الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج32

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
368 /
5

الجزء الثانى و الثلاثون‏

تتمة القسم العاشر

تتمة الباب الحادى عشر

الفصل السابع:

سورة المائدة متى نزلت و كيف؟!

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

لماذا تأخرت آية البلاغ عن آية إكمال الدين؟!
إن ثمة سؤالا يفرض نفسه هنا مفاده: أن الروايات قد صرحت بأن قوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1) .. قد نزل بعد نصب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إماما فى يوم الغدير..

و إن آية: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ (2) .. قد نزلت قبل يوم الغدير..

مع أن آية الإكمال قد وردت في أول سورة المائدة، و آية الأمر بإبلاغ إمامة الإمام «عليه السلام» قد جاءت في وسط السورة. و المفروض هو أن يكون العكس، لا سيما و أن القرآن كان ينزل نجوما، و بالتدريج.. فكيف تفسرون ذلك؟!..

و نجيب عن ذلك بما يلي:

مرتكزات الإيمان:
إن الإيمان بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يرتكز إلى أمرين:

____________

(1) الآية 3 من سورة المائدة.

(2) الآية 67 من سورة المائدة.

8

أحدهما: الإيمان المستند إلى إدراك العقل، و قضاء الفطرة بصحة الحقائق التي جاء بها..

و هذا هو ما كان إيمان أبي طالب، و حمزة و جعفر، و خديجة.. و.. و..

مرتكزا إليه و عليه، فإنهم قد أدركوا صحة ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعقولهم، و قضت به فطرتهم، و لم يحتاجوا إلى إظهار معجزة، و لا طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، خصوصا مع ما صاحب ذلك من معرفة قريبة، و اطلاع مباشر على حياة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و مزاياه، و صدقه، ثم رؤية كرامات اللّه له، و ألطافه به، ثم ما حباه به من رعاية و تسديد، و من نصر و تأييد..

و هذا هو إيمان أهل البصائر، الذين يزنون الأمور بموازين العدل، و يعطون النصفة من أنفسهم، و هو ما يفترض بالناس كلهم أن يكونوا عليه، أو أن يسعوا للوصول إليه، و أن يلتزموا به و لا يتجاوزوه..

و لو أن الناس سلكوا هذا النهج لاستغنوا عن طلب الآيات و المعجزات، خصوصا في ما يرتبط بأمر التوحيد و الانقياد للّه، و الطاعة، و العبادة له، و ما يتبع ذلك من تفاصيل تفيد في التعريف بصفات ذاته، و صفات فعله تبارك و تعالى.. فضلا عن كل ما حدثهم به اللّه و رسوله مما يرتبط بالعلاقة و الرابطة بين الخالق، و مخلوقاته.. و تدبير شؤون الحياة وفق الحكمة.. و هداية الكائنات كلها، و رعايتها و تربيتها.. فإن ذلك كله مما تفرض الفطرة السليمة و العقول المستقيمة الخضوع له، و الإيمان به، و عقد القلب عليه.

فإذا قال لهم اللّه سبحانه و تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنََا

9

لاََ تُرْجَعُونَ (1) .. فهو إنما يخاطب عقولهم، و يتحدث عن أمر يمكنهم أن يدركوه، و أن يؤمنوا به.. و كذلك حين يقول لهم: قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ `قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (2) . و غير ذلك مما تحكم به العقول، و تؤيده الفطرة البشرية الصافية و المستقيمة..

و الأمر الثاني: الإيمان المستند إلى ظهور المعجزة القاهرة، و القاطعة للعذر، و التي تضطر العقل إلى الإقرار بالعجز، و البخوع و الخضوع و الاستسلام.

و هذا ما يحتاج إليه أو يطلبه نوعان من الناس:

النوع الأول:
الذين يرغبون في إبقاء الأمور على ما كانت عليه.. ممن يثقل عليهم الانقياد إلى دعوات الأنبياء، و يأنفون من الالتزام بأحكام اللّه.

و هؤلاء هم الذين كانوا يقترحون على الأنبياء أن يأتوهم بالآيات، و أن يظهروا المعجزات، ثم يكونون هم أول الجاحدين بها، و المكذبين لها..

النوع الثاني:
أولئك الذين يرغبون في معرفة الحق، و لا يأبون عن الالتزام به لو ظهر لهم.. و لكنهم ليسوا مثل جعفر، و حمزة، و خديجة و.. في وعيهم، و في نظرتهم إلى الأمور، و إدراكهم للحقائق. فيحتاجون إلى عوامل تساعدهم على تحصيل اليقين بحقانية الدعوة، و واقع ارتباطها باللّه سبحانه. من خلال

____________

(1) الآية 115 من سورة المؤمنون.

(2) الآيتان 78 و 79 من سورة يس.

10

المعجزة التي تقهر عقولهم، و تسوقهم إلى التسليم، لأن بها يتم إخضاع وجدانهم للغيب الإلهي..

و بما أن هذا القرآن هو معجزة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن بإمكان كل هؤلاء أن ينالوا معانيه، و لا أن يدركوا حقائقه و دقائقه و مراميه.. لأن فيهم الكبير و الصغير، و فيهم الذكي و الغبي، و كانوا في أسوأ حالات الأمية و الجهل، و البداوة.. فكان لا بد من الرفق بهم، و تيسير الإيمان لهم، و فتح أبواب الهداية أمامهم..

فاحتاج الأمر إلى وسيلة إقناع، يفهمها هذا النوع من الناس-الذين لا يمكنهم إدراك حقائق القرآن، و الوقوف على مستوى إعجازه التشريعي، أو العلمي، أو البلاغي، أو غير ذلك..

و لم يكن يمكن تأجيل إيمانهم و إسلامهم إلى حين تحقق بعض الإخبارات الغيبية المستقبلية، الأمر الذي قد يمتد إلى سنوات كثيرة، كالإخبار عن غلبة الروم في قوله تعالى: غُلِبَتِ اَلرُّومُ `فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (1) .. و لا.. و لا.. الخ..

و لا بد أن تكون وسيلة الإقناع هذه بحيث يدركها، و يفهمها جميع الناس، بمختلف فئاتهم، و طبقاتهم، و أن تكون في متناول يد أعلم الناس، و أعقلهم، كما هي في متناول يد أكثر الناس سطحية و سذاجة، و لو كان بعمر تسع سنوات للفتاة، و بعمر خمس عشرة سنة للفتى..

و قد اختار اللّه سبحانه أن تكون هذه الوسيلة هي أن تنزل السورة في

____________

(1) الآيتان 2 و 3 من سورة الروم.

11

بادئ الأمر بتمامها، فيقرؤها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، ثم تبدأ الأحداث بالتحقق في متن الواقع، فكلما حدث أمر، ينزل جبرئيل «عليه السلام» ، بالآيات التي ترتبط بذلك الحدث، فيرى الناس: أن هذه الآيات هي نفسها التي كانت قد نزلت في ضمن تلك السورة قبل ساعة، أو يوم، أو شهر مثلا.. فيدرك الذكي و الغبي، و كل من يملك أدنى مستوى من العقل، بأن هذا القرآن لا بد أن يكون من عند اللّه، لأن اللّه وحده هو الذي يعلم بما يكون في المستقبل. و ها هو قد أنزل الآيات المرتبطة بأحداث بعينها قبل أن تحدث..

و هم يعرفون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن قرب، و يعيشون معه، و يرون أنه مثلهم، و يملك الوسائل التي يملكونها، و يعيش نفس الحياة التي يعيشونها.

و بعد ما تقدم نقول:

إننا من أجل توضيح هذه الإجابة، نشير إلى العديد من القضايا ضمن الفقرات التالية:

سورة المائدة نزلت دفعة واحدة:
إن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، كما يظهر مما رواه:

1-عبد اللّه بن عمرو، قال: أنزلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سورة المائدة، و هو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها (1) ..

____________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 3 و فتح القدير ج 2 ص 3 و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و السيرة-

12

2-عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ نزلت المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة (1) ..

3-عن أم عمرو بنت عبس، عن عمها: أنه كان في مسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق كتف راحلته العضباء، من ثقل السورة (2) ..

4-عن محمد بن كعب القرظي، قال: نزلت سورة المائدة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع، فيما بين مكة و المدينة، و هو على ناقته، فانصدعت كتفها، فنزل عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3) ..

5-عن الربيع بن أنس قال: نزلت سورة المائدة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسير من حجة الوداع، و هو راكب راحلته، فبركت به

____________

ق-النبوية لابن كثير ج 1 ص 424 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 49 و السيرة الحلبية ج 1 ص 415 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 258.

(1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و محمد بن نصر في الصلاة، و الطبراني، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي في شعب الإيمان، و مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 3 و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 424 و السيرة الحلبية ج 1 ص 424.

(2) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن أبي شيبة في مسنده، و البغوي في معجمه، و ابن مردويه، و البيهقي في دلائل النبوة، و السيرة الحلبية ج 1 ص 415.

(3) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أبي عبيد، و تفسير الآلوسي ج 6 ص 47.

13

راحلته من ثقلها (1) .

تاريخ نزول سورة المائدة:
و قد اختلفوا في تاريخ نزول سورة المائدة، و قد تقدم و سيأتي أيضا ما يدل على أنها قد نزلت في حجة الوداع إما في الطريق، أو في يوم عرفة. و هذا هو المعتمد، و قد صرح عدد من النصوص بأنها آخر السور نزولا.

