شرح نهج البلاغة - ج19

- ابن ابي الحديد المزيد...
431 /
7

الجزء التاسع عشر

تتمة باب الحكم و المواعظ

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل

*3186* 186 و من كلامه ع في الدنيا و تقلبها بأهلها

وَ قَالَ ع إِنَّمَا اَلْمَرْءُ فِي اَلدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ اَلْمَنَايَا وَ نَهْبٌ تُبَادِرُهُ اَلْمَصَائِبُ وَ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ وَ لاَ يَنَالُ اَلْعَبْدُ نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى وَ لاَ يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ فَنَحْنُ أَعْوَانُ اَلْمَنُونِ وَ أَنْفُسُنَا نَصْبُ اَلْحُتُوفِ فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو اَلْبَقَاءَ وَ هَذَا اَللَّيْلُ وَ اَلنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا منْ شَيْ‏ءٍ شَرَفاً إِلاَّ أَسْرَعَا اَلْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا وَ تَفْرِيقِ مَا جَمَعَا (1) -. قد سبق ذرء (1) من هذا الكلام في أثناء خطبته ع و قد ذكرنا نحن أشياء كثيرة في الدنيا و تقلبها بأهلها .

و من كلام بعض الحكماء طوبى للهارب من زخارف الدنيا و الصاد عن زهرة دمنتها و الخائف عند أمانها و المتهم لضمانها و الباكي عند ضحكها إليه و المتواضع عند إعزازها له و الناظر بعين عقله إلى فضائحها و المتأمل لقبح مصارعها و التارك

____________

(1) ذرء: أى طرف.

8

لكلابها على جيفها و المكذب لمواعيدها و المتيقظ لخدعها و المعرض عن لمعها و العامل في إمهالها و المتزود قبل إعجالها .

قوله‏ تنتضل النضل شي‏ء يرمى و يروى تبادره أي تتبادره و الغرض‏ الهدف .

و النهب‏ المال المنهوب غنيمة و جمعه نهاب (1) - .

و قد سبق تفسير قوله‏ لا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى و قلنا إن الذي حصلت له لذة الجماع حال ما هي حاصلة له لا بد أن يكون مفارقا لذة الأكل و الشرب و كذلك من يأكل و يشرب يكون مفارقا حال أكله و شربه لذة الركض على الخيل في طلب الصيد و نحو ذلك (2) - .

قوله‏ فنحن أعوان المنون لأنا نأكل و نشرب و نجامع و نركب الخيل و الإبل و نتصرف في الحاجات و المآرب و الموت إنما يكون بأحد هذه الأسباب إما من أخلاط تحدثها المآكل و المشارب أو من سقطة يسقط الإنسان من دابة هو راكبها أو من ضعف يلحقه من الجماع المفرط أو لمصادمات و اصطكاكات تصيبه عند تصرفه في مآربه و حركته و سعيه و نحو ذلك فكأنا نحن أعنا الموت على أنفسنا .

قوله‏ نصب الحتوف يروى بالرفع و النصب فمن رفع فهو خبر المبتدإ و من نصبه جعله ظرفا

9

*3187* 187 و من كلامه ع في الصمت عن الحكم و القول بالجهل‏

وَ قَالَ ع لاَ خَيْرَ فِي اَلصَّمْتِ عَنِ اَلْحُكْمِ كَمَا أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي اَلْقَوْلِ بِالْجَهْلِ (1) -. قد تكرر ذكر هذا القول و تكرر منا شرحه‏ (1) و شرح نظائره و كان يقال ما الإنسان لو لا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة .

و كان يقال اللسان عضو إن مرنته مرن‏ (2) و إن تركته خزن‏ (3)

____________

(1) ا «شرح له» .

(2) ا: «تمرن» .

(3) خزن: تغير و فسد.

10

*3188* 188 و من كلامه ع في أن الكسب فوق القوة خزن للغير

وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ (1) -. أخذ هذا المعنى بعضهم فقال‏

ما لي أراك الدهر تجمع دائبا # أ لبعل عرسك لا أبا لك تجمع.

و عاد الحسن البصري عبد الله بن الأهتم في مرضه الذي مات فيه فأقبل عبد الله يصرف بصره إلى صندوق في جانب البيت ثم قال للحسن يا أبا سعيد فيه مائة ألف لم يؤد منها زكاة و لم توصل بها رحم قال الحسن ثكلتك أمك فلم أعددتها قال لروعة الزمان و مكاثرة الإخوان و جفوة السلطان ثم مات فحضر الحسن جنازته فلما دفن صفق‏ (1) بإحدى راحتيه الأخرى و قال إن هذا تاه شيطانه فحذره روعة زمانه و جفوة سلطانه و مكاثرة إخوانه فيما استودعه الله إياه فادخره ثم خرج منه كئيبا حزينا لم يؤد زكاة و لم يصل رحما ثم التفت فقال أيها الوارث كل هنيئا فقد أتاك هذا المال حلالا فلا يكن عليك وبالا أتاك ممن كان له جموعا منوعا يركب فيه لجج البحار و مفاوز القفار من باطل جمعه و من حق منعه لم ينتفع به في حياته و ضره بعد وفاته جمعه فأوعاه و شده فأوكاه‏ (2) إلى يوم القيامة يوم ذي حسرات و إن أعظم الحسرات أن ترى مالك في ميزان غيرك بخلت بمال أوتيته من رزق الله أن تنفقه في طاعة الله فخزنته لغيرك فأنفقه في مرضاة ربه يا لها حسرة لا تقال و رحمة لا تنال‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ

____________

(1) صفق بإحدى راحتيه الأخرى أي ضرب عليها.

(2) أوكاه: أحكم رباطه، من الوكاء؛ و هو رباط القربة.

11

*3189* 189 و من كلامه ع في شهوة القلوب و إقبالها و إدبارها

وَ قَالَ ع إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَ إِقْبَالاً وَ إِدْبَاراً فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَ إِقْبَالِهَا فَإِنَّ اَلْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ (1) -. قد تقدم القول في هذا المعنى .

و العلة في كون القلب يعمى إذا أكره على ما لا يحبه أن القلب عضو من الأعضاء يتعب و يستريح كما تتعب الجثة عند استعمالها و أحمالها و تستريح عند ترك العمل كما يتعب اللسان عند الكلام الطويل و يستريح عند الإمساك و إذا تواصل‏ (1) إكراه القلب على أمر لا يحبه و لا يؤثره تعب لأن فعل غير المحبوب متعب أ لا ترى أن جماع غير المحبوب يحدث من الضعف أضعاف ما يحدثه جماع المحبوب و الركوب إلى مكان غير محبوب متعب و لا يشتهى يتعب البدن أضعاف ما يتعبه الركوب إلى تلك المسافة إذا كان المكان محبوبا و إذا أتعب القلب و أعيا عجز عن إدراك ما نكلفه إدراكه لأن فعله هو الإدراك و كل عضو يتعب فإنه يعجز (2) عن فعله الخاص به فإذا عجز القلب عن فعله الخاص به و هو العلم و الإدراك فذاك هو عماه‏

____________

(1) ا: «توصل» .

(2) ا: «عاجز» .

12

*3190* 190 و من كلامه ع في الغضب‏

وَ كَانَ ع يَقُولُ: مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ أَ حِينَ أَعْجِزُ عَنِ اَلاِنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي لَوْ صَبَرْتَ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي لَوْ عَفَوْتَ (1) -. قد تقدم القول في الغضب مرارا .

و هذا الفصل فصيح لطيف المعنى قال لا سبيل لي إلى شفاء غيظي عند غضبي لأني إما أن أكون قادرا على الانتقام فيصدني عن تعجيله قول القائل لو غفرت لكان أولى و إما ألا أكون قادرا على الانتقام فيصدني عنه كوني غير قادر عليه فإذن لا سبيل لي إلى الانتقام عند الغضب .

