الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج28

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
359 /
5

الجزء الثامن و العشرون‏

تتمة القسم العاشر

تتمة الباب االثامن‏

الفصل الثالث:

وفادة الملوك سنة تسع و وفد همدان‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

ملوك حمير قبل الإسلام:
كان ملوك حمير يعتنقون اليهودية، و هم الذين قتلوا نصارى نجران قتلا ذريعا، فتسلط الأحباش عليهم، و ذهب ملكهم‏ (1) ، إلا عبد كلال، فإنه آمن بعيسى «عليه السّلام» ، و بالنبي محمد «صلّى اللّه عليه و آله» قبل مبعثه‏ (2) .

النبي صلّى اللّه عليه و آله و ملوك حمير:
و كانت عساكر المسلمين تضرب في كل وجه يدعون إلى اللّه سبحانه، و إلى الإسلام، فمن آمن يكون له ما للمسلم، و من كفر جوزي بعمله، فعندئذ وفدت قبائل العرب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي يأمنوا العساكر المتفرقة في مخاليف اليمن‏ (3) .

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث مهاجر بن أبي أمية إلى

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 12-23، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 339.

(2) منتخب أخبار اليمن ص 93 لنشوان الحميري، و تاريخ الحسين «عليه السلام» لعبد اللّه العلايلي ص 101، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 339 نقلا عن منتخب أخبار اليمن.

(3) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 586-590

8

ملوك حمير (1) .

و قال بعضهم‏ (2) : بعث الأقرع بن عبد اللّه الحميري إلى عمير ذي مران، و زاد في الإصابة ذي رود. و بعث إلى زرعة بن سيف بن ذي يزن، و فهد، و البسي، و البحيري، و ربيعة، و هجر، و عبد كلال، و غيرهم‏ (3) .

و بعث خالد بن الوليد إلى همدان، فبقي فيهم ستة أشهر، فلم يجيبوه، ثم أرسل عليا «عليه السلام» فأسلمت على يديه همدان كلها في يوم واحد، حسبما تقدم.

و الذي يظهر بعد التتبع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب في سنة تسع كتبا، و أرسل رسلا إلى جميع أذواء اليمن و أقيالها، و بعث دعاته إلى تلك البلاد: معاذ بن جبل، و عبد اللّه بن زيد (لا ابن رواحة (4) ، فإنه استشهد في مؤتة سنة ثمان) و أبا موسى الأشعري، و مالك بن عبادة (مرارة) ، و عتبة بن نيار، ليفقّهوا الناس، و يعلموهم معالم الإسلام، فأجابوا إلى الإسلام،

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 279 و أسد الغابة ج 4 ص 422 و الإصابة ج 1 ترجمة الحارث و ج 4 ترجمة شرح بن عبد كلال.

(2) أسد الغابة ج 1 ص 110 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 586.

(3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 283، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 200 نقلا عن: الإصابة ج 3 ص 215 (7029) في «فهد» و ج 3 ص 495 (8425) في «مشرح» و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 33 و راجع الوثائق السياسية ص 226 /110-ألف و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 185 و راجع الإشتقاق ص 526.

(4) كما زعمه في أسد الغابة ج 3 ص 368 و الأموال لأبي عبيد ص 21 و 31.

9

و وفدت إليه وفودهم، و كتب لكل الوافدين كتبا، و أمنهم على دورهم، و زروعهم و أموالهم و أنفسهم.

و ممن كتب إليهم ابنا عبد كلال، و هم: مسروح، و نعيم.

و زاد ابن سعد و ابن الأثير: الحارث.

و عند الهمداني في الإنساب: كتب إلى الحارث و أخيه نعيم‏ (1) .

و من أبناء عبد كلال أيضا: أيفع، و عريب، و شرحبيل، و كان الملك منهم يومئذ الحارث و عريب‏ (2) .

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى ملوك حمير، و أذواء اليمن:
و نصوص الكتب التي يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسلها إلى أهل اليمن متعددة، و منها: نص الكتاب الذي أرسله «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبناء عبد كلال، و غيرهم، و هو كما يلي:

«سلم أنتم، ما آمنتم باللّه و رسوله، و أن اللّه وحده لا شريك له، بعث موسى بآياته، و خلق عيسى بكلماته. قالت اليهود: عزير ابن اللّه، و قالت النصارى: اللّه ثالث ثلاثة، عيسى ابن اللّه» (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323.

(2) أسد الغابة ج 3 ص 407 ترجمة عريب، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 279.

(3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 337 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 32 و رسالات نبوية ص 138 عن المصباح المضي‏ء ج 1 ص 316 عن الطبقات، و راجع: نشأة الدولة الإسلامية ص 145 و مدينة البلاغة ج 2 ص 282 و مجموعة الوثائق السياسية ص 218/107 عن ابن سعد، و عبد المنعم، و عن-

10

و من الواضح: أن أهل اليمن الذين كان كثير منهم على دين اليهودية، و بعض منهم كان على دين النصرانية.. فهذا الكتاب قد لا حظ ذلك، فتعرض لمزاعم اليهود و النصارى، و أعلن بطلانها.

قال ابن سعد: بعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي، و قال:

إذا أصبت أرضهم، فلا تدخل ليلا حتى تصبح، ثم تطهّر، فأحسن طهورك، وصل ركعتين، و سل اللّه النجاح و القبول، و استعد لذلك. و خذ كتابي بيمينك، و ادفعه بيمينك في أيمانهم، فإنهم قابلون.

و اقرأ عليهم: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ (1) ، فإذا فرغت منها فقل: آمن محمد، و أنا أول المؤمنين. فلن تأتيك حجة إلا دحضت، و لا كتاب زخرف إلا ذهب نوره.

و هم قارئون عليك، فإذا رطنوا، فقل: ترجموا.

قل: حسبي اللّه‏ آمَنْتُ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنْ كِتََابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اَللََّهُ رَبُّنََا وَ رَبُّكُمْ لَنََا أَعْمََالُنََا وَ لَكُمْ أَعْمََالُكُمْ لاََ حُجَّةَ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ اَللََّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنََا

____________

ق-نثر الدر المكنون في فضائل اليمن الباب السابع ص 62 و المطالب العالية لابن حجر ص 2631 و الأكوع الحوالي ص 130 و العقد الفريد ج 1 ص 456 و الإكليل ج 2 ص 364. و أوعز إليه في الإصابة ج 3 ص 495/8425 في ترجمة شرح بن عبد كلال، و نقل شطرا منه، و كذا ج 1 ص 283 في ترجمة الحارث، و أوعز إليه في نهاية الإرب للقلقشندي ص 260 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 247.

(1) الآية 1 من سورة البينة.

11

وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ (1) فإذا أسلموا فسلهم تصبهم الخ.. (2) .

فلما وصلت كتبه «صلى اللّه عليه و آله» أسلم أبناء عبد كلال، و زرعة بن سيف بن ذي بزن، و عمير ذو مران، و النعمان قيل ذي رعين، و معافر، و كتبوا بإسلامهم، و أرسلوا الكتاب مع وافدهم مالك. فأتى المدينة مع وفد همدان، مالك بن نمط و غيره، فلقوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» مقدمه من تبوك، فأخبروه بإسلامهم و كتابهم، فأكرم رسولهم‏ (3) .

من هو وافد حمير:
و كان وافد ملوك حمير: مالك بن مرارة (4) .

و قيل: هو الحارث بن عبد كلال، و أنه حين قدم اعتنقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أفرشه رداءه، و قال قبل أن يدخل عليه: «يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين فكأنه.. » (5) .

و أضافوا إلى الوافدين أيضا: نعيم بن عبد كلال، و النعمان قيل ذي

____________

(1) الآية 15 من سورة الشورى.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 32 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 247، و الإصابة ج 3 ص 495/8425.

(3) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 258 و الكامل ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية، و السيرة النبوية لزيني دحلان، و مجموعة الوثائق السياسية ص 219.

(4) راجع المصادر في الهامش السابق و أسد الغابة ج 2 ص 146.

(5) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323 و الإكليل للهمداني ج 2 ص 320، و الإصابة ج 1 ص 677.

12

رعين، و معافر و همدان‏ (1) . و لعل ذلك غير دقيق، فإن هؤلاء هم ملوكهم- على الظاهر (2) -و كان النعمان من الأقيال، و من البعيد أن يكون الملك هو الرسول، فلعلهم وفدوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» وفادة الملوك.

و قال ابن حجر عن الحارث: تظافرت الروايات أنه أرسل بإسلامه، و أقام باليمن‏ (3) .

و يدل على ذلك أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب في كتابهم:

«من محمد النبي إلى الحارث بن عبد كلال. و لو كان هو الوافد لكان الكتاب له لا إليه» (4) .

