فقال: خذ هذه فأدّ بها ما عليك يا سلمان.

إلى أن تقول الرواية: فأخذها فأوفى منها حقهم كله: أربعين أوقية (1) ، و في بعض المصادر: إنه بقى منها مثل ما أعطاهم.

و أعتق سلمان، و شهد الخندق ثم لم يفته معه مشهد (2) .

____________

(1) الأوقية: وزن أربعين درهما.

(2) راجع: الثقات ج 1 ص 256-257 و تاريخ الخميس ج 1 ص 468 و حلية الأولياء ج 1 ص 195 و تاريخ بغداد ج 1 ص 169 و راجع 163 و 164 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 209-223 و دلائل النبوة لأبي نعيم طبع ليدن ص 213-219 و سيرة ابن هشام ج 1 ص 228-236 و أسد الغابة ج 2 ص 330 و طبقات ابن سعد ج 4 ص 197-199 عن أبي يعلى و المصنف للصنعاني ج 8 ص 418 و 420 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 227 و مجمع الزوائد ج 9 ص 335-337-340 و قاموس الرجال ج 4 ص 427-428 و أنساب الآشراف (سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ) ج 1 ص 487-486 و البحار ج 22 ص 265 و 367 و 390 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 و 39 و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 57 و صفة الصفوة ج 1 ص 352-533 عن أحمد و في هامشه عن ابن هشام و عن الطبراني في الكبير و عن الخصائص للسيوطي ج 1 ص 48 عن دلائل البيهقي و نفس الرحمان ص 2-6 عن قصص الأنبياء للراوندي و عن المنتقى للكازروني و عن السيرة الحلبية، و عن سيرة ابن هشام و راجع مسند أحمد ج 5 ص 438 و 439 و 440 و 441 و 444.

غ

20

مناقشات لا بد منها:
إننا نشك في بعض ما جاء في هذه الرواية:

1-لأنها تقول: إنه هو الذي كاتب سيده، و أعانه الصحابة على أداء دينه، و أعانه الرسول أيضا بالذهب.

مع أن صريح كتاب المفاداة: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أدى جميع ما على سلمان، و ان رسول اللّه (ص) قد إشتراه و أعتقه، و أن ولاءه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته، و قد دلت على ذلك نصوص أخرى أيضا ستأتي إن شاء اللّه تعالى:

2-إن كونه قد أعتق في السنة الخامسة، أو الرابعة، مشكوك فيه أيضا، و قد قدمنا بعض ما يرتبط بذلك، و انه قد أعتق في أول سني الهجرة.

3-قول الرواية: إنه قد فاته بدر و أحد، قد عرفنا: أنه غير مُسلَّم، فقد قيل: إنه حضر هما أيضا.

أضف إلى ذلك، ان رواية أبي الشيخ تنص على أنه قد أخبر النبي بأنه قد كاتب سيده، فور إسلامه، حين مجي‏ء النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة مباشرة (1) فراجع.

كما أن القول بأن الصحابة قد أعانوا النبي (ص) على اداء دينه فيما يرتبط بفداء سلمان. هو الآخر لا يصح، إذ قد كان على الراوي أن يقول ذلك، و يصرح به، و كان على النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يطلب منهم أن يعينوه هو، لا أن يعينوا أخاهم سلمان، كما هو صريح الرواية. غ

الرواية الأقرب إلى القبول:

____________

(1) طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 215.

21

و لعل الرواية الأقرب إلى القبول هي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد غرس النوى، و كان علي «عليه السلام» يعينه؛ فكان النوى يخرج فورا، و يصير نخلا، و يطعم بصورة إعجازية له (ص) كما ظهرت معجزته «صلى اللّه عليه و آله» ، في وزن مقدار أربعين أوقية ذهبا، من حجر صار ذهبا (1) من مثل البيضة، أو من مثل وزن نواة. غ

النخلة التي غرسها عمر:
و نجد في بعض المصادر: أن عمر بن الخطاب قد شارك في غرس نخلة واحدة و لكنها لم تعش، فانتزعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» و غرسها بيده، فحملت‏ (2) .

و في رواية أخرى: ان التي لم تعش كان سلمان هو الذي غرسها (3) .

____________

(1) نفس الرحمان ص 21 و البحار ج 22 ص 367 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 144 و ذكر غرس النوى في حديث آخر، فراجع: روضة الواعظين ص 278 و البحار ج 22 ص 358 و إكمال الدين ص 165 و الدرجات الرفيعة ص 203 و نفس الرحمان ص 6 عن بعض من تقدم و عن قصص الأنبياء للراوندي، و عن الحسين بن حمدان و عن الدر النظيم.

(2) مجمع الزوائد ج 9 ص 337 عن أحمد، و البزار، و رجاله رجال الصحيح، و تاريخ الخميس ج 1 ص 468 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 58 و قاموس الرجال ج 4 ص 227 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 198-199 و شرح الشفاء لملاّ علي القاري ج 1 ص 384 و مزيل الخفاء؛ في شرح ألفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء نفسه) ج 1 ص 332 و البحار ج 22 ص 390، و الدرجات الرفيعة ص 205 و نفس الرحمان ص 16.

(3) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 57-58 و شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 384 عن البخاري، و مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء) ج 1

22

أما عياض، فلم يسم أحدا، و إن كان قد ذكر غرس غيره أيضا (1) .

و لعلها كانت فسيلة حاضرة لدى عمر، أو سلمان، فأحب المشاركة في هذا الأمر، فغرسها، و لعله غرس نواة كانت في حوزته، و إن كانت الروايات قد صرحت بالأول لا بالنواة فيتعين ذلك الإحتمال.

و قد حاول البعض الجمع بين الروايتين المشار إليهما، أعني رواية غرس عمر للنخلة التي لم تعش، و رواية غرس سلمان لتلك النخلة:

بأن من الممكن أن يكونا-عمر و سلمان-قد اشتركا في غرسها، فصح نسبة ذلك لهذا تارة، و لذلك أخرى‏ (2) .

«و يجوز أن يكون كل واحد من سلمان و عمر غرس بيده النخلة، أحد هما قبل الآخر (3) » .

و لنا أن نعلق على ذلك: بأنه بعد نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسلمان عن ذلك؛ فلا يعقل أن يقدم على مخالفة النبي (ص) ، و سلمان هو من نعرف في انقياده، و إلتزامه المطلق بأوامر اللّه سبحانه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا يمكن ان نصدق: أنه قد خالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و كيف لم يتدخل في غرس مائتين و تسع و تسعين، و تدخل في خصوص هذه الواحدة دون سواها؟!

____________

ق ص 332 عن البخاري في غير صحيحه، و نفس الرحمان ص 16 و مسند أحمد ج 5 ص 440.

(1) الشفاء ج 1 ص 332.

(2) شرح الشفاء، لملا علي القاري ج 1 ص 384 و مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء) ج 1 ص 332.

(3) نفس الرحمان ص 16.

23

هذا بالإضافة إلى صحة سند ما روي عن عمر، و كثرة الناقلين له، و عدم نقل ذلك عن سلمان إلا عند ابن سعد في طبقاته.

