الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج19

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
350 /
5

الجزء التاسع عشر

تتمة القسم الثامن‏

الباب العاشر بين خيبر و مؤتة

الفصل الأول: فتح وادي القرى.. ورد الشمس‏

الفصل الثاني: سرايا بين وادي القرى و عمرة القضاء

الفصل الثالث: شخصيات و أحداث.. إلي عمرة القضاء

الفصل الرابع: تكبيرات صلاة الميت.. و صلاة الغائب‏

الفصل الخامس: إلي مكة.. لأجل العمرة

الفصل السادس: من مكة إلي المدينة

الفصل السابع: سرايا و أحداث إلي مؤنة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأول:

فتح وادي القرى.. ورد الشمس‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

انصراف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من خيبر إلى وادي القرى:
و بعد فتح خيبر، انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى وادي القرى..

قال محمد بن عمر: لما انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن خيبر، و أتى الصهباء سلك على برمة، حتى انتهى إلى وادي القرى، يريد من بها من يهود.

قال أبو هريرة: نزلناها أصيلا مع مغرب الشمس، رواه ابن إسحاق.

قال البلاذري: فدعا أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا من ذلك، و قاتلوا، ففتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، و غنمه اللّه أموال أهلها، و أصاب المسلمون منهم أثاثا و متاعا، فخمس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، و تركت الأرض و النخل في أيدي يهود، و عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر (1) .

و كان أبو هريرة يحدث فيقول: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر إلى وادي القرى، و كان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و 149 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و معجم البلدان ج 5 ص 345 و فتوح البلدان ج 1 ص 39 و عن عيون الأثر ج 2 ص 151.

10

وهب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبدا أسود يقال له: مدعم و كان يرحّل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود، و قد ضوى إليها ناس من العرب، فبينما مدعم يحط رحل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد استقبلتنا يهود بالرمي حيث نزلنا، و لم نكن على تعبئة، و هم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر، فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كلا و الذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم، لم يصبها المقسم، تشتعل عليه نارا» (1) .

فلما سمع الناس بذلك، جاء رجل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بشراك أو شراكين، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «شراك من نار، أو شراكان من نار» .

و عبأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه للقتال، و صفّهم، و دفع

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و 149 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 235 و المحلى ج 7 ص 350 و نيل الأوطار ج 8 ص 136 و عن صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 76 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 615 و سنن النسائي ج 7 ص 24 و الديباج على مسلم ج 1 ص 130 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 188 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 498 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 283 و فتوح البلدان ج 1 ص 39 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 241 و 248 و ج 5 ص 341 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 40 و عن عيون الأثر ج 2 ص 152 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 401 و 412 و ج 4 ص 631.

11

لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر.

ثم دعاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الإسلام، و أخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، و حقنوا دماءهم، و حسابهم على اللّه تعالى.

فبرز رجل منهم، فبرز له الزبير بن العوام فقتله.

ثم برز آخر، فبرز له الزبير فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب «عليه السلام» فقتله.

ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله.

ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله. حتى قتل منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحد عشر رجلا، كلما قتل رجل دعا من بقي إلى الإسلام‏ (1) .

و لقد كانت الصلاة تحضر يومئذ، فيصلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى اللّه و رسوله، فقاتلهم حتى أمسوا.

و غدا عليهم فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا بأيديهم، و فتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، و غنّمه اللّه تعالى أموالهم، و أصابوا أثاثا و متاعا كثيرا.

و أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بوادي القرى أربعة أيام.

و قسّم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، و ترك الأرض و النخيل بأيدي يهود، و عاملهم عليها.

قال البلاذري: و ولاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن سعيد

____________

(1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و 149 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59.

12

بن العاص، و أقطع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جمرة بن هوذة العذري رمية بسوطه من وادي القرى.

و نلاحظ هنا أمورا نجملها فيما يلي:

1-إن من حق كل أحد أن يدعو الآخرين إلى دينه، فإما أن يرفضوا، أو يقبلوا، و لا يستطيع أحد أن يكره أحدا على هذا الأمر، لأن القضية ترتبط بالعقل و القلب معا. فالعقل، و إن استسلم للدليل، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق الإيمان، إذ قد يلجأ إلى الجحود، و الإنكار، رغم وضوح الأمر لديه، و ذلك على قاعدة: وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ (1) .

2-و إن بعض الناس لا يكتفون بالجحود، فيتجاوزونه إلى الحرب و القتال، تماما كما فعل مشركو مكة، و كما فعل يهود وادي القرى، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاهم إلى اللّه تعالى، و من حقه ذلك.. و لكنهم لم يكتفوا بالإمتناع عن قبول الحق، بل أعلنوا الحرب عليه، و قاتلوه بغيا منهم، و كانوا هم الذين بدأوه بالعدوان، و استقبلت سهامهم المسلمين بمجرد وصولهم، و قبل أي سؤال أو جواب، و قتلوا أحد أصحابه حتى و هو ينزل رحل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأرض.

فكان لا بد أن يواجهوا جزاء هذا البغي، و فتح اللّه تعالى بلدهم عنوة، و غنّم اللّه المسلمين أموالهم، و صارت أرضهم للمسلمين..

3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد أن يمعن في مجازاتهم بما يستحقونه، بل اتخذ سبيل السهولة و العفو، فقبّلهم (أي كتب لهم بها

____________

(1) الآية 14 من سورة النمل.

13

قبالات، و جعلها بتصرفهم) الأرض، و عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.

4-و إن هذا العدوان السافر، الذي باشروه، قبل أي سؤال أو جواب، لم يمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن يعاملهم بالرحمة و الشفقة، فهو في نفس الوقت الذي يهيئ فيه جيشه، و يرفع من مستوى استعداده للردع- حيث عبأه، و أعطى الألوية و الرايات لأهلها-لم يبادر إلى المقابلة بالمثل، بل دعاهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما لهم إن أسلموا، و أعلمهم أنه ليس له طمع بأموالهم، بل المطلوب منهم هو الكف عن العدوان أولا، ثم إنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم.. فالمطلوب منهم هو إعلان الإسلام، و الحال أنه ليس مسؤولا عن دخائلهم، و ما في ضمائرهم. بل حسابهم في ذلك على اللّه تعالى..

و قد يقال: بأن دعوة الناس إلى الإسلام بهذا الشكل-أعني مجرد إعلان الشهادتين-قد تشجع الناس على النفاق، لحقن دمائهم، و حفظ أموالهم، و هذا يشكل تهديدا حقيقيا للإسلام فيما بعد؟!!

و نجيب:

إن هذا المحذور غير وارد، من حيث إن ذلك لا يشجع على النفاق، بل هو أول خطوة هامة جدا في سلسلة التنازلات، التي تسقط الإصرار على المقاومة، و تهيئ للإندماج الثقافي، و اعطاء المجال لإعمال الفكر و التعقل و التدبر في أمر هذا الدين و رفع العوائق عن ممارسة الحوار البناء الذي هو الخطوة الأهم على طريق الوصول إلى أسلمة المجتمعات تدريجا من خلال طي مراحل من التنازلات، التي تبقى تحت السيطرة و الهيمنة في نطاق‏

14

سياسة احتواء النشاطات المعادية و منعها عن التحرك بشكل علني و سافر، قد يشجع الكثيرين لاتخاذ نفس النهج العدواني الذي يمنع الكثيرين من رؤية الحقايق، و من التعامل معها بروية و أناة..

5-بل هو «صلى اللّه عليه و آله» لم يكف عن دعوتهم إلى اللّه تعالى، حتى حين بدأت الحرب و استمرت.. بل كان كلما قتل رجل منهم جدّد دعوته لمن بقي منهم إلى الإسلام.. أي أنه أبقى باب النجاة أمامهم مفتوحا، و لم يتخذ بغيهم و عدوانهم ذريعة للإيقاع بهم، رغم أن ذلك أن من حقه، و هذا هو الجزاء العادل لهم، بل هو قد استمر على معاملتهم بالإحسان، الذي هو فوق العدل..

و كان كلما حضر وقت الصلاة انصرف إليها، فيصلي بأصحابه، ثم يعود إليهم فيدعوهم إلى اللّه و رسوله..

6-ما ذكرته الرواية المتقدمة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى لواءه إلى سعد بن عبادة، و أعطى رايات إلى عباد بن بشر، و الحباب بن المنذر، و سهل بن حنيف.. لا يمكن قبوله، فقد تقدم في غزوة أحد: أن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء-أو صاحب راية-رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد..

