شرح نهج البلاغة - ج2

- ابن ابي الحديد المزيد...
336 /
3

الجزء الثاني‏

تتمة الخطب و الأوامر

تتمة خطبة 25

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى الحجاز و اليمن (1) -

فأما خبر بسر بن أرطاة العامري من بني عامر بن لؤي بن غالب و بعث معاوية له ليغير على أعمال 1أمير المؤمنين ع و ما عمله من سفك الدماء و أخذ الأموال

1- فقد ذكر أرباب السير أن الذي هاج معاوية على تسريح بسر بن أرطاة و يقال ابن أبي أرطاة إلى الحجاز و اليمن أن قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظمون قتله لم يكن لهم نظام و لا رأس فبايعوا 1لعلي ع على ما في أنفسهم و عامل 1علي ع على صنعاء يومئذ عبيد الله بن عباس (1) و عامله على الجند سعيد بن نمران (2) . فلما اختلف الناس على 1علي ع بالعراق و قتل محمد بن أبي بكر بمصر و كثرت غارات أهل الشام تكلموا و دعوا إلى الطلب بدم عثمان فبلغ ذلك عبيد الله بن عباس فأرسل إلى ناس من وجوههم فقال ما هذا الذي بلغني عنكم قالوا إنا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى عليه فحبسهم فكتبوا إلى من بالجند من أصحابهم فثاروا بسعيد بن نمران فأخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم و خرج إليهم من كان بصنعاء و انضم إليهم كل من كان على رأيهم و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم إرادة أن يمنعوا الصدقة و التقى عبيد الله بن عباس و سعيد بن نمران و معهما شيعة 1علي ع فقال ابن عباس لابن نمران و الله لقد اجتمع هؤلاء و إنهم لنا

____________

(1) عبيد اللّه بن العباس؛ كان أصغر من أخيه عبد اللّه بسنة، رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و سمع منه، و حفظ عنه الاستيعاب 404.

(2) سعيد بن نمران الهمدانيّ؛ كان كاتبا لعلى؛ و أدرك من حياة النبيّ عليه السلام أعواما. الاستيعاب 542.

4

لمقاربون و إن قاتلناهم لا نعلم على من تكون الدائرة فهلم لنكتب إلى 1أمير المؤمنين ع بخبرهم و قدحهم و بمنزلهم الذي هم به .

فكتبا إلى 1أمير المؤمنين ع (1) أما بعد فإنا نخبر 1أمير المؤمنين أن شيعة عثمان وثبوا بنا و أظهروا أن معاوية قد شيد أمره و اتسق له أكثر الناس و أنا سرنا إليهم بشيعة 1أمير المؤمنين و من كان على طاعته و أن ذلك أحمشهم‏ (2) و ألبهم فعبئوا (3) لنا و تداعوا علينا من كل أوب و نصرهم علينا من لم يكن له رأي فيهم إرادة أن يمنع حق الله المفروض عليه و ليس يمنعنا من مناجزتهم إلا انتظار أمر 1أمير المؤمنين أدام الله عزه و أيده و قضى له بالأقدار الصالحة في جميع أموره و السلام .

فلما وصل كتابهما ساء 1عليا ع و أغضبه و كتب إليهما من 1علي أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران سلام الله عليكما فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه أتاني كتابكما تذكران فيه خروج هذه الخارجة و تعظمان من شأنها صغيرا و تكثران من عددها قليلا و قد علمت أن نخب‏ (4) أفئدتكما و صغر أنفسكما و شتات رأيكما و سوء تدبيركما هو الذي أفسد عليكما من لم يكن عليكما فاسدا و جزأ عليكما من كان عن لقائكما جبانا فإذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرءا عليهم كتابي إليهم و تدعواهم إلى حظهم و تقوى ربهم فإن أجابوا حمدنا الله و قبلناهم و إن حاربوا استعنا بالله عليهم و نابذناهم‏ عَلى‏ََ سَوََاءٍ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْخََائِنِينَ قالوا و قال 1علي ع ليزيد بن قيس الأرحبي أ لا ترى إلى ما صنع قومك

____________

(1-1) ساقط من ا.

(2) أحمشهم: هاجهم و أغضبهم.

(3) ب: «فتعبوا» .

(4) النخب: الحين و ضعف القلب.

5

فقال إن ظني يا 1أمير المؤمنين بقومي لحسن في طاعتك فإن شئت خرجت إليهم فكفيتهم و إن شئت كتبت إليهم فتنظر ما يجيبونك فكتب 1علي ع إليهم‏ (1) من عبد الله 1علي أمير المؤمنين إلى من شاق و غدر من أهل الجند و صنعاء أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو الذي لا يعقب له حكم و لا يرد له قضاء وَ لاََ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِينَ و قد بلغني تجرؤكم و شقاقكم و إعراضكم عن دينكم بعد الطاعة و إعطاء البيعة فسألت أهل الدين الخالص و الورع الصادق و اللب الراجح عن بدء محرككم و ما نويتم به و ما أحمشكم له فحدثت عن ذلك بما لم أر لكم في شي‏ء منه عذرا مبينا و لا مقالا جميلا و لا حجة ظاهرة فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا و انصرفوا إلى رحالكم أعف عنكم و أصفح عن جاهلكم و أحفظ قاصيكم و أعمل فيكم بحكم الكتاب فإن لم تفعلوا فاستعدوا لقدوم جيش جم الفرسان عظيم الأركان يقصد لمن طغى و عصى‏ (2) فتطحنوا كطحن الرحى فمن أحسن فلنفسه‏ وَ مَنْ أَسََاءَ فَعَلَيْهََا وَ مََا رَبُّكَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ . و وجه الكتاب مع رجل من همدان فقدم عليهم بالكتاب فلم يجيبوه إلى خير فقال لهم إني تركت 1أمير المؤمنين يريد أن يوجه إليكم يزيد بن قيس الأرحبي في جيش كثيف فلم يمنعه إلا انتظار جوابكم فقالوا نحن سامعون مطيعون إن عزل عنا هذين الرجلين عبيد الله و سعيدا . فرجع الهمداني من عندهم إلى 1علي ع فأخبره خبر القوم .

قالوا و كتبت تلك العصابة حين جاءها كتاب 1علي ع إلى معاوية يخبرونه و كتبوا في كتابهم‏

معاوي إلا تسرع السير نحونا # نبايع 1عليا أو يزيد اليمانيا .

____________

(1) ساقطة من ب.

(2) ساقطة من ا.

6

فلما قدم كتابهم دعا بسر بن أبي أرطاة و كان قاسي القلب فظا سفاكا للدماء لا رأفة عنده و لا رحمة فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة و مكة حتى ينتهي إلى اليمن و قال له لا تنزل على بلد أهله على طاعة 1علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاء لهم و أنك محيط بهم ثم اكفف عنهم و ادعهم إلى البيعة لي فمن أبى فاقتله و اقتل شيعة 1علي حيث كانوا .

1- و روى إبراهيم بن هلال الثقفي في كتاب الغارات عن يزيد بن جابر الأزدي قال سمعت عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري يحدث في خلافة عبد الملك قال لما دخلت سنة أربعين تحدث الناس بالشام أن 1عليا ع يستنفر الناس بالعراق فلا ينفرون معه و تذاكروا أن قد اختلفت أهواؤهم و وقعت الفرقة بينهم قال فقمت في نفر من أهل الشام إلى الوليد بن عقبة فقلنا له إن الناس لا يشكون في اختلاف الناس على 1علي ع بالعراق فادخل إلى صاحبك فمره فليسر بنا إليهم قبل أن يجتمعوا بعد تفرقهم أو يصلح لصاحبهم ما قد فسد عليه من أمره فقال بلى لقد قاولته في ذلك و راجعته و عاتبته حتى لقد برم بي و استثقل طلعتي و ايم الله على ذلك ما أدع أن أبلغه ما مشيتم‏ (1) إلي فيه .

فدخل عليه فخبره بمجيئنا إليه و مقالتنا له فأذن لنا فدخلنا عليه فقال ما هذا الخبر الذي جاءني به عنكم الوليد فقلنا هذا خبر في الناس سائر فشمر للحرب و ناهض الأعداء و اهتبل الفرصة و اغتنم الغرة فإنك لا تدري متى تقدر على عدوك على مثل حالهم التي هم عليها و أن تسير إلى عدوك أعز لك من أن يسيروا إليك و اعلم

____________

(1) ا: «ما شئتم» .

7

و الله أنه لو لا تفرق الناس عن صاحبك لقد نهض إليك فقال لنا ما أستغني عن رأيكم و مشورتكم و متى أحتج إلى ذلك منكم أدعكم إن هؤلاء الذين تذكرون تفرقهم على صاحبهم و اختلاف أهوائهم لم يبلغ ذلك عندي بهم أن أكون أطمع في استئصالهم و اجتياحهم و أن أسير إليهم مخاطرا بجندي لا أدري علي تكون الدائرة أم لي فإياكم و استبطائي فإني آخذ بهم في وجه هو أرفق بكم و أبلغ في هلكتهم قد شننت عليهم الغارات من كل جانب فخيلي مرة بالجزيرة و مرة بالحجاز و قد فتح الله فيما بين ذلك مصر فأعز بفتحها ولينا و أذل به عدونا فأشراف أهل العراق لما يرون من حسن صنيع الله لنا يأتوننا على قلائصهم في كل الأيام و هذا مما يزيدكم الله به و ينقصهم و يقويكم و يضعفهم و يعزكم و يذلهم فاصبروا و لا تعجلوا فإني لو رأيت فرصتي لاهتبلتها .

فخرجنا من عنده و نحن نعرف الفصل‏ (1) فيما ذكر فجلسنا ناحية و بعث معاوية عند خروجنا من عنده إلى بسر بن أبي أرطاة فبعثه في ثلاثة آلاف و قال سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس و أخف من مررت به و انهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن دخل في طاعتنا فإذا دخلت المدينة فأرهم أنك تريد أنفسهم و أخبرهم أنه لا براءة لهم عندك و لا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم ثم سر حتى تدخل مكة و لا تعرض فيها لأحد و أرهب الناس عنك فيما بين المدينة و مكة و اجعلها شردا حتى تأتي صنعاء و الجند فإن لنا بهما شيعة و قد جاءني كتابهم .

فخرج بسر في ذلك البعث حتى أتى دير مروان فعرضهم فسقط منهم أربعمائة فمضى في ألفين و ستمائة فقال الوليد بن عقبة أشرنا على معاوية برأينا أن يسير

____________

(1) كذا في ج، و في ا، ب: «الفضل» .

8

إلى الكوفة فبعث الجيش إلى المدينة فمثلنا و مثله كما قال الأول‏

أريها السها و تريني القمر. (1)

فبلغ ذلك معاوية فغضب و قال و الله لقد هممت بمساءة هذا الأحمق الذي لا يحسن التدبير و لا يدري سياسة الأمور ثم كف عنه .

قلت الوليد كان لشدة بغضه 1عليا ع القديم التالد لا يرى الأناة في حربه و لا يستصلح الغارات على أطراف بلاده و لا يشفي غيظه و لا يبرد حزازات قلبه إلا باستئصاله نفسه بالجيوش و تسييرها إلى دار ملكه و سرير خلافته و هي الكوفة و أن يكون معاوية بنفسه هو الذي يسير بالجيوش إليه ليكون ذلك أبلغ في هلاك 1علي ع و اجتثاث أصل سلطانه و معاوية كان يرى غير هذا الرأي و يعلم أن السير بالجيش للقاء 1علي ع خطر عظيم فاقتضت المصلحة عنده و ما يغلب على ظنه من حسن التدبير أن يثبت بمركزه بالشام في جمهور جيشه و يسرب الغارات على أعمال 1علي ع و بلاده فتجوس خلال الديار و تضعفها فإذا أضعفتها أضعفت بيضة ملك 1علي ع لأن ضعف الأطراف يوجب ضعف البيضة و إذا أضعفت البيضة كان على بلوغ إرادته و المسير حينئذ إن استصوب المسير أقدر .

و لا يلام الوليد على ما في نفسه فإن 1عليا ع قتل أباه عقبة بن أبي معيط صبرا (2) و سمي الفاسق‏ (3) بعد ذلك في القرآن لنزاع وقع بينه و بينه

____________

(1) السها: كويكب صغير خفى الضوء في بنات نعش الكبرى، و الناس يمتحنون به أبصارهم. و المثل في اللسان 19: 133 و انظر الميداني 1: 291.

(2) القتل صبرا: أن يحبس الإنسان و يرمى به حتّى يموت.

(3) يشير إلى ما ذكروه من سبب نزول قوله تعالى في سورة الحجرات: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا . و انظر الإصابة 6: 631، و أسباب النزول للواحدى 291.