و كان يقال العقل كالمرآة المجلوة يصدئه الغضب كما تصدأ المرآة بالخل فلا يثبت فيها صورة القبح و الحسن .

و اجتمع سفيان الثوري و فضيل‏ (1) بن عياض فتذاكرا الزهد فأجمعا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب و الصبر عند الطمع‏

____________

(1) ا: «الفضيل» .

13

*3191* 191 و من كلامه ع في التنافس على شهوات الدنيا و لذائذها

وَ قَالَ ع وَ قَدْ مَرَّ بِقَذَرٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ هَذَا مَا بَخِلَ بِهِ اَلْبَاخِلُونَ وَ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مَا كُنْتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْسِ (1) -. قد سبق القول في مثل هذا و أن الحسن البصري مر على مزبلة فقال انظروا إلى بطهم و دجاجهم و حلوائهم و عسلهم و سمنهم و الحسن إنما أخذه من كلام 1أمير المؤمنين ع و قال ابن وكيع في قول المتنبي

لو أفكر العاشق في منتهى # حسن الذي يسبيه لم يسبه‏ (1)

إنه أراد لو أفكر في حاله و هو في القبر و قد تغيرت محاسنه و سالت عيناه قال و هذا مثل قولهم لو أفكر الإنسان فيما يئول إليه الطعام لعافته نفسه .

و قد ضرب العلماء مثلا للدنيا و مخالفة آخرها أولها و مضادة مباديها عواقبها فقالوا إن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة و سيجد الإنسان عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة و النتن و القبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا طبختها المعدة و بلغت غاية نضجها و كما أن الطعام كلما كان ألذ طعما و أظهر حلاوة كان رجيعه أقذر و أشد نتنا فكذلك كل شهوة في القلب أشهى و ألذ و أقوى

____________

(1) ديوانه 1: 212.

14

فإن نتنها و كراهتها و التأذي بها عند الموت أشد بل هذه الحال في الدنيا مشاهدة فإن [من‏] (1) نهبت داره و أخذ أهله و ولده و ماله تكون مصيبته و ألمه و تفجعه في الذي فقد بمقدار لذته به و حبه له و حرصه عليه فكل ما كان في الوجود أشهى و ألذ فهو عند الفقد أدهى و أمر و لا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا .

و

14- قد روي أن 14النبي ص قال للضحاك بن سفيان الكلابي أ لست تؤتى بطعامك و قد قزح و ملح‏ (2) ثم تشرب عليه اللبن و الماء قال بلى قال فإلى ما ذا يصير قال إلى ما قد علمت يا 14رسول الله قال فإن الله عز و جل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم .

14- و روى أبي بن كعب أن 14رسول الله ص قال إن أنت ضربت مثلا لابن آدم فانظر ما يخرج من ابن آدم و إن كان قزحه و ملحه إلى ما ذا صار.

و قال الحسن رحمه الله قد رأيتهم يطيبونه بالطيب و الأفاويه‏ (3) ثم يرمونه حيث رأيتم قال الله عز و جل‏ فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسََانُ إِلى‏ََ طَعََامِهِ‏ (4) قال ابن عباس إلى رجيعه .

و قال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك و أستحيي فقال لا تستحي و سل قال إذا قضى أحدنا حاجته فقام هل ينظر إلى ذلك منه فقال نعم إن الملك يقول له انظر هذا ما بخلت به انظر إلى ما ذا صار

____________

(1) تكملة من د.

(2) يقال: قزح القدر كمنع؛ جعل فيها بزر البصل و التابل.

(3) الأفاوه: جمع أفواه؛ و هي التوابل.

(4) سورة عبس 24.

15

*3192* 192 و من كلامه ع في أن المال لا يذهب إن وعظ

وَ قَالَ ع لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ (1) -. مثل هذا قولهم إن المصائب أثمان التجارب .

و قيل لعالم فقير بعد أن كان غنيا أين مالك قال تجرت‏ (1) فيه فابتعت به تجربة الناس و الوقت فاستفدت أشرف العوضين‏ (2)

____________

(1) ا: «تاجرت» .

(2) ا الشيئين: «» .

غ

16

*3193* 193 و من كلامه ع في ابتغاء القلوب طرائف الحكمة

وَ قَالَ ع إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ اَلْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ اَلْحِكْمَةِ (1) -. هذا قد تكرر و تكرر منا ذكر ما قيل في إجمام النفس و التنفيس عنها من كرب الجد و الإحماض‏ (1) و فسرنا معنى قوله ع‏ فابتغوا لها طرائف الحكمة و قلنا المراد ألا يجعل الإنسان وقته كله مصروفا إلى الأنظار العقلية في البراهين الكلامية و الحكمية بل ينقلها من ذلك أحيانا إلى النظر في الحكمة الخلقية فإنها حكمة لا تحتاج إلى إتعاب النفس و الخاطر .

فأما القول في الدعابة فقد ذكرناه أيضا فيما تقدم و أوضحنا أن كثيرا من أعيان الحكماء و العلماء كانوا ذوي دعابة مقتصدة لا مسرفة فإن الإسراف فيها يخرج صاحبه إلى الخلاعة و لقد أحسن من قال‏

أفد طبعك المكدود بالجد راحة # تجم و علله بشي‏ء من المزح‏ (2)

و لكن إذا أعطيته ذاك فليكن # بمقدار ما يعطى الطعام من الملح‏ (3)

____________

(1) الإحماض: التنقل من الجد إلى المزح.

(2) المكدود: المجهد.

(3) أي على قدر من الاعتدال.

17

*3194* 194 و من كلامه ع في قول الخوارج لا حكم إلا لله‏

وَ قَالَ ع لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ اَلْخَوَارِجِ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ (1) -. معنى قوله سبحانه‏ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ‏ (1) أي إذا أراد شيئا من أفعال نفسه فلا بد من وقوعه بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصول مرادهم إذا أرادوه أ لا ترى ما قبل هذه الكلمة يََا بَنِيَّ لاََ تَدْخُلُوا مِنْ بََابٍ وََاحِدٍ وَ اُدْخُلُوا مِنْ أَبْوََابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ مََا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ خاف عليهم من الإصابة بالعين إذا دخلوا من باب واحد فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة ثم قال لهم‏ وَ مََا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي إذا أراد الله بكم سوءا لم يدفع عنكم ذلك السوء ما أشرت به عليكم من التفرق ثم قال‏ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ أي ليس حي من الأحياء ينفذ حكمه لا محالة و مراده لما هو من أفعاله إلا الحي القديم وحده فهذا هو معنى هذه الكلمة و ضلت الخوارج عندها فأنكروا على 1أمير المؤمنين ع موافقته على التحكيم و قالوا كيف يحكم و قد قال الله سبحانه‏ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ فغلطوا لموضع اللفظ المشترك و ليس هذا الحكم هو ذلك الحكم فإذن هي كلمة حق يراد بها باطل‏ لأنها حق على المفهوم الأول و يريد بها الخوارج نفي كل ما يسمى حكما إذا صدر عن غير الله تعالى و ذلك باطل لأن الله تعالى قد أمضى حكم المخلوقين في كثير من الشرائع‏

____________

(1) سورة يوسف 67.

18

*3195* 195 و من كلامه ع في صفة الغوغاء

وَ قَالَ ع فِي صِفَةِ اَلْغَوْغَاءِ هُمُ اَلَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا غَلَبُوا وَ إِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ قِيلَ بَلْ قَالَ ع هُمُ اَلَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا ضَرُّوا وَ إِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا فَقِيلَ قَدْ عَرَفْنَا عَلِمْنَا مَضَرَّةَ اِجْتِمَاعِهِمْ فَمَا مَنْفَعَةُ اِفْتِرَاقِهِمْ فَقَالَ ع يَرْجِعُ أَصْحَابُ أَهْلُ اَلْمِهَنِ إِلَى مِهْنَتِهِمْ مِهَنِهِمْ فَيَنْتَفِعُ اَلنَّاسُ بِهِمْ كَرُجُوعِ اَلْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ وَ اَلنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ وَ اَلْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ (1) -. كان الحسن إذا ذكر الغوغاء و أهل السوق قال قتلة الأنبياء و كان يقال العامة كالبحر إذا هاج أهلك راكبه و قال بعضهم لا تسبوا الغوغاء فإنهم يطفئون الحريق و ينقذون الغريق و يسدون البثوق‏ (1) .