و هناك قولان آخران:

الأول: ما روي من أن سورة المائدة قد نزلت منصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من الحديبية (2) .

و لكن الروايات المصرحة بأن سورة المائدة كانت آخر ما نزل تدفع هذا القول، كما أشرنا إليه في موضعه من هذا الكتاب.

الثاني: قال القرطبي: «من هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، و منها ما نزل عام الفتح» (3) .

فالجمع بين هذا القول، و بين روايات نزولها دفعة واحدة، هو أن يقال:

إنها نزلت مرتين:

إحداهما: دفعة واحدة.

____________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن جرير، و جامع البيان ج 6 ص 112.

(2) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 30 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للأندلسي ج 2 ص 143 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 427.

(3) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 30، و الغدير ج 1 ص 227 و راجع: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 143 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 427.

14

و الأخرى: أن آياتها نزلت نجوما (1) .

ضعوا هذه الآية في سورة كذا:
و من جهة أخرى، فإنهم قالوا: «الإجماع و النصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك» (2) ..

و قد رووا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان يقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا..

و قد روي ذلك عن ابن عباس‏ (3) ..

و عن عثمان بن عفان أيضا (4) ..

____________

(1) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 61.

(2) الإتقان ج 1 ص 24 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 167 و الغدير ج 1 ص 227 و راجع: تحفة الأحوذي ج 8 ص 380 و إعجاز القرآن الباقلاني (مقدمة المحقق) ص 60 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 61.

(3) راجع: الدر المنثور ج 1 ص 7 عن الحاكم و صححه، و عن أبي داود، و البزار، و الطبراني، و البيهقي في المعرفة و في شعب الإيمان و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 272 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 43 و الإتقان ج 1 ص 62 و البرهان للزركشي (ط دار إحياء الكتب العربية) ج 1 ص 234 و 241 عن الترمذي و الحاكم، و التمهيد ج 1 ص 213 و تاريخ القرآن للصغير ص 81 عن: مدخل إلى القرآن الكريم لدراز ص 34، لكن في غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش جامع البيان للطبري ج 1 ص 24 و مناهل العرفان ج 1 ص 240 هكذا: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا» .

(4) مستدرك الحاكم ج 2 ص 330 و 221 و تلخيصه للذهبي بهامشه و غريب الحديث-

15

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» شخص ببصره ثم صوبه ثم

____________

ق-ج 4 ص 104، و البرهان للزركشي ج 1 ص 234 و 235 و سنن الترمذي ج 4 ص 336 و راجع ص 61 و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 1 ص 24 و فتح الباري ج 9 ص 19 و 20 و 39 و 38، و كنز العمال ج 2 ص 367 عن أبي عبيد في فضائله، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و الترمذي، و ابن المنذر، و ابن أبي داود، و ابن الأنباري معا في المصاحف، و النحاس في ناسخه، و ابن حبان، و أبي نعيم في المعرفة، و الحاكم و سعيد بن منصور، و النسائي، و البيهقي، و فواتح الرحموت بهامش المستصفى ج 2 ص 12 عن بعض من ذكر، و الدر المنثور ج 3 ص 207 و 208 عن بعض من ذكر، و عن أبي الشيخ، و ابن مردويه و مشكل الآثار ج 2 ص 152 و البيان ص 268 عن بعض من تقدم، و إمتاع الأسماع ج 4 ص 241 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 1015 و فتح القدير ج 2 ص 331 و عن الضياء في المختارة، و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 48 و راجع: بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 103 و مناهل العرفان ج 1 ص 347 و مباحث في علوم القرآن ص 142 عن بعض من تقدم، و تاريخ القرآن للصغير ص 92 عن أبي شامة في المرشد الوجيز..

و جواهر الأخبار و الآثار بهامش البحر الزخار ج 2 ص 245 عن أبي داود، و الترمذي، و سنن أبي داود ج 1 ص 209 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 344 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 37 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 42 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 167 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10 و مسند أحمد ج 1 ص 57 و 69 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 10 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 112 و جامع البيان ج 1 ص 69 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 62 و إمتاع الأسماع ج 4 ص 241 و تهذيب الكمال ج 32 ص 288 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 63.

16

قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة (1) .

و في رواية عن ابن عباس: كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل‏ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ ، فإذا نزلت عرفوا أن السورة قد انقضت‏ (2) ..

و روي ذلك عن سعيد بن جبير (3) ، و عن ابن مسعود (4) ..

قال أبو شامة: يحتمل أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية فيعلم أن السورة قد انقضت‏ (5) .

و لكننا لا نجد إلا موارد يسيرة تحدثت عن أن النبي «صلى اللّه عليه

____________

(1) مسند أحمد ج 4 ص 218 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 605 و كنز العمال ج 2 ص 16 و مجمع الزوائد ج 7 ص 48 و تفسير الآلوسي ج 14 ص 220 و فتح القدير ج 3 ص 189 و الدر المنثور ج 4 ص 128 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 168 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 62 و 68.

(2) الدر المنثور ج 1 ص 7 عن الحاكم و صححه، و البيهقي في السنن، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 34.

(3) راجع الدر المنثور ج 1 ص 7 عن أبي عبيد، و التمهيد لابن عبد البر ج 20 ص 210 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 232 و فتح الباري ج 9 ص 39 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 43 و مسائل فقهية للسيد شرف الدين ص 23 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 211 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 442.

(4) الدر المنثور ج 1 ص 7 عن الواحدي و البيهقي في شعب الإيمان، و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 211.

(5) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 21.

غ

17

و آله» فعل ذلك في آيات بعينها (1) ..

الدوافع و الأهداف:
و هذا معناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي لا ينطق عن الهوى، و لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه قد قدم آية الإكمال على آية التبليغ بأمر من اللّه تبارك و تعالى، أو أن جبرئيل «عليه السلام» قد كان يأمر بذلك تنفيذا لأمر اللّه تعالى، انطلاقا من مصلحة اقتضت وضع الآية في خصوص ذلك الموضع، و تكون النتيجة هي أن وضع آية الإكمال قبل آية الأمر بالتبليغ قد روعيت فيه المصلحة أيضا..

لماذا قدم آية الإكمال:
و إذ قد عرفنا: أن هذا التفريق بين آية اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ..

و آية: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ .. قد جاء وفق سياسة إلهية، و رعاية لمصالح بعينها.

فهل يمكن معرفة شي‏ء عن هذه المصلحة التي اقتضت تقديم إحدى الآيتين في الذكر على الأخرى على عكس ما جرى عليه الحال في الواقع العملي؟!

فقد يقال: لعل المصلحة في هذا التقديم هي حفظ الإمامة، و حفظ إيمان الناس.. و تيسير سبل الهداية لهم..

يضاف إلى ذلك: إرادة حفظ القرآن عن امتداد يد التحريف إليه، فإن

____________

(1) راجع: حقائق هامة حول القرآن الكريم ص 78.

18

الإسلام يحتاج إلى صيانة حقائقه و مقدساته، كما كان يحتاج أيضا إلى جهاد الإمام علي «عليه السلام» و تضحياته..

هذا الجهاد الذي حمل معه الخزي و العار و الذل، لأهل الطغيان و الجحود، فأورثهم الحقد و الضغينة، حتى ظهرت فيهم حسيكة النفاق هذه بأبشع صورها بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا حاجة إلى البيان أكثر من هذا..

استطراد و توضيح:
غير أننا نقول:

إن الخيارات التي يمكن أن نتصورها كانت هي التالية:

1-أن يباشر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، بنفسه قتل المعتدين، و يرد بسيفه كيد الطغاة و الجبارين، فيقتلهم و يستأصل شأفتهم، و يبيد خضراءهم..

و هذا يعني أن لا تصفو نفوس ذويهم له، و أن لا يتمكن حبه «صلى اللّه عليه و آله» من قلوبهم، فضلا عن أن يكون أحب إليهم من كل شي‏ء حتى من أنفسهم!!.. كما يفرضه الإلتزام بالإسلام، و الدخول في دائرة الإيمان..

و سوف تتهيأ الفرصة أمام شياطين الإنس و الجن لدعوة هؤلاء الموتورين إلى خيانته و الكيد له، و التآمر عليه، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا..

كما أنهم إذا ما اتخذوا ذلك ذريعة للعزوف عن إعلان إسلامهم و استسلامهم.. فإنهم سوف يمنعون الكثيرين ممن له اتصال بهم، من أبناء و أرحام، و أقوام و حلفاء و أصدقاء، من التعاطي بحرية و بعفوية مع أهل الإيمان، ثم حرمانهم و حرمان من يلوذ بهم من الدخول الجدي في المجتمع‏

19

الإسلامي، و التفاعل معه، و الذوبان فيه.

2-أن يتولى هذا الأمر الآخرون من رجال القبائل المختلفة، فيقاتلون وحدهم الناس لأجل الإسلام، و دفاعا عن المسلمين، و هذا خيار غير مرضي أيضا، فإن احتفاظه «صلى اللّه عليه و آله» ، بأهل بيته و ذوي قرابته سيكون مثارا لتساؤلات كثيرة، من شأنها أن تضعف عامل الثقة، و تؤثر سلبا على حقيقة الإعتقاد بالنبوة، و درجة الإنقياد لها، و مستوى صفاء النية و الإستبسال في المواقف الحرجة، حين تفرض الحاجة خوض اللجج، و بذل المهج..

