الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج26

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
372 /
5

الجزء السادس و العشرون‏

تتمة القسم العاشر

الباب السادس أحداث و سرايا.. إلى تبوك..

الفصل الأول: إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ربيبته زينب‏

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه أو يطلقهن‏

الفصل الثالث: أحداث و قضايا

الفصل الرابع: من سرايا السنة الثامنة

الفصل الخامس: عينية و بنو تميم‏

الفصل السادس: ترقيع الدلاء بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‏

الفصل السابع: علي عليه السّلام في اليمن‏

الفصل الثامن: عودة علي عليه السّلام إلى اليمن‏

الفصل التاسع: علي عليه السّلام في بني زبيد

الفصل العاشر: معاذ و أبو موسى في اليمن‏

الفصل الحادي عشر: صنم طي‏ء.. و آل حاتم‏

الفصل الثاني عشر: السرايا ما قبل الأخيرة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

و بعد..

نتابع حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، و التي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها.. لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام و للمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، و عتاته، و فراعنته، و جباريه.

و تتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين و أوطاس.. و سقوط ثقيف و خثعم في الطائف..

ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال وفود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، و تأييدهم، و قبولهم بالإسلام دينا، و اعترافهم بمحمد نبيا..

و الذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب و فصوله هو عرض ما جرى في حنين، و أوطاس، و الطائف..

و أما الحديث عن الوفود، و عن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء اللّه تعالى..

فنقول.. و نتوكل على خير مأمول و مسؤول:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأول:

ابراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ربيبته زينب‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

وفاة زينب ربيبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:
قال الصالحي الشامي: روى الطبراني مرسلا برجال الصحيح، عن ابن الزبير: أن رجلا أقبل بزينب بنت رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فلحقه رجلان من قريش، فقاتلاه حتى غلباه عليها، فدفعاها، فوقعت على صخرة، فأسقطت و هريقت دما، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، فجاءته نساء بني هاشم، فدفعها إليهن.

ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة، فلم تزل وجعة حتى ماتت من ذلك الوجع، فكانوا يرون أنها شهيدة (1) .

و كانت وفاتها في أول سنة ثمان من الهجرة، فغسلتها أم أيمن، و سودة بنت زمعة، و أم سلمة.

و صلّى عليها رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و نزل في قبرها، و معه أبو العاص. و كان جعل لها نعش، فكانت أول من اتخذ لها ذلك‏ (2) .

____________

(1) مجمع الزوائد ج 9 ص 216 و المعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 433 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 148 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 31 عن الطبراني.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 31 عن الطبراني و في وفاتها راجع: البحار ج 21 ص 183 عن الكازروني، و المعجم الأوسط ج 6 ص 66 و الطبقات الكبرى-

12

و نقول:

إن لنا على هذا النص ملاحظات عديدة، نذكر منها:

1-قد ذكر: أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع هي بنت رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و الحال أننا قد ذكرنا في أوائل هذا الكتاب: أن الدلائل و الشواهد تشير إلى أنها لم تكن بنتا للنبي «صلّى اللّه عليه و آله» على الحقيقة، و إنما كانت تنسب إليه، لأنها تربت عنده في بيته.

و لم نستبعد أن يكون لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بنات أخريات باسم: زينب، و رقية، و أم كلثوم أيضا، و لكنهن متن في حال الصغر، فراجع.

2-لا ندري لماذا لا يصرح ابن الزبير باسم الرجلين اللذين أدركا زينب في الطريق، و روعاها، مع أن التاريخ لم يبخل علينا بهذا الأمر، فإن هبّار بن الأسود هو الذي سبق إليها و روعها بالرمح، و أسقطها على الصخرة، فطرحت ذا بطنها.. و قد أهدر النبي «صلّى اللّه عليه و آله» دمه في فتح مكة، و تقدمت قصته.

3-أما الرجل الذي أقبل بزينب ليسلمها إلى زيد بن حارثة، الذي أرسله النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لاستلامها، فهو نفس زوجها العاص بن الربيع، فلحقه رجال من قريش فيهم: أبو سفيان، و هبّار بن الأسود، فسبق

____________

ق-لابن سعد ج 8 ص 34 و 455 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 250 و الإصابة ج 8 ص 152 و أعيان الشيعة ج 3 ص 482 و بشارة المصطفى ص 419 و نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 149 و مسند أحمد ج 5 ص 85 و صحيح مسلم ج 3 ص 48 و فتح الباري ج 3 ص 103 و عمدة القاري ج 8 ص 39 و 46 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 75 و المصنف لابن أبي شيبة.

13

إليها هبّار، فكان ما كان حسبما أو ضحناه‏ (1) .

4-ما زعمه: من أنهم أخذوا زينب من زوجها قهرا، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، غير دقيق، فإن الروايات أيضاّ قد صرحت: بأن أبا سفيان كان حاضرا حين أسقطوها على الصخرة، فألقت ذا بطنها، فبرك حموها كنانة بن الربيع و نثل كنانته بين يديه، و تهددهم، فتكر كر الناس.

ففاوضه أبو سفيان، و أقنعه: بأن ترجع إلى مكة. يسلّها سرا، حتى لا يظن الناس أن إخراجها جهارا كان عن ذل أصابهم، و دليل و هن و ضعف منهم.

فأرجعها إلى مكة، فبقيت عند هند بنت عتبة، ثم انسلت إلى زيد بن حارثة، فقدم بها على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» (2) .

____________

(1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 42 و 44 و مجمع الزوائد ج 9 ص 216 عن الطبراني و قاموس الرجال ج 10 ص 266 و 267 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 192 و أعيان الشيعة ج 1 ص 251 و ج 7 ص 141 و البحار ج 19 ص 351 و البداية و النهاية ج 3 ص 399 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 516 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 165 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 480 و المنتخب من ذيل المذيل ص 2 و الإستيعاب ج 4 ص 1536 و 1853 و 1854 و قاموس الرجال ج 12 ص 266 و عيون الأثر ج 2 ص 196 و السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و أسد الغابة ج 5 ص 53 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 132 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 444 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 453 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 132.

(2) ذخائر العقبى ص 157 و مجمع الزوائد ج 9 ص 215 و راجع: شرح النهج ج 14 ص 192 و 193 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 193 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 23 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 42 و (ط دار الكتب العلمية) ص 45 و أعيان الشيعة ج 1 ص 251 و البحار ج 19 ص 351.

14

5-و قد ذكرت رواية الطبراني: أنها حين توفيت جعل لها نعش، فكانت أول من اتّخذ لها ذلك.

و لكننا قد ذكرنا حين الكلام عن زواج النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش: أنهم يقولون عن زينب أيضا: أنها حين ماتت صنعوا لها نعشا، و أنها كانت أول من اتخذ لها ذلك.

و قلنا هناك: إن الصحيح، هو: أن أول من صنع لها نعش هي فاطمة الزهراء «عليها السلام» .

6-قد ذكرنا في باب «ما بين بدر و أحد» ، فصل: «شخصيات و أحداث» كلام النقيب أبي جعفر مع ابن أبي الحديد المعتزلي حول موقف النبي «صلّى اللّه عليه و آله» من إسقاط زينب لجنينها، و ما يتوقعه من موقف له «صلّى اللّه عليه و آله» .

و أشرنا هناك إلى موضوع إسقاط الزهراء «عليه السلام» للمحسن، بسبب العدوان عليها في يوم وفاة أبيها «صلّى اللّه عليه و آله» ، بالإضافة إلى أمور أخرى قد يكون الرجوع إليها مفيدا أيضا.

مهلا يا عمر، دعهن يبكين:
و قالوا: لما ماتت زينب بنت (ربيبة) رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : ألحقوها بسلفنا الخيّر، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يده و قال: مهلا يا عمر، دعهن يبكين، و إياكن و نعيق الشيطان.

15

إلى أن قال: و قعد رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» على شفير القبر، و فاطمة «عليها السلام» تبكي، فجعل النبي «صلّى اللّه عليه و آله» يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها (1) .

و نقول:

1-قد رويت هذه الحادثة في مناسبة وفاة رقية أختها (2) .

