الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج31

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
356 /
7

الجزء الحادى و الثلاثون‏

تتمة القسم العاشر

تتمة الباب العاشر

الفصل الثالث حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية الإمام‏الصادق عليه السّلام‏

غ

دخول مكة و المسجد الحرام:
ثم نهض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن نزل بذي طوى، و هي المعروفة اليوم بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، و صلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، و نهض إلى مكة من أعلاها من الثنية العليا، التي تشرف على الحجون.

و كان في العمرة يدخل من أسفلها، و في الحج دخل من أعلاها و خرج من أسفلها.

ثم سار حتى دخل المسجد ضحى.

و عن ابن عمر قال: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دخلنا معه من باب عبد مناف، و هو الذي تسميه الناس: «باب بني شيبة» (1) .

و خرج من باب بني مخزوم (إلى الصفا) .

فلما نظر إلى البيت، و استقبله و رفع يديه و كبر، و قال: «اللهم أنت السلام، و منك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا، و تعظيما، و تكريما، و مهابة، و زد من عظّمه، ممن حجه أو اعتمره، تكريما و تشريفا،

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 461 و 462 عن الطبراني، و راجع: المعجم الأوسط للطبراني ج 3 ص 238.

8

و تعظيما و برا» (1) .

و نقول:

إن المروي بسند صحيح عن صادق أهل البيت «عليهم السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» : «فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، و خرج حين خرج من ذي طوى» (2) .

و في نص آخر: «دخل من أعلى مكة، من عقبة المدنيين، و خرج من أسفل مكة، من ذي طوى» (3) .

حج النبي برواية أهل البيت عليهم‏السّلام:
و حيث إنه قد وردت عن أهل بيت النبي «عليهم السلام» روايات صحيحة السند تصف لنا حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .. نرى أن عرضها للقارئ الكريم ضروري جدا، ليأخذ الحقيقة من أهل الحقيقة، فإن أهل البيت أدرى بما فيه..

و قد رأينا تقديم ذكرها على التفاصيل التي يذكرها أتباع غير أهل البيت، لكي تكون رواياتهم «عليهم السلام» هي المعيار و الميزان للصحيح

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 و في هامشه عن: البيهقي ج 5 ص 73.

(2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 250 و البحار ج 21 ص 296 و 397 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 579.

(3) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و البحار ج 21 ص 393 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 355.

9

من الفاسد، و الحقيقي من المزيف..

و بما أن هذه الروايات قد تعددت، فقد رأينا أن نأتي بخلاصة جامعة لما تضمنته من جزئيات و خصوصيات، مقتصرين منها على ما أورده الكليني «قدس اللّه نفسه الزكية» في باب «حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» .. » و خصوصا الروايات التي جاءت مطولة و مفصلة، فنقول:

في صحيحة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: أنزل اللّه عز و جل عليه: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (1) ، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، و أهل العوالي و الأعراب، و اجتمعوا لحج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون و يتبعونه، أو يصنع شيئا فيصنعونه‏ (2) .

و في صحيح عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال:

ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحج، فكتب إلي‏ (3) : من بلغه كتابه ممن دخل في الإسلام: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد الحج، يؤذنهم

____________

(1) الآية 77 من سورة الحج.

(2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و الفصول المهمة ج 1 ص 649 و البحار ج 21 ص 390 و التفسير الصافي ج 3 ص 374 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 146 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 386.

(3) كذا في الأصل، و لعل الصحيح «إلى» بالمقصورة، و قد وقع فيها تصحيف، فلاحظ.

10

بذلك، ليحج من أطاق الحج‏ (1) .

و في صحيح معاوية بن عمار: فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس، فاغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلى فيه الظهر، و عزم بالحج مفردا، و خرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول، فصف له سماطان، فلبى بالحج مفردا، و ساق الهدي ستا و ستين، أو أربعا و ستين‏ (2) حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة (3) .

و في صحيح الحلبي عن علي «عليه السلام» : خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة، فصلى بها، ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء، فأحرم منها، و أهل بالحج، و ساق مائة بدنة، و أحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة، و لا يدرون ما المتعة (4) .

____________

(1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و الحدائق الناضرة ج 15 ص 58 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و البحار ج 21 ص 396 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 359 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 282 و منتقى الجمان ج 3 ص 163.

(2) الترديد من الراوي.

(3) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245 و البحار ج 21 ص 390 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 454 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 487 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 387.

(4) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و 249 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 222 و (ط دار الإسلامية) ج 8-

11

و في صحيح ابن سنان: فأقبل الناس، فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الإبط، و حلق العانة، و الغسل، و التجرد في إزار و رداء، أو إزار و عمامة، يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء.

و ذكر أنه حيث لبى قال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك» .

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يكثر من ذي المعارج، و كان يلبى كلما لقي راكبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا، و في آخر الليل، و في إدبار الصلوات.

فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، و خرج حين خرج من ذي طوى.

فلما انتهى إلى باب المسجد استقبل الكعبة.

و ذكر ابن سنان: أنه باب شيبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على أبيه إبراهيم، ثم أتى الحجر فاستلمه، فلما طاف بالبيت (و طاف الناس معه) صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم «عليه السلام» .

و دخل زمزم فشرب منها، ثم قال: «اللهم إني أسألك علما نافعا، و رزقا واسعا، و شفاء من كل داء و سقم» ، فجعل يقول ذلك و هو مستقبل الكعبة.

ثم قال لأصحابه: ليكن آخر عهدكم بالكعبة استلام الحجر، فاستلمه‏ (1) .

____________

ق-ص 157 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 76 و البحار ج 21 ص 395 و ج 96 ص 88 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 356 و ج 10 ص 455 و 499.

(1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و 250 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 579 و الحدائق الناضرة ج 15 ص 58 و مستند الشيعة ج 11 ص 175 و ج 11-

12

و في صحيح معاوية بن عمار: فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم «عليه السلام» ، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، و قد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال: إِنَّ اَلصَّفََا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ) ، فابدأ بما بدأ اللّه تعالى.

و إن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا و المروة شي‏ء صنعه المشركون، فأنزل اللّه عز و جل: (إِنَّ اَلصَّفََا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا.. (1) .

ثم أتى الصفا فصعد عليه، و استقبل الركن اليماني، فحمد اللّه و أثنى عليه، و دعا مقدار ما يقرء سورة البقرة مترسلا.

ثم انحدر إلى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا، ثم انحدر و عاد إلى الصفا فوقف عليها، ثم انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه‏ (2) .

و في صحيح الحلبي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : و هو شي‏ء أمر اللّه عز و جل به، فأحل الناس، و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو

____________

ق-ص 290 و دعائم الإسلام ج 1 ص 298 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و البحار ج 21 ص 396 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 359 و 499 و ج 11 ص 14 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 17 و منتقى الجمان ج 3 ص 163.

(1) الآية 158 من سورة البقرة.

(2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245 و 246 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 632 و ج 1 ق 3 ص 644 و كشف اللثام (ط. ق) ج 1 ص 341 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و مستند الشيعة ج 12 ص 159.

13

كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم» (1) .

و لم يكن يستطيع أن يحل من أجل الهدي الذي كان معه، إن اللّه عز و جل يقول: وَ لاََ تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتََّى يَبْلُغَ اَلْهَدْيُ مَحِلَّهُ (2) .

و في صحيح معاوية بن عمار، عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و كذا في صحيح الحلبي باختصار: فلما فرغ من سعيه و هو على المروة، أقبل على الناس بوجهه، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إن هذا جبرئيل، و أومأ بيده إلى خلفه، يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، و لكني سقت الهدي، و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله.

قال: فقال له رجل من القوم: لنخرجن حجاجا و رؤوسنا و شعورنا تقطر؟

و في بعض الروايات: «و ذكرنا تقطر» ؟أي من ماء المني‏ (3) .

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما إنك لن تؤمن بهذا أبدا.

فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول اللّه، علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟

____________

(1) الكافي ج 4 ص 249 و علل الشرائع ج 2 ص 413 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 222 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 157 و البحار ج 21 ص 395 و ج 96 ص 89 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 185 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 466.

(2) الآية 196 من سورة البقرة.

(3) راجع المصادر في الهوامش السابقة.

14

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بل هو للأبد، إلى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه و قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (1) .

قال: و قدم علي «عليه السلام» من اليمن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بمكة، فدخل على فاطمة «سلام اللّه عليها» و هي قد أحلت، فوجد ريحا طيبة، و وجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟

فقالت: أمرنا بهذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فخرج علي «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستفتيا، فقال: يا رسول اللّه، إني رأيت فاطمة قد أحلت و عليها ثياب مصبوغة؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنا أمرت الناس بذلك، فأنت يا علي بما أهللت» ؟

قال: يا رسول اللّه، إهلالا كإهلال النبي.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قرّ على إحرامك مثلي، و أنت شريكي في هديي» .

قال: و نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة بالبطحاء هو و أصحابه، و لم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا

____________

(1) مرآة العقول ج 17 ص 113 و جواهر الكلام ج 18 ص 3 و الكافي ج 4 ص 246 و و منتهى المطلب (ط. ق) ج 2 ص 886 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و مستند الشيعة ج 11 ص 217 و جامع المدارك ج 2 ص 568 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 455 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 215 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 151 و البحار ج 21 ص 391 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 352 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 266 و منتقى الجمان ج 3 ص 123.

15

و يهلوا بالحج، و هو قول اللّه عز و جل، الذي أنزل على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ (أبيكم) إِبْرََاهِيمَ (1) .

فخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه مهلين بالحج حتى أتى منى، فصلى الظهر و العصر، و المغرب و العشاء الآخرة، و الفجر.

ثم غدا و الناس معه، و كانت قريش تفيض من المزدلفة و هي جمع، و يمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل اللّه تعالى عليه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفََاضَ اَلنََّاسُ وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ.. (2) ، يعني إبراهيم و إسماعيل، و إسحاق في إفاضتهم منها و من كان بعدهم.

فلما رأت قريش أن قبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شي‏ء، للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة، و هي بطن عرنة بحيال الأراك، فضربت قبته، و ضرب الناس أخبيتهم عندها.

فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معه قريش و قد اغتسل، و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين.

ثم مضى إلى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: «أيها الناس، ليس

____________

(1) الآية 95 من سورة آل عمران.

(2) الآية 95 من سورة آل عمران.

16

موضع أخفاف ناقتي بالموقف، و لكن هذا كله» ، و أومأ بيده إلى الموقف، فتفرق الناس، و فعل مثل ذلك بالمزدلفة.

فوقف الناس حتى وقع القرص-قرص الشمس-ثم أفاض، و أمر الناس بالدعة حتى انتهى إلى المزدلفة، و هو المشعر الحرام، فصلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين.

ثم أقام حتى صلى فيها الفجر، و عجل ضعفاء بني هاشم بليل، و أمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس.

فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة (1) .

و في صحيح إسماعل بن همام، عن الإمام الحسن «عليه السلام» قال:

أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين غدا من منى في طريق ضب (جبل عند مسجد الخيف) ، و رجع ما بين المأزمين. و كان إذا سلك طريقا لم يرجع فيه‏ (2) .

و كان الهدي الذي جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة و ستين أو ستة و ستين.

و جاء علي «عليه السلام» بأربعة و ثلاثين أو ستة و ثلاثين، فنحر رسول

____________

(1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245-247 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 350- 354.

(2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 237 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 458 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 336 و البحار ج 21 ص 395 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 463 و سنن النبي «عليه السلام» للسيد الطباطبائي ص 62 و منتقى الجمان ج 3 ص 346.

غ

17

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ستة و ستين، و نحر علي «صلى اللّه عليه و آله» أربعة و ثلاثين بدنة.

و في الرواية الأخرى: نحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثا و ستين نحرها بيده، ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر الخ.. (1) .

و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة، ثم تطبخ، فأكل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، و حسيا من مرقها (2) .

زاد في صحيح الحلبي قوله: «قد أكلنا منها الآن جميعا، و المتعة خير من القارن السائق، و خير من الحاج المفرد» (3) .

____________

(1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551 و علل الشرائع ج 2 ص 413 و البحار ج 96 ص 89.

(2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 246-248 و مجمع الفائدة ج 7 ص 286 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 670 و ج 1 ق 3 ص 670 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 318 و جواهر الكلام ج 19 ص 159 و جامع المدارك ج 2 ص 462 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 457 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 217 و ج 14 ص 163 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 153 و ج 10 ص 144 و البحار ج 21 ص 393 و 395 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 354 و ج 12 ص 101 و ج 12 ص 104 و منتقى الجمان ج 3 ص 125 و ج 3 ص 373 و ج 3 ص 401 و راجع المغني لابن قدامة ج 11 ص 109 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 579 و ج 3 ص 582 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 111 و تفسير البغوي ج 3 ص 284.

(3) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551-

18

و في صحيح معاوية بن عمار: و لم يعطيا الجزارين جلودها، و لا جلالها، و لا قلائدها، و تصدق به، و حلق، و زار البيت و رجع إلى منى، و أقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق.

ثم رمى الجمار و نفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت له عايشة: يا رسول اللّه، ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا، و أرجع بحجة؟

فأقام بالأبطح، و بعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم.

فأهلت بعمرة، ثم جاءت، و طافت بالبيت و صلت ركعتين عند مقام إبراهيم «عليه السلام» ، وسعت بين الصفا و المروة، ثم أتت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فارتحل من يومه، و لم يدخل المسجد الحرام، و لم يطف بالبيت.

و دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، و خرج من أسفل مكة من ذي طوى‏ (1) .

و في صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: الذي كان على بدن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ناجية بن جندب الخزاعي

____________

ق-و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 223 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و البحار ج 21 ص 396 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 343 و 357 و تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج 2 ص 84 و منتقى الجمان ج 3 ص 122.

(1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 319 و جامع المدارك ج 2 ص 491 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 457 و البحار ج 21 ص 389 و 393 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 355 و ج 11 ص 271 و 272 و ج 12 ص 207 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 42 و منتقى الجمان ج 3 ص 254.

19

الأسلمي، و الذي حلق رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجته معمر بن عبد اللّه بن حراثة بن نصر بن عوف بن عويج بن عدي بن كعب.

قال: و لما كان في حجة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يحلقه، قالت قريش: أي معمر!أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في يدك، و في يدك الموسى؟!

فقال معمر: و اللّه، إني لأعده من اللّه فضلا عظيما علي.

قال: و كان معمر هو الذي يرحل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه: «يا معمر، إن الرحل الليلة لمسترخى» .

فقال معمر: بأبي أنت و أمي، لقد شددته كما كنت أشده، و لكن بعض من حسدني مكاني منك يا رسول اللّه أراد أن تستبدل بي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما كنت لأفعل» (1) .

و نقول:

إن النصوص المتقدمة و إن كانت مأخوذة من روايات صحيحة السند، و لكنها تحتاج أيضا إلى بعض التوضيح و البيان، فنقول:

إضافة فقرة و تصحيف أخرى:
جاء في رواية الصدوق للخبر الأخير عن الإمام الصادق «عليه السلام» فقرة أخرى لم يوردها الكليني، و هي قوله: «و الذي حلق رأسه

____________

(1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 250 و 251 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 339 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 458 و البحار ج 21 ص 400 و جامع الرواة ج 2 ص 253 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 19 ص 288.

20

«عليه السلام» يوم الحديبية خراش بن امية الخزاعي» .

و فيه أيضا: «كان معمر بن عبد اللّه يرجل شعره «عليه السلام» .. » .