9

ثم جلده الحد في خلافة عثمان و عزله عن الكوفة و كان عاملها و ببعض هذا عند العرب أرباب الدين و التقى تستحل المحارم و تستباح الدماء و لا تبقى مراقبة في شفاء الغيظ لدين و لا لعقاب و لا لثواب فكيف الوليد المشتمل على الفسوق و الفجور مجاهرا بذلك و كان من المؤلفة قلوبهم مطعونا في نسبه مرميا (1) بالإلحاد و الزندقة .

قال إبراهيم بن هلال روى عوانة عن الكلبي و لوط بن يحيى أن بسرا لما أسقط من أسقط من جيشه سار بمن تخلف معه و كانوا إذا وردوا ماء أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها و قادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر فيردون تلك الإبل و يركبون إبل هؤلاء فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة .

قال و قد روي أن قضاعة استقبلتهم ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة قال فدخلوها و عامل 1علي ع عليها أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل 14رسول الله ص فخرج عنها هاربا و دخل بسر المدينة فخطب الناس و شتمهم و تهددهم يومئذ و توعدهم و قال شاهت الوجوه إن الله تعالى يقول‏ وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كََانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهََا رِزْقُهََا (2) الآية و قد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم و جعلكم أهله كان بلدكم مهاجر 14النبي ص و منزله و فيه قبره و منازل الخلفاء من بعده فلم تشكروا نعمة ربكم و لم ترعوا حق 14نبيكم و قتل خليفة الله بين أظهركم فكنتم بين قاتل و خاذل و متربص و شامت إن كانت للمؤمنين قلتم‏ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَ إِنْ كََانَ لِلْكََافِرِينَ نَصِيبٌ قلتم‏ أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ

____________

(1) ا: «دينه» .

(2) سورة النحل 112، و بقيتها: رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكََانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللََّهِ فَأَذََاقَهَا اَللََّهُ لِبََاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمََا كََانُوا يَصْنَعُونَ .

10

اَلْمُؤْمِنِينَ ثم شتم الأنصار فقال يا معشر اليهود و أبناء العبيد بني زريق و بني النجار و بني سلمة و بني عبد الأشهل أما و الله لأوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين و آل عثمان أما و الله لأدعنكم أحاديث كالأمم السالفة (1) .

فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم ففزعوا إلى حويطب بن عبد العزى و يقال إنه زوج أمه فصعد إليه المنبر فناشده و قال عترتك و أنصار 14رسول الله و ليسوا بقتلة عثمان فلم يزل به حتى سكن و دعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه و نزل فأحرق دورا كثيرة منها دار زرارة بن حرون أحد بني عمرو بن عوف و دار رفاعة بن رافع الزرقي و دار أبي أيوب الأنصاري و تفقد جابر بن عبد الله فقال ما لي لا أرى جابرا يا بني سلمة لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر فعاذ جابر بأم سلمة رضي الله عنها فأرسلت إلى بسر بن أرطاة فقال لا أؤمنه حتى يبايع فقالت له أم سلمة اذهب فبايع و قالت لابنها عمر اذهب فبايع فذهبا فبايعاه (2) .

قال إبراهيم و روى الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان قال سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول لما خفت بسرا و تواريت عنه قال لقومي لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر فأتوني و قالوا ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك و دماء قومك فإنك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا و سبيت ذرارينا فاستنظرتهم الليل فلما أمسيت دخلت على أم سلمة فأخبرتها الخبر فقالت يا بني انطلق فبايع احقن دمك و دماء قومك فإني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع و إني لأعلم أنها بيعة ضلالة .

____________

(1) انظر تاريخ الطبريّ 5: 139، 140.

(2) في تاريخ الطبريّ: «فقال لها: ما ذا ترين؟إنى قد خشيت أن أقتل؛ و هذه بيعة ضلالة، فقالت: «أرى أن تبايع، فإنى قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، و أمرت ختنى عبد اللّه بن زمعة.. » .

11

قال إبراهيم فأقام بسر بالمدينة أياما ثم قال لهم إني قد عفوت عنكم و إن لم تكونوا لذلك بأهل ما قوم قتل إمامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب و لئن نالكم العفو مني في الدنيا إني لأرجو ألا تنالكم رحمة الله عز و جل في الآخرة و قد استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم و خلافه ثم خرج إلى مكة .

قال إبراهيم روى الوليد بن هشام قال أقبل بسر فدخل المدينة فصعد منبر 14الرسول ص ثم قال يا أهل المدينة خضبتم لحاكم و قتلتم عثمان مخضوبا و الله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته ثم قال لأصحابه خذوا بأبواب المسجد و هو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبد الله بن الزبير و أبو قيس أحد بني عامر بن لؤي فطلبا إليه حتى كف عنهم و خرج إلى مكة فلما قرب منها هرب قثم بن العباس و كان عامل 1علي ع و دخلها بسر فشتم أهل مكة و أنبهم ثم خرج عنها و استعمل عليها شيبة بن عثمان .

قال إبراهيم و قد روى عوانة عن الكلبي أن بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا و أخذ أموالا و بلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها و تراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج قثم بن العباس عنها و خرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال أما و الله لو تركت و رأيي فيكم لتركتكم و ما فيكم روح تمشي على الأرض فقالوا ننشدك الله في أهلك و عترتك فسكت ثم دخل و طاف بالبيت و صلى ركعتين ثم خطبهم فقال الحمد لله الذي أعز دعوتنا و جمع ألفتنا و أذل‏ (1) عدونا بالقتل و التشريد هذا 1ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك و ضيق قد ابتلاه الله بخطيئته و أسلمه بجريرته

____________

(1) ا: «و خذل» .

12

فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه و ولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان فبايعوا و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فبايعوا .

و تفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده و أقام أياما ثم خطبهم فقال يا أهل مكة إني قد صفحت عنكم فإياكم و الخلاف فو الله إن فعلتم لأقصدن منكم إلى التي تبير الأصل و تحرب المال و تخرب الديار .

ثم خرج إلى الطائف فكتب إليه المغيرة بن شعبة حين خرج من مكة إليها أما بعد فقد بلغني مسيرك إلى الحجاز و نزولك مكة و شدتك على المريب و عفوك عن المسي‏ء و إكرامك لأولي النهى فحمدت رأيك في ذلك فدم على صالح ما كنت عليه فإن الله عز و جل لن يزيد بالخير أهله إلا خيرا جعلنا الله و إياك من الآمرين بالمعروف و القاصدين إلى الحق‏ وَ اَلذََّاكِرِينَ اَللََّهَ كَثِيراً قال و وجه رجلا من قريش إلى تبالة و بها قوم من شيعة 1علي ع و أمره بقتلهم فأخذهم و كلم فيهم و قيل له هؤلاء قومك فكف عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم فحبسهم و خرج منيع الباهلي من عندهم إلى بسر و هو بالطائف يستشفع إليه فيهم فتحمل عليه بقوم من الطائف فكلموه فيهم و سألوه الكتاب بإطلاقهم فوعدهم و مطلهم بالكتاب حتى ظن أنه قد قتلهم القرشي المبعوث لقتلهم و أن كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا ثم كتب لهم فأتى منيع منزله و كان قد نزل على امرأة بالطائف و رحله عندها فلم يجدها في منزلها فوطئ على ناقته بردائه و ركب فسار يوم الجمعة و ليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة و قد أخرج القوم ليقتلوا و استبطئ كتاب بسر فيهم فقدم رجل منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع سيفه فقال الشاميون بعضهم لبعض شمسوا سيوفكم حتى تلين فهزوها و تبصر منيع‏

13

الباهلي بريق السيوف فألمع بثوبه فقال القوم هذا راكب عنده خير فكفوا و قام به بعيره فنزل عنه و جاء على رجليه يشتد فدفع الكتاب إليهم فأطلقوا و كان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانكسر السيف أخاه .

قال إبراهيم و روى علي بن مجاهد عن ابن إسحاق أن أهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوه و هربوا فخرج ابنا عبيد الله بن العباس و هما سليمان و داود و أمهما جويرية ابنة خالد بن قرظ الكنانية و تكنى أم حكيم و هم حلفاء بني زهرة و هما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون بن الحضرمي و ميمون هذا هو أخو العلاء بن الحضرمي و هجم عليهما بسر فأخذهما و ذبحهما فقالت أمهما (1)

ها من أحس بابني اللذين هما # كالدرتين تشظى عنهما الصدف‏ (2)

ها من أحس بابني اللذين هما # سمعي و قلبي فقلبي اليوم مختطف

ها من أحس بابني اللذين هما # مخ العظام فمخي اليوم مزدهف‏ (3)

نبئت بسرا و ما صدقت ما زعموا # من قولهم و من الإفك الذي اقترفوا

أنحى على ودجي ابني مرهفة # مشحوذة و كذاك الإثم يقترف‏ (4)

من دل والهة حرى مسلبة (5) # على صبيين ضلا إذ مضى السلف‏ (6) .

____________

(1) الأبيات في الكامل-بشرح المرصفى 8: 158، و هي أيضا مع الخبر في الأغانى 15: 45 (طبعة الساسى) .

(2) الكامل و الأغانى: «يا من أحس بني» . و تشظى: تفرق.

(3) مزدهف: ذهب به.

(4) الكامل: «على ودجى طفلى» ، و بعد هذا البيت في رواية الأغانى:

حتّى لقيت رجالا من أرومته # شمّ الأنوف لهم في قومهم شرف

فالآن ألعن بسرا حقّ لعنته # هذا لعمر أبى بسر هو السّرف.

(5) الكامل: «مفجعة» و الأغانى: «مولهة» .

(6) الكامل: «على صبيين غابا» ، و الأغانى: «إذ غدا السلف» .

14

و قد روي أن اسمهما قثم و عبد الرحمن و روي أنهما ضلا في أخوالهما من بني كنانة و روي أن بسرا إنما قتلهما باليمن و أنهما ذبحا على درج صنعاء (1) .

و روى عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن أبيه أن بسرا لما دخل الطائف و قد كلمه المغيرة قال له لقد صدقتني و نصحتني فبات بها و خرج منها و شيعه المغيرة ساعة ثم ودعه و انصرف عنه فخرج حتى مر ببني كنانة و فيهم ابنا عبيد الله بن العباس و أمهما فلما انتهى بسر إليهم طلبهما فدخل رجل من بني كنانة و كان أبوهما أوصاه بهما فأخذ السيف من بيته و خرج فقال له بسر ثكلتك أمك و الله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل قال أقتل دون جاري أعذر لي عند الله و الناس ثم شد على أصحاب بسر بالسيف حاسرا و هو يرتجز

آليت لا يمنع حافات الدار # و لا يموت مصلتا دون الجار (2)

إلا فتى أروع غير غدار.

فضارب بسيفه حتى قتل ثم قدم الغلامان فقتلا فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن هذه الرجال يقتلها فما بال الولدان و الله ما كانوا يقتلون في جاهلية و لا إسلام و الله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الضرع الضعيف و الشيخ الكبير و رفع الرحمة و قطع الأرحام لسلطان سوء فقال بسر و الله لهممت أن أضع فيكن السيف قالت و الله إنه لأحب إلي إن فعلت . قال إبراهيم و خرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان و ابنه مالكا و كان عبد الله هذا صهرا لعبيد الله بن العباس ثم جمعهم و قام فيهم و قال

____________

(1) الدرج: الطريق.

(2) المصلت: المجرد سيفه.

15

يا أهل نجران يا معشر النصارى و إخوان القرود أما و الله إن بلغني عنكم ما أكره لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل و تهلك الحرث و تخرب الديار .

و تهددهم طويلا ثم سار حتى بلغ أرحب فقتل أبا كرب و كان يتشيع و يقال إنه سيد من كان بالبادية من همدان فقدمه فقتله .

و أتى صنعاء و قد خرج عنها عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران و قد استخلف عبيد الله عليها عمرو بن أراكة الثقفي فمنع بسرا من دخولها و قاتله فقتله بسر و دخل صنعاء فقتل منها قوما و أتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلا رجل واحد و رجع إلى قومه فقال لهم أنعى قتلانا شيوخا و شبانا .

قال إبراهيم و هذه الأبيات المشهورة لعبد الله بن أراكة الثقفي يرثي بها ابنه عمرا (1)

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارسا # بصنعاء كالليث الهزبر أبي الأجر (2)

تعز فإن كان البكا رد هالكا # على أحد فاجهد بكاك على عمرو (3)

و لا تبك ميتا بعد ميت أجنه # 1علي و عباس و آل أبي بكر .