و الروايات تؤكد على: أن هذا الفعل قد تكرر من عمر أمام رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و كان رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ينهاه و يزجره في كل مرة، و بقي يفعل ذلك بعد وفاة رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و لكنه سمح لعائشة بالبكاء على أبيها، و ظل يضرب سائر النساء من أجل ذلك.

و قد ذكر العلامة الأميني «عليه الرحمة و الرضوان» طائفة من هذه

____________

(1) راجع: مسند أحمد ج 1 ص 237 و مجمع الزوائد ج 3 ص 17 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 75 و الغدير ج 6 ص 159 و نيل الأوطار ج 4 ص 149 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 190 و الإستيعاب ج 3 ص 1065.

(2) ميزان الإعتدال (ط دار المعرفة) ج 3 ص 129 و (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 175 و الفصول المهمة للسيد شرف الدين ص 91 و المجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 27 و مسند أحمد ج 1 ص 335 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 467 و النص و الإجتهاد ص 298 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 473 و مسند أبي داود الطيالسي ص 351 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 398 و ج 8 ص 37 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 251 و الإصابة ج 8 ص 138 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 102 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 225 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 357 و مجمع الزوائد ج 9 ص 302 و المعجم الكبير للطبراني ج 9 ص 37.

16

الموارد في كتابه القيم: «الغدير» ج 6 ص 160-166 فراجعه..

2-و عن موقف النبي «صلّى اللّه عليه و آله» من فاطمة «عليها السلام» نقول:

ليت النبي الأكرم «صلّى اللّه عليه و آله» كان حاضرا يوم هجموا على بيتها، و أسقطوا جنينها، و أحرقوا بابها، و كشفوا بيتها، و تسببوا باستشهادها مظلومة مكلومة، ليكون «صلّى اللّه عليه و آله» هو الذي يبلسم جراحها، و يكفكف دموعها، و يدافع عنها..

إبراهيم ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
و في شهر ذي الحجة من سنة ثمان ولد إبراهيم ابن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» من مارية في موضع يقال له: العالية في المدينة، و كانت قابلتها سلمى زوجة أبي رافع، فأخبر زوجها أبو رافع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بولادته، فوهب له عبدا.

و سماه النبي «صلّى اللّه عليه و آله» إبراهيم، و عق عنه يوم سابعه بشاة، و حلق رأسه، فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، و أمر بشعره فدفن في الأرض.

و تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه «صلّى اللّه عليه و آله» إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد، و زوجها البراء بن أوس.

و كان «صلّى اللّه عليه و آله» يأتي أم بردة فيقيل عندها، و يؤتى بإبراهيم.

17

و يقال: دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو سيف‏ (1) .

و غارت نساء رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و اشتد عليهن حين رزق منها الولد.

و لما ولدته جاء جبرئيل «عليه السلام» إلى النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم» (2) .

و نقول:

إن هناك جزئيات و تفاصيل كثيرة ترتبط بنحو أو بآخر بإبراهيم ابن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و لكن ربما يكون التعرض لذلك كله بالتحقيق و التحليل غير ممكن، من حيث إنه يستغرق وقتا طويلا و جهدا، و معاناة قد يرى البعض أن يكون صرفهما في أمور أكثر حساسية و أهمية

____________

(1) البحار ج 21 ص 183 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و ج 6 ص 127 و فتح الباري ج 3 ص 139 و عمدة القاري ج 8 ص 102 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 267 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 42 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 162 و الإستيعاب ج 1 ص 54 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 136 و أسد الغابة ج 1 ص 38 و ج 7 ص 166 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 699 و الوافي بالوفيات ج 6 ص 67 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 21 و 22 عن ابن سعد، و عن البخاري، و مسلم، و البحار ج 21 ص 183 عن المنتقى للكازروني، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 431 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 710 و أنساب الأشراف ج 1 ص 448-450 و مجمع الزوائد ج 4 ص 329 و عمدة القاري ج 16 ص 100، و أي كتاب تاريخي أو حديثي يتحدث عن السيرة النبوية الشريفة.

18

أولى و أوجب، و لعل بعضها له مساس قريب بما يهم الناس التعرف عليه، و تمييز الصحيح منه عن غيره..

و لذلك، فنحن نقتصر هنا على التذكير ببضع نقاط، رأينا أنه لا ضير في التعرض لها هنا.

فنقول:

عائشة: إبراهيم لا يشبه النبي صلّى اللّه عليه و آله:
ذكرت الروايات: أنه أتي النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بإبراهيم يوما و هو عند عائشة، فقال: انظري إلى شبهه.

فقالت: ما أرى شبها.

فقال: ألا ترين إلى بياضه و لحمه؟!

فقالت: من قصرت عليه اللقاح، و سقي ألبان الضأن سمن و ابيض‏ (1) .

و كانت عائشة تقول: «ما غرت على امرأة غيرتي على مارية، و ذلك لأنها كانت جميلة، جعدة الشعر، و كان النبي «صلّى اللّه عليه و آله» معجبا بها، و رزق

____________

(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و البداية و النهاية ج 8 ص 70 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 37 و (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 88 و الدر المنثور ج 6 ص 240 عن ابن مردويه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 87 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 39 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و قاموس الرجال ج 12 ص 302 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 336 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 137 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 87.

19

منها الولد و حرمناه» (1) .

و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : «أنه «صلّى اللّه عليه و آله» حجب مارية، و كانت قد ثقلت على نساء النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، و غرن عليها، و لا مثل عائشة» (2) .

و عنه أيضا: أن إبراهيم لما هلك، و حزن عليه النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، قالت له عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟فما هو إلا ابن جريج.

فبعث النبي «صلّى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» ، و أمره بقتله..

ثم تذكر الرواية: أنه وجده ما له ما للرجال، و لا ما للنساء.

فقال «صلّى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي صرف عنّا أهل البيت السوء» (3) .

____________

(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و وفاء الوفاء ج 3 ص 826 و الإصابة ج 4 ص 405 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 311 و قاموس الرجال ج 12 ص 343 عن أنساب الأشراف ج 1 ص 448 و 450 و راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 303 و 304 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 153 و (ط دار صادر) ص 212 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 336 و ج 6 ص 130 و رسالة مارية للشيخ المفيد ص 26 و المنتخب من كتاب أزواج النبي ج 1 ص 57.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 86 و (ط دار صادر) ج 1 ص 135 و الإصابة ج 4 ص 405 و المنتظم ج 3 ص 345 و رسالة مارية للشيخ المفيد ص 26.

(3) تفسير القمي ج 2 ص 99 و 100 و ص 318 و 319 و البرهان (تفسير) ج 3 ص 126 و 127 و ج 4 ص 205 و نور الثقلين ج 3 ص 581 و 582 و راجع:

البحار ج 22 ص 155 و 154 و 242 و التفسير الصافي ج 3 ص 424 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 581 و تفسير الميزان ج 5 ص 103 و 104 و راجع: علل-

غ

20

و حديث الخصي، و اتهام بعض الناس لمارية به، مذكور في كثير من المصادر (1) .

جبرئيل يبرئ مارية:
عن أنس قال: لما ولد إبراهيم لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» جاء جبرئيل «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» فقال: «السلام

____________

ق-الشرائع ج 2 ص 267 و عن الخصال ج 2 ص 120-126 و راجع: قاموس الرجال (ط أولى) ج 3 ص 279 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج 12 ص 302 و 342 و مجمع البحرين ج 1 ص 82 و جامع الشتات ص 36.

(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 411 412 و الإصابة ج 3 ص 334 و ج 4 ص 411 و 412 و صحيح مسلم ج 8 ص 119 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 39 و 40 و تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي، نفس الجزء و الصفحة، و البداية و النهاية ج 4 ص 273 و ج 3 ص 304 عن أحمد و المحلى ج 11 ص 413 و السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و 312 و أسد الغابة ج 5 ص 542 و 544 و ج 4 ص 268 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 313 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 154 و 155 و (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 88 و مجمع الزوائد ج 9 ص 161 و ج 4 ص 329 عن الطبراني في الأوسط، و الأمالي للمرتضى ج 1 ص 77 و (ط منشورات مكتبة المرعشي) ص 54 و صفة الصفوة ج 2 ص 78 و 79 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 188 و 189 و البحار ج 22 ص 53 و 167 و 168 و عن أحمد، و الضياء في المختارة و الفائق ج 1 ص 287 و الدر المنثور ج 6 ص 240 و كنز العمال ج 5 ص 454 و أضواء على السنة المحمدية ص 45 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 220 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 236 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 252 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 602 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 219 و جامع الشتات ص 36.