و قال شيخنا أبو عثمان الغاغة و الباغة (2) و الحاكة كأنهم أعذار عام واحد أ لا ترى أنك لا تجد أبدا في كل بلدة و في كل عصر هؤلاء بمقدار واحد و جهة واحدة من السخف و النقص و الخمول و الغباوة و كان المأمون يقول كل شر و ظلم‏ (3) في العالم

____________

(1) البثوق: الشقوق في الأنهار.

(2) الباغة: الحمقى.

(3) في د: «و ضر» .

19

فهو صادر عن العامة و الغوغاء لأنهم قتلة الأنبياء و المغرون‏ (1) بين العلماء و النمامون بين الأوداء (2) و منهم اللصوص و قطاع الطريق و الطرارون‏ (3) و المحتالون و الساعون إلى السلطان‏ (4) فإذا كان يوم القيامة حشروا على عادتهم في السعاية فقالوا رَبَّنََا إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ `رَبَّنََا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذََابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (5)

____________

(1) في د «و المفرقون» .

(2) في د «الأولياء» .

(3) الطرارون: «المروجون لاسلع.

(4) ا: الحكام.

(5) سورة الأحزاب 67.

20

*3196* 196 و من كلامه ع في من أتاه بجان فيه غوغاء

وَ قَالَ ع وَ قَدْ أُتِيَ بِجَانٍ وَ مَعَهُ غَوْغَاءُ فَقَالَ لاَ مَرْحَباً بِوُجُوهٍ لاَ تُرَى إِلاَّ عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ (1) -. أخذ هذا اللفظ المستعين بالله و قد أدخل عليه ابن أبي الشوارب القاضي و معه الشهود ليشهدوا عليه أنه قد خلع نفسه من الخلافة و بايع للمعتز بالله فقال لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا يوم‏ (1) سوء .

و قال من مدح الغوغاء و العامة إن

14- في الحديث المرفوع أن الله ينصر هذا الدين بقوم‏ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ .

و كان الأحنف يقول أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار و العار .

و قال الشاعر

و إني لأستبقي امرأ السوء عدة # لعدوة عريض من الناس جائب‏ (2)

أخاف كلاب الأبعدين و هرشها # إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب‏

____________

(1) د «إلا عند السوء» .

(2) الجائب: المتنقل من مكان إلى مكان.

21

*3197* 197 و من كلامه ع في توكيل ملكين لحفظ الإنسان إلى مجي‏ء القدر

وَ قَالَ ع إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ فَإِذَا جَاءَ اَلْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ وَ إِنَّ اَلْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ (1) -. قد تقدم هذا و قلنا إنه ذهب كثير من الحكماء هذا المذهب و إن لله تعالى ملائكة موكلة تحفظ البشر من التردي في بئر و من إصابة سهم معترض في طريق و من رفس دابة و من نهش حية أو لسع عقرب و نحو ذلك و الشرائع أيضا قد وردت بمثله [و إن‏] (1) الأجل جنة أي درع و لهذا في علم الكلام مخرج صحيح و ذلك لأن أصحابنا يقولون إن الله تعالى إذا علم أن في بقاء زيد إلى وقت كذا لطفا له أو لغيره من المكلفين صد من يهم بقتله عن قتله بألطاف يفعلها تصده عنه أو تصرفه عنه بصارف أو يمنعه عنه بمانع كي لا يقطع ذلك الإنسان بقتل زيد الألطاف التي يعلم الله أنها مقربة من الطاعة و مبعدة من المعصية (2) لزيد أو لغيره فقد بان أن الأجل على هذا التقدير جنة حصينة لزيد من حيث كان الله تعالى باعتبار ذلك الأجل مانعا من قتله و إبطال حياته و لا جنة أحصن من ذلك‏

____________

(1) من د، و في ب: «و أما» .

(2) د «عن القبيح» .

22

*3198* 198 و من كلامه ع في طلب طلحة و الزبير المشاركة في الخلافة

وَ قَالَ ع وَ قَدْ قَالَ لَهُ طَلْحَةُ وَ اَلزُّبَيْرُ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ فَقَالَ [لاَ] (1) وَ لَكِنَّكُمَا شَرِيكَانِ فِي اَلْقُوَّةِ وَ اَلاِسْتِعَانَةِ وَ عَوْنَانِ عَلَى اَلْعَجْرِ اَلْعَجْزِ وَ اَلْأَوَدِ (1) -. قد ذكرنا هذا فيما تقدم حيث شرحنا بيعة المسلمين 1لعلي ع كيف وقعت بعد مقتل عثمان و لقد أحسن فيما قال لهما لما سألاه أن يشركاه في الأمر فقال أما المشاركة في الخلافة فكيف يكون ذلك و هل يصح أن يدبر أمر الرعية إمامان‏

و هل يجمع السيفان ويحك في غمد (2) - (2) .

و إنما تشركاني في القوة و الاستعانة أي إذا قوي أمري و أمر الإسلام بي قويتما أنتما أيضا و إذا عجزت عن أمر أو تأود علي أمر أي اعوج كنتما عونين لي و مساعدين على إصلاحه .

فإن قلت فما معنى قوله‏ و الاستعانة قلت الاستعانة هاهنا الفوز و الظفر كانوا يقولون للقامر يفوز قدحه قد جرى ابنا عنان و هما خطان يخطان في الأرض يزجر بهما الطير و استعان الإنسان إذا قال وقت الظفر و الغلبة هذه الكلمة

____________

(1) تكملة من «د» .

(2) عجز بيت لأبى ذؤيب الهذلى، و صدره:

*تريدين كيما تجمعينى و خالدا*

ديوان الهذليين 1: 159.

23

*3199* 199 و من كلامه ع في ذكر الموت‏

وَ قَالَ ع أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ وَ إِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ وَ بَادِرُوا اَلْمَوْتَ اَلَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَ إِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ وَ إِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ (1) -. قد تقدم منا كلام كثير في ذكر الموت و رأى الحسن البصري رجلا يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله و إن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف من آخره .

و من كلامه فضح الموت الدنيا .

و قال خالد بن صفوان لو قال قائل الحسن أفصح الناس لهذه الكلمة لما كان مخطئا و قال لرجل في جنازة أ ترى هذا الميت لو عاد إلى الدنيا لكان يعمل عملا صالحا قال نعم قال فإن لم يكن ذلك فكن أنت ذاك

24

*3200* 200 و من كلامه ع في الشكر

وَ قَالَ ع لاَ يُزَهِّدَنَّكَ فِي اَلْمَعْرُوفِ مَنْ لاَ يَشْكُرُهُ لَكَ فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْهُ وَ قَدْ تُدْرِكُ يُدْرَكُ مِنْ شُكْرِ اَلشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ اَلْكَافِرُ وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ (1) - . قد أخذت أنا هذا المعنى فقلت من جملة قصيدة لي حكمية

لا تسدين إلى ذي اللؤم مكرمة # فإنه سبخ لا ينبت الشجرا

فإن زرعت فمحفوظ بمضيعة # و أكل زرعك شكر الغير إن كفرا

و قد سبق منا كلام طويل في الشكر .

