شرح نهج البلاغة - ج15

- ابن ابي الحديد المزيد...
301 /
1

الجزء الخامس عشر

تتمة باب الكتب و الرسائل‏

تتمة 9 و من كتاب له ع إلى معاوية

تتمة الفصل الرابع في قصة

2

-

3

بسم الله الرحمن الرحيم (1) و به ثقتي الحمد لله الواحد العدل‏ (1)

القول في أسماء الذين تعاقدوا من قريش على قتل 14رسول الله ص و ما أصابوه به في المعركة يوم الحرب‏

14- قال الواقدي (2) تعاقد من قريش على قتل 14رسول الله ص عبد الله بن شهاب الزهري و ابن قميئة (3) أحد بني الحارث بن فهر و عتبة بن أبي وقاص الزهري و أبي بن خلف الجمحي فلما أتى خالد بن الوليد من وراء المسلمين و اختلطت الصفوف و وضع المشركون السيف في المسلمين رمى عتبة بن أبي وقاص 14رسول الله ص بأربعة أحجار فكسر رباعيته و شجه في وجهه حتى غاب حلق المغفر في وجنتيه‏ (4) و أدمى شفتيه‏ (5) .

14- قال الواقدي و قد روي أن عتبة أشظى‏ (6) باطن رباعيته السفلى قال و الثبت عندنا أن الذي رمى وجنتي 14رسول الله ص ابن قميئة و الذي رمى شفته و أصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص .

14,1- قال الواقدي أقبل ابن قميئة يومئذ و هو يقول دلوني على 14محمد فو الذي يحلف به لئن رأيته لأقتلنه فوصل إلى 14رسول الله ص فعلاه بالسيف و رماه عتبة

____________

(1-1) ا: «و بك اعتمادى يا كريم» .

(2) انظر أخبار غزوة أحد في الجزء الرابع عشر من ص 213 إلى ص 281 من هذا الكتاب.

(3) قميئة؛ كسفينة، و هو عمرو بن قميئة، ذكره صاحب تاج العروس، و قال: «شاعر؛ و هو الذي كسر رباعية النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم يوم أحد» .

(4) كذا في ا، و هو الوجه و الذي في ب «و جنته» ؛ تحريف.

(5) مغازى الواقدى ص 246 و ما بعدها.

(6) أشظى رباعيته: كسرها.

4

بن أبي وقاص في الحال التي جلله ابن قميئة فيها السيف و كان ع فارسا و هو لابس درعين مثقل بهما فوقع 14رسول الله ص عن الفرس في حفرة كانت أمامه .

قال الواقدي أصيب ركبتاه جحشتا لما (1) وقع في تلك الحفرة و كانت هناك حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين و كان 14رسول الله ص واقفا على بعضها و هو لا يشعر (2) فجحشت ركبتاه و لم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهز (3) الضربة بثقل السيف فقد وقع 14رسول الله ص ثم انتهض و طلحة يحمله من ورائه و 1علي ع آخذ بيديه حتى استوى قائما .

14- قال الواقدي فحدثني الضحاك بن عثمان عن حمزة بن سعيد عن أبي بشر المازني قال حضرت‏و أنا غلام فرأيت ابن قميئة علا 14رسول الله ص بالسيف و رأيت 14رسول الله ص وقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى توارى في الحفرة فجعلت أصيح و أنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا إليه .

قال فأنظر إلى طلحة بن عبيد الله آخذا بحضنه حتى قام .

قال الواقدي و يقال إن الذي شج 14رسول الله ص في جبهته ابن شهاب و الذي أشظى رباعيته و أدمى شفتيه عتبة بن أبي وقاص و الذي أدمى وجنتيه حتى غاب الحلق فيهما ابن قميئة

14- و إنه سال الدم من الشجة التي في جبهته حتى أخضل لحيته و كان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه و 14رسول الله ص يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى قوله‏ لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ‏ (4) الآية .

____________

(1) الجحش: الخدش، أو فوقه.

(2) الواقدى: «و لا يشعر به» .

(3) كذا في الواقدى. و يقال: وهزه، أي ضربه بثقل يده، و في الأصول: «و هن» تحريف.

(4) سورة آل عمران 128.

5

14- قال الواقدي و روى سعد بن أبي وقاص قال‏ (1) قال 14رسول الله ص يومئذ اشتد غضب الله على قوم دموا فا 14رسول الله ص اشتد غضب الله على قوم دموا وجه 14رسول الله اشتد غضب الله على رجل قتله 14رسول الله ص قال سعد فلقد شفاني من عتبة أخي دعاء 14رسول الله ص و لقد حرصت على قتله حرصا ما حرصت على شي‏ء قط و إن كان ما علمت لعاقا بالوالد سيئ الخلق و لقد تخرقت صفوف المشركين مرتين أطلب أخي لأقتله و لكنه راغ مني روغان الثعلب فلما كان الثالثة قال 14رسول الله ص يا عبد الله ما تريد أ تريد أن تقتل نفسك فكففت فقال 14رسول الله ص اللهم لا تحولن الحول على أحد منهمقال سعد فو الله ما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرحه .

مات عتبة و أما ابن قميئة فاختلف فيه [فقائل يقول قتل في المعرك

14- و] (2) قائل [يقول‏] (2) إنه رمي بسهم في ذلك اليوم فأصاب مصعب بن عمير فقتله فقال خذها و أنا ابن قميئة فقال 14رسول الله ص أقمأه الله فعمد إلى شاة يحتلبها فتنطحه بقرنها و هو معتلقها (3) فقتلته فوجد ميتا بين الجبال لدعوة 14رسول الله ص و كان عدو الله رجع إلى أصحابه فأخبرهم أنه قتل 14محمدا .

قال و ابن قميئة رجل من بني الأدرم من بني فهر .

و زاد البلاذري في الجماعة التي تعاهدت و تعاقدت على قتل 14رسول الله ص عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي (4) .

قال و ابن شهاب الذي شج 14رسول الله ص في جبهته هو عبد الله

____________

(1) الواقدى: «سمعته يقول: اشتد... » .

(2) من الواقدى. و المعرك و المعترك: موضع القتال.

(3) كذا في ا و هو الصواب، و الذي في ب «معتقلها» ، تصحيف.

(4) أنساب الأشراف 1: 319.

6

بن شهاب الزهري جد الفقيه المحدث محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب (1) و كان ابن قميئة أدرم ناقص الذقن و لم يذكر اسمه و لا ذكره الواقدي أيضا .

قلت سألت النقيب أبا جعفر عن اسمه فقال عمرو فقلت له أ هو عمرو بن قميئة الشاعر قال لا هو غيره فقلت له ما بال بني زهرة في هذا اليوم فعلوا الأفاعيل 14برسول الله ص و هم أخواله ابن شهاب و عتبة بن أبي وقاص فقال يا ابن أخي حركهم أبو سفيان و هاجهم على الشر لأنهم رجعوامن الطريق إلى مكة فلم يشهدوها فاعترض عيرهم و منعهم عنها و أغرى بها سفهاء أهل مكة فعيروهم برجوعهم و نسبوهم إلى الجبن و إلى الإدهان في أمر 14محمد ص و اتفق أنه كان فيهم مثل هذين الرجلين فوقع منهماما وقع .

قال البلاذري مات عتبة من وجع أليم أصابه فتعذب به و أصيب ابن قميئة في المعركة و قيل نطحته عنز فمات .

قال و لم يذكر الواقدي ابن شهاب كيف مات و أحسب ذلك بالوهم منه .

قال و حدثني بعض قريش أن أفعى نهشت عبد الله بن شهاب في طريقه إلى مكة فمات قال و سألت بعض بني زهرة عن خبره فأنكروا أن يكون 14رسول الله ص دعا عليه أو يكون شج 14رسول الله ص و قالوا إن الذي شجه في وجهه عبد الله بن حميد الأسدي (2) .

فأما عبد الله بن حميد الفهري فإن الواقدي و إن لم يذكره في الجماعة الذين

____________

(1) أنساب الأشراف 1: 319.

(2) أنساب الأشراف 1: 324.

7

تعاقدوا على قتل 14رسول الله ص إلا أنه قد ذكر كيفية قتله .

14- قال الواقدي و يقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى 14رسول الله ص على تلك الحال يعني سقوطه من ضربة ابن قميئة يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول أنا ابن زهير دلوني على 14محمد فو الله لأقتلنه أو لأموتن دونه فتعرض‏ (1) له أبو دجانة فقال هلم إلى من يقي نفس 14محمد ص بنفسه فضرب فرسه فعرقبها فاكتسعت ثم علاه بالسيف و هو يقول خذها و أنا ابن خرشة حتى قتله و 14رسول الله ص ينظر إليه و يقول‏اللهم ارض عن ابن خرشة كما أنا عنه راض .

هذه رواية الواقدي و بها قال البلاذري إن عبد الله بن حميد قتله أبو دجانـ ة (2) .

فأما محمد بن إسحاق فقال إن الذي قتل عبد الله بن حميد 1علي بن أبي طالب ع (3) و به قالت الشيعة .

و روى الواقدي و البلاذري أن قوما قالوا إن عبد الله بن حميد هذا قتل.

فالأول الصحيح أنه قتل

14,1- و قد روى كثير من المحدثين أن 14رسول الله ص قال 1لعلي ع حين سقط ثم أقيم اكفني هؤلاء لجماعة قصدت نحوه فحمل عليهم فهزمهم و قتل منهم عبد الله بن حميد من بني أسد بن عبد العزى ثم حملت عليه طائفة أخرى فقال له اكفني هؤلاء فحمل عليهم فانهزموا من بين يديه و قتل منهم أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي .

14- قال فأما أبي بن خلف فروى الواقدي أنه أقبل يركض فرسه حتى إذا دنا من 14رسول الله ص اعترض له ناس من أصحابه ليقتلوه فقال لهم استأخروا

____________

(1) ا و الواقدى: «ليعرض» .

(2) أنساب الأشراف 1: 324.

(3) سيرة ابن هشام 3: 82.

8

عنه ثم قام إليه و حربته في يده فرماه بها بين سابغة البيضة و الدرع‏ (1) فطعنه هناك فوقع عن فرسه فانكسر ضلع من أضلاعه و احتمله قوم من المشركين ثقيلا (2) حتى ولوا قافلين فمات في الطريق و قال و فيه أنزلت‏ وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ (3) قال يعني قذفه إياه بالحربة .

14- قال الواقدي و حدثني يونس بن محمد الظفري عن عاصم بن عمر عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال كان أبي بن خلف قدم في فداء ابنه و كان أسرفقال يا 14محمد إن عندي فرسا لي أعلفها فرقا (4) من ذرة كل يوم لأقتلك عليها فقال 14رسول الله ص بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله تعالى .

14- و يقال إن أبيا إنما قال ذلك بمكة فبلغ 14رسول الله ص بالمدينة كلمته فقال بل أنا أقتله عليها إن شاء الله .

14- قال و كان 14رسول الله ص في القتال لا يلتفت وراءه فكان‏يقول لأصحابه إني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي فإذا رأيتموه فآذنوني و إذا بأبي يركض على فرسه و قد رأى 14رسول الله ص فعرفه فجعل يصيح بأعلى صوته يا 14محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا 14رسول الله ما كنت صانعا حين يغشاك أبي فاصنع فقد جاءك و إن شئت عطف عليه بعضنا فأبى 14رسول الله ص و دنا أبي فتناول 14رسول الله ص الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتفض كما ينتفض البعير قال فتطايرنا

____________

(1) الدرع السابغة: التي تجرها في الأرض و على كعبيك طولا و سعة، و تسبغة البيضة: ما توصل به البيضة من حلق الدروع فتستر العنق.

(2) ثقيلا: مشرفا على الموت.

(3) سورة الأنفال 17.

(4) الفرق، بسكون الراء و بفتحها: مكيال ضخم لأهل المدينة معروف.

