شرح نهج البلاغة - ج4

- ابن ابي الحديد المزيد...
280 /
3

الجزء الرابع‏

تتمة الخطب و الأوامر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ الحمد لله الواحد العدل الحكيم و صلى الله على 14رسوله الكريم

تتمة الخطبة الثانية و الخمسين‏

وَ مِنْهَا (1) فِي ذِكْرِ يَوْمِ اَلنَّحْرِ وَ صِفَةِ اَلْأُضْحِيَّةِ: وَ مِنْ تَمَامِ اَلْأُضْحِيَّةِ اِسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا وَ سَلاَمَةُ عَيْنِهَا فَإِذَا سَلِمَتِ اَلْأُذُنُ وَ اَلْعَيْنُ سَلِمَتِ اَلْأُضْحِيَّةُ وَ تَمَّتْ وَ لَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ اَلْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى اَلْمَنْسَكِ. قال الرضي رحمه الله و المنسك هاهنا المذبح (1) - الأضحية ما يذبح يوم النحر و ما يجري مجراه أيام التشريق من النعم و و استشراف أذنها انتصابها و ارتفاعها أذن شرفاء أي منتصبة (2) - .

و العضباء المكسورة القرن (3) - و التي تجر رجلها إلى المنسك‏ كناية عن العرجاء و يجوز المنسك بفتح السين و كسرها

اختلاف الفقهاء في حكم الأضحية

و اختلف الفقهاء في وجوب الأضحية فقال أبو حنيفة هي واجبة على المقيمين من أهل

____________

(1) تتمة الخطبة الثانية و الخمسين؛ الجزء السابق ص 333.

4

الأمصار و يعتبر في وجوبها النصاب و به قال مالك و الثوري إلا أن مالكا لم يعتبر الإقامة .

و قال الشافعي الأضحية سنة مؤكدة و به قال أبو يوسف و محمد و أحمد .

و اختلفوا في العمياء هل تجزئ أم لا فأكثر الفقهاء على أنها لا تجزئ و كلام 1أمير المؤمنين ع في هذا الفصل يقتضي ذلك لأنه قال إذا سلمت العين سلمت الأضحية فيقتضي أنه إذا لم تسلم العين لم تسلم الأضحية و معنى انتفاء سلامة الأضحية انتفاء أجزائها .

و حكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال تجزئ العمياء .

6- و قال محمد بن النعمان المعروف بالمفيد رضي الله تعالى عنه أحد فقهاء الشيعة في كتابه المعروف بالمقنعة إن 6الصادق ع سئل عن الرجل يهدي الهدي أو الأضحية و هي سمينة فيصيبها مرض أو تفقأ عينها أو تنكسر فتبلغ يوم النحر و هي حية أ تجزئ عنه فقال نعم .

فأما الأذن‏ فقال أحمد لا يجوز التضحية بمقطوعة الأذن و كلام 1أمير المؤمنين ع يقتضي ذلك و قال سائر الفقهاء تجزئ إلا أنه مكروه .

و أما العضباء فأكثر الفقهاء على أنها تجزئ إلا أنه مكروه و كلام 1أمير المؤمنين ع يقتضي ذلك و كذلك الحكم في الجلحاء و هي التي لم يخلق لها قرن و القصماء و هي التي انكسر غلاف قرنها و الشرفاء و هي التي انثقبت أذنها من الكي و الخرقاء و هي التي شقت أذنها طولا .

و قال مالك إن كانت العضباء يخرج من قرنها دم لم تجزئ . و قال أحمد و النخعي لا تجوز التضحية بالعضباء .

5

فأما العرجاء التي كنى عنها بقوله‏ تجر رجلها إلى المنسك فأكثر الفقهاء على أنها لا تجزئ و كلام 1أمير المؤمنين ع يقتضي أنها تجزئ و قد نقل أصحاب الشافعي عنه في أحد قوليه أن الأضحية إذا كانت مريضة مرضا يسيرا أجزأت .

و قال الماوردي من الشافعية في كتابه المعروف بالحاوي إن عجزت عن أن تجر رجلها خلقة أجزأت و إن كان ذلك عن مرض لم تجزئ

6

*1053* 53 و من كلام له ع في ذكر البيعة

فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ اَلْإِبِلِ اَلْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا وَ قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا وَ خُلِعَتْ مَثَانِيهَا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا اَلْأَمْرَ بَطْنَهُ وَ ظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي اَلنَّوْمَ فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ اَلْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ 14مُحَمَّدٌ ص فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ اَلْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ اَلْعِقَابِ وَ مَوْتَاتُ اَلدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ اَلآْخِرَةِ (1) -. تداكوا ازدحموا و الهيم العطاش و يوم وردها يوم شربها الماء (2) - و المثاني‏ الحبال جمع مثناة و مثناة بالفتح و الكسر و هو الحبل (3) - .

و جهاد البغاة واجب على الإمام إذا وجد أنصارا فإذا أخل بذلك أخل بواجب و استحق العقاب .

فإن قيل إنه ع قال لم يسعني إلا قتالهم أو الجحود بما جاء به 14محمد ص فكيف يكون تارك الواجب جاحدا لما جاء به 14النبي ص .

قيل إنه في حكم الجاحد لأنه مخالف و عاص لا سيما على مذهبنا في أن تارك الواجب يخلد في النار و إن لم يجحد النبوة

7

[بيعة 1علي و أمر المتخلفين عنها (1) -]

اختلف الناس في بيعة 1أمير المؤمنين ع فالذي عليه أكثر الناس و جمهور أرباب السير أن طلحة و الزبير بايعاه طائعين غير مكرهين ثم تغيرت عزائمهما و فسدت نياتهما و غدرا به .

و قال الزبيريون منهم عبد الله بن مصعب و الزبير بن بكار و شيعتهم و من وافق قولهم من بني تيم بن مرة أرباب العصبية لطلحة إنهما بايعا مكرهين و إن الزبير كان يقول بايعت و اللج على قفي و اللج سيف الأشتر و قفي لغة هذلية إذا أضافوا المقصور إلى أنفسهم قلبوا الألف ياء و أدغموا إحدى الياءين في الأخرى فيقولون قد وافق ذلك هوي أي هواي و هذه عصي أي عصاي .

1- و ذكر صاحب‏ (1) كتاب الأوائل أن الأشتر جاء إلى 1علي ع حين قتل عثمان فقال قم فبايع الناس فقد اجتمعوا لك و رغبوا فيك و الله لئن نكلت عنها لتعصرن عليها عينيك مرة رابعة فجاء حتى دخل بئر سكن و اجتمع الناس و حضر طلحة و الزبير لا يشكان أن الأمر شورى فقال الأشتر أ تنتظرون أحدا قم يا طلحة فبايع فتقاعس فقال قم يا ابن الصعبة و سل سيفه فقام طلحة يجر رجله حتى بايع فقال قائل أول من بايعه أشل لا يتم أمره ثم لا يتم قال قم يا زبير و الله لا ينازع أحد إلا و ضربت قرطه بهذا السيف فقام الزبير فبايع ثم انثال الناس عليه فبايعوا .

و قيل أول من بايعه الأشتر ألقى خميصة كانت عليه و اخترط سيفه و جذب يد 1علي ع فبايعه و قال للزبير و طلحة قوما فبايعا و إلا كنتما الليلة عند عثمان فقاما يعثران في ثيابهما لا يرجوان نجاة حتى صفقا بأيديهما على يده ثم قام بعدهما البصريون

____________

(1) هو أبو هلال العسكريّ.

8

و أولهم عبد الرحمن بن عديس البلوي فبايعوا و قال له عبد الرحمن

خذها إليك و اعلمن 1أبا حسن # أنا نمر الأمر إمرار الرسن‏

.

و قد ذكرنا نحن في شرح الفصل‏ (1) الذي فيه أن الزبير أقر بالبيعة و ادعى الوليجة أن بيعة 1أمير المؤمنين لم تقع إلا عن رضا جميع أهل المدينة أولهم طلحة و الزبير و ذكرنا في ذلك ما يبطل رواية الزبير .

1,14- و ذكر أبو مخنف في كتاب الجمل أن الأنصار و المهاجرين اجتمعوا في مسجد 14رسول الله ص لينظروا من يولونه أمرهم حتى غص المسجد بأهله فاتفق رأي عمار و أبي الهيثم بن التيهان و رفاعة بن رافع و مالك بن عجلان و أبي أيوب خالد بن يزيد على إقعاد 1أمير المؤمنين ع في الخلافة و كان أشدهم تهالكا عليه عمار فقال لهم أيها الأنصار قد سار فيكم عثمان بالأمس بما رأيتموه و أنتم على شرف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم و إن 1عليا أولى الناس بهذا الأمر لفضله و سابقته فقالوا رضينا به حينئذ و قالوا بأجمعهم لبقية الناس من الأنصار و المهاجرين أيها الناس إنا لن نألوكم خيرا و أنفسنا إن شاء الله و إن 1عليا من قد علمتم و ما نعرف مكان أحد أحمل لهذا الأمر منه و لا أولى به فقال الناس بأجمعهم قد رضينا و هو عندنا ما ذكرتم و أفضل .

و قاموا كلهم فأتوا 1عليا ع فاستخرجوه من داره و سألوه بسط يده فقبضها فتداكوا عليه تداك الإبل الهيم على وردها حتى كاد بعضهم يقتل بعضا فلما رأى منهم ما رأى سألهم أن تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس و قال إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر .

فنهض الناس معه حتى دخل المسجد فكان أول من بايعه طلحة فقال قبيصة بن ذؤيب الأسدي تخوفت ألا يتم له أمره لأن أول يد بايعته شلاء ثم بايعه الزبير

____________

(1) الجزء الأول ص 230، الوليجة: الأمر يسر و يكتم.

9

و بايعه المسلمون بالمدينة إلا محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر و أسامة بن زيد و سعد بن أبي وقاص و كعب بن مالك و حسان بن ثابت و عبد الله بن سلام .