ثم هو يهي‏ء لزيادة حدة التمزق داخل الكيان الإسلامي، الذي لم يزل كثير من الناس فيه يعيش روح الجاهلية، و مفاهيمها. و تتحكم به العصبيات العشائرية و القبلية، و لم يقطع مراحل كبيرة في مسيرة السمو الروحي، و تزكية النفوس، و إخلاصها للّه في ما تحجم عنه، أو تقدم عليه..

و قد يؤسس ذلك لحروب، و تعديات، و مآس لا تنتهي، و لأحقاد لا تزول، بل تتضاعف باطراد، حيث ستدفعهم عصبياتهم للانتقام المتبادل..

و ستكون النتيجة هي قتل الأبرياء، و التمزق و التشرذم، و ضعف أهل الدين، و السقوط في مستنقع الجريمة.. ثم الرذيلة بأبشع الصور، و أكثرها إثارة للإشمئزاز و التقزز..

و قد لا حظنا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» يصر في حرب صفين- مثلا-على أن يقابل كل قبيلة بمثلها، فيقابل تميم الشام بتميم العراق،

20

و ربيعة الشام، بربيعة العراق‏ (1) . و هكذا بالنسبة لسائر القبائل، لا لأجل أنه يتعامل «عليه السلام» بالمنطق القبلي-حاشاه-بل لأنه يريد:

أولا: أن لا يمعن الناس في قتل بعضهم البعض، لأن المهم عنده هو و أد الفتنة بأقل قدر من الخسائر..

ثانيا: أن لا يكون هناك حرص من القبائل على إدراك ما تعتبره ثارات لها عند القبائل الأخرى، الأمر الذي سيهي‏ء للمزيد من التمزق و الصراع داخل المجتمع الإسلامي..

3-و قد كان الخيار الأقل ضررا، هو أن يدفع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأهل بيته الأبرار، ليكونوا هم حماة هذا الدين، و المدافعين عنه، و أن لا يحرم الآخرين من فرصة للجهاد في سبيل اللّه تعالى.. ضمن الحدود المقبولة و المعقولة. فكان يقدم أهل بيته، و على رأسهم الإمام علي «عليه السلام» ، ليكونوا هم أنصار دين اللّه.. و قتلة أعداء اللّه، ثم ليكونوا هم الشهداء على هذه الأمة، و الحافظين لوحدتها، و المحافظين على عزتها و كرامتها.

و إذا ما سعى الناس للانتقام من علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، و ذريته، و تآمروا عليهم، فإنهم «عليهم السلام» ، لن يعاملوهم بغير الرفق، لأن همهم ليس هو الإنتقام لأنفسهم، بل حفظ الدين، و نشر أعلامه..

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» ، قد حفظ الناس من الجحود

____________

(1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 229، و راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 305، و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 141، و راجع: ج 2 ص 229، و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 9 و فيه: أن عليا «عليه السلام» سأل أولا عن قبائل الشام، فلما أخبروه اتخذ قراره ذاك.

21

و العناد، و جنبهم مخاطر إبطان الحقد عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو السعي لتحريف كتاب اللّه، أو الإعلان بالخروج على الدين و أهله، لأن ذلك-لو حصل-سوف يزيد من صعوبة نشر هذا الدين، إن لم يكن سببا في أن يسقط الكيان كله، و لتبطل من ثم جهود الأنبياء، و تطلّ دماء الشهداء..

فالأخذ بهذا الخيار إذن يجسد رحمة اللّه للناس، و رفقه بهم، و تيسير الإيمان لهم، و لذرياتهم، و لمن يلوذ بهم.

و لعله لأجل ذلك لم يذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن..

حفظا للقرآن من أن يحرفه من هو أشر و أضر ممن رمى القرآن بالنبل و هو يقول:

تهددني بجبار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل: يا رب مزقني الوليد

نعم، إنه من أجل ذلك و سواه لم يذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن بصراحة، مع كثرة ذكره للأمور التي صنعها الإمام علي «عليه السلام» ، كآية النجوى، و كتصدّقه بالخاتم حين صلاته و غير ذلك.. و أنزل آيات كثيرة فيه، و منها آية: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .. و آية الأمر ببلاغ الرسالة.. و تحدث عن إمامته «عليه السلام» كأساس للدين، و ركز مفهومها، و أوضح معالمها..

و مما يؤيد حقيقة: أن عدم ذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن قد جاء وفق سياسة بيانية إلهية.. ما روي بسند صحيح عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، حيث أوضح صلوات اللّه و سلامه عليه هذا المعنى.

و أشار إلى أن ذلك يدخل في السياسة القاضية بحفظ القرآن: وَ إِنََّا لَهُ‏

22

لَحََافِظُونَ (1) .. و الرفق بالأمة، و اللطف بالناس، و تألفهم، و فسح المجال أمام من يلوذ بهم للتأمل، و التدبر، بعيدا عن الموانع، و العقد، و غير ذلك، و الحديث الصحيح الذي نتحدث عنه، يقول:

قيل للإمام الصادق «عليه السلام» ، إن الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليا و أهل بيته «عليهم السلام» في كتاب اللّه عز و جل..

قال: فقال: قولوا لهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزلت عليه الصلاة، و لم يسم اللّه لهم ثلاثا، و لا أربعا، حتى كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي فسر ذلك لهم، و نزلت عليه الزكاة و لم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم، حتى كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي فسر ذلك لهم..

و نزلت: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (2) .. و نزلت في علي و الحسن و الحسين «عليهم السلام» -فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في علي «عليه السلام» : من كنت مولاه فعلي مولاه..

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : أوصيكم بكتاب اللّه، و أهل بيتي، فإني سألت اللّه عز و جل أن لا يفرق بينهما، حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك..

و قال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم.

و قال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلالة..

____________

(1) الآية 12 من سورة يوسف.

(2) الآية 59 من سورة النساء.

23

فلو سكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلم يبين من أهل بيته «عليهم السلام» ، لادّعاها آل فلان، و آل فلان. لكن اللّه عز و جل، أنزله في كتابه تصديقا لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» : إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) .. فكان علي و الحسن و الحسين، و فاطمة «عليهم السلام» فأدخلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت الكساء في بيت أم سلمة الخ‏ (2) ..

خلاصة توضيحية:
و خلاصة ما نريد أن نؤكد عليه هنا هو: أن آية الإكمال قد نزلت قبل آية بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، سواء في النزول الدفعي لسورة المائدة، حيث تقدم: أن الروايات دلت على أن سورة المائدة، قد نزلت دفعة واحدة في عرفات، و فيها آية أمر اللّه تعالى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بنصب علي «عليه السلام» إماما، و آية إكمال الدين مبينة له أن الدين يكمل بهذه الولاية.

و قد حاول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبين للناس ذلك، فمنع، فكان ينتظر توفر الشرائط و الظروف لذلك، و منها: العصمة الإلهية

____________

(1) الآية 33 سورة الأحزاب.

(2) هذا الحديث في الكافي ج 1 ص 287 و 288 و تفسير الصافي ج 1 ص 462 و ج 4 ص 188 و ج 6 ص 43 عنه، و عن العياشي، و راجع: نور الثقلين ج 1 ص 502 و ج 4 ص 274 و تفسير فرات ص 111 و كنز الدقائق ج 3 ص 441 و 442 و (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 2 ص 497 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 109 و البحار ج 35 ص 211 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 187.

24

من كيد الخائنين.

ثم أمره اللّه في منى في مسجد الخيف، فلم يتمكن منه أيضا.

حتى نزلت آية بلغ ما أنزل إليك، و في النزول التدريجي، لتشير له إلى أن الشرائط قد تحققت، و العصمة قد حصلت، فبادر إلى نصب علي «عليه السلام» في يوم الغدير، و تمت الحجة بذلك على الناس جميعا.

النزول على النبي صلّى اللّه عليه و آله قبل الإبلاغ:
و لبيان أن نزول آية الإكمال قبل آية البلاغ إنما هو في النزول الدفعي، لا في التدريجي، نقول:

هناك آيات دلت أو أشارت إلى نزول القرآن دفعة واحدة، فقد قال تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ (1) ..

و قال سبحانه: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ (2) ..

هناك الآيات التي تقول: إن القرآن‏ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (3) ..

وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) ..

و قد روى أهل السنة و غير هم: أن القرآن قد نزل أولا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم صار ينزل نجوما (5) ..

____________

(1) الآية 185 من سورة البقرة.

(2) الآية 1 من سورة القدر.

(3) الآية 22 من سورة البروج.

(4) الآية 4 سورة الزخرف.

(5) الإتقان ج 1 ص 39 و 40 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 118 عن الحاكم و البيهقي، -

25

و حكي الإجماع على ذلك‏ (1) ..