9

عنه تطاير الشعارير (1) و لم يكن أحد يشبه 14رسول الله ص إذا جد الجد ثم طعنه بالحربة في عنقه و هو على فرسه لم يسقط إلا أنه خار كما يخور الثور فقال له أصحابه أبا عامر و الله ما بك بأس و لو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره قال و اللات و العزى لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا كلهم أجمعون أ ليس قال لأقتلنه فاحتملوه و شغلهم ذلك عن طلب 14رسول الله ص حتى التحق‏ (2) بعظم أصحابه في الشعب .

14- قال الواقدي و يقال إنه تناول الحربة من الزبير بن العوام قال و يقال إنه لما تناول الحربة من الزبير حمل أبي على 14رسول الله ص ليضربه بالسيف فاستقبله مصعب بن عمير حائلا بنفسه بينهما و إن مصعبا ضرب بالسيف أبيا في وجهه و أبصر 14رسول الله ص فرجة من بين سابغة البيضة و الدرع فطعنه هناك فوقع و هو يخور .

قال الواقدي و كان عبد الله بن عمر يقول مات أبي بن خلف ببطن رابغ (3) منصرفهم إلى مكة قال فإني لأسير ببطن رابغ بعد ذلك و قد مضى هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها و إذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش و إذا رجل يقول لا تسقه فإن هذا قتيل 14رسول الله ص هذا أبي بن خلف فقلت ألا سحقا و يقال إنه مات بسرف (4)

____________

(1) الشعارير: الذباب.

(2) ا و الواقدى: «لحق» .

(3) بطن رابغ: واد من دون الجحفة، قال الواقدى: هو على عشرة أميال من مكّة. ياقوت.

(4) سرف، ككتف: موضع على سبعة أميال من مكّة، تزوج به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ميمونة بنت الحارث، و هناك بنى بها؛ و هناك توفيت-ياقوت.

10

القول في الملائكة نزلت‏و قاتلت أم لا

14- قال الواقدي حدثني الزبير بن سعيد عن عبد الله بن الفضل قال أعطى 14رسول الله ص مصعب بن عمير اللواء فقتل فأخذه ملك في صورة مصعب فجعل 14رسول الله ص يقول له في آخر النهار تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك فقال لست بمصعب فعرف 14رسول الله ص أنه ملك أيد به .

قال الواقدي سمعت أبا معشر يقول مثل ذلك .

قال و حدثتني عبيدة بنت نائل عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عنه قال لقد رأيتني أرمى بالسهم يومئذ فيرده عني رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه حتى كان بعد فظننت أنه ملك .

14- قال الواقدي و حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده سعد بن أبي وقاص قال رأيت ذلك اليوم رجلين عليهما ثياب بيض أحدهما عن يمين 14رسول الله ص و الآخر عن شماله يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل و لا بعد.

قال و حدثني عبد الملك بن سليمان عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير قال لما رجعت قريش من‏جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا يقولون لم نر الخيل البلق و لا الرجال البيض الذين كنا نراهم.

قال و قال عبيد بن عمير (1) لم تقاتل الملائكة.

14- قال الواقدي و حدثني ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عمر بن الحكم قال لم يمد 14رسول الله ص بملك واحد و إنما كانوا.

قال و مثله عن عكرمة .

____________

(1) في ا «عبيد اللّه» ؛ تحريف و التصويب عن ب.

11

قال و قال مجاهد حضرت الملائكةو لم تقاتل و إنما قاتلت.

قال و روي عن أبي هريرة أنه قال وعدهم الله أن يمدهم لو صبروا فلما انكشفوا لم تقاتل الملائكة يومئذ

القول في مقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه‏

14,1- قال الواقدي كان وحشي عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف و يقال كان لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالت له ابنة الحارث إن أبي قتل‏فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنت حر 14محمد و 1علي بن أبي طالب و حمزة (1) بن عبد المطلب فإني لا أرى في القوم كفؤا لأبي غيرهم فقال وحشي أما 14محمد فقد علمت أني لا أقدر عليه و أن أصحابه لن يسلموه و أما حمزة فو الله لو وجدته نائما ما أيقظته من هيبته و أما 1علي فألتمسه قال وحشي فكنت‏ألتمسه فبينا أنا في طلبه طلع 1علي فطلع رجل حذر مرس‏ (2) كثير الالتفات فقلت ما هذا بصاحبي الذي ألتمس إذ رأيت حمزة يفري الناس فريا فكمنت له إلى صخرة و هو مكبس له كتيت‏ (3) فاعترض له سباع بن أم نيار و كانت أمه ختانة بمكة مولاة لشريف بن علاج بن عمرو بن وهب الثقفي و كان سباع يكنى أبا نيار فقال له حمزة و أنت أيضا يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علينا هلم إلي فاحتمله حتى إذا برقت قدماه رمى به فبرك عليه فشحطه شحط الشاة ثم أقبل 1علي مكبا حين رآني فلما

____________

(1) كذا في ا، و هو الوجه، و في ب «أو» تحريف.

(2) المرس: الذي قد مارس الأمور و عالجها.

(3) الكتيت: صوت في صدر الرجل كصوت البكر من شدة الغيظ.

12

بلغ المسيل وطئ على جرف فزلت قدمه فهززت حربتي حتى رضيت منها فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته و كر عليه طائفة من أصحابه فأسمعهم يقولون أبا عمارة فلا يجيب فقلت قد و الله مات الرجل و ذكرت هندا و ما لقيت على أبيها و عمها و أخيها و انكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته و لا يروني فأكر عليه فشققت بطنه فاستخرجت كبده فجئت بها إلى هند بنت عتبة فقلت ما ذا لي إن قتلت قاتل أبيك قالت سلني فقلت هذه كبد حمزة فمضغتها ثم لفظتها فلا أدري لم تسغها أو قذرتها فنزعت ثيابها و حليها فأعطتنيه ثم قالت إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير ثم قالت أرني مصرعه فأريتها مصرعه فقطعت مذاكيره و جدعت أنفه و قطعت أذنيه ثم جعلت ذلك مسكتين‏ (1) و معضدين و خدمتين حتى قدمت بذلك مكة و قدمت بكبده أيضا معها .

قال الواقدي و حدثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان فمررنا بحمص (2) بعد العصر فقلنا وحشي فقيل لا تقدرون عليه هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح فبتنا من أجله و إننا لثمانون رجلا فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله فإذا شيخ كبير قد طرحت له زربية (3) قدر مجلسه فقلنا له أخبرنا عن قتل حمزة و عن قتل مسيلمة فكره ذلك و أعرض عنه فقلنا ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك فقال إني كنت عبدا لجبير بن مطعم بن عدي فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي قتله حمزة بن عبد المطلب فلم تزل نساؤنا في حزن

____________

(1) المسكة، بالتحريك: الأسورة. و المعضد: الدملج، و الخدمة، بالتحريك: الخلخال.

(2) حمص: مدينة معروفة في بلاد الشام.

(3) الزربية: النمرقة؛ أو البساط الذي يتكأ عليه؛ واحده زربى، و الجماعة زرابى .

غ

13

شديد إلى يومي هذا فإن قتلت حمزة فأنت حر فخرجت مع الناس و لي مزاريق‏ (1) كنت أمر بهند بنت عتبة فتقول إيه أبا دسمة اشف و اشتف فلما وردنا أحدا نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدهم هدا فرآني و قد كمنت له تحت شجرة فأقبل نحوي و تعرض له سباع الخزاعي فأقبل إليه و قال و أنت أيضا يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علينا هلم إلي و أقبل نحوه حتى رأيت برقان رجليه ثم ضرب به الأرض و قتله و أقبل نحوي سريعا فيعترض له جرف فيقع فيه و أزرقه بمزراق فيقع في لبته حتى خرج من بين رجليه فقتله و مررت بهند بنت عتبة فآذنتها فأعطتني ثيابها و حليها و كان في ساقيها خدمتان من جزع ظفار (2) و مسكتان من ورق و خواتيم من ورق كن في أصابع رجليها فأعطتني بكل ذلك و أما مسيلمة فإنا دخلنا حديقة الموت فلما رأيته زرقته بالمزراق و ضربه رجل من الأنصار بالسيف فربك أعلم أينا قتله إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق جدار قتله العبد الحبشي قال عبيد الله فقلت أ تعرفني فأكر بصره علي و قال ابن عدي لعاتكة بنت العيص قلت نعم قال أما و الله ما لي بك عهد بعد أن دفعتك إلى أمك في محفتك التي كانت ترضعك فيها و نظرت إلى برقان قدميك حتى كأنه الآن .

و روى محمد بن إسحاق في كتاب المغازي قال علت هند يومئذ صخرة مشرفة و صرخت بأعلى صوتها

نحن جزيناكم # و الحرب بعد الحرب ذات سعر (3)

ما كان عن عتبة لي من صبر # و لا أخي و عمه و بكري

شفيت نفسي و قضيت نذري # شفيت وحشي غليل صدري

____________

(1) المزاريق. جمع مزراق؛ و هو الرمح القصير.

(2) ظفار كقطام: بلد باليمن ينسب إليه الجزع.

(3) ذات سعر، أي حر.

14

فشكر وحشي على عمري # حتى ترم أعظمي في قبري‏ (1) .

قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن المطلب بن عبد مناف

خزيت في‏و غير # يا بنت غدار عظيم الكفر (2)

أفحمك الله غداة الفجر # بالهاشميين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفري # حمزة ليثي و 1علي صقري

إذ رام شيب و أبوك قهري # فخضبا منه ضواحي النحر.

قال محمد بن إسحاق و من الشعر الذي ارتجزت به هند بنت عتبة

شفيت من حمزة نفسي # حين بقرت بطنه عن الكبد (3)

أذهب عني ذاك ما كنت أجد # من لوعة الحزن الشديد المعتمد (4)

و الحرب تعلوكم بشؤبوب برد # نقدم إقداما عليكم كالأسد (5)

قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان قال حدثت أن عمر بن الخطاب قال لحسان يا أبا الفريعة لو سمعت ما تقول هند و لو رأيت شرها قائمة على صخرة ترتجز بنا و تذكر ما صنعت بحمزة فقال حسان و الله إني لأنظر إلى الحربة تهوي و أنا على فارع يعني أطمة فقلت و الله إن هذه لسلاح ليس بسلاح العرب و إذا بها تهوي إلى حمزة و لا أدري [و لكن‏] (6) أسمعني بعض قولها أكفيكموها فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجوها

أشرت لكاع و كان عادتها # لؤما إذا أشرت مع الكفر (7)

____________

(1) ترم أعظمى: تبلى.

(2) في ابن هشام: «يا بنت وقاع» .

(3) سيرة ابن هشام 3: 43.

(4) المعتمد: القاصد المؤلم.

(5) الشؤبوب: الدفعة من المطر. و برد-بفتح فكسر-أى ذو برد.

(6) من سيرة ابن هشام.

(7) الخبر و هذا البيت في سيرة ابن هشام 3: 44، و الأبيات في ديوانه 229، 230.

15

أخرجت مرقصة إلى # في القوم مقتبة على بكر (1)

بكر ثفال لا حراك به # لا عن معاتبة و لا زجر (2)

أخرجت ثائرة محاربة (3) # بأبيك و ابنك بعد في‏ (4)

و بعمك المتروك منجدلا # و أخيك منعفرين في الجفر (5)

فرجعت صاغرة بلا ترة # منا ظفرت بها و لا وتر.

و قال أيضا يهجوها

لمن سواقط ولدان مطرحة # باتت تفحص في بطحاء أجياد (6)

باتت تمخض لم تشهد قوابلها # إلا الوحوش و إلا جنة الوادي

يظل يرجمه الصبيان منعفرا # و خاله و أبوه سيدا النادي‏ (7) .