قال

1- و روى نمير بن وعلة عن أبي وداك (4) قال كنت عند 1علي ع لما قدم عليه سعيد بن نمران الكوفة فعتب عليه و على عبيد الله ألا يكونا قاتلا بسرا

____________

(1) الأبيات في الكامل-بشرح المرصفى 8: 157، و قبلهما في روايته:

لعمرى لئن أتبعت عينك ما مضى # به الدّهر أوساق الحمام إلى القبر

لتستنفدن ماء الشّئون بأسره # و لو كنت تمريهنّ من ثبج البحر.

(2) في الكامل: «أبى أجر» ، و أجر: جمع جرو؛ و هو هنا اسم لولد الأسد؛ و يجمع على أجراء أيضا.

(3) رواية الكامل:

تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكا # على أهله فاشدد بكاك على عمرو.

(4) هو جبر بن نوف الهمدانيّ، أبو الوداك، بفتح الواو و تشديد الدال. التقريب 41.

16

فقال سعيد قد و الله قاتلت و لكن ابن عباس خذلني و أبى أن يقاتل و لقد خلوت به حين دنا منا بسر فقلت إن 1ابن عمك لا يرضى مني و منك بدون الجد في قتالهم قال لا و الله ما لنا بهم طاقة و لا يدان فقمت في الناس فحمدت الله ثم قلت يا أهل اليمن من كان في طاعتنا و على بيعة 1أمير المؤمنين ع فإلي إلي فأجابني منهم عصابة فاستقدمت بهم فقاتلت قتالا ضعيفا و تفرق الناس عني و انصرفت .

قال ثم خرج بسر من صنعاء فأتى أهل جيشان (1) و هم شيعة 1لعلي ع فقاتلهم و قاتلوه فهزمهم و قتلهم قتلا ذريعا ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لأن ابني عبيد الله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج .

1- و قال الكلبي و أبو مخنف فندب 1علي ع أصحابه لبعث سرية في إثر بسر فتثاقلوا و أجابه جارية بن قدامة السعدي فبعثه في ألفين فشخص إلى البصرة ثم أخذ طريق الحجاز حتى قدم اليمن و سأل عن بسر فقيل أخذ في بلاد بني تميم فقال أخذ في ديار قوم يمنعون أنفسهم و بلغ بسرا مسير جارية فانحدر إلى اليمامة و أغذ جارية بن قدامة السير ما يلتفت إلى مدينة مر بها و لا أهل حصن و لا يعرج على شي‏ء إلا أن يرمل‏ (2) بعض أصحابه من الزاد فيأمر أصحابه بمواساته أو يسقط بعير رجل أو تحفى دابته فيأمر أصحابه بأن يعقبوه حتى انتهوا إلى أرض اليمن فهربت شيعة عثمان حتى لحقوا بالجبال و اتبعهم شيعة 1علي ع و تداعت عليهم من كل جانب و أصابوا منهم و صمد (3) نحو بسر و بسر بين يديه يفر من جهة إلى جهة أخرى حتى أخرجه من أعمال 1علي ع كلها .

فلما فعل به ذلك أقام جارية بحرس نحوا من شهر حتى استراح و أراح أصحابه و وثب الناس ببسر في طريقه لما انصرف من بين يدي جارية لسوء سيرته و فظاظته و ظلمه و غشمه و أصاب بنو تميم ثقلا من ثقله في بلاده و صحبه إلى معاوية ليبايعه على الطاعة ابن مجاعة

____________

(1) جيشان: مخلاف باليمن، شمال لحج.

(2) يقال: أرمل القوم؛ إذا نفد زادهم.

(3) صمد: قصد.

17

رئيس اليمامة فلما وصل بسر إلى معاوية قال يا أمير المؤمنين هذا ابن مجاعة قد أتيتك به فاقتله فقال معاوية تركته لم تقتله ثم جئتني به فقلت اقتله لا لعمري لا أقتله ثم بايعه و وصله و أعاده إلى قومه .

و قال بسر أحمد الله يا أمير المؤمنين أني سرت في هذا الجيش أقتل عدوك ذاهبا جائيا لم ينكب رجل منهم نكبة فقال معاوية الله قد فعل ذلك لا أنت- .

و كان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا و حرق قوما بالنار فقال يزيد بن مفرغ

تعلق من أسماء ما قد تعلقا # و مثل الذي لاقى من الشوق أرقا (1)

سقى هزم الأرعاد منبعج الكلى # منازلها من مسرقان فسرقا

إلى الشرف الأعلى إلى رامهرمز # إلى قريات الشيخ من نهر أربقا

إلى دشت بارين إلى الشط كله # إلى مجمع السلان من بطن دورقا (2)

إلى حيث يرفا من دجيل سفينه # إلى مجمع النهرين حيث تفرقا

إلى حيث سار المرء بسر بجيشه # فقتل بسر ما استطاع و حرقا.

و روى أبو الحسن المدائني قال اجتمع عبيد الله بن العباس و بسر بن أرطاة يوما عند معاوية بعد فقال له ابن عباس أنت أمرت اللعين السيئ الفدم أن يقتل ابني فقال ما أمرته بذلك و لوددت أنه لم يكن قتلهما فغضب بسر و نزع سيفه فألقاه و قال لمعاوية اقبض سيفك قلدتنيه و أمرتني أن أخبط به الناس ففعلت حتى إذا بلغت ما أردت قلت لم أهو و لم آمر فقال خذ سيفك إليك فلعمري

____________

(1) وردت هذه الأبيات في الأغانى 17: 69 (ساسى) ، و معجم ما استعجم 2: 1225-1226، و معجم البلدان 8: 52؛ مع اختلاف في الرواية و عدد الأبيات و ترتيبها.

(2) الدشت: الصحراء.

18

إنك ضعيف مائق حين تلقي السيف بين يدي رجل من بني عبد مناف قد قتلت أمس ابنيه .

فقال له عبيد الله أ تحسبني يا معاوية قاتلا بسرا بأحد ابني هو أحقر و ألأم من ذلك و لكني و الله لا أرى لي مقنعا و لا أدرك ثأرا إلا أن أصيب بهما يزيد و عبد الله .

فتبسم معاوية و قال و ما ذنب معاوية و ابني معاوية و الله ما علمت و لا أمرت و لا رضيت و لا هويت و احتملها منه لشرفه و سؤدده .

1- قال و دعا 1علي ع على بسر فقال اللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا و انتهك محارمك و كانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده مما عندك اللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله و لا توجب له رحمتك و لا ساعة من نهار اللهم العن بسرا و عمرا و معاوية و ليحل عليهم غضبك و لتنزل بهم نقمتك و ليصبهم بأسك و رجزك الذي لا ترده‏ عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِينَ فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيرا حتى وسوس و ذهب عقله فكان يهذي بالسيف و يقول أعطوني سيفا أقتل به لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب و كانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات .

قلت كان مسلم بن عقبة ليزيد و ما عمل بالمدينة في‏كما كان بسر لمعاوية و ما عمل في الحجاز و اليمن و من أشبه أباه فما ظلم‏

نبني كما كانت أوائلنا # تبني و نفعل مثل ما فعلوا

(1)

____________

(1) قبله:

إنّا و إن كرمت أوائلنا # لسنا على الأحساب نتّكل‏

و ينسب البيتان للمتوكل الليثى؛ و هما في العقد 3: 411.

غ

19

*1026* 26 و من خطبة له ع‏

إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ 14مُحَمَّداً ص نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ أَمِيناً عَلَى اَلتَّنْزِيلِ وَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَ فِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَ حَيَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ اَلْكَدِرَ وَ تَأْكُلُونَ اَلْجَشِبَ وَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ تَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ اَلْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَ اَلآْثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ (1) -. يجوز أن يعني بقوله‏ بين حجارة خشن و حيات صم الحقيقة لا المجاز و ذلك أن البادية بالحجاز و نجد و تهامة و غيرها من أرض العرب ذات حيات و حجارة خشن و قد يعني بالحجارة الخشن الجبال أيضا أو الأصنام فيكون داخلا في قسم الحقيقة إذا فرضناه مرادا و يكون المعني بذلك وصف ما كانوا عليه من البؤس و شظف العيشة و سوء الاختيار في العبادة فأبدلهم الله تعالى بذلك الريف‏ (1) و لين المهاد و عبادة من يستحق العبادة .

و يجوز أن يعني به المجاز و هو الأحسن يقال للأعداء حيات و الحية الصماء أدهى من التي ليست بصماء لأنها لا تنزجر بالصوت و يقال للعدو أيضا إنه لحجر خشن المس إذا كان ألد الخصام (2) - .

و الجشب‏ من الطعام الغليظ الخشن .

____________

(1) الريف: أرض فيها زرع و خصب وسعة في المأكل و المشرب.

20

و قال أبو البختري وهب بن وهب القاضي كنت عند الرشيد يوما و استدعى ماء مبردا بالثلج فلم يوجد في الخزانة ثلج فاعتذر إليه بذلك و أحضر إليه ماء غير مثلوج فضرب وجه الغلام بالكوز و استشاط غضبا فقلت له أقول يا أمير المؤمنين و أنا آمن فقال قل قلت يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من الغير بالأمس يعني زوال دولة بني أمية و الدنيا غير دائمة و لا موثوق بها و الحزم ألا تعود نفسك الترفه و النعمة بل تأكل اللين و الجشب و تلبس الناعم و الخشن و تشرب الحار و القار فنفحني بيده و قال لا و الله لا أذهب إلى ما تذهب إليه بل ألبس النعمة ما لبستني فإذا نابت نوبة الدهر عدت إلى نصاب غير خوار (1) - (1) .

و قوله‏ و الآثام بكم معصوبة استعارة كأنها مشدودة إليهم (2) - .

و عنى بقوله‏ تسفكون دماءكم و تقطعون أرحامكم ما كانوا عليه في الجاهلية من الغارات و الحروب وَ مِنْهَا صِفَتُهُ قَبْلَ اَلْبَيْعَةِ لَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ اَلْمَوْتِ وَ أَغْضَيْتُ عَلَى اَلْقَذَى وَ شَرِبْتُ عَلَى اَلشَّجَا وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ اَلْكَظَمِ وَ عَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ [حُزْنِ‏] اَلْعَلْقَمِ. (3) -

____________

(1) الخوار: الضعيف.

21

الكظم‏ بفتح الظاء مخرج النفس و الجمع أكظام (1) - و ضننت‏ بالكسر بخلت (2) - و أغضيت على‏ كذا غضضت طرفي (3) - و الشجا ما يعترض في الحلق

حديث‏

اختلفت الروايات في قصةفالذي تقوله الشيعة

1,15- و قد قال قوم من المحدثين بعضه و رووا كثيرا منه أن 1عليا ع امتنع من البيعة حتى أخرج كرها و أن الزبير بن العوام امتنع من البيعة و قال لا أبايع إلا 1عليا ع و كذلك أبو سفيان بن حرب و خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس و العباس بن عبد المطلب و بنوه و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و جميع بني هاشم و قالوا إن الزبير شهر سيفه فلما جاء عمر و معه جماعة من الأنصار و غيرهم قال في جملة ما قال خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر و يقال إنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجرا فكسره و ساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر فحملهم على بيعته و لم يتخلف إلا 1علي ع وحده فإنه اعتصم ببيت 15فاطمة ع فتحاموا إخراجه منه قسرا و قامت 15فاطمة ع إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه فتفرقوا و علموا أنه بمفرده لا يضر شيئا فتركوه .

و قيل إنهم أخرجوه فيمن أخرج و حمل إلى أبي بكر فبايعه .

و قد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري كثيرا من هذا (1) .

فأما حديث التحريق و ما جرى مجراه من الأمور الفظيعة و قول من قال إنهم أخذوا 1عليا ع يقاد بعمامته و الناس حوله فأمر بعيد و الشيعة تنفرد به على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه و سنذكر ذلك .

____________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 203 و ما بعدها.

22

و قال أبو جعفر إن الأنصار لما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضها لا نبايع إلا 1عليا و ذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي في تاريخه (1) - (1) .

فأما قوله‏ لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فقول ما زال 1علي ع يقوله و لقد قاله عقيب وفاة 14رسول الله ص قال لو وجدت أربعين ذوي عزم .

ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفين و ذكره كثير من أرباب السيرة .

و أما الذي‏

1,15- يقوله جمهور المحدثين و أعيانهم فإنه ع امتنع من البيعة ستة أشهر و لزم بيته فلم يبايع حتى ماتت 15فاطمة ع فلما ماتت بايع طوعا .

1,15- و في صحيحي مسلم و البخاري كانت وجوه الناس إليه و 15فاطمة باقية بعد فلما ماتت 15فاطمة ع انصرفت وجوه الناس عنه و خرج من بيته فبايع أبا بكر و كانت مدة بقائها بعد 14أبيها ع ستة أشهر (2) .