و هناك روايات تقول: إن القرآن قد نزل أولا جملة واحدة إلى البيت المعمور (2) ،

____________

ق-و النسائي، و سعيد بن منصور، و ابن أبي حاتم، و ابن أبي شيبة، و الطبراني، و البزار، و المجموع للنووي ج 6 ص 456 و الدر المنثور ج 6 ص 161 و راجع:

المغني لابن قدامة ج 3 ص 113 و مجمع الزوائد ج 7 ص 120 و 140 و فتح الباري ج 13 ص 414 و ج 27 ص 153 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 188 و فتح القدير ج 5 ص 163 و مسند ابن الجعد ص 344 و المعجم الأوسط ج 2 ص 131 و المعجم الكبير ج 11 ص 247 و ج 12 ص 35 و التبيان للطوسي ج 2 ص 121 و 224 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 3 ص 818 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 14 و ج 10 ص 405 و تفسير ابن زمنين ج 4 ص 198 و ج 5 ص 149 و تفسير البغوي ج 4 ص 148 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 5 ص 251 و زاد المسير ج 7 ص 112 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 179 و مجمع البحرين للطريحي ج 3 ص 465.

(1) راجع: الإتقان ج 1 ص 40 و 44.

(2) راجع: الكافي ج 2 ص 629 و الصافي ج 1 ص 64 و 65 و ج 4 ص 403 و ج 6 ص 415 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 166 و 311 و ج 4 ص 620 و ج 5 ص 558 و 624 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 430 و ج 2 ص 11 و الأمالي للصدوق ص 119 و فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق ص 87 و البحار ج 9 ص 237 و ج 94 ص 11 و 12 و 25 و الحدائق الناضرة ج 13 ص 449 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 229 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 51 و 52 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 454 و 485 و تفسير العياشي ج 1 ص 80 و تفسير القمي ج 1 ص 66 و ج 2 ص 290 و التفسير الأصفى ج 1 ص 88 و ينابيع المودة ج 3 ص 250 و جامع البيان ج 2 ص 197 و الدر المنثور ج 1 ص 189 و فتح القدير ج 1 ص 184.

26

الذي هو في السماء الرابعة (1) .

و لم ير الشيخ المفيد أنه يمكن الإطمينان إلى صحة هذه الروايات‏ (2) ..

و بعض الروايات تحدثت عن نزول القرآن إلى السماء الدنيا (3) .

____________

(1) علل الشرائع ج 2 ص 407 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 332 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 414 و البحار ج 5 ص 330 و ج 11 ص 111 و ج 17 ص 89 و ج 55 ص 55 و 56 و 57 عن محاسبة النفس لابن طاووس، و تفسير القمي ج 2 ص 331 و سفينة البحار ج 2 ص 277 و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 299 و المحتضر ص 43.

(2) راجع كلامه في تصحيح الاعتقاد ص 58.

(3) راجع: المجموع ج 6 ص 456 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 113 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 350 و أمالي السيد المرتضى ج 4 ص 161 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 1 ص 230 و 231 و البحار ج 95 ص 4 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 222 و 223 و 368 و 477 و 530 و مجمع الزوائد ج 7 ص 120 و 140 و فتح الباري ج 1 ص 30 و ج 9 ص 3 و ج 13 ص 414 و عمدة القاري ج 1 ص 55 و ج 11 ص 129 و ج 19 ص 308 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 191 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 6 و ج 6 ص 421 و 480 و المعجم الأوسط ج 2 ص 131 و المعجم الكبير ج 11 ص 247 و ج 12 ص 26 و 35 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 191 و ج 17 ص 51 و التبيان ج 2 ص 121 و ج 9 ص 224 و الحاشية على الكشاف للجرجاني ص 3 و تفسير جوامع الجامع ج 1 ص 184 و ج 3 ص 320 و 818 و مجمع البيان ج 2 ص 14 و ج 10 ص 268 و 405 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 179 و تفسير الميزان ج 2 ص 29 و ج 12 ص 127 و ج 19 ص 141.

غ

27

و قالوا أيضا: إن القرآن قد نزل أولا دفعة واحدة على قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكنه لم يؤمر بتبليغه، و ربما يستأنس لهذا القول ببعض الشواهد (1) .

و هذه الروايات و الأقوال.. قد يكون جلها، أو كلها صحيحا، إذا اعتبرنا: أن جلال و عظمة القرآن اقتضت مراتب من النزول له، فنزل إلى اللوح المحفوظ، ثم إلى البيت المعمور، ثم إلى السماء الدنيا..

ثم يأتي النزول التبليغي للناس، فينزله اللّه في شهر رمضان، على قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم ينزل سورة سورة، ليقرأها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، ثم تنزل الآيات متفرقة، كلما حدث أمر يكون لتلك الآيات نوع ارتباط به..

متى كانت النبوة:
و إذا كانت نبوة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لم تبدأ حين كان «صلى اللّه عليه و آله» في سن الأربعين، بل هو نبي منذ صغره كما أيده المجلسي بوجوه كثيرة (2) .

أو أنه كان نبيا و آدم بين الروح و الجسد (3) ..

____________

(1) راجع: تفسير الميزان ج 2 ص 18 و تفسير الصافي المقدمة التاسعة، و تاريخ القرآن للزنجاني ص 10.

(2) البحار ج 18 من ص 277 إلى ص 281.

(3) راجع: الإحتجاج ج 2 ص 248 و الفضائل لابن شاذان ص 34 و البحار ج 15 ص 353 و ج 50 ص 82 و الغدير ج 7 ص 38 و ج 9 ص 287 و مسند أحمد ج 4-

28

و أنه كان من المرسلين قبل خلق الخلق بألفي عام‏ (1) .

____________

ق-ص 66 و ج 5 ص 59 و 379 و سنن الترمذي ج 5 ص 245 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 609 و مجمع الزوائد ج 8 ص 223 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 111 و ج 10 ص 56 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 438 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 347 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 179 و المعجم الأوسط ج 4 ص 272 و المعجم الكبير ج 12 ص 73 و ج 20 ص 353 و الجامع الصغير ج 2 ص 296 و كنز العمال ج 11 ص 409 و 450 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 86 و كشف الخفاء ج 2 ص 129 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 264 عن ابن سعد، و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 392 و 522 عن كتاب النكاح، و عن فيض القدير ج 5 ص 69 و عن الدر المنثور ج 5 ص 184 و فتح القدير ج 4 ص 267 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 148 و ج 7 ص 59 و التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 274 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 300 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 169 و ج 7 ص 37 و عن أسد الغابة ج 3 ص 132 و ج 4 ص 426 و ج 5 ص 377 و تهذيب الكمال ج 14 ص 360 و سير أعلام النبلاء ج 7 ص 384 و ج 11 ص 110 و ج 13 ص 451 و من له رواية في مسند أحمد ص 428 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 148 و عن الإصابة ج 6 ص 181 و المنتخب من ذيل المذيل ص 66 و تاريخ جرجان ص 392 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 226 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 275 و 276 و 392 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 166 و عن عيون الأثر ج 1 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 288 و 289 و 317 و 318 و دفع الشبه عن الرسول ص 120 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 79 و 81 و 83 و ج 2 ص 239 و عن ينابيع المودة ج 1 ص 45 و ج 2 ص 99 و 261.

(1) الدر المنثور ج 5 ص 258 عن ابن مردويه.

29

و كان اللّه سبحانه قد خلقه قبل الخلق بألف دهر، و أشهده خلق كل شي‏ء، كما في بعض الروايات‏ (1) ..

ثم جعله نورا محدقا بالعرش-عرش القدرة-ليطلع على المزيد من جلال و عظمة و قدرة و ملك اللّه سبحانه، و ذلك تكريما منه تعالى له، و تجلة و شرفا استحقه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان له أهلا (2) .

و من خلال هذا الإشراف، و ذلك المقام، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» يكون قد نال من المعارف الإلهية ما يليق بمقام النبوة الخاتمة، التي هي أعظم مقام..

____________

(1) راجع الكافي ج 1 ص 441 و البحار ج 15 ص 19 و ج 25 ص 340 و ج 54 ص 12 و 66 و 195 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 103 و ج 8 ص 327 و التفسير الصافي ج 3 ص 247 و المحتضر ص 285 و حلية الأبرار ج 1 ص 18.

و شرح أصول الكافي ج 7 ص 147 و راجع كتاب: براءة آدم ص 41-45 و كتاب مختصر مفيد ج 8 ص 23-26 ففيهما أحاديث أخرى..

(2) راجع: البحار ج 15 ص 11 و 14 و 23 و 24 و ج 22 ص 148 و ج 25 ص 4 و 15 ص 24 و ج 38 ص 80 و ج 51 ص 144 عن إكمال الدين ص 162 و 163 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 335 و عن رياض الجنان (مخطوط) و راجع:

الصراط المستقيم ج 2 ص 134 و إعلام الورى ج 2 ص 197 و راجع: معاني الأخبار ص 351 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 169 ج 3 ص 164 و ج 6 ص 482 و ينابيع المودة ج 1 ص 422 و منتخب الأنوار المضيئة للسيد بهاء الدين النجفي ص 345 و مشارق أنوار اليقين للبرسي ص 59 و علل الشرائع ج 1 ص 161 و 174 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 377 و مختصر بصائر الدرجات ص 176 و كتاب الغيبة للنعماني ص 91 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 112 و المحتضر ص 128 و التفسير الصافي ج 1 ص 27.

30

و من خلال نبوته الخاتمة هذه، فإن اللّه سبحانه يطلعه على غيبه، و يكشف اللوح المحفوظ له «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكون بذلك قد علم بالقرآن قبل إنزاله إليه للتبليغ على يد جبرئيل «عليه السلام» ..