في أبيات كرهت ذكرها لفحشها .

14,1- قال و روى الواقدي عن صفية بنت عبد المطلب قالت كنا قد رفعنا (8) في الآطام و معنا حسان بن ثابت و كان من أجبن الناس و نحن في فارع فجاء نفر من يهود يرومون الأطم فقلت دونك يا ابن الفريعة فقال لا و الله لا أستطيع القتال و يصعد يهودي إلى الأطم فقلت شد على يدي السيف ثم برئت ففعل فضربت

____________

(1) مرقصة، أي مرقصة بكرها، و رقص البعير أسرع في سيره. و في الديوان: «معنقة» .

(2) البكر الثفال: البطى‏ء.

(3) في الديوان: «أقبلت زائرة مبادرة» .

(4) الديوان: «يوم ذى بدر» .

(5) و الجفر: البئر.

(6) ديوانه 158. و في الديوان: منبذة» .

(7) منعفرا، أي علاه التراب، و رواية الديوان:

قد غادروه لحرّ الوجه منعفرا # و خاله و أبوه سيّدا النادى.

(8) رفعنا: عدونا.

16

عنق اليهودي و رميت برأسه إليهم فلما رأوه انكشفوا قالت و إني لفي فارع أول النهار مشرفة على الأطم فرأيت المزراق فقلت أ و من سلاحهم المزاريق أ فلا أراه هوى إلى أخي و لا أشعر ثم خرجت آخر النهار حتى جئت 14رسول الله ص و قد كنت أعرف انكشاف المسلمين و أنا على الأطم برجوع حسان إلى أقصى الأطم فلما رأى الدولة للمسلمين أقبل حتى وقف على جدار الأطم قال فلما انتهيت إلى 14رسول الله ص و معي نسوة من الأنصار لقيته و أصحابه أوزاع فأول من لقيت 1علي ابن أخي فقال ارجعي يا عمة فإن في الناس تكشفا فقلت 14رسول الله ص قال صالح قلت ادللني عليه حتى أراه فأشار إليه إشارة خفية فانتهيت إليه و به الجراحة .

14,1- قال الواقدي و كان 14رسول الله ص يقول‏ما فعل عمي ما فعل عمي فخرج الحارث بن الصمة يطلبه فأبطأ فخرج 1علي ع يطلبه فيقول‏

يا رب إن الحارث بن الصمة # كان رفيقا و بنا ذا ذمة (1)

قد ضل في مهامة مهمة # يلتمس الجنة فيها ثمة (2)

حتى انتهى إلى الحارث و وجد حمزة مقتولا فجاء فأخبر 14النبي ص فأقبل يمشي حتى وقف عليه فقال ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف .

فطلعت صفية فقال يا زبير أغن عني أمك و حمزة يحفر له فقال الزبير يا أمه إن في الناس تكشفا فارجعي فقالت ما أنا بفاعلة حتى أرى 14رسول الله ص فلما رأته قالت يا 14رسول الله أين ابن أمي حمزة فقال هو في الناس قالت لا أرجع حتى أنظر إليه قال الزبير فجعلت أطدها إلى الأرض حتى دفن و قال 14رسول الله

____________

(1) سيرة ابن هشام 3: 154 مع اختلاف في الرواية.

(2) المهامه: جمع مهمة، و هي المفازة البعيدة.

17

ص لو لا أن تحزن نساؤنا لذلك لتركناه للعافية يعني السباع و الطير حتى يحشر يوم القيامة من بطونها و حواصلها .

14,15- قال الواقدي و روي أن صفية لما جاءت حالت الأنصار بينها و بين 14رسول الله ص فقال دعوها فجلست عنده فجعلت إذا بكت يبكي 14رسول الله ص و إذا نشجت‏ (1) ينشج 14رسول الله ص و جعلت 15فاطمة ع تبكي فلما بكت بكى 14رسول الله ص ثم قال لن أصاب بمثل حمزة أبدا ثم قال ص لصفية و 15فاطمة أبشرا أتاني جبرائيل ع فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد 14رسوله .

14- قال الواقدي و رأى 14رسول الله ص بحمزة مثلا شديدا فحزنه ذلك و قال إن ظفرت بقريش لأمثلن‏ (2) بثلاثين منهم فأنزل الله عليه‏ وَ إِنْ عََاقَبْتُمْ فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصََّابِرِينَ‏ (3) فقال ص بل نصبر فلم يمثل بأحد من قريش .

14- قال الواقدي و قام أبو قتادة الأنصاري فجعل ينال من قريش لما رأى من غم 14رسول الله ص و في كل ذلك يشير إليه أن اجلس ثلاثا فقال 14رسول الله ص يا أبا قتادة إن قريشا أهل أمانة من بغاهم العواثر كبه الله لفيه و عسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم و فعالك مع فعالهم

____________

(1) يقال: نشج الباكى، غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.

(2) يقال: مثل بفلان مثلا و مثلة بالضم: نكل به.

(3) سورة النحل: 126.

18

لو لا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى فقال أبو قتادة و الله يا 14رسول الله ما غضبت إلا لله و 14رسوله حين نالوا منه ما نالوا فقال صدقت بئس القوم كانوا 14لنبيهم .

14- قال الواقدي و كان عبد الله بن جحش قبل أن تقع الحرب قال يا 14رسول الله إن هؤلاء القوم قد نزلوا بحيث ترى فقد سألت الله فقلت‏اللهم أقسم عليك أن نلقى العدو غدا فيقتلوني و يبقروا بطني و يمثلوا بيفتقول لي فيم صنع بك هذا فأقول فيك قال و أنا أسألك يا 14رسول الله أخرى أن تلي تركتي من بعدي فقال له نعم فخرج عبد الله فقتل و مثل به كل المثل و دفن هو و حمزة في قبر واحد و ولي تركته 14رسول الله ص فاشترى لأمه مالا بخيبر .

14- قال الواقدي و أقبلت أخته حمنة بنت جحش فقال لها 14رسول الله ص يا حمن (1) احتسبي قالت من يا 14رسول الله قال خالك حمزة قالت‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ‏ (2) غفر الله له و رحمه و هنيئا له الشهادة ثم قال لها احتسبي قالت من يا 14رسول الله قال أخوك عبد الله قالت‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ غفر الله له و رحمه و هنيئا له الشهادة ثم قال احتسبي قالت من يا 14رسول قال بعلك مصعب بن عمير فقالت وا حزناه و يقال إنها قالت وا عقراه .

قال محمد بن إسحاق في كتابه فصرخت و ولولت

14- قال الواقدي فقال 14رسول الله ص إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد.

و هكذا روى ابن إسحاق أيضا .

14- قال الواقدي ثم قال لها 14رسول الله ص لم قلت هذا قالت ذكرت يتم بنيه فراعني فدعا 14رسول الله ص لولده أن يحسن الله عليهم الخلف

____________

(1) يا حمن، مرخم «يا حمنة» .

(2) سورة البقرة: 156.

19

فتزوجت طلحة بن عبيد الله فولدت منه محمد بن طلحة فكان أوصل الناس لولد مصعب بن عمير .

القول فيمن ثبت مع 14رسول الله ص

14- قال الواقدي حدثني موسى بن يعقوب عن عمته عن أمها عن المقداد قال لما تصاف القوم للقتال‏جلس 14رسول الله ص تحت راية مصعب بن عمير فلما قتل أصحاب اللواء و هزم المشركون الهزيمة الأولى و أغار المسلمون على معسكرهم ينهبونه ثم كر المشركون على المسلمين فأتوهم من خلفهم فتفرق الناس و نادى 14رسول الله ص في أصحاب الألوية فقتل مصعب بن عمير حامل لوائه ص و أخذ راية الخزرج سعد بن عبادة فقام 14رسول الله ص تحتها و أصحابه محدقون به و دفع لواء المهاجرين إلى أبي الردم أحد بني عبد الدار آخر نهار ذلك اليوم و نظرت إلى لواء الأوس مع أسيد بن حضير فناوشوا المشركين ساعة و اقتتلوا على اختلاط من الصفوف و نادى المشركون بشعارهم يا للعزى يا لهبل فأوجعوا و الله فينا قتلا ذريعا و نالوا من 14رسول الله ص ما نالوا لا و الذي بعثه بالحق ما زال شبرا واحدا إنه لفي وجه العدو و تثوب إليه طائفة من أصحابه مرة و تتفرق عنه مرة فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه أو يرمي بالحجر حتى تحاجزوا و كانت العصابة التي ثبتت مع 14رسول الله ص أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين و سبعة من الأنصار أما المهاجرون 1فعلي ع و أبو بكر و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيد الله و أبو عبيدة بن الجراح و الزبير بن العوام

20

و أما الأنصار فالحباب بن المنذر و أبو دجانة (1) و عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح و الحارث بن الصمة و سهل بن حنيف و سعد بن معاذ و أسيد بن حضير .

قال الواقدي و قد روي أن سعد بن عبادة و محمد بن مسلمة ثبتا يومئذ و لم يفرا و من روى ذلك جعلهما مكان سعد بن معاذ و أسيد بن حضير .

14,1- قال الواقدي و بايعه يومئذ على الموت ثمانية ثلاثة من المهاجرين و خمسة من الأنصار فأما المهاجرون 1فعلي ع و طلحة و الزبير و أما الأنصار فأبو دجانة و الحارث بن الصمة و الحباب بن المنذر و عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف و لم يقتل منهم ذلك اليوم أحد و أما باقي المسلمين ففروا و 14رسول الله ص يدعوهم في أخراهم حتى انتهى منهم إلى قريب من المهراس (2) .

14- قال الواقدي و حدثني عتبة بن جبير عن يعقوب بن عمير بن قتادة قال ثبت يومئذ بين يديه ثلاثون رجلا كلهم يقول وجهي دون وجهك و نفسي دون نفسك و عليك السلام غير مودع.

قلت قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت فالواقدي ذكر أنه لم يثبت و أما محمد بن إسحاق و البلاذري فجعلاه مع من ثبت و لم يفر و اتفقوا كلهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح و قال إنها نعمة مشكورة يا ابن الخطاب إني آليت ألا أقتل رجلا من قريش .

و روى ذلك محمد بن إسحاق و غيره و لم يختلفوا في ذلك و إنما اختلفوا هل قرعه بالرمح و هو فار هارب أم مقدم ثابت و الذين رووا أنه قرعه بالرمح و هو هارب لم يقل

____________

(1) أبو دجانة؛ هو سماك بن خرشة.

(2) المهراس: ماء بأحد.

21

أحد منهم إنه هرب حين هرب عثمان و لا إلى الجهة التي فر إليها عثمان و إنما هرب معتصما بالجبل و هذا ليس بعيب و لا ذنب لأن الذين ثبتوا مع 14رسول الله ص اعتصموا بالجبل كلهم و أصعدوا فيه و لكن يبقى الفرق بين من أصعد في الجبل في آخر الأمر و من أصعد فيه و الحرب لم تضع أوزارها فإن كان عمر أصعد فيه آخر الأمر فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى 14رسول الله ص و إن كان ذلك و الحرب قائمة بعد تفرق .

و لم يختلف الرواة من أهل الحديث في أن أبا بكر لم يفر يومئذ و أنه ثبت فيمن ثبت و إن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال و الثبوت جهاد و فيه وحده كفاية .

و أما رواة الشيعة فإنهم يروون أنه لم يثبت إلا 1علي و طلحة و الزبير و أبو دجانة و سهل بن حنيف و عاصم بن ثابت و منهم من روى أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار و لا يعدون أبا بكر و عمر منهم

14- روى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى 14رسول الله ص فسأله إلى أين انتهيت فقال إلى الأعرض فقال لقد ذهبت فيها عريضة (1) .