قال المجلسي «رحمه اللّه» : لعل الأصل يرحل بعيره، فصحفوه بقولهم:

يرجل شعره، لعله لكونه يناسب الحلق.

لا فضل لقرشي على غيره إلا بالتقوى:
قال البيضاوي-على ما نقله عنه المجلسي-: «و قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفََاضَ اَلنََّاسُ (1) . أي من عرفة، لا من المزدلفة، و الخطاب مع قريش لما كانوا يقفون بالجمع، و ساير الناس بعرفه، و يرون ذلك ترفعا عليهم، فأمروا بأن يساووهم.

إلى أن قال: و المعنى أن الإضافة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه» (2) .

و بذلك يكون اللّه تعالى، و رسوله قد بينا بصورة عملية أن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

أحرم صلّى اللّه عليه و آله من المسجد:
تقدم في صحيح الحلبي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاد راحلته حتى أتى البيداء، فأحرم منها.

قال العلامة المجلسي: «لعل المراد بالإحرام هنا عقد الإحرام بالتلبية،

____________

(1) الآية 95 من سورة آل عمران.

(2) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 114 و تفسير البيضاوي (ط دار الفكر) ج 1 ص 487 و تفسير أبي السعود ج 1 ص 209.

21

أو إظهار الإحرام و إعلامه، لئلا ينافي الأخبار المستفيضة الدالة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» أحرم من مسجد الشجرة» (1) .

ساق مائة بدنة:
و ذكرت صحيحة الحلبي أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ساق مائة بدنة.

و المراد-كما ذكره العلامة المجلسي أيضا-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ساق مائة، لكن ساق بضعا و ستين لنفسه، و الباقي لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، لعلمه بأنه «عليه السلام» يحرم كإحرامه، و يهل كإهلاله الخ.. (2) .

أو المراد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو و علي «عليه السلام» قد ساقا مائة بدنة، فنسب ما جاء به علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأنه أخوه، و لأنه أهلّ بما أهلّ به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و اشتركا في مجموع المائة.

يتمنى القرشيون قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
قال الفيض الكاشاني «رحمه اللّه» تعليقا على الرواية الأخيرة: «كأن قريشا كنوا بما قالوا عن قدرة معمر على قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تمنوا أن لو كانوا مكانه، فقتلوه. و ربما يوجد في بعض نسخ الكافي:

«أذى» بدل «أذن» .

____________

(1) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 116.

(2) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 116.

22

و المعنى حينئذ: أن ما يوجب الأذى من شعر الرأس و شعثه منه «صلى اللّه عليه و آله» في يدك، كأنه تعيير منهم إياه بهذا الفعل في حسبه و نسبه، و هذا أوفق للجواب من الأول» (1) .

حج النبي صلّى اللّه عليه و آله قران!!أم تمتع؟!:
لقد كان حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع حج قران لا حج تمتع و لا إفراد.. و قد تحير أتباع غير أهل البيت «عليهم السلام» في هذا الأمر، و اختلفوا فيه..

و نحن نذكر ما قالوه مستفيدين من عبارة الصالحي الشامي أكثر من غيره، ثم نناقش أو نبين بعض ما قالوه وفق ما يتيسر لنا، فنقول:

قالوا: و ساق هديه مع نفسه، و دعا ببدنته، و في رواية: بناقته فأشعرها في صفحة سنامها من الشق الأيمن، ثم سلت الدم عنها، و قلدها نعلين، و تولى إشعار بقية الهدي و تقليده غيره، و كان معه «صلى اللّه عليه و آله» هدي كثير.

قال ابن سعد: و كان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، و كان جميع الهدي الذي ساقه من المدينة (2) .

«فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصبح أخذ في الإحرام، فاغتسل غسلا ثانيا، غير الغسل الأول، و غسل رأسه بخطمي و أشنان،

____________

(1) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 119 و هامش كتاب الكافي ج 4 ص 251.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 و 452 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 124.

23

و دهن رأسه بشي‏ء من زيت غير كثير» (1) .

و عن ابن عمر قال: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدّهن بالزيت-و هو محرم-غير المقتت» (2) .

و في حديث أبي أيوب عند الشيخين: أنه «صلى اللّه عليه و آله» في غسله حزك رأسه (أي ضغطه) بيديه جميعا، فأقبل بهما و أدبر، و طيبته بذريرة و طيب فيه مسك‏ (3) ، و بالغالية الجيدة-كما رواه الدارقطني، و البيهقي-في بدنه و رأسه حتى كان وبيص المسك يرى من مفارقه، و لحيته الشريفة «صلى اللّه عليه و آله» (4) . ثم استدامه، و لم يغسله.

و عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أيام و هو محرم‏ (5) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 عن أحمد، و البزار، و الطبراني، و الدراقطني عن عائشة، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 6 ص 78 و البزار كما في الكشف ج 2 ص 11 (1085) و الدارقطني ج 2 ص 226.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 عن الترمذي، و ابن ماجة و في هامشه عن:

الترمذي ج 3 ص 294 (962) و ابن ماجة ج 2 ص 1030 (3083) و ضعفه البوصيري في الزوائد، و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 25 و 59 و عمدة القاري ج 9 ص 154 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 439.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 عن البخاري، و مسلم و في هامشه عن:

البخاري ج 10 ص 384 (5930) و مسلم ج 2 ص 147 (35/1189) و الدارقطني ج 2 ص 222 و البيهقي ج 5 ص 35.

(4) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 و في هامشه عن: البيهقي ج 5 ص 34.

(5) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 و 453 عن الحميدي، و أحمد، و أشار في-

24

و قالوا أيضا:
و لما كان بسرف قال «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، و من كان معه هدي فلا» .

قال ابن القيم: و هذا رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، و يحل من إحرامه، و من معه هدي أن يقيم على إحرامه، و لم ينسخ ذلك شي‏ء البتة.

و قد روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من الصحابة، و أحاديثهم صحاح، و سرد أسماءهم‏ (1) .

و لم يحل هو «صلى اللّه عليه و آله» من أجل هديه، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من كان معه هدي، و منهم أبو بكر و عمر،

____________

ق-هامشه إلى: مسند أحمد ج 6 ص 124 (و 109 و 128 و 130 و 175 و 186 و 212 و 245 و 250 و 254 و 256 و 280) و هو عند البخاري ج 3 ص 463 (1538) و مسلم (39/119) و راجع: المجموع للنووي و ج 7 ص 215 و إعانة الطالبين ج 2 ص 350 و مغنى المحتاج ج 1 ص 479 و البحر الرائق ج 2 ص 562 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 86 و تلخيص الحبير ج 1 ص 193 و نيل الأوطار ج 5 ص 33 و 76 و فقه السنة ج 1 ص 655 و صحيح البخاري ج 1 ص 72 و صحيح مسلم ج 4 ص 11 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 977 و سنن النسائي ج 5 ص 140 و 141 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 34 و 35 و عمدة القاري ج 3 ص 221 مسند أبي داود الطيالسي ص 197 و 198 و 199 و مسند ابن الجعد ص 47 و غير ذلك من مصارد فراجع.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 461 و راجع: زاد المعاد ج 1 ص 246.

25

و طلحة و الزبير، و قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، و لجعلتها عمرة» .

و هناك سأله سراقة بن مالك بن جشم، و هو في أسفل الوادي، لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة و الإحلال: يا رسول اللّه، ألعامنا هذا أم للأبد؟

فشبك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصابعه واحدة في الأخرى، فقال: «لا» ، ثلاث مرات.

ثم قال: «دخلت العمرة في الحج-مرتين أو ثلاثا-إلى الأبد» ، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من كان معه هدي‏ (1) .

و أمر «صلى اللّه عليه و آله» من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة.

و قد اختلفوا في ذلك، فقال مالك، و الشافعي: كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، و تمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر: لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» (2) .

و أما أحمد فرد ذلك، و جوّز الفسخ لغير الصحابة.

و هناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، و للمقصرين مرة.

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 466 و 467.