و إذا كان الراجح-إن لم يكن هو المتعين-أن سلمان لم يتدخل في هذا الأمر، و لا خالف النهي المتوجه إليه من قبل رسول اللّه (ص) .

و إذا كان النهي إنما توجه إلى سلمان، لا إلى عمر، فإن إقدام عمر على هذا الأمر، يصبح اكثر معقولية، و أقرب إحتمالا.

فهو قد أراد أن يجرب حظه في هذا الأمر أيضا، و لعله يريد إظهار زمالته للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو القائل «أنا زميل محمد» (1) ، فكما أن النخل يثمر على يد رسول اللّه (ص) ؛ فإنه يثمر على يده أيضا و كما أن الرسول يقوم ببعض الأعمال؛ فإن غيره ايضا، قادر على أن يقوم بها؛ فليس ثمة فرق كبير-فيما بينهم و بينه (ص) ، على حد زعمه، أو هكذا خيل له على الأقل.

و أما أنه لماذا لم يغرس سوى نخلة واحدة، فلعله يرجع إلى أنه حين رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ينهى سلمان عن أن يغرس شيئا منها، فإنه قد تردد في ذلك، و حاذر من أن يتعرض لغضب النبي (ص) ، و إنكاره ثم تشجع اخيرا، و جرب حظه في نخلة واحدة، الأمر الذي تفرد فيه دون سائر الصحابة الآخرين، و لم يقدم عليه لا أبو بكر، و لا غيره. و قد يكون السبب في ذلك هو أنه لم يكن في حوزته سوى هذه النخلة.

و لكن قد شاءت الإرادة الإلهية: أن يحفظ ناموس النبوة، و أن تخيب كل الطموحات، و تتحطم كل الآمال، التي تريد أن تنال من ذلك الناموس، أو تستفيد منه في مسار إنحرافي آخر، لا يلتقي معه، و لا ينتهي إليه، و تجلى هذا اللطف الإلهي في أن النخل قد أثمر كله، سوى هذه،

____________

(1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 291 طبع الإستقامة.

24

حتى أعاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غرسها بيده الشريفة من جديد، فظهرت البركات، و تجلت الكرامة الإلهية. غ

دور خليسة في عتق سلمان:
و قد جاء في بعض روايات عتق سلمان: أنه كان لإمرأة إسمها خليسة، كانت قد اشترته، ثم بعد أن أسلم سلمان أرسل إليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» ، يقول لها: إما أن تعتقي سلمان و إما أن أعتقه، فإن الحكمة تحرمه عليك.

فقالت له: قل له: إن شئت أعتقه، و إن شئت فهو لك.

قال رسول اللّه: أعتقيه أنت؛ فاعتقته.

قال: فغرس لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مئة فسيلة.

و في لفظ آخر قالت: ما شئت. فقال: اعتقته‏ (1) .

و نقول:

1-إن الرواية التي قدمناها في مكاتبته لمولاه على غرس النخل، حتى تطعم، و على أربعين أوقية. و غير ذلك مما دل على أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد إشتراه، و اعتقه، ينافي ذلك.

2-إن كتاب المفاداة المتقدم ينافي ذلك أيضا، لأنه كتب بإسم

____________

(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 و أسد الغابة ج 5 ص 440 و الإصابة ج 4 ص 286 عن ابن مندة، و قالوا أخرجه أبو موسى، في الأحاديث الطوال و نفس الرحمان ص 22 عن المنتقى و أشار الى ذلك في تهذيب التهذيب ج 4 ص 138-139 عن العسكري.

غ

25

عثمان بن الأشهل القرظي:

إلا أن يدعى: أن خليسة كانت زوجة لعثمان هذا، أو من أقاربه أو غير ذلك، فلا مانع من كتب الكتاب بإسمه نيابة عنها.

و لكن ذلك مجرد إحتمال، يحتاج إلى شاهد و عاضد، و هو مفقود.

3-لماذا يأمرها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعتق سلمان، و لم يأمر غيرها، من الذين كانوا يملكون ارقاء مسلمين‏ (1) .

4-ما معنى قوله: إما أن تعتقيه أنت، أو أعتقه أنا، فهل يريد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إستعمال ولايته في هذا المجال؟!

5-و إذا كانت قد أسلمت قبل أن يرسل إليها بهذا الأمر (2) ؛ فما معنى قوله «صلّى اللّه عليه و آله» : فإن الحكمة تحرمه عليك؟!

فهل كانت قد تزوجته، و هل يصح تملك المرأة لزوجها؟أم أنه كان أبا لها؟!أم ماذا؟!

هذا مع أنه حتى لو فرض ذلك، فإنه ينعتق عليها قهرا في الفرض الثاني، و ينفسخ النكاح في الفرض الأول.

6-و إذا كانت لم تملكه لأنه كان حرا، و قد ظلموه، فباعوه لها؛ فإن ذلك لو صح أنه كاف في ذلك؛ لمنع من أصل عبوديته؛ فلا حاجة بعد ذلك لعتقه، لا من قبله «صلى اللّه عليه و آله» و لا من قبلها.

7-و إذا كانت تملكه، و لا بد من عتقه؛ فلماذا لا يشتريه منها؟

أو لماذا لم تكاتبه هي؟!و لماذا تؤمر بعتقه من الأساس. إلا على

____________

(1) قد يقال بعدم وجود أرقاء مسلمين في أيدي غير المسلمين، و لكن يرد عليه: أن خليسة قد أسلمت حسب نص الرواية فلماذا يوجب عتقه عليها.

(2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469.

26

سبيل الحث و الترغيب في الأجر، لا على سبيل التهديد، و بأسلوب القهر.

8-و ما معنى التناقض في رواية عتقها له تارة، و عتق النبي (ص) له تارة أخرى؟!بقي علينا أن نعرف: غ

من الذي حرر سلمان؟
هناك نصوص كثيرة تفيد: ان النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي حرر سلمان من الرق.

1-فقد عده كثير من العلماء و المؤرخين من موالي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

2-و عن بريدة: «كان لليهود؛ فاشتراه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكذا و كذا درهما، و على أن يغرس له نخلا، و يعمل فيها سلمان حتى تطعم، فغرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» النخل» (2) .

3-و سئل الشعبي: هل كان سلمان من موالي رسول اللّه (ص) ؟

____________

(1) رجال ابن داود ص 175 و خلاصة الأقوال للعلامة ص 41 و الفهرست للشيخ الطوسي ص 158 و تاريخ الأمم و الملوك طبع الإستقامة ج 2 ص 419 و راجع المصادر التالية: ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 54 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 34 و مصابيح الأنوار ج 1 ص 356 عن القرطبي، و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 57 و قاموس الرجال ج 4 ص 433 عنه، و البحار ج 22 ص 390 و حلية الأولياء ج 1 ص 195 و نفس الرحمان ص 20 و 21 عن بعض من تقدم، و المناقب لإبن شهر آشوب ج 1 ص 171.

(2) مجمع الزوائد ج 9 ص 337 عن أحمد و البزار، و رجاله رجال الصحيح، و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35. و شرح الشفاء لملاّ علي القاري ج 1 ص 384.

27

قال: نعم. افضلهم. كان مكاتبا؛ فاشتراه، فأعتقه‏ (1) .