14- روى الواقدي قال كان بين عثمان أيام خلافته و بين عبد الرحمن بن عوف كلام فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عقبة فدعاه فقال اذهب إلى أخيك فأبلغه عني ما أقول لك فإني لا أعلم أحدا يبلغه غيرك قال الوليد أفعل قال قل له يقول لك عبد الرحمن شهدت‏و لم تشهدها و ثبت‏و وليت و شهدت‏و لم تشهدها فلما أخبره قال عثمان صدق أخي تخلفت عن‏على ابنة 14رسول الله ص و هي مريضة فضرب لي 14رسول الله ص بسهمي و أجري فكنت بمنزلة من

____________

(1) في النهاية لابن الأثير: «و في حديث أحد قال للمنهزمين: لقد ذهبتم فيها عريضة، أي واسعة» .

22

حضرو وليت‏فعفا الله عني في محكم كتابه و أمافإني خرجت إلي أهل مكة بعثني 14رسول الله ص و قال إن عثمان في طاعة الله و طاعة 14رسوله و بايع عني بإحدى يديه على الأخرى فكان شمال 14النبي خيرا من يميني فلما جاء الوليد إلى عبد الرحمن بما قال قال صدق أخي .

قال الواقدي و نظر عمر إلى عثمان بن عفان فقال هذا ممن عفا الله عنه و هم الذين تولوا يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ و الله ما عفا الله عن شي‏ء فرده قال و سأل رجل عبد الله بن عمر عن عثمان فقال أذنب‏ذنبا عظيما فعفا الله عنه و أذنب فيكم ذنبا صغيرا فقتلتموه و احتج من روى أن عمر فربما روى أنه جاءته في أيام خلافته امرأة تطلب بردا من برود كانت بين يديه و جاءت معها بنت لعمر تطلب بردا أيضا فأعطى المرأة و رد ابنته فقيل له في ذلك فقال إن أبا هذه ثبت‏و أبا هذه فرو لم يثبت .

و روى الواقدي أن عمر كان يحدث فيقول لما صاح الشيطان قتل 14محمد قلت أرقى في الجبل كأني أروية و جعل بعضهم هذا حجة في إثبات فرار عمر و عندي أنه ليس بحجة لأن

14- تمام الخبر فانتهيت إلى 14رسول الله ص و هو يقول‏ وَ مََا 14مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ‏ (1) الآية و أبو سفيان في سفح الجبل في كتيبته يرومون أن يعلوا الجبل فقال 14رسول الله ص اللهم إنه ليس لهم أن يعلونافانكشفوا.

و هذا يدل على أن رقيه في الجبل قد كان بعد إصعاد 14رسول الله ص فيه و هذا بأن يكون منقبة له أشبه .

و روى الواقدي قال حدثني ابن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم اسم أبي جهم عبيد قال كان خالد بن الوليد يحدث و هو بالشام فيقول الحمد لله

____________

(1) سورة آل عمران 144.

23

الذي هداني للإسلام لقد رأيتني و رأيت عمر بن الخطاب حين جال المسلمون و انهزمواو ما معه أحد و إني لفي كتيبة خشناء (1) فما عرفه منهم أحد غيري و خشيت إن أغريت به من معي أن يصمدوا له فنظرت إليه و هو متوجه إلى الشعب ـ قلت يجوز أن يكون هذا حقا و لا خلاف أنه توجه إلى الشعب تاركا للحرب لكن يجوز أن يكون ذلك في آخر الأمر لما يئس المسلمون من النصرة فكلهم توجه نحو الشعب حينئذ و أيضا فإن خالدا متهم في حق عمر بن الخطاب لما كان بينه و بينه من الشحناء و الشنئان فليس بمنكر من خالد أن ينعى عليه حركاته و يؤكد صحة هذا الخبر و كون خالد عف عن قتل عمر يومئذ ما هو معلوم من حال النسب بينهما من قبل الأم فإن أم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة و خالد هو ابن الوليد بن المغيرة فأم عمر ابنة عم خالد لحا و الرحم تعطف .

حضرت عند محمد بن معد العلوي الموسوي الفقيه على رأى الشيعة الإمامية رحمه الله في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان و ستمائة و قارئ يقرأ عنده

14- مغازي الواقدي فقرأ حدثنا الواقدي قال حدثني ابن أبي سبرة عن خالد بن رياح عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال سمعت محمد بن مسلمة يقول سمعت أذناي و أبصرت عيناي 14رسول الله ص يقول‏و قد انكشف الناس إلى الجبل و هو يدعوهم و هم لا يلوون عليه سمعته يقول إلي يا فلان إلي يا فلان أنا 14رسول الله فما عرج عليه واحد منهما و مضيا.

فأشار ابن معد إلي أن اسمع فقلت و ما في هذا قال هذه كناية عنهما فقلت و يجوز ألا يكون عنهما لعله عن غيرهما قال ليس في الصحابة من

____________

(1) كتيبة خشناء: كثيرة السلاح.

24

يحتشم و يستحيا من ذكره بالفرار و ما شابهه من العيب فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما قلت له هذا وهم‏ (1) فقال دعنا من جدلك و منعك ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما و أنه لو كان غيرهما لذكره صريحا و بان في وجهه التنكر من مخالفتي له .

14- روى الواقدي قال لما صاح إبليس أن 14محمدا قد قتل تفرق الناس فمنهم من ورد المدينة فكان أول من وردها يخبر أن 14محمدا قد قتل سعد بن عثمان أبو عبادة ثم ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم حتى جعل النساء يقلن أ عن 14رسول الله تفرون و يقول لهم ابن أم مكتوم أ عن 14رسول الله تفرون يؤنب بهم و قد كان 14رسول الله ص خلفه بالمدينة يصلي بالناس ثم قال دلوني على الطريق يعني طريق أحد فدلوه فجعل يستخبر كل من لقي في الطريق حتى لحق القوم فعلم بسلامة 14النبي ص ثم رجع و كان ممن ولى عمر و عثمان و الحارث بن حاطب و ثعلبة بن حاطب و سواد بن غزية و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان و خارجة بن عمر بلغ ملل (2) و أوس بن قيظى في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة (3) و لقيتهم أم أيمن تحثي‏ (4) في وجوههم التراب و تقول لبعضهم هاك المغزل فاغزل به و هلم .

و احتج من قال بفرار عمر بما

14- رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصةقال قال عمر يومئذ يا 14رسول الله أ لم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام و تأخذ مفتاح الكعبة و تعرف مع المعرفين و هدينا لم يصل إلى البيت و لا نحر فقال 14رسول الله ص أ قلت لكم في سفركم هذا قال عمر لا قال أما إنكم ستدخلونه و آخذ مفتاح الكعبة و أحلق رأسي و رءوسكم ببطن مكة و أعرف مع المعرفين ثم أقبل على عمر و قال أ نسيتم‏ إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ (1) و أنا أدعوكم في أخراكم أ نسيتم‏ إِذْ جََاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زََاغَتِ اَلْأَبْصََارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ (2) أ نسيتم يوم كذا و جعل يذكرهم أمورا أ نسيتم يوم كذا فقال المسلمون صدق الله و صدق 14رسوله أنت يا 14رسول الله أعلم بالله منا فلما دخل‏و حلق رأسه قال هذا الذي كنت وعدتكم به فلما كان‏و أخذ مفتاح الكعبة قال ادعوا إلي عمر بن الخطاب فجاء فقال هذا الذي كنت قلت لكم قالوا فلو لم يكن فرلما قال له أ نسيتم‏ إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ .

القول فيما جرى للمسلمين بعد إصعادهم في الجبل‏

14- قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال لما صاح الشيطان لعنه الله أن 14محمدا قد قتل يحزنهم بذلك تفرقوا في كل وجه و جعل الناس يمرون على 14النبي ص لا يلوي عليه أحد منهم و 14رسول الله يدعوهم في أخراهم حتى انتهت هزيمة قوم منهم إلى المهراس فتوجه 14رسول الله ص يريد أصحابه في الشعب فانتهى إلى الشعب و أصحابه في الجبل أوزاع يذكرون مقتل من قتل منهم و يذكرون ما جاءهم عن 14رسول الله ص قال كعب بن مالك فكنت أول من عرفه و عليه المغفر فجعلت أصيح و أنا في الشعب هذا 14رسول الله ص حي فجعل يومئ إلي بيده على فيه أي اسكت ثم دعا بلامتي‏ (3) فلبسها و نزع لامته .

قال الواقدي طلع 14رسول الله ص على أصحابه في الشعب بين السعدين

____________

(1) سورة آل عمران 153.

(2) سورة الأحزاب: 10.

(3) اللأمة: الدرع.

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

سعد بن عبادة و سعد بن معاذ يتكفأ في الدرع و كان إذا مشى تكفأ تكفؤا و يقال إنه كان يتوكأ على طلحة بن عبيد الله .

قال الواقدي و ما صلى يومئذ الظهر إلا جالسا للجرح الذي كان أصابه .

قال الواقدي و قد كان طلحة قال له إن بي قوة فقم لأحملك فحمله حتى انتهى إلى الصخرة التي على فم شعب الجبل فلم يزل يحمله حتى رفعه عليها ثم مضى إلى أصحابه و معه النفر الذين ثبتوا معه فلما نظر المسلمون إليهم ظنوهم قريشا فجعلوا يولون في الشعب هاربين منهم ثم جعل أبو دجانة يليح إليهم بعمامة حمراء على رأسه فعرفوه فرجعوا أو بعضهم .

14- قال الواقدي روي أنه لما طلع عليهم في النفر الذين ثبتوا معه و هم أربعة عشر سبعة من المهاجرين و سبعة من الأنصار جعلوا يولون في الجبل خائفين منهم يظنونهم المشركين جعل 14رسول الله ص يتبسم إلى أبي بكر و هو على جنبه و يقول له ألح إليهم فجعل أبو بكر يليح إليهم و هم لا يعرجون حتى نزع أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه فأوفى‏ (1) على الجبل فجعل يصيح و يليح فوقفوا حتى عرفوهم و لقد وضع أبو بردة بن نيار سهما على كبد قوسه فأراد أن يرمي به 14رسول الله ص و أصحابه فلما تكلموا و ناداهم 14رسول الله ص أمسك و فرح المسلمون برؤيته حتى كأنهم لم تصبهم في أنفسهم مصيبة و سروا لسلامته و سلامتهم من المشركين .

14- قال الواقدي ثم إن قوما من قريش صعدوا الجبل فعلوا على المسلمين و هم في الشعب قال فكان رافع بن خديج يحدث فيقول إني يومئذ إلى جنب أبي مسعود الأنصاري و هو يذكر من قتل من قومه و يسأل عنهم فيخبر برجال منهم سعد بن

____________

(1) أوفى: أشرف و علا.

27

الربيع و خارجة بن زهير و هو يسترجع‏ (1) و يترحم عليهم و بعض المسلمين يسأل بعضا عن حميمه و ذي رحمه فيهم يخبر بعضهم بعضا فبينا هم على ذلك رد الله المشركين ليذهب ذلك الحزن عنهم فإذا عدوهم فوقهم قد علوا و إذا كتائب المشركين بالجبل فنسوا ما كانوا يذكرون و ندبنا 14رسول الله ص و حضنا على القتال و الله لكأني أنظر إلى فلان و فلان في عرض الجبل يعدوان هاربين ـ قال الواقدي فكان عمر يحدث يقول لما صاح الشيطان قتل 14محمد أقبلت أرقى إلى الجبل فكأني أروية فانتهيت إلى 14النبي ص و هو يقول‏ وَ مََا 14مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ الآية و أبو سفيان في سفح الجبل فقال 14رسول الله ص يدعو ربه‏اللهم ليس لهم أن يعلوافانكشفوا .