1,14,15- و روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ (3) عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال لي عبد الرحمن بن عوف و قد حججنا مع عمر (3) شهدت اليوم أمير المؤمنين بمنى و قال له رجل‏ (4) إني سمعت فلانا يقول لو قد مات عمر لبايعت فلانا فقال عمر (5) إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن

____________

(1) الكامل 2: 220 و ما بعدها.

(2) صحيح البخاريّ بسنده عن عائشة في كتاب المغازى، و صحيح مسلم بسنده أيضا عن عائشة، في كتاب الجهاد و السير.

(3-3) صدر الخبر في الطبريّ: «عن ابن عبّاس، قال: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف، قال: فحج عمر و حججنا معه، قال: فإنى لفى منزل بمعنى إذ جاءنى عبد الرحمن بن عوف فقال: شهدت» .

(4) الطبريّ: «و قام إليه رجل فقال» .

(5) الطبريّ: «فقال أمير المؤمنين» .

23

يغتصبوا الناس أمرهم قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس و غوغاءهم‏ (1) و هم الذين يقربون من مجلسك و يغلبون عليه و أخاف أن تقول مقالة لا يعونها و لا يحفظونها فيطيروا بها (1) و لكن أمهل حتى تقدم المدينة (2) و تخلص بأصحاب 14رسول الله فتقول ما قلت [متمكنا] (3) فيسمعوا (4) مقالتك فقال و الله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة .

قال ابن عباس (5) فلما قدمناها هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن فلما جلس عمر على المنبر حمد الله و أثنى عليه ثم قال‏ (6) بعد أن ذكر الرجم و حد الزناء إنه بلغني أن قائلا منكم يقول لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا فلا يغرن امرأ أن يقول إن‏كانت فلتة فلقد كانت كذلك و لكن‏ (7) الله وقى شرها و ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق كأبي بكر و إنه كان من خبرنا حين توفي 14رسول الله ص أن 1عليا و الزبير تخلفا عنا في بيت 15فاطمة و من معهما و تخلفت عنا الأنصار و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نحوهم فلقينا رجلان صالحان من الأنصار قد شهداأحدهما عويم بن ساعدة و الثاني معن بن عدي فقالا لنا ارجعوا فاقضوا أمركم بينكم‏ (8) فأتينا الأنصار و هم مجتمعون في سقيفة

____________

(1-1) عبارة الطبريّ: «و إنهم الذين يغلبون مجلسك، و إنّي لخائف إن قلت اليوم مقالة ألا يعوها و لا يحفظوها، و لا يضعوها على مواضعها، و أن يطيروا بها كل مطير» .

(2) الطبريّ: «دار الهجرة و السنة» .

(3) تكملة من تاريخ الطبريّ.

(4) الطبريّ: «فيعوا» .

(5-5) الطبريّ: «فلما قدمنا المدينة و جاء يوم الجمعة هجرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن فوجدت سعيد بن زيد قد سبقنى بالتهجير، فجلست» .

(6-6) عبارة الطبريّ: «فوجدت سعيد بن زبد قد سبقنى بالتهجير، فجلست إلى جنبه عند المنبر، ركبتى إلى ركبته، فلما زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرج، فقلت لسعيد و هو مقبل: ليقولن أمير المؤمنين اليوم على هذا المنبر مقالة لم تقل قبله، فغضب و قال: فأى مقالة يقول لم تقل قبله!فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذنون، فلما قضى المؤذن أذانه قام عمر، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال... » .

(7) الطبريّ: «غير أن» .

(8) بعدها في الطبريّ: «فقلنا و اللّه لنأتينهم» .

24

بني ساعدة و بين أظهرهم رجل مزمل فقلت من هذا (1) قالوا سعد بن عبادة وجع‏ (1) فقام رجل منهم فحمد الله و أثنى عليه فقال أما بعد فنحن الأنصار و كتيبة الإسلام و أنتم يا معشر قريش رهط 14نبينا قد دفت إلينا دافة من قومكم‏ (2) فإذا أنتم تريدون أن تغصبونا الأمر .

فلما سكت‏ (3) و كنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر (3) فلما ذهبت أتكلم قال أبو بكر على رسلك فقام فحمد الله و أثنى عليه فما ترك شيئا كنت زورت‏ (4) في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه و قال يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون فضلا إلا و أنتم له أهل و إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب دارا و نسبا و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين و أخذ بيدي و يد أبي عبيدة بن الجراح و الله ما كرهت من كلامه غيرها إن كنت لأقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر . فلما قضى أبو بكر كلامه قام رجل‏ (5) من الأنصار فقال أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب‏ (6) منا أمير و منكم أمير

____________

(1-1) عبارة الطبريّ «فقلت: ما شأنه؟قالوا: وجع» .

(2) الدافة: الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد.

(3-3) الطبريّ: «قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا و يغصبونا الأمر، و قد كنت زورت في نفسى مقالة أقدمها بين يدي أبى بكر» .

(4) زورت في نفسى كلاما، أي هيأت و أصلحت، و التزوير: إصلاح الشي‏ء.

(5) هو الحباب بن المنذر الخزرجي، ذكره الزمخشريّ في الفائق 1: 181، و أورد كلامه.

(6) الجذيل في الأصل: تصغير الجذل؛ و هو عود ينصب للابل الجربى تستشفى بالاحتكاك به. و المحكك:

الذي كثر به الاحتكاك حتّى صار مملسا. و العذيق: تصغير العذق، و هو النخلة. و المرجب: المدعوم بالرجبة؛ و هي خشبة ذات شعبتين؛ و ذلك إذا كثر و طال حمله؛ و المعنى أنى ذو رأى يشفى بالاستضاءة به كثيرا في مثل هذه الحادثة، و أنا في كثرة التجارب و العلم بموارد الأحوال فيها و في أمثالها و مصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل الفائق. 1: 181، 182.

غ

25

و ارتفعت الأصوات و اللغط فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعته و بايعه الناس ثم نزونا على سعد بن عبادة فقال قائلهم قتلتم سعدا فقلت اقتلوه قتله الله و أنا و الله ما وجدنا أمرا هو أقوى من بيعة أبي بكر خشيت إن فارقت القوم و لم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون فساد .

هذا حديث متفق عليه من أهل السيرة و قد وردت الروايات فيه بزيادات‏

17- روى المدائني قال لما أخذ أبو بكر بيد عمر و أبي عبيدة و قال للناس قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين قال أبو عبيدة لعمر امدد يدك نبايعك فقال عمر ما لك في الإسلام فهة (1) غيرها أ تقول هذا و أبو بكر حاضر (2) ثم قال للناس أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما 14رسول الله ص للصلاة رضيك 14رسول الله ص لديننا أ فلا نرضاك لدنيانا ثم مد يده إلى أبي بكر فبايعه .

و هذه الرواية هي التي ذكرها قاضي القضاة رحمه الله تعالى في كتاب المغني .

17- و قال الواقدي في روايته في حكاية كلام عمر و الله لأن أقدم فأنحر كما ينحر البعير أحب إلي من أن أتقدم على أبي بكر .

و قال شيخنا أبو القاسم البلخي قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ إن الرجل الذي قال لو قد مات عمر لبايعت فلانا عمار بن ياسر قال لو قد مات عمر لبايعت 1عليا ع فهذا القول هو الذي هاج عمر أن خطب بما خطب به .

و قال غيره من أهل الحديث إنما كان المعزوم على بيعته لو مات عمر طلحة بن عبيد الله .

____________

(1) الفهة: السقطة و الجهلة و نحوها.

(2) في رواية اللسان-فهه-: «أ تبايعنى و فيكم الصديق ثاني اثنين!» .

26

فأما حديث الفلتة فقد كان سبق من عمر أن قال إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه .

و هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس و عبد الرحمن بن عوف فيه حديث الفلتة و لكنه منسوق على ما قاله أولا أ لا تراه يقول فلا يغرن امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فلقد كانت كذلك فهذا يشعر بأنه قد كان قال من قبل إن بيعة أبي بكر كانت فلتة .

و قد أكثر الناس في حديث الفلتة و ذكرها شيوخنا المتكلمون فقال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى الفلتة ليست الزلة و الخطيئة بل هي البغتة و ما وقع فجأة من غير روية و لا مشاورة و استشهد بقول الشاعر

من يأمن الحدثان بعد # صبيرة القرشي ماتا (1)

سبقت منيته المشيب # و كان ميتته افتلاتا.

يعني بغتة .

و قال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى ذكر الرياشي أن العرب تسمي آخر يوم من شوال فلتة من حيث إن كل من لم يدرك ثأره فيه فاته لأنهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر و ذو القعدة من الأشهر الحرم فسموا ذلك اليوم فلتة لأنهم إذا أدركوا فيه ثأرهم فقد أدركوا ما كان يفوتهم فأراد عمر أن بيعة أبي بكر تداركها بعد أن كادت تفوت .

و قوله وقى الله شرها دليل على تصويب البيعة لأن المراد بذلك أن الله تعالى دفع شر الاختلاف فيها .

____________

(1) البيان في الكامل 1: 348.

27

فأما قوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه فالمراد من عاد إلى أن يبايع من غير مشاورة و لا عدد يثبت صحة البيعة به و لا ضرورة داعية إلى البيعة ثم بسط يده على المسلمين يدخلهم في البيعة قهرا فاقتلوه‏ (1) .

قال قاضي القضاة رحمه الله تعالى و هل يشك أحد في تعظيم عمر لأبي بكر و طاعته إياه و معلوم ضرورة من حال عمر إعظامه له و القول بإمامته و الرضا بالبيعة و الثناء عليه فكيف يجوز أن يترك ما يعلم ضرورة لقول محتمل ذي وجوه و تأويلات و كيف يجوز أن تحمل هذه اللفظة من عمر على الذم و التخطئة و سوء القول .

و اعلم أن هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة و جفاء الطبيعة و لا حيلة له فيها لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها و لا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف و أن يخرج ألفاظه‏ (2) مخارج حسنة لطيفة فينزع به الطبع الجاسي و الغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات‏ (3) و لا يقصد بها سوءا و لا يريد بها ذما و لا تخطئة كما قدمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض 14رسول الله ص و كاللفظات التي قالهاو غير ذلك و الله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه و لقد كانت نيته من أطهر النيات و أخلصها لله سبحانه و للمسلمين و من أنصف علم أن هذا الكلام حق و أنه يغني عن تأويل شيخنا أبي علي .

و نحن من بعد نذكر ما قاله المرتضى رحمه الله تعالى في كتاب الشافي (4) لما تكلم في هذا الموضع قال أما ما ادعي من العلم الضروري برضا عمر ببيعة أبي بكر و إمامته فالمعلوم ضرورة بلا شبهة أنه كان راضيا بإمامته و ليس كل من رضي شيئا

____________

(1) نقله المرتضى في الشافي 241.

(2) الجزء الأول ص 161.

(3) انظر سيرة ابن هشام 3: 365.

(4) كتاب الشافي في الإمامة و النقض على كتاب المغني للقاضي عبد الجبار، و قد اختصره أبو جعفر محمّد ابن الحسن الطوسيّ المتوفّى سنة 460، و طبع الكتاب و المختصر في العجم سنة 1301 في جزأين .

28

كان متدينا به معتقدا لصوابه فإن كثيرا من الناس يرضون بأشياء من حيث كانت دافعة لما هو أضر منها و إن كانوا لا يرونها صوابا و لو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرها و قد علمنا أن معاوية كان راضيا ببيعة يزيد و ولاية (1) العهد له من بعده و لم يكن متدينا بذلك و معتقدا صحته و إنما رضي عمر ببيعة أبي بكر من حيث كانت حاجزة عن بيعة 1أمير المؤمنين ع و لو ملك الاختيار لكان مصير الأمر إليه‏ (2) أسر في نفسه و أقر لعينه و إن ادعي أن المعلوم ضرورة تدين عمر بإمامة أبي بكر و أنه أولى بالإمامة منه فهذا مدفوع أشد دفع مع أنه قد كان يبدر من عمر (3) في وقت بعد آخر ما يدل على ما أوردناه .

17- روى الهيثم‏ (4) بن عدي من عبد الله بن عياش الهمداني (5) عن سعيد بن جبير قال ذكر أبو بكر و عمر عند عبد الله بن عمر فقال رجل كانا و الله شمسي هذه الأمة و نوريها فقال ابن عمر و ما يدريك قال الرجل أ و ليس قد ائتلفا قال ابن عمر بل اختلفا لو كنتم تعلمون أشهد أني كنت عند أبي يوما و قد أمرني أن أحبس الناس عنه فاستأذن عليه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال عمر دويبة سوء و لهو خير من أبيه فأوحشني ذلك منه فقلت يا أبت عبد الرحمن خير من أبيه فقال و من ليس بخير من أبيه لا أم لك ائذن لعبد الرحمن فدخل عليه فكلمه في الحطيئة الشاعر أن يرضى عنه و قد كان عمر حبسه في شعر قاله فقال عمر إن في الحطيئة أودا (6) فدعني أقومه بطول حبسه فألح عليه عبد الرحمن و أبى عمر

____________

(1) الشافي: «و ولايته» .