4-و قال الخطيب البغدادي: «أدى رسول اللّه (ص) كتابته، فهو إلى بني هاشم» (2) .

5-و قال المبرد: «و كان «صلى اللّه عليه و آله» أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، فكان سلمان مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال علي بن أبي طالب «عليه السلام» : سلمان منا أهل البيت» (3) .

6-و قال أبو عمر: «و قد روي من وجوه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إشتراه على العتق» (4) .

7-و تقدم كتاب المفاداة، الذي ينص على أن ولاء سلمان هو لمحمد بن عبد اللّه رسول اللّه، و أهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل.

8-و في مهج الدعوات، في حديث حور الجنة و تحفها، مسندا عن فاطمة عليها السلام: فقلت للثالثة: ما اسمك؟قالت: سلمى. قلت: و لم سميت سلمى؟قالت: خلقت أنا لسلمان الفارسي، مولى أبيك رسول اللّه» (5) .

9-و في رسالة سلمان إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، كتب

____________

(1) أنساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ) ج 1 ص 487 و قاموس الرجال ج 4 ص 429 عنه.

(2) تاريخ بغداد ج 1 ص 164 و 163.

(3) الكامل ج 4 ص 14.

(4) الاستيعاب، بهامش الإصابة ج 2 ص 57.

(5) نفس الرحمان ص 21.

28

له سلمان، من سلمان مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

10-و روى الحاكم أن علي بن عاصم ذكر في حديث إسلام سلمان: أنه كان عبدا، فلما قدم النبي (ص) المدينة، أتاه، فأسلم فابتاعه النبي (ص) و أعتقه‏ (2) .

11-و في حديث سلام سلمان على أهل القبور، قال رحمه اللّه:

سألتكم باللّه العظيم، و النبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب، فأنا سلمان الفارسي: مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3) .

12-و عن إبن عباس قال: رأيت سلمان الفارسي رحمه اللّه في منامي، فقلت له: يا سلمان، الست مولى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قال: بلى، فإذا عليه تاج من ياقوت الخ.. (4) .

13-هذا بالإضافة إلى الحديث الذي يقول سلمان في آخره:

فأعتقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سماني سلمانا (5) . غ

أبو بكر و عتق سلمان:
و بعد كل ما تقدم، فإننا نعرف: أن دعوى: أن أبا بكر قد إشترى

____________

(1) الإحتجاج ج 1 ص 185 و نفس الرحمان ص 21 عنه.

(2) معرفة علوم الحديث ص 198.

(3) نفس الرحمان ص 21 عن فضائل شاذان بن جبرائيل القمي.

(4) روضة الواعظين ص 281 و نفس الرحمان ص 21 عنه.

(5) روضة الواعظين ص 278 و البحار ج 22 ص 358 و الدرجات الرفيعة ص 203 و إكمال الدين ص 165. و رواه في نفس الرحمان ص 6 عن بعض من تقدم، و عن قصص الأنبياء للراوندي و عن الحسين بن حمدان و عن الدر النظيم.

29

سلمان، فأعتقه‏ (1) لا يمكن ان تصح بأي وجه.

و يكفي في ردها حديث كتاب المفاداة المتقدم، بالإضافة إلى النصوص الآنفة الذكر. إلى جانب النصوص الأخرى، التي تدعي: أنه قد أعانه الصحابة و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى أدى ما عليه من مال الكتابة، و إن كان سيتضح أنها غير خالية عن المناقشة. غ

لماذا يكذبون؟
و لعل أهمية سلمان، و عظمته و جلالته في المسلمين، قد جعلت البعض يرغبون في أن يجعلوا للشخصيات التي يحترمونها، و يهتمون في حشد الفضائل لها، نصيبا في هذا الرجل الفذ، و فضلا لها عليه. حتى و لو كان ذلك على حساب كرامات و فضائل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، فإن الإغارة على بعض فضائله و كراماته (ص) ، و نسبتها إلى غيره، لا تنقص من شأنه-بزعمهم-شيئا، إذ يكفيه شرفا: أنه النبي الهادي لهذه الأمة، و أنه رسول اللّه.

كما أن ذلك يمكن أن يكون ردة فعل على تلك الرواية التي لا يجدون دليلا ملموسا على ردها و تكذيبها، و التي تقول:

إنه أسلم في مكة، و حسن إسلامه، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاوره-امتحانا له-فيمن يبدأ بدعوته في مكة، فجال سلمان في أهل مكة يخبرهم، و يشيرهم، و يجتمع مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ابي طالب لهذا الغرض، ثم أشار بدعوة أبي بكر؛ لأنه معروف بين العرب بتعبير

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 469 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199 عن البيهقي و نفس الرحمان ص 21 عن المنتقى و الحديث بطوله في مستدرك الحاكم ج 3 ص 599-602.

30

الأحلام، و هم يرون فيه ضربا من علم الغيب، مع معرفته بتواريخ العرب، و أنسابها بالإضافة إلى أنه معلم للصبيان، و يطيعه و يجله من أخذ عنه من فتيانهم، و لكلامه تأثير فيهم؛ فإذا آمن فلسوف يكون لذلك أثره، و لسوف تلين قلوب كثيرة. لا سيما و ان معلمي الصبيان راغبون في الرئاسة، فاستصوب النبي (ص) ، و أبو طالب ذلك، و شرع سلمان في دلالة الرجل، و إدخاله في الإسلام‏ (1) .

فلعل سلمان-كما تدل عليه هذه الرواية، و يظهر من غيرها-كان في بدء أمره في مكة و أسلم هناك، ثم انتقل إلى المدينة.

و عن تقدم إسلام سلمان، نجد عددا من الروايات تشير إلى ذلك‏ (2) و من ذلك: أن إعرابيا سأل النبي (ص) عنه قال: أليس كان مجوسيا، ثم أسلم؟!فقال «صلى اللّه عليه و آله» : يا أعرابي، أخاطبك عن ربي، و تقاولني؟!إن سلمان ما كان مجوسيا، و لكنه كان مضمرا للإيمان، مظهرا للشرك‏ (3) .

____________

(1) راجع: نفس الرحمان ص 48 عن بعض الكتب المعتبرة و ص 27-28 عن كتاب الكشكول فيما جرى على آل الرسول للعبيدلي.

(2) راجع: ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 51 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 193 و البحار ج 22 ص 355-359، و إكمال الدين ص 162-165 و روضة الواعظين ص 275-278 و الدرجات الرفيعة ص 203 و نفس الرحمان ص 5-6 عن بعض من تقدم و عن غيرهم.

(3) الإختصاص ص 222 و البحار ج 22 ص 347 و قاموس الرجال ج 4 ص 429 و نفس الرحمان ص 4.

غ

31

الفصل الثالث:

ولادة الحسين (ع) و بعض ما قيل حولها

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بداية:
إن الحديث عن ولادة سيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين «عليه السلام» ، و ما رافق ذلك من اهتمام ظاهر من قبل الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الوليد المبارك، و أهداف ذلك، و ابعاده، و مراميه لهو حديث محبب للنفوس المؤمنة و تتطلبه عقول ذوي النهى، ما دام ان ذلك يجسد لنا المعاني الحقيقية التي تريد الأسوة و القدوة لنا أن نتلمسها و نتحسسها و نتوصل إليها، و نعيشها.