فأمر بإحضار عبد الله بن عمر فقال له بايع قال لا أبايع حتى يبايع جميع الناس فقال له ع فأعطني حميلا ألا تبرح قال و لا أعطيك حميلا فقال الأشتر يا 1أمير المؤمنين إن هذا قد أمن سوطك و سيفك فدعني أضرب عنقه فقال لست أريد ذلك منه على كره خلوا سبيله فلما انصرف قال 1أمير المؤمنين لقد كان صغيرا و هو سيئ الخلق و هو في كبره أسوأ خلقا .

ثم أتي بسعد بن أبي وقاص فقال له بايع فقال يا 1أبا الحسن خلني فإذا لم يبق غيري بايعتك فو الله لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبدا فقال صدق خلوا سبيله .

ثم بعث إلى محمد بن مسلمة فلما أتاه قال له بايع قال إن 14رسول الله ص أمرني إذا اختلف الناس و صاروا هكذا و شبك بين أصابعه أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد فإذا تقطع أتيت منزلي فكنت فيه لا أبرحه حتى تأتيني يد خاطية أو منية قاضية فقال له ع فانطلق إذا فكن كما أمرت به .

ثم بعث إلى أسامة بن زيد فلما جاء قال له بايع فقال إني مولاك و لا خلاف مني عليك و ستأتيك بيعتي إذا سكن الناس فأمره بالانصراف و لم يبعث إلى أحد غيره .

و قيل له أ لا تبعث إلى حسان بن ثابت و كعب بن مالك و عبد الله بن سلام فقال لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا .

فأما أصحابنا فإنهم يذكرون في كتبهم أن هؤلاء الرهط إنما اعتذروا بما اعتذروا به‏

10

لما ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب و أنهم لم يتخلفوا عن البيعة و إنما تخلفوا عن الحرب .

1- و روى شيخنا أبو الحسين رحمه الله تعالى في كتاب الغرر أنهم لما اعتذروا إليه بهذه الأعذار قال لهم ما كل مفتون يعاتب أ عندكم شك في بيعتي قالوا لا قال فإذا بايعتم فقد قاتلتم و أعفاهم من حضور الحرب .

فإن قيل

1- رويتم أنه قال إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر .

ثم رويتم أن جماعة من أعيان المسلمين كرهوا و لم يقف مع كراهتهم .

قيل إنما مراده ع أنه متى وقع الاختلاف قبل البيعة نفضت يدي عن الأمر و لم أدخل فيه فأما إذا بويع ثم خالف ناس بعد البيعة فلا يجوز له أن يرجع عن الأمر و يتركه لأن الإمامة تثبت بالبيعة و إذا ثبتت لم يجز له تركها .

1- و روى أبو مخنف عن ابن عباس قال لما دخل 1علي ع المسجد و جاء الناس ليبايعوه خفت أن يتكلم بعض أهل الشنئان 1لعلي ع ممن قتل أباه أو أخاه أو ذا قرابته في حياة 14رسول الله ص فيزهد 1علي في الأمر و يتركه فكنت أرصد ذلك و أتخوفه فلم يتكلم أحد حتى بايعه الناس كلهم راضين مسلمين غير مكرهين .

1- لما بايع الناس 1عليا ع و تخلف عبد الله بن عمر و كلمه 1علي ع في البيعة فامتنع عليه أتاه في اليوم الثاني فقال إني لك ناصح إن بيعتك لم يرض بها كلهم فلو نظرت لدينك و رددت الأمر شورى بين المسلمين فقال 1علي ع ويحك و هل ما كان عن طلب مني له أ لم يبلغك صنيعهم قم عني يا أحمق ما أنت و هذا الكلام

11

فلما خرج أتى 1عليا في اليوم الثالث آت فقال إن ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك فأمر بالبعث في أثره فجاءت أم كلثوم ابنته فسألته و ضرعت إليه فيه و قالت يا 1أمير المؤمنين إنما خرج إلى مكة ليقيم بها و إنه ليس بصاحب سلطان و لا هو من رجال هذا الشأن و طلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لأنه ابن بعلها فأجابها و كف عن البعثة إليه و قال دعوه و ما أراده .

12

*1054* 54 و من كلام له ع و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال‏

أَمَّا قَوْلُكُمْ أَ كُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ اَلْمَوْتِ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ [أَ دَخَلْتُ‏] إِلَى اَلْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ اَلْمَوْتُ إِلَيَّ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ اَلشَّامِ فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ اَلْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا [ضَلاَلَتِهَا] وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا (1) -. من رواه‏ أ كل ذلك بالنصب فمفعول فعل مقدر أي تفعل كل ذلك و كراهية منصوب لأنه مفعول له و من رواه أ كل ذلك بالرفع أجاز في كراهية الرفع و النصب أما الرفع فإنه يجعل كل مبتدأ و كراهية خبره و أما النصب فيجعلها مفعولا له كما قلنا في الرواية الأولى و يجعل خبر المبتدأ محذوفا و تقديره أ كل هذا مفعول أو تفعله كراهية للموت (2) - ثم أقسم إنه لا يبالي‏ أ تعرض هو للموت حتى يموت أم جاءه الموت‏ ابتداء من غير أن يتعرض له (3) - .

و عشا إلى النار يعشو استدل عليها ببصر ضعيف قال‏

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد (1) .

____________

(1) للحطيئة، ديوانه 25.

13

و هذا الكلام استعارة شبه من عساه يلحق به من أهل الشام بمن يعشو ليلا إلى النار و ذلك لأن بصائر أهل الشام ضعيفة فهم من الاهتداء بهداه ع كمن يعشو ببصر ضعيف إلى النار في الليل (1) - قال ذاك أحب إلي من أن أقتلهم على ضلالهم‏ و إن كنت لو قتلتهم على هذه الحالة لباءوا بآثامهم‏ أي رجعوا قال سبحانه‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ‏ (1) أي ترجع

[من أخبار

1,14- لما ملك 1أمير المؤمنين ع الماءثم سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه و المساهمة رجاء أن يعطفوا إليه و استمالة لقلوبهم و إظهارا للمعدلة و حسن السيرة فيهم مكث أياما لا يرسل إلى معاوية و لا يأتيه من عند معاوية أحد و استبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال و قالوا يا 1أمير المؤمنين خلفنا ذرارينا و نساءنا بالكوفة و جئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطنا ائذن لنا في القتال فإن الناس قد قالوا قال لهم ع ما قالوا فقال منهم قائل إن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية للموت و إن من الناس من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام فقال ع و متى كنت كارها للحرب قط إن من العجب حبي لها غلاما و يفعا و كراهيتي لها شيخا بعد نفاد العمر و قرب الوقت و أما شكي في القوم فلو شككت فيهم لشككت في أهل البصرة و الله لقد ضربت هذا الأمر ظهرا و بطنا فما وجدت يسعني إلا القتال أو أن أعصي الله و 14رسوله و لكني أستأني بالقوم عسى أن يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة فإن

____________

(1) سور، المائدة 29.

14

14رسول الله ص قال لي‏لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس .

1- قال نصر بن مزاحم حدثنا (1) محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال فبعث 1علي ع إلى معاوية بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري و سعيد بن قيس الهمداني و شبث بن الربعي التميمي فقال ائتوا هذا الرجل فادعوه [إلى الله عز و جل و] (2) إلى الطاعة و الجماعة و إلى اتباع أمر الله سبحانه فقال له شبث يا 1أمير المؤمنين أ لا تطمعه في سلطان توليه إياه و منزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك فقال ائتوه الآن و القوه و احتجوا عليه و انظروا ما رأيه في هذا (3) .

فأتوه فدخلوا عليه فحمد أبو عمرو بن محصن الله و أثنى عليه و قال أما بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة و إنك راجع إلى الآخرة و إن الله مجازيك بعملك و محاسبك بما قدمت يداك و إنني أنشدك الله ألا تفرق جماعة هذه الأمة و ألا تسفك دماءها بينها فقطع معاوية عليه الكلام و قال فهلا أوصيت صاحبك فقال سبحان الله إن صاحبي لا يوصى إن صاحبي ليس مثلك صاحبي أحق الناس بهذا الأمر في الفضل و الدين و السابقة في الإسلام و القرابة من 14الرسول قال معاوية فتقول ما ذا قال أدعوك إلى تقوى ربك و إجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دينك و خير لك في عاقبة أمرك قال و يطل دم عثمان لا و الرحمن لا أفعل ذلك أبدا .

____________

(1) صفين 209 و ما بعدها.

(2) تكملة من صفّين.

(3) صفين: «و انظروا ما رأيه-و هذا في شهر ربيع الآخر-فأتوه» .

15

فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبدره شبث بن الربعي فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن إنه لا يخفى علينا ما تقر و ما تطلب إنك لا تجد شيئا تستغوي به الناس و لا شيئا تستميل به أهواءهم و تستخلص به طاعتهم إلا أن قلت لهم قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه فاستجاب لك سفهاء طغام رذال و قد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر و أحببت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب و رب مبتغ أمرا و طالب‏ (1) له يحول الله دونه و ربما أوتي المتمني أمنيته و ربما لم يؤتها و و الله ما لك في واحدة منهما خير و الله لئن أخطأك ما ترجو أنك لشر العرب حالا و لئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار فاتق الله يا معاوية و دع ما أنت عليه و لا تنازع الأمر أهله .

فحمد معاوية الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك و خفة حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم عتبت بعد فيما لا علم لك به و لقد كذبت و لؤمت‏ (2) أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت و [ذكرت‏] (3) انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني و بينكم إلا السيف .

و غضب فخرج القوم و شبث يقول أ علينا تهول بالسيف أما و الله لنجعلنه إليك [فأتوا 1عليا ع فأخبروه بالذي كان من قوله و ذلك في شهر ربيع الآخر] (3) .

قال نصر و خرج قراء أهل العراق و قراء أهل الشام فعسكروا ناحية صفين ثلاثين ألفا .

____________

(1) صفين: «و طالبه» .

(2) صفين: «و لويت» .

(3) تكملة من صفّين.