21

عليك يا أبا إبراهيم» (1) .

و في نص آخر: لما ولد إبراهيم كاد يقع في نفس النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، حتى أتاه جبرئيل، فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم» (2) .

و أصرح من ذلك: ما روي: من أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال لعمر: «ألا أخبرك يا عمر: إن جبرئيل «عليه السلام» أخبرني أن اللّه عز و جل قد برّأ مارية و قريبها مما وقع في نفسي، و بشرني: أن في بطنها غلاما، و أنه أشبه الخلق بي، و أمرني أن أسميه إبراهيم» (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 537 و ج 11 ص 21 و 219 عن ابن سعد، و البحار ج 15 ص 280 و ج 16 ص 120 و 131 و ج 21 ص 183 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 604 و مجمع الزوائد ج 4 ص 329 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 449 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 47 و 135 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 44 و 133 و الإصابة ج 1 ص 318 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 34 و البداية و النهاية ج 5 ص 330 و إمتاع ج 2 ص 148 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 235 و إعلام الورى ج 1 ص 43 و كشف الغمة ج 1 ص 13 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 612.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 537 و ج 11 ص 21 عن ابن مندة، و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 413 و عمدة القاري ج 16 ص 100 و فيض القدير ج 3 ص 323.

(3) كنز العمال ج 11 ص 471 و ج 14 ص 97 عن ابن عساكر بسند حسن، و الإصابة ج 3 ص 335 عن فتوح مصر لابن عبد الحكم، و السيرة الحلبية ج 3 ص 312 و 313 و (ط دار المعرفة) ص 399 و مجمع الزوائد ج 9 ص 162 و الإصابة ج 5 ص 518 و راجع: دلائل الصدق ج 3 ق 2 ص 26 و راجع: رسالة حول خبر مارية ص 28 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 46 و فتوح مصر و أخبارها للقرشي المصري ص 121.

22

ثم أكد «صلّى اللّه عليه و آله» على هذا الأمر حتى حين موت إبراهيم، فقد روي: أنه «لما توفي إبراهيم قال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : إن إبراهيم ابني، و إنه مات في الثدي، و إن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة» (1) .

فجبرئيل قد أخبر النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ليس فقط بشبه ولده به، بل هو قد أخبره: بأنه أشبه الخلق به، حتى قبل أن يولد.

و لكن عائشة لا ترى أي شبه لإبراهيم برسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و جبرئيل يخبر رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بأن هذا الطفل ابنه، و عائشة تقول لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بعد موت هذا الطفل: إنه ليس ولده، بل هو ابن جريج القبطي.. و تشكك في بنوته له قبل أن يولد أيضا.

و رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يخبر عمر قبل أن تلد مارية ولده: بأن

____________

(1) صحيح مسلم ج 7 ص 77 و فتح الباري ج 3 ص 140 و تاريخ الخميس ج 2 ص 146 و عمدة القاري ج 8 ص 103 و الديباج على مسلم ج 5 ص 320 و الجامع الصغير ج 1 ص 330 و كنز العمال ج 11 ص 470 و ج 12 ص 455 و ج 14 ص 98 عن أبي نعيم، و راجع: رسالة حول خبر مارية ص 30 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 205 و فيض القدير ج 2 ص 515 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 290 و معجم المحاسن و المساوئ ص 398 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 139 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 136 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 224 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 613 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 361 و الجمع بين الصحيحين ج 2 ص 655 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 1621 و المنتظم ج 4 ص 11 و راجع: سبل السلام ج 3 ص 217 و المجازات النبوية ص 383 و مسند أحمد ج 3 ص 112 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 76.

23

جبرئيل قد برّأ مارية مما قذفت به، و بأن الجنين ابنه..

و عائشة تبقى مصرة على قذف مارية قبل أن تلد ولدها، و بعد ولادتها، و حتى بعد موت ذلك الولد أيضا.

قسوة و جرأة:
و بعد.. فإن عظمة الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» ، و هو أفضل و أشرف و أقدس خلق اللّه تعالى.. من شأنها: أن تجعل الناس جميعا يتريثون في الإقدام على أي موقف، أو التفوه بأية كلمة، أو القيام بأي تصرف في حضوره «صلّى اللّه عليه و آله» ..

و تفرض عليهم حسابات كثيرة في هذا الإتجاه، و يخضعون لهذا الواقع بصورة عفوية، و من دون حاجة إلى توجيه أو دلالة من أحد..

أضف إلى ذلك: أن موقع النبوة، و قداسة الأنبياء، و علاقة ذلك برضا اللّه تعالى، و بقبول الأعمال، و بالثواب و العقاب يفرض المزيد من الحذر، و مراقبة الإنسان لنفسه، و يحتم عليه السير نحو الإنضباط التام في كل حركة و سكون، و قول و فعل، ما دام أن قيمة أي زلل أو خطل سيكون هو مستقبل الإنسان و مصيره في الدنيا و الآخرة.

و لكننا إذا رجعنا إلى حياة أم المؤمنين عائشة مع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فسنجد: أنها لا تخضع لهذا التقدير، و لم تتأثر بهذا الواقع.. بل هي تبدو شديدة الإندفاع في الإتجاه الآخر، من خلال ما نشهده من جرأة لها على مقام النبوة، ثم من عدم مبالاة في عواقب تعاملها البالغ في القسوة على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بالذات.. بخلاف ما نشاهده لدى‏

24

خديجة و أم سلمة و ميمونة مثلا.. من سلوك خاضع لمقام النبوة و الرسالة.

أما سائر أمهات المؤمنين، و خصوصا حفصة و كذلك أم حبيبة.. فكنّ يتأثرن بالأجواء التي تثيرها عائشة نفسها، التي كانت تحرك الأمور باتجاه حالة من التوتر و المشاحنات التي لا مبرر لها، دون أن يردعها عن ذلك ما ينشأ عنه من أذى، بل و من إهانة لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و لأهل بيته الأطهار صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

بل و لعل من أوضح مفردات هذا الواقع قولها لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : إن اللّه يسارع في هواك‏ (1) .

____________

(1) الدر المنثور ج 5 ص 210 و 211 عن البخاري، و مسلم، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن ماجة، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و أحمد، و ابن أبي حاتم، و راجع ما عن ابن سعد أيضا. و راجع: تفسير الصافي ج 4 ص 196 و أحكام القرآن للجصاص ص 479 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 25 و ج 14 ص 208 و 214 و البحار ج 22 ص 181 و فتح القدير ج 4 ص 295 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 245 و مجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج 8 ص 171 و نور الثقلين ج 4 ص 293 و الميزان (تفسير) ج 16 ص 342 و راجع: المبسوط للطوسي ج 4 ص 158 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 49 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 625 و البحار ج 22 ص 181 و صحيح البخاري ج 6 ص 24 و عن مسند أحمد ج 6 ص 261 و عن فتح الباري ج 8 ص 405 و ج 9 ص 142 و عمدة القاري ج 19 ص 119 و ج 20 ص 109 و الديباج على مسلم ج 4 ص 71 و حاشية السندي على النسائي ج 6 ص 54 و تخريج الحاديث و الآثار ج 3 ص 118 و تغليق التعليق ج 4 ص 410 و تفسير جوامع الجامع ج 3 ص 75-

25

و قولها: أنت الذي تزعم أنك نبي اللّه‏ (1) .

و قولها له أمام أبيها: اقصد (2) . أي أعدل (أو قل و لا تقل إلا حقا) .

ثم ما لهجت به النصوص، التي قدمناها عن تصرفات عائشة مع شخص رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بأمر بالغ الحساسية و الخطورة بالنسبة إليه.