و لكن بما أن هذا الكتاب، قد اتخذ-عموما-منحى يغلب عليه طابع التعامل مع النصوص تأكيدا، أو تفنيدا، فقد أصبح طرح حقائق كهذه لا يتلاءم مع أسلوب الكتاب، و لا يناسب توجهه العام.

و لأجل ذلك، فنحن نكتفي في طرحنا لقضية ولادة الحسين «عليه السلام» أيضا ببعض ما لا يخرجنا عن هذا الاتجاه، و لا يضر بذلك المنحى؛ فنقول: غ

ولادة الإمام الحسين «عليه السلام» :
و في السنة الرابعة للهجرة، في الخامس من شعبان، أو لثلاث، أو لأربع، خلون منه، كانت ولادة الإمام الحسين بن علي-عليهما السلام-،

34

في المدينة المنورة (1) .

و قيل: ولد في آخر شهر ربيع الأول، سنة ثلاث من الهجرة (2) .

و قال قتادة: إنه «عليه السلام» ولد بعد أخيه الحسن بسنة و عشرة أشهر، لخمس سنين و ستة أشهر من التاريخ‏ (3) .

____________

(1) راجع: إعلام الورى ص 215 و نور الأبصار ص 125 و الفصول المهمة، لإبن الصباغ ص 156 و الإصابة ج 1 ص 332 و الإستيعاب، بهامشه ج 1 ص 378، و أسد الغابة ج 2 ص 18 و ذخائر العقبى ص 118 و كفاية الطالب ص 416، و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص 12 و 23و 25و288و293و295، و تاريخ بغداد ج 1 ص 141، و صفة الصفوة ج 1 ص 762 و روضة الواعظين ص 153 و نظم درر السمطين ص 194 و تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 316 و كشف الغمة ج 2 ص 215 و إحقاق الحق قسم الملحقات ج 11 ص 256-259 و ج 19 ص 181 و 361-363 و مجمع الزوائد ج 9 ص 164 و تذكرة الخواص ص 232، و الإرشاد للمفيد ص 218، و الإتحاف بحب الإشراف ص 40 و تاريخ إبن الوردي ج 1 ص 160 و إسعاف الراغبين، بهامش نور الأبصار ص 185 و البحار ج 43 ص 227 و 250 و 260 و سيرة المصطفى ص 149 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 163 و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 76، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 555 و التنبيه و الإشراف ص 213 و بهجة المحافل ج 1 ص 230، و تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 464 و مقاتل الطالبين ص 78 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 345 و مروج الذهب ج 2 ص 289 و الجوهرة في نسب علي «عليه السلام» و آله ص 38 و نسب قريش لمصعب ص 40، و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 143 و نزل الأبرار ص 148 و راجع عمدة الطالب ص 191 و تاريخ الإسلام للذهبي «المغازي» ص 206 و راجع: الكامل لإبن الأثير ج 2 ص 176.

(2) راجع: الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 378 و أعلام الورى ص 215 و الكافي ج 2 ص 385 و تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و يفهم من قول ابن الخشاب، كما في كشف الغمة ج 2 ص 252.

(3) تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 416 و ذخائر العقبى ص 118 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 378 و تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 464 و فيه: بعد الحسن

35

و قال الجزري تفريعا على قول قتادة: فولدته لست سنين، و خمسة أشهر و نصف‏ (1) .

و قال الدولابي: ولد لأربع سنين و ستة اشهر من الهجرة (2) .

و قيل: ولد سنة سبع، و ليس بشي‏ء (3) .

و من جهة أخرى؛ فقد قيل: لم يكن بينه و بين أخيه، إلا الحمل، و الحمل ستة اشهر (4) .

و زاد في بعض الروايات قوله: و عشرا (5) .

و قيل: كان أصغر من الحسن بسنة (6) .

و قول آخر: يفيد أنه كان بين ولادة الحسن و ولادة الحسين عشرة أشهر و عشرين يوما (7) .

____________

ق بستة عشر شهرا. و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص 14 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 177 و راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 233.

(1) أسد الغابة ج 2 ص 18 و راجع: المعارف لإبن قتيبة ص 158 و كشف الغمة ج 2 ص 266.

(2) ذخائر العقبى ص 118.

(3) الإصابة ج 1 ص 332.

(4) أعلام الورى ص 215 و ذخائر العقبى ص 188 عن ابن الدارع، و تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و احقاق الحق ج 11 ص 259 و راجع: تفسير البرهان ج 4 ص 172-174 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 11-12 و في نزل الأبرار ص 148:

و في بعض الروايات ولد بعده بستة أشهر.

(5) الكافي ج 1 ص 385، 386 و البحار ج 43 ص 247 و 258.

(6) تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 416 و ذخائر العقبى ص 120 و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص 25 و إحقاق الحق ج 11 ص 502.

(7) البحار ج 43 ص 237.

غ

36

و في رواية أخرى: أنها حملت به بعد وضعها الحسن عليه السلام بخمسين يوما (1) .

و في نص آخر: لم يكن بينهما إلا طهر واحد (2) .

و قال ابن قتيبة: «حملت به بعد أن وضعت الحسن بشهر واحد و اثنين و عشرين يوما، و أرضعته و هي حامل ثم أرضعتهما جميعا» (3) .

و من الواضح أنه لا منافاة بين النصوص الأربعة الأخيرة على تقدير كون الحمل به تسعة أشهر، و لكن العسقلاني يقول: «قلت: فإذا كان الحسن ولد في رمضان، و ولد الحسين في شعبان، احتمل ان يكون ولدته

____________

(1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 166 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 537 و الجوهرة في نسب علي «عليه السلام» و آله ص 38 و نور الأبصار ص 125 و تذكرة الخواص ص 232 و الفصول المهمة لإبن الصباغ ص 156 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 230 و البدء و التاريخ ج 5 ص 75 و كشف الغمة ج 2 ص 215 و كفاية الطالب ص 416 و ذخائر العقبى ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 464 و إحقاق الحق ج 9 ص 362 و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق ص 23 و 295 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 143 و نزل الأبرار ص 148 و عمدة الطالب ص 191 و كتاب الجامع للقيرواني ص 276.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 417، 464 و تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 416 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 592 و ج 9 ص 361-363 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 345 و أسد الغابة ج 2 ص 18 و الإصابة ج 1 ص 332 و الإستيعاب بهامشه ج 1 ص 378 و البحار ج 43 ص 247 و 258، و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص 13 و 295 و مجمع الزوائد ج 9 ص 185 و المناقب لإبن شهر آشوب ج 3 ص 398 و الكافي ج 1 ص 385، 386، و تهذيب الأسماء ج 1 ص 163 و كفاية الطالب ص 417 و نظم درر السمطين ص 194 و ذخائر العقبى ص 118 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 12 و عمدة الطالب ص 191 و كتاب الجامع للقيرواني ص 276.

(3) المعارف ص 158.

37

لتسعة أشهر، و لم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين» (1) .

و نقول: إن في كلامه بعض المناقشة.