16

قال و عسكر 1علي ع على الماء و عسكر معاوية فوقه على الماء أيضا و مشت القراء فيما بين 1علي ع و معاوية منهم عبيدة السلماني و علقمة بن قيس النخعي و عبد الله بن عتبة و عامر بن عبد القيس و قد كان في بعض تلك السواحل فانصرف إلى عسكر 1علي ع فدخلوا على معاوية فقالوا يا معاوية ما الذي تطلب قال أطلب بدم عثمان قالوا ممن تطلب بدم عثمان قال أطلبه من 1علي قالوا و 1علي قتله قال نعم هو قتله و آوى قتلته فانصرفوا من عنده فدخلوا على 1علي ع فقالوا إن معاوية يزعم أنك قتلت عثمان قال اللهم لكذب فيما قال لم أقتله .

فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال لهم إنه إن لم يكن قتله بيده فقد أمر و مالأ فرجعوا إلى 1علي فقالوا إن معاوية يزعم أنك إن لم تكن قلت بيدك فقد أمرت و مالأت على قتل عثمان فقال اللهم لكذب فيما قال فرجعوا إلى معاوية فقالوا إن 1عليا يزعم أنه لم يفعل فقال معاوية إن كان صادقا فليقدنا (1) من قتلة عثمان فإنهم في عسكره و جنده و أصحابه و عضده فرجعوا إلى 1علي ع فقالوا إن معاوية يقول لك إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلة عثمان أو مكنا منهم فقال لهم إن القوم تأولوا عليه القرآن و وقعت الفرقة فقتلوه في سلطانه و ليس على ضربهم قود فخصم‏ (2) 1علي معاوية .

قلت على ضربهم هاهنا على مثلهم يقال زيد ضرب عمرو و من ضربه أي مثله و من صنفه و لا أدري لم عدل ع عن الحجة بما هو أوضح من هذا الكلام و هو أن يقول إن الذين باشروا قتله بأيديهم كانوا اثنين و هما قتيرة بن وهب و سودان بن حمران و كلاهما قتل‏قتلهما عبيد عثمان و الباقون الذين هم جندي و عضدي

____________

(1) صفين: «فليمكنا» .

(2) خصمه، أي غلبه بالحجة .

غ

17

كما تزعمون لم يقتلوا بأيديهم و إنما أغروا به و حصروه و أجلبوا عليه و هجموا على داره كمحمد بن أبي بكر و الأشتر و عمرو بن الحمق و غيرهم و ليس على مثل هؤلاء قود .

1- قال نصر فقال لهم معاوية إن كان الأمر كما تزعمون فلم ابتز الأمر (1) دوننا على غير مشورة منا و لا ممن هاهنا معنا فقال 1علي ع إن الناس تبع المهاجرين و الأنصار و هم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم و أمراء دينهم فرضوا بي و بايعوني و لست أستحل أن أدع ضرب‏ (2) معاوية يحكم بيده على الأمة و يركبهم و يشق عصاهم . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك فقال ليس كما يقول فما بال من هاهنا من المهاجرين و الأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر و يؤامروا فيه‏ (3) .

فانصرفوا إلى 1علي ع فأخبروه بقوله فقال ويحكم هذا للبدريين دون الصحابة ليس في الأرض بدري إلا و قد بايعني و هو معي أو قد قام و رضي فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم و دينكم .

قال نصر فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربيع الآخر و جماديين و هم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينهما فيزحف بعضهم إلى بعض و تحجز القراء بينهم .

قال فزعوا في ثلاثة أشهر خمسا و ثمانين فزعة كل فزعة يزحف بعضهم إلى بعض و تحجز القراء بينهم لا يكون بينهم قتال .

قال نصر و خرج أبو أمامة الباهلي و أبو الدرداء فدخلا على معاوية و كانا معه فقالا يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل فو الله لهو أقدم منك إسلاما (4) و أحق بهذا

____________

(1) صفين: «فماله ابتز الأمر دوننا» ؟.

(2) ضرب معاوية: شبيهه.

(3) المؤامرة: المشاورة، و في صفّين: «فيؤامروه» .

(4) صفين: «سلما» ، و هما بمعنى.

18

الأمر و أقرب من 14رسول الله ص فعلام تقاتله فقال أقاتله على دم عثمان و إنه آوى قتلته فقولوا له فليقدنا من قتلته و أنا أول من بايعه من أهل الشام . فانطلقوا إلى 1علي ع فأخبروه بقول معاوية فقال إنما يطلب الذين ترون فخرج عشرون ألفا أو أكثر متسربلين الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقالوا كلنا قتله فإن شاءوا فليروموا ذلك منا فرجع أبو أمامة و أبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال .

قال نصر حتى إذا كان رجب و خشي معاوية أن يتابع القراء 1عليا ع أخذ في المكر و أخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا و يكفوا حتى ينظروا .

قال فكتب في سهم من عبد الله الناصح إني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم ثم رمى بالسهم في عسكر 1علي ع فوقع السهم في يد رجل فقرأه ثم أقرأه صاحبه فلما قرأه و قرأته الناس و أقرأه من أقبل و أدبر قالوا هذا أخ لنا ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية فلم يزل السهم يقرأ و يرتفع حتى رفع إلى 1علي ع و قد بعث معاوية مائتي رجل من العملة إلى عاقول‏ (1) من النهر بأيديهم المرور و الزبل‏ (2) يحفرون فيها بحيال عسكر 1علي ع فقال 1علي ع ويحكم إن الذي يعالج معاوية لا يستقيم له و لا يقوى عليه إنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم فانتهوا عن ذلك فقالوا له لا ندعهم و الله يحفرون فقال 1علي ع لا تكونوا ضعفى ويحكم لا تغلبوني على رأيي فقالوا و الله لنرتحلن فإن شئت فارتحل و إن شئت فأقم فارتحلوا و صعدوا بعسكرهم مليا و ارتحل 1علي ع في أخريات الناس و هو يقول

____________

(1) عاقول النهر: ما اعوج منه.

(2) المرور: جمع مر؛ و هو المسحاة. و الزبل: جمع زبيل و هو القفة.

19

فلو أني أطعت عصمت قومي # إلى ركن اليمامة أو شمام‏ (1)

و لكني متى أبرمت أمرا # منيت بخلف آراء الطغام‏

.

قال و ارتحل معاوية حتى نزل معسكر 1علي ع الذي كان فيه فدعا 1علي ع الأشتر فقال أ لم تغلبني على رأيي‏ (2) أنت و الأشعث فدونكما فقال الأشعث أنا أكفيك يا 1أمير المؤمنين سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك فجمع كندة فقال لهم يا معشر كندة لا تفضحوني اليوم و لا تخزوني فإني إنما أقارع بكم أهل الشام فخرجوا معه رجاله يمشون و بيده رمح له يلقيه على الأرض و يقول امشوا قيد رمحي هذا فيمشون فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه و يمشون معه رجاله حتى لقي معاوية وسط بني سليم واقفا على الماء و قد جاءه أداني عسكره فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة و انتهى أوائل أهل العراق فنزلوا و أقبل الأشتر في خيل من أهل العراق فحمل على معاوية و الأشعث يحارب في ناحية أخرى فانحاز معاوية في بني سليم فرد وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ ثم نزل و وضع أهل الشام أثقالهم و الأشعث يهدر و يقول أرضيتك يا 1أمير المؤمنين ثم تمثل بقول طرفة بن العبد

ففداء لبني سعد على # ما أصاب الناس من خير و شر (3)

ما أقلت قدماي إنهم # نعم الساعون في الحي الشطر (4)

و لقد كنت عليكم عاتبا # فعقبتم بذنوب غير مر (5)

____________

(1) صفين: «عصبت قومي» . و شمام: جبل لباهلة.

(2) صفين: «على رائى» ، و الرائى و الرأى بمعنى.

(3) ديوانه 72 و روايته: «لبنى قيس... من سر و ضر» .

(4) الشطر: جمع شطير؛ و هو الغريب البعيد.

(5) عاتبا: واجدا، و عقبتم، أي جدتم عقب ذلك. و مر: نقيض حلو؛ قال شارح الديوان: «أى عقبتم عتبى عليكم بعطاء حلو» .

20

كنت فيكم كالمغطى رأسه # فانجلى اليوم قناعي و خمر (1)

سادرا أحسب غيي رشدا # فتناهيت و قد صابت بقر (2) .

و قال الأشتر يا 1أمير المؤمنين قد غلب الله لك على الماء فقال 1علي ع أنتما كما قال الشاعر

تلاقين قيسا و أشياعه # فيوقد للحرب نارا فنارا

أخو الحرب إن لقحت بازلا # سما للعلا و أجل الخطارا (3) .

قال نصر فكان كل واحد من 1علي و معاوية يخرج الرجل الشريف في جماعة فيقاتل مثله و كانوا يكرهون أن يتزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستئصال و الهلاك فاقتتل الناس ذا الحجة كله فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم لعل الله أن يجري صلحا أو إجماعا فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض .

1- قال نصر حدثنا عمر بن سعد عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة قال‏ (4) لما توادعوا في المحرم اختلفت الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح فأرسل 1علي ع إلى معاوية عدي بن حاتم الطائي و شبث بن ربعي التميمي و يزيد بن قيس و زياد بن خصفة فلما دخلوا عليه حمد الله تعالى عدي بن حاتم الطائي و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله فيه كلمتنا و أمتنا و يحقن به دماء

____________

(1) المغطى: اسم فاعل من التغطية. و انجلى: انكشف. و خمر: جمع خمار.

(2) السادر: الذي لا يهتم و لا يبالى ما صنع. و تناهيت، أي انتهيت من سفهى.

(3) البعير البازل: الذي طعن في التاسعة، و الخطار: المخاطرة.

(4) صفين 221، تاريخ الطبريّ 5: 5.

21

المسلمين ندعوك إلى أفضل الناس سابقة و أحسنهم في الإسلام آثارا و قد اجتمع إليه‏ (1) الناس و قد أرشدهم الله بالذي رأوا و أتوا فلم يبق أحد غيرك و غير من معك فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله و أصحابك بمثل.

فقال له معاوية كأنك إنما جئت مهددا و لم تأت مصلحا هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان‏ (2) أما و الله إنك من المجلبين على عثمان و إنك لمن قتلته و إني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله .

فقال له شبث بن ربعي و زياد بن خصفة و تنازعا كلاما واحدا أتيناك فيما يصلحنا و إياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع ما لا ينفع من القول و الفعل و أجبنا فيما يعمنا و إياك نفعه .