و لعل هذا يفسر لنا حقيقة أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين كان ينزل عليه القرآن في المرة التالية، كان يسبق جبرئيل «عليه السلام» بالقراءة، ليشير لنا إلى معرفته به، فقد قال اللّه تعالى له: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ (1) ..

و قال: لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ `إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ `فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (2) ..

أي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف القرآن قبل هذا النزول، إما باطلاعه على اللوح المحفوظ، أو بإيداع القرآن في قلبه سابقا بواسطة جبرئيل «عليه السلام» ، أو بواسطة الوحي الإلهامي..

فأراد اللّه سبحانه أن يعرف الناس بأن هذا النزول ليس هو النزول الأول، بل هو نزول اقتضته مصالح العباد في هدايتهم و إرشادهم، و في تربيتهم بالصورة المناسبة لحالهم..

النزول لأجل هداية الناس:
و حين يريد اللّه سبحانه أن يوصل القرآن إلى الناس، فإنه يستفاد من الروايات: أن ذلك كان يتم عبر إنزاله مرتين، فيكون له نزولان بالنسبة إليهم..

____________

(1) الآية 114 من سورة طه.

(2) الآيات 16-18 من سورة القيامة.

31

و هما نزول السورة بتمامها مرة واحدة أو أكثر.. و النزول التدريجي لها مرة ثانية. و سنورد بعض الشواهد لكلا هذين القسمين فيما يلي من صفحات، فنقول:

نزول السورة بتمامها:
فقد ورد في الروايات: أن سورة المائدة، و الأنعام، و يونس، و التوبة، و الكهف، و بضعا و ثمانين آية من أول سورة آل عمران، و جميع سور المفصل.. بل أكثر سور القرآن، ربما باستثناء سورتين أو ثلاث-كالبقرة و آل عمران-إن جميع ذلك قد نزل سورة سورة..

و قد قال تعالى في أول سورة النور: سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا وَ فَرَضْنََاهََا .. مع أن الأحداث التي ذكرت سببا لنزول آياتها مختلفة و متفرقة..

و قال تعالى أيضا: وَ إِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََاناً (1) .. فإنهم كانوا يقولون ذلك بمجرد فراغه «صلى اللّه عليه و آله» ، من تلاوة القرآن عليهم، و لم يكن القائلون ينتظرون الأيام و الليالي، حتى إذا اكتمل نزول السورة التدريجي قالوا ذلك..

بل إنه حتى حين كانت تنزل آيات السورتين أو الثلاث تدريجا، فإن المقصود هو أن تنزل بتمامها ضمن مدة شهر مثلا.. ثم تبدأ سورة أخرى بالنزول..

و ليس المقصود أن ينزل بعض السورة، ثم ينزل بعض من غيرها، ثم

____________

(1) الآية 124 من سورة التوبة.

32

ينزل ما يكمل السورة الأولى مثلا.. فإن هذا مما دلت النصوص على خلافه، خصوصا تلك التي تقول: إنهم كانوا يعرفون انتهاء السورة و ابتداء غيرها بنزول: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ ..

لو كان لا بد من الانتظار:
نضيف إلى ما تقدم: أن السورة القرآنية كانت تؤخذ من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكتبها الناس في مصاحفهم، و يحفظونها، و يقرؤونها في صلواتهم.. و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرشدهم إلى مواضع استحباب قراءتها.. و إلى كيفية القراءة، و أوقاتها، و حالاتها و مواردها..

و كانت السور تعرف بأسمائها في عهده «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسافر بها أهل القبائل إلى منتجعاتهم، و أهل البلاد و القرى إلى بلادهم و قراهم..

و لم يكونوا ينتظرون زيادة شي‏ء فيها، و لا كانوا يسألون عن هذه الزيادة، كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرسل إليهم طالبا منهم إضافة شي‏ء إلى أية سورة كانوا قد حملوها عنه، و أخذوها منه..

و لو أن الباب كان قد بقي مفتوحا على التبديل و التعديل، لكان علينا أن نشهد و أن نقرأ في التاريخ الكثير من موارد السؤال عن الزيادة أو الإخبار عنها، و بها لهذا الصحابي، و لذاك إلى حين وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ..

نزول السورة مرتين:
و كانت بعض السور التي تنزل دفعة واحدة كما قلنا، تنزل نفسها مرة أخرى دفعة واحدة أيضا.. كما هو الحال في سورة الإخلاص، التي نزلت في‏

33

مكة مرة، و في المدينة أخرى، و كذلك سورة الفاتحة.. فقد نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، و مرة بالمدينة لما حولت القبلة (1) ..

نزول الآية أيضا مرتين:
و كما كانت السورة تنزل أكثر من مرة، كانت الآية تنزل أكثر من مرة أيضا.. و قد رووا ذلك في العديد من الموارد، مثل خواتيم سورة النحل، و أول سورة الروم، و آية الروح، و قوله تعالى: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ (2) .. فإن سورتي الإسراء و هود مكيتان، و سبب نزولهما يدل على أنهما نزلتا في المدينة..

قال الزركشي: و لهذا أشكل ذلك على بعضهم، و لا إشكال، لأنها نزلت مرة بعد مرة (3) ..

و قد صرحوا: بأن مما يدخل في هذا السياق: أنه قد تنزل الآية لأجل سبب بعينه، ثم يتجدد سبب آخر، فيقتضي نزولها مرة أخرى..

____________

(1) راجع: الإتقان ج 1 ص 35، و الدر المنثور ج 1 في تفسير سورة الفاتحة و ج 6 في تفسير سورة الإخلاص، فإنه قد روى ذلك عن مصادر كثيرة. و راجع أيضا:

شرح أصول الكافي لملا صالح المازندراني ج 1 ص 463 و فتح الباري ج 8 ص 121 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 228 و مجمع البيان ج 1 ص 47 و البيان للسيد الخوئي ص 418.

(2) الآية 114 من سورة هود.

(3) البرهان للزركشي ج 1 ص 29 و الإتقان ج 1 ص 35 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 104 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 394.

34

و قد مثلوا لذلك:

1-بقوله تعالى: فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ (1) .. فقد زعموا-كذبا و زورا-: أنها نزلت في النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما غضب لتمثيل المشركين بعمه حمزة، فتوعدهم بالتمثيل بسبعين (أو بثلاثين) منهم‏ (2) .

و لعل الصحيح هو ما روي عن الإمام الحسن «عليه السلام» من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأقتلن سبعين رجلا، قال «عليه السلام» : إنما أحب اللّه جل اسمه أن يجعل ذلك سنة في المسلمين، فإنه لو قتل بكل شعرة من عمه حمزة سبعين رجلا من المشركين، ما كان في قتله حرج‏ (3) .

و إذا أردنا أن نحسن الظن ههنا، فإننا نقول: لعل من قرأها قد قرأها على سبيل التصحيف «لأمثلنّ» لتقارب الرسم بين الكلمتين، و هذا كلام

____________

(1) الآية 126 من سورة النحل.

(2) الإتقان ج 1 ص 33 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 98 و المعجم الكبير ج 11 ص 52 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 250 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 135 و (ط دار الكتب العلمية) ص 121 و الدر المنثور ج 4 ص 135 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 192 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 168 و الوافي بالوفيات ج 13 ص 104 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 208 و زاد المسير ج 4 ص 370 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 180 و أسد الغابة ج 2 ص 48 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 14 و راجع: تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 244 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 296 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 161 و راجع:

تفسير العياشي ج 2 ص 275 و تفسير القمي ج 1 ص 123.

(3) البحار ج 78 ص 395 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 257 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 309 و راجع: تفسير نور الثقلين ج 3 ص 96 و الهداية الكبرى للخصيبي ص 346.

35

صحيح في نفسه، و ليس فيه إشكال. و إن كان ذلك بعيدا، فإن الظاهر: أنهم في أكثر الموارد قد تناقلوها على سبيل الرواية، لا قراءة من كتاب.

و نزلت أيضا في الأنصار في حرب أحد، لنفس السبب‏ (1) .

2-مثلوا له أيضا بقوله تعالى: مََا كََانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ (2) .

فزعموا-كذبا وزورا-: أنها نزلت في استغفار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي طالب «عليه السلام» (3) .

____________

(1) الإتقان ج 1 ص 33 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 376 و مسند أحمد ج 5 ص 135 و سنن الترمذي ج 4 ص 362 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 359 و ج 2 ص 446 و فتح الباري ج 7 ص 286 و المعجم الكبير ج 3 ص 144 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 239 و موارد الظمآن ج 5 ص 314 و كنز العمال ج 2 ص 451 و الدر المنثور ج 4 ص 135 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 223 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 210 و فتح القدير ج 3 ص 205.

(2) الآية 113 من سورة التوبة.

(3) مسند أحمد ج 5 ص 433 و صحيح البخاري ج 2 ص 98 و ج 5 ص 208 و ج 6 ص 18 و صحيح مسلم ج 1 ص 40 و سنن النسائي ج 4 ص 91 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 336 و فتح الباري ج 8 ص 256 و عمدة القاري ج 8 ص 180 و ج 18 ص 276 و ج 19 ص 105 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 394 و 401 و السنن الكبرى ج 1 ص 655 و ج 6 ص 359 و 425 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 39 و صحيح ابن حبان ج 3 ص 262 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 210 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 289 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 105 و جامع البيان ج 11 ص 57 و ج 20 ص 113 و أسباب نزول الآيات-

36

و زعموا-كذبا و زورا أيضا-: أنها نزلت في والدة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

و زعموا كذلك: أنها نزلت في رجل استغفر لأبويه، كما رواه الترمذي‏ (2) ..