(2) الشافي: «آثر» .

(3) الشافي: «منه-أعنى عمر» .

(4) هو الهيثم بن عدى الطائى المنبجى الكوفيّ؛ كان أخباريا روى عن هشام بن عروة و عبد اللّه بن عياش و مجالد؛ قال ابن عدى: إنّما هو صاحب أخبار. و قال ابن المديني: هو أوثق من الواقدى و لا أرضاه في شي‏ء، و قال النسائى: متروك الحديث. و قال أبو نعيم: يوجد في حديثه المناكير. توفّي سنة 206-لسان الميزان 4: 210.

(5) في الأصول و الشافي: «عباس» ، تصحيف؛ و هو عبد اللّه بن عيّاش بن عبد اللّه الهمدانيّ الكوفيّ؛ كان راوية للأخبار و الآداب؛ و يقع في أخباره المناكير. مات سنة 158، لسان الميزان 3: 322.

(6) الشافي: «إن الحطيئة لبذي‏ء» .

29

فخرج عبد الرحمن فأقبل علي أبي و قال أ في غفلة أنت إلى يومك هذا عما كان من تقدم أحيمق بني تيم علي و ظلمه لي فقلت لا علم لي بما كان من ذلك قال يا بني فما عسيت أن تعلم فقلت و الله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم قال إن ذلك لكذلك على رغم أبيك و سخطه قلت يا أبت أ فلا تجلي عن فعله‏ (1) بموقف في الناس تبين ذلك لهم قال و كيف لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم إذن يرضخ‏ (2) رأس أبيك بالجندل قال ابن عمر ثم تجاسر و الله فجسر فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا في الناس فقال أيها الناس إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه .

17- و روى الهيثم بن عدي عن مجالد (3) بن سعيد قال غدوت يوما إلى الشعبي و أنا أريد أن أسأله عن شي‏ء بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقوله فأتيته و هو في مسجد حيه و في المسجد قوم ينتظرونه فخرج فتعرفت إليه و قلت أصلحك الله كان ابن مسعود يقول ما كنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة قال نعم كان ابن مسعود يقول ذلك و كان ابن عباس يقوله أيضا و كان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها و يصرفها عن غيرهم فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا فأخذنا في ذكر أبي بكر و عمر فضحك الشعبي و قال لقد كان في صدر عمر ضب‏ (4) على أبي بكر فقال الأزدي و الله ما رأينا و لا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل

____________

(1) الشافي: «أ فلا تحكى عن فعله» .

(2) الرضخ: كسر الرأس بالحجر.

(3) هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمدانيّ الكوفيّ قال البخارى: كان يحيى بن سعيد يضعفه، و كان ابن مهدى لا يروى عنه، و كان أحمد بن حنبل لا يراه شيئا. و قال ابن معين: ضعيف واهى الحديث. مات سنة 144. تهذيب التهذيب 10: 39.

(4) الضب: الحقد و العداوة؛ و جمعه ضباب؛ قال الشاعر:

فما زالت رقاك تسلّ ضغنى # و تخرج من مكامنها ضبابى .

.

غ

30

و لا أقول فيه بالجميل من عمر في أبي بكر فأقبل علي الشعبي و قال هذا مما سألت عنه ثم أقبل على الرجل و قال يا أخا الأزد فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها أ ترى عدوا يقول في عدو يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر فقال الرجل سبحان الله أنت تقول ذلك يا أبا عمرو فقال الشعبي أنا أقوله قاله عمر بن الخطاب على رءوس الأشهاد فلمه أو دع فنهض الرجل مغضبا و هو يهمهم في الكلام بشي‏ء لم أفهمه قال مجالد فقلت للشعبي ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس و يبثه فيهم قال إذن و الله لا أحفل به و شي‏ء لم يحفل به عمر حين قام على رءوس الأشهاد من المهاجرين و الأنصار أحفل به أنا أذيعوه أنتم عني أيضا ما بدا لكم .

17- و روى شريك بن عبد الله النخعي (1) عن محمد بن عمرو بن مرة عن أبيه عن عبد الله بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال حججت مع عمر فلما نزلنا و عظم الناس خرجت من رحلي أريده فلقيني المغيرة بن شعبة فرافقني ثم قال أين تريد فقلت أمير المؤمنين فهل لك قال نعم فانطلقنا نريد رحل عمر فإنا لفي طريقنا إذ ذكرنا تولى عمر و قيامه بما هو فيه و حياطته على الإم و نهوضه بما قبله من ذلك ثم خرجنا إلى ذكر أبي بكر فقلت للمغيرة يا لك الخير لقد كان أبو بكر مسددا في عمر لكأنه ينظر إلى قيامه من بعده و جده و اجتهاده و غنائه في الإسلام فقال المغيرة لقد كان ذلك و إن كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه و ما كان لهم في ذلك من حظ فقلت له لا أبا لك و من القوم الذين كرهوا ذلك لعمر فقال المغيرة لله أنت كأنك

____________

(1) هو شريك بن عبد اللّه بن أبي شريك النخعيّ أبو عبد اللّه الكوفيّ؛ قال ابن معين: شريك صدوق ثقة؛ إلا أنّه إذا خالف فغيره أحبّ إلينا منه. و قال ابن المبارك: شريك أعلم بحديث الكوفيين من الثوري. و قال الجوزجانى: شريك سيئ الحفظ مضطرب الحديث مائل. مات سنة 177. تهذيب التهذيب 4: 335.

31

لا تعرف هذا الحي من قريش و ما خصوا به من الحسد فو الله لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان لقريش تسعة أعشاره و للناس كلهم عشر فقلت مه يا مغيرة فإن قريشا بانت بفضلها على الناس فلم نزل في مثل ذلك حتى انتهينا إلى رحل عمر فلم نجده فسألنا عنه فقيل قد خرج آنفا فمضينا نقفو أثره حتى دخلنا المسجد فإذا عمر يطوف بالبيت فطفنا معه فلما فرغ دخل بيني و بين المغيرة فتوكأ على المغيرة و قال من أين جئتما فقلنا خرجنا نريدك يا أمير المؤمنين فأتينا رحلك فقيل لنا خرج إلى المسجد فاتبعناك فقال اتبعكما الخير ثم نظر المغيرة إلي و تبسم فرمقه عمر فقال مم تبسمت أيها العبد فقال من حديث كنت أنا و أبو موسى فيه آنفا في طريقنا إليك قال و ما ذاك الحديث فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش و ذكر من أراد صرف أبي بكر عن استخلاف عمر فتنفس الصعداء ثم قال ثكلتك أمك يا مغيرة و ما تسعة أعشار الحسد بل و تسعة أعشار العشر و في الناس كلهم عشر العشر بل و قريش شركاؤهم أيضا فيه و سكت مليا و هو يتهادى بيننا ثم قال أ لا أخبركما بأحسد قريش كلها قلنا بلى يا أمير المؤمنين قال و عليكما ثيابكما قلنا نعم قال و كيف بذلك و أنتما ملبسان ثيابكما قلنا يا أمير المؤمنين و ما بال الثياب قال خوف الإذاعة منها قلنا له أ تخاف الإذاعة من الثياب أنت و أنت من ملبس الثياب أخوف و ما الثياب أردت قال هو ذاك ثم انطلق و انطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله فخلى أيدينا من يده ثم قال لا تريما و دخل فقلت للمغيرة لا أبا لك لقد عثرنا (1) بكلامنا معه و ما كنا فيه و ما نراه حبسنا إلا ليذاكرنا إياها قال فإنا لكذلك إذ أخرج إذنه إلينا فقال ادخلا فدخلنا فوجدناه مستلقيا على برذعة برحل فلما رآنا تمثل بقول كعب بن زهير

لا تفش سرك إلا عند ذي ثقة # أولى و أفضل ما استودعت أسرارا (2)

____________

(1) كذا في الشافي و هو الصواب، و في الأصول: «أثرنا» .

(2) ملحق ديوانه 257، و غرر الخصائص 181.

32

صدرا رحيبا و قلبا واسعا قمنا # ألا تخاف متى أودعت إظهارا.

فعلمنا أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه فقلت أنا له يا أمير المؤمنين الزمنا و خصنا و صلنا قال بما ذا يا أخا الأشعرين (1) فقلت بإفشاء سرك و أن تشركنا في همتك فنعم المستشاران نحن لك قال إنكما كذلك فاسألا عما بدا لكما ثم قام إلى الباب ليعلقه فإذا الآذن الذي أذن لنا عليه في الحجرة فقال امض عنا لا أم لك فخرج و أغلق الباب خلفه ثم أقبل علينا فجلس معنا و قال سلا تخبرا قلنا نريد أن يخبرنا أمير المؤمنين بأحسد قريش الذي لم يأمن ثيابنا على ذكره لنا فقال سألتما عن معضلة و سأخبركما فليكن عندكما في ذمة منيعة و حرز ما بقيت فإذا مت فشأنكما و ما شئتما من إظهار أو كتمان قلنا فإن لك عندنا ذلك قال أبو موسى و أنا أقول في نفسي ما يريد إلا الذين كرهوا استخلاف أبي بكر له كطلحة و غيره فإنهم قالوا لأبي بكر أ تستخلف علينا فظا غليظا و إذا هو يذهب إلى غير ما في نفسي فعاد إلى التنفس ثم قال من تريانه قلنا و الله ما ندري إلا ظنا قال و ما تظنان قلنا عساك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الأمر عنك قال كلا و الله بل كان أبو بكر أعق و هو الذي سألتما عنه كان و الله أحسد قريش كلها ثم أطرق طويلا فنظر المغيرة إلي و نظرت إليه و أطرقنا مليا لإطراقه و طال السكوت منا و منه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه ثم قال وا لهفاه على ضئيل بني تيم بن مرة لقد تقدمني ظالما و خرج إلي منها آثما فقال المغيرة أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالما فقد عرفناه كيف خرج إليك منها آثما قال ذاك لأنه لم يخرج إلي منها إلا بعد يأس منها أما و الله لو كنت أطعت يزيد بن الخطاب و أصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشي‏ء أبدا و لكني قدمت و أخرت و صعدت و صوبت و نقضت و أبرمت فلم أجد إلا الإغضاء على ما نشب به منها و التلهف على نفسي و أملت إنابته و رجوعه فو الله ما فعل حتى نغر (2) بها بشما

____________

(1) في اللسان: «تقول العرب: جاء بك الأشعرون، بحذف ياء النسب» .

(2) نغر؛ أى امتلأ .

غ

33

قال المغيرة فما منعك منها يا أمير المؤمنين و قد عرضك لهابدعائك إليها ثم أنت الآن تنقم و تتأسف قال ثكلتك أمك يا مغيرة إني كنت لأعدك‏ (1) من دهاة العرب كأنك كنت غائبا عما هناك إن الرجل ماكرني فماكرته و ألفاني أحذر من قطاة إنه لما رأى شغف الناس به و إقبالهم بوجوههم عليه أيقن أنهم لا يريدون به بدلا فأحب لما رأى من حرص الناس عليه و ميلهم إليه أن يعلم ما عندي و هل تنازعني نفسي إليها و أحب أن يبلوني بإطماعي فيها و التعريض لي بها و قد علم و علمت لو قبلت ما عرضه علي لم يجب الناس إلى ذلك فألفاني قائما على أخمصي مستوفزا حذرا و لو أجبته إلى قبولها لم يسلم الناس إلى ذلك و اختبأها ضغنا علي في قلبه و لم آمن غائلته و لو بعد حين مع ما بدا لي من كراهة الناس لي أ ما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها علي لا نريد سواك يا أبا بكر أنت لها فرددتها إليه عند ذلك فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سرورا و لقد عاتبني مرة على كلام بلغه عني و ذلك لما قدم عليه بالأشعث أسيرا فمن عليه و أطلقه و زوجه أخته أم فروة فقلت للأشعث و هو قاعد بين يديه يا عدو الله أ كفرت بعد إسلامك و ارتددت ناكصا على عقبيك فنظر إلي نظرا علمت أنه يريد أن يكلمني بكلام في نفسه ثم لقيني بعد ذلك في سكك المدينة فقال لي أنت صاحب الكلام يا ابن الخطاب فقلت نعم يا عدو الله و لك عندي شر من ذلك فقال بئس الجزاء هذا لي منك قلت و علام تريد مني حسن الجزاء قال لأنفتي لك من اتباع هذا الرجل و الله ما جرأني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك و تخلفك عنها و لو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا عليك قلت لقد كان ذلك فما تأمر الآن قال إنه ليس بوقت أمر بل وقت صبر و مضى و مضيت و لقي الأشعث الزبرقان بن بدر فذكر له ما جرى بيني و بينه فنقل ذلك إلى أبي بكر فأرسل إلي بعتاب مؤلم فأرسلت إليه أما و الله

____________

(1) ب: «أعدك» .