و تكلم يزيد بن قيس الأرحبي فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك و لنؤدي عنك ما سمعنا منك و لم ندع أن ننصح لك و أن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة أو أنه راجع بك إلى الألفة و الجماعة إن صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله و لا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين و الفضل لا يعدلونك 1بعلي و لا يميلون‏ (3) بينك و بينه فاتق الله يا معاوية و لا تخالف 1عليا فإنا و الله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى و لا أزهد في الدنيا و لا أجمع لخصال الخير كلها منه .

فحمد الله معاوية و أثنى عليه و قال أما بعد فإنكم دعوتم إلى الجماعة و الطاعة فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي و أما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها إن صاحبكم قتل خليفتنا و فرق جماعتنا و آوى ثأرنا و قتلتنا و صاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن

____________

(1) صفين: «اجتمع له الناس» . الطبريّ: «استجمع له الناس» .

(2) الشنان: جمع شن؛ و هو القربة الحلق؛ كانوا يحركونها للابل إذا أرادوا حثها على السير؛ و الكلام على التمييل.

(3) التمثيل: الترجيح بين الشيئين .

غ

22

لا نرد ذلك عليه أ رأيتم قتلة صاحبنا أ لستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به و نحن نجيبكم إلى الطاعة و الجماعة .

فقال له شبث بن ربعي أ يسرك بالله يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته قال و ما يمنعني من ذلك و الله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما قتلته بعثمان و لكني كنت أقتله بنائل مولى عثمان . فقال شبث و إله السماء ما عدلت معدلا و لا و الذي لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال و تضيق الأرض الفضاء عليك برحبها .

فقال معاوية إنه إذا كان ذلك كانت عليك أضيق .

ثم رجع القوم عن معاوية فبعث إلى زياد بن خصفة من بينهم فأدخل عليه فحمد معاوية الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا أخا ربيعة فإن 1عليا قطع أرحامنا و قتل إمامنا و آوى قتلة صاحبنا و إني أسألك النصرة بأسرتك و عشيرتك و لك علي عهد الله و ميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت .

قال أبو المجاهد فسمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث .

قال فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله و أثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإني لعلى بينة من ربي و بما أنعم علي‏ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ثم قمت .

فقال معاوية لعمرو بن العاص و كان إلى جانبه ما لهم عضبهم‏ (1) الله ما قلبهم إلا قلب رجل واحد .

1- قال نصر و حدثنا سليمان بن أبي راشد عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود

____________

(1) العضب: القطع؛ و هو دعاء عند العرب.

23

قال‏ (1) بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري إلى 1علي بن أبي طالب ع و بعث معه شرحبيل بن السمط و معن بن يزيد بن الأخنس السلمي فدخلوا على 1علي ع فتكلم حبيب بن مسلمة فحمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله و يثيب إلى أمر الله فاستثقلتم حياته و استبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان نقتلهم به فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أمرهم هذا شورى بينهم يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم .

فقال له 1علي و ما أنت لا أم لك و الولاية و العزل و الدخول في هذا الأمر اسكت فإنك لست هناك و لا بأهل لذاك فقام حبيب بن مسلمة و قال أما و الله لتريني حيث تكره فقال له ع و ما أنت و لو أجلبت بخيلك و رجلك اذهب فصوب و صعد ما بدا لك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت . فقال شرحبيل بن السمط إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي فهل لي عندك جواب غير الجواب الذي أجبته به‏ (2) فقال نعم قال فقله‏ (2) فحمد الله 1علي ع و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله سبحانه بعث 14محمدا ص فأنقذ به من الضلالة و نعش‏ (3) به من الهلكة و جمع به بعد الفرقة ثم قبضه الله إليه و قد أدى ما عليه فاستخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة و عدلا في الأمة و وجدنا

____________

(1) وقعة صفّين 225، و تاريخ الطبريّ 5: 7.

(2-2) وقعة صفّين: «فقال عليّ عليه السلام: عندي جواب غير الذي أجبته به، لك و لصاحبك» .

و في الطبريّ: «نعم لك و لصاحبك جواب غير الذي أجبته به» .

(3) الطبريّ: و انتاش به من الهلكة» .

24

عليهما أن توليا الأمر دوننا و نحن آل الرسول و أحق بالأمر فغفرنا ذلك لهما ثم ولي أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه فسار إليه ناس فقتلوه ثم أتاني الناس و أنا معتزل أمرهم فقالوا لي بايع فأبيت عليهم فقالوا لي بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك و إنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعا (1) و خلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين و لا سلف صدق في الإسلام طليق ابن طليق و حزب من الأحزاب لم يزل لله و 14لرسوله و للمسلمين عدوا هو و أبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين فيا عجبا (2) لكم و لإجلابكم معه و انقيادكم له و تدعون آل بيت نبيكم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم و لا خلافهم و لا تعدلوا بهم أحدا من الناس إني أدعوكم إلى كتاب ربكم و سنة 14نبيكم و إماتة الباطل و إحياء معالم الدين أقول قولي هذا و أستغفر الله لنا و لكل مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة فقال له شرحبيل و معن بن يزيد أ تشهد أن عثمان قتل مظلوما فقال لهما إني لا أقول ذلك قالا فمن لم يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه ثم قاما فانصرفا .

فقال 1علي ع إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ `وَ مََا أَنْتَ بِهََادِي اَلْعُمْيِ عَنْ ضَلاََلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاََّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيََاتِنََا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏ (3) ثم أقبل على أصحابه فقال لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى بالجد منكم في حقكم و طاعة إمامكم ثم مكث الناس متوادعين إلى انسلاخ المحرم فلما انسلخ المحرم و استقبل الناس صفرا من سنة سبع و ثلاثين بعث 1علي ع نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا

____________

(1) صفين: «قد بايعانى» .

(2) صفين: «فعجبنا لكم» . و في الطبريّ: «فلا غرو إلاّ خلافكم معه» .

(3) سورة النمل 80، 81.

25

من معسكر معاوية بحيث يسمعونهم الصوت قام مرثد بن الحارث الجشمي فنادى عند غروب الشمس يا أهل الشام إن 1أمير المؤمنين عليا و أصحاب 14رسول الله ص يقولون لكم إنا لم نكف عنكم شكا في أمركم و لا إبقاء عليكم و إنما كففنا عنكم لخروج المحرم و قد انسلخ و إنا قد نبذنا إليكم‏ عَلى‏ََ سَوََاءٍ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْخََائِنِينَ .

قال فتحاجز الناس و ثاروا إلى أمرائهم .

1- قال نصر فأما (1) رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير أن نداء مرثد بن الحارث الجشمي كانت صورته يا أهل الشام ألا إن 1أمير المؤمنين يقول لكم إني قد استدمتكم و استأنيت بكم لتراجعوا الحق و تثوبوا إليه و احتججت عليكم بكتاب الله و دعوتكم إليه فلم تتناهوا عن طغيان و لم تجيبوا إلى حق و إني قد نبذت إليكم‏ عَلى‏ََ سَوََاءٍ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْخََائِنِينَ .

قال فثار الناس إلى أمرائهم و رؤسائهم .

1- قال نصر و خرج معاوية و عمرو بن العاص يكتبان الكتائب و يعبيان العساكر و أوقدوا النيران و جاءوا بالشموع و بات 1علي ع تلك الليلة كلها يعبئ الناس و يكتب الكتائب و يدور في الناس و يحرضهم .

1- قال نصر حدثنا عمر بن سعد بإسناده عن عبد الله بن جندب عن أبيه أن‏ (2) 1عليا ع كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه فيقول

____________

(1) صفين 228.

(2) وقعة صفّين 229 و تاريخ الطبريّ 5: 10، 11.

26

لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم فهي حجة أخرى لكم عليهم فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا إلا بإذن و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم و لا تهيجوا امرأة و إن شتمن أعراضكم و تناولن أمراءكم و صلحاءكم فإنهن ضعاف القوى و الأنفس و العقول و لقد كنا و إنا لنؤمر بالكف عنهن و هن مشركات و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده .

1- قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن إسماعيل بن يزيد يعني ابن أبي خالد عن أبي صادق أن 1عليا (1) ع حرض الناس في حروبه فقال عباد الله اتقوا الله و غضوا أبصاركم و اخفضوا الأصوات و أقلوا الكلام و وطنوا أنفسكم على المنازلة و المجاولة و المبارزة و المعانقة و فَاثْبُتُوا وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (2) وَ لاََ تَنََازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ‏ (3) اللهم ألهمهم الصبر و أنزل عليهم النصر و أعظم لهم الأجر .

1- قال نصر و كان‏ (4) ترتيب عسكر 1علي ع بموجب ما رواه لنا عمرو بن شمر عن جابر عن 5محمد بن علي و زيد بن حسن و محمد بن عبد المطلب أنه جعل على الخيل عمار بن ياسر و على الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي و دفع اللواء

____________

(1) وقعة صفّين 230.

(2) سورة الأنفال آية 45.

(3) سورة الأنفال آية 46.

(4) وقعة صفّين 231.

غ

27

إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري و جعل على الميمنة الأشعث بن قيس و على الميسرة عبد الله بن العباس و جعل على رجالة الميمنة سليمان بن صرد الخزاعي و على رجالة الميسرة الحارث بن مرة العبدي و جعل القلب مضر الكوفة و البصرة و جعل على ميمنة القلب اليمن و على ميسرته ربيعة و عقد ألوية القبائل فأعطاها قوما منهم بأعيانهم و جعلهم رؤساءهم و أمراءهم و جعل على قريش و أسد و كنانة عبد الله بن عباس و على كندة حجر بن عدي الكندي و على بكر البصرة الحصين بن المنذر الرقاشي و على تميم البصرة الأحنف بن قيس و على خزاعة عمرو بن الحمق و على بكر الكوفة نعيم بن هبيرة و على سعد البصرة و ربابها جارية بن قدامة السعدي و على بجيلة رفاعة بن شداد و على ذهل الكوفة رويما الشيباني أو يزيد بن رويم و على عمرو البصرة و حنظلتها أعين بن ضبيعة و على قضاعة و طيئ عدي بن حاتم الطائي و على لهازم الكوفة عبد الله بن حجل العجلي و على تميم الكوفة عمير بن عطارد و على الأزد و اليمن جندب بن زهير و على ذهل البصرة خالد بن المعمر السدوسي و على عمرو الكوفة و حنظلتها شبث بن ربعي و على همدان سعيد بن قيس و على لهازم البصرة حريث بن جابر الجعفي‏ (1) و على سعد الكوفة و ربابها الطفيل أبا صريمة و على مذحج الأشتر بن الحارث النخعي و على عبد القيس الكوفة صعصعة بن صوحان و على عبد القيس البصرة عمرو بن حنظلة و على قيس الكوفة عبد الله بن الطفيل البكائي [و على قريش البصرة الحارث بن نوفل الهاشمي‏] (2) و على قيس البصرة قبيصة بن شداد الهلالي و على اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني .

و أما معاوية فاستعمل على الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب و على الرجالة مسلم بن عقبة المري و جعل على الميمنة عبد الله بن عمرو بن العاص و على الميسرة حبيب

____________

(1) صفين: «الحنفيّ» .

(2) من صفّين.

28

بن مسلمة الفهري و أعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و جعل على أهل دمشق و هم القلب الضحاك بن قيس الفهري و على أهل حمص و هم الميمنة ذا الكلاع الحميري و على أهل قنسرين و هم في الميمنة أيضا زفر بن الحارث الكلابي و على أهل الأردن و هم الميسرة سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي و على أهل فلسطين و هم في الميسرة أيضا مسلمة بن مخلد و على رجالة أهل دمشق بسر بن أبي أرطاة العامري بن لؤي بن غالب و على رجالة أهل حمص حوشبا ذا ظليم و على رجالة قيس طريف بن حابس الألهاني و على رجالة الأردن عبد الرحمن بن قيس القيني و على رجالة أهل فلسطين الحارث بن خالد الأزدي و على رجالة قيس دمشق همام بن قبيصة و على قضاعة حمص و إيادها بلال بن أبي هبيرة الأزدي و [حاتم بن المعتمر الباهلي‏] (1) و على رجالة الميمنة حابس بن سعيد الطائي و على قضاعة دمشق حسان بن بحدل الكلبي و على قضاعة عباد بن يزيد الكلبي و على كندة دمشق حسان بن حوي السكسكي و على كندة حمص يزيد بن هبيرة السكوني و على سائر اليمن يزيد بن أسد البجلي و على حمير و حضرموت اليمان بن غفير و على قضاعة الأردن حبيش بن دلجة القيني و على كنانة فلسطين شريكا الكناني و على مذحج الأردن المخارق بن الحارث الزبيدي و على جذام فلسطين و لخمها ناتل بن قيس الجذامي و على همدان الأردن حمزة بن مالك الهمداني و على الخثعم حمل بن عبد الله الخثعمي و على غسان الأردن يزيد بن الحارث و على جميع القواصي القعقاع بن أبرهة الكلاعي أصيب في المبارزة أول يوم تراءت فيه الفئتان .

1- قال نصر فأما رواية الشعبي التي رواها عنه إسماعيل بن أبي عميرة (2) فإن 1عليا

____________

(1) من صفّين.

(2) صفين 234.

29

ع بعث على ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي و على ميسرته عبد الله بن العباس و على خيل الكوفة الأشتر و على البصرة سهل بن حنيف و على رجالة الكوفة عمار بن ياسر و على رجالة أهل البصرة قيس بن سعد كان قد أقبل من مصر إلى صفين و جعل معه هاشم بن عتبة و جعل مسعود بن فدكي التميمي على قراء أهل البصرة و أما قراء أهل الكوفة فصاروا إلى عبد الله بن بديل و عمار بن ياسر .

17- قال نصر و أما (1) ترتيب عسكر الشام فيما رواه لنا عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم مولى يزيد بن معاوية فإن معاوية بعث على ميمنته ذا الكلاع و على ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري و على مقدمته من يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمي و كان على خيل دمشق كلها عمرو بن العاص و معه خيول أهل الشام بأسرها و جعل مسلم بن عقبة المري على رجالة دمشق و الضحاك بن قيس على سائر الرجالة بعد .

قال نصر (2) و تبايع رجال من أهل الشام على الموت و تحالفوا عليه و عقلوا أنفسهم بالعمائم و كانوا صفوفا خمسة [معقلين‏] (3) كانوا يخرجون فيصطفون أحد عشر صفا و يخرج أهل العراق فيصطفون أحد عشر صفا أيضا .

قال نصر فخرجوا أول يوم من صفر من سنة سبع و ثلاثين و هو يوم الأربعاء فاقتتلوا و على من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر و على أهل الشام حبيب بن مسلمة

____________

(1) صفين 239.

(2) صفين 239.

(3) من صفّين.

30

فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل و رجال حسن عددها و عدتها فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال .

ثم انصرفوا و قد صبر القوم بعضهم لبعض و خرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر و خرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد قتال كان و جعل عمار يقول يا أهل الشام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى الله و 14رسوله و جاهدهما و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه و ينصر 14رسوله أتى إلى 14النبي ص فأسلم و هو و الله فيما يرى راهب غير راغب ثم قبض الله 14رسوله و إنا و الله لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم ألا و إنه معاوية فقاتلوه و العنوه فإنه ممن يطفئ نور الله و يظاهر أعداء الله .

قال و كان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل فحمل فصبروا (1) له و شد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه و بارز يومئذ زياد بن النضر أخا له‏ (2) من بني عامر يعرف بمعاوية بن عمرو العقيلي و أمهما هند الزبيدية فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه بعد المبارزة سالما و رجع الناس يومهم ذلك .

1,14- قال نصر و حدثني‏ (3) أبو عبد الرحمن المسعودي قال حدثني يونس بن الأرقم عمن حدثه من شيوخ بكر بن وائل قال كنا مع 1علي ع فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس هذا لواء عقده له 14رسول الله ص فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى 1علي ع فقال

____________

(1) في الأصول: «فصبر» ، و الصواب ما أثبته من صفّين.

(2) في الطبريّ: «لأمه» .

(3) صفين 241.

31

أ تدرون ما أمر هذا اللواء إن عدو الله عمرا أخرج له 14رسول الله ص هذه الشقة فقال من يأخذها بما فيها فقال عمرو و ما فيها يا 14رسول الله قال فيها ألا تقاتل بها مسلما و لا تقربها من كافر فأخذها فقد و الله قربها من المشركين و قاتل بها اليوم المسلمين و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما أسلموا و لكنهم استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه .

ـ

1- و روى نصر عن أبي عبد الرحمن المسعودي عن يونس بن الأرقم عن عوف بن عبد الله عن عمرو بن هند البجلي عن أبيه قال‏ (1) لما نظر 1علي ع إلى رايات معاوية و أهل الشام قال و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا رجعوا إلى عداوتهم لنا إلا أنهم لم يتركوا الصلاة .

14- و روى نصر عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال لما كان قتال‏قال رجل لعمار يا أبا اليقظان أ لم يقل 14رسول الله ص قاتلوا الناس حتى يسلموا فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم و أموالهم قال بلى و لكن و الله ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا .

14- و روى نصر عن عبد العزيز عن حبيب بن أبي ثابت عن منذر الثوري قال قال محمد بن الحنفية لما أتاهم 14رسول الله ص من أعلى الوادي و من أسفله

____________

(1) صفين 241، 242.

32

و ملأ الأودية كتائب يعني‏استسلموا حتى وجدوا أعوانا .

14- و روى نصر عن الحكم بن ظهير عن إسماعيل عن الحسن قال و حدثنا الحكم أيضا عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال قال 14رسول الله ص إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه فقال الحسن فو الله ما فعلوا و لا أفلحوا (1) .

____________

(1) صفين 243.

33

*1055* 55 و من كلام له ع‏

وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ 14رَسُولِ اَللَّهِ ص نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلاَّ إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ مُضِيّاً عَلَى اَللَّقْمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ اَلْأَلَمِ وَ جِدّاً (1) فِي جِهَادِ اَلْعَدُوِّ وَ لَقَدْ كَانَ اَلرَّجُلُ مِنَّا وَ اَلآْخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ اَلْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ اَلْمَنُونِ فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا فَلَمَّا رَأَى اَللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا اَلْكَبْتَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا اَلنَّصْرَ حَتَّى اِسْتَقَرَّ اَلْإِسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً [مُبَوِّياً] أَوْطَانَهُ وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لاَ اِخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً (1) -. لقم‏ الطريق الجادة الواضحة منها (2) - و المضض‏ لذع الألم و برحاؤه (3) - و التصاول‏ أن يحمل كل واحد من القرنين على صاحبه (4) - و التخالس‏ التسالب و الانتهاب (5) - و الكبت‏ الإذلال (6) - و جران‏ البعير مقدم عنقه (7) - و تبوأت‏ المنزل نزلته (8) - و يقال لمن أسرف في الأمر لتحتلبن دما و أصله الناقة يفرط في حلبها فيحلب الحالب الدم .

____________

(1) ساقطة من مخطوطة النهج.

34

و هذه ألفاظ مجازية من باب الاستعارة و هي .

قوله‏ استقر الإسلام ملقيا جرانه أي ثابتا متمكنا كالبعير يلقي جرانه‏ على الأرض .

و قوله‏ متبوئا أوطانه جعله كالجسم المستقر في وطنه و مكانه (1) - .

و قوله‏ ما قام للدين عمود جعله كالبيت القائم على العمد (2) - .

و قوله‏ و لا اخضر للإيمان عود جعله كالشجرة ذات الفروع و الأغصان (3) - .

فأما قتلهم الأقارب في ذات الله فكثير قتل 1علي ع الجم الغفير من بني عبد مناف و بني عبد الدار في‏وو هم عشيرته و بنو عمه و قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة و قتل حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة و هو ابن عمه لأنهما ابنا عبد مناف و مثل ذلك كثير مذكور في كتب السيرة (4) - .