7-بالنسبة لما ذكرته الرواية: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حكم على مدعم بكونه ليس من أهل الجنة؛ لأن الشملة التي غلها من غنائم خيبر تشتعل عليه نارا.. نقول:

قد تقدم منا حين الحديث عن غنائم خيبر، في فقرة الغلول في خيبر: أن أمثال هذه القضايا و الأخبار تحتاج إلى مزيد من التأمل و التدقيق في صحتها،

15

لأكثر من سبب و لا أقل من أنه أغراض بعض اصحاب المأرب الدنيئة حيث يتخذون منها وسلية للتستر، و تبرير و تقليل من بشاعة و شناعة فعل المجترئين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث اتهموه بأنه قد عل حتى احتاج إلى نزول الوحي في هذا.. فتأتي هذه الأباطيل لتقدم المبررات لشكوكهم و المسوغات، لإطلاق تلك التهم الشنيعة.. و اللّه هو العالم بالحقائق.

نوم النبي صلّى اللّه عليه و آله عن صلاة الصبح:
روى مسلم، و أبو داود عن أبي هريرة، و أبو داود عن ابن مسعود، و ابن إسحاق عن سعيد بن المسيب، و محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا:

انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وادي القرى راجعا بعد أن فرغ من خيبر و وادي القرى، فلما كان قريبا من المدينة سرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلته، حتى إذا كان قبيل الصبح بقليل نزل و عرّس، و قال: ألا رجل صالح حافظ لعينه، يحفظ علينا الفجر، لعلنا ننام؟

قال بلال: يا رسول اللّه، أنا أحفظه عليك.

فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قام بلال يصلي ما شاء اللّه أن يصلي.

ثم استند إلى بعيره، و استقبل الفجر يرقبه، فغلبته عينه، فنام، فلم يستيقظ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس‏ (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 149 و ج 8 ص 160، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و البحار ج 21 ص 42 و ج 17 ص 120 و عن الكازروني في كتاب المنتقى، و عن الموطأ ج 1 ص 13 و تنوير الحوالك ص 33 و المحلى ج 1 ص 6 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 138 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 227 و 228 و سنن أبي داود ج 1-

16

و في بعض الروايات: أن الألسنة أخذت بلالا و كان أشدهم عليه أبو بكر.

و ذكرت الروايات أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أول أصحابه هبّ، فقال: «ما صنعت بنا يا بلال» ؟

قال: يا رسول اللّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك.

قال: «صدقت» .

ثم اقتاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعيره غير كثير، ثم أناخ، و أناخ الناس فتوضأ، و توضأ الناس، و أمر بلالا فأقام الصلاة، فلما فرغ، قال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن اللّه عز و جل يقول:

وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي (1) » (2) .

____________

ق-ص 118 و 119 حديث رقم (435) و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 217 و عن فتح الباري ج 1 ص 380 و عون المعبود ج 2 ص 73 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 402 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 423 و إرواء الغليل ج 1 ص 292 و الدر المنثور ج 4 ص 293 و الكامل ج 5 ص 326 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 242 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 403 و المغازي للواقدي ج 2 ص 711 و 712 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 77 و صحيح البخاري باب 387 من أبواب مواقيت الصلاة أبواب .

(1) الآية 14 من سورة طه.

(2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 150 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و البحار ج 21 ص 42 عن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني، و الثقات ج 2 ص 22 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 304 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3

17

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» التفت إلى أبي بكر، و قال له: إن الشيطان أتى بلالا، و هو قائم يصلي، فلم يزل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى نام.

ثم دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلالا، فأخبر بلال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمثل ما أخبر به «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر.

فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللّه‏ (1) .

و في رواية: فاستيقظ القوم و قد فزعوا، فأمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، و قال: هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي‏ (2) .

و نقول:

إن ذلك لا يصح، و قد تحدثنا عنه أكثر من مرة، فإن هؤلاء القوم ما زالوا في المواطن المختلفة يذكرون هذا الأمر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد قلنا: إن رواياتهم ظاهرة الاختلاف فيما بينها..

____________

ق-ص 355 و عن الموطأ ج 1 ص 15 و راجع: كتاب الأم ج 1 ص 97 و المغازي- -للواقدي ج 2 ص 711 و 712 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 77 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 227 و 228 و سنن أبي داود ج 1 ص 118 و 119 و صحيح البخاري باب 387 من أبواب مواقيت الصلاة.

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و كتاب الموطأ ج 1 ص 15.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 59 و 60 و الموطأ ج 1 ص 14 و كتاب الأم ج 1 ص 97 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 449 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 48 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 121 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 460.

18

فهي تارة تقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان أول من استيقظ، حسبما تقدم.

و أخرى تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استيقظ على كلام جرى بين أصحابه‏ (1) .

و من جهة أخرى: فإنهم تارة يقولون: إن ذلك كان في حال رجوعه من الحديبية.

و أخرى: في مرجعه من حنين.

و ثالثة: في مرجعه من تبوك.

و رابعة: في مرجعه من وادي القرى‏ (2) .

و من جهة ثالثة: فتارة يقولون: إن حارسهم كان بلالا كما تقدم.

و أخرى: ابن مسعود (3) .

و ثالثة: أنه ذو مخبر (4) . و هو رجل حبشي كان يخدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 355 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 226 و سنن أبي داود ج 1 ص 118 و 119 و نصب الراية ص 282 و 283.

(2) راجع ما تقديم في المصادر التي ذكرناها في الهوامش المتقدمة بالإضافة إلى: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 368 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 423 و مجمع الزوائد ج 1 ص 318 و 323 و سنن أبي داود ج 1 ص 1222 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1015.

(3) نصب الراية ج 1 ص 282 و مجمع الزوائد ج 1 ص 318 و 319.

(4) مجمع الزوائد ج 1 ص 319 و 320.

غ

19

و رابعة: أنس‏ (1) .

و خامسة تقول: إنهم كانوا سبعة أشخاص، و قد ناموا كلهم‏ (2) .

و إن لا نستسيغ حتى احتمال حدوث هذه الواقعة، فضلا عن تكرارها مرات كثيرة، فإننا نبادر إلى القول: بأن ذلك كله يدل: على أن ثمة إصرارا قويا على نسبة هذا الأمر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ..

و مما يدلنا على عدم صحة هذه الترهات:

أولا: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد سرى في الناس في تلك الليلة، فذلك يعني أن الجميع مرهقون، و أنهم كلهم بحاجة إلى النوم، فالطلب من أي واحد منهم أن يبقى مستيقظا يكون على خلاف ما يقتضيه الرفق، بل فيه ترجيح من دون مرجح ظاهر، إذ لماذا ينعم هؤلاء بالراحة، و النوم الهادى‏ء، و الأحلام اللذيذة، و يبقى ذاك الآخر يغالب نفسه ليقهرها على مواصلة السهر، و معاناة التعب؟!

ثانيا: إن هذا النوم الذي يستغرق فيه جميع الجيش باستثناء شخص واحد، و هو نوم يأتي بعد الضنى، و التعب، و السهر، يفسح المجال لأي إنسان أو مجموعة شريرة للتسلل تحت جنح الظلام؛ للسرقة أو للفتك بمن أرادوا

____________

(1) سنن أبي داو باب من نام عن الصلاة ج 1 ص 119.

(2) مسند أحمد ج 5 ص 298 و صحيح مسلم ج 2 ص 139 و مسند ابن الجعد ص 450 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 214 و اللمع في أسباب ورود الحديث للسيوطي ص 37 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 181 و تاريخ مدينة دمشق ص 28 ص 69 و ج 67 ص 144 و البداية و النهاية ج 6 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 248 و سنن أبي داو باب من نام عن الصلاة ج 1 ص 118 و 119 ح 437.

20

منهم، حتى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا سيما إذا كان الحارس مشغولا بالصلاة، و متوجها إلى جهة واحدة، و لا يراقب سائر الجهات، و بالأخص إذا كان ذلك بالليل، حيث الظلام يصد البصر في كل اتجاه..

يضاف إلى ذلك: أنه إذا نام ألف و خمس مائة رجل و معهم من الإبل و الخيل المئات فإن المساحة التي يحتاجون إليها في نزولهم سوف تكون واسعة و شاسعة، يصعب مراقبة حالها حتى في وسط النهار، و حتى لو تشارك في هذا الأمر عدد من الرجال. فكيف إذا كان ذلك في الليل، فإن حراسة هذا الجيش من أي مكروه يتعرض له تحتاج إلى عشرات الرجال..