____________

(1) عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 111 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 381 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 258.

(2) أسد الغابة ج 5 ص 29 ترجمة نعمان قيل ذي رعين، و راجع: منتخب أخبار اليمن لنشوان الحميري ص 93.

(3) الإصابة ج 1 ص 677 ترجمة الحارث بن عبد كلال، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323.

(4) مكاتيب الرسول ج 2 ص 588، و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 130، و المصنف للصنعاني ج 4 ص 136، و المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 3 ص 37، و سنن الدار قطني ج 2 ص 113، و الإستيعاب ج 4 ص 1452، و كنز العمال ج 6 ص 562، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 356، و أسد الغابة ج 2 ص 203، و الإصابة ج 1 ص 678 و ج 2 ص 523، و فتوح البلدان للبلاذري ج 1 ص 85، و تاريخ الطبري ج 2 ص 381، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1009، و عيون الأثر ج 2 ص 295، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 145، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323، و السيرة الحلبية ج 3 ص 262.

13

و صرح ابن الأثير: بأن مالك بن مرارة الرهاوي قدم على النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بكتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، بإسلام الحارث بن عبد كلال‏ (1) .

أى أن ملوك حمير كتبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخبرونه بإسلام الحارث الذي كان ملكهم.

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل اليمن:
و مهما يكن من أمر، فقد روى ابن سعد عن رجل من حمير، أدرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وفد عليه قال: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مالك بن مرارة الرهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم (و إسلامهم) ، و هم: الحارث بن عبد كلال، و نعيم بن عبد كلال، و النعمان قيل ذي رعين، و معافر و همدان، و ذلك في شهر رمضان سنة تسع‏ (2) .

و قال ابن إسحاق: مقدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلالا أن ينزله و يكرمه و يضيفه.

و كتب إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«أما بعد.. فإني أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو.

أما بعد.. فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فبلغ ما أرسلتم به، و خبّر عما قبلكم، و أنبأنا بإسلامكم، و قتلكم المشركين، فإن اللّه تبارك و تعالى قد هداكم بهداه، إن أصلحتم و أطعتم اللّه و رسوله، و أقمتم

____________

(1) أسد الغابة ج 2 ص 146.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 356.

14

الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أعطيتم من المغنم خمس اللّه، و خمس نبيه و صفيّه، و ما كتب على المؤمنين من الصدقة، من العقار عشر ما سقت العين و سقت السماء، و على ما سقى الغرب نصف العشر. إن في الإبل الأربعين ابنة لبون، و في ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، و في كل خمس من الإبل شاة، و في كل عشر من الإبل شاتان، و في كل أربعين من البقر بقرة، و في كل ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة، و في كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، و إنها فريضة اللّه التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، و من أدى ذلك، و أشهد على إسلامه، و ظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، و له ذمة اللّه و ذمة رسوله.

و إنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، له ما لهم و عليه ما عليهم، و من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، و عليه الجزية على كل حالم-ذكر أو أنثى، حر أو عبد-دينار و اف من قيمة المعافر، أو عوضه ثيابا. فمن أدى ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإن له ذمة اللّه و ذمة رسوله، و من منعه فإنه عدو للّه و لرسوله.

أما بعد.. فإن رسول اللّه محمدا أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، و عبد اللّه بن زيد، و مالك بن عبادة، و عقبة بن نمر، و مالك بن مرارة، و أصحابهم. و أن اجمعوا ما عندكم من الصدقة و الجزية من مخاليفكم، و أبلغوها رسلي، و أن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا.

أما بعد.. فإن محمدا يشهد ألا إله إلا اللّه و أنه عبده و رسوله، ثم إن مالك بن مرارة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، و قتلت‏

15

المشركين، فأبشر بخير، و آمرك بحمير خيرا، و لا تخونوا، و لا تخاذلوا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو مولى غنيكم و فقيركم، و إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهل بيته، إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المسلمين و ابن السبيل، و إن مالكا قد بلغ الخبر، و حفظ الغيب، و آمركم به خيرا، و إني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، و أولي دينهم، و أولي علمهم، و آمركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم. و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 324 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 549 و 550 و أشار في المتن و في الهامش أيضا إلى المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 381 و في (ط أخرى) ج 3 ص 120 و اللفظ له، و البداية و النهاية ج 5 ص 75 و فتوح البلدان للبلاذري ص 82 و في (ط أخرى) ص 95 و 96 و السيرة الحلبية ج 3 ص 258 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 30 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 55 و 89 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 258 و في (ط أخرى) ص 235 و إعلام السائلين ص 37 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 354 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 84 و 83 و 20 و ج 5 ص 386 و 387 و ج 3 ق 2 ص 121 و الأموال لأبي عبيد ص 21 و 31 و كنز العمال ج 3 ص 308 و في (ط أخرى) ج 5 ص 518 و ج 6 ص 165 و 317 و ج 4 ص 275 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 69 و المفصل ج 5 ص 309 و تاريخ الخميس ج 2 ص 138 و رسالات نبوية ص 136 و 155 و المعجم الكبير للطبراني ج 25 ص 310 و 311 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 106 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 395 و سنن النسائي ج 8 ص 58 و الدر المنثور ج 1 ص 343 و ج 1 ص 193 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 274 و 275 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 144 و 145 و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 105 و مجمع الزوائد ج 3-

16

____________

ق-ص 71 و 72 عن النسائي، و المعجم الكبير، و أحمد، و مدينة البلاغة ج 2 ص 269 و أسد الغابة في ترجمة ذي يزن ج 2 ص 146 و 392 في ترجمة شرحبيل بن عبد كلال و 203 في ترجمة زرعة و ج 1 ص 339 في ترجمة الحارث بن كلال، و تلخيص المستدرك للذهبي (بهامشه) ج 1 ص 395 و نشأة الدولة الإسلامية ص 318 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 408 و الخراج للقرشي ص 113 و في (ط أخرى) ص 521 و 518 و 559، و السيرة النبوية لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي أبرقو ص 1044 و موارد الظمآن لزوائد ابن حبان ص 202 و مجموعة الوثائق السياسية ص 220/109 عن جمع ممن تقدم، و عن: وسيلة المتعبدين ج 8 الورقة 28-ب و ص 29-ألف، و سيرة ابن إسحاق (ترجمتها الفارسية) ورقة 214، و إمتاع الأسماع للمقريزي خطية ص 1027 و المواهب اللدنية ج 1 ص 279 و جمع الجوامع للسيوطي في مسند عمرو بن حزم و نشر الدر المكنون في فضائل اليمن ص 63 عن ابن مندة، و ابن عساكر، و سنن الدارقطني ج 1 ص 215 و الوفاء لابن الجوزي ص 742 و الوثائق السياسية اليمنية للأكوع الحوالي ص 107 و عن مقال لبعض الفرنسيين «لدافيد كهن» و روي هذا الحديث عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كما في كثير من طرق البيهقي و أسانيده ج 1 ص 88 و 309 و ج 4 ص 89 و 116 و 118 و 130 و ج 8 ص 25 و 28 و 72 و 73 و 79 و 88 و 89 و 95 و 97 و 188 و ج 10 ص 128 و الدارمي ج 1 ص 381 و 383 و 385 و ج 2 ص 161 و 188 و 189 و 192 و 193 و 195، و راجع: نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 369 و ج 2 ص 340 عن النسائي في الديات، و أبي داود في المراسيل، و عبد الرزاق في مصنفه، و الدار قطني في سننه، و ابن حبان في صحيحه، و الحاكم في مستدركه، و ابن الجوزي في التحقيقات، و أحمد بن حنبل في مسنده، و البيهقي في سننه و الطحاوي في شرح الآثار.

غ

17

و قد أرسل الكتاب إليهم مع عمرو بن حزم.

و هناك كتاب آخر أرسله لزرعة بن ذي يزن، و كتاب ثالث لأهل اليمن‏ (1) أرسله مع معاذ، يشبهان هذا الكتاب، فراجع و قارن في المصادر

____________

ق-و راجع: نيل الأوطار ج 7 ص 212 عن النسائي، و ابن خزيمة، و ابن حبان، و ابن الجارود، و الحاكم، و البيهقي موصولا، و أبي داود في المراسيل و قد صححه جماعة من أئمة الحديث منهم: أحمد، و الحاكم، و ابن حبان، و البيهقي. و الإصابة ج 3 ص 105 في ترجمة «عريب» و 586 في النعمان و ج 1 ص 283 في ترجمة الحارث و 577 في زرعة و ج 2 ص 166 في ترجمة شرحبيل، و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 825 و البحار ج 21 ص 366 و المصنف لعبد الرزاق ج 4 ص 136 و الفائق ج 2 ص 105 و زاد المعاد ج 1 ص 45 و في (ط أخرى) ص 30 و القرطبي في تفسيره ج 17 ص 225 و المحلى ج 6 ص 16 و ج 10 ص 411 و 412 و الموطأ (تنوير الحوالك ج 3 ص 58 و في (ط أرى) ج 2 ص 181، و المنتظم لابن الجوزي ج 3 ص 372 و الإشتقاق لابن دريد ص 526 قال: و عريب و الحارث ابنا عبد كلال كتب إليهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإكليل للهمداني ج 2 ص 321.