و أما كون الرجل منهم و قرنه يتصاولان و يتخالسان‏ فإن الحال كذلك كانت بارز 1علي ع الوليد بن عتبة و بارز طلحة بن أبي طلحة و بارز عمرو بن عبد ود و قتل هؤلاء الأقران مبارزة و بارز كثيرا من الأبطال غيرهم و قتلهم و بارز جماعة من شجعان الصحابة جماعة من المشركين فمنهم من قتل و منهم من قتل و كتب المغازي تتضمن تفصيل ذلك

[فتنة عبد الله بن الحضرمي بالبصرة]

و هذا الكلام قاله 1أمير المؤمنين ع في قصة ابن الحضرمي حيث قدم البصرة من قبل معاوية و استنهض 1أمير المؤمنين ع أصحابه إلى البصرة فتقاعدوا .

1- قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات

35

حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا الحسن بن علي الزعفراني عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن أن معاوية لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر و ظهر عليها دعا عبد الله بن عامر الحضرمي فقال له سر إلى البصرة فإن جل أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظمون قتله و قد قتلوا في الطلب بدمه فهم موتورون حنقون لما أصابهم ودوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم و ينهض بهم في الطلب بدم عثمان و احذر ربيعة و انزل في مضر و تودد الأزد فإن الأزد كلها معك إلا قليلا منهم و إنهم إن شاء الله غير مخالفيك .

فقال عبد الله بن الحضرمي له إنا سهم في كنانتك و أنا من قد جربت و عدو أهل حربك و ظهيرك على قتلة عثمان فوجهني إليهم متى شئت فقال اخرج غدا إن شاء الله فودعه و خرج من عنده .

فلما كان الليل جلس معاوية و أصحابه يتحدثون فقال لهم معاوية في أي منزل ينزل القمر الليلة فقالوا بسعد الذابح فكره معاوية ذلك و أرسل إليه ألا تبرح حتى يأتيك أمري فأقام .

و رأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص و هو يومئذ بمصر عامله عليها يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه و قد كان تسمى بإمرة المؤمنين بعد و بعد من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص سلام عليك أما بعد فإني قد رأيت رأيا هممت بإمضائه و لم يخذلني عنه‏

36

إلا استطلاع رأيك فإن توافقني أحمد الله و أمضه و إن تخالفني فإني أستخير الله و أستهديه إني نظرت في أمر أهل البصرة فوجدت معظم أهلها لنا وليا و 1لعلي و شيعته عدوا و قد أوقع بهم 1علي الوقعة التي علمت فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح و لا تريم و قد علمت أن قتلنا ابن أبي بكر و وقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب 1علي في الآفاق و رفعت رءوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد و قد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس و ليس أحد ممن يرى رأينا أكثر عددا و لا أضر خلافا على 1علي من أولئك فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرمي فينزل في مضر و يتودد الأزد و يحذر ربيعة و يبتغي دم ابن عفان و يذكرهم وقعة 1علي بهم التي أهلكت صالحي إخوانهم و آبائهم و أبنائهم فقد رجوت عند ذلك أن يفسد على 1علي و شيعته ذلك الفرج من الأرض و متى يؤتوا من خلفهم و أمامهم يضل سعيهم و يبطل كيدهم فهذا رأيي فما رأيك فلا تحبس رسولي إلا قدر مضي الساعة التي ينتظر فيها جواب كتابي هذا أرشدنا الله و إياك و السلام عليك و رحمة الله و بركاته .

فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية .

أما بعد فقد بلغني رسولك و كتابك فقرأته و فهمت رأيك الذي رأيته فعجبت له و قلت إن الذي ألقاه في روعك و جعله في نفسك هو الثائر بابن عفان و الطالب بدمه و إنه لم يك منك و لا منا منذ نهضنا في هذه الحروب و بادينا أهلها (1) و لا رأى الناس رأيا أضر على عدوك و لا أسر لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته فامض رأيك مسددا فقد وجهت الصليب الأريب الناصح غير الظنين و السلام .

____________

(1) كذا في ج، و في ا، ب: «و نادينا » .

غ

37

فلما جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحضرمي و قد كان ظن حين تركه معاوية أياما لا يأمره بالشخوص أن معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه فقال يا ابن الحضرمي سر على بركة الله إلى أهل البصرة فانزل في مضر و احذر ربيعة و تودد الأزد و انع ابن عفان و ذكرهم الوقعة التي أهلكتهم و من لمن سمع و أطاع دنيا لا تفنى و أثرة (1) لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده .

فودعه ثم خرج من عنده و قد دفع إليه كتابا و أمره إذا قدم أن يقرأه على الناس .

قال عمرو بن محصن فكنت معه حين خرج فلما خرجنا سرنا ما شاء الله أن نسير فسنح لنا ظبي أعضب‏ (2) عن شمائلنا فنظرت إليه فو الله لرأيت الكراهية في وجهه ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان فاجتمع إلينا رءوس أهلها فحمد الله ابن الحضرمي و أثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإن إمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان قتله 1علي بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه و قاتلتم من قتله فجزاكم الله من أهل مصر خيرا و قد أصيب منكم الملأ الأخيار و قد جاءكم الله بإخوان لكم لهم بأس يتقى و عدد لا يحصى فلقوا عدوكم الذين قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين و رجعوا و قد نالوا ما طلبوا فمالئوهم و ساعدوهم و تذكروا ثاركم لتشفوا صدوركم من عدوكم .

فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فقال قبح الله ما جئتنا به و ما دعوتنا إليه جئتنا و الله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة و الزبير أتيانا و قد بايعنا 1عليا و اجتمعنا له فكلمتنا واحدة و نحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة و قاما فينا بزخرف القول حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا و ظلما فاقتتلنا على ذلك و ايم الله ما سلمنا من عظيم وبال

____________

(1) في اللسان: «فلان أثير عند فلان، ذو أثرة، إذا كان خاصا» .

(2) الأعضب: مكسور أحد القرنين؛ و كانوا يتشاءمون منه.

38

ذلك و نحن الآن مجمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي أقال العثرة و عفا عن المسي‏ء و أخذ بيعة غائبنا و شاهدنا أ فتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها ثم يضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا و تكون له وزيرا و نعدل بهذا الأمر عن 1علي و الله ليوم من أيام 1علي مع 14رسول الله ص خير من بلاء معاوية و آل معاوية لو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية .

فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك اسكت فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال نحن يدك و أنصارك و القول ما قلت و قد فهمنا عنك فادعنا أنى شئت فقال الضحاك لابن خازم يا ابن السوداء و الله لا يعز من نصرت و لا يذل بخذلانك من خذلت فتشاتما .

قال صاحب كتاب الغارات و الضحاك هذا هو الذي يقول‏

يا أيهذا السائلي عن نسبي # بين ثقيف و هلال منصبي

أمي أسماء و ضحاك أبي.

قال و هو القائل في بني العباس

ما ولدت من ناقة لفحل # في جبل نعلمه و سهل

كستة من بطن أم الفضل # أكرم بها من كهلة و كهل

عم النبي 14المصطفى ذي الفضل # و خاتم الأنبياء بعد الرسل.

قال فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التيمي فقال عباد الله إنا لم ندعكم إلى الاختلاف و الفرقة و لا نريد أن تقتتلوا و لا تتنابزوا و لكنا إنما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم و توازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم و أن تلموا شعثكم‏

39

و تصلحوا ذات بينكم فمهلا مهلا رحمكم الله استمعوا لهذا الكتاب و أطيعوا الذي يقرأ عليكم .

ففضوا كتاب معاوية و إذا فيه من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى من قرئ كتاب هذا عليه من المؤمنين و المسلمين من أهل البصرة . سلام عليكم أما بعد فإن سفك الدماء بغير حلها و قتل النفوس التي حرم الله قتلها هلاك موبق و خسران مبين لا يقبل الله ممن سفكها صرفا و لا عدلا و قد رأيتم رحمكم الله آثار ابن عفان و سيرته و حبه للعافية و معدلته و سده للثغور و إعطاءه في الحقوق و إنصافه للمظلوم و حبه الضعيف حتى توثب عليه المتوثبون و تظاهر عليه الظالمون فقتلوه مسلما محرما ظمآن صائما لم يسفك فيهم دما و لم يقتل منهم أحدا و لا يطلبونه بضربة سيف و لا سوط و إنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه و إلى قتال من قتله فإنا و إياكم على أمر هدى واضح و سبيل مستقيم إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة و اجتمعت الكلمة و استقام أمر هذه الأمة و أقر الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق فأخذوا بجرائرهم و ما قدمت أيديهم إن لكم أن أعمل فيكم بالكتاب و أن أعطيكم في السنة عطاءين و لا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا .

فسارعوا إلى ما تدعون إليه رحمكم الله و قد بعثت إليكم رجلا من الصالحين كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان و عماله و أعوانه على الهدى و الحق جعلنا الله و إياكم ممن يجيب إلى الحق و يعرفه و ينكر الباطل و يجحده و السلام عليكم و رحمة الله .

قال فلما قرئ عليهم الكتاب قال معظمهم سمعنا و أطعنا .

17- قال و روى محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي عن أبي زهير عن أبي منقر الشيباني قال قال الأحنف لما قرئ عليهم كتاب معاوية أما أنا فلا ناقة لي في هذا و لا جمل و أعتزل أمرهم ذلك .

40

و قال عمرو بن مرجوم من عبد القيس أيها الناس الزموا طاعتكم و لا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة و تصيبكم قارعة و لا يكن بعدها لكم بقية ألا إني قد نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لََكِنْ لاََ تُحِبُّونَ اَلنََّاصِحِينَ .

17- قال إبراهيم بن هلال و روى محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد أن الذي كان سدد لمعاوية رأيه في تسريح ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه عباس بن ضحاك العبدي و هو ممن كان يرى رأي عثمان و يخالف قومه في حبهم 1عليا ع و نصرتهم إياه و كان الكتاب .

أما بعد فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم و قتلوا خليفتهم طمعا و بغيا فقرت بذلك العيون و شفيت بذلك النفوس و بردت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين و لعدوه مفارقين و لكم موالين و بك راضين فإن رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيبا ذكيا ذا عفاف و دين إلى الطلب بدم عثمان فعلت فإني لا أخال الناس إلا مجمعين عليك و إن ابن عباس غائب عن المصر و السلام .