أولا: إنه مبني على ما يذهبون إليه، من أن النفاس يمكن أن يكون أربعين يوما، و يكون شهرين و أكثر و أقل و غير ذلك.

أما على ما هو الثابت من مذهب أهل البيت عليهم السلام، و يؤيده الواقع، من أن اكثر النفاس عشرة أيام و لا حد لأقله، فلا معنى لاستمرار نفاسها إلى شهرين.

و ثانيا: إنه حتى على ما ذكره؛ فإن نفاسها يكون خمسين يوما، إذا كان حملها قد استمر تسعة أشهر. إلا ان يكون كلامه تقريبيا، و لا تحديد فيه.

و ثالثا: قد ورد في الروايات: أنها صلوات اللّه و سلامه عليها لم تر الدم حين الولادة أصلا (2) . غ

الحلق، و العقيقة، و التسمية:
«و لما ولد عليه السلام، أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» به، فجاءه، و أخذه، و أذن في أذنه اليمنى، و أقام في أذنه اليسرى، و استبشر به «صلى اللّه عليه و آله» ، و سماه «حسينا» و عق عنه كبشا، و في رواية كبشين، و قال لأمه: احلقي رأسه، و تصدقي بوزنه فضة، و افعلي به كما فعلت

____________

(1) الإصابة ج 1 ص 332.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 417، لكن الرواية عن أسماء بنت عميس، مع أنها كانت في الحبشة، فلابد أن تكون هي الأنصارية، وزيدت كلمة (بنت عميس) من قبل الرواة، جريا على ما هو المألوف عندهم، و تبعا لما ارتكز في أذهانهم.. و راجع:

إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 259 عن عمدة الأخبار ص 394.

38

بأخيه الحسن» و زاد البعض: و أعطى القابلة رجل العقيقة، و ختنه يوم السابع من ولادته.

و زاد آخرون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» حنكه بريقه، و تفل في فمه، و دعا له، و سماه حسينا، يوم السابع‏ (1) .

و عن عمران بن سليمان، قال: الحسن و الحسين من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية (2) .

____________

(1) راجع فيما تقدم كلا أو بعضا المصادر التالية: الفصول المهمة لإبن الصباغ ص 156 و البحار ج 43 ص 237-260 و أسد الغابة ج 2 ص 18 و روضة الواعظين ص 155 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 179 و 180 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و نور الأبصار ص 125 و تذكرة الخواص ص 232 و الإرشاد للمفيد ص 218 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 378 و نظم درر السمطين ص 208 و 194 و الإتحاف بحب الإشراف ص 40 و ذخائر العقبى ص 118-120 و كشف الغمة ج 2 ص 215 و 216 و أعلام الورى ص 215 و كفاية الطالب ص 417 ومجمع الزوائد ج 9 ص 185 عن الطبراني و تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 418 و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 316 و إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 185 و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق؛ بتحقيق المحمودي ص 11 و نزل الأبرار ص 148 و ذكر في تاريخ بغداد ج 10 ص 151 حديث أنه عق عن الحسنين كبشا كبشا و كذا في حلية الأولياء، و راجع: سنن البيهقي ج 9 ص 299 و 300 و راجع مشكل الآثار ج 1 ص 456، و راجع بقية المصادر في إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 260-264 و ج 19 ص 182 و ج 10 ص 490-530 فقد نقل ذلك عن مصادر كثيرة.

(2) الصواعق المحرقة ص 190 و تاريخ الخلفاء ص 188 و البحار ج 43 ص 252 عن المناقب، و بهجة المحافل ج 1 ص 196 و أسد الغابة ج 1 ص 18 و ذخائر العقبى ص 119 عن الدولابي، و تاريخ الخميس ج 1 ص 418 و إحقاق الحق ج 10 ص 488-491 و ج 19 ص 183 عن شرح ثلاثيات مسند أحمد ج 2 ص 557 و عن حلى الأيام ص 218 و مصادر كثيرة أخرى.

غ

39

لا منافاة بين الروايات:
و في حين نجد بعض الروايات تقول: إن فاطمة عليها السلام قد عقت عن الحسنين «عليهما السلام» (1) . فإننا نجد الروايات المتضافرة الأخرى تفيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي عق عنهما عليهما السلام‏ (2) .

كما ان بعض الروايات تفيد: أن فاطمة عليها السلام هي التي حلقت رأسهما يوم سابعهما، و تصدقت بوزن شعرهما فضة (3) .

بينما غيرها يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هو الذي تولى ذلك منهما (4) .

و لعله لا منافاة بين جميع ما ذكر، إذ أن الرسول (ص) أمرها بذلك، حسبما صرحت به الروايات، فهي عليها السلام قد تولت أمر العقيقة و الحلق، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكون هو الذي اشترى العقيقة، و دفع الفضة التي تصدقت بها «عليها السلام» .

و يمكن أن يكون (ص) قد شارك الصديقة الطاهرة في ذبح الكباش و توزيعها، كما و شاركها في أمر الحلق أيضا. فصح نسبة الفعل إليه (ص)

____________

(1) راجع المصادر المتقدمة في الهامشين السابقين و غيرهما و ذخائر العقبى ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 418 و البحار ج 43 ص 240 و 257.

(2) راجع جميع المصادر في الهوامش المتقدمة و ذخائر العقبى ص 119 و البحار ج 43 ص 439 و 257 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 261، 262.

(3) راجع المصادر في الهوامش المتقدمة، و ذخائر العقبى ص 119 و البحار ج 43 ص 340و 256و 257. و إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 507-510 و سنن البيهقي ج 9 ص 299، و صرح في بعض رواياته بأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لفاطمة بالحلق و مسند أحمد ج 6 ص 292 و 290 و 291.

(4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 418 و سنن البيهقي ج 9 ص 299.

40

تارة، و إليها صلوات اللّه و سلامه عليها أخرى‏ (1) و اللّه العالم. غ

اليافعي، و ثقافته الواسعة:
قال اليافعي:

«في رمضان منها (أي سنة ثلاث) ولد الحسن رضوان اللّه عليه.

قلت: و لم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي اللّه تعالى عنه، و الذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما، و زمان وفاتهما:

أن يكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، و اللّه تعالى أعلم.

ثم وقفت على كلام للإمام القرطبي المالكي يذكر فيه:

أنه ولد في شهر شعبان في السنة الرابعة.

فعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، و مثل هذا غريب في العادة، نادر الوقوع.

و يؤيد هذا ما وقفت عليه بعد ذلك، من نقل الواحدي: ان فاطمة رضى اللّه تعالى عنها علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة و اللّه أعلم» (2) .

و إنما ذكرنا كلام اليافعي-و هو من أعلام القرن الثامن الهجري و يعبر عنه بـ «الإمام» -بطوله، ليقف القاري‏ء على سعة اطلاع هذا الرجل، و معرفته بتاريخ حفيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أحد سبطيه، و سيد شباب اهل الجنة صلوات اللّه و سلامه عليه. مع أنه هو نفسه يذكر تواريخ دقيقة لكثير من الناس الذين لا شأن و لا منزلة لهم إلا من

____________

(1) راجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 510 و 508.

(2) مرآة الجنان ج 1 ص 6 و 7.