(1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 592 و 593 عن المصادر التالية: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64 و في (ط أخرى) ص 69 و قال: و كان الرسول بالكتاب معاذ بن جبل.

قال ابن سعد في الطبقات ج 1 ص 264 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 20: «و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل اليمن كتابا يخبرهم فيه بشرائع الإسلام و فرائض الصدقة في المواشي و الأموال و يوصيهم بأصحابه و رسله خيرا، و كان رسوله إليهم معاذ بن جبل و مالك بن مرارة و يخبرهم بوصول رسولهم إليه و ما بلغ عنهم» ، ثم نقل كتابه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبناء عبد كلال فلا يحتمل-

18

الآتية (1) .

و نقول:

إنه عدا عن أن بعض النصوص لهذا الكتاب تخالف ما ثبت عن أئمة أهل البيت المعصومين «عليهم السلام» (2) فإننا نشير إلى ما يلي:

____________

ق-اتحادهما و إن كان بين الكتابين اشتراك في الألفاظ و الوصية برسله و ذكر مالك بن مرارة و نحوه ما في الأموال لأبي عبيد ص 31.

و راجع: الطبقات الكبرى ج 3 ق 2 ص 121 و فتوح البلاذري ص 96 و 98 و الإصابة ج 3 ص 427 في ترجمته، و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 128 و 144 و 145 و المعرفة و التاريخ ج 3 ص 409 و ترتيب مسند الشافعي ج 1 ص 152 و ج 2 ص 129 و الخلاف ج 2 ص 18 و الخراج لأبي يوسف ص 59 و الخراج للقرشي ص 68 و 112 و 113 و غريب الحديث لأبي عبيد ج 1 ص 70 و الأموال لأبي عبيد ص 38 و 54 و 63 و 584 و 638 و الدر المنثور ج 1 ص 162 و كنز العمال ج 10 ص 392 و المصنف لعبد الرزاق ج 4 ص 119/7186 و 7187 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 128 و ابن ماجة ج 1 ص 580/1814 و الوثائق السياسية ص 215 و 216 و راجع: الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 126 و 128 و ج 2 ص 837 و 841 و ج 3 ص 948 و 1027 و 2061 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 65.

(1) الأموال لأبي عبيد ص 289 و 290 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 465 و فتوح البلدان للبلاذري ص 94 و كنز العمال ج 4 ص 319 و ج 10 ص 417 و 418 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 386.

(2) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 567 و 569 و راجع ص 570.

19

تكرار كلمة «أما بعد» :
بالنسبة لهذا الكتاب الأخير نلاحظ: أن كلمة «أما بعد» قد تكررت فيه أربع مرات، بالإضافة إلى تكرار فقرات و مطالب أخرى، مثل الحديث عن الصدقة مرتين، كما أن الإشارة إلى الأشخاص قد تكررت أيضا.

و هو أمر غير مألوف في الرسائل، فقد يثير هذا احتمال أن تكون رسائل مختلفة أرسلت لعدة فئات أو جهات أو أشخاص في اليمن، فمزجها الرواة عمدا و سهوا. و قد ظهر نتيجة لذلك ضعف في التركيب، و تفكك و عدم انسجام، فهو تارة يكلمهم بصيغة الجمع، و أخرى بصيغة المفرد.

الإعلان و الإشهاد على الإسلام:
و قد ذكر في الكتاب: أن من أدى زكاة ماله، و أشهد على إسلامه، و ظاهر المسلمين على المشركين فهو من المؤمنين..

و لعل المقصود بالإشهاد على الإسلام هو: إشهار إسلامه و إعلانه حتى لا يتعرض لمعرة جيوش المسلمين، فإنه إذا تكتم على ذلك، و ستره، و كانت المنطقة في أجواء حرب و قتال، فقد يظن به من لا يعرفه الكفر و الشرك، و أنه محارب فيوقعون به.

الإيمان قول و عمل:
قد ذكر في الكتاب: أن هدايتهم متوقفة على إصلاحهم، و طاعتهم للّه و رسوله، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، و إعطاء الحق الشرعي من المغانم..

و هذا يدل على: أن الإقرار باللسان لا يوجب نجاتهم من العذاب، و لا

20

أمنهم من القتل، بل لا بد أن يعملوا بالمذكورات. كما أن من يعمل بها فله ذمة اللّه و رسوله، أي أن من لم يعمل فليس له ذلك..

قتال المشركين دون غيرهم:
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد شرط عليهم قتل المشركين، و عدم الإكتفاء بقطع الصلة معهم..

و لعل المراد: أن لا يتحرجوا من قتلهم حين وقوع الواقعة بين المسلمين و المشركين.

و من المعلوم: أنه لا يقبل من المشركين إلا الإسلام أو الحرب، و يخيّر اليهود و النصارى، بين الجزية، و الإسلام، و الحرب. ربما لأن الشرك يتناقض مع التوحيد، أما اليهودية و النصرانية فليستا بهذه المثابة، فلأجل ذلك لا يجبر النصارى و اليهود على ترك دينهم، إذا أعطوا الجزية، و قد تحدثنا عن ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب..

من يأخذ الصدقات من الناس؟!:
و قد ذكر الكتاب المتقدم: أن زرعة، و سائر ملوك حمير، و همدان، و غيرهم، هم الذين يجمعون صدقاتهم. و يأخذون الجزية ممن لم يسلم من اليهود و النصارى من قومهم، ثم يسلمونها إلى مبعوثي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ..

و هذا غاية في الإرفاق بهم، و رعاية حالهم، فإن بعضهم أعرف بأحوال بعض من غيرهم، و بذلك يتحقق الإجراء الصحيح لما هو مطلوب، و يطمئن قومهم إلى إجراء سنة العدل فيهم.

21

رسول اللّه مولى غنيكم و فقيركم:
و بعد أن أمرهم في الكتاب بأن لا يخونوا و لا يتخاذلوا، علل لهم ذلك بقوله: «فإن رسول اللّه مولى غنيكم و فقيركم» ، فلا يشعر الفقير بأن ثمة استقواء عليه، و استغلالا لحاله، فيؤخذ بما لا يؤخذ به غيره، و تفرض عليه قرارات لا تفرض على الغني، و لا تطلب منه..

فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب ما يطلبه و يفرض ما يفرضه على الجميع، من دون استثناء، لأنه ولي الغني و الفقير، و الكبير و الصغير..

إنما هي زكاة يتزكى بها:
و يلاحظ: أن الكتاب يقول عن الزكاة: «إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهله، إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المؤمنين، و أبناء السبيل» .

فقد تضمنت هذه الفقرة الإشارة إلى أمور عديدة، فقد عبّرت بكلمة «المؤمنين» ، دون كلمة المسلمين، ربما لتؤكد: أن مجرد إظهار الإسلام لا يكفي، بل لا بد من الإيمان بمعناه الصحيح، الذي هو قول و قبول و التزام قلبي و عملي بكل ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ..

ثم إن الزكاة تطهير للنفوس، و تنمية لها، من خلال إبعادها الإنسان المؤمن عن التعلق بالمال و حب الدنيا، و إيجابها القرب من اللّه تعالى، و هي تدفع إلى الإيثار، و إلى الشعور بحوائج المؤمنين..

وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لرسوله:
و قد تقدم: أنه «صلّى اللّه عليه و آله» أوصى لرسوله عياش بن أبي ربيعة

22

بأن لا يدخل على من يبعثه إليهم، و أن يتوضأ قبل دخوله عليهم، و يصلي ركعتين، و يسأل اللّه النجاح و القبول، و أن يأخذ كتابه بيمينه، و يدفعه إليهم بأيمانهم..

أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يسن لهم ما شرعه اللّه تعالى في شأن الرسل في هذه المناسبة بالذات، لتكون حساسيتها من أسباب وعيها بعمق، و تحسس نتائجها الرضية على الرسول و على المرسل إليهم على حد سواء.