و رأى العباس بن المأمون يوما بحضرة المعتصم خاتما في يد إبراهيم بن المهدي فاستحسنه فقال له ما فص هذا الخاتم و من أين حصلته فقال إبراهيم هذا خاتم رهنته في دولة أبيك و افتككته في دولة أمير المؤمنين فقال العباس فإن لم تشكر أبي على حقنه دمك فأنت لا تشكر أمير المؤمنين على فكه خاتمك .

و قال الشاعر

لعمرك ما المعروف في غير أهله # و في أهله إلا كبعض الودائع

فمستودع ضاع الذي كان عنده # و مستودع ما عنده غير ضائع

و ما الناس في شكر الصنيعة عندهم # و في كفرها إلا كبعض المزارع

فمزرعة طابت و أضعف نبتها # و مزرعة أكدت على كل زارع‏

25

*3201* 201 و من كلامه ع في اتساع وعاء العلم دون سائر الأوعية

وَ قَالَ ع كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلاَّ وِعَاءَ اَلْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ (1) -. هذا الكلام تحته سر عظيم و رمز إلى معنى شريف غامض و منه أخذ مثبتو النفس الناطقة الحجة على قولهم و محصول ذلك أن القوى الجسمانية يكلها و يتعبها تكرار أفاعيلها عليها كقوة البصر يتعبها تكرار إدراك المرئيات حتى ربما أذهبها و أبطلها أصلا و كذلك قوة السمع يتعبها تكرار الأصوات عليها و كذلك غيرها من القوى الجسمانية و لكنا وجدنا القوة العاقلة بالعكس من ذلك‏ (1) فإن الإنسان كلما تكررت عليه المعقولات ازدادت قوته العقلية سعة و انبساطا و استعدادا لإدراك أمور أخرى غير ما أدركته من قبل حتى كان تكرار المعقولات عليها يشحذها (2) و يصقلها فهي إذن مخالفة في هذا الحكم للقوى الجسمانية فليست منها لأنها لو كانت منها لكان حكمها حكم واحد من أخواتها و إذا لم تكن جسمانية فهي مجردة و هي التي نسميها بالنفس الناطقة

____________

(1) ا: «هذا» .

(2) يشحذها: يحدها.

26

*3202* 202 و من كلامه ع في الحلم‏

وَ قَالَ ع أَوَّلُ عِوَضِ اَلْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ اَلنَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى اَلْجَاهِلِ (1) -. قد تقدم من أقوالنا في الحلم ما في بعضه كفاية .

و في الحكم القديمة لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام .

و كان يقال اعف عمن أبطأ عن الذنب و أسرع إلى الندم .

و كان يقال شاور الأناة و التثبت و ذاكر الحفيظة (1) عند هيجانها ما في عواقب العقوبة من الندم و خاصمها بما يؤدى إليه الحلم من الاغتباط .

و كان يقال ينبغي للحازم أن يقدم على عذابه و صفحه تعريف المذنب بما جناه و إلا نسب حلمه إلى الغفلة و كلال حد الفطنة

14- وقالت الأنصار 14للنبي ص إنهم فعلوا بك ثم فعلوا يغرونه بقريش فقال إنما سميت 14محمدا لأحمد .

____________

(1) الحفيظة: الحمية و الغضب.

27

*3203* 203 و من كلامه ع في الحلم و التحلم‏

وَ قَالَ ع إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلاَّ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ (1) -. التحلم‏ تكلف الحلم و الذي قاله ع صحيح في مناهج الحكمة و ذلك لأن من تشبه بقوم و تكلف التخلق بأخلاقهم و التأدب بآدابهم و استمر على ذلك و مرن عليه الزمان الطويل اكتسب رياضة قوية و ملكة تامة و صار ذلك التكلف كالطبع له و انتقل عن الخلق الأول أ لا ترى أن الأعرابي الجلف الجافي إذا دخل المدن و القرى و خالط أهلها و طال مكثه فيهم انتقل عن خلق الأعراب الذي نشأ عليه و تلطف طبعه و صار شبيها بساكني المدن و كالأجنبي عن ساكني الوبر و هذا قد وجدناه في حيوانات أخرى غير البشر كالبازي و الصقر و الفهد التي تراض حتى تذل و تأنس و تترك طبعها القديم بل قد شاهدناه في الأسد و هو أبعد الحيوان من الإنس .

و ذكر ابن الصابي أن عضد الدولة بن بويه كانت له أسود يصطاد بها كالفهود فتمسكه عليه حتى يدركه فيذكيه و هذا من العجائب الطريفة

28

*3204* 204 و من كلامه ع في محاسبة النفس و الاعتبار

وَ قَالَ ع مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ وَ مَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ وَ مَنْ خَافَ أَمِنَ وَ مَنِ اِعْتَبَرَ أَبْصَرَ وَ مَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ وَ مَنْ فَهِمَ عَلِمَ (1) -.

14- قد جاء في الحديث المرفوع حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا (2) -.

قوله‏ و من خاف أمن أي من اتقى الله أمن من عذابه يوم القيامة .

ثم قال‏ و من اعتبر أبصر أي من قاس الأمور بعضها ببعض و اتعظ بآيات الله و أيامه أضاءت بصيرته و من أضاءت بصيرته فهم‏ و من فهم علم .

فإن قلت الفهم هو العلم فأي حاجة له إلى أن يقول‏ و من فهم علم قلت الفهم هاهنا هو معرفة المقدمات و لا بد أن يستعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة فمعرفة النتيجة هو العلم فكأنه قال من اعتبر تنور قلبه بنور الله تعالى و من تنور قلبه عقل المقدمات البرهانية و من عقل المقدمات البرهانية علم النتيجة الواجبة عنها و تلك هي الثمرة الشريفة التي في مثلها يتنافس المتنافسون‏

29

*3205* 205 و من كلامه ع في علامات آخر الزمان و ظهور المهدي ع‏

وَ قَالَ ع: لَتَعْطِفَنَّ اَلدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ اَلضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا وَ تَلاَ عَقِيبَ ذَلِكَ‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ (1) - . الشماس‏ مصدر شمس الفرس إذا منع من ظهره .

و الضروس‏ الناقة السيئة الخلق تعض حالبها و الإمامية تزعم أن ذلك وعد منه 12بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان و أصحابنا يقولون إنه وعد بإمام يملك الأرض و يستولي على الممالك و لا يلزم من ذلك أنه لا بد أن يكون موجودا و إن كان غائبا إلى أن يظهر بل يكفي في صحة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت .

و بعض أصحابنا يقول إنه إشارة إلى ملك السفاح و المنصور و ابني المنصور بعده فإنهم الذين أزالوا ملك بني أمية و هم بنو هاشم و بطريقهم عطفت الدنيا على بني عبد المطلب عطف الضروس .

و تقول الزيدية إنه لا بد من أن يملك الأرض فاطمي يتلوه جماعة من الفاطميين على مذهب زيد و إن لم يكن أحد منهم الآن موجودا

30

*3206* 206 و من كلامه ع في الوصية بالتقوى‏

وَ قَالَ ع اِتَّقُوا اَللَّهَ تَقِيَّةَ تُقَاةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً وَ جَدَّ تَشْمِيراً وَ كَمَّشَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ اَلْمَوْئِلِ وَ عَاقِبَةِ اَلْمَصْدَرِ وَ مَغَبَّةِ اَلْمَرْجِعِ (1) -. لو قال و جرد تشميرا لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع لكنه لم يحفل بذلك و جرى على مقتضي طبعه من البلاغة الخالية من التكلف و التصنع على أن ذلك قد روي و المشهور الرواية الأولى .