ثالثا: إننا لم نجد مبررا لأن يسري بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طوال الليل إلى قريب الصبح، إذ ليس هناك من عدو يخشى أن يسبقه إلى جهة لا يريد أن يسبقه إليها، و لا شي‏ء يخشى فواته، ليجهد نفسه، و يجهدهم من أجل الوصول إليه، و الحصول عليه..

رابعا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما تنام عيناه، و لا ينام قلبه‏ (1) .

فكيف ينام عن صلاة الصبح؟!..

خامسا: إن ما حصل لم يكن باختيار بلال، فلماذا يلام عليه؟و لماذا

____________

(1) أرشد في كتاب المعجم المفهرس لألفاظ السنة النبوية إلى المصادر التالية: صحيح البخاري، (التهجد) باب 16 (و التراويح) باب 1 (و المناقب) باب 24 و صحيح مسلم (مسافرين) 125 و سنن أبي داود (طهارة) 79 (تطوع) 26 و الجامع الصحيح (مواقيت) 208 (فتن) 63 و سنن النسائي (ليل) 36 و الموطأ (ليل) 9 و مسند أحمد ج 1 ص 220 و 278 و ج 2 ص 251 و 438 و ج 5 ص 40 و 50 و ج 6 ص 36 و 73 و 104.

21

تأخذه الألسنة فيه؟و لماذا يكون أشدهم عليه أبو بكر؟و لماذا لا يترك هذا أمره لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟!

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد قال: أرواحنا كانت بيد اللّه عز و جل فأرسلها أنى شاء.. فهل كان هؤلاء اللائمون أشد حرصا من نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ..

الشيطان و بلال:
و أما حديث الشيطان و بلال، فلا مجال لقبوله أيضا لأكثر من سبب..

فأولا: إن بلالا قد شعر بهذا الشيطان حين جاء إليه، و صار يهدئه، حسبما صرحت به الرواية، فلماذا لم يسأله-بلال-عن نفسه من هو؟..

و كيف اطمأن و استسلم إليه، إلى حد أنه جعل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى ينام؟!.. مع أنه شخص غريب عنه، و لا يعرف عنه شيئا؟!

و ألم يكن المفروض ببلال أن ينذر النائمين بوجود هذا الغريب؟!

و أليس ذلك هو مهمته التي سهر من أجلها؟!

ثانيا: إن الرواية تقول: إن الشيطان قد جاء إلى بلال و هو يصلي، و صار يهدئه حتى ينام، مع أن الروايات المتقدمة صرحت: بأن بلالا قد صلى ما شاء اللّه أن يصلي، ثم أسند ظهره إلى بعيره، و استقبل الفجر يراقبه، فغلبته عينه، فنام..

ثالثا: بالنسبة لخروجهم من ذلك الوادي الذي كان به شيطان نسأل:

لماذا لم يهرب الشيطان من ذلك الوادي بمجرد وصول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليه؟!..

22

و هل لذلك الشيطان دور في نومه «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاته؟!..

و كيف يكون له دور في ذلك، و اللّه تعالى يقول: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطََانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ؟! (1) .

رابعا: أين كان عمر بن الخطاب آنذاك؟!

أليس يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر؟! (2) أو: ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك؟! (3) .

____________

(1) الآية 99 من سورة النحل.

(2) أسد الغابة ج 4 ص 64 و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 58 و مسند أحمد ج 5 ص 353 و 354 باختلاف، و دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 391 عن الترمذي و ج 2 ص 293 و صححه هو و البغوي في مصابيحه، و ليراجع: الغدير ج 8 ص 64 و 65. و السيرة الحلبية ج 2 ص 62 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 77 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 131.

(3) عن صحيح البخاري ج 4 ص 96 و 199 و ج 7 ص 93 و 115 فضائل أصحاب النبي (6) و الأدب (68) و بدء الخلق (11) ، و عن صحيح مسلم ج 15 ص 165 و الصحابة (22) و مسند أحمد ج 1 ص 171 و 182 و 187 و البحار ج 31 ص 25 و الغدير ج 8 ص 94 و إقحام الأعداء و الخصوم ص 104 و عن فتح الباري ج 7 ص 38 و ج 10 ص 399 و ج 11 ص 457 و الديباج على مسلم ج 5 ص 308 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 122 و 123 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 60 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 133 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 316 و رياض الصالحين ص 690 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 178 و كنز العمال ج 11 ص 575 و ج 12 ص 602 و كشف الخفاء ج 2 ص 344 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 205 و المستصفى للغزالي‏

23

بل إن شياطين الجن و الإنس يفرون منه‏ (1) كما رووا عنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟!

فلماذا لم يسلك هذا الشيطان المزعوم فجا آخر غير ذلك الوادي، ألم يعلم: أن عمر قد نزل فيه؟!

إلا أن يقال: إن الشيطان قد استغل فرصة نوم عمر لينال من بلال!!

خامسا: لماذا يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بالخروج من الوادي، لأن فيه شيطانا؟!أليس في ذلك تخويف لهم من الشيطان إلى حد أنه «صلى اللّه عليه و آله» يحملهم على الهروب من الوادي!!

ألم يكن الأنسب أن يقويهم، و يرفع من معنوياتهم ضد ذلك الشيطان؟! و يعلّمهم ما يوجب خزيه و هروبه؟!

____________

ق-ص 170 و المحصول ج 6 ص 134 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 181 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 78 و 80 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 275.

(1) دلائل الصدق ج 1 ص 390 و التاج الجامع للأصول ج 3 ص 314 و الغدير ج 8 ص 65 و عن مصابيح السنة ج 2 ص 271 و عن مشكاة المصابيح ص 550 و عن الرياض النضرة ج 2 ص 208 و حياة الصحابة ج 2 ص 760 و 761 عن منتخب كنز العمال ج 4 ص 393 عن ابن عساكر، و ابن عدي، و المشكاة ص 272 عن الشيخين و المسترشد ص 185 و أضواء على الصحيحين ص 304 و سنن الترمذي ج 5 ص 285 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 124 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 309 و الجامع الصغير ج 1 ص 401 و فيض القدير ج 3 ص 16 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 82.

24

رد الشمس لعلي عليه السّلام في خيبر:
و ذكروا: أن الشمس قد ردت-بعدما غربت-لعلي «عليه السلام» في الصهباء، قرب خيبر (1) .

و في بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مشغولا بقسم الغنائم في خيبر.

و في نص آخر: كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسله في حاجة فعاد، فنام «صلى اللّه عليه و آله» على ركبته، و صار يوحى إليه.. فغابت الشمس، أو كادت.

و في بعض الروايات: أنها قد ردت إليه مرات عديدة، و قد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا: «رد الشمس لعلي عليه السّلام» ، فراجع.

غير أننا سوف نكتفي هنا: بالإلماح إلى نقاط يسيرة، حول ما كان في

____________

(1) مصادر ذلك كثيرة، فراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 517 و مشكل الآثار ج 2 ص 9 و ج 4 ص 389 و كفاية الطالب ص 385 و الشفاء ج 1 ص 284 و المعجم الكبير ج 24 ص 145 و كنز العمال ج 12 ص 349 و عمدة القاري ج 15 ص 43 و البداية و النهاية ج 6 ص 80 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 338 و 339 و 340 و منهاج السنة ج 4 ص 191 و 188 و 189 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 201 و السيرة الحلبية ج 1 ص 386 و 385 و البحار ج 41 ص 167 و 174 و 179 و ج 21 ص 42 و 43 عن علل الشرائع ص 124 و عن المناقب ج 1 ص 359 و 361 و عن الخرايج و الجرايح، و نسيم الرياض ج 3 ص 10 و 11 و 12 و المواهب اللدنية ج 2 ص 209 و 210 و تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و عن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني.

25

غزوة خيبر، فنقول:

رواة حديث رد الشمس:
إن حديث رد الشمس لعلي «عليه السلام» في المواضع المختلفة قد روي عن ثلاثة عشر صحابيا، و قد وردت رواية اثني عشر منهم في مصادر أهل السنة أيضا. و هم:

1-علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

2-و الإمام الحسين «عليه السلام» .

3-و أسماء بنت عميس.

4-و أبو هريرة.

5-و أبو ذر.

6-و أم هانئ.

7-و عبد خير.

8-و أم سلمة.

9-و جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

10-و أبو سعيد الخدري.

11-و سلمان.

12-و أنس.