قال فلما قرأ معاوية كتابه قال لا عزمت رأيا سوى ما كتبت به إلي هذا و كتب إليه جوابه .

أما بعد فقد قرأت كتابك فعرفت نصيحتك و قبلت مشورتك رحمك الله و سددك اثبت هداك الله على رأيك الرشيد فكأنك بالرجل الذي سألت قد أتاك و كأنك بالجيش قد أطل عليك فسررت و حبيت و السلام .

1- قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني علي بن أبي سيف عن أبي زهير ـ

41

قال لما نزل ابن الحضرمي في بني تميم أرسل إلى الرءوس فأتوه فقال لهم أجيبوني إلى الحق و انصروني على هذا الأمر .

قال و إن الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس و قدم على 1علي ع إلى الكوفة يعزيه عن محمد بن أبي بكر قال فقام إليه ابن ضحاك فقال إي و الذي له أسعى و إياه أخشى لننصرنك بأسيافنا و أيدينا .

و قام المثنى بن مخرمة العبدي فقال لا و الذي لا إله إلا هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنجاهدنك بأسيافنا و أيدينا و نبالنا و أسنة رماحنا نحن ندع ابن عم 14رسول الله ص و سيد المسلمين و ندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ و الله لا يكون ذلك أبدا حتى نسير كتيبة و نفلق السيوف بالهام .

فأقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان‏ (1) الأزدي فقال يا صبرة أنت رأس قومك و عظيم من عظماء العرب و أحد الطلبة بدم عثمان رأينا رأيك و رأيك رأينا و بلاء القوم عندك في نفسك و عشيرتك ما قد ذقت و رأيت فانصرني و كن من دوني فقال له إن أنت أتيتني فنزلت في داري نصرتك و منعتك فقال إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر فقال اتبع ما أمرك به .

و انصرف من عنده و أقبل الناس إلى ابن الحضرمي و كثر تبعه ففزع لذلك زياد و هاله و هو في دار الإمارة فبعث إلى الحضين بن المنذر و مالك بن مسمع فدعاهما فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإنكم أنصار 1أمير المؤمنين و شيعته و ثقته و قد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتى يأتيني أمر 1أمير المؤمنين و رأيه .

فأما مالك بن مسمع فقال هذا أمر فيه نظر أرجع إلى من ورائي و أنظر و أستشير في ذلك .

و أما الحضين بن المنذر فقال نعم نحن فاعلون و لن نخذلك و لن نسلمك .

____________

(1) ب: «سليمان» ، تحريف.

42

فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال يا ابن شيمان أنت سيد قومك و أحد عظماء هذا المصر فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك أ فلا تجيرني و تمنعني و تمنع بيت مال المسلمين فإنما أنا أمين عليه فقال بلى إن تحملت حتى تنزل في داري منعتك فقال إني فاعل .

فارتحل ليلا حتى نزل دار صبرة بن شيمان و كتب إلى عبد الله بن عباس و لم يكن معاوية ادعى زيادا بعد لأنه إنما ادعاه بعد .

للأمير (1) عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد .

سلام عليك أما بعد فإن عبد الله بن عامر بن الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم و نعى ابن عفان و دعا إلى حرب فبايعه جل أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين و رحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم و إن الأزد معي و شيعة 1أمير المؤمنين من فرسان القبائل تختلف إلي و شيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي و القصر خال منا و منهم فارفع ذلك إلى 1أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه و أعجل إلي بالذي ترى أن يكون منه فيه و السلام عليك و رحمة الله و بركاته .

قال فرفع ذلك ابن عباس إلى 1علي ع و شاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك و كانت بنو تميم و قيس و من يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد فلما تهيأ لذلك و دعا أصحابه ركبت الأزد و بعثت إليه و إليهم إنا و الله لا ندعكم تأتون القصر فتنزلون فيه من لا نرضى و من نحن له كارهون حتى يأتي رجل لنا و لكم رضا فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر و أبت الأزد إلا أن يمنعوهم فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي إنكم و الله

____________

(1) ب: «للأمين» .

43

ما أنتم أحق بقصر الإمارة من القوم و ما لكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه فانصرفوا عنهم ففعلوا ثم جاء إلى الأزد فقال إنه لم يكن ما تكرهون و لا يؤتى إلا ما تحبون فانصرفوا رحمكم الله ففعلوا .

1- قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي سيف عن الكلبي أن ابن الحضرمي لما أتى البصرة و دخلها نزل في بني تميم في دار سنبيل‏ (1) و دعا بني تميم و أخلاط مضر فقال زياد لأبي الأسود الدؤلي أ ما ترى ما صغى‏ (2) أهل البصرة إلى معاوية و ما في الأزد لي مطمع فقال إن كنت تركتهم لم ينصروك و إن أصبحت فيهم منعوك .

فخرج زياد من ليلته فأتى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي فأجاره و قال له حين أصبح يا زياد إنه ليس حسنا بنا أن تقيم فينا مختفيا أكثر من يومك هذا فأعد له منبرا و سريرا في مسجد الحدان و جعل له شرطا و صلى بهم الجمعة في مسجد الحدان . و غلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة و جباها و أجمعت الأزد على زياد فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر الأزد إنكم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي و أولى الناس بي و إني لو كنت في بني تميم و ابن الحضرمي فيكم لم أطمع فيه أبدا و أنتم دونه فلا يطمع ابن الحضرمي في و أنتم دوني و ليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب و أولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من 1أمير المؤمنين في المهاجرين و الأنصار و قد أصبحت فيكم مضمونا و أمانة مؤداة و قد رأينا وقعتكم‏فاصبروا مع الحق صبركم مع الباطل فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة و لا تعذرون على الجبن .

فقام شيمان أبو صبرة و لم يكن شهدو كان غائبا فقال يا معشر الأزد

____________

(1) في الأصول: «سبيل» ، و الصواب ما أثبته من تاريخ الطبريّ 5: 112.

(2) ب: «صغو أهل البصرة» .

44

ما أبقت عواقب‏عليكم إلا سوء الذكر و قد كنتم أمس على 1علي ع فكونوا اليوم له و اعلموا أن إسلامكم له ذل و خذلانكم إياه عار و أنتم حي مضماركم الصبر و عاقبتكم الوفاء فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم و إن استمدوا معاوية فاستمدوا 1عليا ع و إن وادعوكم فوادعوهم .

ثم قام صبرة ابنه فقال يا معشر الأزد إنا قلنانمنع مصرنا و نطيع أمنا نطلب دم خليفتنا المظلوم فجددنا في القتال و أقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منا من لا خير فينا بعده و هذا زياد جاركم اليوم و الجار مضمون و لسنا نخاف من 1علي ما نخاف من معاوية فهبوا لنا أنفسكم و امنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه .

فقالت الأزد إنما نحن لكم تبع فأجيروه فضحك زياد و قال يا صبرة أ تخشون ألا تقوموا لبني تميم فقال صبرة إن جاءونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة (1) و إن جاءونا بالحباب جئت أنا و إن كان فيهم شباب كثير (1) فقال زياد إنما كنت مازحا .

فلما رأت بنو تميم أن الأزد قد قامت دون زياد بعثت إليهم أخرجوا صاحبكم و نحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب 1علي أو معاوية دخلنا في طاعته و لا نهلك عامتنا .

فبعث إليهم أبو صبرة إنما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره و لعمري ما قتل زياد و إخراجه إلا سواء و إنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا كرما فالهوا عن هذا .

1- قال و روى أبو الكنود أن شبث بن ربعي قال 1لعلي ع يا 1أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فادعهم إلى طاعتك و لزوم بيعتك و لا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فإن واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم .

____________

(1-1) كذا في الأصول، و في العبارة غموض .

غ

45

فقال له مخنف بن سليم الأزدي إن البعيد البغيض من عصى الله و خالف 1أمير المؤمنين و هم قومك و إن الحبيب القريب من أطاع الله و نصر 1أمير المؤمنين و هم قومي و أحدهم خير 1لأمير المؤمنين من عشرة من قومك .

فقال 1أمير المؤمنين ع مه تناهوا أيها الناس و ليردعكم الإسلام و وقاره عن التباغي و التهاذي و لتجتمع كلمتكم و الزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره و كلمة الإخلاص التي هي قوام الدين و حجة الله على الكافرين و اذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متباغضين متفرقين فألف بينكم بالإسلام فكثرتم و اجتمعتم و تحاببتم فلا تفرقوا بعد إذ اجتمعتم و لا تتباغضوا بعد إذ تحاببتم و إذا رأيتم الناس بينهم النائرة (1) و قد تداعوا إلى العشائر و القبائل فاقصدوا لهامهم و وجوههم بالسيف حتى يفزعوا إلى الله و إلى كتابه و سنة 14نبيه فأما تلك الحمية من خطرات الشياطين فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا و تنجحوا ثم إنه ع دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي و قال يا أعين أ لم يبلغك أن قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي و شقاقي و يساعدون الضلال القاسطين علي فقال لا تسأ يا 1أمير المؤمنين و لا يكن ما تكره ابعثني إليهم فأنا لك زعيم بطاعتهم و تفريق جماعتهم و نفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله قال فاخرج الساعة .

فخرج من عنده و مضى حتى قدم البصرة .

____________

(1) النائرة: الفتنة.

46

هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات .

1- و روى الواقدي أن 1عليا ع استنفر بني تميم أياما لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي و يرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها فلم يجبه أحد فخطبهم و قال أ ليس من العجب أن ينصرني الأزد و تخذلني مضر و أعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي و خلاف تميم البصرة علي و أن أستنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد فإن أجابت و إلا فالمنابذة و الحرب فكأني أخاطب صما بكما لا يفقهون حوارا و لا يجيبون نداء كل هذا جبنا عن البأس و حبا للحياة لقد كنا مع 14رسول الله ص نقتل آباءنا و أبناءنا الفصل إلى آخره .

قال فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال أنا إن شاء الله أكفيك يا 1أمير المؤمنين هذا الخطب و أتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص حتى قدم البصرة .