____________

ق-للواحدي النيسابوري ص 228 و تفسير البغوي ج 2 ص 331 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 591 و زاد المسير ج 3 ص 345 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 272 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 407 و ج 3 ص 406 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 126 و (ط دار الكتب العلمية) ص 113 و فتح القدير ج 2 ص 411 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 33 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 422 و ج 41 ص 231 و ج 58 ص 181 و 182 و 183 و ج 66 ص 332 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 199 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 230 و البداية و النهاية ج 3 ص 153 و عيون الأثر ج 1 ص 172 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 126.

(1) فتح الباري ج 8 ص 390 و جامع البيان ج 11 ص 58 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 100 و معاني القرآن للنحاس ج 3 ص 260 و تفسير البغوي ج 2 ص 331 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 127 و (ط دار الكتب العلمية) ص 114 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 107.

(2) مسند أحمد ج 1 ص 99 و 130 و سنن الترمذي ج 4 ص 344 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 106 و عمدة القاري ج 8 ص 182 و كنز العمال ج 2 ص 421 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1893 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 90 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 407 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 98 و الدر المنثور ج 3 ص 282 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 126 و (ط دار الكتب العلمية) ص 113 و فتح القدير ج 2 ص 411.

غ

37

غير أن ما يهمنا هنا هو تصريحهم بأن الآية و السورة قد تنزل أكثر من مرة لأسباب مختلفة..

3-قالوا: إن آية بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ قد نزلت مرتين أيضا:

مرة في مكة، و مرة في المدينة (1) ..

4-قالوا: إن سورة الفاتحة نزلت مرتين أيضا: مرة في مكة، و مرة في المدينة (2) ..

5-احتمل سبط ابن الجوزي، و غيره: أن آية: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .. قد نزلت مرتين: في عرفة، و في غدير خم‏ (3) ..

6-قالوا: إن آية: تَعََالَوْا إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ قد نزلت مرتين، كما نقله الحافظ ابن حجر (4) .

____________

(1) راجع: تذكرة الخواص ص 30.

(2) راجع: عمدة القاري ج 19 ص 11 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 1 ص 47 و ج 6 ص 129 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 463 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 228 و تفسير البغوي ج 1 ص 37 و تفسير السمعاني ج 1 ص 31 و تفسير البغوي ج 3 ص 57 و زاد المسير ج 4 ص 303 و التفسير الكبير ج 19 ص 207 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 9 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 41 و 150 و البرهان للزركشي ج 1 ص 29 و فتح القدير ج 1 ص 15 و تفسير الآلوسي ج 1 ص 38 و ج 14 ص 79.

(3) تذكرة الخواص ص 30 و شرح أصول الكافي لملا صالح المازندراني ج 11 ص 278 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 301.

(4) تفسير الميزان ج 3 ص 267 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 379.

38

7-قالوا: إن آية: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً قد نزلت مرتين‏ (1) .

8-قالوا: إن آية: الم `غُلِبَتِ اَلرُّومُ قد نزلت مرتين‏ (2) .

9-قالوا: إن آية: .. تَكُونُ لَنََا عِيداً لِأَوَّلِنََا وَ آخِرِنََا وَ آيَةً مِنْكَ وَ اُرْزُقْنََا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ قد نزلت مرتين‏ (3) .

10-قالوا أيضا: إن آية اللعان قد تكون نزلت مرتين‏ (4) ..

11-و قالوا أيضا عن آية الجزية: إنها يحتمل أن تكون قد نزلت مرتين‏ (5) .

12-و قالوا ذلك أيضا عن خواتيم سورة النحل‏ (6) .

13-و قالوا: إن سورة الحجر نزلت مرتين‏ (7) .

14-و قالوا: إن سورة الأنعام نزلت مرتين أيضا (8) .

15-و قالوا: إن سورة الكوثر نزلت مرتين‏ (9) .

____________

(1) تفسير الآلوسي ج 15 ص 153 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 379.

(2) تفسير الآلوسي ج 21 ص 19.

(3) جامع البيان للطبري ج 7 ص 177.

(4) لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 15 و (ط دار الكتب العلمية) ص 5.

(5) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 379.

(6) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 379.

(7) راجع: فتح الباري ج 8 ص 121.

(8) راجع: تفسير الآلوسي ج 7 ص 76.

____________

(9) راجع: تفسير الآلوسي ج 30 ص 244.

39

16-و قالوا: إن سورة المرسلات نزلت مرتين أيضا (1) .

النزول التدريجي للآيات:
و قد ذكر اللّه سبحانه نزول آيات القرآن بصورة تدريجية في قوله تعالى:

وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ وَ رَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلاً (2) .

و قال تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنََّاسِ عَلى‏ََ مُكْثٍ وَ نَزَّلْنََاهُ تَنْزِيلاً (3) .

فإنه و إن كان نزول القرآن سورة سورة يكفي في صحة القول بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرؤه على مكث، و بأن اللّه تعالى قد فرقه، و بأنه لم ينزل جملة واحدة..

و لكن الظاهر من الروايات المتواترة أن آياته كانت تنزل أيضا متفرقة، وفق ما يستجد من أحداث..

و ذلك بعد أن تنزل السورة بكاملها أولا.

و نذكر من الشواهد على ذلك، ما يلي:

شواهد و أدلة:
ألف: إن سورة الأنعام قد نزلت جملة واحدة بمكة، و قد شيعها سبعون

____________

(1) راجع: الفتوحات المكية لابن العربي ج 2 ص 507.

(2) الآية 32 من سورة الفرقان.

(3) الآية 106 من سورة الإسراء.

40

ألف ملك‏ (1) ..

و الروايات تقول أيضا: إن آيات هذه السورة قد نزلت في مناسبات مختلفة، و نذكر من ذلك على سبيل المثال ما يلي:

1-عن ابن إسحاق، قال: مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، و أمية بن خلف، و أبي جهل بن هشام، فهمزوه و استهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل اللّه: وَ لَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ

____________

(1) راجع: الكافي ج 2 ص 622 و ثواب الأعمال الصدوق ص 105 و شرح أصول الكافي ج 11 ص 63 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 6 ص 230 و (ط دار الإسلامية) ج 4 ص 873 و المصباح للكفعمي ص 441 و البحار ج 89 ص 274 و 275 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 471 و التفسير الأصفى ج 1 ص 357 و تفسير العياشي ج 1 ص 354 و 383 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 4 ص 6 و 306 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 696 و 778 و ج 3 ص 241 و التفسير الصافي ج 2 ص 178 و جامع أحاديث الشيعة ج 15 ص 94 و البرهان للزركشي ج 1 ص 199 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 419 و الدر المنثور ج 3 ص 2 و 3 و 4 و التفسير الكبير للرازي ج 12 ص 141 و الإتقان ج 1 ص 37 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 111 عن ابن الضريس، و أبي عبيدة و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و الحاكم، و أبي الشيخ، و البيهقي في شعب الإيمان، و السلفي في الطيوريات، و الإسماعيلي في معجمه، و الخطيب في تاريخه، و عبد الرزاق، و الفريابي، و عبد بن حميد، و غيرهم، عن ابن عباس، و ابن مسعود، و أسماء بنت يزيد الأنصارية، و ابن عمر، و أنس، و جابر، و عن الإمام علي «عليه السلام» ، و عن أبي بن كعب، و مجاهد، و محمد بن المكندر، و عطاء، و غيرهم.

41

فَحََاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (1) » (2) ..

2-عن ابن إسحاق، قال: لما دعا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قومه للإسلام، قال له زمعة بن الأسود، و النضر بن الحارث، و عبدة بن عبد يغوث، و أبي بن خلف، و العاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس، و يرى معك. فأنزل اللّه في ذلك من قولهم: وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ (3) » (4) ..

3-عن الإمام علي «عليه السلام» قال: قال أبو جهل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إنا لا نكذبك، و لكن نكذب بما جئت به، فأنزل اللّه: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ (5) » (6) ..

____________

(1) الآية 41 من سورة الأنبياء.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 5 عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و فتح القدير ج 2 ص 102 و البداية و النهاية ج 3 ص 130 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 266 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 85.

(3) الآية 8 من سورة الأنعام.

(4) الدر المنثور ج 3 ص 5 عن ابن المنذر و ابن أبي حاتم، و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1265 و فتح القدير ج 2 ص 102 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 96 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 266.

(5) الآية 33 من سورة الأنعام.

(6) الدر المنثور ج 3 ص 9 و 10 عن الترمذي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و الحاكم و صححه، و الضياء في المختارة و ابن مردويه. و عن أبي ميسرة كما رواه عبد بن حميد، و ابن المنذر و ابن مردويه، و سنن الترمذي ج 4 ص 326 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 315 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 417 و 418 و تفسير-

42

و عن أبي صالح قال: كان المشركون إذا رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال بعضهم لبعض، فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ (1) » (2) ..