13-و أبو رافع مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

____________

(1) تجد هذه الروايات في: كتاب مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 96 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 170 و مشكل الآثار ج 2 ص 8 و ج 4 ص 388-390

26

____________

ق-و كفاية الطالب ص 381-388 و فتح الملك العلي ص 16 و 17 و 18 و 19- -و 21 و 141 و 144 و عن الرياض النضرة ص 179 و 180، و راجع:

البداية و النهاية ج 6 ص 77-87 و المناقب للخوارزمي ص 306 و 307 و لسان الميزان ج 5 ص 76 و 140 و 301 و كنز العمال ج 12 ص 349 و ج 11 ص 524 و ج 13 ص 152 و الشفاء لعياض ج 1 ص 284 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 283-307 و تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و صفين لنصر بن مزاحم ص 135 و ينابيع المودة للقندوزي ص 138 و تذكرة الخواص ص 49-53 و نزل الأبرار ص 76-79 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 3 ص 327 و 328 و لسان الميزان ج 5 ص 140 و المعجم الكبير ج 24 ص 145-158 و منهاج السنة ج 2 ص 186-195 و مجمع الزوائد ج 3 ص 50 و ج 8 ص 297 و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 220 و 428 و المقاصد الحسنة للسخاوي ص 226 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 324 و عمدة القاري للعيني ج 15 ص 43 و اللآلي المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 336-341 و الفصل لابن حزم ج 2 ص 87 و ج 5 ص 3 و 4 عن كتاب رد الشمس للفضلي العراقي و فتح الباري ج 6 ص 155 عن الطبراني في الكبير، و الحاكم، و البيهقي في الدلائل، و الطحاوي، و فرائد السمطين ج 1 ص 183، و نهج السعادة ج 1 ص 117 و ج 7 ص 448 و 449 و الإمام علي «عليه السلام» لأحمد الهمداني ص 177-179 و إفحام الأعداء و الخصوم ص 26 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 45-47 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 96 و حقائق التأويل ص 74 و شواهد التنزيل ج 1 ص 9 و 10-16 و رجال النجاشي ص 85 و 428 و الفهرست ص 79 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 225 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج 1 ص 111-114 و 117 و 118 و 119 و الإحتجاج (ط النجف) ج 1 ص 166 و مائة منقبة ص 8 و المستجاد من‏

27

____________

ق-الإرشاد ص 135 و الصراط المستقيم ج 1 ص 16 و 99 و 104 و 153 و 201- -و حلية الأبرار ج 2 ص 327 و كشف الظنون ج 2 ص 1494 و بشارة المصطفى، و مرآة الجنان ج 4 ص 178 و الجامع لأحكام القرآن ج 15 ص 97 و علل الشرائع ج 2 ص 48-50 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 201 و 202 و السيرة الحلبية ج 1 ص 383-387 و البحار ج 41 ص 166-191 و ج 21 ص 43 و ج 97 ص 217 و ج 99 ص 30 و ج 17 ص 357 و 358 و ج 55 ص 166 و ج 80 ص 317 و 318 و 324 و 325 و قرب الإسناد ص 82 و الخرايج و الجرايح ج 2 ص 500 و 502 و المناقب لابن شهر آشوب (ط الحيدري) ج 3 ص 51، و عن أمالي المفيد ص 94، و عن الكافي ج 4 ص 561 و 562 و أمالي ابن الشيخ ص 64 و عن السرائر و عدة الداعي ص 88 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 346 و تفسير العياشي ج 2 ص 70 و تفسير البرهان ج 2 ص 98 و ج 4 ص 387 و نسيم الرياض ج 3 ص 10-14 و شرح الشفاء للملا علي القاري (بهامش نسيم الرياض) ج 3 ص 10-13 و إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 16 ص 316-331 و ج 5 ص 521-539 و ج 21 ص 261- 271 و فيض القدير ج 5 ص 440 و المواهب اللدنية ج 2 ص 209-211 و شرح المواهب للزرقاني ج 6 ص 284-294.

و راجع أيضا: عيون المعجزات ص 7 و 4 و 136 و بصائر الدرجات ص 217 و 239 و 237 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 135-138 و كتاب المزار الكبير لابن المشهدي ص 258 و 205 و إقبال الأعمال ج 3 ص 130 و المزار للشهيد الأول ص 91 و وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 81 و ج 14 ص 255 و ج 3 ص 469 و ج 10 ص 277 و ج 30 ص 30 و 38 و ج 19 ص 328 و 340 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 130 و 611 و الهداية الكبرى ص 123-130 و المسترشد ص 265 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 516 و

28

و هذا الحدث متواتر، فلا حاجة إلى امتكم حول اسانيده و قد صححه، أو حسنه عدد من الحفاظ، من علماء أهل السنة أنفسهم، مثل الطحاوي، و عياض، و أبي زرعة، و الطبراني، و أبي الحسن الفضلي، و القسطلاني، و دحلان، و غيرهم‏ (1) .

و قال الدياربكري: و هذا حديث ثابت الرواية عن ثقات‏ (2) .

بل قال بعضهم: يتعذر الحكم على هذا الحديث بالضعف‏ (3) .

____________

ق-518 و 519 و 520 و 521 و خاتمة المستدرك ج 4 ص 94 و 224 و 226- -و روضة الواعظين ص 129 و 130 و خصائص الأئمة ص 52 و 56 و 57 و الخصال ص 550 و معالم العلماء ص 56 و 78 و 113 و 152 و إيضاح الإشتباه ص 102 و رجال ابن داود ص 39 و نقد الرجال ج 1 ص 129 و ج 5 ص 353 و 351 و جامع الرواة ج 1 ص 53 و ج 2 ص 531 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 2 ص 77 و تهذيب المقال ج 2 ص 22 و ج 3 ص 353 و 356 و ج 4 ص 453 و تذكرة الحفاظ ج 3 ص 1200 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 544 و الكشف الحثيث ص 44 و إعلام الورى ج 1 ص 350 و 351 و قصص الأنبياء للراوندي، و نهج الإيمان لابن حجر ص 70 و كشف اليقين ص 112 و دفع الشبهة عن الرسول للحصني الدمشقي ص 206 و مدينة المعاجز ج 1 ص 196 و 197 و 202 و 205 و 207 و 210 و 217 و ج 4 ص 258 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 12 و 417 و 419 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 147.

(1) راجع كتابنا: رد الشمس لعلي «عليه السلام» ، فصل: الأسانيد و الرواة.

(2) تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و البحار ج 21 ص 43 عن المنتقى في مولد المصطفى.

(3) راجع: البحار ج 41 ص 175 عن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 359-365 و البداية و النهاية ج 6 ص 79 و 80 و 87 و المواهب اللدنية ج 2

غ

29

لماذا لم تنقل الأمم ذلك؟!
و قد حاولوا التشكيك بهذا الحادثة، بأن الشمس لو ردّت بعدما غربت لرآها المؤمن و الكافر، و هو أمر غريب تتوفر الدواعي على نقله، فالمفروض أن ينقله جماعة كثيرة من الأمم المختلفة (1) .

و الجواب:

أولا: إن الدواعي لدى كثير من أهل الإسلام كانت متوفرة على كتمان هذا الحديث، لأنه مرتبط بعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي سبوه حوالي ألف شهر على منابرهم، و لم يدخروا وسعا في تصغير قدره، و إبطال أمره، و التشكيك بفضائله، و إنكار مقاماته إن أمكنهم ذلك.

و رغم ذلك، فإن هذه الحادثة قد نقلت عن ثلاثة عشر صحابيا.

ثانيا: إن الشمس قد حبست ليوشع بالاتفاق، و هو حدث كوني أيضا، و إنما وصل إلينا خبر ذلك بواسطة الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم‏ (2) .

و لم تنقله الأمم في كتاباتها، و لا أهل الأخبار في مروياتهم.

و قد عبرت بعض الروايات: بحبس الشمس لعلي «عليه السلام» ..

كما أن بعضها قال: إن الشمس حين ردّت، كانت قد غابت، أو كادت

____________

قص 211 و منهاج السنة ج 4 ص 187 و 189 و غير ذلك.

(1) راجع: البحار ج 41 ص 175 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 359- 365، و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 79 و 80 و راجع ص 87 و المواهب اللدنية ج 2 ص 211 و منهاج السنة ج 4 ص 187 و 189. و غير ذلك..

(2) منهاج السنة ج 4 ص 184.

30

تغيب‏ (1) .

فلماذا لا يقال: إن الشمس حبست في بعض المرات، و ردّت في بعضها الآخر، في وقت كان نورها لا يزال غامرا للأفق، فلم يلتفت الناس إلى ما جرى، إلا الذين كانوا يراقبونها، كأولئك الذين جرت القضية أمامهم، و يريد اللّه و رسوله أن يريهم هذه الكرامة لعلي «عليه السلام» ..