(2) البداية و النهاية ج 5 ص 184 و ج 5 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 331 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 467.

26

فأما نساؤه فأحللن، و كن قارنات إلا عائشة، فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، و فاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، و علي لم يحل من أجل هديه.

و أمر من أهل بإهلال كإهلاله «صلى اللّه عليه و آله» أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، و أن يحل من لم يكن معه هدي‏ (1) .

حج تمتع أو قران أو إفراد؟!:
قال الصالحي الشامي:

اختلف في ذلك على أربعة أقوال:

الأول: الإفراد بالحج.

روى الشافعي و أحمد، و الشيخان، و النسائي عن عائشة.

و أحمد، و مسلم، و ابن ماجة، و البيهقي عن جابر بن عبد اللّه.

و أحمد، و مسلم، و البزار، عن عبد اللّه بن عمر.

و مسلم، و الدارقطني، و البيهقي، عن ابن عباس: «أنه- «صلى اللّه عليه و آله» أهل بالحج مفردا» (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 467 عن الطبراني برجال ثقات، و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 344 و مسند أحمد ج 6 ص 274.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 455 و قال في هامشه: حديث عائشة عند الشافعي في المسند ج 6 ص 104 و البخاري ج 3 ص 492 (1562) و مسلم ج 2 ص 875 (122/1211) و مالك ج 1 ص 335 (37) و النسائي ج 5 ص 112 و أخرجه ابن ماجة ج 2 ص 988 (2966) و حديث جابر أخرجه مسلم (2/881) -

غ

27

الثاني: القران.

روى أحمد، و البخاري، و أبو داود، و النسائي، و ابن ماجة و البيهقي عن عمر بن الخطاب.

و أحمد عن عثمان.

و أحمد و البخاري، و ابن حبان، عن علي.

و أحمد، و النسائي، و الشيخان، و البزار، و البيهقي، عن أنس.

و الترمذي، و ابن ماجة، و البزار، و الدارقطني، و البيهقي، عن جابر بن عبد اللّه.

و أحمد، و ابن ماجة، عن أبي طلحة، زيد بن سهل الأنصاري.

و أحمد، عن سراقة بن مالك.

و مالك، و أحمد، و الترمذي و صححه، و النسائي عن سعد بن أبي و قاص.

و الطبراني، عن عبد اللّه بن أبي أوفى.

و أحمد، و أبو داود، و الترمذي، و ابن ماجة، عن ابن عباس.

و أحمد و مسلم، و النسائي، و الدارقطني، عن الهرماس بن زياد.

و أبو يعلى، عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب.

و أحمد، و الشيخان، عن ابن عمرو.

____________

ق-حديث (136/1213) . و راجع: المجموع للنووي ج 7 ص 153 و نيل الأوطار ج 5 ص 44 و صحيح مسلم ج 4 ص 52 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 4 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 216 و فتح الباري ج 3 ص 342 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 345 و تاريخ بغداد ج 10 ص 297 و البداية و النهاية ج 5 ص 140 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 240.

28

و أحمد، عن عمران بن حصين.

و الدارقطني، عن أبي قتادة.

و الترمذي-و حسنه-عن جابر بن عبد اللّه.

و أحمد، عن حفصة.

و الشيخان، و البيهقي، عن عائشة: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قارنا» (1) .

الثالث: التمتع.

عن ابن عمر قال: تمتع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع بالعمرة، إلى الحج، و أهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، و بدأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. الحديث‏ (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 455 و 456 و قال في هامشه: من حديث عمر:

أحمد في المسند ج 1 ص 174 و البخاري من حديث عبد اللّه بن عمر ج 3 ص 640 (1691) . و من حديث عثمان: أحمد في المسند ج 1 ص 57. و من حديث علي: أحمد ج 1 ص 57. و من حديث جابر: الترمذي ج 3 ص 170 و ابن ماجة ج 2 ص 990. و من حديث أبي طلحة: أحمد ج 4 ص 28. و من حديث سراقة: أخرجه أحمد ج 4 ص 75. و من حديث سعد: أحمد ج 1 ص 174 و السنائي ج 5 ص 118. و من حديث ابن أبي أوفى البزار كما في الكشف ج 2 ص 27. و من حديث ابن عباس أبو داود ج 2 ص 159. و من حديث الهرماس:

أحمد ج 3 ص 485 و من حديث عمران بن حصين: أحمد ج 4 ص 427. و من حديث أبي قتادة: الدارقطني ج 2 ص 261. و من حديث حفصة: أحمد ج 6 ص 285. و من حديث عائشة: البخاري ج 3 ص 630 حديث (1692) .

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن و البخارى، و مسلم، و أبي داود، -

29

و عن عائشة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تمتعه بالعمرة إلى الحج:

و تمتع الناس معه‏ (1) .

و عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذه

____________

ق-و النسائي، و قال في هامشه: هو عند أبي داود (1805) و النسائي ج 5 ص 179 و راجع: المجموع للنووي ج 7 ص 154 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 565 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 580 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 162 و تلخيص الحبير ج 7 ص 113 و 165 و نيل الأوطار ج 5 ص 42 و مسند أحمد ج 2 ص 139 و صحيح البخاري ج 2 ص 181 و صحيح مسلم ج 4 ص 49 و سنن أبي داود ج 1 ص 405 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 17 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 208 و عمدة القاري ج 10 ص 31 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 348 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 142 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 16 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 199 و 214 و 218 و 219 تفسير البغوي ج 1 ص 167 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 241 و الدر المنثور ج 1 ص 216 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 365.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و في هامشه عن: البخاري ج 3 ص 630 (1692) و راجع: المجموع للنووي ج 7 ص 155 و 157 و تلخيص الحبير ج 7 ص 165 و مسند أحمد ج 2 ص 140 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 18 و 20 و فتح الباري ج 3 ص 433 و عمدة القاري ج 10 ص 34 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 142 و 199 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 218 و البداية و النهاية ج 5 ص 141 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 243.

30

عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحلّ كلّه، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة» (1) .

و عن حفصة أنها قالت: يا رسول اللّه، ما شأن الناس حلّوا بعمرة؟و لم تحلل أنت من عمرتك؟

قال: «إني لبدت رأسي، و قلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن مسلم، و في هامشه قال: أخرجه مسلم في الحج (303) و أبو داود (1790) و ابن أبي شيبة ج 4 ص 102 و الدارمي ج 2 ص 51 و أحمد ج 1 ص 236 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 144 و 145 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 249 و مسند أحمد ج 1 ص 236 و 341 و سنن الدارمي ج 2 ص 51 و سنن أبي داود ج 1 ص 402 و سنن النسائي ج 5 ص 181 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 18 و مسند أبي داود الطيالسي ص 344 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 544 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 368 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 205 و الدراية لابن حجر ج 2 ص 34.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن البخاري، و في هامشه قال: أخرجه البخاري ج 3 ص 635 (1697) و كتاب الأم للإمام الشافعي ج 7 ص 226 و المجموع لمحيي الدين النووي ج 7 ص 180 و 221 و موطأ مالك ج 1 ص 394 و الجوهر النقي للمارديني ج 5 ص 14 و البحر الرائق ج 2 ص 638 و ج 3 ص 7 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 235 و 303 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 235 و 248 و 410 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 568 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 102 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 130 و اختلاف الحديث للشافعي ص 568 و المسند للشافعي ص 196 و مسند أحمد ج 6 ص 284 و 285 و صحيح البخاري ج 2 ص 152 و 182 و 188 و ج 5-

31

و عن ابن عباس قال: «تمتع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر، و عمر، و عثمان، و أول من نهى عنه معاوية» (1) .