و أكمش جد و أسرع و رجل كميش أي جاد و في مهل أي في مهلة العمل قبل أن يضيق عليه وقته بدنو الأجل

31

*3207* 207 و من كلامه ع في مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع اَلْجُودُ حَارِسُ اَلْأَعْرَاضِ وَ اَلْحِلْمُ فِدَامُ اَلسَّفِيهِ وَ اَلْعَفْوُ زَكَاةُ اَلظَّفَرِ وَ اَلسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ وَ اَلاِسْتِشَارَةُ عَيْنُ اَلْهِدَايَةِ وَ قَدْ خَاطَرَ مَنِ اِسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ وَ اَلصَّبْرُ يُنَاضِلُ اَلْحَدَثَانَ وَ اَلْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ اَلزَّمَانِ وَ أَشْرَفُ اَلْغِنَى تَرْكُ اَلْمُنَى وَ كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ عِنْدَ هَوَى أَمِيرٍ وَ مِنَ اَلتَّوْفِيقِ حِفْظُ اَلتَّجْرِبَةِ وَ اَلْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ وَ لاَ تَأْمَنَنَّ مَلُولاً (1) -. مثل قوله‏ الجود حارس الأعراض قولهم كل عيب فالكرم يغطيه (2) - و الفدام‏ خرقة تجعل على فم الإبريق فشبه الحلم بها فإنه يرد السفيه عن السفه كما يرد الفدام الخمر عن خروج القذى منها إلى الكأس (3) - .

فأما و العفو زكاة الظفر فقد تقدم أن لكل شي‏ء زكاة و زكاة الجاه رفد المستعين و زكاة الظفر العفو (4) - .

و أما السلو عوضك ممن غدر فمعناه أن من غدر بك من أحبائك و أصدقائك فاسل عنه و تناسه و اذكر ما عاملك به من الغدر فإنك تسلو عنه و يكون ما استفدته من السلو عوضا عن وصاله الأول قال الشاعر

32

أعتقني سوء ما صنعت من الرق # فيا بردها على كبدي

فصرت عبدا للسوء فيك و ما # أحسن سوء قبلي إلى أحد (1) -.

و قد سبق القول في الاستشارة و إن المستغني برأيه مخاطر و كذلك القول في الصبر و المناضلة المراماة (2) - .

و كذلك القول في الجزع‏ و أن الإنسان إذا جزع عند المصيبة فقد أعان الزمان على نفسه و أضاف إلى نفسه مصيبة أخرى (3) - .

و سبق أيضا القول في المنى‏ و أنها من بضائع النوكى (4) - (1) .

و كذلك القول في الهوى‏ و أنه يغلب الرأي و يأسره (5) - .

و كذلك القول في التجربة و قولهم من حارب المجرب حلت به الندامة و إن من أضاع التجربة فقد أضاع عقله و رأيه (6) - .

و قد سبق القول في المودة و ذكرنا قولهم الصديق نسيب الروح و الأخ نسيب الجسم (7) - و سبق القول في الملال‏ .

و قال العباس بن الأحنف

لو كنت عاتبة لسكن عبرتي # أملي رضاك وزرت غير مراقب

لكن مللت فلم يكن لي حيلة # صد الملول خلاف صد العاتب‏

____________

(1) جمع أنوك؛ و هو الأحمق.

33

*3208* 208 و من كلامه ع في العجب‏

وَ قَالَ ع عُجْبُ اَلْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ (1) -. قد تقدم القول في العجب و معنى هذه الكلمة أن الحاسد لا يزال مجتهدا في إظهار معايب المحسود و إخفاء محاسنه فلما كان عجب الإنسان بنفسه كاشفا عن نقص عقله كان كالحاسد الذي دأبه إظهار عيب المحسود و نقصه .

و كان يقال من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه .

و قال مطرف بن الشخير لأن أبيت نائما و أصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما و أصبح نادما (1)

____________

(1) ا: «متعجبا» .

34

*3209* 209 و من كلامه ع في مماشاة الدهر و الإغضاء على القذى و الألم‏

وَ قَالَ ع أَغْضِ عَلَى اَلْقَذَى وَ اَلْأَلَمِ تَرْضَ أَبَداً (1) -. نظير هذا قول الشاعر

و من لم يغمض عينه عن صديقه # و عن بعض ما فيه يمت و هو عاتب

و من يتتبع جاهدا كل عثرة # يجدها و لا يسلم له الدهر صاحب.

و قال الشاعر

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى # ظمئت و أي الناس تصفو مشاربه‏ (1) .

و كان يقال أغض عن الدهر و إلا صرعك و كان يقال لا تحارب الأيام و إن جنحت دون مطلوبك منها و اصحبها بسلاسة القياد فإنك إن تصحبها بذلك تعطك بعد المنع و تلن لك بعد القساوة و إن أبيت عليها قادتك إلى مكروه صروفها

____________

(1) لبشار، ديوانه 1: 309.

35

*3210* 210 و من كلامه ع في اللين و حسن الخلق و المعاشرة

وَ قَالَ ع مَنْ لاَنَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ (1) -. تكاد هذه الكلمة أن تكون إيماء إلى قوله تعالى‏ وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبََاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ‏ (1) و معنى هذه الكلمة أن من حسن خلقه و لانت كلمته كثر محبوه و أعوانه و أتباعه .

و نحوه قوله من لانت كلمته وجبت محبته .

و قال تعالى‏ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏ (2) و أصل هذه الكلمة مطابق للقواعد الحكمية أعني الشجرة ذات الأغصان حقيقة و ذلك لأن النبات كالحيوان في القوى النفسانية أعني الغاذية و المنمية و ما يخدم الغاذية من القوى الأربع و هي الجاذبة و الماسكة و الدافعة و الهاضمة فإذا كان اليبس غالبا على شجرة كانت أغصانها أخف و كان عودها أدق و إذا كانت الرطوبة غالبة كانت أغصانها أكثر و عودها أغلظ و ذلك لاقتضاء اليبس الذبول و اقتضاء الرطوبة الغلظ و العبالة و الضخامة أ لا ترى أن الإنسان الذي غلب اليبس على مزاجه لا يزال مهلوسا (3) نحيفا و الذي غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخما عبلا

____________

(1) سورة الأعراف 58.

(2) سورة آل عمران 159.

(3) رجل مهلوس: هلسه الداء و خامره.

36

*3211* 211 و من كلامه ع في الخلاف و آثاره‏

وَ قَالَ ع اَلْخِلاَفُ يَهْدِمُ اَلرَّأْيَ (1) -. هذا مثل

1- 1قوله ع في موضع آخر لا رأي لمن لا يطاع.

16- و يروى لا إمرة لمن لا يطاع.

و في أخبار قصير و جذيمة لو كان يطاع لقصير أمر .

و كان يقال اللجاج يشحذ الزجاج و يثير العجاج .

و قال دريد بن الصمة

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد (1)

فلما عصوني كنت منهم و قد أرى # غوايتهم و أنني غير مهتدي.

و كان يقال أهدى رأي الرجل ما نفذ حكمه فإذا خولف فسد .

و من كلام أفلاطون اللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس و ذلك إما لفرط حدة تكون في الإنسان و إما لغلظ طبع فلا ينقاد للرأي‏ (2)

____________

(1) ديوان الحماسة 2: 304-بشرح التبريزى.

(2) ا: «لرأى» .

37

*3212* 212 و من كلامه ع في أن النيل من الدنيا يوجب الاستطالة على الناس‏

وَ قَالَ ع مَنْ نَالَ اِسْتَطَالَ (1) -. يجوز أن يريد به من أثرى و نال من الدنيا حظا استطال على الناس .

و يجوز أن يريد به من جاد استطال بجوده .

يقال نالني‏ فلان بكذا أي جاد به علي و رجل نال أي جواد ذو نائل و مثله‏ (1) رجل طان أي ذو طين و رجل مال أي ذو مال‏

____________

(1) ا: «أن يقال» .

38

*3213* 213 و من كلامه ع في أن معرفة أخلاق الإنسان لا تعرف إلا بالتجربة و اختلاف الأحوال عليه‏

وَ قَالَ ع فِي تَقَلُّبِ اَلْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ اَلرِّجَالِ (1) -. معناه لا تعلم أخلاق الإنسان إلا بالتجربة و اختلاف الأحوال عليه و قديما قيل ترى الفتيان كالنخل و ما يدريك ما الدخل‏ (1) .