ثالثا: سيأتي إن شاء اللّه تعالى: أن حصول هذا الأمر كان على سبيل الكرامة و الإعجاز الإلهي، و إنما يجب أن يري اللّه تعالى معجزته لمن أراد سبحانه إقامة الحجة عليه و إظهار كرامة له، كما سيتضح.

لم تحبس الشمس إلا ليوشع:
و زعم أبو هريرة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع، أو نحو ذلك. و قد تمسك البعض بهذا الحديث لإنكار حديث رد الشمس‏ (2) .

____________

(1) راجع: البحار ج 17 ص 359 و ج 80 ص 324 عن صفين للمنقري، و عن الخرائج و الجرائح، و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 77، و تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ترجمة الإمام على ج 2 ص 292 و (ط دار الفكر) ج 42 ص 314 و الموضوعات لابن الجوزي (ط أولى) ج 1 ص 51 و غير ذلك كثير.

(2) السيرة الحلبية ج 1 ص 285 و راجع الحديث في: مشكل الآثار ج 2 ص 10 و ج 4 ص 389 و عن المعتصر من المختصر، و تذكرة الخواص ص 51 و نزل الأبرار ص 78 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 170 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 3 ص 328 و كنز العمال ج 11 ص 524 و فتح الباري ج 6 ص 154 و البداية و النهاية ج 6-

31

و يرد عليه:

أولا: إن أبا هريرة لا يؤتمن فيما يرويه على علي «عليه السلام» ، كيف و قد ضرب على صلعته في باب مسجد الكوفة، ثم روى لهم حديث: من أحدث في المدينة أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه. ثم شهد باللّه أن عليا «عليه السلام» أحدث في المدينة (1) .

مكذبا بذلك آية التطهير، و جميع أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق علي «عليه السلام» ، مثل أن عليا مع الحق و الحق مع علي، و نحو ذلك..

و من جهة أخرى، فقد روي عن علي «عليه السلام» قوله: ألا إن أكذب الناس، أو أكذب الأحياء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أبو هريرة (2) .

____________

ق-ص 79 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 202 و نسيم الرياض ج 3 ص 10 و 11 و بهامشه شرح الشفاء للقاري ج 3 ص 11 و 13 و الجامع الصغير حديث رقم (7889) و مسند أحمد (ط دار الحديث في القاهرة) ج 8 ص 275 و المواهب اللدنية ج 2 ص 210.

(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 67 و أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 218 و شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبي رية ص 237 و الغارات للثقفي ج 2 ص 659 و خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 3 ص 255 و النص و الإجتهاد ص 514 و كتاب الأربعين لمحمد طاهر الشيرازي ص 296 و وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 45.

(2) الإيضاح لابن شاذان ص 496 و الغارات للثقفي ج 2 ص 660 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 68 و أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 204-

32

و قد وضع معاوية قوما من الصحابة و التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي «عليه السلام» ، تقتضي الطعن فيه، و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب فيه، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة (1) .

ثانيا: لو صح هذا الحديث، فلعل أبا هريرة قد دلس فيه، و رواه عن شخص آخر. و يكون صدور هذا الحديث عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل رد الشمس لعلي «عليه السلام» في خيبر و في بدر..

ثالثا: إن هذا الحديث لو صح: فإنما ينفي حبس الشمس لغير يوشع، و لا ينفي ردها..

رابعا: قد روي حبسها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صبيحة الإسراء، و في الخندق‏ (2) .

خامسا: قد حبست الشمس، و ردّت لغير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، فقد روي: أنها حبست لداود «عليه السلام» .

____________

ق-و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 160 و شيخ المضيرة أبو هريرة، لمحمود أبي رية ص 135 عن سير أعلام الذهبي ج 2 ص 435. و راجع: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 16.

(1) المناقب للخوارزمي ص 205 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 63 و 64.

(2) راجع: عمدة القاري ج 15 ص 42 و 43، و راجع: فتح الباري ج 6 ص 155 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 202 و السيرة الحلبية ج 1 ص 383 و نسيم الرياض ج 3 ص 11 و 12 و 13 و بهامشه شرح الشفاء للقاري ج 3 ص 13 و فيض القدير ج 5 ص 440 و البحار ج 17 ص 359 و المواهب اللدنية ج 2 ص 210 و 211.

33

و ردت لسليمان «عليه السلام» .

و حبست لموسى «عليه السلام» .

و زعموا: أنها حبست لأبي بكر.

و حبست في أيام حزقيل.

و زعموا: أنها حبست للحضرمي‏ (1) .

سادسا: قال الشافعي: إن الشمس إذا كانت قد حبست ليوشع ليالي قتال الجبارين، فلا بد أن يقع نظير ذلك في هذه الأمة أيضا (2) .

الذين يرون المعجزة:
و بعد.. فإن الذين يجب أو يمكن أن يروا المعجزة هم:

إما الصفوة الأخيار، الذين تزيدهم يقينا و إيمانا.

و إما الذين يراد إقامة الحجة عليهم، أو ردّ التحدي الوارد من قبلهم، و تحطيم كبريائهم، و بغيهم.

و يراها أيضا أولئك الذين خدعوا بهؤلاء، من أجل تعريفهم بزيفهم، و بباطلهم، و جحودهم..

و أما الآخرون الغافلون فقد يجب أن لا يراها الكثيرون منهم، و هم الذين يصابون بالخوف، و الهلع، الذي يفقد إيمانهم قدرته على التأثير في جلب المثوبة لهم، لأن المناط في جلب المثوبة هو الإختيار، البعيد عن أجواء

____________

(1) راجع كتابنا: رد الشمس لعلي «عليه السلام» ص 63-65 للاطلاع على بعض تفاصيل ذلك، و على بعض مصادره.

(2) نسيم الرياض ج 3 ص 12 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 341.

34

الإلجاء، و الاضطرار، ليكون إيمانا مستندا إلى الوعي و الالتفات، و إلى القناعة الناتجة عن روية و تبصر، و عن تأمل و تفكر، و وعي و تدبر.

إختلال النظام الكوني:
و قد زعموا أيضا: أن رد الشمس لعلي «عليه السلام» غير ممكن، لأنه يوجب اختلال الأفلاك‏ (1) .

و نقول:

أولا: إن أمر الكون بيد اللّه تعالى، فهو يخضعه للمعجزة، دون أن يوجب حدوثها أي اختلال في نظامه.. لأن صانع المعجزة هو إله قادر عالم حكيم.. و ليس عاجزا و لا جاهلا.

ثانيا: إن هذا الكلام لو صح للزم تكذيب جميع المعجزات التي لها ارتباط بالنظام الكوني، و من ذلك معجزة انشقاق القمر. و معجزة حبس الشمس ليوشع. و غير ذلك..

لو ردت لعلي عليه السّلام لردت للنبي صلّى اللّه عليه و آله:
و قالوا: لو ردت الشمس لعلي «عليه السلام» لردت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما نام هو و أصحابه عن صلاة الصبح في الصهباء، و هو راجع من غزوة خيبر نفسها (2) .

____________

(1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 385 و البحار ج 41 ص 175 و تذكرة الخواص ص 52 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 359-365.

(2) البداية و النهاية ج 6 ص 79 و 80 و 87 و راجع: منهاج السنة ج 4 ص 187 و 189.

35

و نقول:

أولا: تقدم: أن حديث نوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاة الصبح لا يمكن قبوله.

ثانيا: تقدم أيضا: أن الشمس ردت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة الخندق و غيرها، و حبست له «صلى اللّه عليه و آله» حين الإسراء.

و تقدم أيضا: أنها ردّت و حبست لغيره من الأنبياء و الأوصياء السابقين..

بل زعموا: أن ذلك قد حصل لغير هؤلاء أيضا من هذه الأمة، حيث تقدم أنهم زعموا: أنها حبست للحضرمي، و لأبي بكر أيضا.

ثالثا: قال الخفاجي: «إنما ردت إلى علي «عليه السلام» ببركة دعائه «صلى اللّه عليه و آله» . مع أن كرامات الأولياء في معنى معجزات الأنبياء» .

إلى أن قال: «مع أن المفضول قد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل. كما يلزم منه القول بعدم حبسها ليوشع» (1) .

و لعله يقصد بقوله: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل: أن بعض المصالح قد توجب حدوث أمر للمفضول، و لا يكون هناك ما يوجب حدوثه للفاضل..

فإذا كان هناك من سوف يعاند عليا «عليه السلام» في إمامته، و في خصوصيته، و في أفضليته على البشر جميعا، باستثناء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن اللّه يختصه بكرامات تثبت لهم ذلك كله، و تقيم عليهم الحجة فيهم، فيولد علي «عليه السلام» في الكعبة، و لا يولد رسول اللّه

____________

(1) شرح الشفاء للقاري (مطبوع مع نسيم الرياض) ج 3 ص 13.