و تفصيل ذلك، قولها: كان في متاعي خف و كان على جمل ناج و كان متاع صفية فيه ثقل، و كان على جمل ثقال، فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «حولوا متاع عائشة على جمل صفية، و حولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب» .

____________

ق-و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 171 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 282 و احكام القرآن للجصاص ج 3 ص 479 و تفسير البغوي ج 3 ص 538 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 595 و 604 و 606 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 25 و ج 14 ص 208 و 214 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 508 و مصادر كثيرة أخرى.

(1) إحياء علوم الدين (ط مصر) ج 2 ص 29 و (ط دار المعرفة) ص 43 و مكاشفة القلوب ص 237 باب 94 ص 237 و المراجعات ص 326 و النص و الإجتهاد ص 418 و فيض القدير ج 3 ص 661 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 33 و راجع: المصنف للصنعاني ج 11 ص 431.

(2) إحياء العلوم للغزالي ج 2 ص 35 آداب النكاح، و مكاشفة القلوب ص 238 باب 94 و كنز العمال (ط حيدرآباد) ج 7 ص 16 ح (1020) و المراجعات ص 326 و النص و الإجتهاد ص 417 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 625 و الطرائف لابن طاووس ص 292 و عين العبرة للسيد أحمد آل طاووس ص 45 و إحقاق الحق (الأصل) ص 306 و 307.

26

قلت: يا لعباد اللّه، غلبتنا هذه اليهودية على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» .

قالت: فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «يا أم عبد اللّه، إن متاعك فيه خف، و كان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ الركب فحولنا متاعها على بعيرك و حولنا متاعك على بعيرها.

قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» .

فتبسم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» و قال: أو في شك؟

أنت يا أم المؤمنين يا أم عبد اللّه.

قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فهلا عدلت. و سمعني أبو بكر الخ.. (1) .

إنها مسألة تمس موقع النبوة أولا، و تمثل طعنة نجلاء في أعماق أعماق روحه، بحربة تقطر بسم الحقد، و الضغينة، و تهدف إلى هدم شرفه، و تقويض كرامته، و النيل من عزه، و مجده الأثيل..

فالنبي «صلّى اللّه عليه و آله» أغير مخلوق وجد، فما بالها تطعن في عرضه، مرة بعد أخرى، غير آبهة بتواتر الوحي الإلهي، بالتأكيد على طهارة ذلك العرض، و براءته من أي مغمز، و سلامته من أي وليجة..

و لما ذا لا تكف عن غمزها، و لا يقنعها الوحي الإلهي، و لا يؤثر فيها

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 182 و ج 9 ص 71 عن أبي يعلى بسند لا بأس به، و أبو الشيخ بن حيان بسند جيد قوي عن عائشة، و في هامشه عن: مجمع البيان ج 4 ص 322 و المطالب العالية (1540) و (1927) . و راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 322 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 130.

27

قول جبرئيل، و لا تأكيد الرسول المسدد و المؤيد «صلّى اللّه عليه و آله» ، الذي لا ينطق عن الهوى؟!

و ما الذي يدعوها إلى نبذ أبسط قواعد اللياقة و الأدب، مع أشرف و أفضل، و أقدس و أنبل، و أعظم، و أكمل الخلق، و سيد رسل اللّه تعالى؟!

إن أقوالها مع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» حول ولده إبراهيم بعيدة كل البعد عن أبسط قواعد الأدب، و الإلتزام و الإحترام.. فلما ذا هذا الطعن المتوالي الممعن في القسوة لقلب الإنسانية، الطافح بالرحمة، و المودة، و الحنان، و الغيرة، و الشعور بالكرامة و العزة؟!

و هل يجرؤ إنسان يدّعي أنه قريب و حبيب على التصريح لمن يحبه، و يتقرب منه، بأن ولده الذي يبكي عليه، و قد مات قبل ساعة أو ساعات ليس ولده الشرعي؟!

رغم قيام الشواهد لذلك الأب على صحة ولادة ذلك الطفل و شرعيته.

فكيف إذا كان الوحي الإلهي هو الذي يؤكد له هذه الحقيقة، التي يصر الآخرون على إنكارها و تكذيبها، بلا أي شاهد أو مبرر؟!. إلا الحسد و الغيرة، و إلا التجني و الإمعان في جرح الكرامة، و إلا الإيذاء..

مرضعة إبراهيم:
هذا.. و لا نرى أن ثمة تناقضا بين رواية إرضاع أم سيف لإبراهيم، أو رواية إرضاع أم بردة بنت المنذر له. فلعل كل واحدة منهما قد أرضعته برهة من الزمن. و ربما تكون أم سيف قد أرضعته أياما يسيرة، ثم أخذته أم بردة، فإنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد أعطى أم بردة هذه قطعة نخل.

28

كاد يقع في نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله:
و عن الرواية التي تدّعي: أنه لما ولد إبراهيم كاد يقع في نفس النبي «صلّى اللّه عليه و آله» .. نقول:

إنها لا يمكن أن تصح، لأن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» كان أتقى للّه من أن يقع في قلبه أمر من هذا القبيل.. و هو الذي عرّفه جبرئيل حتى قبل ولادة إبراهيم: بأن مارية تحمل ولدا هو أشبه الناس به..

يضاف إلى ذلك: أن جبرئيل-كما تقدم-حين ولد إبراهيم قد جاءه، و قال له: السلام عليك يا أبا إبراهيم..

ثم إنه «صلّى اللّه عليه و آله» كان يعلم: بأن رمي هؤلاء لمارية لا يستند إلى شاهد و لا يعتمد على دليل.. و يعرف أن من يرمي المؤمنين بشي‏ء من ذلك، لا بد أن يأتي بالشهداء على ما يقول، فإذا لم يأت بالشهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون.

بل هم يستحقون العقاب و النكال على قذفهم هذا. لو لا أن اللّه تعالى لم يرد معاقبتهم في الدنيا، لكي لا يتعرض مقام النبوة الأقدس للريب و الشك و الكيد من أصحاب النفوس المريضة، فيضر ذلك بإيمان الناس إلى يوم القيامة..

إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون:
و روي: أن إبراهيم ابن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» مات سنة عشر، و جزم به الواقدي، و قال: مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر

29

ربيع الأول‏ (1) .

و قالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهرا (2) . و روي ذلك عن غير عائشة أيضا.

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و 24 و عمدة القاري ج 7 ص 64 و ج 8 ص 103 و 211 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 س 306 و 307 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 91 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 56 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 143 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 145 و ج 34 ص 290 و 291 و ج 60 ص 296 و البداية و النهاية ج 5 ص 332 و الإصابة ج 1 ص 318 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 615 و المجموع للنووي ج 5 ص 58 و ذخائر العقبى ص 155 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 336 و مجمع الزوائد ج 9 ص 162 و فتح الباري ج 3 ص 140.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و 27 و مسند أحمد ج 6 ص 267 و سنن أبي داود ج 2 ص 76 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 139 و الإستيعاب ج 1 ص 56 و 57 و الإصابة ج 1 ص 318 و 319 و المحلى لابن حزم ج 5 ص 158 و نصب الراية ج 2 ص 322 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 236 و فيض القدير ج 1 ص 257 و العلل لابن حنبل ج 1 ص 283 و أحكام الجنائز للألباني ص 79 عن أبي داود، و ابن حزم، و أحمد، و راجع: تاج المواليد للطبرسي (المجموعة) ص 9 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 38 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 336 و عمدة القاري ج 8 ص 211 و عون المعبود ج 4 ص 31 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 49 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 142 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 142 و 143 و ج 3 ص 7 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 145 و 146 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و الوافي بالوفيات ج 6 ص 67 و البداية و النهاية ج 5 ص 322 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 338 و أعيان الشيعة ج 1 ص 223 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 614 و 615.

30

و في صحيح البخاري: أنه عاش سبعة عشر شهرا، أو ثمانية عشر شهرا على الشك‏ (1) .

و عن البراء، و أنس، و جابر: توفي إبراهيم ابن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» و هو ابن ستة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا (2) .