41

خلال مواقفهم و عداواتهم لأهل البيت عليهم السلام. غ

حملته أمه كرها:
و جاء في رواية عن أبي عبد اللّه عليه الصلاة و السلام: أنه لما أعلم جبرئيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن أمته ستقتل الحسين «عليه السلام» -و ذلك قبل ان يولد «عليه السلام» -كرهت فاطمة عليها السلام حمله.

و حينما وضعته كرهت وضعه، لأنها علمت أنه سيقتل و فيه نزلت:

وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً، وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً، وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً (1) .

زاد في المناقب: و لم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى و الحسين.

و في نصوص أخرى: أنها «عليها السلام» رضيت لما أخبرها بأن الإمامة و الولاية في ذريته‏ (2) .

و أقول:

1-لا أستطيع أن أؤكد صحة هذا الخبر، ما دمت أرى أنه لا يناسب فاطمة عليها السلام أن تفكر بهذه الطريقة التي تصب في الإتجاه الشخصي، و أقول: إن فاطمة ترضى ما يرضاه اللّه سبحانه لها، و لم تكن لتكره عطيته سبحانه، و لا سيما إذا كانت هذه العطية هي الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة.

____________

(1) الأحقاف: آية 15.

(2) الكافي ج 1 ص 386 و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 50 عن كتاب الأنوار و تفسير البرهان ج 4 ص 172 و 173 و 174 و كامل الزيارات ص 55-57 و نور الثقلين ج 5 ص 11-14 عن عدة مصادر و البحار ج 43 ص 246 و 453.

42

2-كما أنني أريد أن أحتمل هنا: أن المقصود أيضا هو التقليل من كرامة الحسين نفسه، حتى إن أقرب الناس إليه و هو أمه، لم ترض بحمله، و لا بوضعه، و كان وجوده ثقيلا عليها.

3-و يمكن أن يناقش في هذه الرواية بأن الآية قد وردت في سورة الأحقاف، و هي مكية (1) ، و الحسين «عليه السلام» إنما ولد في المدينة.

و قد يمكن دفع ذلك بأمرين:

الأول: بما ورد في بعض الروايات من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا نزلت آية يقول لهم ضعوها في المكان الفلاني‏ (2) و يمكن ان تكون هذه الآية نزلت في المدينة، و وضعها الرسول (ص) في سورة مكية، تقدم نزولها، و قد ورد الإستثناء لهذه الآية بخصوصها فراجع المصاحف المطبوعة.

الثاني: إنه يمكن أن يكون قد تكرر نزول هذه الآية بهذه المناسبة، و لذلك نظائر كثيرة (3) فلا إشكال. غ

رواية أسماء:
و أما بالنسبة لرواية اسماء بنت عميس لما جرى حين ولادته «عليه السلام» و أخيه الحسن «عليه السلام» و حكم بعض المحققين عليها بأنها غير مستقيمة فقد تقدم في المجلد الخامس: أن سبب ذلك هو الإشتباه في قراءة كلماتها.

____________

(1) الدر المنثور ج 6 ص 37 عن ابن مردويه.

(2) مسند أحمد ج 1 ص 57 و الاتقان ج 1 ص 61 و 62 و راجع كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم.

(3) راجع: الإتقان ج 1 ص 35، 36.

43

و إن كان في بعض نصوصها شي‏ء من التهافت الناشى‏ء من خلط الرواة بين بنت عميس و غيرها (1) .

و ملخص هذه الرواية حسبما جاء في روضة الواعظين:

قالت اسماء بنت عميس: قبلت فاطمة بالحسن و الحسين «عليهم السلام» ، فلما ولد الحسن «عليه السلام» جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا أسماء (أي و هي غير بنت عميس) ، هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها النبي (ص) و قال: يا أسماء، ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء فلفته في خرقة بيضاء، و دفعته إليه، فأذن في أذنه اليمنى.

ثم تذكر الرواية تسمية النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، و حلقه رأسه، و تصدقه بزنته ورقا، و عقه عنه، و طلي رأسه بالخلوق، ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية.

(و لعله لأنهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فغير (ص) هذه السنة السيئة) .

فلما ولد الحسين، جاء «صلى اللّه عليه و آله» و قال: يا أسماء (أي و هي غير بنت عميس) هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذن في أذنه اليمنى، و أقام في اليسرى، و وضعه في حجره، و بكى، فقالت أسماء: قلت فداك أبي و أمي مم بكاؤك؟فقال: على ابني هذا. قلت: إنه

____________

(1) و الرواية موجودة أيضا في روضة الواعظين ص 153، 154 و النص فيه ظاهر فيما نقول؛ لأن ظاهرها أن بنت عميس تحدث عن امرأة أخرى اسمها أسماء..

و راجع: أعلام الورى ص 218 و ذخائر العقبى ص 120 و تاريخ الخميس ج 1 ص 418 و راجع: إحقاق الحق، قسم الملحقات ج 10 ص 502 و البحار ج 43 ص 239 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 26.

44

ولد الساعة. قال: يا أسماء، تقتله الفئة الباغية إلى آخر الرواية (1) .

فأسماء بنت عميس فيها تروي عن أسماء أخرى، و لعلها بنت يزيد الأنصارية.

أما ما روي عن السجاد «عليه السلام» ، من أنه قال: لما حان وقت ولادة فاطمة بعث إليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسماء بنت عميس و أم أيمن، حتى قرأنا عليها آية الكرسي و المعوذتين‏ (2) .

فهو أيضا موضع إشكال، لأن بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بن أبي طابب في الحبشة، و لم تقدم إلى المدينة إلا عام خيبر.

و الظاهر-أيضا-أن كلمة (بنت عميس) مقحمة في هذه الرواية من قبل الرواة، أو المؤلفين جريا على عادتهم و ما هو المألوف عندهم، و تكون أسماء هي واحدة أخرى من النساء الصحابيات، بنت يزيد، أو غيرها.

و مما يدل على هذا الإقحام: أننا نجد الديار بكري، راوي الرواية السابقة عن علي بن الحسين «عليه السلام» يروي رواية أخرى عن المحب الطبري، فيقحم فيها من عند نفسه كلمة (بنت عميس) فيقول:

«عن أسماء بن عميس، قالت: قبلت فاطمة بالحسن؛ فلم أر لها دما؛ فقلت: يا رسول اللّه اني لم أر لفاطمة دما في حيض و لا نفاس؟!

فقال (ص) : «أما علمت أن إبنتي طاهرة مطهرة، لا يرى لها دم في طمث، و لا ولادة أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا (3) » .

فراجعت ذخائر العقبى ص 44 فرأيت الرواية نفسها، و لكنها عن

____________

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 417.

(2) روضة الواعظين ص 153 و راجع البحار ج 43 ص 239.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 417.

45

أسماء من دون ذكر لعبارة «بنت عميس» فيها. و هذه هي الرواية الصحيحة، لأن بنت عميس كانت حين ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» في الحبشة، لا في المدينة حسبما المحنا إليه آنفا.

و ثمة روايات أخرى عن أسماء بنت عميس‏ (1) ، و الكلام فيها هو الكلام.