و قال الشاعر

لا تحمدن امرأ حتى تجربه # و لا تذمنه إلا بتجريب‏

و قالوا التجربة محك و قالوا مثل الإنسان مثل البطيخة ظاهرها مونق و قد يكون في باطنها العيب و الدود و قد يكون طعمها حامضا و تفها .

و قالوا للرجل المجرب يمدحونه قد آل وائل عليه .

و قال الشاعر يمدح‏

ما زال يحلب هذا الدهر أشطره‏ (2) # يكون متبعا طورا و متبعا

حتى استمرت على شزر مريرته # مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا (3)

____________

(1) مثل، و انظر الميداني 1: 91.

(2) يحلب أشطره؛ أى أنّه قد جرب الأمور و عاناها، و الكلام على التمثيل.

(3) في اللسان عن الجوهريّ: «شيخ قحم، أي همّ؛ مثل قحل، و في حديث ابن عمر: «ابغنى خادما لا يكون قحما فانيا، و لا صغيرا ضرعا، القحم: الشيخ الهم الكبير» . الضرع: الضاوى الجسم الضعيف.

39

*3214* 214 و من كلامه ع في حسد الصديق صديقه على النعمة

وَ قَالَ ع حَسَدُ اَلصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ اَلْمَوَدَّةِ (1) -. إذا حسدك صديقك على نعمة أعطيتها لم تكن صداقته صحيحة فإن الصديق حقا من يجري مجرى نفسك و الإنسان لم يحسد نفسه .

و قيل لحكيم ما الصديق فقال إنسان هو أنت إلا أنه غيرك .

و أخذ هذا المعنى أبو الطيب فقال‏

ما الخل إلا من أود بقلبه # و أرى بطرف لا يرى بسوائه‏ (1)

و من أدعية الحكماءاللهم اكفني بوائق الثقات و احفظني من كيد الأصدقاءو قال الشاعر

احذر عدوك مرة # و احذر صديقك ألف مره

فلربما انقلب الصديق # فكان أعرف بالمضره‏

و قال آخر (2)

احذر مودة ماذق # شاب المرارة بالحلاوة (3)

____________

(1) ديوانه 1: 4.

(2) ا: «غيره» .

(3) الماذق: الذي يخلط الود بغيره.

40

يحصي الذنوب عليك # أيام الصداقة للعداوة

و ذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال ذاك رجل ليس له صديق في السر و لا عدو في العلانية .

و قال الشاعر

إذا كان دواما أخوك مصارما # موجهة في كل أوب ركائبه

فخل له ظهر الطريق و لا تكن # مطية رحال كثير مذاهبه‏

41

*3215* 215 و من كلامه ع في المطامع و كونها مصارع العقول‏

وَ قَالَ ع أَكْثَرُ مَصَارِعِ اَلْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ اَلْمَطَامِعِ (1) -. قد تقدم منا قول في هذا المعنى و منه قول الشاعر (1)

طمعت بليلى أن تريع و إنما (2) # تقطع أعناق الرجال المطامع‏ (3)

و قال آخر

إذا حدثتك النفس أنك قادر # على ما حوت أيدي الرجال فكذب

و إياك و الأطماع إن وعودها # رقارق آل أو بوارق خلب‏ (4)

____________

(1) هو المجنون، ديوانه 186، و ينسب لقيس بن ذريح؛ و ينسب أيضا للبعيث، و انظر تخريجه في الديوان.

(2) تريع: ترجع و تعود؛ كذا فسره صاحب اللسان، و استشهد بالبيت و نسبه إلى البعيث.

(3) بعده في الديوان:

و دانيت ليلى في خلاء و لم يكن # شهود على ليلى عدول مقانع.

(4) الرقارق السراب: .

غ

42

*3216* 216 و من كلامه ع في الثقة بالظن‏

وَ قَالَ ع لَيْسَ مِنَ اَلْعَدْلِ اَلْقَضَاءُ عَلَى اَلثِّقَةِ بِالظَّنِّ (1) -. هذا مثل قول أصحاب أصول الفقه لا يجوز نسخ القرآن و السنة المتواترة بخبر الواحد لأن المظنون لا يرفع المعلوم .

و لفظ الثقة هاهنا مرادف للفظ العلم فكأنه قال لا يجوز أن يزال ما علم بطريق قطعية لأمر ظني .

فإن قلت أ ليس البراءة الأصلية معلومة بالعقل و مع ذلك ترفع بالأمارات الظنية كأخبار الآحاد .

قلت ليست البراءة الأصلية معلومة بالعقل مطلقا بل مشروطة بعدم ما يرفعها من طريق علمي أو ظني أ لا ترى أن أكل الفاكهة و شرب الماء معلوم بالعقل حسنه و لكن لا مطلقا بل بشرط انتفاء ما يقتضي قبحه فإنا لو أخبرنا إنسان أن هذه الفاكهة أو هذا الماء مسموم لقبح منا الإقدام على تناولهما و إن كان قول ذلك المخبر الواحد لا يفيد العلم القطعي‏ (1)

____________

(1) ا: «علما قطعيا» .

43

*3217* 217 و من كلامه ع في الظلم و العدوان‏

وَ قَالَ ع بِئْسَ اَلزَّادُ إِلَى اَلْمَعَادِ اَلْعُدْوَانُ عَلَى اَلْعِبَادِ (1) -. قد تقدم من قولنا (1) في الظلم و العدوان ما فيه كفاية .

و كان يقال عجبا لمن عومل فأنصف إذا عامل كيف يظلم و أعجب منه من عومل فظلم إذا عامل كيف يظلم .

و كان يقال العدو عدوان عدو ظلمته و عدو ظلمك فإن اضطرك الدهر إلى أحدهما فاستعن بالذي ظلمك فإن الآخر موتور

____________

(1) ا: «لنا أقوال» .

44

*3218* 218 و من كلامه ع في أن تغافل الكريم عما يعلم فضيلة

وَ قَالَ ع مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ أَعْمَالِ اَلْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ (1) -. كان يقال التغافل من السؤدد و قال أبو تمام

ليس الغبي بسيد في قومه # لكن سيد قومه المتغابي‏ (1)

و قال طاهر بن الحسين بن مصعب

و يكفيك من قوم شواهد أمرهم # فخذ صفوهم قبل امتحان الضمائر

فإن امتحان القوم يوحش منهم # و ما لك إلا ما ترى في الظواهر

و إنك إن كشفت لم تر مخلصا # و أبدى لك التجريب خبث السرائر

و كان يقال بعض‏ (2) التغافل فضيلة و تمام الجود الإمساك عن ذكر المواهب و من الكرم أن تصفح عن التوبيخ و أن تلتمس ستر (3) هتك الكريم‏

____________

(1) ديوانه 1: 93.

(2) ساقطة من ا.

(3) الستر: تغطية الشي‏ء؛ و في الحديث: «إن اللّه حى ستير يحب الستر» .

45

*3219* 219 و من كلامه ع في الحياء

وَ قَالَ ع مَنْ كَسَاهُ اَلْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ اَلنَّاسُ عَيْبَهُ (1) -. قد سبق منا قول كثير في الحياء

[فصل في الحياء و ما قيل فيه‏]

و كان يقال الحياء تمام الكرم و الحلم تمام العقل .