و لعل عياش بن أبي ربيعة كان يشعر بخطورة الموقف، فجاءت التوجيهات منه «صلى اللّه عليه و آله» لتربط على قلبه، و تعيده إلى اللّه، فيشعر بعظمته، و بهيمنته، و بقدرته، و بمحبته له و للمؤمنين، و لطفه و عناياته بهم..

فيعيش الثقة باللّه، و السكينة في قلبه، و روحه، و القوة في دينه، و عدم المبالاة بالأخطار إذا كان اللّه محبا له، راضيا عنه.

على أن هذه القوة الروحية، و الثبات و الإتزان في الخطاب و في الموقف يعطي للكلمة قوة مضاعفة على التأثير، و يضفي على شخصيته الهيبة، و يفرض على الآخرين احترامه، و الإصغاء إليه، و التدبر فيما يأتيهم به.

وفد همدان:
و في شهر رمضان من سنة تسع، مرجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك قدم وفد همدان على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع وفد حمير.

و كان الوافد من كل بطن من همدان سيدهم. فمالك بن أيفع من بني ناعط. و عميرة بن مالك من بني حازم، و من بني سلمان ضمام بن مالك. و من بني حدان مسلمة بن هدان، و هم بطن من همدان. و من بني خارف من بني‏

23

حاشد (بطن من همدان) مالك بن نمط، و كنيته أبو ثور، و لقبه ذو المشعار.

و قيل: كان مجموع وفد همدان مائة و عشرين نفسا (1) .

و كان على وفد همدان مقطعات الحبرات، مكففة بالديباج، و فيهم حمزة بن مالك من ذي مشعار، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، و أصبرها على الجهد، و منهم أبدال و أوتاد الإسلام» (2) .

فأسلموا، و كتب لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتابا بمخلاف خارف،

____________

(1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 387 و 388 عن عدد من المصادر.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 387 و في هامشه عن المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 31 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 300 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 131 و 132 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 369 و ينابيع المودة ص 219 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 833 و في (ط أخرى) ج 2 ق 2 ص 55 و البحار ج 21 ص 360 و 363 عن إعلام الورى، و عن الإرشاد للمفيد «رحمه اللّه» و ج 38 ص 71 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 129 و الإرشاد للمفيد «رحمه اللّه» ص 28 و البداية و النهاية ج 5 ص 105 و زاد المعاد ج 3 ص 36 و مجموعة الوثائق السياسية ص 132/80 عن إمتاع الأسماع للمقريزي، و حياة الصحابة ج 1 ص 95 و العدد القوية ص 251 و التنبيه و الإشراف ص 238 و ذخائر العقبى ص 109 و تاريخ الخميس ج 2 ص 145 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 64 و ج 21 ص 620 عن الجامع بين الصحيحين ص 731 و نثر الدر المكنون ص 43 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 396 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 201 من طرق كثيرة، و التدوين للقزويني ج 2 ص 429 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34.

24

و يام، و شاكر، و أهل الهضب، و حقاف الرمل من همدان لمن أسلم منهم‏ (1) .

و في زاد المعاد: «قدم عليه وفد همدان منهم: مالك بن النمط، و مالك بن أيفع، و ضمام بن مالك، و عمرو بن مالك، فلقوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عند منصرفه من تبوك، و عليهم مقطعات الحبرات، و العمائم العدنية، برحال الميس على الرواحل المهرية و الأرحبية، و مالك بن النمط يرتجز:

همدان خير سوقة و أقيال # ليس لها في العالمين أمثال‏

محلها الهضب و منها الأبطال # لها أطابات بها و آكال‏

و كان يرتجز بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يقول:

إليك جاوزن سواد الريف # في هبوات الصيف و الخريف‏

مخطمات بحبال الليف‏

و ذكروا له كلاما حسنا فصيحا، سيأتي.

فكتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، و أمّر عليهم مالك بن النمط، و استعمله على من أسلم من قومه، و أمره بقتال ثقيف. و كان لا يخرج لهم سرح إلا أغاروا عليه‏ (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 1 ق 2 ص 74، و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 440، و ذكره المتقي الهندي في الكنز (34030) .

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 175 و 176 و أسد الغابة ج 4 ص 294 و الإصابة، و الإستيعاب، و السيرة الحلبية، و السيرة النبوية لدحلان.

25

و لكننا نشك في هذا الكلام الأخير، فإن همدان لا يمكن أن تقاتل ثقيفا، و لا أن تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن، و ثقيفا بالطائف‏ (1) .

ثم إن الصحيح هو: أن همدان قد أسلمت على يد علي «عليه السلام» ، لا أنها وفدت و أسلمت، و قد تقدم الكلام في ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب.

و قال ابن إسحاق: «فقام مالك بن نمط بين يديه، فقال: يا رسول اللّه نصية من همدان، من كل حاضر و باد، أتوك على قلص نواح، [متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، من مخلاف خارف و يام‏] و شاكر، أهل السود و القود، أجابوا دعوة الرسول، و فارقوا الآلهات و الأنصاب، عهدهم لا ينقض‏[عن سنة ماحل، و لا سوداء عنقفير]، ما أقام لعلع، و ما جرى اليعفور بصيلع» .

فكتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا فيه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمخلاف خارف، و أهل جناب الهضب، و حقاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار، مالك بن نمط، و من أسلم من قومه أن لهم فراعها، و وهاطها، و عزازها ما أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، يأكلون ظلافها، و يرعون عفاءها، [لنا من دفئهم و صرامهم ما سلموا بالميثاق و الأمانة، و لهم

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 178 عن زاد المعاد لابن قيم الجوزية، و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 360 و تاريخ الخميس ج 2 ص 195.

26

من الصدقة الثلب، و الناب، و الفصيل و الفارض، و الداجن، و الكبش الحوري. و عليهم فيها الصالغ و القارح‏]. لكم بذلك عهد اللّه، و ذمام رسوله، و شاهدكم المهاجرون و الأنصار» . فقال في ذلك مالك بن نمط:

ذكرت رسول اللّه في فحمة الدجى # و نحن بأعلى رحرحان و صلدد

و هن بنا خوص طلائح تغتلي # بركبانها في لاحب متمدد

على كل فتلاء الذراعين جسرة # تمر بنا مر الهجف الخفيدد

حلفت برب الراقصات إلى منى # صوادر بالركبان من هضب قردد

بأن رسول اللّه فينا مصدق # رسول أتى من عند ذي العرش مهتد

فما حملت من ناقة فوق رحلها # أشد على أعدائه من محمد

و أعطى إذا ما طالب العرف جاءه # و أمضى بحد المشرفي المهند (1)

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و 428 و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 175-178 و راجع: مكاتيب الرسول للعلامة الأحمدي ج 3 ص 376 و 377 و 388-391 و قد نقل العلامة الأحمدي الكتاب المشار إليه عن المصادر التالية: العقد الفريد ج 2 ص 32 (باب الوفود) و صبح الأعشى ج 2 ص 263 و ج 6 ص 360 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 89 و نسيم الرياض ج 1 ص 392 و بهامشه شرح القاري ج 1 ص 391 و الشفا ج 1 ص 168 و نثر الدر للآبي ج 1 ص 217 و نهاية الإرب ص 227 و المصباح المضي‏ء ج 2 ص 341 و إعلام السائلين ص 40 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 269 و في (ط أخرى) ص 245 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 56 و سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي أبرقوه ص 1055 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 239 و نشأة الدولة الإسلامية ص 348 و المواهب-

غ

27

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات هي التالية:

توضيحات:
قد تضمن كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مفردات تحتاج إلى إيضاح، و هي:

خارف: بطن من همدان، منهم الحارث الأعور.

شية ماحل: أي عن وشاية و سعاية واش. و روي عن سنة ماحل.

و السنة الطريقة أي طريقة ساع و نمام.

الهضب: جمع هضبة. و جناب الهضب اسم موضع.

حقاف الرمل: اسم موضع أيضا. و الحقاف: جمع حقف، و هو ما

____________

ق-اللدنية شرح الزرقاني ج 4 ص 170 و الفائق ج 3 ص 433 و المفصل ج 4 ص 186 و النهاية لابن الأثير في «حور» . و مجموعة الوثائق السياسية ص 233 /113 عن جمع ممن تقدم، و عن نثر الدر المكنون للأهدل ص 66 و الوثائق السياسية اليمنية للأكوع الحوالي ص 111. و أرجع إلى مخطوطة التأريخ المجهول، ثم قال: قابل الطبقات ج 1 ق 2 ص 73 و 74 و السهيلي في الروض الأنف ج 2 ص 348 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ص 1731 و 1732 و أسد الغابة ج 4 ص 294 و ج 2 ص 51 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 89 و إمتاع الأسماع للمقريزي (خطية) ص 1030 و النهاية في «ثلب» و اللسان في «حور» و انظر كايتاني ج 9 ص 67 و اشپرنكر ج 3 ص 456 و راجع أيضا ص 719 و راجع:

الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 379 و الإصابة ج 3 ص 35 و زاد المعاد ج 3 ص 35.