و قال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهرا و ثمانية أيام‏ (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و الإصابة ج 1 ص 320 و راجع: فتح الباري ج 10 ص 477.

(2) تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 135 و 137 و 138 و 144 و راجع: فتح الباري ج 10 ص 477 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 97 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و 332 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 338 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 508 و 509 و فيض القدير ج 2 ص 515 الإصابة ج 1 ص 320 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 612 و 614 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 283 و 289 و 304 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 9 و عمدة القاري ج 7 ص 69 و مسانيد أبي يحيى الكوفي ص 22 و 26 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 494 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 255 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 451 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 251 و الإستيعاب ج 1 ص 58 و نصب الراية ج 2 ص 331 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 235 و كنز العمال ج 12 ص 452 و 454 و 455 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 7 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 140 و العلل لابن حنبل ج 2 ص 412 و 565 و 566.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و الإصابة ج 1 ص 318 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و الإستيعاب ج 1 ص 56 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 338 و عمدة القاري ج 7 ص 69.

31

و قيل: توفي و هو ابن سنة و عشرة أشهر و ستة أيام‏ (1) .

و قيل: مات و هو له إحدى و سبعون ليلة (2) .

و روي عن مكحول، و عطاء، و عبد الرحمن بن عوف، و بكير بن عبد اللّه بن الأشج، و قتادة، و أنس: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى النخل الذي فيه إبراهيم «عليه السلام» ، فدخل و إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره، فلما (مات) ذرفت عينا رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول اللّه؟أو لم تنه عن البكاء؟

قال: «إنما نهيت عن النوح، و عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو و لعب، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة خمش وجه، و شق جيب، ورنة شيطان» (3) .

____________

(1) إمتاع الأسماع ج 5 ص 338 و عمدة القاري ج 7 ص 69 و ج 8 ص 103 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 395.

(2) إمتاع الأسماع ج 5 ص 338.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 عن ابن سعد، و مستدرك الوسائل ج 2 ص 456 و 458 و ج 13 ص 94 و البحار ج 79 ص 90 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 470 و 486 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1674 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 266 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 309 و كنز العمال ج 15 ص 615 و 616 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 138 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و غوالي اللآلي ج 1 ص 89 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 442 و كتاب المجروحين ج 2 ص 245 و فتوح مصر و أخبارها ص 124 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و التمهيد ج 24 ص 442 و نصب الراية ج 5 ص 90.

32

و في رواية: فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرب، و اللّه يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» .

و عن أنس و أبي أمامة: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قال: «تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضي اللّه تعالى، و اللّه إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 30 و ج 11 ص 23 عن مسلم، و أبي داود، و ابن سعد، و أحمد، و عبد بن حميد، و الطبراني، و راجع: ابن ماجة، و ابن عساكر، عن أسماء بنت يزيد، و بكير بن عبد اللّه، و راجع: الذكرى للشهيد الأول ج 2 ص 47 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 163 و كشف الغمة (ط ق) ج 1 ص 158 و الكافي للكليني ج 3 ص 262 و دعائم الإسلام ج 1 ص 224 و تحف العقول ص 37 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 280 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 921 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 385 و 460 و 462 و 463 و مكارم الأخلاق ص 22 و ذخائر العقبى ص 153 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 394 و غوالي اللآلي ج 1 ص 89 و مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 5 و 93 و 94 و البحار ج 16 ص 235 و ج 22 ص 157 و 264 و ج 24 ص 264 و ج 65 ص 54 و ج 74 ص 140 و ج 79 ص 91 و 101 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 405 و 470 و 471 و 472 و 481 و مسند أحمد ج 3 ص 194 و صحيح البخاري ج 2 ص 84 و صحيح مسلم ج 7 ص 76 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 506 و سنن أبي داود ج 2 ص 64 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و عمدة القاري ج 8 ص 75 و 101 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 553 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 267 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 385 و الإعتبار لابن أبي الدنيا-

33

و عن أنس: لما قبض إبراهيم ابن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال لهم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «لا تدرجوه في أكفانه، حتى أنظر إليه» ، فأتاه، فانكب عليه، و بكى‏ (1) .

____________

ق-ص 41 و كتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص 38 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 43 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 162 و المعجم الأوسط ج 8 ص 346 و المعجم الكبير ج 24 ص 171 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 198 و الإستذكار ج 3 ص 71 و الإستيعاب ج 1 ص 55 و 57 و 58 و التمهيد لابن عبد البر ج 17 ص 284 و ج 24 ص 443 و تغليق التعليق ج 2 ص 472 و راجع: كنز العمال ج 15 ص 615 و 621 و 625 و فيض القدير ج 2 ص 717 و ج 3 ص 291 و ج 6 ص 473 و كشف الخفاء ج 2 ص 156 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 360 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 74 و ج 4 ص 262 و تفسير القرطبي ج 9 ص 249 و فتح القدير ج 3 ص 48 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 137 و 138 و 140 و 142 و 143 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 و 145 و ج 10 ص 107 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و وفيات الأعيان ج 2 ص 302 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 699 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و 332 و ج 6 ص 305 و ج 7 ص 86 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 223 و 338 و 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 614 و 615.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 23 عن ابن ماجة، و الحكيم الترمذي و راجع:

سنن ابن ماجة ج 1 ص 473 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 613.

34

و نقول:

إن لنا هنا بعض الوقفات، أو الإيضاحات، و هي التالية:

فضائل ابن عوف:
إن تفويض عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف أمر تعيين الخليفة من بعده، و هو الذي كان يعلم: أن هوى عبد الرحمن كان في عثمان، فاختار عثمان.. كان وراء سعي محبي عمر إلى تعظيمه، و تسطير الفضائل له.

فما دام أنه كان موضع ثقة ذلك الذي منحوه حبهم و إخلاصهم، فلما ذا لا يسعى الفريق الأموي إلى التصدق على عبد الرحمن بن عوف ببعض فتات الفضائل، أو الأدوار التي لا تكلفهم شيئا، لأنها تكون مسروقة من محبي علي «عليه السلام» ، أو من أناس ليس لهم نشاط في تأييد ملكهم و سلطانهم، و لا في إضعاف أمر علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، الذين يرون أن لا بقاء، و لا قرار لحكمهم معهم..

الحكمة البالغة:
من المعلوم: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لم يكن عقيما، فقد ولد له من خديجة «عليها السلام» عدة أولاد، و قد ماتوا جميعا، و لم يبق منهم سوى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء «عليها السلام» .

و من المعلوم أيضا: أنه لم يطرأ عليه العقم بعد خديجة «عليها السلام» ، بدليل ولادة إبراهيم «عليه السلام» في أواخر سني حياته «صلّى اللّه عليه و آله» .

ثم إن من المعلوم كذلك: أنه بعد أن ولدت له خديجة و مارية لم يولد له من أي من نساء العرب الأخريات، حتى القرشيات، و لا من نساء سائر الأمم‏

35

التي تدّعي لنفسها أحوالا و مقامات، فلم يولد له ممن يتصل نسبها ببني إسرائيل كصفية بنت حيي بن أخطب مثلا، ربما منعا لأي استغلال تضليلي من قبل أولئك الناس، الذين عرفوا بالإنتهازية، و بتحريف الكلم عن مواضعه، و بالمتاجرة حتى بالنصوص المقدسة، حتى إنهم كانوا يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ (1) .

و رغم كثرة النساء اللواتي تزوجهن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و قد كن من قبائل مختلفة، فإن اللّه تعالى لم يرزقه ولدا إلا من خديجة، ثم من جارية أهديت إليه من بلاد بعيدة، ليدل ذلك على سرّ إلهي في خديجة و الزهراء «عليهما السلام» ، مفقود في جميع النساء الأخريات، و لا يمكن أن يتوفر في أي ذرية تولد له «صلّى اللّه عليه و آله» منهن.

بل ربما تكون ولادة و بقاء ذرية له من غير خديجة أمرا مضرا بالإسلام بدرجة يصعب على البشر تقدير حجم الخطر و الضرر فيه..