1- قال إبراهيم بن هلال فلما قدمها دخل على زياد و هو بالأزد مقيم فرحب به و أجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له 1علي ع و ما رد عليه و ما الذي عليه رأيه فإنه إذ يكلمه جاءه كتاب من 1علي ع فيه من عبد الله 1علي أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإني قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فارقب ما يكون منه فإن فعل و بلغ من ذلك ما يظن به و كان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحب و إن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق و العصيان‏

47

فانبذ بمن‏ (1) أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظهرت فهو ما ظننت و إلا فطاولهم و ماطلهم فكان كتائب المسلمين قد أطلت عليك فقتل الله المفسدين الظالمين و نصر المؤمنين المحقين و السلام . فلما قرأه زياد أقرأه أعين بن ضبيعة فقال له إني لأرجو أن يكفى هذا الأمر إن شاء الله ثم خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالا من قومه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا قوم على ما ذا تقتلون أنفسكم و تهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار و إني و الله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم و يكف عنكم و إن أبيتم فهو و الله استئصالكم و بواركم .

فقالوا بل نسمع و نطيع فقال انهضوا الآن على بركة الله عز و جل فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه و واقفهم‏ (2) عامة يومه يناشدهم الله و يقول يا قوم لا تنكثوا بيعتكم و لا تخالفوا إمامكم و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فقد رأيتم و جربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم و خلافكم .

فكفوا عنه و لم يكن بينه و بينهم قتال و هم في ذلك يشتمونه و ينالون منه فانصرف عنهم و هو منهم منتصف فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج فضربوه بأسيافهم و هو على فراشه و لا يظن أن الذي كان يكون فخرج يشتد عريانا فلحقوه في الطريق فقتلوه فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين بجماعة من معه من الأزد و غيرهم من شيعة 1علي ع فأرسل بنو تميم إلى الأزد و الله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه و لا لمال هو له و لا لأحد ليس على رأينا فما تريدون

____________

(1) كذا في ا، ج، و في ب: «من» .

(2) صافوه؛ أى وقفوا صفوفا و يقال: واقفه في الحرب؛ أى وقف كل منهما مع الآخر.

48

إلى حربنا و إلى جارنا فكان الأزد عند ذلك كرهت قتالهم .

فكتب زياد إلى 1علي ع أما بعد يا 1أمير المؤمنين فإن أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجد و مناصحة و صدق و يقين فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثهم على الطاعة و الجماعة و حذرهم الخلاف و الفرقة ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فواقفهم عامة النهار فهال أهل الخلاف تقدمه و تصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان يريد نصرته فكان كذلك حتى أمسى فأتى في رحله فبيته نفر من هذه الخارجة المارقة فأصيب رحمه الله تعالى فأردت أن أناهض ابن الحضرمي عند ذلك فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره 1لأمير المؤمنين و قد رأيت إن رأى 1أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة فإنه نافذ البصيرة و مطاع في العشيرة شديد على عدو 1أمير المؤمنين فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله و السلام على 1أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته .

فلما جاء الكتاب دعا جارية بن قدامة فقال له يا ابن قدامة تمنع الأزد عاملي و بيت مالي و تشاقني مضر و تنابذني و بنا ابتدأها الله تعالى بالكرامة و عرفها الهدى و تداعوا إلى المعشر الذين حادوا الله و 14رسوله و أرادوا إطفاء نور الله سبحانه حتى علت كلمة الله و هلك الكافرون . فقال يا 1أمير المؤمنين ابعثني إليهم و استعن بالله عليهم قال قد بعثتك إليهم و استعنت بالله عليهم .

1- قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني ابن أبي السيف عن سليمان بن أبي راشد عن كعب بن قعين قال خرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة

49

في خمسين رجلا من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري و كنت شديد التشيع فقلت لجارية إن شئت كنت معك و إن شئت ملت إلى قومي فقال بل معي فو الله لوددت أن الطير و البهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس .

ـ قال و روى كعب بن قعين أن 1عليا ع كتب مع جارية كتابا و قال أقرئه على أصحابك قال فمضينا معه فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به و أجلسه إلى جانبه و ناجاه ساعة و ساءله ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال احذر على نفسك و اتق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك .

و خرج جارية من عنده فقام في الأزد فقال جزاكم الله من حي خيرا ما أعظم غناءكم و أحسن بلاءكم و أطوعكم لأميركم لقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره و دعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه ثم قرأ عليهم و على من كان معه من شيعة 1علي ع و غيرهم كتاب 1علي ع فإذا فيه من عبد الله 1علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم أما بعد فإن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة و لا يأخذ المذنب عند أول وهلة و لكنه يقبل التوبة و يستديم الأناة و يرضي بالإنابة ليكون أعظم للحجة و أبلغ في المعذرة و قد كان من شقاق جلكم أيها الناس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم و رفعت السيف عن مدبركم و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي و تستقيموا على طاعتي أعمل‏

50

فيكم بالكتاب و السنة و قصد الحق و أقم فيكم سبيل الهدى فو الله ما أعلم أن واليا بعد 14محمد ص أعلم بذلك مني و لا أعمل بقولي أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم و إن خبطت‏ (1) بكم الأهواء المردية و سفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قربت جيادي و رحلت ركابي و ايم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون‏عندها إلا كلعقة لاعق و إني لظان ألا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا و قد قدمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم و لن أكتب إليكم من بعده كتابا إن أنتم استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله تعالى و السلام . قال فلما قرئ الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان فقال سمعنا و أطعنا و نحن لمن حارب 1أمير المؤمنين حرب و لمن سالم سلم إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك و إن أحببت أن ننصرك نصرناك .

و قام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك و نحوه فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم . فقام زياد في الأزد فقال يا معشر الأزد إن هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا و إنكم كنتم حربا فأصبحتم سلما و إني و الله ما اخترتكم إلا على التجربة و لا أقمت فيكم إلا على الأمل فما رضيتم أن أجرتموني حتى نصبتم لي منبرا و سريرا و جعلتم لي شرطا و أعوانا و مناديا و جمعة فما فقدت بحضرتكم شيئا إلا هذا الدرهم لا أجبيه اليوم فإن لم أجبه اليوم أجبه غدا إن شاء الله و اعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدنيا و الدين من حربكم أمس 1عليا و قد قدم عليكم جارية بن قدامة و إنما أرسله 1علي

____________

(1) كذا في ا، ج، و في ب: «خطت» .

51

ليصدع أمر قومه و الله ما هو بالأمير المطاع و لو أدرك أمله في قومه لرجع إلى 1أمير المؤمنين أو لكان لي تبعا و أنتم الهامة العظمى و الجمرة (1) الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك .

فقام أبو صبرة شيمان فقال يا زياد إني و الله لو شهدت قومي‏رجوت ألا يقاتلوا 1عليا و قد مضى الأمر بما فيه و هو يوم بيوم و أمر بأمر و الله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ و التوبة مع الحق و العفو مع الندم و لو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء و استئناف الأمور و لكنها جماعة دماؤها حرام و جروحها قصاص و نحن معك نحب ما أحببت .

فعجب زياد من كلامه و قال ما أظن في الناس مثل هذا .

ثم قام صبرة ابنه فقال إنا و الله ما أصبنا بمصيبة في دين و لا دنيا كما أصبنا أمس‏و إنا لنرجو اليوم أن نمحص ذلك بطاعة الله و طاعة 1أمير المؤمنين و أما أنت يا زياد فو الله ما أدركت أملك فينا و لا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك و نحن رادوك إليها غدا إن شاء الله تعالى فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منا فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك‏ (2) و إنا و الله نخاف من حرب 1علي في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا فقدم هواك و أخر هوانا فنحن معك و طوعك .

ثم قام خنقر (3) الحماني فقال أيها الأمير إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا لم نرض ذلك لأنفسنا سر بنا إلى القوم إن شئت و ايم الله ما لقينا قوما (4) قط إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلا ما كان أمس .

____________

(1) الجمرة: كل جماعة انضموا فصاروا يدا واحدة و لم يحالفوا غيرهم.

(2) ج: «تشبهه» .

(3) كذا في ب، و في ج: «حيقن» .

(4) ب: «يوما» .

52

قال إبراهيم فأما جارية فإنه كلم قومه فلم يجيبوه و خرج إليه منهم أوباش‏ (1) فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه فأرسل إلى زياد و الأزد يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا إليه فسارت الأزد بزياد و خرج إليهم ابن الحضرمي و على خيله عبد الله بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة و أقبل شريك بن الأعور الحارثي و كان من شيعة 1علي ع و صديقا لجارية بن قدامة فقال أ لا أقاتل معك عدوك فقال بلى فما لبثت بنو تميم أن هزموهم و اضطروهم إلى دار سنبيل السعدي فحصروا ابن الحضرمي و حدوه فأتى رجل من بني تميم و معه عبد الله بن خازم السلمي فجاءت أمه و هي سوداء حبشية اسمها عجلى فنادته فأشرف عليها فقالت يا بني انزل إلي فأبى فكشفت رأسها و أبدت قناعها و سألته النزول فأبى فقالت و الله لتنزلن أو لأتعرين و أهوت بيدها إلى ثيابها (2) فلما رأى ذلك نزل فذهبت به و أحاط جارية و زياد بالدار و قال جارية علي بالنار فقالت الأزد لسنا من الحريق بالنار في شي‏ء و هم قومك و أنت أعلم فحرق جارية الدار عليهم فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التيمي و سمي جارية منذ ذلك اليوم محرقا و سارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة و معه بيت المال و قالت له هل بقي علينا من جوارك شي‏ء قال لا قالوا فبرئنا منه فقال نعم فانصرفوا عنه و كتب زياد إلى 1أمير المؤمنين ع أما بعد فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره و أعانه من الأزد ففضه و اضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتى حكم الله تعالى بينهما فقتل ابن الحضرمي و أصحابه منهم من أحرق بالنار و منهم من ألقي عليه جدار و منهم من هدم عليه البيت من أعلاه و منهم من قتل بالسيف و سلم

____________

(1) الأوباش: الأخلاط و السفلة من الناس.

(2) ا، ب: «ساقها» .