28

اعوّج و استطال من الرمل.

المشعار: موضع أيضا.

الفراع: ما علا من الأرض و ارتفع.

الوهاط: المواضع المطمئنة.

الدف‏ء: نتاج الإبل.

الصرام: النخل الذي يصرم و يقطع.

الثلب: ما هرم من ذكور الإبل، و تكسرت أسنانه.

الناب: الناقة الهرمة التي طال سنها.

الفصيل: ما انفصل من أمه من أولاد الإبل.

الفارض: المسن من الإبل و من البقر.

الداجن: ما يعلف في المنزل.

الحوري: الذي في صوفه حمرة.

الصالغ: من البقر و الغنم ما انتهى سنه بالسادسة.

القارح: من الخيل ما دخل في الخامسة أو السادسة.

أي أن الصدقة لا تعطى لا من الخيار، و لا من الرذال.

كتاب لهمدان:
و لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» إسلام همدان كتب إليهم بما يلي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى عمير ذي مران، و من أسلم من همدان، سلم أنتم، فإني أحمد اللّه إليكم الذي لا إله إلا هو.

أما بعد ذلك، فإنه بلغني إسلامكم مرجعنا من أرض الروم، فأبشروا،

29

فإن اللّه قد هداكم بهداه، و إنكم إذا شهدتم أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبد اللّه و رسوله، و أقمتم الصلاة، و آتيتم الزكاة، فإن لكم ذمة اللّه و ذمة رسوله على دمائكم و أموالكم، و أرض البور التي أسلمتم عليها، سهلها و جبلها، و عيونها و فروعها غير مظلومين، و لا مضيق عليكم.

و إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهل بيته، إنما هي زكاة تزكونها عن أموالكم لفقراء المسلمين، و إن مالك بن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب و بلغ الخبر، فآمركم به خيرا فإنه منظور إليه. و كتب علي بن أبي طالب» (1) .

و مران: مخلاف باليمن.

____________

(1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 392 و 393 عن: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 65 و في (ط أخرى) ص 70 و المعجم الكبير ج 17 ص 47 و 48 و أسد الغابة ج 4 ص 147 و رسالات نبوية ص 202 و إعلام السائلين ص 24 و الإصابة ج 3 ص 121 في ترجمة عمير و 354 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 339 و 340/18479 و نشأة الدولة الإسلامية ص 346. و مجموعة الوثائق السياسية ص 230/111 عن جمع ممن تقدم، و عن معجم الصحابة لابن قانع (خطية كوپرولو ملخصا) ورقة ص 121-ألف. ثم قال: قابل المعارف لابن قتيبة ص 234 و راجع: 719 عن سبل الهدى للشامي خطية باريس/1992 ورقة 67-ألف. و أوعز إليه في أسد الغابة ج 2 ص 145 في «ذي مران» و ج 3 ص 83 في «عامر بن شهر» ، و الإصابة ج 2 ص 251 في عامر بن شهر، و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 493 و الطبقات الكبرى ج 6 ص 18 و 42 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 2414 و الإكليل ج 10 ص 49. و في رسالات نبوية قال الحافظ و ابن الأثير: أخرج الطبراني، ثم ساق الكتاب فقال: قال ابن الأثير:

أخرجه ابن مندة، و أبو نعيم، و ابن عبد البر، و أخرجه ابن سعد في الطبقات.

30

و البور: الأرض التي لم تزرع.

و رها: بطن من مذجح.

الثناء على همدان:
1-قد تضمنت النصوص المتقدمة ثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قبيلة همدان. و إذا تأملنا في مضمون هذا الثناء، فسنجد أنه وصفها بأوصاف قد لا نجد لها مصداقا في زمنه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن هذه القبيلة إنما دخلت في الإسلام في وقت متأخر، و لا يختلف حالها عن حال سائر القبائل من ناحية الثقافة الدينية، و الإلتزام بأحكام الشرع الحنيف. و لم يظهر لنا أنه كان في تلك القبيلة آنئذ من يمكن وصفه بأنه من الأبدال أو من الأوتاد..

و لو قبلنا وجود أشخاص من هذا القبيل، فإنهم لا يمكن وصفهم بأنهم أوتاد الإسلام.. فإن أحدا منهم لم يصل إلى مقام سلمان، و أبي ذر، و عمار، و المقداد. فإن صح إطلاق وصف أوتاد الإسلام على أحد، فإن هؤلاء الأربعة أولى من همدان و سواها بذلك.. فما معنى أن يترك «صلى اللّه عليه و آله» هؤلاء ليقرر أن أوتاد الإسلام من همدان؟!..

2-أما الحديث عن أن أبدال الإسلام منهم، فهو الآخر لا يختلف عن سابقه، و تعارضه روايتهم: أن الأبدال بالشام، في حين أن قبيلة همدان يمانية..

يضاف إلى ذلك: أن أهل البيت «عليهم السلام» لم يذكروا لنا شيئا عن هؤلاء الأبدال، بل انحصرت الرواية التي تذكرهم بغير أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم. و لو وجدت رواية عنهم، فإنها تبقى على درجة من الشذوذ، بحيث يدور حولها أكثر من سؤال.

31

3-و أما السرعة إلى النصر، و الصبر على الجهد، فهي صفات قد تتحقق في المؤمن و في غيره، و لكن اقتران ذلك بقوله: نعم الحي همدان، يفيد أنه «صلى اللّه عليه و آله» بصدد الثناء عليها، و لكنه ثناء يبقى غير حاسم، فإن الإتصاف ببعض الصفات قد يوجب مدحا، مثل صفة السخاء و الصدق في القول، و لكنه يبقى مدحا على أمر دنيوي، لا يعطي منزلة في الدين و لا مقاما عند اللّه، إلا إذا انطلق من الطاعة له تعالى، و التعبد و التقرب به إليه..

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الفصل الرابع:

وفود سنة تسع‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

وفود مرّة:
و قالوا: قدم وفد بني مرّة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رجع من تبوك سنة تسع، و هم ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا قومك و عشيرتك، و نحن قوم من بني لؤي بن غالب..

فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: «أين تركت أهلك» ؟

قال: بسلاح و ما والاها.

قال: «و كيف البلاد» ؟

قال: و اللّه، إنهم لمسنتون، فادع اللّه لنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا الغيث» .

فأقاموا أياما ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم، فجاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مودعين له، و أمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق فضة، و فضّل الحارث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، و رجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت. فسألوا: متى مطرتم؟فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قدم عليه و هو يتجهز لحجة الوداع قادم منهم، فقال: يا رسول اللّه،

36

رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرا في ذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمس عشرة[ليلة]مطرة جودا، و لقد رأيت الإبل تأكل و هي بروك، و إن غنمنا ما توارى من أبياتنا، فترجع فتقيل في أهلنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي هو صنع ذلك» (1) .

و في نص آخر: أن الحارث بن عوف أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: ابعث معي من يدعو إلى دينك و أنا له جار.

فبعث معه رجلا أنصاريا، مادّا به عشيرة الحرث، فقتلوه، فقال حسان:

يا حار من يغدر بذمة جاره # منكم فإن محمدا لا يغدر

و أمانة المريّ حين لقيتها # كسر الزجاجة صدعها لا يجبر

إن تغدروا فالغدر من عاداتكم # و اللؤم ينبت في أصول السخبر

فاعتذر، وودى الأنصاري، و قال: يا محمد، إني عائذ بك من لسان حسان، لو أن هذا مزج بماء البحر لمزجه‏ (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 410 عن الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 63 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 217 و 218 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 310 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 298 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 103 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 311 و السيرة الحلبية ج 3 ص 274.

(2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 218 و الأغاني (ط ساسي) ج 4 ص 11 و أسد الغابة ج 1 ص 342-343 ترجمة الحارث، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 132-133 و الإصابة لابن حجر ج 1 ص 683 و الوافي بالوفيات للصفدي ج 11 ص 194 و أنساب الأشراف ج 4 ص 228.

37

و نقول:

تحدثنا في مواضع عديدة من مناقشاتنا لما يذكرونه عن سائر الوفود عن عدد من النقاط التي وردت في النص الآنف الذكر، و ذلك مثل:

1-إنهم حاولوا التقرب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالنسب، و أنهم قومه و عشيرته، و أنهم من بني لؤى بن غالب..

و يلاحظ: هنا أيضا أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجبهم بشي‏ء، بل اكتفى بالتبسم..