قال الواقدي فكان أبو أسيد الساعدي يحدث فيقول لقد رأيتنا قبل أن يلقى النعاس علينا في الشعب و إنا لسلم لمن أرادنا لما بنا من الحزن فألقي علينا النعاس فنمنا حتى تناطح الحجف‏ (2) ثم فزعنا و كانا لم يصبنا قبل ذلك نكبة قال و قال الزبير بن العوام غشينا النعاس فما منا رجل إلا و ذقنه في صدره من النوم فأسمع معتب بن قشير و كان من المنافقين يقول و إني لكالحالم‏ لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا (3) فأنزل الله تعالى فيه ذلك .

14- قال و قال أبو اليسر لقد رأيتني ذلك اليوم في رجال من قومي إلى جنب 14رسول الله ص و قد أنزل الله علينا اَلنُّعََاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ما منهم رجل إلا يغط غطيطا حتى إن الحجف لتناطح و لقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده

____________

(1) استرجع: قال: إنا للّه و إنا إليه راجعون.

(2) الحجف بالتحريك: جمع حجفة؛ و هي الترس.

(3) سورة آل عمران: 154.

28

و ما يشعر به حتى أخذه بعد ما تثلم و إن المشركين لتحتنا و سقط سيف أبي طلحة أيضا و لم يصب أهل الشك و النفاق نعاس يومئذ و إنما أصاب النعاس أهل الإيمان و اليقين فكان المنافقون يتكلم كل منهم بما في نفسه و المؤمنون ناعسون.

قلت سألت ابن النجار المحدث عن هذا الموضع فقلت له من قصةتدل على أن المسلمين كانت الدولة لهم بادئ الحال ثم صارت عليهم و صاح الشيطان قتل 14محمد فانهزم أكثرهم ثم ثاب أكثر المنهزمين إلى 14النبي ص فحاربوا دونه حربا كثيرة طالت مدتها حتى صار آخر النهار ثم أصعدوا في الجبل معتصمين به و أصعد 14رسول الله ص معهم فتحاجز الفريقان حينئذ و هذا هو الذي يدل عليه تأمل قصة أحد إلا أن بعض الروايات التي ذكرها الواقدي يقتضي غير ذلك نحو روايته في هذا الباب

14- أن 14رسول الله ص لما صاح الشيطان إن 14محمدا قد قتل كان ينادي المسلمين فلا يعرجون عليه و إنما يصعدون في الجبل و إنه وجه نحو الجبل فانتهى إليهم و هم أوزاع يتذاكرون بقتل من قتل منهم .

و هذه الرواية تدل على أنه أصعد ص في الجبل من أول الحرب حيث صاح الشيطان و صياح الشيطان كان حال كون خالد بن الوليد بالجبل من وراء المسلمين لما غشيهم و هم مشتغلون بالنهب و اختلط الناس فكيف هذا فقال إن الشيطان صاح قتل 14محمد دفعتين دفعة في أول الحرب و دفعة في آخر الحرب لما تصرم النهار و غشيت الكتائب 14رسول الله ص و قد قتل ناصروه و أكلتهم الحرب فلم يبق معه إلا نفر يسير لا يبلغون عشرة و هذه كانت أصعب و أشد من الأولى و فيها اعتصم و ما اعتصم في صرخة الشيطان الأولى بالجبل بل ثبت و حامى عنه أصحابه و لقد لقي في الأولى مشقة عظيمة من ابن قميئة و عتبة بن أبي وقاص و غيرهما

29

و لكنه لم يفارق عرصة الحرب و إنما فارقها و علم أنه لم يبق له وجه مقام في صرخته الثانية .

قلت له فكان القوم مختلطين في الصرخة الثانية حتى يصرخ الشيطان قتل 14محمد قال نعم المشركون قد أحاطوا 14بالنبي ص و بمن بقي معه من أصحابه فاختلط المسلمون بهم و صاروا مغمورين بينهم لقلتهم بالنسبة إليهم و ظن قوم من المشركين أنهم قد قتلوا 14النبي ص لأنهم فقدوا وجهه و صورته فنادى الشيطان قتل 14محمد و لم يكن قتل ص و لكن اشتبهت صورته عليهم و ظنوه غيره و أكثر من حامى عنه في تلك الحال 1علي ع و أبو دجانة و سهل بن حنيف و حامى هو عن نفسه و جرح قوما بيده تارة بالسهام و تارة بالسيف و لكن لم يعلموا بأعيانهم لاختلاط القوم و ثوران النقع‏ (1) و كانت قريش تظنه واحدا من المسلمين و لو عرفوه بعينه في تلك الثورة لكان الأمر صعبا جدا و لكن الله تعالى عصمه منهم بأن أزاغ أبصارهم عنه فلم يزل هؤلاء الثلاثة يجالدون دونه و هو يقرب من الجبل حتى صار في أعلى الجبل أصعد من فم الشعب إلى تدريج هناك في الجبل و رقي في ذلك التدريج صاعدا حتى صار في أعلى الجبل و تبعه النفر الثلاثة فلحقوا به .

قلت له فما بال القوم الذين صعدوا الجبل من المشركين و كيف كان إصعادهم و عودهم .

قال أصعدوا لحرب المسلمين لا لطلب 14رسول الله ص لأنهم ظنوا أنه قد قتل و هذا هو كان السبب في عودهم من الجبل لأنهم قالوا قد بلغنا الغرض

____________

(1) النقع: غبار الحرب.

30

الأصلي و قتلنا 14محمدا فما لنا و التصميم على الأوس و الخزرج و غيرهم من أصحابه مع ما في ذلك من عظم الخطر بالأنفس قلت له فإذا كان هذا قد خطر لهم فلما ذا صعدوا في الجبل .

قال يخطر لك خاطر و يدعوك داع إلى بعض الحركات فإذا شرعت فيها خطر لك خاطر آخر يصرفك عنها فترجع و لا تتمها قلت نعم فما بالهم لم يقصدوا قصد المدينة و ينهبوها .

قال كان فيها عبد الله بن أبي في ثلاثمائة مقاتل و فيها خلق كثير من الأوس و الخزرج لم يحضروا الحرب و هم مسلمون و طوائف أخر من المنافقين لم يخرجوا و طوائف أخرى من اليهود أولو بأس و قوة و لهم بالمدينة عيال و أهل و نساء و كل هؤلاء كانوا يحامون عن المدينة و لم تكن قريش تأمن مع ذلك أن يأتيها 14رسول الله ص من ورائها بمن يجامعه من أصحابه فيحصلوا بين الأعداء من خلفهم و من أمامهم فكان الرأي الأصوب لهم العدول عن المدينة و ترك قصدها .

قال الواقدي حدثني الضحاك بن عثمان عن حمزة بن سعيد قال لما تحاجزوا و أراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير على فرس له حوراء (1) فوقف على أصحاب 14النبي ص و هم في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته أعل هبل ثم صاح أين 14ابن أبي كبشة يوم‏ألا إن الأيام دول .

14- و في رواية أنه نادى أبا بكر و عمر أيضا فقال أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ثم قال الحرب سجال حنظلة بحنظلة يعنى حنظلة بن أبي عامر بحنظلة بن

____________

(1) حوراء: واسعة العينين.

31

أبي سفيان فقال عمر بن الخطاب يا 14رسول الله أجيبه قال نعم فأجبه فلما قال أعل هبل قال عمر الله أعلى و أجل .

14- و يروى أن 14رسول الله ص قال لعمر قل له الله أعلى و أجل فقال أبو سفيان إن لنا العزى و لا عزى لكم فقال عمر أو قال 14رسول الله ص قل له الله مولانا و لا مولى لكم فقال أبو سفيان إنها قد أنعمت فقال عنها يا ابن الخطاب فقال سعيد بن أبي سفيان ألا إن الأيام دول و إن الحرب سجال فقال عمر و لا سواء (1) قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار فقال أبو سفيان إنكم لتقولون ذلك لقد جبنا إذا و خسرنا ثم قال يا ابن الخطاب قم إلي أكلمك فقام إليه فقال أنشدك بدينك هل قتلنا 14محمدا قال اللهم لا و إنه ليسمع كلامك الآن قال أنت عندي أصدق من ابن قميئة ثم صاح أبو سفيان و رفع صوته إنكم واجدون في قتلاكم عنتا و مثلا إلا أن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا ثم أدركته حمية الجاهلية فقال و أما إذ كان ذلك فلم نكرهه ثم نادى ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول فوقف عمر وقفة ينتظر ما يقول 14رسول الله ص فقال له قل نعم فانصرف أبو سفيان إلى أصحابه و أخذوا في الرحيل فأشفق 14رسول الله ص و المسلمون من أن يغيروا على المدينة فيهلك الذراري و النساء فقال 14رسول الله ص لسعد بن أبي وقاص اذهب فأتنا بخبر القوم فإنهم إن ركبوا الإبل و جنبوا الخيل فهو الظعن إلى مكة و إن ركبوا الخيل و جنبوا (2) الإبل فهو الغارة على المدينة و الذي نفسي بيده إن ساروا إليها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم قال سعد فتوجهت أسعى و أرصدت نفسي إن أفرعني شي‏ء رجعت إلى 14النبي ص و أنا أسعى فبدأت بالسعي حين ابتدأت فخرجت في آثارهم

____________

(1) و لا سواء: يعنى لا يستوى هذا و ذاك.

(2) جنوا الخل، أي ساقوها إلى جانبهم .

غ

32

حتى إذا كانوا بالعقيق (1) و أنا بحيث أراهم و أتأملهم ركبوا الإبل و جنبوا الخيل فقلت إنه الظعن إلى بلادهم ثم وقفوا وقفة بالعقيق و تشاوروا في دخول المدينة فقال لهم صفوان بن أمية قد أصبتم القوم فانصرفوا و لا تدخلوا عليهم و أنتم كالون و لكم الظفر فإنكم لا تدرون ما يغشاكم فقد وليتم‏لا و الله ما تبعوكم و كان الظفر لهم فيقال إن 14رسول الله ص قال نهاهم صفوان فلما رآهم سعد على تلك الحال منطلقين و قد دخلوا في المكمن رجع إلى 14رسول الله ص و هو كالمنكسر فقال وجه القوم يا 14رسول الله إلى مكة امتطوا الإبل و جنبوا الخيل فقال ما تقول قلت ما قلت يا 14رسول الله فخلا بي فقال أ حقا ما تقول قلت نعم يا 14رسول الله قال فما بالي رأيتك منكسرا فقلت كرهت أن آتي المسلمين فرحا بقفولهم إلى بلادهم فقال ص إن سعدا لمجرب .

14- قال الواقدي و قد روي خلاف هذا روي أن سعدا لما رجع رفع صوته بأن جنبوا الخيل و امتطوا الإبل فجعل 14رسول الله ص يشير إلى سعد خفض صوتك فإن الحرب خدعة فلا ترى الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم فإنما ردهم الله تعالى .

14- قال الواقدي و حدثني ابن أبي سبرة عن يحيى بن شبل عن أبي جعفر قال قال 14رسول الله ص لسعد بن أبي وقاص إن رأيت القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما بيني و بينك و لا تفت في أعضاد المسلمين فذهب فرآهم قد امتطوا الإبل فرجع فما ملك أن جعل يصيح سرورا بانصرافهم.

قال الواقدي و قيل لعمرو بن العاص كيف كان افتراق المسلمين و المشركين‏فقال ما تريدون إلى ذلك قد جاء الله بالإسلام و نفي الكفر و أهله ثم قال لما كررنا عليهم أصبنا من أصبنا منهم و تفرقوا في كل وجه و فاءت لهم فئة بعد فتشاورت قريش فقالوا لنا الغلبة فلو انصرفنا فإنه بلغنا أن ابن أبي انصرف بثلث الناس و قد تخلف الناس من الأوس و الخزرج و لا نأمن أن يكروا علينا و فينا جراح و خيلنا عامتها قد عقرت من النبل فمضينا فما بلغنا الروحاء (1) حتى قام علينا عدة منها و انصرفنا إلى مكة .