4-عن ابن مسعود، قال: مر الملأ من قريش على النبي «صلى اللّه عليه

____________

ق-الثعلبي ج 4 ص 145 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 134 و تفسير البيضاوي ج 2 ص 404 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 100 و (ط دار الكتب العلمية) ص 88 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 416 و زاد المسير ج 3 ص 21 و تفسير النسفي ج 1 ص 320 و تفسير البغوي ج 2 ص 94 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 145 و كنز العمال ج 2 ص 409 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1282 و علل الدار قطني ج 4 ص 143 و 144 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 30 و 134 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 136 و فتح القدير ج 2 ص 113 و تفسير أبي السعود ج 3 ص 127 و جامع البيان ج 7 ص 240 و راجع: تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 4 ص 43.

(1) الآية 33 من سورة الأنعام.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 10 عن أبي الشيخ، و راجع: البحار ج 9 ص 202 و ج 18 ص 157 و 183 و ج 68 ص 60 و 87 و بشارة المصطفى للطبري ص 304 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 465 و الكافي ج 2 ص 88 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 262 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 207 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 249 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 62 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 149 و نهج السعادة للمحمودي ج 7 ص 289 و تفسير القمي ج 1 ص 197 و التفسير الصافي ج 2 ص 117 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 711 و ج 4 ص 232 و ج 5 ص 117.

43

و آله» و عنده صهيب و عمار، و بلال، و خباب، و نحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء..

إلى أن قال: فأنزل اللّه فيهم القرآن: وَ أَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ََ رَبِّهِمْ .. إلى قوله: وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِالظََّالِمِينَ (1) » (2) ..

و لنا تساؤل حول ذكر صهيب، فقد وردت في ذمه روايات، قدمنا بعضها في بعض فصول هذا الكتاب‏ (3) .

و في نص آخر عن عكرمة قال-ما ملخصه-: مشى عتبة و شيبة، و قرضة بن عبد عمرو و غيرهم إلى أبي طالب، و طلبوا منه أن يطرد أولئك الضعفاء من حوله.. و قال له عمر: لو فعلت يا رسول اللّه، حتى ننظر ما يريدون بقولهم، و ما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل اللّه: وَ أَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ..

إلى أن قال: و نزلت في أئمة الكفر من قريش و الموالي و الحلفاء، وَ كَذََلِكَ

____________

(1) الآيات 51-58 سورة الأنعام.

(2) مسند أحمد ج 1 ص 420 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 101 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 88 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 196 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 2 ص 22 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 222 و فتح القدير ج 2 ص 121 و مجمع الزوائد ج 7 ص 21 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 139 و الدر المنثور ج 3 ص 12 عن أحمد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم و الطبراني، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و أبي نعيم في الحلية.

(3) راجع: قاموس الرجال للمحقق التستري، و تنقيح المقال للمحقق المماقاني، ترجمة صهيب.

44

فَتَنََّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا الآية. فلما نزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل اللّه: وَ إِذََا جََاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِنََا فَقُلْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ.. (1) » (2) ..

و نحن و إن كنا نسجل العديد من الإشكالات على هذه الرواية أيضا، فإننا نقول:

إن ذلك لا يضر في ما نريد أن نثبته، لأنها دلت على أنهم يرون أن الآيات كانت تنزل مرة ثانية بعد نزولها في ضمن سورتها التي نزلت دفعة واحدة.

5-عن خباب قال ما ملخصه: جاء الأقرع بن حابس، و عيينة بن حصن، فوجدا النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاعدا مع بلال و صهيب، و عمار و خباب، و غيرهم من ضعفاء المؤمنين. فخلوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل لهم مجلسا منه لا يكون فيه أولئك، فأجابهم إلى ذلك، فقالوا:

«فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، و دعا عليا «عليه السلام» ليكتب، و نحن قعود في ناحية، إذ نزل جبرئيل بهذه الآية: وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ

____________

(1) الآية 54 من سورة الأنعام.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 101 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 89 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 159 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 140 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 471 و جامع البيان ج 7 ص 265 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 376 و ج 60 ص 156 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 2 ص 460 و تفسير الميزان ج 7 ص 109.

45

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ .. إلى قوله: فَقُلْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ ..

فألقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصحيفة من يده، ثم دعانا، و هو يقول: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ .. فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام و تركنا. فأنزل اللّه: وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (1) ..

قال: فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم..

و هذا معناه: أن الآية قد نزلت مرة أخرى في المدينة (2) .. بعد أن كانت قد نزلت في ضمن السورة التي نزلت دفعة واحدة، غير أننا نشك في صحة هذه الرواية أيضا لأسباب كثيرة، منها: أنها تذكر أن النبي «صلى اللّه عليه

____________

(1) الآية 28 من سورة الكهف.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن ابن أبي شيبة، و أبي يعلى، و ابن ماجة، و أبي نعيم في الحلية، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و المعجم الكبير ج 4 ص 76 و 438 و جامع البيان ج 7 ص 263 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 438 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 432 زاد المسير ج 3 ص 32 و تفسير البغوي ج 2 ص 99 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 149 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 447 و ج 24 ص 223 و ج 34 ص 230 و البداية و النهاية ج 6 ص 64 و راجع: البحار ج 22 ص 33 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1382 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 564 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1297.

46

و آله» أراد أن يكتب كتابا بأمر يرفضه دينه و عقله، و وجد أنه يظلم به بعض الناس لا لشي‏ء إلا لكونهم ضعفاء، و فقراء، و مؤمنين. لصالح أناس ظالمين، و منحرفين، و مشركين.

و منها: ذكره لبعض من لا تنطبق عليه الآية، إذ لم يكونوا ممن يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه.

و ثمة إشكالات أخرى على هذه الرواية أيضا..

و في نص آخر: عن عمر بن عبد اللّه بن المهاجر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان أكثر ما يصلي نافلته عند اسطوان التوبة. و كان إذا صلى الصبح انصرف إليها و قد سبق إليها الضعفاء و المساكين و الضيفان، و المؤلفة قلوبهم و غيرهم؛ فيتحلقون حول النبي «صلى اللّه عليه و آله» حلقا بعضها دون بعض. فينصرف إليهم و يتلو عليهم ما أنزل اللّه عليه في ليلته، و يحدثهم، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول و الشرف و الغنى، فلا يجدون إليه مخلصا. فتاقت أنفسهم إليه، و تاقت نفسه إليهم، فأنزل اللّه:

وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ .. إلى منتهى الآيتين..

فلما نزل ذلك فيهم قالوا له: لو طردتهم عنا و نكون من جلساءك و إخوانك و لا نفارقك، فأنزل اللّه: وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ » (1) ..

و هذا معناه: أن الآية قد نزلت في المدينة، و سورة الأنعام قد نزلت

____________

(1) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن الزبير بن بكار في أخبار المدينة، و خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ج 1 ص 116.

غ

47

دفعة واحدة في مكة..

و عن سعد بن أبي وقاص، قال: نزلت هذه الآية في ستة: أنا و عبد اللّه بن مسعود، و بلال، و رجل من هذيل، و اثنين، قالوا: يا رسول اللّه، اطردهم، فإننا نستحي أن نكون تبعا لهؤلاء، فوقع في نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما شاء اللّه أن يقع، فأنزل اللّه: وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ إلى قوله: أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِأَعْلَمَ بِالشََّاكِرِينَ » (1) ..

علما بأننا لا نصدق دعوى سعد بن أبي و قاص: أنه كان في جملة من نزلت الآية فيهم، لأن ممارسات و مواقف هؤلاء لا تتلاءم مع مضمون الآية الكريمة، يضاف إلى ذلك: أن تصريح الرواية بأنه قد وقع طلب المشركين في نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا شك في أنه مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و هناك روايات عديدة أخرى كلها تصب في هذا الإتجاه‏ (2) ..

6-عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالوا: إنا

____________

(1) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن الفريابي، و أحمد، و عبد بن حميد، و مسلم، و النسائي، و ابن ماجة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و الحاكم، و أبي نعيم في الحلية، و البيهقي في الدلائل، و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1296 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 429 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 146.

(2) راجع ما رواه في الدر المنثور ج 3 ص 13 و 14 عن مجاهد، و الربيع بن أنس.

و رواها عن ابن عساكر، و عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن جرير، فراجع..

48

أصبنا ذنوبا عظاما، فما رد عليهم شيئا، فانصرفوا، فأنزل اللّه: وَ إِذََا جََاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِنََا .. فدعاهم، فقرأها عليهم‏ (1) .

7-عن زيد بن أسلم، قال: لما نزلت: قُلْ هُوَ اَلْقََادِرُ عَلى‏ََ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذََاباً (2) .. قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف..

فقالوا: و نحن نشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه؟!..

قال: نعم.

فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدا.

فأنزل اللّه: اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ `وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ (3) » (4) ..

8-عن ابن جريج قال ما ملخصه: كان المشركون يجلسون إلى النبي

____________

(1) الدر المنثور ج 3 ص 14 عن الفريابي، و عبد بن حميد، و مسدد في مسنده، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و تفسير الثوري ص 107 و جامع البيان ج 7 ص 271 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1300 و أسباب نزول الآيات ص 147 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 472 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 102 و (ط دار الكتب العلمية) ص 89 و فتح القدير ج 2 ص 121.