____________

ق-ص 125 و ج 7 ص 59 و صحيح مسلم ج 4 ص 50 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1013 و سنن أبي داود ج 1 ص 406 سنن النسائي ج 5 ص 136 و 172 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 12 و 13 و 134 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 211 و 212 و 232 و فتح الباري ج 3 ص 451 و ج 10 ص 304 و عمدة القاري ج 9 ص 201 و ج 10 ص 38 و 66 و ج 18 ص 37 و ج 22 ص 55 و عون المعبود للعظيم آبادي ج 5 ص 168 السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 337 و 361 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 477 و 481 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 144 و 196 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 190 و 191 و 211 و 215 و مسند الشاميين للطبراني ج 1 ص 413 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 514 و 517 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 301 و 303 و 364 و التمهيد لابن عبد البر ج 8 ص 208 و ج 15 ص 297 و 302 و 303 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 181 و 183 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 239 و أضواء البيان الشنقيطي ج 4 ص 367 و 369 و 370 و 371 و ج 5 ص 149 و 151 و 171 و 173 و البداية و النهاية ج 5 ص 155 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 32 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 227 و 243 و 271 و 272 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن أحمد، و الترمذي، و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 313 و الترمذي ج 3 ص 85 (822) ، و راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 532 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 224 و سنن الترمذي ج 2 ص 160 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 339 و كنز العمال ج 5 ص 169 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 122.

32

و عن ابن عباس، عن معاوية قال: «قصرت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمشقص» ، زاد مسلم، فقلت: «لا أعلم هذه إلا حجة عليك» (1) .

و عن عطاء، عن معاوية قال: «أخذت من أطراف شعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمشقص كان معي، بعد ما طاف بالبيت، و بالصفا و المروة، في أيام العشر» (2) .

قال قيس بن سعد الراوي، عن عطاء: «و الناس ينكرون هذا على معاوية» (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن البخاري، و مسلم، و قال في هامشه:

أخرجه البخاري ج 3 ص 656 (1730) و مسلم في الحج باب (209) و أبو داود (1802) و النسائي ج 5 ص 244 و راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 196 و مسند أحمد ج 4 ص 96 و 98 و صحيح البخاري ج 2 ص 189 و صحيح مسلم ج 4 ص 58 و سنن أبي داود ج 1 ص 405 و سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 102 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 231 و فتح الباري ج 3 ص 450 و 452 و عمدة القاري ج 10 ص 66 و 67 و مسند الحميدي ج 2 ص 275 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 416 و المعجم الكبير ج 19 ص 309 و نصب الراية ج 3 ص 216 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 369 و 371 و ج 5 ص 183 و علل الدارقطني ج 7 ص 51 و 52 و الإصابة ج 6 ص 120 و البداية و النهاية ج 4 ص 422 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 696.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و في هامشه عن: النسائي ج 5 ص 197 و راجع: سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 416.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و نيل الأوطار ج 5 ص 131 و سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 416.

33

و روى البخاري عن ابن عمر قال: «اعتمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يحج» (1) .

الرابع: الإطلاق.

عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا نذكر حجا و لا عمرة، و في لفظ: «نلبي لا نذكر حجا و لا عمرة» ، و في لفظ:

«خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا نرى إلا الحج. حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من لم يكن معه هدى إذا طاف بين الصفا و المروة، أن يحل» (2) .

و في نص آخر: «خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة لا يسمي حجا و لا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا

____________

(1) كتاب موطأ لمالك ج 1 ص 343 و مسند أحمد ج 2 ص 47 و ج 4 297 و صحيح البخاري ج 2 198 و سنن أبي داود ج 1 ص 442 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 354 و مجمع الزوائد ج 3 ص 279 و فتح الباري ج 3 ص 477 و عمدة القاري ج 10 ص 110 و عون المعبود ج 5 ص 319 و مسند الشاميين للطبراني ج 4 ص 136 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 90 و 91 و التمهيد لابن عبد البر ج 20 ص 13 و ج 24 ص 411 و الكافي لابن عبد البر ص 134.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن البخاري، و مسلم، و في هامشه عن:

البخاري ج 3 ص 492 (1561) و راجع: البحار ج 30 ص 610 و سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 5 و عمدة القاري ج 10 ص 46 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 327 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 302 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 149.

34

و المروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ و لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة.. » (1) الحديث.

فهذه أربعة أقوال: الإفراد، و القران، و التمتع، و الإطلاق، و رجحا أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قارنا، و رجحه المحب الطبري، و الحافظ، و غيرهم.

قال: أهلّ في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهل أيضا، ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء، و كان يهلّ بالحج و العمرة تارة، و بالعمرة تارة، و بالحج تارة، لأن العمرة جزء منه، فمن ثم قيل: قرن. و قيل: تمتع، و قيل: أفرد، و كل ذلك وقع بعد صلاة الظهر، خلافا لابن حزم، و صاحب الاطلاع.

قال النووي، و الحافظ: و طريق الجمع بين الأحاديث، و هو الصحيح:

أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان أولا مفردا بالحج، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، و أدخلها على الحج فصار: قارنا، فمن روى الإفراد هو الأصل، و من روى

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن الشافعي، و قال في هامشه: عن مسند الشافعي ج 1 ص 372 (960) . و راجع: تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 7 ص 233 و منتهى المطلب (ط. ق) الحلي 2 ص 675 و كشف اللثام (ط. ج) ج 5 ص 256 و (ط. ق) ج 1 ص 313 و جواهر الكلام ج 18 ص 203 و كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 139 و المجموع للنووي ج 7 ص 166 و تلخيص الحبير ج 7 ص 111 و اختلاف الحديث للشافعي ص 567 و 568 و كتاب المسند للشافعي ص 111 و 196 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 339 و ج 5 ص 6 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 488 و 513 و 516 و 556 و البداية و النهاية ج 5 ص 160 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 280 و السيرة الحلبية ج 3 ص 311.

35

القران اعتمد آخر الأمر، و من روى التمتع أراد التمتع اللغوي، و هو الانتفاع و الإرتفاق‏ (1) .

ترجيحات لحج القران:
و ذكروا ترجيحات لقول من رأى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قارنا:

و ذلك من وجوه، كما قال في زاد الميعاد.

الأول: أنهم أكثر.

الثاني: أن طريق الإخبار بذلك تنوعت.

الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظه «صلى اللّه عليه و آله» صريحا، و فيهم من أخبر عن نفسه بأنه فعل ذلك، و منهم من أخبر عن أمر ربه بذلك، و لم يجئ شي‏ء من ذلك في الإفراد.

الرابع: تصديق روايات من روى أنه اعتمر أربعا، و أوضح ذلك ابن كثير بأنهم اتفقوا على أنه «صلى اللّه عليه و آله» اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين، و لا أنشأ إحراما آخر للحج، و لا اعتمر بعد الحج، فلزم القران، قال: و هذا مما يفسر الجواب عنه انتهى‏ (2) .

الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل، بخلاف روايات الإفراد، كما سيأتي.

السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها من روى الإفراد، أو نفاها،

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و 458 و تنوير الحوالك ص 317 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 135 و الديباج على مسلم ج 3 ص 300.

(2) البداية و النهاية ج 5 ص 157 و 171 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 275.

36

و الذاكر و الزائد مقدم على الساكت، و المثبت مقدم على النافي.

السابع: روى الإفراد أربعة: عائشة، و ابن عمر، و جابر، و ابن عباس، و غيرهم رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، و إن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه و لا اختلفت، كعمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب، و أنس، و البراء، و عمران بن حصين، و أبي طلحة، و سراقة بن مالك، و سعد بن أبي و قاص، و عبد اللّه بن أبي أوفى، و هرماس بن زياد.

الثامن: أنه النسك الذي أمر به من ربه، كما تقدم فلم يكن ليعدل عنه.

التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي و يخالفه.

العاشر: أنه النسك الذي أمر به له و لأهل بيته، و اختاره لهم، و لم يكن يختار لهم إلا ما اختار لنفسه.

الحادي عشر: قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ، يقتضي أنها صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينه و بينه، و إنما يكون كالداخل في الشي‏ء معه.