و لذلك حرم سائر نسائه رغم كثرتهن من الولد. و تلك حكمة بالغة، و تسديد و لطف إلهي بالبشر كلهم، و لعل تصرفات عدد من نسائه «صلّى اللّه عليه و آله» التي تعبر عن طموحات خطيرة، و عن نفسيات غير سليمة تظهر هذه الحقيقة بجلاء، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك..

النياحة المنهي عنها:
و بعد.. فقد بين «صلّى اللّه عليه و آله» سبب نهيه عن النياحة على الأموات،

____________

(1) الآية 79 من سورة البقرة.

36

فقال-كما روي عنه-: «إنما نهيت عن النياحة، و أن يندب الميت بما ليس فيه» .

ثم قال: «.. و إنما هذه رحمة، و من لا يرحم لا يرحم يا إبراهيم، لو لا أنه حق، و وعد صادق، و يوم جامع.. » (1) .

و نقول:

1-إن هذه الكلمات تدلنا على أنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد بكى رحمة منه لإبراهيم.

أي أن هذا البكاء كان استجابة منه «صلّى اللّه عليه و آله» لشعور حرّكته رؤية لحالة ضعف أو عجز، أو نقص وجده في ذلك الطفل تمثل فيما كان يعانيه إبراهيم من جهد أو ألم حين كان يصارع المرض، أو حين كان يجود بنفسه.

فلم يكن البكاء إذن لأجل شي‏ء يعود لشخص رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فهو لا يبكي لأنه يفقد شيئا يشعر أنه بحاجة إلى استمرار

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 23 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 138 و التحفة السنية (مخطوط) ص 44 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 385 و ذخائر العقبى ص 155 و مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 93 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 470 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 266 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 309 و الإستيعاب ج 1 ص 57 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 443 و كنز العمال ج 15 ص 615 و 616 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 138 و كتاب المجروحين ج 2 ص 246 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و فتوح مصر و أخبارها ص 124 و الوافي بالوفيات ج 6 ص 68 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و السيرة الحلبية ج 3 ص 394.

37

احتفاظه به، و لا لأن ذلك يورد عليه نقصا، أو يسبب له عجزا، أو يوجب له ألما، و أذى كشخص.

و إذن، فهذا البكاء لم يكن أنانيا بل هو بكاء إنساني، إذ إن حالة إبراهيم لو وجدت في أي شخص آخر-قريبا كان أو غير قريب-فسيبكي له رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، كما بكى «صلّى اللّه عليه و آله» على عثمان بن مظعون، و على الشهداء في مؤتة، و في مناسبات أخرى.. لأن بكاءه بكاء الرحمة، و ليس بكاء الحرص، أو الشعور بالنقص، أو للإحساس بالخسارة الشخصية.

و ذلك كله يدلنا على كمال النبي «صلّى اللّه عليه و آله» في ميزاته و خصائصه، و في مشاعره، و أحاسيسه، الإنسانية. و على أن النبوة لا تمنع من هذا الكمال، بل هي ترسخه و تؤكده.

2-إن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد أوضح ما قصده حين نهى عن النياحة، و أعطى الضابطة الصحيحة للحزن و للفرح على حد سواء.

فذكر «صلّى اللّه عليه و آله» : أن الحزن لا يبرر إطلاق الدعاوى الفارغة في الهواء، و الكذب، و لا ينبغي أن يفسح المجال ليدخل إلى حياة الناس، و لو على مستوى التعبير عن العاطفة.. و لا يجوز أن يجعل وسيلة لسلو المحزونين، فإن الإحساس بنفع الكذب و لو بهذا المقدار يجرئ الناس على الاستفادة منه في كل موقع يرون أن لهم فيه فائدة شخصية، و تصبح الفائدة الشخصية هي المعيار عندهم في الحلال و الحرام. و تضيع المعايير الواقعية، و يتلاشى تأثيرها.

38

الصوتان الفاجران الأحمقان:
و قد تضمنت النصوص المتقدمة: أنه «صلّى اللّه عليه و آله» نهى عن صوتين فاجرين أحمقين: صوت عند نغمة لهو و لعب، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة خمش وجه، و شق جيب، ورنة شيطان» (1) .

و عن بكير بن عبد اللّه بن الأشج: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بكى على ابنه إبراهيم، فصرخ أسامة بن زيد، فنهاه رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال: رأيتك تبكي!!

فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «البكاء من الرحمة، و الصراخ من الشيطان» (2) .

و نقول:

قد تقدمت الإشارة إلى بكاء الرحمة، و بكاء الفقدان. و أن البكاء الأول مطلوب و محبوب، دون الثاني. و إلى أن النياحة المنهي عنها هي تلك التي تتضمن الأكاذيب و المبالغات غير المقبولة في شأن الميت..

و قد ذكر النص المشار إليه أعلاه أمورا أخرى في هذا السياق:

1-فذكر النهي عن صوتين وصفهما بالفجور و الحمق..

فأما الفجور فيهما، فلأنهما يتجاوزان حدود الشرع، و يستخفان العقل،

____________

(1) تقدمت مصادر هذا الحديث، و ما بمعناه.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 23 عن ابن سعد، و الجامع الصغير ج 1 ص 495 و كنز العمال ج 15 ص 608 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 139 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 395 و فيض القدير ج 3 ص 291.

غ

39

و يلقيانه على قارعة الطريق، و يسلبانه أي أثر أو دور.

و أما الحمق فيهما، فلأنهما لا يخضعان لأي ضابطة أو ميزان عقلي. بل هما خارجان عن حدود المقبول و المعقول. فمسحة العقل تكون ضعيفة أو تكاد تكون معدومة فيهما، لأنهما إنما يعتمدان على إبعاد العقل عن الساحة، و التوجه نحو الغرائز، و الأهواء لمخاطبتها و استثارتها.

2-و قد اعتبر أن أول صوت أحمق فاجر هو صوت نغمات اللهو و اللعب، حيث يتم إقصاء العقل، و يكون زمام الإنسان بيد هواه، و غرائزه، لأن العقل لا يرضى باللهو و لا باللعب، كما ان المزامير الشيطانية لا تخاطب العقل، لعدم وجود لغة مشتركة بينهما. بل هي تشطنه، و تقيده، و تمنعه من الحركة و من التأثير..

و قد تقدم: أن الإسلام لا يريد أن تدخل أمثال هذه الأمور إلى حياة الناس، فإن ذلك من شأنه أن يفسدها، و أن يجعلها خاضعة لأمزجة الأشخاص، و أهوائهم، و ميولهم الفردية، و انفعالاتهم.

يضاف إلى ذلك: أن للحياة واقعيتها، و ثباتها، فلا يمكن بناؤها على اللهو و اللعب، و العبث. و لا رسم حدودها وفق ردود فعل الأمزجة، و الأهواء.

و لا تحريكها بغير معايير العقل و ضوابطه، و من دون الاعتماد على هدايته و دلالته..

و هكذا الحال في حالات الحزن حين يرتكز إلى التصرف غير المتوازن، و الذي تفرضه الإنفعالات غير المسؤولة، و التي تنتهي بتصرفات غير مبررة، و لا ينتج عنها إلا الأذى و الخسران، لأنها مجرد حركات هستيرية، تكون ضابطتها عدم الإلتزام بضابطة، و قاعدتها إسقاط كل قاعدة.

40

و أما حين يتم اللجوء إلى الحركات المصطنعة، كذلك الصراخ الذي صدر عن أسامة بن زيد، ثم يكون المبرر الذي انتحله لنفسه هو رؤيته النبي «صلى اللّه عليه و آله» يبكي ولده إبراهيم، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية و خطورة، فقد تبين أن أسامة قد تجاوز الحدود المقبولة و المعقولة في فهمه لبكاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ولده، و أمعن في الإبتعاد عن مراميه و أهدافه حين استنتج منه أمورا ليس فقط لا تتوافق معه، و إنما هي في موقع النقيض منه..

فشتان ما بين البكاء الناشئ عن الرحمة، و بين الصراخ المصطنع، الخاوي من أية عاطفة، و إنما يقصد به إثارة أجواء من الأسى و الغم، و هي أجواء يجد الشيطان فيها مسرحا لتسويلاته و مجالا لإغواءاته، و جر الناس إلى مزالق و مهالك لم تكن تخطر لهم على بال.