34

لتكفن أو لأقولن كلمة بالغة بي و بك في الناس تحملها الركبان حيث ساروا و إن شئت استدمنا ما نحن فيه عفوا فقال بل نستديمه و إنها لصائرة إليك بعد أيام فظننت أنه لا يأتي عليه جمعة حتى يردها علي فتغافل و الله ما ذاكرني بعد ذلك حرفا حتى هلك .

و لقد مد في أمدها عاضا على نواجذه حتى حضره الموت و أيس منها فكان منه ما رأيتما فاكتما ما قلت لكما عن الناس كافة و عن بني هاشم خاصة و ليكن منكما بحيث أمرتكما قوما إذا شئتما على بركة الله فقمنا و نحن نعجب من قوله فو الله ما أفشينا سره حتى هلك (1) .

قال المرتضى و ليس في طعن عمر على أبي بكر ما يؤدي إلى فساد خلافته إذ له أن يثبت إمامة نفسه بالإجماع لا بنص أبي بكر عليه و أما الفلتة فإنها و إن كانت محتملة للبغتة كما قاله أبو علي رحمه الله تعالى إلا أن قوله وقى الله شرها يخصصها بأن مخرجها مخرج الذم و كذلك قوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه و قوله المراد وقى الله شر الاختلاف فيها عدول عن الظاهر لأن الشر في الكلام مضاف إليها دون غيرها و أبعد من هذا التأويل قوله إن المراد من عاد إلى مثلها من غير ضرورة و أكره المسلمين عليها فاقتلوه لأن ما جرى هذا المجرى لا يكون مثلا لبيعة أبي بكر عندهم لأن كل ذلك ما جرى فيها على مذاهبهم و قد كان يجب على هذا أن يقول فمن عاد إلى خلافها فاقتلوه .

و ليس له أن يقول إنما أراد بالمثل وجها واحدا و هو وقوعها من غير مشاورة لأن ذلك إنما تم في أبي بكر خاصة بظهور أمره و اشتهار فضله و لأنهم بادروا إلى العقد خوفا من الفتنة و ذلك لأنه غير منكر أن يتفق من ظهور فضل غير أبي بكر و اشتهار أمره و خوف الفتنة ما اتفق لأبي بكر فلا يستحق قتلا و لا ذما على أن قوله مثلها يقتضي وقوعها على الوجه الذي وقعت عليه فكيف يكون ما وقع من غير مشاورة لضرورة داعية و أسباب موجبة مثلا لما وقع بلا مشاورة و من غير ضرورة و لا أسباب و الذي رواه عن أهل‏اللغة

____________

(1) كتاب الشافي 241-244.

35

من أن آخر يوم من شوال يسمى فلتة من حيث إن من لم يدرك فيه الثأر فإنه قول لا نعرفه و الذي نعرفه أنهم يسمون الليلة التي ينقضي بها آخر الأشهر الحرم و يتم فلتة و هي آخر ليلة من ليالي الشهر لأنه ربما رأى الهلال قوم لتسع و عشرين و لم يبصره الباقون فيغير هؤلاء على أولئك و هم غارون‏ (1) فلهذا سميت تلك الليلة فلتة على أنا قد بينا أن مجموع الكلام يقتضي ما ذكرناه من المعنى لو سلم له ما رواه عن أهل‏اللغةفي احتمال هذه اللفظة .

قال و قد ذكر صاحب كتاب العين أن الفلتة الأمر الذي يقع على غير إحكام فقد صح أنها موضوعة في‏اللغةلهذا و إن جاز ألا تختص به بل تكون لفظة مشتركة .

و بعد فلو كان عمر لم يرد بقوله توهين بيعة أبي بكر بل أراد ما ظنه المخالفون لكان ذلك عائدا عليه بالنقص لأنه وضع كلامه في غير موضعه و أراد شيئا فعبر عن خلافه فليس يخرج هذا الخبر من أن يكون طعنا على أبي بكر إلا بأن يكون طعنا على عمر (2) .

و اعلم أنه لا يبعد أن يقال إن الرضا و السخط و الحب و البغض و ما شاكل ذلك من الأخلاق النفسانية و إن كانت أمورا باطنة فإنها قد تعلم و يضطر الحاضرون إلى تحصيلها بقرائن أحوال تفيدهم العلم الضروري كما يعلم خوف الخائف و سرور المبتهج و قد يكون الإنسان عاشقا لآخر فيعلم المخالطون لهما ضرورة أنه يعشقه لما يشاهدونه من قرائن الأحوال و كذلك يعلم من قرائن أحوال العابد المجتهد في العبادة و صوم الهواجر و ملازمة الأوراد و سهر الليل أنه يتدين بذلك فغير منكر أن يقول قاضي القضاة رحمه الله

____________

(1) غارون: غافلون.

(2) كتاب الشافي 244 مع اختصار و تصرف.

36

تعالى إن المعلوم ضرورة من حال عمر تعظيم أبي بكر و رضاه بخلافته و تدينه بذلك فالذي اعترضه رحمه الله تعالى به غير وارد عليه ـ و أما الأخبار التي رواها عن عمر فأخبار غريبة ما رأيناها في الكتب المدونة و ما وقفنا عليها إلا من كتاب المرتضى و كتاب آخر يعرف بكتاب المسترشد (1) لمحمد بن جرير الطبري و ليس هو محمد بن جرير صاحب التاريخ بل هو من رجال الشيعة و أظن أن أمه من بني جرير من مدينة آمل طبرستان و بنو جرير الآمليون شيعة مستهترون بالتشيع فنسب إلى أخواله و يدل على ذلك شعر مروي له و هو

بآمل مولدي و بنو جرير # فأخوالي و يحكي المرء خاله‏ (2)

فمن يك رافضيا عن أبيه # فإني رافضي عن كلاله.

و أنت تعلم حال الأخبار الغريبة التي لا توجد في الكتب المدونة كيف هي فأما إنكاره ما ذكره شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى من أن الفلتة هي آخر يوم من شوال و قوله إنا لا نعرفه فليس الأمر كذلك بل هو تفسير صحيح ذكره الجوهري في كتاب الصحاح قال الفلتة آخر ليلة من كل شهر و يقال هي آخر يوم من الشهر الذي بعده الشهر الحرام (3) و هذا يدل على أن آخر يوم من شوال يسمى فلتة و كذلك آخر يوم من جمادى الآخرة و إنما التفسير الذي ذكره المرتضى غير معروف عند أهل‏اللغة.

و أما ما ذكره من إفساد حمل الفلتة في الخبر على هذه الوجوه المتأولة فجيد إلا أن الإنصاف أن عمر لم يخرج الكلام مخرج الذم لأمر أبي بكر و إنما أراد باللفظة محض حقيقتها في‏اللغةذكر صاحب الصحاح أن الفلتة الأمر الذي يعمل فجأة من

____________

(1) كتاب المسترشد في الإمامة، طبع في النجف و في الأصول: «المستبشر» و هو خطأ، راجع النجاشيّ 266.

(2) نسبهما ياقوت في معجم البلدان (1: 63) إلى أبى بكر الخوارزمي، و ظنّ أنّه قالهما في خاله الطبريّ المؤرخ؛ و حققه محمّد باقر، و ذكر أن الأمر اشتبه على ياقوت. و انظر روضات الجنّات 673.

(3) الصحاح 1: 360.

37

غير تردد و لا تدبر و هكذا كانت بيعة أبي بكر لأن الأمر لم يكن فيها شورى بين المسلمين و إنما وقعت بغتة لم تمحص فيها الآراء و لم يتناظر فيها الرجال و كانت كالشي‏ء المستلب المنتهب و كان عمر يخاف أن يموت عن غير وصية أو يقتل قتلا فيبايع أحد من المسلمين بغتة كبيعة أبي بكر فخطب بما خطب به و قال معتذرا إلا أنه ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق كأبي بكر .

و أيضا قول المرتضى قد يتفق‏ (1) من ظهور فضل غير أبي بكر و خوف الفتنة مثل ما اتفق لأبي بكر فلا يستحق القتل فإن لقائل أن يقول إن عمر لم يخاطب بهذا إلا أهل عصره و كان هو رحمه الله يذهب إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر و لا من يحتمل له أن يبايع فلتة كما احتمل ذلك لأبي بكر فإن اتفق أن يكون في عصر آخر بعد عصره من يظهر فضله و يكون في زمانه كأبي بكر في زمانه فهو غير داخل في نهي عمر و تحريمه .

و اعلم أن الشيعة لم تسلم لعمر أن بيعة أبي بكر كانت فلتة قال محمد بن هانئ المغربي

و لكن أمرا كان أبرم بينهم # و إن قال قوم فلتة غير مبرم‏ (2) .

و قال آخر

زعموها فلتة فاجئة # لا و رب البيت و الركن المشيد

إنما كانت أمورا نسجت # بينهم أسبابها نسج البرود.

14- و روى أبو جعفر أيضا في‏ (3) التاريخ أن 14رسول الله ص لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة و أخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الخلافة و كان

____________

(1) ب: «سبق» ، تحريف صوابه من ج و الشافي.

(2) ديوانه 689 (طبع المعارف) .

(3) تاريخ الطبريّ 3: 218 و ما بعدها مع اختصار و تصرف.

38

مريضا فخطبهم و دعاهم إلى إعطائه الرئاسة و الخلافة فأجابوه ثم ترادوا الكلام فقالوا فإن أبى المهاجرون و قالوا نحن أولياؤه و عترته فقال قوم من الأنصار نقول منا أمير و منكم أمير فقال سعد فهذا أول الوهن و سمع عمر الخبر فأتى منزل 14رسول الله ص و فيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي فأرسل أني مشغول فأرسل إليه عمر أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم و معهما أبو عبيدة فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من 14رسول الله ص و أنهم أولياؤه و عترته ثم قال نحن الأمراء و أنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة و لا نقضي دونكم الأمور .

فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم و لن يجترئ مجترئ على خلافكم و لا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة و المنعة و أولو العدد و الكثرة و ذوو البأس و النجدة و إنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير و منهم أمير .

فقال عمر هيهات لا يجتمع سيفان في غمد و الله لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم و لا تمتنع‏ (1) العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم من ينازعنا سلطان 14محمد و نحن أولياؤه و عشيرته .

فقال الحباب بن المنذر يا معشر الأنصار املكوا أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب

____________

(1) كذا في ج و تاريخ الطبريّ، و في ا، ب: «تمنع» .

39

أنا أبو شبل في عريسة الأسد و الله إن شئتم لنعيدنها جذعة .

فقال عمر إذن يقتلك الله قال بل إياك يقتل .

فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر و آزر فلا تكونوا أول من بدل و غير .

فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال يا معشر الأنصار ألا إن 14محمدا من قريش و قومه أولى به و ايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر .

فقال أبو بكر هذا عمر و أبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا و الله لا نتولى هذا الأمر عليك و أنت أفضل المهاجرين و خليفة 14رسول الله ص في الصلاة و هي أفضل الدين ابسط يدك فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عققت‏ (1) عقاق أ نفست على ابن عمك الإمارة (2) .

فقال أسيد بن حضير (3) رئيس الأوس لأصحابه و الله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا فقاموا فبايعوا أبا بكر . فانكسر على سعد بن عبادة و الخزرج ما اجتمعوا عليه و أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما و أرسل إليه أبو بكر ليبايع فقال لا و الله حتى أرميكم بما في كنانتي و أخضب سنان رمحي و أضرب بسيفي ما أطاعني و أقاتلكم بأهل بيتي و من تبعني و لو اجتمع معكم الجن و الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي .

فقال عمر لا تدعه حتى يبايع فقال بشير بن سعد إنه قد لج و ليس بمبايع لكم

____________

(1) عقاق: مبنية على الكسر، مثل حذام و في الطبريّ «عقتك عقاق» .

(2) بعدها كما في التاريخ: «فقال: لا و اللّه، و لكنى كرهت أن أنازع قوما حقا جعله اللّه لهم» .

(3) في الطبريّ: «و لما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد و ما تدعو إليه قريش؛ و ما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة؛ فقال بعضهم لبعض، و فيهم أسيد بن حضير... » ثم ذكر كلام أسيد.

40

حتى يقتل و ليس بمقتول حتى يقتل معه أهله و طائفة من عشيرته و لا يضركم تركه إنما هو رجل واحد فتركوه .