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» سألهم عن حال بلادهم، من حيث الجدب و الخصب، و لم يسألهم و لم يحدثهم عن شي‏ء آخر قد يكون له علاقة بالقربى النسبية..

3-إنهم بعد أن أخبروه بالجدب في بلادهم طلبوا منه أن يدعو لهم، مؤكدين بذلك نظرتهم إلى الأنبياء، و توقعاتهم منهم..

4-إن المعجزة قد تحققت، حيث سقاهم اللّه الغيث في نفس الساعة التي دعا لهم فيها، و قد أدركوا هم أنفسهم ذلك..

و نضيف إلى النقاط المتقدمة ما يلي:

الكرامة صنع إلهي:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينسب نزول الغيث، و حصول الخصب إلى نفسه، بل قال: «الحمد للّه، الذي هو صنع ذلك» ، فالحمد ثناء على اللّه لأجل فعل اختاره سبحانه و تعالى، ليكون بمثابة استجابة لدعائه.. ثم أكد على نفس هذا المعنى و بطريقة تفيد التخصيص و الحصر به تعالى، حيث قال:

38

«هو» صنع ذلك. و لم يقل: «الذي» صنع ذلك.. و ذلك لكي لا يدخل في و هم أحد من قاصري النظر أي و هم يؤثر على سلامة اعتقاده، و ذهابه بهذا الأمر إلى أكثر مما يجوز فيه..

قتل الدعاة إلى اللّه:
و لا شك في أن قتل بني مرة لذلك الأنصاري كان في غاية القبح، و من موجبات أعظم الخزي، فإنهم لم يقتلوا ذلك الرجل لذنب جناه، و لا لدفع ضرر يأتي من ناحيته، حتى و لو بمستوى أن يأكل من طعامهم، و لا طمعا في ماله، أو بغير ذلك مما يرتبط به.. كما أنهم لم يقتلوه لمجرد التلهي بسفك دمه..

بل قتلوه لأنه يريد أن يعلمهم لكي يخرجهم من الظلمات إلى النور، و ينيلهم السعادة في الدنيا، و الفوز بجنات اللّه في الآخرة. و لأنه يحمل إليهم رسالة اللّه، و يرشدهم إلى الحق و الخير، و يدعوهم إلى الهدى.. فكان جزاؤه منهم أقبح و أخزى مما جوزي به سنمار..

و قد أدرك الحارث بن عوف هذه الحقيقة، و أن شعر حسان بن ثابت من شأنه أن يفضح بني مرة في العرب، و يكون له عليهم أوخم العواقب، لا سيما و أن فعلتهم هذه قد جاءت في وقت انتصار الإسلام و انتشاره، و قوته، و ظهور بخوع العرب له، و التزامهم به، و هم يرون ثمرات إسلامهم أمنا و رفعة شأن، و صلاح أمور، و نشوء حضارة، و تخلصا من كثير من المشاكل..

و إذا أصبحت فعلتهم هذه على ألسنة الشعراء، فتلك هي المصيبة العظمى، و الداء الذي لا دواء له، و لذلك طلب الحارث من النبي «صلى‏

39

اللّه عليه و آله» أن يكف عنه لسان حسان، فأجابه إلى ما طلب، رحمة و رأفة، و حسن تقدير، و صحة تدبير..

وفود فزارة:
روى ابن سعد، و البيهقي عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي قال: لما رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك، و كانت سنة تسع، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، و الحر بن قيس بن حصن، و هو أصغرهم-و هم مسنتون-على ركاب عجاف، فجاؤوا مقرين بالإسلام. فنزلوا دار رملة بنت الحدث. و سألهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن بلادهم.

فقال أحدهم: يا رسول اللّه، أسنتت بلادنا، و هلكت مواشينا، و أجدب جنابنا، و غرث عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، و اشفع لنا إلى ربك، و ليشفع لنا ربك إليك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سبحان اللّه، ويلك، هذا أنا أشفع إلى ربي عز و جل، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟

لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات و الأرض، فهي تئط من عظمته و جلاله كما يئط الرحل الجديد» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و 395 عن: دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 143 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 92 و البداية و النهاية ج 6 ص 100 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 206 و 211 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 129 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 305-

40

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه عز و جل ليضحك من شففكم، و أزلكم، و قرب غياثكم» .

فقال الأعرابي: يا رسول اللّه، و يضحك ربنا عز و جل؟

فقال: «نعم» .

فقال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرا (1) .

فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قوله، و صعد المنبر، فتكلم بكلمات، و كان لا يرفع يديه في شي‏ء من الدعاء إلا في الإستسقاء.

فرفع يديه حتى رئي بياض إبطيه.

و كان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك و بهائمك، و انشر رحمتك، و أحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريئا، طبقا واسعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة و لا تسقنا عذابا، و لا هدما، و لا غرقا، و لا محقا، اللهم اسقنا الغيث، و انصرنا على الأعداء» .

فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه، التمر في المربد.

و في لفظ: المرابد.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا» .

____________

ق-و زاد المعاد لإبن قيم الجوزية ج 3 ص 569. و راجع: الدر المنثور ج 1 ص 329 و راجع ص 324 و 325 عن أبي الشيخ.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و 395 و راجع ج 9 ص 443 و دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 315 و زاد المعاد لإبن قيم الجوزية ج 3 ص 569 و البداية و النهاية ج 6 ص 100.

41

فعاد أبو لبابة لقوله، و عاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لدعائه.

فعاد أبو لبابة أيضا، فقال: التمر في المربد يا رسول اللّه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا، حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» (1) .

قالوا: و لا و اللّه ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.

قال: فلا و اللّه، ما رأينا الشمس سبتا.

و قام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره، لئلا يخرج التمر منه.

فجاء ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول اللّه، هلكت الأموال، و انقطعت السبل.

فصعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المنبر فدعا، و رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم على الآكام و الظراب، و بطون الأودية، و منابت الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة

____________

(1) الثاقب في المناقب للطوسي ص 90، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 354، و دلائل النبوة للأصبهاني ج 2 ص 760، و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 200، و أسد الغابة ج 5 ص 285، و البداية و النهاية لابن كثير ج 6 ص 100، و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 130، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 306، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و ج 9 ص 442، و السيرة الحلبية ج 3 ص 268، و غريب الحديث لابن سلام ج 3 ص 96، و لسان العرب ج 1 ص 238، و تاج العروس ج 1 ص 334.

غ

42

انجياب الثوب» (1) .

و نقول:

إن هذا النص قد تضمن أمورا أشرنا إليها في العديد من الموارد و مع ذلك نشير إلى ما يلي:

و يضحك ربنا:
قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن اللّه تبارك و تعالى يضحك، و قد تعجب الأعرابي من ذلك، حيث وجد فيه ما يصادم فطرته و يناقض حكم عقله..

و قد تحدثنا حين ذكر وفود أبي رزين عن هذا الموضوع، و بيّنا: أنه من دسائس أهل الكتاب القائلين بالتجسيم الإلهي، و كانوا مهتمين بإشاعة عقائدهم بين المسلمين، و كان كثير من المسلمين مبهورين بهم، آخذين عنهم، و قد تكلم عن هذا الموضوع أيضا الشيخ محمود أبي ريّا في كتابه:

«أضواء على السنة المحمدية» . و كتاب «شيخ المضيرة (أبو هريرة) » .

فلا بأس بمراجعة ما قال.

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و 395 إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 130، و المجموع للنووي ج 5 ص 96، و فتح الوهاب للأنصاري ج 1 ص 153، و المغني لابن قدامه ج 2 ص 298، و الشرح الكبير لابن قدامه ج 2 ص 298، و نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 40، و بدائع الصنائع للكاشاني ج 1 ص 283، و سبل السلام للكحلاني ج 2 ص 81، و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 83.

43

سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن حال بلاد فزارة:
و قد لاحظنا هنا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سأل وفد فزارة عن حال بلادهم، فأخبروه بمعاناتهم، و طلبوا منه أن يدعو لهم اللّه ليغيثهم، و يشفع لهم عند ربهم.

فدعا «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزل الغيث، حتى شكوا ذلك إليه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم حوالينا و لا علينا الخ.. » فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثوب..

و لسنا بحاجة إلى إعادة ما قلناه: من أن ذلك يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يعرفهم معنى النبوة، و يفهمهم أنه معني بقضاياهم، فهو ليس مجرد رسول يبلغهم ما جاء به، و ينتهي الأمر عند هذا الحد..

كما أن ذلك الوفد قد عبر عن إيمانه بأن الأنبياء يشفعون عند اللّه..

و طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يطلب من ربه أن يتولى حل مشكلاتهم..

فاستجاب «صلى اللّه عليه و آله» لمطلبهم.