36

«صلى اللّه عليه و آله» فيها، و يقلع علي «عليه السلام» باب حصن خيبر، و ترد له الشمس و.. و.. الخ.. و لا يكون هناك ما يقتضي حدوث ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ..

علي عليه السّلام لا يترك الصلاة:
و قالوا: إن عليا «عليه السلام» أجلّ من أن يترك الصلاة (1) . فإذا ورد ما ينسب ذلك إليه، فلا بد من ردّه.

و نقول:

أولا: صرح النص الذي ذكر رد الشمس لعلي «عليه السلام» في منزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة، بأن عليا «عليه السلام» قد صلى إيماء، و أراد اللّه أن يظهر كرامته، فردها عليه ليصلي صلاة المختار.

ثانيا: ذكرت بعض النصوص: أن اللّه تعالى رد الشمس عليه، أو حبسها له بعدما كادت تغرب.

و هذا معناه: أن صلاة العصر لم تكن قد فاتته، لأن وقتها يمتد إلى وقت غروب الشمس.

و قد قال ابن إدريس في السرائر: «و لا يحل أن يعتقد أن الشمس غابت، و دخل الليل، و خرج وقت العصر بالكلية، و ما صلى الفريضة «عليه السلام» ، لأن هذا من معتقده جهل بعصمته «عليه السلام» ، لأنه يكون مخلا بالواجب المضيق عليه. و هذا لا يقوله من عرف إمامته، و اعتقد

____________

(1) منهاج السنة ج 4 ص 186 و 195.

37

بعصمته» (1) .

و على كل حال: فإن مناوئي علي «عليه السلام» قد سعوا بكل ما لديهم من طاقة و حول إلى إبطال هذه الكرامة الكبرى له «عليه السلام» ، أو إثارة الشبهات و التشكيكات حولها، و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره، و لو كره الشانئون، و الحاقدون، و الحاسدون لعلي «عليه السلام» ، و للأئمة الطاهرين من ولده «عليهم السلام» ..

فمن أراد الاطلاع على المزيد مما يرتبط بهذا الموضوع، فليرجع إلى كتابنا الموسوم بـ: «رد الشمس لعلي عليه السلام» ، و اللّه الموفق، و هو الهادي إلى سواء السبيل.

عصى الرسول صلّى اللّه عليه و آله فوجد ما يكره:
و لما انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الجرف ليلا، نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا، فطرق رجل أهله، فرأى ما يكره، فخلى سبيلها و لم يهجر، و ضنّ بزوجته أن يفارقها، و كان له منها أولاد، و كان يحبها، فعصى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأى ما يكره‏ (2) .

جبل أحد يحبنا و نحبه:
قالوا: و لما نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جبل أحد، قال:

____________

(1) راجع: السرائر ج 1 ص 265 و البحار ج 80 ص 318.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 150 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 249 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 414.

38

«هذا جبل يحبنا و نحبه، اللهم إني أحرم ما بين لابتي المدينة» (1) .

و نقول:

1-قد يحب الإنسان جبلا أو مكانا بعينه، باعتبار أنه مصدر أنس له، لكونه يتلذذ بمنظره، أو لأجل ذكريات عزيزة كانت له فيه، أو ما إلى ذلك.. و لكنها تبقى حالة مرتبطة بالفرد، و بمشاعره الشخصية، و لا تتعداه إلى غيره..

و لا نرى أن حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجبل أحد كان من أجل هذا أو ذاك، بل هو حب يتناسب مع أهدافه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع ما يفيد في تأييد هذا الدين، و زيادة اليقين.

2-يضاف إلى ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يحصر الأمر بنفسه الشريفة، بل هو تحدث عن نفسه و عن غيره، فقال: نحبه، و لم يقل: أحبه.

و قال: يحبنا. و لم يقل: يحبني.

و هذا يؤكد على أن في جبل أحد خصوصية و معنى يجعل الإنسان المؤمن

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 368 و ج 5 ص 150 و راجع: الأحكام ج 2 ص 546 و عن كتاب الموطأ ج 2 ص 889 و 893 و عن مسند أحمد ج 3 ص 149 و 159 و 243 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 223 و 225 و ج 4 ص 118 و ج 5 ص 40 و ج 6 ص 207 و ج 8 ص 153 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 114 و سنن الترمذي ج 5 ص 379 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 197 و ج 6 ص 304 و ج 9 ص 125 و عن فتح الباري ج 6 ص 64 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 292 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 370 و 371 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 193 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 178 و ذيل تاريخ بغداد ج 3 ص 69 و فضائل المدينة ص 21.

غ

39

يحب هذا الجبل.. فما هي تلك الخصوصية، و ما هو ذلك المعنى يا ترى؟!

و ربما يفيد في الإجابة على هذا السؤال القول: بأن هذا الجبل كان يحتضن أجسادا طاهرة لشهداء أحد، و في مقدمتهم أسد اللّه و أسد رسوله الشهيد حمزة بن عبد المطلب، عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد كانت الزهراء «عليها السلام» تزور قبورهم بصورة رتيبة و دائمة، و قد صنعت سبحتها من تراب قبر حمزة «عليه السلام» .

كما أن لجبل أحد ارتباطا ظاهرا بوقائع حرب أحد، فإن الاستناد إليه قد وفّر مانعا لجيوش الشرك من الالتفاف على أهل الإيمان، و الإيقاع بهم.

فلأجل هذا و ذاك لا بد أن تتعلق به قلوب المؤمنين، و أن يحبوه، و أن يقصدوه لزيارة الأولياء و الشهداء.

3-و أما أن جبل أحد يحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، فذلك أمر قد يصعب إدراكه للوهلة الأولى، غير أن مما لا شك فيه: أن كل شي‏ء يتعامل معه الإنسان بروح الاستقامة و الطهر، و التقوى، يتأثر إيجابا بالصلاح و بالطهر، و التقوى، و كذلك يتأثر سلبا بالفساد و الإفساد، فإن لخبث الباطن و لطهره تأثيرهما على الأرواح و الأجساد، بل على النّفس الذي يتنفسه، و على الأشياء التي يلامسها. و على الهواء الذي يستنشقه و ما إلى ذلك..

و لعل في بعض الآيات الشريفة إشارات إلى ذلك أيضا، فلاحظ قوله تعالى: ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمََا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنََّاسِ.. (1) و غير ذلك

____________

(1) الآية 41 من سورة الروم.

40

من آيات..

و في الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن آثار الأعمال و عن تأثيراتها في الأمور الخارجية الكثير مما يدل على ذلك، فبسبب الأعمال الصالحة يكون النماء و البركة، و بسبب الأعمال السيئة تسلب البركة، و تشح الأرزاق، و تظهر الأسواء في كل اتجاه.. بل إن للنوايا الصالحة و السيئة تأثيراتها في ذلك أيضا..

و لا شك أن ما ترتاح إليه الموجودات و تنتعش فيه، و تمتلئ حيوية و نشاطا هو ما ينسجم مع طبيعتها، و مع الهدف الذي أوجدها اللّه تعالى من أجله..

و من جهة أخرى فإن الآيات قد دلت على أن للجبال خشية و خشوعا إلى حد التصدع، و إلى أن لها تأويبا و تسبيحا، و إلى أن تجلي شي‏ء من عظمة اللّه تعالى للجبل يجعله دكا..

إلى غير ذلك مما ألمحت إليه و صرحت به الآيات و الروايات الشريفة، فلا غرو إذن إذا كان جبل أحد يحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحب المؤمنين، و يبغض أهل الكفر و الجحود، و يمقت المنحرفين و الفاسقين..

41

الفصل الثاني:

سرايا بين وادي القرى و عمرة القضاء

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

سرية عمر إلى تربة:
يقول المؤرخون: إنه في شعبان سنة سبع بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا إلى بني نصر بن معاوية، و بني جشم بن بكر. و هم الذين يقال هم: «عجز هوازن» (1) ، أرسله إلى موضع يقال له: تربة، على أربع ليال من مكة، على طريق صنعاء و نجران‏ (2) .

لكن هناك من يقول: إنه واد على يومين من مكة، يصب في بستان ابن عامر (3) .

فخرج بهم عمر، و دليله رجل من بني هلال، فكانوا يسيرون بالليل،

____________

(1) راجع: القاموس المحيط ج 2 ص 181 و السيرة الحلبية ج 3 ص 185 و 186 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 117 و ج 3 ص 272 و تاريخ المدينة ج 2 ص 665 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 1308 و عن البداية و لنهاية ج 4 ص 251 و عن عيون الأثر ص 2 ص 153 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 130 و لسان العرب ج 5 ص 372 و تاج العروس ج 4 ص 52.