و لذلك قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «و الصراخ من الشيطان» .

41

الفصل الثاني:

النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل النساء أو يطلقهن‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه: كيف؟و لما ذا؟:
قال ابن عباس: كنت أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن قول اللّه عز و جل: وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ (1) ، فكنت أهابه، حتى حججنا معه حجة، فقلت: لئن لم أسأله في هذه الحجة لا أسأله، فلما قضينا[حجنا]أدركناه، و هو ببطن مرو، قد تخلف لبعض حاجاته، فقال: مرحبا بك يا ابن عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . ما حاجتك؟

قلت: شي‏ء كنت أريد أن أسألك عنه يا أمير المؤمنين، فكنت أهابك.

فقال: سلني عما شئت، فإنا لم نكن نعلم شيئا حين تعلمنا.

فقلت: أخبرني عن قول اللّه تعالى: وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ من هما؟

قال: لا تسأل أحدا أعلم بذلك مني، كنا بمكة لا يكلم أحدنا امرأته، إنما هي خادم البيت، فإن كان له حاجة سفع برجليها، فقضى حاجته، فلما قدمنا المدينة، تعلمن من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا و يراجعننا، و إني أمرت غلمانا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا و كذا.

فقمت إليها بقضيب فضربتها به.

____________

(1) الآية 4 من سورة التحريم.

44

فقالت: يا عجبا لك، يا بن الخطاب!تريد أن لا تكلم؟!فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تكلمه نساؤه.

فخرجت، فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنية، انظري لا تكلمي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا تسأليه، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس عنده دينار و لا درهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، و جلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأة امرأة، يسلم عليهن، و يدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها، و إنها أهديت لحفصة بنت عمر عكة عسل من الطائف، أو من مكة، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا دخل يسلم عليها حبسته حتى تلعقه منها، أو تسقيه منها.

و إن عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية عندها، حبشية يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها، فانظري ما يصنع.

فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت عائشة إلى صواحبتها، فأخبرتهن، و قالت: إذا دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير.

ثم إنه دخل على عائشة، فقالت: يا رسول اللّه، أطعمت شيئا منذ اليوم، فإني أجد منك ريح مغافير.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أشد شي‏ء عليه: أن يوجد منه ريح شئ، فقال: هو عسل، و اللّه لا أطعمه أبدا.

حتى إذا كان يوم حفصة قالت: يا رسول اللّه، إني لي إلى أبي حاجة، إن نفقة لي عنده، فأذن لي أن آتيه.

فأذن لها.

45

ثم إنه أرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو فزع، و وجهه يقطر عرقا، و حفصة تبكي، فقال: ما يبكيك؟

فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا؟!أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها على فراشي؟!ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما و اللّه ما يحل لك هذا يا رسول اللّه.

فقال: و اللّه، ما صدقت: أليس هي جاريتي، قد أحلها اللّه تعالى لي، أشهدك أنها علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، انظري لا تخبري بذلك امرأة منهن، فهي عندك أمانة.

فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قرعت حفصة الجدار الذي بينها و بين عائشة، فقالت: ألا أبشري، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد حرم أمته، فقد أراحنا اللّه منها.

فقالت عائشة: أما و اللّه، إنه كان يريبني أنه كان يقبل من أجلها، فأنزل اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ (1) . ثم قرأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ (2) ، فهي عائشة و حفصة.

و زعموا: أنهما كانتا لا تكتم إحداهما للأخرى شيئا.

و كان لي أخ من الأنصار إذا حضرت، و غاب في بعض ضيعته، حدثته بما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إذا غبت في بعض ضيعتي، حدثني.

____________

(1) الآية 1 من سورة التحريم.

(2) الآية 4 من سورة التحريم.

46

فأتاني يوما و قد كنا نتخوف جبلة بن الأيهم الغساني‏ (1) ، فقال: ما دريت ما كان؟

فقلت: و ما ذاك؟لعله جبلة بن الأيهم الغساني، تذكر.

قال: لا، و لكنه أشد من ذلك، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى صلاة الصبح، فلم يجلس كما كان يجلس، و لم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، و قد اعتزل في مشربته، و قد ترك الناس يموجون و لا يدرون ما شأنه، فأتيت و الناس في المسجد يموجون و لا يدرون.

فقال: يا أيها الناس كما أنتم، ثم أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مشربته، قد جعلت له عجلة، فرقى عليها، فقال لغلام له، أسود، و كان يحجبه: استأذن لعمر بن الخطاب، فاستأذن لي.

فدخلت و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مشربته، فيها حصير و أهب معلقة، و قد أفضى بجنبه إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه، و تحت رأسه و سادة من أدم محشوة ليفا، فلما رأيته بكيت.

قال: ما يبكيك؟

قلت: يا رسول اللّه، فارس و الروم، أحدهم يضطجع في الديباج و الحرير.

فقال: إنهم عجلت لهم طيباتهم، و الآخرة لنا.

ثم قلت: يا رسول اللّه، ما شأنك؟فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك، فقال: اعتزلهن؟

فقال: لا، و لكن كان بيني و بين أزواجي شي‏ء، فأحببت ألا أدخل عليهن

____________

(1) أي نتخوف غزو الغساسنة لنا.

47

شهرا.

ثم خرجت على الناس، فقلت: يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان بينه و بين أزواجه شي‏ء فأحب أن يعتزل.

فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنتي، أتكلمين رسول اللّه، و تغيظينه، و تغارين عليه؟

فقالت: لا أكلمه بعد بشي‏ء يكرهه.

ثم دخلت على أم سلمة، و كانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة.

فقالت: عجبا لك يا عمر بن الخطاب، كل شي‏ء تكلمت فيه، حتى تريد أن تدخل بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين أزواجه، و ما يمنعنا أن نغار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أزواجكم يغرن عليكم.

فأنزل اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً (1) حتى فرغ منها (2) .

____________

(1) الآية 28 من سورة الأحزاب.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 60 و 61 عن الطبراني، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و أحمد، و الترمذي، و ابن ماجة عن: أنس، و أم سلمة، و جابر، و ابن عباس، و عائشة، و الزهري، و ابن عمر. و قال في هامشه: ذكره الهيثمي في المجمع ج 5 ص 13 من طريق عبد اللّه بن صالح، و عزاه للطبراني في الأوسط، و هو في الصحيحين من حديث عائشة ج 8 ص 656 (4912) (6691) و مسلم ج 2 ص 1100 (20/1474) و راجع: صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 4 ص 192 و مجمع الزوائد (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 8-10 و المعجم الأوسط ج 8 ص 324-326 و راجع: فتح الباري ج 9 ص 243-247 و كنز العمال ج 2 ص 535-538.

48

و روي حديث المغافير عن عائشة بطريقة أخرى، فقد قالت: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحب الحلوى، و يحب العسل. و كان إذا صلى العصر دار على نسائه، فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك، فقيل لى: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منه، فقلت: أما و اللّه، لنحتالن له.

فذكرت ذلك لسودة، و قلت: إذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول اللّه، أكلت مغافر؟فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح؟

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشتد عليه أن يوجد منه ريح، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط. و سأقول له ذلك، فقولي له أنت يا صفية.

فلما دخل على سودة قالت سودة: و الذي لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذى قلت لي، و إنه لعلى الباب فرقا منك، فلما دنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلت: يا رسول اللّه أكلت مغافر.

قال: لا.

قلت: فما هذه الريح؟

قال: سقتني حفصة شربة عسل.

قلت: جرست نحله العرفط.

فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفية، فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول اللّه، ألا أسقيك منه؟

49

قال: لا حاجة لى به.

قال: تقول سودة: سبحان اللّه، و اللّه لقد حرمناه.

قلت لها: اسكتي‏ (1) .