14- قال الواقدي حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عائشة قال سمعت أبا بكر يقول لما كان‏و رمي 14رسول الله ص في وجهه حتى دخلت في وجهه حلقتان من المغفر أقبلت أسعى إلى 14رسول الله ص و إنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا فقلت‏اللهم اجعله طلحة بن عبيد الله حتى توافينا إلى 14رسول الله ص فإذا أبو عبيدة بن الجراح فبدرني فقال أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فأنتزعه من وجه 14رسول الله ص قال أبو بكر فتركته و قال 14رسول الله ص عليكم صاحبكم يعني طلحة فأخذ أبو عبيدة بثنيته حلقة المغفر فنزعها و سقط على ظهره و سقطت ثنية أبي عبيدة ثم أخذ الحلقة بثنيته الأخرى فكان أبو عبيدة في الناس أثرم‏ (2) و يقال إن الذي نزع الحلقتين من وجه 14رسول الله ص عقبة بن وهب بن كلدة و يقال أبو اليسر .

قال الواقدي و أثبت ذلك عندنا عقبة بن وهب بن كلدة .

14- قال الواقدي و كان أبو سعيد الخدري يحدث أن 14رسول الله ص

____________

(1) الروحاء: موضع على أربعين ميلا من المدينة.

(2) الأثرم: الذي لا أسنان له.

33

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

34

أصيب وجهه‏فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه فلما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن‏ (1) فجعل مالك بن سنان يمج الدم بفيه ثم ازدرده فقال 14رسول الله ص من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه بدمي فلينظر إلى مالك بن سنان فقيل لمالك تشرب الدم فقال نعم أشرب دم 14رسول الله ص فقال 14رسول الله ص من مس دمه دمي لم تصبه النار .

14,15,1- قال الواقدي و قال أبو سعيد كنا ممن رد من الشيخين (2) لم نجئ مع المقاتلة فلما كان من النهار بلغنا مصاب 14رسول الله ص و تفرق الناس عنه جئت مع غلمان بني خدرة نعرض 14لرسول الله ص ننظر إلى سلامته فنرجع بذلك إلى أهلنا فلقينا الناس متفرقين ببطن قناة فلم يكن لنا همة إلا 14النبي ص ننظر إليه فلما رآني قال سعد بن مالك قلت نعم بأبي أنت و أمي و دنوت منه فقبلت ركبته و هو على فرسه فقال آجرك الله في أبيك ثم نظرت إلى وجهه فإذا في وجنتيه مثل موضع الدرهم في كل وجنة و إذا شجة في جبهته عند أصول الشعر و إذا شفته السفلى تدمى و إذا في رباعيته اليمنى شظية و إذا على جرحه شي‏ء أسود فسألت ما هذا على وجهه فقالوا حصير محرق و سألت من أدمى وجنتيه فقيل ابن قميئة فقلت فمن شجه في وجهه فقيل ابن شهاب فقلت من أصاب شفتيه قيل عتبة بن أبي وقاص فجعلت أعدو بين يديه حتى نزل ببابه ما نزل إلا محمولا و أرى ركبتيه مجحوشتين‏ (3) يتكئ [على‏] (4) السعدين سعد بن معاذ و سعد بن عبادة حتى دخل بيته فلما غربت الشمس و أذن بلال بالصلاة خرج على تلك الحال

____________

(1) الشن: القربة الخلق.

(2) الشيخان: موضع بالمدينة؛ كان به معسكر رسول اللّه صلى عليه و سلم بأحد، و هما أطمان سميا به.

(3) يقال: جحش الجلد: سحجه؛ و هو كالخدش أو فوقه.

(4) من ا.

35

يتوكأ على السعدين سعد بن عبادة و سعد بن معاذ ثم انصرف إلى بيته و الناس في المسجد يوقدون النيران يتمكدون بها من الجراح ثم أذن بلال بالعشاء حين غاب الشفق فلم يخرج 14رسول الله ص فجلس بلال عند بابه ص حتى ذهب ثلث الليل ثم ناداه الصلاة يا 14رسول الله فخرج و قد كان نائما قال فرمقته فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل بيته فصليت معه العشاء ثم رجع إلى بيته قد صفف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه يمشي وحده حتى دخل و رجعت إلى أهلي فخبرتهم بسلامته فحمدوا الله و ناموا و كانت وجوه الأوس و الخزرج في المسجد على 14النبي ص يحرسونه فرقا من قريش أن تكر .

قال الواقدي و خرجت 15فاطمة ع في نساء و قد رأت الذي بوجه أبيها ص فاعتنقته و جعلت تمسح الدم عن وجهه و 14رسول الله ص يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه 14رسوله و ذهب 1علي ع فأتى بماء من المهراس و قال 15لفاطمة أمسكي هذا السيف غير ذميم فنظر إليه 14رسول الله ص مختضبا بالدم فقال لئن كنت أحسنت القتال اليوم فلقد أحسن عاصم بن ثابت و الحارث بن الصمة و سهل بن حنيف و سيف أبي دجانة غير مذموم .

هكذا روى الواقدي .

و

14,1,15- روى محمد بن إسحاق أن 1عليا ع قال 15لفاطمة بيتي شعر و هما

أ 15فاطم هاء السيف غير ذميم # فلست برعد يد و لا بلئيم

لعمري لقد جاهدت في نصر 14أحمد # و طاعة رب بالعباد رحيم‏

فقال 14رسول الله ص لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سماك بن خرشة و سهل بن حنيف .

36

14,1,15- قال الواقدي فلما أحضر 1علي ع الماء أراد 14رسول الله ص أن يشرب منه فلم يستطع و قد كان عطشا و وجد ريحا من الماء كرهها فقال هذا ماء آجن فتمضمض منه للدم الذي كان بفيه ثم مجه و غسلت 15فاطمة به الدم عن أبيها ص فخرج محمد بن مسلمة يطب مع النساء و كن أربع عشرة امرأة قد جئن من المدينة يتلقين الناس منهن 15فاطمة ع يحملن الطعام و الشراب على ظهورهن و يسقين الجرحى و يداوينهم .

14- قال الواقدي قال كعب بن مالك رأيت عائشة و أم سليم على ظهورهما القرب تحملانهاو كانت حمنة بنت جحش تسقي العطشى و تداوي الجرحى فلم يجد محمد بن مسلمة عندهن ماء و 14رسول الله ص قد اشتد عطشه فذهب محمد بن مسلمة إلى قناة و معه سقاؤه حتى استقى من حسى قناة عند قصور التميميين اليوم فجاء بماء عذب فشرب منه 14رسول الله ص و دعا له بخير و جعل الدم لا ينقطع من وجهه ع و هو يقول لن ينالوا منا مثلها حتى نستلم الركن فلما رأت 15فاطمة الدم لا يرقأ و هي تغسل جراحه و 1علي يصب الماء عليها بالمجن أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم و يقال إنها داوته بصوفة محرقة و كان 14رسول الله ص بعد يداوي الجراح الذي في وجهه بعظم بال حتى ذهب أثره و لقد مكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو أكثر من شهر و يداوي الأثر الذي في وجهه بعظم .

14- قال الواقدي و قال 14رسول الله ص قبل أن ينصرف إلى المدينة من يأتينا بخبر سعد بن الربيع فإني رأيته و أشار بيده إلى ناحية من الوادي قد شرع فيه اثنا عشر سنانا فخرج محمد بن مسلمة و يقال أبي بن كعب نحو تلك الناحية قال فأنا وسط القتلى لتعرفهم إذ مررت به صريعا في الوادي فناديته فلم يجب ثم قلت إن 14رسول الله ص أرسلني إليك قال فتنفس كما يتنفس الطير ثم قال ـ

37

و إن 14رسول الله ص لحي قلت نعم و قد أخبرنا أنه شرع لك اثنا عشر سنانا فقال طعنت اثنتي عشرة طعنة كلها أجافتني أبلغ قومك الأنصار السلام و قل لهم الله الله و ما عاهدتم عليه 14رسول الله ص و الله ما لكم عذر عند الله إن خلص إلى 14نبيكم و منكم عين تطرف فلم أرم‏ (1) من عنده حتى مات فرجعت إلى 14النبي ص فأخبرته فرأيته استقبل القبلة رافعا يديه يقول‏اللهم الق سعد بن الربيع و أنت عنه راض .

14- قال الواقدي و خرجت السمداء بنت قيس إحدى نساء بني دينار و قد أصيب ابناها مع 14النبي ص النعمان بن عبد عمر و سليم بن الحارث فلما نعيا لها قالت فما فعل 14رسول الله ص قالوا بخير هو بحمد الله صالح على ما تحبين فقالت أرونيه أنظر إليه فأشاروا لها إليه فقالت كل مصيبة بعدك يا 14رسول الله جلل‏ (2) و خرجت تسوق بابنيها بعيرا [تردهما إلى المدينة ] (3) فلقيتها عائشة فقالت ما وراءك فأخبرتها (4) قالت فمن هؤلاء معك قالت ابناي حل حل‏ (5) تحملهما إلى القبر .

14- قال الواقدي و كان حمزة بن عبد المطلب أول من جي‏ء به إلى 14النبي ص بعد انصراف قريش أو كان من أولهم فصلى عليه 14رسول الله ص ثم قال رأيت الملائكة تغسله قالوا لأن حمزة كان جنبا ذلك اليوم و لم يغسل 14رسول الله ص الشهداء يومئذ و قال لفوهم بدمائهم و جراحهم فإنه ليس أحد يجرح في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة لون جرحه لون الدم و ريحه ريح المسك ثم

____________

(1) لم أرم: لم أبرح.

(2) جلل، أي هينة.

(3) من الواقدى.

(4) في الواقدى: قالت: أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فبخير لم يمت، و اتخذ اللّه من المؤمنين شهداء:

وَ رَدَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنََالُوا خَيْراً وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ .

(5) حل: زجر للبعير.

38

قال ضعوهم فأنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة و كان حمزة أول من كبر عليه أربعا ثم جمع إليه الشهداء فكان كلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه و على الشهيد حتى صلى عليه سبعين مرة لأن الشهداء سبعون .

14- قال الواقدي و يقال كان يؤتى بتسعة و حمزة عاشرهم فيصلي عليهم و ترفع التسعة و يترك حمزة مكانه و يؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي عليه و عليهم حتى فعل ذلك سبع مرات و يقال إنه كبر عليه خمسا و سبعا و تسعا .

14- قال الواقدي و قد اختلفت الرواية في هذا و كان طلحة بن عبيد الله و ابن عباس و جابر بن عبد الله يقولون صلى 14رسول الله ص على قتلى‏و قال أنا شهيد على هؤلاء فقال أبو بكر أ لسنا إخوانهم أسلمنا كما أسلموا و جاهدنا كما جاهدوا قال بلى و لكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئا و لا أدري ما تحدثون بعدي فبكى أبو بكر و قال إنا لكائنون بعدك .

14- و قال أنس بن مالك و سعيد بن المسيب لم يصل 14رسول الله ص على قتلى .

14- قال الواقدي و قال لأهل القتلى احفروا و أوسعوا و أحسنوا و ادفنوا الاثنين و الثلاثة في القبر و قدموا أكثرهم قرآنا و أمر بحمزة أن تمد بردته عليه و هو في القبر و كانت قصيرة فكانوا إذا خمروا بها رأسه بدت رجلاه و إذا خمروا بها رجليه انكشف وجهه فبكى المسلمون يومئذ فقالوا يا 14رسول الله عم 14رسول الله يقتل فلا يوجد له ثوب فقال بلى إنكم بأرض جردية (1) ذات أحجار و ستفتح يعني الأرياف و الأمصار فيخرج الناس إليها ثم يبعثون إلى أهليهم و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون

____________

(1) جردية؛ قال الواقدى: التي ليس بها شي‏ء من الأشجار.