و قال بعض الحكماء الحياء انقباض النفس عن القبائح و هو من خصائص الإنسان لأنه لا يوجد في الفرس و لا في الغنم و البقر و نحو ذلك من أنواع الحيوانات فهو كالضحك الذي يختص به نوع الإنسان و أول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان الحياء و قد جعله الله تعالى في الإنسان ليرتدع به عما تنزع إليه نفسه من القبيح فلا يكون كالبهيمة و هو خلق مركب من جبن و عفة و لذلك لا يكون المستحي فاسقا و لا الفاسق مستحيا (1) لتنافي اجتماع العفة و الفسق و قلما يكون الشجاع مستحيا و المستحي شجاعا لتنافي اجتماع الجبن و الشجاعة و لعزة وجود ذلك ما يجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة و المدح بالحياء نحو قول القائل‏

يجري الحياء الغض من قسماتهم # في حين يجري من أكفهم الدم.

____________

(1) ب: «مستحييا» .

46

و قال آخر

كريم يغض الطرف فضل حيائه # و يدنو و أطراف الرماح دوان.

و متى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ و متى قصد به ترك القبيح فهو مدح لكل أحد و بالاعتبار الأول قيل الحياء بالأفاضل قبيح و بالاعتبار الثاني ورد إن الله ليستحيي من ذي شيبة في الإسلام أن يعذبه أي يترك تعذيبه و يستقبح لكرمه ذلك .

فأما الخجل فحيرة تلحق النفس لفرط الحياء و يحمد في النساء و الصبيان و يذم بالاتفاق في الرجال .

فأما القحة فمذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية و حقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح و اشتقاقها من حافر و قاح أي صلب و لهذه المناسبة قال الشاعر

يا ليت لي من جلد وجهك رقعة # فأعد منها حافرا للأشهب.

و ما أصدق قول الشاعر

صلابة الوجه لم تغلب على أحد # إلا تكامل فيه الشر و اجتمعا.

فأما كيف يكتسب الحياء فمن حق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من نفسه أنه يراه فإن الإنسان يستحيي ممن يكبر في نفسه أن يطلع على عيبه و لذلك لا يستحيي من الحيوان غير الناطق و لا من الأطفال الذين لا يميزون و يستحيي من العالم أكثر مما يستحيي من الجاهل و من الجماعة أكثر مما يستحيي من الواحد و الذين يستحيي الإنسان منهم ثلاثة البشر و نفسه و الله تعالى أما البشر فهم أكثر

47

من يستحيي منه الإنسان في غالب الناس ثم نفسه ثم خالقه و ذلك لقلة توفيقه و سوء اختياره .

و اعلم أن من استحيا من الناس و لم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره و من استحيا منهما و لم يستحي من الله تعالى فليس عارفا لأنه لو كان عارفا بالله لما استحيا من المخلوق دون الخالق أ لا ترى أن الإنسان لا بد أن يستحيي من الذي يعظمه و يعلم أنه يراه أو يستمع بخبره فيبكته و من لا يعرف الله تعالى كيف يستعظمه و كيف يعلم أنه يطلع عليه

14- و في قول 14رسول الله ص استحيوا من الله حق الحياء.

أمر في ضمن كلامه هذا بمعرفته سبحانه و حث عليها و قال سبحانه‏ أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرى‏ََ (1) تنبيها على أن العبد إذا علم أن ربه يراه استحيا من ارتكاب الذنب .

و سئل الجنيد رحمه الله عما يتولد منه الحياء من الله تعالى فقال أن يرى العبد آلاء الله سبحانه و نعمه عليه و يرى تقصيره في شكره .

فإن قال قائل فما معنى

14- قول 14النبي ص من لا حياء له فلا إيمان له.

قيل له لأن الحياء أول ما يظهر من أمارة العقل في الإنسان و أما الإيمان فهو آخر المراتب و محال حصول المرتبة الآخرة لمن لم تحصل له المرتبة الأولى فالواجب إذن أن من لا حياء له فلا إيمان له .

و

14- 14قال ع الحياء شعبة من الإيمان.

و

14- قال الإيمان عريان و لباسه التقوى و زينته الحياء.

____________

(1) سورة العلق 14.

48

*3220* 220 و من كلامه ع في مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع بِكَثْرَةِ اَلصَّمْتِ تَكُونُ اَلْهَيْبَةُ وَ بِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ اَلْمُوَاصِلُونَ وَ بِالْإِفْضَالِ تَعْظُمُ اَلْأَقْدَارُ وَ بِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ اَلنِّعْمَةُ وَ بِاحْتِمَالِ اَلْمُؤَنِ يَجِبُ اَلسُّودَدُ اَلسُّؤْدُدُ وَ بِالسِّيرَةِ اَلْعَادِلَةِ يُقْهَرُ اَلْمُنَاوِئُ وَ بِالْحِلْمِ عَنِ اَلسَّفِيهِ تَكْثُرُ اَلْأَنْصَارُ عَلَيْهِ (1) -. قال يحيى بن خالد ما رأيت أحدا قط صامتا إلا هبته حتى يتكلم فإما أن تزداد تلك الهيبة أو تنقص (2) - و لا ريب أن الإنصاف‏ سبب انعطاف القلوب إلى المنصف (3) - و أن الإفضال‏ و الجود يقتضي عظم القدر لأنه إنعام و المنعم مشكور (4) - و التواضع‏ طريق إلى تمام النعمة (5) - و لا سؤدد إلا باحتمال المؤن كما قال أبو تمام

و الحمد شهد لا ترى مشتاره # يجنيه إلا من نقيع الحنظل‏ (1)

غل لحامله و يحسبه الذي # لم يوه عاتقه خفيف المحمل (6) -.

و السيرة العادلة سبب لقهر الملك الذي يسير بها أعداءه (7) - و من حلم عن سفيه و هو قادر على الانتقام منه نصره الناس كلهم عليه و اتفقوا كلهم على ذم ذلك السفيه و تقبيح فعله‏ (2) و الاستقراء و اختبار العادات تشهد بجميع ذلك‏

____________

(1) ديوانه 3: 42.

(2) ب: «قفله» «تصحيف» .

49

*3221* 221 و من كلامه ع في الحسد

وَ قَالَ ع اَلْعَجَبُ لِغَفْلَةِ اَلْحُسَّادِ عَنْ سَلاَمَةِ اَلْأَجْسَادِ (1) -. إنما لم يحسد الحاسد على صحة الجسد لأنه صحيح الجسد فقد شارك في الصحة و ما يشارك الإنسان غيره فيه لا يحسده عليه و لهذا أرباب الحسد إذا مرضوا حسدوا الأصحاء على الصحة .

فإن قلت فلما ذا تعجب 1أمير المؤمنين ع قلت لكلامه ع وجه و هو أن الحسد لما تمكن في أربابه و صار غريزة فيهم تعجب كيف لا يتعدى هذا الخلق الذميم إلى أن يحسد الإنسان غيره على ما يشاركه فيه فإن زيدا إذا أبغض عمرا بغضا شديدا ود أن تزول عنه نعمته إليه و إن كان ذا نعمة كنعمته‏ (1) بل ربما كان أقوى و أحسن حالا .

و يجوز أن يريد معنى آخر و هو تعجبه من غفلة الحساد على أن الحسد مؤثر في سلامة أجسادهم و مقتض سقمهم و هذا أيضا واضح‏

____________

(1) ا: «مثل نعمته » .

غ

50

*3222* 222 و من كلامه ع في الطمع‏

وَ قَالَ ع اَلطَّامِعُ فِي وِثَاقِ اَلذُّلِّ (1) -. من أمثال البحتري قوله‏

و اليأس إحدى الراحتين و لن ترى # تعبا كظن الخائب المكدود (1)

و كان يقال ما طمعت إلا و ذلت يعنون النفس .

و في البيت المشهور

تقطع أعناق الرجال المطامع‏ (2)

و قالوا عز من قنع و ذل من طمع .

و قد تقدم القول في الطمع مرارا

____________

(1) ديوانه 1: 127.

(2) المجنون؛ ديوانه ص 186، و صدره:

*طمعت بليلى أن تريع و إنّما*.

.