حديث اعتزال النساء بطريقة أخرى:
و قد رووا حديث اعتزال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه بطريقة، أو بطرائق أخرى، فيها الكثير من الخلل و الوهن.. و استعراض جميع تلك الروايات، و بيان وجوه الإشكال فيها يحتاج إلى وقت و جهد لا نرى أننا نستطيع توفير هما في هذا الظرف، فلا بد أن نقتصر على ما يتيسر لنا عرضه، آملين أن نوفق لدراسة هذه القضية في فرصة أخرى، فنقول:

إن أبا بكر و عمر دخلا على النبى «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس و حوله نساؤه، و هو ساكت، فقال عمر: لأكلمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه

____________

(1) مسند أحمد ج 6 ص 59 و صحيح البخاري ج 6 ص 167 و ج 8 ص 64 و صحيح مسلم ج 4 ص 185 و البحار ج 22 ص 229 و سنن أبي داود ج 2 ص 191 و تفسير القرآن العظيم ص 413 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 354 و عمدة القاري ج 20 ص 243 و ج 24 ص 119 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 450 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 76 و عون المعبود ج 10 ص 128 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 85 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 300 و تفسير مجمع البيان ج 10 ص 55 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 301 و 302 و تفسير البغوي ج 4 ص 362 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 291 و زاد المسير ج 8 ص 49 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 177 و 178 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 413 و 414.

50

و آله» لعله يضحك.

فقال عمر: يا رسول اللّه، لو رأيت ابنة زيد (امرأة عمر) سألتنى النفقة آنفا، فوجأت عنقها.

فضحك النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدا ناجذه، و قال: هن حولي يسألننى النفقة.

فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، و قام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان:

تسألان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما ليس عنده؟!

فنها هما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن هذا.

فقلن نساؤه: و اللّه لا نسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

و أنزل اللّه الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: إنى ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك.

قالت: ما هو؟

فتلا عليها: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً .

قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟بل أختار اللّه و رسوله، و أسالك أن لا تذكر إلى امرأة من نسائك ما اخترت‏ (1) .

____________

(1) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن أحمد، و مسلم، و النسائي، و ابن مردويه، و راجع:

مسند أحمد ج 3 ص 328 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 383 و 384 و تفسر القرآن العظيم ج 3 ص 489 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 117 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 406 و ج 11 ص 175 و لباب النقول (ط دار إحياء-

51

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخرج إلى الصلاة، فأطال الصحابة الوقوف ببابه، فلم يأذن لهم، و لم يخرج إليهم، فتفرقوا، و تمكن عمر من الدخول، فسأله عن الأمر.

فأخبره بأنهن سألنه ما ليس عنده.

فقال له عمر: يا نبي اللّه قد صككت جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض، لأنها سألتني ما ليس عندي..

ثم تذكر الرواية ما جرى.. و فيها: فاخترن أن لا يتزوجن بعده‏ (1) .

النبي صلّى اللّه عليه و آله يهجر عائشة:
عن عائشة قالت: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سفر-و في رواية: «حجة الوداع» -و نحن معه، فاعتل بعير لصفية، و كان مع زينب فضل، فقال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن بعير صفية قد اعتل، فلو أعطيتها بعيرا لك!

قالت: أنا أعطي هذه اليهودية؟!

فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هجرها بقية ذي الحجة، و محرم، و صفر، و أياما من ربيع الأول، حتى رفعت متاعها و سريرها فظنت

____________

ق-العلوم) ص 173 و (ط دار الكتب العلمية) 158 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 181 و فتح القدير ج 4 ص 281.

(1) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 179-181 و راجع: تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 570 و عمدة القاري ج 13 ص 19.

غ

52

أنه لا حاجة له فيها، فبينما هي ذات يوم قاعدة نصف النهار، إذ رأت ظله قد أقبل، فأعادت سريرها و متاعها (1) .

و عن أبي هريرة قال: هجر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نساءه-قال شعبة: أحسبه قال: شهرا-فأتاه عمر بن الخطاب، و هو في غرفة، و هو على حصير قد أثر الحصير بظهره، فقال: يا رسول اللّه، كسرى يشربون في الذهب و الفضة، و أنت هكذا؟!

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنهم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الشهر هكذا، و هكذا و هكذا، و كسر في الثالثة الإبهام‏ (2) .

قال الصالحي الشامي:

تنبيهات: الأول: سبب نزول قوله تعالى‏ يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا (3) : أن نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» سألنه في عرض

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62 عن الطبراني، و أبي داود بسند جيد و قال في هامشه: ذكره الهيثمي في المجمع ج 4 ص 326 و قال: رواه أبو داود مختصرا، و الطبراني في الأوسط و راجع: مجمع الزوائد (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 323 و المعجم الأوسط ج 3 ص 99 و المعجم الكبير ج 24 ص 71.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62 و قال في هامشه: أخرجه أحمد ج 2 ص 298 و انظر المجمع ج 6 ص 7 و 10/327 و راجع: مسند أحمد (ط دار صادر) ج 2 ص 44 و 81 و مجمع الزوائد (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 7 و 8.

(3) الآية 28 من سورة الأحزاب.

53

الدنيا و متاعها أشياء، و طلبن منه زيادة في النفقة، و أذينه بغيرة بعضهن بعضا، فهجرهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و آلى (أي حلف) لا يقربهن شهرا و لم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه و كانوا يقولون: طلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه، فاستأذن عليه «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم.

الثاني: قال في (زاد المعاد) : و طلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و راجع، و آلى إيلاء مؤقتا بشهر، و لم يظاهر أبدا، و أخطأ من قال: إنه ظاهر خطأ عظيما، و إنما ذكر هنا تنبيها على ذكر خطائه و نسبته إليه ما أمره اللّه تعالى به‏ (1) . انتهى.

و نقول:

أولا: إن ما ذكره الصالحي الشامي، من أن أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سألنه زيادة في النفقة يأباه صريح الروايات التي تقدمت، و التي تقول: إنهن سألنه النفقة، و قد تقدمت الرواية بذلك آنفا (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62.

(2) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن مسلم، و النسائي، و أحمد، و ابن مردويه و راجع:

فيض القدير ج 2 ص 441 و مسند أحمد ج 3 ص 342 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 406 و ج 11 ص 153 و 154 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 374 و 407 و صحيح مسلم ج 4 ص 187 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 38 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 174 و 175 و شرح مسند أبي حنيفة ص 44 و تفسير البغوي ج 3 ص 526 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 163 و ج 18 ص 192 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 68.

54

و ذلك يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قصر في أداء ما يجب عليه لهن. و حاشاه من ذلك.

ثانيا: إن اللّه عز و جل قد و عدهن بالرزق الكريم إن أطعن اللّه و رسوله. فقال: وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صََالِحاً نُؤْتِهََا أَجْرَهََا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنََا لَهََا رِزْقاً كَرِيماً (1) .

و هذا يدل على: أن القضية لم تكن قضية نفقة، و إنما هي قضية طاعة و انقياد..

ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يبادي من تطلب منه حقها بهذا النحو من الشدة، فيعتزلها، و يهم بطلاقها. بل هو يلين لها و يعترف لها بحقها، و لا يحرمها من ليلتها مدة شهر كامل.. فيكون بذلك قد ظلمها، و استأثر بما لا يحق له الاستئثار به. فلما ذا لا يبقى معهن، و يؤدي لهن حقهن؟!فإذا صمم على طلاقهن، فإنه يمتنع عن غشيانهن، إلى أن يتمكن من تسريحهن بإحسان، بعد ان يصبح ذلك ممكنا من الناحية الشرعية..

رابعا: إن عدم تمكنه من الإنفاق لا يستلزم حلفه على طلاقهن، فيمكنه أن يطلقهن، أو أن يطلق من يشاء منهن، من دون حاجة إلى هذا الحلف.

خامسا: إن تصميمه على الطلاق حتى لو كان قد حلف عليه، و اعتزل نساءه لا يستوجب أن ينقطع عن أصحابه، و أن يمتنع من الإذن لهم بالدخول عليه.. و ما إلى ذلك.

سادسا: هل صحيح أنه كان لا يقدر على الإنفاق عليهن جميعا؟!أم أنه

____________

(1) الآية 31 من سورة الأحزاب.