(2) الآية 65 سورة الأنعام.

(3) الآيتان 65 و 66 من سورة الأنعام.

(4) الدر المنثور ج 3 ص 20 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و جامع البيان ج 7 ص 294 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1312 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 148 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 102 و (ط دار الكتب العلمية) ص 90.

49

«صلى اللّه عليه و آله» ، فإذا سمعوا منه استهزؤوا، فنزلت: وَ إِذََا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ (1) .. فجعلوا إذا استهزؤوا قام، فحذروا، و قالوا: لا تستهزؤوا فيقوم، فذلك قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أن يخوضوا فيقوم.. و نزل: فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ `وَ مََا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (2) » (3) .

9-عن ابن عباس في حديث.. : «قالت اليهود: يا محمد، أنزل اللّه عليك كتابا؟!

قال: نعم.

قالوا: و اللّه، ما أنزل اللّه من السماء كتابا.

فأنزل اللّه: قُلْ يا محمد، مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتََابَ اَلَّذِي جََاءَ بِهِ مُوسى‏ََ (4) .. » (5) .

____________

(1) الآية 68 سورة الأنعام.

(2) الآيتان 68 و 69 سورة الأنعام.

(3) الدر المنثور ج 3 ص 20 و 21 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و راجع ما رواه في الدر المنثور ج 3 ص 21 عن أبي الشيخ عن مقاتل، و جامع البيان ج 7 ص 298 و 299 و تفسير الميزان ج 7 ص 153.

(4) الآية 91 من سورة الأنعام.

(5) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البحار ج 9 ص 89 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1341 و 1342 و تفسير البغوي ج 2 ص 114 و فتح القدير ج 2 ص 141 و زاد المسير ج 3 ص 57 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 147 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 168 و جامع البيان ج 7 ص 348 و تفسير الميزان ج 7 ص 304 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 108.

50

و واضح: أن التعاطي مع اليهود و الاحتجاج عليهم، إنما كان في المدينة بعد الهجرة، مع ملاحظة أن للآية مناسبة خاصة نزلت فيها، مما يدل على أن هذا قد كان نزولا آخر لها غير نزولها في ضمن السورة..

10-و في نص آخر، عن سعيد بن جبير: أنها نزلت في مالك بن الصيف حينما ناشده النبي «صلى اللّه عليه و آله» هل يجد في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين؟!، فغضب. (و كان حبرا سمينا) فأنكر، و قال: و اللّه ما أنزل اللّه على بشر من شي‏ء، فقال له أصحابه: و يحك، و لا على موسى؟.

قال: ما أنزل اللّه على بشر من شي‏ء، فأنزل اللّه: وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (1) » (2) ..

11-و عن محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو محتب. فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء، كما جاء به موسى ألواحا؟!..

فأنزل اللّه: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ (3) ..

فجثا رجل من اليهود، فقال: ما أنزل اللّه عليك، و لا على موسى، و لا على عيسى، و لا على أحد شيئا.

____________

(1) الآية 91 من سورة الأنعام.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 443 و راجع: تفسير الثعالبي ج 2 ص 492 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 147.

(3) الآية 153 من سورة النساء.

51

فأنزل اللّه: وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » (1) ..

و هناك رواية أخرى عن محمد بن كعب في شأن نزول هذه الآية، فراجع..

و الكلام فيها كالكلام السابق، و هي أن مناقشاته «صلى اللّه عليه و آله» ، مع اليهود قد كانت في المدينة لا في مكة. و أنه حتى لو كان ذلك قد حصل في مكة، فهو أيضا يدل على أن للآية نزولا آخر غير نزولها في ضمن السورة (2) .

12-قد نزلت آية: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ قََالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قََالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ (3) .. في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح.. الذي كان يكتب القرآن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم فر إلى مكة فسألوه عن ذلك، فادّعى أنه كان يكتب كيف شاء (4) ..

____________

(1) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن ابن جرير، و جامع البيان ج 7 ص 348 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 168 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 401.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن أبي الشيخ، و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 147.

(3) الآية 93 من سورة الأنعام.

(4) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 30 عن الحاكم في المستدرك، و عن ابن أبي حاتم، عن شر حبيل بن سعد، و عن السدي، و البحار ج 22 ص 34 و البحار ج 89 ص 35 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 444 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 613 و تفسير القمي ج 1 ص 210 و التبيان ج 4 ص 202 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 745 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 335 و جامع البيان ج 7 ص 354 و 355 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1346 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 458 و تفسير السمعاني ج 2 ص 126 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 148-

52

و في نصوص أخرى أنها نزلت في مسيلمة الكذاب‏ (1) ..

و ربما يحمل ذلك على تعدد نزولها.

و في جميع الأحوال نقول:

إن ذلك إنما كان في المدينة بعد الهجرة، فهو نزول آخر للآية، حسبما ألمحنا إليه..

13-و تذكر بعض الروايات: أن آية: وَ لاََ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ

____________

ق-و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 103 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 90 و فتح القدير ج 2 ص 141 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 222 و الإصابة (ط دار الكتاب العلمية) ج 1 ص 562.

(1) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 30 عن عبد بن حميد و ابن المنذر، و ابن جرير، و أبي الشيخ عن ابن جريج، و قتادة، و عكرمة، و جامع البيان للطبري ج 7 ص 354 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1346 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 487 و ج 2 ص 108 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 169 و تفسير ابن زمنين ج 2 ص 84 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 458 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 335 و البحار ج 22 ص 34 و التبيان للطوسي ج 4 ص 202 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 1 ص 593 و تفسير النسفي ج 1 ص 335 و تفسير العز بن عبد السلام ج 1 ص 450 و زاد المسير ج 3 ص 59 و تفسير البغوي ج 2 ص 115 و تفسير الواحدي ج 1 ص 365 و أسباب نزول الآيات ص 148 و تفسير القرطبي ج 7 ص 39 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 162 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 47 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 103 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 90 و فتح القدير ج 2 ص 141 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 222 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 574.

53

دُونِ اَللََّهِ فَيَسُبُّوا اَللََّهَ (1) .. قد نزلت حين مشت قريش إلى أبي طالب «عليه السلام» ، و كلمته في أمر ابن أخيه، ثم طلبوا منه أن يكف عن شتم آلهتم، و إلا فسوف يشتمونه، و يشتمون من أمره‏ (2) ..

و هذا معناه: أن للآية مناسباتها الخاصة التي أوجبت نزولها فيها أيضا.

يضاف إلى نزولها في ضمن السورة.

14-قالوا: إن آية: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ.. إلى قوله: يَجْهَلُونَ (3) ..

قد نزلت حين طلب المشركون من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل لهم الصفا ذهبا..

و الكلام في هذا المورد كالكلام في سابقه‏ (4) ..

15-عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي «صلى اللّه عليه

____________

(1) الآية 108 من سورة الأنعام.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 38 عن ابن أبي حاتم، و جامع البيان ج 7 ص 404 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1367 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 332 و تفسير القرطبي ج 7 ص 61 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 505 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 169 و تفسير البحر المحيط ج 4 ص 201 و السيرة الحلبية ج 2 ص 45.

(3) الآيات 109-111 من سورة الأنعام.

(4) الدر المنثور ج 3 ص 39 عن ابن جرير، و راجع ما رواه أيضا عن أبي الشيخ. و ما أخرجه أيضا في نفس الموضع عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و ابن أبي حاتم، و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 50 و البحار ج 9 ص 91 و ج 18 ص 202 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 150 و تفسير البغوي ج 2 ص 122 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 170 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 103 و (ط دار الكتب العلمية) ص 91.

54

و آله» ، فقالوا: نأكل مما قتلنا و لا نأكل مما يقتل اللّه، فأنزل اللّه: فَكُلُوا مِمََّا ذُكِرَ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيََاتِهِ مُؤْمِنِينَ.. إلى قوله: وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (1) » (2) .

و ثمة روايات عديدة أخرى بهذه المضامين‏ (3) ..

16-و قال ابن جريج: إن آية: إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ (4) .. نزلت في ثابت بن قيس بن شماس..

و ذلك يعني: أنها قد نزلت في المدينة.. و أن لها نزولا آخر غير نزولها في ضمن السورة (5) .

____________

(1) الآيات 118-121 من سورة الأنعام.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 41 و 42 عن أبي داود و الترمذي و حسنه، و البزار و ابن جرير، و ابن المنذر، و رواه ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ، و ابن مردويه، و الفريابي، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و أبو داود، و ابن ماجة، و الحاكم و صححه، و النحاس و الطبراني، و البيهقي في سننه.. و في نص آخر ج 3 ص 42 عن الضحاك، أن المشركين قالوا ذلك.

روى ذلك أبو الشيخ، و عبد بن حميد، و ابن جرير و الطبراني، و ابن مردويه، و أبو داود، و تفسير الآلوسي ج 8 ص 13 و سنن أبي داود ج 1 ص 644 و فتح الباري ج 9 ص 538 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 353 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 301 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 74 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 177 و فتح القدير ج 2 ص 157 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 308.

(3) راجع الدر المنثور ج 3 ص 42 عن مصادر كثيرة.

(4) الآية 141 سورة الأنعام.

(5) الدر المنثور ج 3 ص 49 عن ابن جرير و ابن أبي حاتم، و جامع البيان ج 8 ص 81 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 198 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 189 و تفسير-