و جاءت أسلم فبايعت فقوي بهم جانب أبي بكر و بايعه الناس .

و في كتب غريب الحديث في تتمة كلام عمر فأيما رجل بايع رجلا بغير مشورة من الناس فلا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا (1) .

قالوا غرر تغريرا و تغرة كما قالوا حلل تحليلا و تحلة و علل تعليلا و تعلة و انتصب تغرة هاهنا لأنه مفعول له و معنى الكلام أنه إذا بايع واحد لآخر بغتة عن غير شورى فلا يؤمر واحد منهما لأنهما قد غررا بأنفسهما تغرة و عرضاهما لأن تقتلا .

14- و روى جميع أصحاب السيرة أن 14رسول الله ص لما توفي كان أبو بكر في منزله‏ (2) بالسنح فقال عمر بن الخطاب فقال ما مات 14رسول الله ص و لا يموت حتى يظهر دينه‏ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ* و ليرجعن فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم ممن أرجف بموته لا أسمع رجلا يقول مات 14رسول الله إلا ضربته بسيفي فجاء أبو بكر و كشف عن وجه 14رسول الله ص و قال بأبي و أمي طبت حيا و ميتا و الله لا يذيقك الله الموتتين أبدا ثم خرج و الناس حول عمر و هو يقول لهم إنه لم يمت و يحلف فقال له أيها الحالف على رسلك ثم قال من كان يعبد 14محمدا فإن 14محمدا قد مات و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (3) و قال‏ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ‏ (4) قال عمر فو الله

____________

(1) النهاية لابن الأثير 3: 156.

(2) السنح؛ بالضم ثمّ السكون: إحدى محال المدينة؛ كان بها منزل أبى بكر؛ و هي منازل بنى الحارث ابن الخزرج بعوالى المدينة.

(3) سورة الزمر 30.

(4) سورة آل عمران 144.

41

ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض و علمت أن 14رسول الله ص قد مات .

و قد تكلمت الشيعة في هذا الموضع و قالوا إنه بلغ من قلة علمه أنه لم يعلم أن الموت يجوز على 14رسول الله ص و أنه أسوة الأنبياء في ذلك و قال لما تلا أبو بكر الآيات أيقنت الآن بوفاته كأني‏ (1) لم أسمع هذه الآية فلو كان يحفظ القرآن أو يتفكر فيه ما قال ذلك و من هذه حاله لا يجوز أن يكون إماما .

و أجاب قاضي القضاة رحمه الله تعالى في المغني عن هذا فقال إن عمر لم يمنع من جواز موته ع و لا نفى كونه ممكنا و لكنه تأول في ذلك قوله تعالى‏ هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ‏ (2) و قال كيف يموت و لم يظهر ص على الدين كله فقال أبو بكر إذا ظهر دينه فقد ظهر هو و سيظهر دينه بعد وفاته .

فحمل عمر قوله تعالى‏ أَ فَإِنْ مََاتَ على تأخر الموت لا على نفيه بالكلية قال و لا يجب فيمن ذهل عن بعض أحكام القرآن ألا يحفظ القرآن لأن الأمر لو كان كذلك لوجب ألا يحفظ القرآن إلا من عرف جميع أحكامه على أن حفظ جميع القرآن غير واجب و لا يقدح الإخلال به في الفضل‏ (3) .

و اعترض المرتضى رحمه الله تعالى في كتاب الشافي هذا الكلام فقال لا يخلو خلاف عمر في وفاة 14رسول الله ص من أن يكون على سبيل الإنكار لموته على كل حال و الاعتقاد أن‏ (4) الموت لا يجوز عليه على كل وجه أو يكون منكرا لموته في

____________

(1) الشافي: «و كأنى» .

(2) سورة التوبة 33.

(3) نقله المرتضى في الشافي 252 ص مع اختلاف في الروايتين.

(4) ب: «لأن» ، و الأصواب ما أثبته من ا.

42

تلك الحال من حيث لم يظهر عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ* فإن كان الأول فهو مما لا يجوز خلاف عاقل فيه و العلم بجواز الموت على جميع البشر ضروري و ليس يحتاج في حصول هذا العلم إلى تلاوة الآيات التي تلاها أبو بكر و إن كان الثاني فأول ما فيه أن هذا الاختلاف لا يليق بما احتج به أبو بكر عليه من قوله‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ لأن عمر لم ينكر على هذا الوجه جواز الموت عليه و صحته و إنما خالف في وقته فكان يجب أن يقول لأبي بكر و أي حجة في هذه الآيات علي فإني لم أمنع جواز موته و إنما منعت وقوع موته الآن و جوزته في المستقبل و الآيات إنما تدل على جواز الموت فقط لا على تخصيصه بحال معينة .

و بعد فكيف دخلت هذه الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق و من أين زعم أنه سيعود فيقطع أيدي رجال و أرجلهم و كيف لم يحصل له من اليقين لما رأى من الواعية (1) و كآبة الخلق و إغلاق الباب و صراخ النساء ما يدفع به ذلك الوهم و الشبهة البعيدة فلم يحتج إلى موقف .

و بعد فيجب إن كانت هذه شبهته أن يقول في مرض 14النبي ص و قد رأى جزع أهله و خوفهم عليه الموت و قول أسامة صاحب الجيش لم أكن لأرحل و أنت هكذا و أسأل عنك الركب يا هؤلاء لا تخافوا و لا تجزعوا و لا تخف أنت يا أسامة فإن 14رسول الله ص لا يموت الآن لأنه لم يظهر عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ* .

و بعد فليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها على ما ظن المعتذر له (2) .

و نحن نقول إن عمر كان أجل قدرا من أن يعتقد ما ظهر عنه في هذه الواقعة

____________

(1) الواعية: الصراخ على الميت.

(2) الشافي 252 مع اختصار و تصرف.

43

و لكنه لما علم أن 14رسول الله ص قد مات خاف من وقوع فتنة في الإمامة و تقلب أقوام عليها إما من الأنصار أو غيرهم و خاف أيضا من حدوث ردة و رجوع عن الإسلام فإنه كان ضعيفا بعد لم يتمكن و خاف من ترات تشن و دماء تراق فإن أكثر العرب كان موتورا في حياة 14رسول الله ص لقتل من قتل أصحابه منهم و في مثل ذلك الحال تنتهز الفرصة و تهتبل الغرة فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس بأن أظهر ما أظهره من كون 14رسول الله ص لم يمت و أوقع تلك الشبهة في قلوبهم فكسر بها شرة كثير منهم و ظنوها حقا فثناهم بذلك عن حادث يحدثونه تخيلا منهم أن 14رسول الله ص ما مات و إنما غاب كما غاب موسى عن قومه و هكذا كان عمر يقول لهم إنه قد غاب عنكم كما غاب موسى عن قومه و ليعودن فليقطعن أيدي قوم أرجفوا بموته .

و مثل هذا الكلام يقع في الوهم فيصد عن كثير من العزم أ لا ترى أن الملك إذا مات في مدينة وقع فيها في أكثر الأمر نهب و فساد و تحريق و كل من في نفسه حقد على آخر بلغ منه غرضه إما بقتل أو جرح أو نهب مال إلى أن تتمهد قاعدة الملك الذي يلي بعده فإذا كان في المدينة وزير حازم الرأي كتم موت الملك و سجن قوما ممن أرجف نداء بموته و أقام فيهم السياسة و أشاع أن الملك حي و أن أوامره و كتبه نافذة و لا يزال يلزم ذلك الناموس إلى أن يمهد قاعدة الملك للوالي بعده و كذلك عمر أظهر ما أظهر حراسة للدين و الدولة إلى أن جاء أبو بكر و كان غائبا بالسنح و هو منزل بعيد عن المدينة فلما اجتمع بأبي بكر قوي به جأشه و اشتد به أزره و عظم طاعة الناس له و ميلهم إليه فسكت حينئذ عن تلك الدعوى التي كان ادعاها لأنه قد أمن بحضور أبي بكر من خطب يحدث أو فساد يتجدد و كان أبو بكر محببا إلى الناس لا سيما المهاجرين .

44

و يجوز عند الشيعة و عند أصحابنا أيضا أن يقول الإنسان كلاما ظاهر الكذب على جهة المعاريض فلا وصمة على عمر إذا كان حلف أن 14رسول الله ص لم يمت و لا وصمة عليه في قوله بعد حضور أبي بكر و تلاوة ما تلا كأني لم أسمعها أو قد تيقنت الآن وفاته ص لأنه أراد بهذا القول الأخير تشييد القول الأول و كان هو الصواب و كان من سيئ الرأي و قبيحه أن يقول إنما قلته تسكينا لكم و لم أقله عن اعتقاد فالذي بدا به حسن و صواب و الذي ختم به أحسن و أصوب .

14,1- و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عمر بن شبة عن محمد بن منصور عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال كان 14النبي ص قد بعث أبا سفيان ساعيا (1) فرجع من سعايته و قد مات 14رسول الله ص فلقيه قوم فسألهم فقالوا مات 14رسول الله ص فقال من ولي بعده قيل أبو بكر قال أبو فصيل قالوا نعم قال فما فعل المستضعفان 1علي و العباس أما و الذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما .

قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز و ذكر الراوي و هو جعفر بن سليمان أن أبا سفيان قال شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلما قدم المدينة قال إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم قال فكلم عمر أبا بكر فقال إن أبا سفيان قد قدم و أنا لا نأمن شره فدع له ما في يده فتركه فرضي .

17- و روى أحمد بن عبد العزيز أن أبا سفيان قال لما بويع عثمان كان هذا الأمر في تيم و أنى لتيم هذا الأمر ثم صار إلى عدي فأبعد و أبعد ثم رجعت إلى منازلها و استقر الأمر قراره فتلقفوها تلقف الكرة .

____________

(1) السعاية: مباشرة أعمال الصدقات.

45

قال أحمد بن عبد العزيز و حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال ذاكرت إسماعيل بن إسحاق القاضي بهذا الحديث و أن أبا سفيان قال لعثمان بأبي أنت أنفق و لا تكن كأبي حجر و تداولوها يا بني أمية تداول الولدان الكرة فو الله ما من جنة و لا نار و كان الزبير حاضرا فقال عثمان لأبي سفيان اعزب فقال يا بني أ هاهنا أحد قال الزبير نعم و الله لا كتمتها عليك.

قال فقال إسماعيل هذا باطل قلت و كيف ذلك قال ما أنكر هذا من أبي سفيان و لكن أنكر أن يكون سمعه عثمان و لم يضرب عنقه .

1- و روى أحمد بن عبد العزيز قال جاء أبو سفيان إلى 1علي ع فقال وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش أ ما و الله لئن شئت لأملأنها على أبي فصيل خيلا و رجلا فقال 1علي ع طالما غششت الإسلام و أهله فما ضررتهم شيئا لا حاجة لنا إلى خيلك و رجلك لو لا أنا رأينا أبا بكر لها أهلا لما تركناه .

1,15- و روى أحمد بن عبد العزيز قال لما بويع لأبي بكر كان الزبير و المقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى 1علي و هو في بيت 15فاطمة فيتشاورون و يتراجعون أمورهم فخرج عمر حتى دخل على 15فاطمة ع و قال يا 15بنت رسول الله ما من أحد من الخلق أحب إلينا من 14أبيك و ما من أحد أحب إلينا منك بعد 14أبيك و ايم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم فلما خرج عمر جاءوها فقالت تعلمون أن عمر جاءني و حلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت و ايم الله ليمضين لما حلف له فانصرفوا عنا راشدين فلم يرجعوا إلى بيتها و ذهبوا فبايعوا لأبي بكر .

15- و روى أحمد و روى المبرد في الكامل صدر هذا الخبر (1) عن عبد الرحمن

____________

(1) و الخبر أيضا في تاريخ الطبريّ: (3: 234) و ما بعدها.

46

بن عوف قال دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه فسلمت و سألته كيف به فاستوى جالسا فقلت لقد أصبحت بحمد الله بارئا فقال أما إني على ما ترى لوجع و جعلتم لي معشر المهاجرين شغلا مع وجعي و جعلت لكم عهدا مني من بعدي و اخترت لكم خيركم في نفسي فكلكم ورم‏ (1) لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له و رأيتم الدنيا قد أقبلت و الله لتتخذن ستور الحرير و نضائد الديباج‏ (2) و تألمون ضجائع الصوف الأذربي‏ (3) كأن أحدكم على حسك‏ (4) السعدان و الله لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يسبح في غمرة الدنيا و إنكم غدا لأول ضال بالناس يجورون عن الطريق يمينا و شمالا يا هادي الطريق جرت إنما هو البجر أو الفجر (5) فقال له عبد الرحمن لا تكثر على ما بك فيهيضك (6) و الله ما أردت إلا خيرا (7) و إن صاحبك لذو خير و ما الناس إلا رجلان رجل رأى ما رأيت فلا خلاف عليك منه و رجل رأى غير ذلك و إنما يشير عليك برأيه فسكن و سكت هنيهة فقال عبد الرحمن ما أرى بك بأسا و الحمد لله فلا تأس على الدنيا فو الله إن علمناك إلا صالحا مصلحا فقال أما إني لا آسى إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلن و ثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهن و ثلاث وددت أني سألت 14رسول الله ص عنهن ـ فأما الثلاث التي فعلتها و وددت أني لم أكن فعلتها فوددت أني لم أكن كشفت

____________

(1) ورم أنفه: أى امتلأ من ذلك غضبا.