أي أننا نحتمل أن يكون لفظ: «بنت عميس» من اقحام الرواة، إنطلاقا مما هو مرتكز في اذهانهم، دون ان يلتفتوا إلى المفارقة المذكورة. غ

التشريف و التكريم:
هذا و قد روي عن أبي جعفر «عليه السلام» ، قال: لما عرج برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، نزل بالصلاة عشر ركعات: ركعتين، ركعتين، فلما ولد الحسن و الحسين، زاد رسول اللّه سبع ركعات شكرا للّه؛ فأجاز اللّه ذلك‏ (2) .

و قال ابن شهر آشوب: «من كثرة فضلهما، و محبة النبي إياهما: أنه جعل نوافل المغرب، و هي اربع ركعات، كل، ركعتين منهما عند ولادة كل واحد منهما» (3) .

هذا و قد أشرنا في المجلد الرابع من هذا الكتاب في فصل: قضايا و احداث غير عسكرية إلى موضوع الزيادة في الصلاة فلا نعيد.

و لكننا نشير هنا إلى ان بعض الروايات تشير إلى أن سبب زيادة الركعتين أمر آخر، و هو إرادة الحفاظ على إتيان الصلاة من قبل المكلفين بصورة معقولة. و قيل غير ذلك فليراجع كتاب الوسائل ج 3 باب عدد

____________

(1) البحار ج 43 ص 255 عن كشف الغمة.

(2) البحار ج 43 ص 258 عن الكافي و الوسائل ج 3 ص 35 و ليلاحظ هامشه.

(3) راجع: المناقب ج 3 ص 395.

ـ

46

الفرائض اليومية و نوافلها و جملة من احكامها.

و لا مانع من كون الداعي إلى ذلك هو كلا الأمرين، كما أن رواية ابن شهر آشوب‏ (1) لا تنافي الرواية التي قبلها، كما لا تنافي سائر الروايات المبينة لسبب جعل النوافل؛ فإن جعل النافلة عند ولادتهما تشريفا لهما، لا ينافي ان تكون علة هذا الجعل شيئا آخر. و ذلك ظاهر. غ

ارضاع الحسين بلبن قثم لا يصح:
عن أم الفضل بنت الحارث قالت: رأيت فيما يرى النائم: أن عضوا من أعضاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيتي، فقصصتها على النبي (ص) ، فقال: خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما، فترضعيه بلبن قثم، فولدت فاطمة غلاما، فسماه حسينا، فدفعه إلى ام الفضل، فكانت ترضعه بلبن قثم‏ (2) .

و في نص أخر: لم يذكر إرضاعها له بلبن قثم، بل اكتفى بأنه (ص) أخبرها بأنه يكون في حجرها، فكان كذلك، و تفصيل القصة يراجع في مصادرها (3) .

____________

(1) راجع: المناقب ج 3 ص 395.

(2) راجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 316 و تاريخ الخميس ج 1 ص 418، 419 عن الدولابي، و البغوي في معجمه و تذكرة الخواص ص 232 و ينابيع المودة ص 221 و 318 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1293 مع الترديد في الاسم و كفاية الطالب ص 419 و ذخائر العقبى ص 121 و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ص 10 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 180 و تلخيصه للذهبي و البداية و النهاية ج 6 ص 230 و مسند أحمد ج 6 ص 339 و فيه أنها كانت ترضع الحسن و الحسين، و الإصابة ج 4 ص 484 و عمدة الطالب ص 191.

(3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 176 و كشف الغمة ج 2 ص 219 و أعلام الورى

47

و لكننا قد قدمنا في هذا الكتاب، آخر فصل: شخصيات و أحداث، حينما تحدثنا عن ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» ما يلي:

1-إن العباس لم يكن قد هاجر حينئذ إلى المدينة، و قد كانت زوجته عنده في مكة، كما هو الظاهر.

2-إننا نجد البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلا.

و أخيرا، فيحتمل ان تكون رواية ام الفضل هذه هي نفس الرواية التي تقدمت في هذا الكتاب في آخر فصل شخصيات و أحداث. لكن الرواة بسبب عدم نقط الكلمات و تقارب كلمتي الحسن و الحسين، قد صحفوا أحدهما بالآخر.

و نضيف هنا:

3-إنه قد ورد في بعض الروايات-و النص للبحراني-أنه: «لم يرضع الحسين «عليه السلام» من فاطمة عليها السلام، و لا من انثى، كان يؤتى به النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه، اليومين، و الثلاثة، فنبت لحم الحسين من لحم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دمه من دمه» (1) .

و في نص آخر: أنه كان يؤتى بالحسين؛ فيلقمه لسانه؛ فيمصه؛

____________

ق ص 218 و نور الأبصار ص 126 و الفصول المهمة لإبن الصباغ ص 158 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 159 و البداية و النهاية ج 6 ص 230 و مشكاة المصابيح ص 572، و راجع ملحقات إحقاق الحق ج 10 ص 397-402 و ج 19 ص 373 و 374 ففيه مصادر أخرى و الإرشاد للمفيد ص 281 و كفاية الطالب ص 418 و الفتوح لإبن أعثم ج 4 ص 211.

(1) راجع: الكافي ج 1 ص 386، و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 50 و تفسير البرهان ج 4 ص 173 و 174 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 14 و راجع: البحار ج 43 ص 254.

48

فيجتزي‏ء به، و لم يرتضع من انثى‏ (1) .

و روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: كان رسول اللّه (ص) يأتي مراضع فاطمة؛ فيتفل في أفواههم، و يقول لفاطمة: لا ترضعيهم‏ (2) .

و إن كان ربما يقال: ان هذا لا يدل على أنه لم يرضع من أخريات.

و بعد، فقد تقدم: أن الظاهر هو أن صاحبة القضية المذكورة، و صاحبة المنام المشار إليه، ليست هي أم الفضل، و إنما هي أم أيمن‏ (3) ، حسبما جاء في بعض الروايات، و أشرنا إليه في جزء سابق حين الكلام حول ولادة الحسن «عليه السلام» . غ

أوهام لأبي نعيم:
عن هارون عن عبد اللّه قال: سمعت أبا نعيم يقول: «قتل الحسين على رأس سنة ستين، يوم السبت؛ يوم عاشوراء، و قتل و هو ابن خمس و ستين، أو ست و ستين» .

و في هذه الرواية و هم من جهتين؛ في القتل، و المولد.

فأما مولد الحسين؛ فإنه كان بينه و بين أخيه الحسن طهر. و ولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.

و أما الوهم في تاريخ موته، فأجمع أهل التاريخ: أنه قتل في المحرم، سنة أحدى و ستين، إلا هشام ابن الكلبي، فإنه قال: سنة اثنتين

____________

(1) راجع الكافي ج 1 ص 387، و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 50 و البحار ج 43 ص 245 و 254 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 12 و تفسير البرهان ج 4 ص 173 و علل الشرايع ص 206.

(2) البحار ج 43 ص 250.

(3) راجع بالإضافة إلى ما قدمناه في المجلد الرابع: روضة الواعظين ص 154 و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 70.

49

و ستين، و هو وهم أيضا» (1) .