39

و الذي نفسي بيده لا تصبر نفس على لأوائها و شدتها إلا كنت لها شفيعا أو قال شهيدا يوم القيامة .

قال الواقدي و أتى عبد الرحمن بن عوف في خلافة عثمان بثياب و طعام فقال و لكن حمزة لم يوجد له كفن و مصعب بن عمير لم يوجد له كفن و كانا خيرا مني .

14,1- قال الواقدي و مر 14رسول الله ص بمصعب بن عمير و هو مقتول مسجى ببردة خلق فقال لقد رأيتك بمكة و ما بها أحد أرق حلة و لا أحسن لمة منك ثم أنت اليوم أشعث الرأس في هذه البردة ثم أمر به فقبر و نزل في قبره أخوه أبو الروم و عامر بن ربيعة و سويبطة بن عمرو بن حرملة و نزل في قبر حمزة 1علي ع و الزبير و أبو بكر و عمر و 14رسول الله ص جالس على حفرته .

14- قال الواقدي ثم إن الناس أو عامتهم حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفن بالبقيع منهم عدة عند دار زيد بن ثابت و دفن بعضهم ببني سلمة فنادى منادي 14رسول الله ص ردوا القتلى إلى مضاجعهم و كان الناس قد دفنوا قتلاهم فلم يرد أحد أحدا منهم إلا رجلا واحدا أدركه المنادي و لم يدفن و هو شماس بن عثمان المخزومي كان قد حمل إلى المدينة و به رمق فأدخل على عائشة فقالت أم سلمة ابن عمي يدخل إلى غيري فقال 14رسول الله ص احملوه إلى أم سلمة فحملوه إليها فمات عندها فأمر 14رسول الله ص أن يرد إلى أحد فيدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها و كان قد مكث يوما و ليلة و لم يذق شيئا فلم يصل عليه 14رسول الله ص و لا غسله .

قال الواقدي فأما القبور المجتمعة هناك فكثير من الناس يظنها قبور قتلى‏و كان طلحة بن عبيد الله و عباد بن تميم المازني يقولان هي قبور قوم من الأعراب كانوا

40

في عهد عمر هناك فماتوا فتلك قبورهم و كان ابن أبي ذئب و عبد العزيز بن محمد يقولان لا نعرف تلك القبور المجتمعة إنما هي قبور ناس من أهل البادية قالوا إنا نعرف قبر حمزة و قبر عبد الله بن حزام و قبر سهل بن قيس و لا نعرف غير ذلك .

14,15- قال الواقدي و كان 14رسول الله ص يزور قتلى‏في كل حول و إذا لقوه بالشعب رفع صوته يقول السلام‏ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ و كان أبو بكر يفعل مثل ذلك و كذلك عمر بن الخطاب ثم عثمان ثم معاوية حين يمر حاجا و معتمرا .

قال و كانت 15فاطمة بنت رسول الله ص تأتيهم بين اليومين و الثلاثة فتبكي عندهم و تدعو .

و كان سعد بن أبي وقاص يذهب إلى ما له بالغابة فيأتي من خلف قبور الشهداء فيقول السلام عليكم ثلاثا و يقول لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه السلام إلى يوم القيامة

14- قال و مر 14رسول الله ص على قبر مصعب بن عمير فوقف عليه و دعا و قرأ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (1) ثم قال إن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم فزوروهم و سلموا عليهم و الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه .

و كان أبو سعيد الخدري يقف على قبر حمزة فيدعو و يقرأ و يقول مثل ذلك و كانت أم سلمة رحمها الله تذهب فتسلم عليهم في كل شهر فتظل يومها فجاءت يوما و معها غلامها أنبهان فلم يسلم فقالت أي لكع أ لا تسلم عليهم و الله لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة .

قال و كان أبو هريرة و عبد الله بن عمر يذهبان فيسلمان عليهم قالت فاطمة

____________

(1) سورة الأحزاب 23.

41

الخزاعية سلمت على قبر حمزة يوما و معي أخت لي فسمعنا من القبر قائلا يقول و عليكما السلام و رحمه الله قالت و لم يكن قربنا أحد من الناس ـ

14- قال الواقدي فلما فرغ 14رسول الله ص من دفنهم دعا بفرسه فركبه و خرج المسلمون حوله عامتهم جرحى و لا مثل بني سلمة و بني عبد الأشهل فلما كانوا بأصل الحرة قال اصطفوا فاصطفت الرجال صفين و خلفهم النساء و عدتهن أربع عشرة امرأة فرفع يديه فدعا فقال‏اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت و لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا هادي لمن أضللت و لا مضل لمن هديت و لا مقرب لما باعدت و لا مباعد لما قربت اللهم إني أسألك من بركتك و رحمتك و فضلك و عافيتك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول و لا يزول اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف و الغناء يوم الفاقة عائذا بك اللهم من شر ما أعطيت و من شر ما منعت اللهم توفنا مسلمين اللهم حبب إلينا الإيمان و زينه في قلوبنا و كره إلينا اَلْكُفْرَ وَ اَلْفُسُوقَ وَ اَلْعِصْيََانَ و اجعلنا من الراشدين اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك و يصدون عن سبيلك اللهم أنزل عليهم رجسك و عذابك إله الحق آمين.

قال الواقدي و أقبل حتى نزل ببني حارثة يمينا حتى طلع على بني عبد الأشهل و هم يبكون على قتلاهم فقال لكن حمزة لا بواكي له فخرج النساء ينظرن إلى سلامة 14رسول الله ص فخرجت إليه أم عامر الأشهلية و تركت النوح فنظرت إليه و عليه الدرع كما هي فقالت كل مصيبة بعدك جلل و خرجت كبشة بنت عتبة بن معاوية بن بلحارث بن الخزرج تعدو نحو 14رسول الله ص و هو واقف على فرسه و سعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه فقال سعد يا 14رسول الله أمي فقال مرحبا بها فدنت حتى تأملته و قالت إذ رأيتك سالما فقد شفت‏ (1) المصيبة فعزاها بعمرو

____________

(1) شفت المصيبة؛ أى هانت.

42

بن معاذ ثم قال يا أم سعد أبشري و بشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا و هم اثنا عشر رجلا و قد شفعوا في أهليهم فقالت رضينا يا 14رسول الله و من يبكي عليهم بعد هذا ثم قالت يا 14رسول الله ادع لمن خلفوا فقال‏اللهم أذهب حزن قلوبهم و آجر مصيبتهم و أحسن الخلف على من خلفواثم قال لسعد بن معاذ حل أبا عمرو الدابة فحل الفرس و تبعه الناس فقال يا أبا عمرو إن الجراح في أهل دارك فاشية و ليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان اللون لون دم و الريح ريح مسك فمن كان مجروحا فليقر في داره و ليداو جرحه و لا تبلغ معي بيتي عزمة مني فنادى فيهم سعد عزمة من 14رسول الله ص ألا يتبعه جريح من بني عبد الأشهل فتخلف كل مجروح و باتوا يوقدون النيران و يداوون الجراح و إن فيهم لثلاثين جريحا و مضى سعد بن معاذ مع 14رسول الله ص إلى بيته ثم رجع إلى نسائه فساقهن فلم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت 14رسول الله ص فبكين بين المغرب و العشاء و قام 14رسول الله ص حين فرغ من النوم لثلث الليل فسمع البكاء فقال ما هذا قيل نساء الأنصار يبكين على حمزة فقال رضي الله تعالى عنكن و عن أولادكن و أمر النساء أن يرجعن إلى منازلهن قالت أم سعد بن معاذ فرجعنا إلى بيوتنا بعد ليل و معنا رجالنا فما بكت منا امرأة قط إلا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا و يقال إن معاذ بن جبل جاء بنساء بني سلمة و جاء عبد الله بن رواحة بنساء بلحارث بن الخزرج فقال 14رسول الله ص ما أردت هذا و نهاهن الغد عن النوح أشد النهي .

قال الواقدي و جعل ابن أبي و المنافقون معه يشمتون و يسرون بما أصاب المسلمين و يظهرون أقبح القول و رجع عبد الله بن أبي إلى ابنه و هو جريح فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب عامة الليل و أبوه يقول ما كان خروجك مع 14محمد إلى هذا

43

الوجه برأيي عصاني 14محمد و أطاع الولدان و الله لكأني كنت أنظر إلى هذا فقال ابنه الذي صنع الله 14لرسوله و للمسلمين خير إن شاء الله قال و أظهرت اليهود القول السيئ و قالوا ما 14محمد إلا طالب ملك ما أصيب هكذا نبي قط في بدنه و أصيب في أصحابه و جعل المنافقون يخذلون‏ (1) عن 14رسول الله ص و أصحابه و يأمرونهم بالتفرق عنه و قالوا لأصحاب 14النبي ص لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل حتى سمع عمر بن الخطاب ذلك في أماكن فمشى إلى 14رسول الله ص يستأذنه في قتل من سمع ذلك منهم من اليهود و المنافقين فقال له يا عمر إن الله مظهر دينه و معز 14نبيه و لليهود ذمة فلا أقتلهم قال فهؤلاء المنافقون يا 14رسول الله يقولون فقال أ ليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله و أني 14رسول الله قال بلى و إنما يفعلون تعوذا من السيف و قد بان لنا أمرهم و أبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة فقال إني نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله 14محمد رسول الله يا ابن الخطاب إن قريشا لن ينالوا ما نالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن (2) .

و

14- روى ابن عباس أن 14النبي ص قال إخوانكم لما أصيبواجعلت أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مطعمهم و مشربهم و رأوا حسن منقلبهم قالوا ليت إخواننا يعلمون بما أكرمنا الله و بما نحن فيه لئلا يزهدوا في الجهاد و يكلوا عند الحرب فقال لهم الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل‏ وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (3) .

____________

(1) يخذلون عنه: يمنعون من نصرته.

(2) استلم الركن: قبله أو لمسه بيده.

(3) سورة آل عمران 169.

44

القول فيما جرى للمشركين بعد انصرافهم إلى مكة
قال الواقدي حدثني موسى بن شيبة عن قطن بن وهيب الليثي قال لما تحاجز الفريقان و وجه قريش إلى مكة و امتطوا الإبل و جنبوا الخيل سار وحشي عبد جبير بن مطعم على راحلته أربعا فقدم مكة يبشر قريشا بمصاب المسلمين فانتهى إلى الثنية التي تطلع على الحجون فنادى بأعلى صوته يا معشر قريش مرارا حتى ثاب الناس إليه و هم خائفون أن يأتيهم بما يكرهون فلما رضي منهم قال أبشروا فقد قتلنا من أصحاب 14محمد مقتلة لم نقتل مثلها في زحف قط و جرحنا 14محمدا فأثبتناه بالجراح و قتلنا رأس الكتيبة حمزة بن عبد المطلب فتفرق الناس عنه في كل وجه بالشماتة بقتل أصحاب 14النبي ص و إظهار السرور و خلا جبير بن مطعم بوحشي فقال أنظر ما تقول قال وحشي قد و الله صدقت قال قتلت حمزة قال إي و الله و لقد زرقته بالمزراق‏ (1) في بطنه فخرج من بين فخذيه ثم نودي فلم يجب فأخذت كبده و حملتها إليك لتراها فقال أذهبت حزن نسائنا و بردت حر قلوبنا فأمر يومئذ نساءه بمراجعة الطيب و الدهن .

قال الواقدي و قد كان عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي لما انكشف المشركون بأحد في أول الأمر خرج هاربا على وجهه و كره أن يقدم مكة فقدم الطائف فأخبر ثقيفا أن أصحاب 14محمد قد ظفروا و انهزمنا و كنت أول من قدم عليكم ثم جاءهم الخبر بعد أن قريشا ظفرت و عادت الدولة لها .