الثاني عشر: قول عمر: للصبي بن معبد-و قد أهل بحج و عمرة- فأنكر عليه زيد بن صوحان، و سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هديت لسنة نبيك «صلى اللّه عليه و آله» و هذا يوافق رواية عمر: أنه الوحي جاء من اللّه بالإهلال بهما جميعا، فدلّ على أن القران سنة التي فعلها، و امتثل أمر اللّه تعالى بها.

قال ابن كثير: و الجمع بين رواية من روى أنه أفرد الحج، و بين روايةغ

37

من روى القران، أنه أفرد أفعال الحج، و دخلت فيه العمرة نية و فعلا و قولا، و اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه و عنها، كما في مذهب الجمهور في القارن خلافا لأبي حنيفة.

و أما من روى التمتع و صح عنه أنه روى القران، فالتمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص، و الأوائل يطلقونه على الإعتمار في أشهر الحج، و إن لم يكن معه حج.

قال سعد بن أبي و قاص: تمتعنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما يريد بهذا إحدى العمرتين المتقدمتين: إما الحديبية، و إما القضاء، فأما عمرة الجعرانة، فإنها كانت بعد الفتح، و حجة الوداع بعد ذلك سنة عشر.

و أما حديث ابن عمر و عائشة السابقان، فقد رويا التمتع، فهو مشكل على الأقوال، أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، و أما على قول التمتع الخاص، فإنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعدما طاف بالصفا و المروة، و ليس هذا شأن المتمتع‏ (1) .

____________

(1) البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 157 و 158 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 276 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 486 و 487 عنه.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

الفصل الرابع:

قبل أن يسير صلّى اللّه عليه و آله إلى عرفات (بروايتهم)

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و استلام الركن و الحجر:
و كان طوافه «صلى اللّه عليه و آله» بالبيت في حجة الوداع ماشيا، فقد روي عن جابر بن عبد اللّه أنه قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» باب المسجد، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر فاستلمه، و فاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، و مشى أربعا حتى فرغ، قبّل الحجر، و وضع يديه عليه، و مسح بهما وجهه» (1) .

هل طاف ماشيا؟!:
و لكن و في مقابل ما ذكرناه آنفا هناك نصوص تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد طاف راكبا لا ماشيا، فقد روي عن عائشة أنها قالت: «طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بعيره، يستلم الركن، كراهة أن يضرب

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن البيهقي، و ابن كثير، و في هامشه عن:

البيهقي ج 5 ص 74 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 455 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 212 و 229 و الدرر لابن عبد البر ص 261 و البداية و النهاية ج 5 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 317 و السيرة الحلبية ج 3 ص 314.

42

عنه الناس» (1) .

و عن ابن عباس قال: «قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة يشتكي، فطاف على راحلته، و كلما أتى الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين‏ (2) .

و عن ابن عباس و أبي الطفيل و جابر و غيرهم: «طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن مسلم و المجموع للنووي ج 8 ص 26.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن أبي داود، و في هامشه عن: أبي داود ج 2 ص 177 (1881) .

(3) راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 26 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 2 ص 146 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 415 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص 422 و ج 3 ص 394 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 180 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 114 و صحيح البخاري ج 2 ص 162 و صحيح مسلم ج 4 ص 67 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 983 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن البيهقي ج 5 ص 100 و سنن أبي داود ج 1 ص 419 و سنن النسائي ج 2 ص 47 و ج 5 ص 233 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 99 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 18 و عمدة القاري ج 9 ص 252 و ج 20 ص 156 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 262 و ج 2 ص 401 و المنتقى من السنن المسندة ص 121 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 4 ص 86 و نصب الراية ج 3 ص 118 و 119 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 14 و تغليق التعليق ج 3 ص 70 و كنز العمال ج 5 ص 179 و أضواء البيان للشنقيطي 4 ص 409 و تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 97 و ج 31 ص 51 و تهذيب الكمال للمزي ج 19 ص 70.

43

زاد في نص آخر قوله: «و يقبل المحجن» (1) .

قال: طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجته بالبيت على ناقته الجدعاء، و عبد اللّه بن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز

و قد أجابوا عن هذه الأحاديث: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كما يقول ابن كثير: كان له في حجة الوداع ثلاثة أطواف، هذا الأول.

و الثاني: طواف الإفاضة، و هو طواف الفرض و كان يوم النحر.

و الثالث: طواف الوداع.

فلعل ركوبه «صلى اللّه عليه و آله» كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما.

فأما الأول: و هو طواف القدوم فكان ماشيا فيه، و قد نص على هذا الشافعي.

و الدليل على ذلك: ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، و فاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، و مشى أربعا، حتى فرغ، فلما فرغ قبّل الحجر، و وضع يديه عليه و مسح بهما وجهه‏ (2) .

____________

(1) التبرك للأحمدي ص 384 عن المصادر التالية: صحيح مسلم ج 2 ص 893 و 924 و 927 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 242 و السيرة الحلبية ج 3 ص 294 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 983 و مسند الإمام الشافعي (هامش كتاب الأم) ج 6 ص 272/149 و البداية و النهاية ج 6 ص 12 و سنن أبي داود ج 2 ص 176 و المصنف للصنعاني ج 15 ص 41 بسندين.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 و 463 عن البيهقي، و المستدرك للحاكم ج 1-

44

قال ابن القيم: و حديث ابن عباس إن كان محفوظا فهي في إحدى عمره، و إلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شي‏ء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم. فلما حاذى «صلى اللّه عليه و آله» الحجر الأول استلمه، و لم يزاحم عليه قلت: و قال لعمر: «يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر، تؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، و إلا فاستقبله و هلل و كبر (1) .

و ثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، و لم يثبت عنه أنه قبّله، و لا قبل يده حين استلامه.

و قول ابن عباس: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقبل الركن

____________

ق-ص 455 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و السيرة الحلبية ج 3 ص 315 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 213 و البداية و النهاية ج 5 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 317.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 463 و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 28، و سبل السلام ج 2 ص 206 و نيل الأوطار ج 5 ص 114 و مسند أحمد ج 1 ص 28 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 80 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 3 ص 241 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 28 و عون المعبود ج 5 ص 234 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 178 و نصب الراية ج 3 ص 115 و 117 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 13 و كنز العمال ج 5 ص 58 و البداية و النهاية ج 5 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 318 و السيرة الحلبية ج 3 ص 316.

45

اليماني، و يضع خده عليه‏ (1) .

قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني هاهنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان.

و يقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيان.

و يقال للركنين اللذين يليان الحجر: الشاميان.

و يقال للركن اليماني، و الذي يلي الحجر من ظهر الكعبة: الغربيان.

و لكن ثبت عنه: أنه قبّل الحجر الأسود، و ثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبلها.

و ثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات.

و روي عنه: أنه وضع شفته عليه طويلا يبكي‏ (2) .

و عن عمر بن الخطاب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الركن، ثم سجد عليه، ثم قبله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، و لم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 عن الدارقطني، و الوفاء لابن الجوزي ج 2 ص 526 و تاريخ الخميس ج 1 ص 126 و راجع: نيل الأوطار ج 5 ص 115 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 215 و سنن الدارقطني ج 2 ص 254 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 38 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 عن ابن القيم.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 عن الطيالسي و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 521 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 521.

46

و عن جعفر بن عبد اللّه قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر و سجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله و يسجد عليه، و قال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله و سجد عليه، ثم قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فعل هكذا، ففعلت‏ (1) .

و عن ابن عباس: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسجد على الحجر (2) .

و نص آخر يقول: استقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا (3) .

____________

(1) راجع: التبرك للأحمدي ص 383 عن المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و سنن الدارمي ج 2 ص 53 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 455 و النسائي ج 5 ص 227 و البداية و النهاية ج 5 ص 154 و منحة المعبود ج 1 ص 215 و البيان لآية اللّه الخوئي قسم التعليقات ص 558 المرقم 13 و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 37 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 521.

(2) السنن الكبرى ج 5 ص 75 و راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 33.