(2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 85 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و عن عيون الأثر ج 2 ص 153 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 251 و تاج العروس ج 1 ص 159.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 130.

44

و يكمنون بالنهار. و أتى الخبر هوازن فهربوا.

و جاء عمر إلى محالهم، فلم يلق منهم أحدا.

و انصرف راجعا إلى المدينة، فلما كان بالجدر-موضع على ستة أميال من المدينة-قال له الهلالي: هل لك في جمع آخر تركته من خثعم، جاؤوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟!

فقال عمر: لم يأمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهم، إنما أمرني أن أصمد لقتال هوازن بتربة. و واصل طريقه إلى المدينة (1) .

و نقول:

لنا ملاحظات عديدة، نذكر منها ما يلي:

1-إننا نعطي الحق لعمر في امتناعه عن مهاجمة الخثعميين، الذين لم يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشي‏ء في شأنهم، و نود أن يكون الحفاظ على حرفية أوامره «صلى اللّه عليه و آله» هو الداعي له إلى ذلك، و ليس هو الخوف من أن يحيق به مكروه في ساحات الحرب و النزال، فقد تعودنا منه النكوص و الإحجام عن مثل هذه الساحات..

و لعل ما يعزز هذا الاحتمال الأخير: أننا وجدناه لا يلتزم بحرفية الأوامر في كثير من المواقع و الحالات، بل هو يصر على مخالفتها. و من ذلك تمرده على أوامر النبي يوم الحديبية و قبلها و منعه للنبي «صلى اللّه عليه و آله»

____________

(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 722 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 130 و تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 418.

45

من كتابة كتاب لا تضل الأمة بعده أبدا، و قوله: إن النبي غلبه الوجع، أو إن النبي ليهجر، أو نحو ذلك..

و قد تقدم عن قريب، كيف أنه يأمر بقتل يهودي، وجده في نوبة حراسته، دون أن يراجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك.

2-إن مشورة ذلك الدليل على عمر بمهاجمة الخثعميين تشير إلى أن هؤلاء كانوا يظنون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرسل هذه السرايا لأجل السلب و النهب، و القتل، و الأسر.. مع أن الأمر ليس كذلك، بل الهدف هو دفع العدوان حين يتبين له «صلى اللّه عليه و آله» أنهم يخططون، و يدبرون لهذا الأمر، و يجمعون الجموع له..

3-إن توصيف الموضع الذي قصده عمر بن الخطاب يدل على أنه بعيد كثيرا عن المدينة، و أن الوصول إليه يتطلب السير الحثيث لعدة أيام.

فإذا فرض أن هؤلاء القوم كانوا يدبرون و يجمعون لشن الغارات على المدينة، أو على أطرافها، أو على جماعات من المسلمين الذين كانوا في مناطق قريبة لهم.. فلا بد أن يكون عددهم كثيرا، يمكّنهم من القيام بأمثال تلك التحرشات الخطيرة. فما معنى أن يهربوا، و يخلوا أماكنهم بمجرد سماعهم بأن ثلاثين راكبا يقصدونهم؟!

بل إنهم حتى لو لم يكونوا قد حشدوا و اجتمعوا، فإن هروب هوازن من ثلاثين راكبا ليس له ما يبرره، خصوصا و أن أمير السرية هو عمر بن الخطاب، و ليس علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، أسد اللّه الغالب، الذي كان يعرف كل أحد أن مواجهته في أي موقع، و موقف لن تعود عليه بالخير.. و قلعه لباب خيبر، و قتله لمرحب فارس اليهود، و لعمرو بن عبد

46

ود، فضلا عما سوى ذلك، لا يزال الناس يتداولونه، و يتناقلونه في مجالس الأسمار و الأسحار..

4-إن إرسال سرية بهذا العدد القليل و الضئيل إلى تلك البلاد البعيدة، التي يتمكن الأعداء من محاصرتها بكثراتهم، و قطع المدد عنها، و منعها من الاتصال بالمدينة، التي هي مصدر قوتها، ثم الإيقاع بها، و القضاء عليها بسهولة.. إن ذلك أمر غير عقلائي، و لا يتوقع صدوره من عقل الكل، و مدبر الكل، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ..

و لم يكن لدى عمر صيت ذائع في الشجاعة، لترهبه الأبطال، و تهرب من وجهه الجموع.

و لا نظن أنه كان لديه من الشجاعة و الإقدام ما يدفعه إلى الإقدام على مخاطرة من هذا القبيل.. و قد تعودنا منه الفرار من الزحف، و النكوص عن منازلة الأقران في أكثر من موقف و موقع.. على الرغم من وجود المسلمين و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه، أو بالقرب منه..

و لأجل ذلك كله نقول:

لو صح أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل سرية بهذه المواصفات، فلا بد أن تكون سرية استطلاع و استكشاف، لا سرية قتال و نزال..

أو يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم بأن أحدا سوف لا يجرؤ على التعرض لسراياه، بعد أن رأى الجميع ما جرى في خيبر، فأرسل هذه السرايا ليظهر لهم حضوره في المنطقة، و هيمنته على الموقف..

47

سرية أبي بكر إلى نجد:
و قالوا: إنه في شعبان سنة سبع، بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر إلى نجد، فبيّت ناسا من هوازن، قال حمزة: فسبينا هوازن، و قال هشام: فسبى ناسا من المشركين، فقتلناهم.

قال سلمة بن الأكوع: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، و كان شعارنا:

أمت، أمت‏ (1) .

و نقول:

إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة هذه القصة، التي وردت على هذا النحو من الإبهام، و الإيهام، حيث لم يذكر عدد أفراد تلك السرية، و لا الموضع الذي أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه من نجد، و لا السبب الذي أرسلت تلك السرية من أجله، و لا.. و لا.. الخ..

خصوصا و نحن نرى سلمة بن الأكوع يتحدث عن نفسه، و يسطّر لها البطولات الخارقة، التي لم يذكرها له أحد سواه، و لكنها ليست بطولات في ساحات الحرب و النزال، بل هي صولات على أسرى مغلولي الأيدي، لا

____________

(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 722 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 85 و (ط دار صادر) ج 2 ص 118 و ج 3 ص 175 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و 131 و تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 199 و عن مسند أحمد ج 4 ص 46 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 594 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 79 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 647 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 48 و 52 و 53 و عن الكامل ج 5 ص 274 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 92 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 327.

48

يملكون لأنفسهم ضرا و لا نفعا.

و اللافت هنا: أنه حتى هذه الصولات على الأسرى لم يتحدث عنها، سوى سلمة بنفسه، فلم يذكر لنا أبو بكر، و لا أحد من أفراد تلك السرية شيئا عن هؤلاء الذين قتلهم هذا البطل العظيم، الذي يريد أن يجعل مما ينسبه لنفسه حديث النوادي، و مجالس السمر، من أول الليل إلى وقت السحر!!

ثم إنه إذا كان سلمة قد قتل وحده سبعة أهل أبيات، فكم قتل غيره من أفراد تلك السرية يا ترى؟!

و لماذا لم يتحدث التاريخ لنا بالتفصيل عن هذا الحدث الكبير؟!

و هل جاؤوا بغنائم؟!و ما هو مقدارها؟!

و لماذا أجمل حمزة الكلام، فأشار إلى السبي بصورة مطلقة؟!

بل إن كلمة حمزة ظاهرة في أنهم قد سبوا معظم هوازن، حيث قال:

فسبينا هوازن، و هذا حدث عظيم، فلماذا لم يذكره غير حمزة؟!

بطولات سلمة بن الأكوع:
و ذكر سلمة هنا أيضا: أنه لقي جماعة منهم يهربون إلى الجبل، فرمى بسهم بينهم و بين الجبل، فوقفوا، فأتى بهم إلى أبي بكر يسوقهم، و فيهم امرأة من بني فزارة مع ابنة لها من أحسن العرب، فأخذ أبو بكر ابنتها، و قدموا المدينة، و ما كشف لها ثوبا.

فلقيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في السوق مرتين في يومين، فطلبها منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: هي لك يا رسول اللّه.

49

فبعث بها إلى مكة، ففدى بها ناسا من أسرى المسلمين‏ (1) .

و نقول:

إن هذه القصة بعينها-تقريبا-قد تقدمت في غزوة أم قرفة، التي يقال:

إنها كانت في شهر رمضان من سنة ست، و قد ذكرنا هناك ما يشير إلى عدم إمكان الاطمينان إلى صحتها، فراجع..