أين نزل المطر؟!:
لقد صرحت الرواية: بأن سحابة قد جاءت من جهة سلع، مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. مما يعني: أن المطر قد نزل في المدينة، مع أن المحتاجين إلى المطر هم بنو فزارة، و إنما يسكنون بين‏

44

خيبر و فدك، و منطقة جنفا هي أحد مياههم هناك‏ (1) .

ليشفع ربك إليك:
ذكرت الرواية المتقدمة: أنهم قالوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«و اشفع لنا إلى ربك، و ليشفع لنا ربنا إليك» .

فاستنكر «صلى اللّه عليه و آله» قولهم هذا، قائلا: «فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات و الأرض، فهي تئط من عظمته و جلاله كما يئط الرحل الجديد.. » .

و نقول:

إننا لا نرتاب في: أن هذا النص مكذوب على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن قولهم هذا ليس فيه أي اشكال. إذا كانوا يرون: أنهم قد أذنبوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتكذيبهم إياه، و ممالأتهم عدوه

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 169، و المجموع للنووي ج 5 ص 96، و المغني لابن قدامه ج 2 ص 297، و الشرح الكبير لابن قدامه ج 2 ص 297، و سبل السلام للكحلاني ج 2 ص 81، و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 82، و صحيح البخاري ج 2 ص 16، و صحيح مسلم ج 3 ص 24، و سنن النسائي ج 3 ص 162، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 355، و فتح الباري ج 2 ص 419، و عمدة القاري للعيني ج 7 ص 38، و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 560، و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 145، و شرح معاني الآثار ج 1 ص 322، و كتاب الدعاء للطبراني ص 297، و الأذكار النووية ص 183، و نصب الراية للزيلعي ج 2 ص 283، و البداية و النهاية ج 6 ص 96 و 100 و 311، و إمتاع الأسماع ج 5 ص 120.

45

عليه، فشعروا أنهم بحاجة إلى من يشفع لهم عنده. و هذا نظير من يقسم على غيره باللّه أو برسول اللّه، لكي يعفو عن إساءته أو ليقضي حاجته.. أو يجعل اللّه شافعا له عنده، و وسيلة إليه من أجل ذلك..

و يكفي أن يكون هذا المعنى من محتملات كلامهم هذا، فما معنى أن يواجههم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالملامة و التقريع بهذه الصورة؟!

ألا يدل ذلك على: أن نسبة هذا الأمر له «صلى اللّه عليه و آله» غير صحيحة؟!

إعتراض أبي لبابة على اللّه و رسوله:
و يواجهنا في النص المتقدم: إصرار أبي لبابة على الإعتراض ثلاث مرات على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .. و هذا ما لا يمكن قبوله من صحابي مؤمن بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعصمته، و حكمته، و بأنه: مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ (1) .

فما معنى: أن يراجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عدة مرات، و لماذا لا يرضى بما يرضاه اللّه و رسوله؟!

عري أبي لبابة:
ثم ما معنى قول الرواية: فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا، يسد ثعلب مربده» . فكان كما قال.. حيث قام عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره؟!إذ متى تعرّى أبو لبابة.. حتى اضطر إلى

____________

(1) الآية 3 من سورة النجم.

46

القيام عريانا؟!فإن الوقت كان قصيرا جدا..

فإن السحاب قد لبّى الطلب، و بدأ هطول الأمطار مباشرة.. إلا إن كان أبو لبابة قد حضر بين ذلك الجمع، و هو عريان!!

و ألم يسمع أبو لبابة كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» و حديثه عن عريه؟!فلما ذا لم يحتط لنفسه، و يبقى لابسا ثيابه؟!

إلا أن يكون غير مؤمن بأن اللّه سوف يستجيب دعاء نبيه الكريم «صلى اللّه عليه و آله» .

و لو أنه لم يكن مصدقا بذلك، فلما ذا اعترض على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مرات؟!

اللهم حوالينا.. لا علينا:
و حول دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «اللهم حوالينا، و لا علينا. اللهم على الآكام و الظراب، و بطون الأودية و منابت الشجر» ، فانجابت السحابة الخ.. نقول:

إن ذلك يشير إلى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يمارس التصرف في أمور ترتبط بالظواهر الكونية العامة، فيطلب الناس منه المطر، فيلبي طلبهم، و يأتيهم به، ثم يطلبون منه الصحو في مكان، و حصر المطر في غيره، فيلبي طلبهم أيضا..

و لم يقل لمن كانوا يطلبون منه هذه التصرفات: إن هذا ليس من صلاحياتي، بل أنا مجرد رسول، و معلم للشريعة، و مربّ، و سياسي، و مصلح اجتماعي، و قاضي، و قائد جيوش، أو نحو ذلك..

47

كما أن الناس كانوا على اختلاف أذواقهم، و مشاربهم، و ثقافاتهم، و مواضع سكناهم، و طبقاتهم الإجتماعية، يرون: أن هذا الذي يطلبونه منه «صلى اللّه عليه و آله» هو من حقهم و أن المفروض بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يلبي طلبهم..

كان لا يرفع يديه في الدعاء:
زعم النص المتقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يرفع يديه في شي‏ء من الدعاء إلا في الإستسقاء. و مثله في الصحيحين من حديث أنس‏ (1) .

و لكن ذلك غير دقيق، فقد قال الزرقاني: إن العسقلاني قال: هو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع (أي برفع اليدين) في غير الإستسقاء.

و في سبل السلام: أن المراد به المبالغة في الرفع و أنه لم يقع إلا في الإستسقاء (2) .

و قد تقدم: أنها كثيرة، و أفردها البخاري بترجمته في كتاب الدعوات، و ساق فيه عدة أحاديث..

فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى. و حمل حديث أنس على نفي رؤيته. و ذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره..

و ذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس لأجل الجمع، بحمله على نفي

____________

(1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 209، و عمدة القاري ج 7 ص 52 و ج 16 ص 114، و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 1 ص 152، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 20 ص 433، و سنن الدارمي ج 1 ص 361.

(2) سبل السلام ج 4 ص 219.

48

الرفع البالغ إلا في الإستسقاء، و يدل عليه قوله: حتى رؤي الخ..

و يؤيده: أن غالب الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء: المراد به مدّ اليدين و بسطها عند الدعاء. و كأنه عند الإستسقاء زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، و به حينئذ يرى بياض أبطيه.

أو على صفة اليدين في ذلك، لما في مسلم عن أنس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استسقى، فأشار بظهر كفه إلى السماء..

و لأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، و مد يديه، و جعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه..

قال النووي: قال العلماء: السّنّة في كل دعاء لرفع بلاء: أن يرفع يديه جاعلا ظهور كفيه إلى السماء، و إذا دعا بسؤال شي‏ء و تحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء الخ..

و تعقب الحمل الثاني: بأنه يقتضي أنه يفعل ذلك، و إن كان استسقاؤه للطلب كما هنا، مع أنه نفسه ذكر: أن ما كان لطلب شي‏ء كان ببطون الكفين إلى السماء..

و الظاهر: أن مستند هذا استقراء حاله «صلى اللّه عليه و آله» في دعاء الإستسقاء و غيره‏ (1) ..

و نقول:

إن خير كلمة نقولها هي:

إننا لم نزل نسمع: أن الفاخوري يضع أذن الجرّة في المكان و بالكيفية

____________

(1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 210.

49

التي تروق له.. و لكن الفاخوري-و هو الزرقاني هنا-قد عجز عن الإمساك بالجرّة و بأذنها، لأن مرض الرعاش قد أسقطهما من يده فتحطمتا بمجرد محاولته الإمساك بهما، فلم يعد هناك من جرّة تحتاج إلى أذن.. و لا تجد بعد أذنا لتبحث لها عن جرّة..

و خلاصة القول: إن ما ذكره الزرقاني من وجوه جمع و تأويلات و افتراضات لا يسمن و لا يغني من جوع.. بل هو مضر جدا، لأنه يفسح المجال أمام أهل الأهواء ليتلاعبوا بالنصوص، من دون أي وازع أو رادع، لأن هذه التأويلات و الوجوه التي ذكرها، ما هي إلا افتراضات و احتمالات لا شاهد لها، و لا تستطيع ألفاظ الحديث أن تدل أو أن تشير إلى شي‏ء منها..

فإذا جاز التعلق بمثل هذه الإفتراضات و التأويلات، فسيكون بالإمكان تحريم الحلال و تحليل الحرام، و قلب الأمور رأسا على عقب في مختلف المواضع، إذ لا يعقل أن تكون باء هؤلاء تجرّ، و باء غيرهم لا تجرّ، فإن الباء باء أينما كانت، و حيثما وجدت.