و نزيد نحن في توضيح ذلك: أن معنى كلام أبي نعيم: هو أن الإمام الحسين «عليه السلام» ، قد ولد قبل الهجرة بست سنين، مع أن عليا «عليه السلام» قد تزوج بالزهراء بعد الهجرة، و ولدت له الحسن «عليه السلام» في سنة ثلاث.

أضف إلى ذلك: أن أبا الفرج يقول: «إن الأصح هو أنه عليه السلام قد استشهد يوم الجمعة، لا يوم السبت‏ (2) . و يقول عن القول بأنه استشهد يوم الإثنين: إنه: «لا أصل له، و لا حقيقة، و لا وردت فيه رواية» (3) . غ

رواية أخرى لا تصح:
قال أبو الفرج: «و روى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد: أن الحسين بن علي قتل و له ثمان و خمسون سنة، و ان الحسن كذلك كانت سنوّه يوم مات، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و علي بن الحسين، و أبو جعفر محمد بن علي» (4) .

____________

(1) راجع فيما تقدم: تاريخ بغداد ج 1 ص 142 و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق؛ بتحقيق المحمودي ص 282.

(2) مقاتل الطالبيين ص 78.

(3) مقاتل الطالبيين ص 79 و راجع ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 281.

(4) مقاتل الطالبيين ص 79 و راجع الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 382 و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 279 و في هامشه عن الطبراني في المعجم الكبير و ليس في رواية الطبراني ذكر للإمام الحسن «عليه السلام» و كذا في مجمع الزوائد ج 9 ص 198 عن الطبراني أيضا.

50

قال سفيان: «و قال لي جعفر بن محمد: و أنا بهذا السن في ثمان و خمسين سنة، فتوفي فيها رحمة اللّه عليه» (1) .

قال أبو الفرج: «و هذا وهم، لأن الحسن، ولد سنة ثلاث من الهجرة، و توفي في سنة إحدى و خمسين، و لا خلاف في ذلك، و سنه على هذا ثمان و أربعون سنة، أو نحوها» (2) .

و نقول:

أولا: قول أبي الفرج، عن الإمام الحسن إنه «توفي سنة إحدى و خمسين، و لا خلاف في ذلك» . محل نظر، إذ أن كثيرين يقولون: إنه «عليه السلام» قد توفي في سنة تسع و أربعين، و قيل في سنة خمسين و قيل في سنة ثمان و أربعين و قيل غير ذلك‏ (3) .

و بالنسبة لسن السجاد و الباقر عليهما السلام، فهو أيضا ليس على حسب ما جاء في الرواية، فليراجع البحار و الكافي، و غير ذلك من المصادر المشار إليها في الهامش على الفقرة السابقة.

و ثانيا: بالنسبة للمدة التي عاشها الإمام الصادق «عليه السلام» ،

____________

(1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 382.

(2) مقاتل الطالبيين ص 79.

(3) راجع المستدرك للحاكم ج 3 ص 169 و الإصابة ج 1 ص 331 و الإستيعاب بهامشها ج 1 ص 374 و البدء و التاريخ ج 5 ص 74 و نظم درر السمطين ص 204 و 205 و أعلام الورى ص 206 و الفصول المهمة لإبن الصباغ ص 151 و نور الأبصار ص 123 و الإرشاد للمفيد ص 211 و روضة الواعظين ص 168 و المناقب لإبن شهر آشوب ج 4 ص 29 و المعارف لإبن قتيبة ص 212 و كفاية الطالب ص 415 و أسد الغابة ج 2 ص 14 و ذخائر العقبى ص 141-142 و تذكرة الخواص ص 211 و الكافي ج 1 ص 383 و 384 و غير ذلك كثير، و راجع البحار ج 44 ص 132-164 و مجمع الزوائد ج 9 ص 179.

51

فالمقل يقول: إنه «عليه السلام» قد عاش ثلاثا و ستين سنة، و الأكثر على انه عاش خمسا و ستين، و قيل أكثر من ذلك‏ (1) . غ

اشتباهات حسابية:
و هذه الإشتباهات كثيرة، نذكر منها ما يلي:

1-قال المقدسي: «قتل الحسين «عليه السلام» سنة إحدى و ستين من الهجرة، يوم عاشوراء، و هو يوم الجمعة، و كان قد بلغ من السن ثمانيا و خمسين سنة» (2) .

و قال في موضع آخر: «قتل يوم عاشوراء سنة إثنتين و ستين» (3) .

و التنافي بين هذين القولين ظاهر.

كما انه بعد ذكره: ان الحسن (ع) قد توفي سنة سبع و أربعين‏ (4) ذكر: «ان الحسين (ع) قد قتل سنة اثنتين و ستين، بعد الحسن بسبع عشرة سنة» (5) . مع أن ما بين سبع و أربعين و إثنتين و ستين هو خمس عشرة سنة لا أكثر.

و في مورد آخر يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الحسن بعشرة اشهر أي في السنة الرابعة (6) ، ثم يذكر أنه استشهد سنة

____________

(1) راجع: البحار ج 47 ص 1 حتى ص 11.

(2) البدء و التاريخ ج 6 ص 12.

(3) المصدر السابق ج 5 ص 75.

(4) المصدر السابق ج 5 ص 74.

(5) المصدر السابق ج 5 ص 75.

(6) المصدر السابق ج 5 ص 75.

52

إحدى و ستين و عمره ثمان و خمسون سنة. مع أن عمره يكون سبعا و خمسين سنة.

إلا أن يكون قد أضاف أشهرا يسيرة على العمر الصحيح، الذي هو سبع و خمسون سنة و أشهرا.

كما أنه تارة يذكر أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الحسن «عليه السلام» بعشرة أشهر و عشرين يوما، و أن الحسن قد ولد في السنة الثالثة.

و تارة يذكر: أن الحسين (ع) قد ولد بعد الهجرة بسنتين‏ (1) .

2-و يصرح إبن الوردي، و غيره بأن الحسين «عليه السلام» قد ولد سنة اربع‏ (2) و توفي سنة إحدى و ستين. و لكنه يغلط بالحساب، فيقول:

«و الصحيح: أن عمره رضي اللّه عنه و عنا بهم: خمس و خمسون سنة و أشهر (3) .

3-و قال الحافظ عبد العزيز: ولد في شعبان سنة أربع، و قتل يوم، عاشوراء سنة إحدى و ستين، و هو إبن خمس و خمسين سنة و ستة أشهر (4) .

و الخطأ في حساب سني عمره الشريف واضح، و الصحيح: أن عمره سبع و خمسون سنة و أشهر.

4-أما الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى، فإنه ذكر أن ولادته «عليه

____________

(1) البدء و التاريخ ج 6 ص 20.

(2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 293.

(3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 233 و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص 293.

(4) كشف الغمة ج 2 ص 252.

53

السلام» كانت في شعبان سنة أربع و وفاته في يوم عاشوراء سنة إحدى و ستين، و عمره ثمان و خمسون سنة (1) .

و قد قدمنا: أن الصواب هو أن عمره سبع و خمسون سنة و أشهر، و لعله رحمه اللّه لم يعتن بهذه الأشهر الباقية، فأطلق حكمه ذاك على سبيل التسامح.

____________

(1) الإرشاد ص 218 و 283.

غ

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}