قال الواقدي فسارت قريش قافلة إلى مكة فدخلتها ظافرة فكان ما دخل على قلوبهم من السرور يومئذ نظير ما دخل عليهم من الكئابة و الحزن‏و كان ما دخل

____________

(1) المزراق: الرمح القصير، و زرقه، أي رماه.

45

على قلوب المسلمين من الغيظ و الحزن يومئذ نظير ما دخل عليهم من السرور و الجذل‏كما قال الله تعالى‏ وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ‏ (1) و قال سبحانه‏ أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا قُلْتُمْ أَنََّى هََذََا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‏ (2) قال يعني إنكم‏قتلتم من قريش سبعين و أسرتم سبعين و أمافقتل منكم سبعون و لم يؤسر منكم أحد فقد أصبتم قريشا بمثلي ما أصابوكم‏و قوله‏ أَنََّى هََذََا أي كيف هذا و نحن موعودون بالنصر و نزول الملائكة و فينا نبي ينزل عليه الوحي من السماء فقال لهم في الجواب‏ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ يعني الرماة الذين خالفوا الأمر و عصوا 14الرسول و إنما كان النصر و نزول الملائكة مشروطا بالطاعة و إلا يعصى أمر 14الرسول أ لا ترى إلى قوله‏ بَلى‏ََ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏ (3) فعلقه على الشرط

القول في مقتل أبي عزة الجمحي و معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس

14- قال الواقدي أما أبو عزة و اسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح فإن 14رسول الله ص أخذه أسيراو لم يؤخذأسير غيره فقال يا 14محمد من علي فقال 14رسول الله ص إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك فتقول سخرت 14بمحمد مرتين ثم أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه .

____________

(1) سورة آل عمران 140.

(2) سورة آل عمران 165.

(3) سورة آل عمران 125.

46

14- قال الواقدي و قد سمعنا في أسره غير هذا حدثني بكير بن مسمار قال لما انصرف المشركون عن أحد نزلوا بحمراء الأسد في أول الليل ساعة ثم رحلوا و تركوا أبا عزة مكانه حتى ارتفع النهار فلحقه المسلمون و هو مستنبه يتلدد و كان الذي أخذه عاصم بن ثابت فأمره 14النبي ص فضرب عنقه .

قلت و هذه الرواية هي الصحيحة عندي لأن المسلمين لم تكن حالهم‏حال من يتهيأ له أسر أحد من المشركين في المعركة لما أصابهم من الوهن .

فأما معاوية بن المغيرة

14- فروى البلاذري أنه هو الذي جدع أنف حمزة و مثل به و أنه انهزم‏فمضى على وجهه فبات قريبا من المدينة فلما أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبي العاص و هو ابن عمه لحا فضرب بابه فقالت أم كلثوم زوجته و هي ابنة 14رسول الله ص ليس هو هاهنا فقال ابعثي إليه فإن له عندي ثمن بعير ابتعته منه عام أول و قد جئته به فإن لم يجئ ذهبت فأرسلت إليه و هو عند 14رسول الله ص فلما جاء قال لمعاوية أهلكتني و أهلكت‏ (1) نفسك ما جاء بك قال يا ابن عم لم يكن أحد أقرب إلي و لا أمس رحما بي منك فجئتك لتجيرني فادخله عثمان داره و صيره في ناحية منها ثم خرج إلى 14النبي ص ليأخذ له منه أمانا فسمع 14رسول الله ص يقول إن معاوية في المدينة و قد أصبح بها فاطلبوه فقال بعضهم ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه به فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الذي صيره فيه فاستخرجوه من تحت خمارة لهم فانطلقوا به إلى 14النبي ص فقال عثمان حين رآه و الذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان فهبه لي فوهبه له و أجله ثلاثا

____________

(1) البلاذري: «أهلكتنى و نفسك» .

47

و أقسم لئن وجده بعدها يمشي في أرض المدينة و ما حولها ليقتلنه و خرج عثمان فجهزه و اشترى له بعيرا ثم قال ارتحل و سار 14رسول الله ص إلى حمراء الأسد و أقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار 14النبي ص و يأتي بها قريشا فلما كان في اليوم الرابع قال 14رسول الله ص إن معاوية أصبح قريبا لم ينفذ فاطلبوه فأصابوه و قد أخطأ الطريق فأدركوه و كان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة و عمار بن ياسر فوجداه بالجماء (1) فضربه زيد بالسيف و قال عمار إن لي فيه حقا فرمياه بسهم فقتلاه ثم انصرفا إلى المدينة بخبره و يقال إنه أدرك على ثمانية أميال من المدينة فلم يزل زيد و عمار يرميانه بالنبل حتى مات .

قال و معاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان .

قال و ذكر الواقدي في كتابه مثل هذه الرواية سواء .

قال البلاذري و قال ابن الكلبي إن معاوية بن المغيرة جدع أنف حمزة و هو قتيل فأخذ بقرب أحد فقتل على أحد بعد انصراف قريش بثلاث و لا عقب له إلا عائشة أم عبد الملك بن مروان قال و يقال إن 1عليا ع هو الذي قتل معاوية بن المغيرة (2) .

قلت و رواية ابن الكلبي عندي أصح لأن هزيمة المشركين كانت في الصدمة الأولى عقيب قتل بني عبد الدار أصحاب الألوية و كان قتل حمزة بعد ذلك لما كر خالد بن الوليد الخيل من وراء المسلمين فاختلطوا و انتقض صفهم و قتل بعضهم بعضا فكيف يصح إن يجتمع لمعاوية كونه قد جدع أنف حمزة و كونه قد انهزم مع المشركين في الصدمة الأولى هذا متناقض لأنه إذا كان قد انهزم في أول الحرب استحال أن يكون

____________

(1) الجماء؛ تطلق على ثلاثة مواضع بالمدينة.

(2) أنساب الأشراف 1: 337، 338 مع تصرف و اختصار.

48

حاضرا عند حمزة حين قتل و الصحيح ما ذكره ابن الكلبي من أنه شهد الحرب كلها و جدع أنف حمزة ثم حصل في أيدي المسلمين بعد انصراف قريش لأنه تأخر عنهم لعارض عرض له فأدركه حينه فقتل‏

القول في مقتل المجذر بن زياد البلوي و الحارث بن يزيد بن الصامت

14- قال الواقدي كان المجذر بن زياد البلوي حليف بني عوف بن الخزرج ممن شهدمع 14رسول الله ص و كانت له قصة في الجاهلية قبل قدوم 14النبي ص المدينة و ذلك أن حضير الكتائب والد أسيد بن حضير جاء إلى بني عمرو بن عوف فكلم سويد بن الصامت و خوات بن جبير و أبا لبابة بن عبد المنذر و يقال سهل بن حنيف فقال هل لكم إن تزوروني فأسقيكم شرابا و أنحر لكم و تقيمون عندي أياما قالوا نعم نحن نأتيك يوم كذا فلما كان ذلك اليوم جاءوه فنحر لهم جزورا و سقاهم خمرا و أقاموا عنده ثلاثة أيام حتى تغير اللحم و كان سويد بن الصامت يومئذ شيخا كبيرا فلما مضت الأيام الثلاثة قالوا ما نرانا إلا راجعين إلى أهلنا فقال حضير ما أحببتم إن أحببتم فأقيموا و إن أحببتم فانصرفوا فخرج الفتيان بسويد بن الصامت يحملانه على جمل من الثمل‏ (1) فمروا لاصقين بالحرة حتى كانوا قريبا من بني عيينة (2) فجلس سويد يبول و هو ثمل سكرا فبصر به إنسان من الخزرج فخرج حتى أتى المجذر بن زياد فقال هل لك في الغنيمة الباردة قال ما هي قال سويد بن الصامت أعزل لا سلاح معه ثمل فخرج المجذر بن زياد بالسيف مصلتا فلما رآه الفتيان و هما أعزلان لا سلاح معهما وليا و العداوة بين الأوس

____________

(1) الثمل بفتحتين: أى السكر.

(2) الواقدى: «غصينة» .

49

و الخزرج شديدة فانصرفا مسرعين و ثبت الشيخ و لا حراك به فوقف المجذر بن زياد فقال قد أمكن الله منك قال ما تريد بي قال قتلك قال فارفع عن الطعام و اخفض عن الدماغ فإذا رجعت إلى أمك فقل إني قتلت سويد بن الصامت فقتله فكان قتله هو الذي هيج‏فلما قدم 14رسول الله ص المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت و أسلم المجذر فشهدافجعل الحارث بن سويد يطلب المجذر في المعركة ليقتله بأبيه فلا يقدر عليه يومئذ فلما كان‏و جال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه فرجع 14رسول الله ص إلى المدينة ثم خرج إلى حمراء الأسد فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبرائيل ع فأخبره أن الحارث بن سويد قتل المجذر غيلة و أمره بقتله فركب 14رسول الله ص إلى قباء في اليوم الذي أخبره جبرائيل في يوم حار و كان ذلك يوما لا يركب فيه 14رسول الله ص إلى قباء إنما كانت الأيام التي يأتي فيها 14رسول الله ص قباء يوم السبت و يوم الإثنين فلما دخل 14رسول الله ص مسجد قباء صلى فيه ما شاء الله أن يصلي و سمعت الأنصار فجاءوا يسلمون عليه و أنكروا إتيانه تلك الساعة في ذلك اليوم فجلس ع يتحدث و يتصفح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورسة (1) فلما رآه 14رسول الله ص دعا عويم بن ساعدة فقال له قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن زياد فإنه قتله‏فأخذه عويم فقال الحارث دعني أكلم 14رسول الله و رسول الله ص يريد أن يركب و دعا بحماره إلى باب المسجد فجعل الحارث يقول قد و الله قتلته يا 14رسول الله و ما كان قتلي إياه رجوعا عن الإسلام

____________

(1) مورسة: مصبوغة بالورس و هو نبات باليمن معروف .

غ

50

و لا ارتيابا فيه و لكنه حمية الشيطان و أمر وكلت فيه إلى نفسي و إني أتوب إلى الله و إلى 14رسوله مما عملت و أخرج ديته و أصوم شهرين متتابعين و أعتق رقبة و أطعم ستين مسكينا إني أتوب إلى الله يا 14رسول الله و جعل يمسك بركاب 14رسول الله ص و بنو المجذر حضور لا يقول لهم 14رسول الله ص شيئا حتى إذا استوعب كلامه قال قدمه يا عويم فاضرب عنقه و ركب 14رسول الله ص فقدمه عويم بن ساعدة على باب المسجد فضرب عنقه .

قال الواقدي و يقال إن الذي أعلم 14رسول الله قتل الحارث المجذر حبيب بن يساف نظر إليه حين قتله فجاء إلى 14النبي ص فأخبره فركب 14رسول الله ص يتفحص عن هذا الأمر فبينا هو على حماره نزل جبرائيل ع فخبره بذلك فأمر 14رسول الله ص عويما فضرب عنقه- .

ففي ذلك قال حسان

يا حار في سنة من نوم أولكم # أم كنت ويحك مغترا بجبريل (1) .

فأما البلاذري فإنه ذكر هذا و قال و يقال إن الجلاس بن سويد بن الصامت هو الذي قتل المجذر غيلة إلا أن شعر حسان يدل على أنه الحارث (2) .

قال الواقدي و البلاذري و كان سويد بن الصامت حين ضربه المجذر بقي قليلا ثم مات فقال قبل أن يموت يخاطب أولاده‏

أبلغ جلاسا و عبد الله مالكه # و إن دعيت فلا تخذلهما حار

____________

(1) ديوانه 318، و بعده:

أم كنت يا بن ذياد حين تقتله # بغرّة في فضاء اللّه مجهول

و قلتم لن نرى و اللّه مبصركم # و فيكم محكم الآيات و القيل

محمّد و العزيز اللّه يخبره # بما يكنّ سريرات الأقاويل.

(2) أنساب الأشراف 1: 332.