(3) سنن ابن ماجة ج 2 ص 982 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 454 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 384 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 384 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 982 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 454 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 24 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 212 و العهود المحمدية للشعراني ص 224 و فيض القدير ج 6 ص 456 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 334 و الدر المنثور ج 1 ص 135 و كتاب المجروحين لابن حبان ج 2 ص 272 و تهذيب الكمال ج 26 ص 242 و ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 676 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 73 و لسان العرب ج 12 ص 298.

47

و عن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده و قبل يده، و قال: ما تركته منذ رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفعله‏ (1) .

و كان جابر و أبو هريرة، و أبو سعيد الخدري، و ابن عباس يفعلون ذلك أيضا (2) .

و ثمة مصادر أخرى ذكرت استلام أركان البيت، و تقبيل الحجر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن الصحابة، و عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» (3) .

____________

(1) السنن الكبرى ج 5 ص 75 و مسند أحمد ج 2 ص 108 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 924 و عن فتح الباري ج 3 ص 378 و 380 و 381.

(2) راجع: التبرك للأحمدي ص 384 عن المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 75 و كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 146 و فتح الباري ج 3 ص 378 و الترمذي ج 3 ص 215 و مسند أحمد ج 1 ص 338 و فيه: «أنه-يعني ابن عباس -كان عند الحجر و عنده محجن يضرب به الحجر فيقبله» .

(3) راجع: كتاب التبرك للأحمدي ص 385 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 5 ص 153-155 و الوفاء لابن الجوزي ج 2 ص 526 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 153 و الوسائل ج 9 ص 402-413 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 148 و 149 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 456 و تاريخ الخميس ج 2 ص 126 و مسلم ج 2 ص 924 و ما بعدها، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 987-983 و البخاري ج 2 ص 183 و ما بعدها، و فتح الباري عن شرحه للأحاديث، و مسند الشافعي (هامش كتاب الأم) ج 6 ص 146 و الترغيب و الترهيب ج 2 ص 152 و كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 145 و ما بعدها، و النسائي ج 5 ص 266 و 431 و 262 و 233 و 228 و الترمذي ج 3 ص 292 و 214 و ما-

48

قالوا: و روى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه.

قال ابن القيم: و هذا الطواف ليس بطواف الوداع، فإنه كان ليلا، و ليس بطواف القدوم، لوجهين:

أحدهما: أنه قد صح عنه: أن الرمل في طواف القدوم. و لم يقل أحد قط رملت به راحلته، و إنما قالوا رمل نفسه.

و الثاني: قول عمرو بن الشريد: أفضت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا، و هذا ظاهره: أنه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع‏ (1) .

فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (2) . فصلى ركعتين، و المقام بينه و بين البيت‏ (3) .

و نقول:

إننا نسجل حول النصوص المتقدمة بعض الإيضاحات، أو التحفظات على النحو التالي:

____________

ق-بعدها، و أبي داود ج 2 ص 175 و 176 و 181 و الدارمي ج 2 ص 42 و 46 و مسند أحمد ج 1 ص 213 و 217 و 237 و 267 و 291 و ج 3 ص 430 و البيان للسيد الخوئي ص 558 و كنز العمال ج 5 ص 91 و 95 و الغدير ج 6 ص 103 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 29 و 40 و 41 و 43 و 71.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 480.

(2) الآية 81 من سورة مريم.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464.

49

السعي و الطواف راكبا:
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طاف راكبا.

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ناقته العضباء، و جعل يستلم الأركان بمحجنه، و يقبل المحجن‏ (1) .

و عن الإمام الباقر، عن أبيه «عليهما السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طاف على راحلته، و استلم الحجر بمحجنه، و سعى عليها بين الصفا و المروة (2) .

و في نص آخر: أنه كان يقبل الحجر بالمحجن‏ (3) .

____________

(1) الكافي ج 4 ص 430 و راجع: مجمع الفائدة ج 7 ص 100 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 129 و مستند الشيعة ج 12 ص 83 و الكافي ج 4 ص 429 و الوسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 441 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 492 و البحار ج 21 ص 402 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 315 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 197 و ج 6 ص 596 و ج 8 ص 394 و منتقى الجمان ج 3 ص 313.

(2) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 442 و ج 13 ص 497 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 492 و 533 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 402 و الحدائق الناضرة 16 ص 129 و 270 و مستند الشيعة ج 12 ص 70 و جواهر الكلام ج 19 ص 289 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 420 و 450 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 315 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 76.

(3) وسائل الشيعة ج 9 ص 492 عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 402 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 129 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 307.

غ

50

سؤال.. و جوابه:
غير أن من الواضح: أن الأفضل هو الطواف و السعي ماشيا.

فعن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : سألته عن الرجل يسعى بين الصفا و المروة راكبا؟!

قال: لا بأس، و المشي أفضل‏ (1) .

و نحن نعلم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ابن سمية (أو عمار) ما عرض عليه أمران قط إلا اختار الأرشد منهما (أو أرشدهما) (2) فإن كان هذا حال عمار فكيف بالنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟!.

فركوبه «صلى اللّه عليه و آله» على الناقة مع كون المشي أفضل لا بد له من سبب موجب.

و قد وجدنا بعض النصوص المتقدمة عن ابن عباس تصرح: بأن السبب في ذلك هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قدم مكة يشتكي.

و رواية عائشة المتقدمة تقول: إنه طاف راكبا كراهة أن يضرب عنه الناس.

غير أننا نعلم: أن المقصود إن كان هو إضرب الناس عن استلام الركن لو لم يستلمه بالمحجن، فيكفي لتلافي هذه السلبية أن يصدر لهم أمره

____________

(1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 496 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 532 عن التهذيب ج 5 ص 155 و الكافي ج 4 ص 437 و راجع: المقنعة ص 71 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 416 و مستند الشيعة ج 12 ص 171.

(2) راجع المصادر في الهوامش المتقدمة.

51

باستلامه، و أن يبادر هو إلى استلامه حين يطوف ماشيا بعد ذلك..

و إن كان المقصود هو أن الناس حين يطوفون مشاة يزدحمون على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيضربون ليتفرقوا عنه، فالجواب هو: أن أحدا لم يكن ليتجرأ على ضرب أحد بمحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يكفي أن يأمر الناس بأمره ليلتزموا به، خصوصا إذا كان ذلك بمحضره..

فقول ابن عباس: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يشتكي هو الأولى و الأقرب، إن لم نقل: إنه الأصح و الأصوب.

متى طاف راكبا؟!:
و ملاحظة النصوص المختلفة تعطي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يطف راكبا، بل طاف ماشيا و استلم الحجر، و سجد عليه، و مسحه بيده و مسح بها وجهه إلى آخر ما تقدم و لكن ذلك لا يمنع من أن يكون قد طاف راكبا كما ورد في عمرة القضاء، و ربما تكرر ذلك منه، في عمرة له في بعض طوافاته الأخرى التي طافها في حجة الوداع، و منها: طواف الحج و طواف النساء، و ربما العديد من الطوافات المستحبة.. حيث كان مرضه يمنعه من الطواف ماشيا.

إنك حجر لا تضر و لا تنفع:
و قد رووا: أن عمر بن الخطاب استند في تقبيله الحجر الأسود إلى فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالوا: لما دخل عمر المطاف قام عند الحجر، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع، و لو لا أني رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبلك ما قبلتك.

52

فقال له علي «عليه السلام» : بلى يا أمير المؤمنين هو يضر و ينفع.

قال: و لم؟!

قلت: ذاك بكتاب اللّه.

قال: و أين من كتاب اللّه؟!

قلت: قال اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ.. (1) الآية. و كتب ذلك في رق.. فألقمه ذلك الرق، و جعله في هذا الموضع.

فقال عمر: أعوذ باللّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن‏ (2) .

و كلام عمر عن أنه يعلم أنه حجر لا يضر و لا ينفع، و لو لم ير رسول

____________

(1) الآية 172 من سورة الأعراف.