51

*3223* 223 و من كلامه ع في معنى الإيمان‏

وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ اَلْإِيمَانِ فَقَالَ اَلْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ (1) -. قد تقدم قولنا في هذه المسألة و هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة بعينه لأن العمل بالأركان عندنا داخل في مسمى الإيمان أعني فعل الواجبات فمن لم يعمل لم يسم مؤمنا و إن عرف بقلبه و أقر بلسانه و هذا خلاف قول المرجئة من الأشعرية و الإمامية و الحشوية .

فإن قلت فما قولك في النوافل هل هي داخلة في مسمى الإيمان أم لا قلت في هذا خلاف بين أصحابنا و هو مستقصى في كتبي‏ (1) الكلامية

____________

(1) في د: «كتبنا» .

52

*3224* 224 و من كلامه ع في حب الدنيا

وَ قَالَ ع مَنْ أَصْبَحَ عَلَى اَلدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اَللَّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ وَ مَنْ قَرَأَ اَلْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ اَلنَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آيََاتِ اَللََّهِ هُزُواً وَ مَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ اَلدُّنْيَا اِلْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاَثٍ هَمٍّ لاَ يُغِبُّهُ وَ حِرْصٍ لاَ يَتْرُكُهُ وَ أَمَلٍ لاَ يُدْرِكُهُ (1) -. إذا كان الرزق بقضاء الله و قدره فمن حزن لفوات شي‏ء منه فقد سخط قضاء الله و ذلك معصية لأن الرضا بقضاء الله واجب و كذلك من شكا مصيبة حلت به فإنما يشكو فاعلها لا هي لأنها لم تنزل به من تلقاء نفسها و فاعلها هو الله و من اشتكى الله فقد عصاه و التواضع للأغنياء تعظيما لغناهم أو رجاء شي‏ء مما في أيديهم فسق .

و كان يقال لا يحمد التيه إلا من فقير على غني (2) - فأما قوله ع‏ و من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيََاتِ اَللََّهِ هُزُواً .

فلقائل أن يقول قد يكون مؤمنا بالقرآن ليس بمتخذ له هزوا و يقرؤه ثم‏

53

يدخل النار لأنه أتى بكبيرة أخرى نحو القتل و الزنا و الفرار من الزحف و أمثال ذلك .

و الجواب أن معنى كلامه ع هو أن من قرأ القرآن فمات فدخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممن كان يتخذ آيََاتِ اَللََّهِ هُزُواً أي يقرؤه هازئا به ساخرا منه مستهينا بمواعظه و زواجره غير معتقد أنه من عند الله .

فإن قلت إنما دخل من ذكرت النار لا لأجل قراءته القرآن بل لهزئه به و جحوده إياه و أنت قلت معنى كلامه أنه من دخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممن كان يستهزئ بالقرآن .

قلت بل إنما دخل النار لأنه قرأه على صفة الاستهزاء و السخرية أ لا ترى أن الساجد للصنم يعاقب لسجوده له على جهة العبادة و التعظيم و إن كان لو لا ما يحدثه مضافا للسجود من أفعال القلوب لما عوقب .

و يمكن أن يحمل كلامه ع على تفسير آخر فيقال إنه عنى بقوله‏ إنه كما كان ممن يتخذ آيََاتِ اَللََّهِ هُزُواً أنه يعتقد أنها من عند الله و لكنه لا يعمل بموجبها كما يفعله الآن كثير من الناس (1) - .

قوله ع‏ التاط بقلبه أي لصق و لا يغبه أي لا يأخذه غبا بل يلازمه دائما و صدق ع فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة و حب الدنيا هو الموجب للهم و الغم و الحرص و الأمل و الخوف على ما اكتسبه أن ينفد و للشح بما حوت يده و غير ذلك من الأخلاق الذميمة

54

*3225* 225 و من كلامه ع في القناعة و حسن الخلق‏

وَ قَالَ ع كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً وَ بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ نَعِيماً (1) -. قد تقدم القول في هذين و هما القناعة و حسن الخلق .

و كان يقال يستحق الإنسانية من حسن خلقه و يكاد السيئ الخلق يعد من السباع .

و قال بعض الحكماء حد القناعة هو الرضا بما دون الكفاية و الزهد الاقتصار على الزهيد أي القليل و هما متقاربان و في الأغلب إنما الزهد هو رفض الأمور الدنيوية مع القدرة عليها و أما القناعة فهي إلزام النفس الصبر عن المشتهيات التي لا يقدر عليها و كل زهد حصل عن قناعة فهو تزهد و ليس بزهد و كذلك قال بعض الصوفية القناعة أول الزهد تنبيها على أن الإنسان يحتاج أولا إلى قدع نفسه و تخصصه بالقناعة ليسهل عليه تعاطي الزهد و القناعة التي هي الغنى بالحقيقة لأن الناس كلهم فقراء من وجهين أحدهما لافتقارهم إلى الله تعالى كما قال‏ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَللََّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ (1) .

و الثاني لكثرة حاجاتهم فأغناهم لا محالة أقلهم حاجة و من سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها مطمع و هو كمن يرقع الخرق بالخرق و من يسدها بالاستغناء عنها بقدر وسعه و الاقتصار على تناول ضرورياته فهو الغني المقرب من الله سبحانه كما أشار إليه في قصة طالوت إِنَّ اَللََّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاََّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ‏ (2) قال أصحاب المعاني و الباطن هذا إشارة إلى الدنيا

____________

(1) سورة فاطر 15.

(2) سورة البقرة 249.

55

*3226* 226 و من كلامه ع في بيان معنى الحياة الطيبة

وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيََاةً طَيِّبَةً (1) فَقَالَ هِيَ اَلْقَنَاعَةُ (1) -. لا ريب أن الحياة الطيبة هي حياة الغنى و قد بينا أن الغني هو القنوع لأنه إذا كان الغنى عدم الحاجة فأغنى الناس أقلهم حاجة إلى الناس و لذلك كان الله تعالى أغنى الأغنياء لأنه لا حاجة به إلى شي‏ء و على هذا

14- دل 14النبي بقوله ص ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس.

و قال الشاعر

فمن أشرب اليأس كان الغني # و من أشرب الحرص كان الفقيرا.

و قال الشاعر

غنى النفس ما يكفيك من سد خلة # فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

و قال بعض الحكماء المخير بين أن يستغني عن الدنيا و بين أن يستغني بالدنيا كالمخير بين أن يكون مالكا أو مملوكا .

و لهذا

14- 14قال ع تعس عبد الدينار و الدرهم تعس فلا انتعش و شيك فلا انتقش‏ (2) .

____________

(1) سورة النحل 97.

(2) ب: «شبك» تحريف، قال ابن الأثير: أى إذا دخلت فيه شوكة لا أخرجها من موضعها، و به سمى المنقاش الذي ينقش به» .

56

و قيل لحكيم لم لا تغتم قال لأني لم أتخذ ما يغمني فقده .

و قال الشاعر

فمن سره ألا يرى ما يسوءه # فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا.

و قال أصحاب هذا الشأن القناعة من وجه صبر و من وجه جود لأن الجود ضربان جود بما في يدك منتزعا و جود عما في يد غيرك متورعا و ذلك أشرفهما و لا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي و يعرف عيوبها و آفاتها و يعرف الآخرة و افتقاره إليها و لا بد في ذلك من العلم أ لا ترى إلى قوله تعالى‏ قََالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا يََا لَيْتَ لَنََا مِثْلَ مََا أُوتِيَ قََارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ `وَ قََالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوََابُ اَللََّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً وَ لاََ يُلَقََّاهََا إِلاَّ اَلصََّابِرُونَ‏ (1) .

و لأن الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة و هو يبيعها بها كما قال الله تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ‏ (2) الآية .

و الكيس لا يبيع عينا بأثر إلا إذا عرفهما و عرف فضل ما يبتاع على ما يبيع‏

____________

(1) سورة القصص 79، 80.

(2) سورة التوبة 111.