(2) نضائد الديباج: واحدتها نضيدة؛ و هي الوسادة و ما ينضد من المتاع.

(3) الأذربى: منسوب إلى أذربيجان.

(4) السعدان: نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه.

(5) قال في الكامل: «و قوله: و اللّه هو الفجر أو البجر، يقول: إن انتظرت حتّى يضى‏ء لك الفجر الطريق أبصرت قصدك، و إن خبطت الظلماء و ركبت العشواء هجما بك على المكروه» .

(6) يهيضك: أى يعنتك و يؤذيك؛ و أصله في العظم إذا كسر بعد الجبور؛ فإنه يكون أشدّ وجعا.

(7) هذه آخر رواية المبرد-مع تصرف كثير في العبارة-في الكامل 1: 54، 55-بشرح المرصفى.

47

عن بيت 15فاطمة و تركته و لو أغلق على حرب و وددت أني‏كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبي عبيدة فكان أميرا و كنت وزيرا و وددت أني إذ أتيت بالفجاءة (1) لم أكن أحرقته و كنت قتلته بالحديد أو أطلقته .

و أما الثلاث التي تركتها و وددت أني فعلتها فوددت أني يوم أتيت بالأشعث كنت ضربت عنقه فإنه يخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه و وددت أني حيث وجهت خالدا إلى أهل الردة أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون و إلا كنت ردءا لهم و وددت حيث وجهت خالدا إلى الشام كنت وجهت عمر إلى العراق فأكون قد بسطت كلتا يدي اليمين و الشمال في سبيل الله .

و أما الثلاث اللواتي وددت أني كنت سألت 14رسول الله ص عنهن فوددت أني سألته فيمن هذا الأمر فكنا لا ننازعه أهله [و وددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب‏] (2) و وددت أني سألته عن ميراث العمة و ابنة الأخت فإن في نفسي منهما حاجة .

1,15,2,3- و من كتاب معاوية المشهور إلى 1علي ع و أعهدك أمس تحمل 15قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك 2الحسن و 3الحسين يوم بويع أبو بكر الصديق فلم تدع أحدا من أهل و السوابق إلا دعوتهم إلى نفسك و مشيت إليهم بامرأتك و أدليت إليهم بابنيك و استنصرتهم على صاحب 14رسول الله فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة و لعمري لو كنت محقا لأجابوك و لكنك ادعيت باطلا و قلت ما لا تعرف و رمت ما لا يدرك و مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك و هيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد و لا بغيك على الخلفاء بطريف و لا مستبدع .

____________

(1) هو إياس بن عبد اللّه بن عبد ياليل السلمى، و كان قد استعرض الناس يقتلهم و يأخذ أموالهم، فأمر أبو بكر بإحراقه. و انظر تفصيل الخبر في الطبريّ 3: 234.

(2) زيادة من الطبريّ يقتضيها السياق.

48

و سنذكر تمام هذا الكتاب و أوله عند انتهائنا إلى كتب 1علي ع .

1- و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن أبي المنذر و هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان بين العباس و 1علي مباعدة فلقي ابن عباس 1عليا فقال إن كان لك في النظر إلى عمك حاجة فأته و ما أراك تلقاه بعدها فوجم‏ (1) لها و قال تقدمني و استأذن فتقدمته و استأذنت له فأذن فدخل فاعتنق كل واحد منهما صاحبه و أقبل 1علي ع على يده و رجله يقبلهما و يقول يا عم ارض عني رضي الله عنك قال قد رضيت عنك .

ثم قال يا ابن أخي قد أشرت عليك بأشياء ثلاثة فلم تقبل و رأيت في عاقبتها ما كرهت و ها أنا ذا أشير عليك برأي رابع فإن قبلته و إلا نالك ما نالك مما كان قبله قال و ما ذاك يا عم قال أشرت عليك في مرض 14رسول الله ص أن تسأله فإن كان الأمر فينا أعطاناه و إن كان في غيرنا أوصى بنا فقلت أخشى إن منعناه لا يعطيناه أحد بعده‏ (1) فمضت تلك فلما قبض 14رسول الله ص أتانا أبو سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك إلى أن نبايعك و قلت لك ابسط يدك أبايعك و يبايعك هذا الشيخ فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف و إذا بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك أحد (2) من قريش و إذا بايعتك قريش لم يختلف عليك أحد من العرب فقلت لنا بجهاز 14رسول الله ص شغل و هذا الأمر فليس نخشى عليه فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة بني ساعدة فقلت يا عم ما هذا قلت ما دعوناك إليه فأبيت قلت سبحان الله أ و يكون هذا قلت نعم قلت أ فلا يرد قلت لك و هل رد مثل هذا قط ثم أشرت عليك حين طعن عمر فقلت لا تدخل نفسك في‏فإنك إن اعتزلتهم قدموك و إن ساويتهم تقدموك فدخلت معهم فكان ما رأيت

____________

(1) ساقطة من ب.

(2) ب: «قرشى» .

49

ثم أنا الآن أشير عليك برأي رابع فإن قبلته و إلا نالك ما نالك مما كان قبله إني أرى أن هذا الرجل يعني عثمان قد أخذ في أمور و الله لكأني بالعرب قد سارت إليه حتى ينحر في بيته كما ينحر الجمل و الله إن كان ذلك و أنت بالمدينة ألزمك الناس به و إذا كان ذلك لم تنل من الأمر شيئا إلا من بعد شر لا خير معه قال عبد الله بن عباس فلما كان‏عرضت له و قد قتل طلحة و قد أكثر أهل الكوفة في سبه و غمصه فقال 1علي ع أما و الله لئن قالوا ذلك لقد كان كما قال أخو جعفي (1)

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه # إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

ثم قال و الله لكأن عمي كان ينظر من وراء ستر رقيق و الله ما نلت من هذا الأمر شيئا إلا بعد شر لا خير معه .

1- و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز عن حباب بن يزيد عن جرير بن المغيرة أن سلمان و الزبير و الأنصار كان هواهم أن يبايعوا 1عليا ع بعد 14النبي ص فلما بويع أبو بكر قال سلمان أصبتم الخبرة و أخطأتم المعدن .

17- قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا علي بن أبي هاشم قال حدثنا عمر بن ثابت عن حبيب بن أبي ثابت قال قال سلمان يومئذ أصبتم ذا السن منكم و أخطأتم أهل بيت نبيكم لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان و لأكلتموها رغدا .

1- قال أبو بكر و أخبرنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثنا غسان

____________

(1) هو سلمة بن يزيد بن مشجعة الجعفى، من كلمة له يرثى فيها أخاه لأمه قيس بن سلمة. أمالي القالى 2: 73.

50

بن عبد الحميد قال لما أكثر الناس في تخلف 1علي ع عن بيعة أبي بكر و اشتد أبو بكر و عمر عليه في ذلك خرجت أم مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر و قالت‏

كانت أمور و أبناء و هنبثة # لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏ (1)

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها # و اختل قومك فاشهدهم و لا تغب‏ (2)

.

1,15- قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز و أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود قال غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة و غضب 1علي و الزبير فدخلا بيت 15فاطمة ع معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة بن وقش و هما من بني عبد الأشهل فصاحت 15فاطمة ع و ناشدتهم الله فأخذوا سيفي 1علي و الزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ثم قام أبو بكر فخطب الناس و اعتذر إليهم و قال إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها و خشيت الفتنة و ايم الله ما حرصت عليها يوما قط و لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة و لا يدان و لوددت أن أقوى الناس عليه مكاني و جعل يعتذر إليهم فقبل المهاجرون عذره و قال 1علي و الزبير ما غضبنا إلا في المشورة و إنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار و إنا لنعرف له سنه و لقد أمره 14رسول الله ص بالصلاة بالناس و هو حي .

15- قال أبو بكر و قد روي بإسناد آخر ذكره أن ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت 15فاطمة ع و ثابت هذا أخو بني الحارث بن الخزرج .

____________

(1) الهنبثة، واحدة الهنابث؛ و هي الأمور الشداد المختلفة؛ و البيتان في اللسان (3: 20) ، و ذكر أنه جاء في حديث أن فاطمة قالتهما بعد موت الرسول عليه السلام؛ و ذكر أيضا أنّه ورد هذا الشعر في حديث آخر؛ قال: لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم خرجت صفية تلفع يثوبها و تقول البيتين» .

(2) اللسان: «فاختل» .

51

و روي أيضا أن محمد بن مسلمة كان معهم و أن محمدا هو الذي كسر سيف الزبير .

1,14- قال أبو بكر و حدثني يعقوب بن شيبة عن أحمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عباس قال خرج 1علي ع على الناس من عند 14رسول الله ص في مرضه فقال له الناس كيف أصبح 14رسول الله ص يا 1أبا حسن قال أصبح بحمد الله بارئا قال فأخذ العباس بيد 1علي ثم قال يا 1علي أنت عبد العصا بعد ثلاث أحلف لقد رأيت الموت في وجهه و إني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب فانطلق إلى 14رسول الله ص فاذكر له هذا الأمر إن كان فينا أعلمنا و إن كان في غيرنا أوصى بنا فقال لا أفعل و الله إن منعناه اليوم لا يؤتيناه الناس بعده قال فتوفي 14رسول الله ذلك اليوم .

14,1- و قال أبو بكر حدثني المغيرة بن محمد المهلبي من حفظه و عمر بن شبة من كتابه بإسناد رفعه إلى أبي سعيد الخدري قال سمعت البراء بن عازب يقول لم أزل لبني هاشم محبا فلما قبض 14رسول الله ص تخوفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم فأخذني ما يأخذ الواله العجول .

ثم ذكر ما قد ذكرناه نحن في أول هذا الكتاب‏ (1) في شرح قوله ع أما و الله لقد تقمصها فلان و زاد فيه في هذه الرواية فمكثت أكابد ما في نفسي فلما كان بليل خرجت إلى المسجد فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة 14رسول الله ص بالقرآن فامتنعت من مكاني فخرجت إلى الفضاء فضاء بني بياضة و أجد نفرا يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم فعرفوني و ما أعرفهم فدعوني إليهم فأتيتهم فأجد المقداد بن الأسود و عبادة بن الصامت و سلمان الفارسي و أبا ذر و حذيفة و أبا الهيثم بن التيهان و إذا حذيفة يقول لهم و الله ليكونن ما أخبرتكم

____________

(1) الجزء الأول ص 159 و ما بعدها.

52

به و الله ما كذبت و لا كذبت و إذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين .

ثم قال ائتوا أبي بن كعب فقد علم كما علمت قال فانطلقنا إلى أبي فضربنا عليه بابه حتى صار خلف الباب فقال من أنتم فكلمه المقداد فقال ما حاجتكم فقال له افتح‏ (1) عليك بابك فإن الأمر أعظم من أن يجرى من وراء حجاب قال ما أنا بفاتح بابي و قد عرفت ما جئتم له كأنكم أردتم النظر في هذا العقد فقلنا نعم فقال أ فيكم حذيفة فقلنا نعم قال فالقول ما قال و بالله ما أفتح عني بابي حتى يجرى على ما هي جارية و لما يكون بعدها شر منها و إلى الله المشتكى .

قال و بلغ الخبر أبا بكر و عمر فأرسلا إلى أبي عبيدة و المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأي فقال المغيرة أن تلقوا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا فيكون له و لعقبه فتقطعوا به من ناحية 1علي و يكون لكم حجة عند الناس على 1علي إذا مال معكم العباس . فانطلقوا حتى دخلوا على العباس في الليلة الثانية من .

ثم ذكر خطبة أبي بكر و كلام عمر و ما أجابهما العباس به و قد ذكرناه فيما تقدم من هذا الكتاب في الجزء الأول ـ

17- و روى أبو بكر قال أخبرنا أحمد بن إسحاق بن صالح قال حدثنا عبد الله بن عمر عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال لما توفي 14النبي ص اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة فقال الحباب

____________

(1) ب: «ما يفتح» .