فإذا قيل: كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يرفع يديه في شي‏ء من الدعاء إلا في الإستسقاء.. فلا يمكن تفسير هذا بأنه كان لا يرفع يديه رفعا بالغا.

كما لا يصح القول: بأن المراد أن المتكلم لم يره يفعل ذلك..

كما أنه لا يدل على ذلك كون المراد برفع اليدين مدهما و بسطهما في غالب أحاديث رفع اليدين.. إذ من الذي قال: إن المراد بالرفع في تلك الأحاديث هو: المد و البسط، فإن الرفع يصدق على هذا المستوى من الرفع، و على غيره، فما الذي أوجب تعيّن هذه المرتبة من الرفع دون سواها..

و أما حمل رفع اليدين في الإستسقاء على إرادة الإشارة بظهر كفية إلى‏

50

السماء، و جعل بطونهما إلى الأرض فهو لا يحل المشكلة، فإن رفع اليدين الذي أثبته أو نفاه يصدق على كل رفع لهما سواء أكانت بطون الكفين حال الرفع إلى جهة السماء، أو إلى جهة الأرض، فالرفع منفي في هذه الرواية بجميع أشكاله و مثبت في غيرها.. و ليس في المنفي و المثبت إشارة إلى خصوصية في هذا أو في ذاك..

وفود بني كلاب:
عن خارجة بن عبد اللّه بن كعب قال: قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم ثلاثة عشر رجلا فيهم لبيد بن ربيعة، و جبّار بن سلمى، فأنزلهم دار رملة بنت الحدث، و كان بين جبار و كعب بن مالك خلة، فبلغ كعبا قدومهم فرحب بهم، و أهدى لجبار و أكرمه، و خرجوا مع كعب، فدخلوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلموا عليه بسلام الإسلام، و قالوا: إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب اللّه و بسنتك التي أمرت بها، و إنه دعانا إلى اللّه، فاستجبنا للّه و لرسوله، و إنه أخذ الصدقة من أغنيائنا، فردها على فقرائنا (1) .

و نقول:

1-إن هذا الوفد قد أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسيرة الضحاك في بني كلاب، إذ إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما رجع من الجعرانة بعثه

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 401 عن ابن سعد في الصبقات الكبرى (ط ليدن) ج 2 ص 64.

51

على بني كلاب يجمع صدقاتهم‏ (1) .

و روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إليه أن ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها (2) .

و قال ابن سعد: كان ينزل نجدا في موالي ضرية، و كان واليا على من أسلم هناك من قومه‏ (3) .

و بعثه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا عينا إلى قومه يتجسس أخبارهم‏ (4) .

و لعله ولاه على من أسلم، و جعله عينا على من لم يسلم، ليخبره بكل تحركاتهم التي تعني المسلمين بنحو أو بآخر.

2-إن ما قاله الوفد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤيد أن الضحاك لم يكن مجرد جامع للصدقات بل هو كان يتولى أمورهم، و يسير فيهم بكتاب اللّه، و سنة نبيه، و كان يدعو الناس إلى الإسلام، و قد استجاب له فريق من قومه، و منهم الوفد الذي نتحدث عنه.

____________

(1) الإصابة ج 2 ص 206.

(2) الإصابة ج 2 ص 206، و المجموع للنووي ج 18 ص 437، و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 166، و المغني لابن قدامه ج 11 ص 457، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 883، و سنن الترمذي ج 3 ص 288، و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 373، و الآحاد و المثاني ج 3 ص 166، و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 78، و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 300، و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 133، و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 7، و أسد الغابة ج 1 ص 99.

(3) الإصابة ج 2 ص 206.

(4) النهاية لابن الأثير.

52

3-إن مبادرة الوفد لإعلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر يشير إلى رضاهم و سعادتهم به، و أنهم يشعرون بقيمة الإلتزام بأحكام الكتاب، و سنة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و ما إلى ذلك لأنهم عاينوا عن قرب الفرق الشاسع بين ما كانوا عليه و ما صاروا إليه.. فهم يتحسسون لذة هذا الواقع الجديد، و هم مشدودون إليه بكل وجودهم..

وفود الداريين:
قالوا: قدم وفد الداريين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منصرفه من تبوك، و هم عشرة نفر، منهم: تميم، و نعيم ابنا أوس، و يزيد بن قيس بن خارجة، و الفاكه بن النعمان بن جبلة، و أبو هند، و الطيب ابنا ذر، و هو عبد اللّه بن رزين، و هانئ بن حبيب، و عزيز و مرة ابنا مالك بن سواد بن جذيمة. فأسلموا، و سمى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الطيب: عبد اللّه، و سمى عزيزا: عبد الرحمن.

و أهدى هانئ بن حبيب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أفراسا و قباء مخوصا بالذهب، فقبل الأفراس و القباء، [و أعطاه العباس بن عبد المطلب‏]، فقال: «ما أصنع به» ؟

قال: انتزع الذهب، فتحلّيه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الديباج فتأخذ ثمنه.

فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم.

و قال تميم: لنا جيرة من الروم، لهم قريتان يقال لإحداهما: حبرى، و الأخرى: بيت عينون، فإن فتح اللّه عليك الشام فهبهما لي. غ

53

قال: «فهما لك» . فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك، و كتب له به كتابا (1) .

و أقام وفد الداريين حتى توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أوصى لهم بجادّ (و هو النخل الذي يجد. أي تقطع ثمرته) مائة وسق أي من خيبر (2) .

و نقول:

لماذا تغيير الأسماء؟!:
ذكرت الرواية المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد غير اسم الطيب إلى عبد اللّه، و سمى عزيزا عبد الرحمن، و نحن نشك في ذلك، إذ:

1-لماذا لم يغير اسم مرة أيضا، مع أن المروي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أن أقبح الأسماء حرب و مرة، و في نص آخر: شر الأسماء: ضرار، و مرة، و حرب، و ظالم‏ (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 334 عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 344 و راجع: الإصابة ج 3 ص 566 و 561، و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 63.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 334 و أسد الغابة ج 5 ص 118 و الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 75 و المغازي للواقدي ج 2 ص 695 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 367 و 368، و نيل الأوطار ج 5 ص 37 و ج 6 ص 145 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 266 و فتح الباري ج 5 ص 269 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 283 و ج 14 ص 484 و راجع: الإصابة ج 6 ص 526.

(3) السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 306 و سنن أبي داود ج 2 ص 307 و الإستيعاب ترجمة أبي وهب ج 4 ص 1775 و زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 258 و 260 و البحار ج 101 ص 127 و الخصال ج 1 ص 171 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 131.

54

و روي: أن أبا مرة هي كنية إبليس‏ (1) .

2-إننا نلاحظ: أن أكثر الموارد التي زعموا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد غيّر فيها الأسماء، كان الاسم الذي اختاره فيها هو «عبد الرحمن» ، و لا ندري سر التركيز على هذا الاسم دون سواه، فهل هذا من التسويق السياسي لاسم بعينه أحبه الرواة، لأجل قيامه بعمل كبير أثلج صدورهم؟!

ككونه قتل غدرا إماما يعتبرونه عدوا لهم كان يصلي في مسجد الكوفة، و لم يكونوا قادرين على الجهر بحب هذا القاتل إلا بهذه الطريقة؟!

3-لماذا غيّر «صلى اللّه عليه و آله» اسم الطيب؟هل كان هذا من الاسماء القبيحة التي كان يغيرها؟ (2) . أليس هذا من الأسماء الحسنة التي ورد الحث على التسمية بها؟! (3) . و ألم يكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ولد

____________

(1) تاج العروس ج 2 ص 539 و لسان العرب ج 7 ص 18 و قاموس اللغة ج 2 ص 133 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 131 عن الكافي (الفروع) ج 2 ص 87، و الغدير ج 6 ص 313.

____________

(2) البحار ج 23 ص 122 و ج 101 ص 127 و قرب الإسناد ص 45 (ط حجرية) و الوسائل ج 15 ص 124 عنه أيضا.

(3) سنن أبي داود ج 2 ص 307 و سنن البيهقي ج 9 ص 306 و مصابيح السنة ج 2 ص 148 و مجمع الزوائد ج 8 ص 47 و زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 258 و البحار ج 101 ص 131 و عدة الداعي ص 60 و مكارم الأخلاق ص 220 و الجعفريات ص 189 و فقه الرضا ص 31 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 127 و 128 و 132 و عن لب اللباب للراوندي، و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 122 و 123 و 124 و في هامشه عن: الكافي ج 2 ص 86 و 87 و عن التهذيب للشيخ الطوسي ج 2 ص 236 و عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 241.