(2) راجع: الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان ج 9 ص 130 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 100 و كنز العمال ج 5 ص 177 و التبرك ص 382 عن المصادر التالية:

السيرة الحلبية ج 1 ص 188 و الوسائل ج 9 ص 406 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 148 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 457 و تلخيص الذهبي (بهامش المستدرك) ، و البحار ج 99 ص 216 و ما بعدها، و ص 228 و فتح الباري ج 3 ص 370 و الدر المنثور ج 3 ص 144 عن فضائل مكة، و المطولات، و الحاكم، و البيهقي، و شعب الإيمان، و ابن الجوزي في سيرة عمر ص 106 و الأزرقي في تاريخ مكة، و إرشاد الساري للقسطلاني ج 3 ص 195 و عمدة القاري ج 4 ص 606 و الجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه ج 3 ص 35 و ابن أبي الحديد ج 3 ص 122 و الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 2 ص 486 و شرح السيوطي للنسائي (في هامشه) ج 5 ص 228 و كنز العمال ج 5 ص 93 و الغدير ج 6 ص 103 عن الحاكم، و عن مصادر جمة.

53

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقبله لما قبله مذكور في مصادر كثيرة فراجع‏ (1) .

و لعل هذا الموقف العمري، بالإضافة إلى أمره بقطع الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها، و كان المسلمون يقصدونها للتبرك بها و الصلاة عندها، و توعد من يعود للصلاة عندها بالقتل‏ (2) ، هما الأصل في النزعة التي ظهرت في المسلمين، و التي تقضي بالمنع من التبرك بآثار الأنبياء و الصالحين.

لماذا هذا الموقف من عمر؟!:
و الذي نظنه: أن عمر بن الخطاب أراد أن يظهر شدة رفضه لعبادة الأصنام بهذه الطريقة و أنه يمتاز عن غيره بهذا التشدد في كل ما يشير إلى

____________

(1) التبرك للعلامة الأحمدي «رحمه اللّه» ص 382 و 381 عن المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و صحيح مسلم ج 2 ص 925 و 926 و النسائي ج 5 ص 227 و الترمذي ج 3 ص 214 و مسند أحمد ج 1 ص 16 و 21 و 26 و 34 و 35 و 36 و 39 و 46 و 51 و 53 و 54 و البخاري ج 2 ص 183 و 185 و 186 و البداية و النهاية ج 5 ص 153 و 154 بأسانيد متعددة، و فتح الباري ج 3 ص 369 بأسانيد متعددة عن عابس و غيره، و كنز العمال ج 5 ص 91 و 92 و الموطأ ج 1 ص 334 و أبي داود ج 2 ص 175 و ابن ماجة ج 2 ص 981 و الدارمي ج 2 ص 53 و منحة المعبود ج 1 ص 215 و 216.

(2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 101 و ج 1 ص 178 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 100 و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الحوزي ص 115 و عمدة القاري ج 17 ص 220 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و فتح القدير ج 5 ص 52 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و عن فتح الباري ج 7 ص 448 و عن إرشاد الساري ج 9 ص 231 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 25 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 269.

54

تقديس الأحجار، حتى لو كان هو الحجر الأسود. فهو مغرق في التوحيد، حتى إنه ليتجاوز فيه و يفوق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

عمر يخطّئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
و لكن إغراق عمر في التوحيد و الإنقطاع إلى اللّه، يتضمن التعريض بغيره، و الإتهام لهم بمن فيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بأنهم مقصرون في هذا الأمر، بل إن شائبة عبادة الأحجار و الأوثان لا تزال تظهر فيهم..

نعم.. لقد تضمن كلام عمر عن الحجر الأسود، و أنه لا يضر و لا ينفع تسفيها لفعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إفراغا له من محتواه، بل فيه اتهام للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في دينه، و في صحة توحيده، فإنه و من معه لا يقدسون حجرا هو الحجر الأسود و حسب، بل يرونه معبودا و لذلك قال له عمر: إني لأعلم أنك حجر-المشعر بأن غيره لا يراه حجرا.. لأنه يرى له من القدر ما يرفعه عن مستوى الحجرية، و يجعله و ثنا يعبد.

بل إن قوله: إنه يعلم أنه حجر لا يضر و لا ينفع، و لو لا التأسي برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قبله. يثير سؤالا عن حكمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سلامة عقله، و صحة تصرفاته، إذ لا جدوى من تقبيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحجر لا يضر و لا ينفع.

على أنه إما قبّله بأمر من اللّه، أو من عند نفسه، فإن كان بأمر من اللّه، فهل يأمر اللّه تعالى بشى‏ء عبثي؟!و إن كان من عند نفسه فذلك يمثل طعنا في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . كما هو واضح..

55

التبرك في أجلى مظاهره:
إن تقبيل المحجن و تقبيل اليد بعد استلام الحجر أو الركن بهما، و كذلك وضع اليد على الحجر، ثم مسح الوجه بها، لهو من أجلى مظاهر التبرك، و أقواها دلالة، إذ هو لا يتبرك بملامسة الشي‏ء المبارك، بل يتبرك بما لامسه أيضا، و لو كان محجنا.

سجود النبي صلّى اللّه عليه و آله على الحجر:
و يذكرنا سجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الحجر بما يرمى به الشيعة من قبل أهل السنة، حين يرونهم يسجدون على التربة الحسينية و يقبلونها، فيتهمونهم بأنهم يعبدون الحجر.

و ليت شعري هل يتهم هؤلاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا بأنه يعبد الحجر، لأنه يسجد على الحجر الأسود و يقبله؟!.

و هل يمكن أن يقال: إن أهل السنة قد أخذوا هذه التهمة من عمر بن الخطاب حين لّمح في كلامه إلى أن الذين يقبلون الحجر، و يسجدون عليه إنما يقبلون حجرا لا يضر و لا ينفع، فهو بمثابة الوثن الذي يعبد؟!

فإن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الصحابة لا يعبدون الحجر الأسود حين يسجدون عليه و يقبلونه، فلماذا يعتبرون الشيعة عبّاد أحجار، و لماذا لا يقلعون عن اتهامهم في دينهم، و عن مضايقتهم، و توجيه أنواع الأذى و التجريح إليهم؟!.

56

الصلاة خلف مقام إبراهيم:
و قد صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» خلف مقام إبراهيم، و قد قال تعالى: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى (1) ، و مقام إبراهيم هو الموضع الذي في الأصل حجر أو صخرة كان يقف عليها إبراهيم و إسماعيل لما بنيا البيت، و كان ملصقا بالكعبة أعزها اللّه تعالى، و لكن العرب بعد إبراهيم و إسماعيل أخرجوه إلى مكانه اليوم.

و لما بعث اللّه محمدا «صلى اللّه عليه و آله» ، و فتح اللّه له ألصقه بالبيت كما كان على عهد أبويه إبراهيم و إسماعيل..

فلما ولي عمر أخره إلى موضعه اليوم، و كان على عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر ملصقا بالبيت‏ (2) .

فما هذا الولع في العودة إلى رسوم الجاهلية، كما هي الحال هنا و في رجوعهم في التاريخ الهجري إلى جعل شهر محرم هو أول السنة، كما كان في الجاهلية، بدلا من شهر ربيع الأول، و كما في المنع من العمرة في أشهر الحج كما كانوا في الجاهلية.. و كما في منعهم من زواج المتعة، الذي لم يكن في الجاهلية.. و.. و..

____________

(1) الآية 125 من سورة البقرة.

(2) راجع: النص و الإجتهاد ص 278 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 284 و تاريخ الخلفاء ص 137 و الوسائل ج 9 ص 479 و عن شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 113 و عن تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 60 و عن حياة الحيوان مادة: الديك. و الكافي ج 8 ص 58-63 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 55 باب 9 حديث 7 و 8 و 9 و 10 و مقدمة مرآة العقول ج 2 ص 128.