قتل سبعة أهل أبيات:
ربما يقال: إن قول بعضهم: فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين يدل على أنهم قتلوا أولئك الذين وقعوا في السبي، فيأتي السؤال أولا عن سبب قتلهم بعد سبيهم.

ثانيا: هل قتل سبعة أهل أبيات بما في ذلك النساء و الرجال و الشيوخ و الأطفال؟أم اقتصر القتل على المقاتلين منهم؟!

و قد يجاب، بأنه:

ربما لم يقتلهم بعد سبيهم، إذ يمكن أن يكون الضمير و هو كلمة «هم»

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 22 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 118 و عن عيون الأثر ج 2 ص 154 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و نيل الأوطار ج 5 ص 262 و عن مسند أحمد ج 4 ص 46 و 51 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 129 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 422 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 200 و المعجم الكبير ج 7 ص 14 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 93 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 417 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92.

50

في قوله: «فقتلناهم» عائدا على المشركين الذين أرسلوا للإغارة عليهم.

و هو جواب ضعيف يخالف ظاهر الكلام، كما هو واضح.

أو يقال: إنها تطلق على خصوص سبي النساء، لكن يصح إطلاقها أيضا على كل من يؤخذ حيا من الأعداء بما في ذلك الرجال و النساء.

و يشهد له قول علي «عليه السلام» لما اعترض البعض عليه لعدم إقدامه على أخذ سلب عمرو بن عبد ود، و هو أنفس سلب: كرهت أن أبزّ السبي ثيابه.

فعبر عن الذي قد استولى عليه و قهره، ثم قتله بأنه سبيّ.

فقوله: سبى ناسا من المشركين معناه: أنه أسر ناسا منهم.. و ربما يكون في جملتهم نساء و شيوخ، و أطفال أيضا.

و بعد ما تقدم نقول:

يحتمل أن يكون سلمة قد قتل سبعة أهل أبيات بما في ذلك النساء، و الرجال، و الشيوخ، و الأطفال، و إن لم يقاتله إلا رجالهم، و يحتمل أن يكونوا قاتلوه نساء و رجالا و أطفالا، فقتلهم من أجل ذلك.

سرية بشير بن سعد إلى فدك:
و يذكرون أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث في شعبان سنة سبع بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك، فلقي رعاتهم فسألهم عنهم، فقالوا: هم في بواديهم (أو نواديهم، أو واديهم) . و الناس يومئذ شاتون، لا يحضرون الماء.

فاستاق النعم و الشاء، و عاد بها إلى المدينة، فخرج الصريخ، فأدركوه عند

51

الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل، حتى فنيت نبل أصحاب بشير، و أصبحوا، و حمل بنو مرة عليهم، فقتل من أصحاب بشير من قتل، و هرب من هرب، (و قتل كثير من الصحابة) .

و قاتل بشير قتالا شديدا حتى ارتث، و ضرب كعبه، و وقع في القتلى، و قيل: قد مات.

و رجع بنو مرة بنعمهم، و شائهم إلى بلدهم..

و وصل خبر ما جرى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أوصله إليه علبة بن زيد الحارثي.

و أمهل بشير بن سعد، و هو في القتلى، فلما أمسى تحامل حتى أتى فدكا، فأقام عند يهودي بفدك أياما حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة (1) .

فلما علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى، قرر اتخاذ موقف حاسم، فكانت:

____________

(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 723 و 724 و تاريخ الخميس ج 2 ص 60 و 61 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 132 و البحار ج 21 ص 48 عن الكامل لابن الأثير، و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 119 و ج 3 ص 531 و عن الثقات ج 2 ص 24 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 289 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 308 و عن عيون الأثر ج 2 ص 155 و راجع:

تاريخ خليفة بن خياط ص 46 و التنبيه و الإشراف ص 227 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 254.

غ

52

سرية غالب الليثي إلى فدك:
فقد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هيأ الزبير بن العوام، فقال له: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير، فإن ظفرك اللّه بهم فلا تبق فيهم (و أمره أن يستأصلهم) .

و هيأ معه مائتي رجل، و عقد له اللواء، فبينما هو على ذلك إذ قدم غالب بن عبد اللّه من الكديد، بعد أن ظفره اللّه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للزبير: اجلس.

و بعث غالب بن عبد اللّه في مائتي رجل، كان فيهم أسامة بن زيد، و كعب بن عجرة، و علبة بن زيد، و غيرهم.

فلما دنا غالب من بني مرة بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة منهم في محالّهم، فرجعوا إليه، فأخبروه. فأقبل غالب يسير، حتى إذا كان منهم بمنظر العين ليلا، و قد احتلبوا، و عطنوا (1) ، و هدأوا، خطب أصحابه. ثم ألف بين كل رجلين، و شرط أن لا يفارق كل رجل زميله.

ثم كبر و كبروا، و أخرجوا السيوف، فخرج إليهم الرجال، فقاتلوا ساعة، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا.

و في نص آخر: أغاروا عليهم مع الصبح، و قاتلوا قتالا شديدا، و قتل كثير من المشركين، و أخذ المسلمون كثيرا من الأسارى، و الإبل و الغنم، فكانت سهام كل رجل عشرة أبعرة، أو عدلها من الغنم، (كل جزور بعشرة من الغنم) .

____________

(1) أي: سقوا الإبل، ثم أناخوها و حبسوها عند الماء (لسان العرب ج 17 ص 158) .

53

و خرج أسامة بن زيد في أثر رجل منهم، يقال له: نهيك بن مرداس فأبعد.

ثم أخذوا النعم، و النساء، فقال غالب: أين أسامة؟!

فجاء بعد ساعة من الليل، فذكر لهم: أنه لحق برجل، حتى إذا رهقه بالسيف قال: لا إله إلا اللّه.. و لكن أسامة قتله رغم ذلك.

قال أسامة: فأتيت إلى المدينة، فاعتنقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قبّلني، و اعتنقته.

ثم ذكر أنه أخبره بما جرى، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قتلته يا أسامة، و قد قال: لا إله إلا اللّه؟.

قال فجعلت أقول: يا رسول اللّه، إنما قالها تعوذا من القتل.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ألا شققت قلبه، فتعلم أصادق هو أم كاذب؟!

فقال أسامة: لا أقتل أحدا يقول لا إله إلا اللّه. قال أسامة: و تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ (1) .

____________

(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 723 و 725 و تاريخ الخميس ج 2 ص 67 و 68 عن معالم التنزيل، و عن روضة الأحباب، و البحار ج 21 ص 65 و السيرة الحلبية ج 3 ص 186 و 187 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 88 و ج 368 و عن صحيح مسلم ج 10 ص 68 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 100 و الديباج على مسلم ج 1 ص 112 و رياض الصالحين للنووي ص 231 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 253 و 316 و عن عيون الأثر ج 2 ص 156 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 523 و عن النص و الإجتهاد-

54

و من جهة أخرى: فقد روي عن المقداد بن عمرو، قال: قلت يا رسول اللّه: أرأيت رجلا من الكفار يقاتلني، و ضرب إحدى يديّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت للّه، أقتله بعد أن قالها؟!

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تقتله.

قال: فإني قتلته، فماذا؟!

قال: فإنه بمنزلتك التي كنت بها قبل أن تقتله، و أنت بمنزلة قبل أن يقول كلمته التي قال‏ (1) .

____________

ق-ص 112 و عن مسند أحمد ج 5 ص 200 أسباب نزول الآيات ص 117 و عن فتح الباري ج 12 ص 172 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 192 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 57 و راجع: روضة الطالبين ج 7 ص 288 و مسند أبي داود الطيالسي ص 87 و المعجم الكبير ج 19 ص 165 و عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 322.

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 725 و 726 و كتاب الأم ج 1 ص 296 و ج 6 ص 4 و 170 و المغني ج 10 ص 102 و الشرح الكبير ج 10 ص 94 و نيل الأوطار ج 7 ص 198 و عن كتاب المسند ص 197 و عن مسند أحمد ج 6 ص 4 و 6 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 19 و ج 8 ص 35 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 67 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 98 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 595 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 19 و 195 و الديباج على مسلم ج 1 ص 109 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 175 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 55 و المعجم الكبير ج 20 ص 248 و 249 و 251 و رياض الصالحين ص 230 و كنز العمال ج 1 ص 97 و إرواء الغليل ج 8 ص 136 و أحكام القرآن ج 2 ص 309 و تهذيب الكمال ج 19 ص 116 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 386 و عن سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 301.