شرح نهج البلاغة - ج20

- ابن ابي الحديد المزيد...
364 /
3

الجزء العشرون‏

تتمة باب الحكم و المواعظ

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل‏

*3409* 409 و من كلامه ع في التوصية بالتشبه بأخلاق الناس للأمن من غوائلهم‏

وَ قَالَ ع: مُقَارَبَةُ اَلنَّاسِ فِي أَخْلاَقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ (1) -. إلى هذا نظر المتنبي في قوله‏

و خلة في جليس أتقيه بها # كيما يرى أننا مثلان في الوهن‏ (1)

و كلمة في طريق خفت أعربها # فيهتدى لي فلم أقدر على اللحن.

و قال الشاعر

و ما أنا إلا كالزمان إذا صحا # صحوت و إن ماق الزمان أموق‏ (2) .

و كان يقال إذا نزلت على قوم فتشبه بأخلاقهم فإن الإنسان من حيث يوجد لا من حيث يولد و في الأمثال القديمة من دخل ظفار حمر .

شاعر

أحامقه حتى يقال سجية # و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله‏

____________

(1) ديوانه 4: 212.

(2) لبشار، الأغانى 3: 225.

4

*3410* 410 و من كلامه ع في جواب بعض مخاطبيه و قد تكلم بكلمة يستصغر مثله عن قول مثلها

وَ قَالَ ع لِبَعْضِ مُخَاطِبِيهِ وَ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يُسْتَصْغَرُ مِثْلُهُ عَنْ قَوْلِ مِثْلِهَا لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً وَ هَدَرْتَ سَقْباً. قال الشكير هاهنا أول ما ينبت من ريش الطائر قبل أن يقوى و يستحصف و السقب الصغير من الإبل و لا يهدر إلا بعد أن يستفحل (1) - هذا مثل قولهم قد زبب قبل أن يحصرم .

و من أمثال العامة يقرأ بالشواذ و ما حفظ بعد جزء المفصل‏

5

*3411* 411 و من كلامه ع في الاستدلال بالمتشابه من القرآن في التوحيد و العدل‏

وَ قَالَ ع: مَنْ أَوْمَأَ إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ اَلْحِيَلُ (1) -. قيل في تفسيره من استدل بالمتشابه من القرآن في التوحيد و العدل انكشفت حيلته فإن علماء التوحيد قد أوضحوا تأويل ذلك .

و قيل من بنى عقيدة له مخصوصة على أمرين مختلفين حق و باطل كان مبطلا .

و قيل من أومأ بطمعه و أمله إلى فائت قد مضى و انقضى لن تنفعه حيلة أي لا يتبعن أحدكم أمله ما قد فاته و هذا ضعيف لأن المتفاوت في اللغة غير الفائت‏

6

*3412* 412 و من كلامه ع في بيان معنى قول لا حول و لا قوة إلا بالله‏

وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اَللَّهِ شَيْئاً وَ لاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا وَ مَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا (1) -. معنى هذا الكلام أنه ع جعل الحول عبارة عن الملكية و التصرف و جعل القوة عبارة عن التكليف كأنه يقول لا تملك و لا تصرف إلا بالله و لا تكليف لأمر من الأمور إلا بالله فنحن لا نملك مع الله شيئا أي لا نستقل بأن نملك شيئا لأنه لو لا إقداره إيانا و خلقته لنا أحياء لم نكن مالكين و لا متصرفين فإذا ملكنا شيئا هو أملك به أي أقدر عليه منا صرنا مالكين له كالمال مثلا حقيقة و كالعقل و الجوارح و الأعضاء مجازا و حينئذ يكون مكلفا لنا أمرا يتعلق بما ملكنا إياه نحو أن يكلفنا الزكاة عند تمليكنا المال و يكلفنا النظر عند تمليكنا العقل و يكلفنا الجهاد و الصلاة و الحج و غير ذلك عند تمليكنا الأعضاء و الجوارح و متى أخذ منا المال وضع عنا تكليف الزكاة و متى أخذ العقل سقط تكليف النظر و متى أخذ الأعضاء و الجوارح سقط تكليف الجهاد و ما يجري مجراه .

هذا هو تفسير قوله ع فأما غيره فقد فسره بشي‏ء آخر

6- قال‏

7

أبو عبد الله جعفر بن محمد ع فلا حول على الطاعة و لا قوة على ترك المعاصي إلا بالله.

و قال قوم و هم المجبرة لا فعل من الأفعال إلا و هو صادر من الله و ليس في اللفظ ما يدل ما ادعوا و إنما فيه أنه لا اقتدار إلا بالله و ليس يلزم من نفي الاقتدار إلا بالله صدق قولنا لا فعل من الأفعال إلا و هو صادر عن الله و الأولى في تفسير هذه اللفظة أن تحمل على ظاهرها و ذلك أن الحول هو القوة و القوة هي الحول كلاهما مترادفان و لا ريب أن القدرة من الله تعالى فهو الذي أقدر المؤمن على الإيمان و الكافر على الكفر و لا يلزم من ذلك مخالفة القول بالعدل لأن القدرة ليست موجبة .

فإن قلت فأي فائدة في ذكر ذلك و قد علم كل أحد أن الله تعالى خلق القدرة في جميع الحيوانات قلت المراد بذلك الرد على من أثبت صانعا غير الله كالمجوس و الثنوية فإنهم قالوا بإلهين أحدهما يخلق قدرة الخير و الآخر يخلق قدرة الشر

8

*3413* 413 و من كلامه ع في ما سمعه من عمار بن ياسر و قد كان يراجع المغيرة بن شعبة كلاما

وَ قَالَ ع لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعَالَى وَ قَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ اَلْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلاَماً دَعْهُ يَا عَمَّارُ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْخُذَ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ اَلدِّينِ إِلاَّ مَا قَارَبَهُ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ عَلَى عَمْدٍ لَبَّسَ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ اَلشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ (1) -.

[المغيرة بن شعبة]

أصحابنا غير متفقين على السكوت على المغيرة بل أكثر البغداديين يفسقونه و يقولون فيه ما يقال في الفاسق

14- و لما جاء عروة بن مسعود الثقفي إلى 14رسول الله ص نظر إليه قائما على رأس 14رسول الله ص مقلدا سيفا فقيل من هذا قيل ابن أخيك المغيرة قال و أنت هاهنا يا غدر و الله إني إلى الآن ما غسلت سوءتك .

و كان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح و لا إنابة و نية جميلة كان قد صحب قوما في بعض الطرق فاستغفلهم و هم نيام فقتلهم و أخذ أموالهم و هرب خوفا أن يلحق فيقتل أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم فقدم المدينة فأظهر الإسلام و كان 14رسول الله ص

9

لا يرد على أحد إسلامه أسلم عن علة أو عن إخلاص فامتنع بالإسلام و اعتصم و حمي جانبه .

14- ذكر حديثه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب الأغاني‏ (1) قال كان المغيرة يحدث حديث إسلامه قال خرجت مع قوم من بني مالك و نحن على دين الجاهلية إلى المقوقس ملك مصر فدخلنا إلى الإسكندرية و أهدينا للملك هدايا كانت معنا فكنت أهون أصحابي عليه و قبض هدايا القوم و أمر لهم بجوائز و فضل بعضهم على بعض و قصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له و خرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم و هم مسرورون و لم يعرض أحد منهم علي مواساة فلما خرجوا حملوا معهم خمرا فكانوا يشربون منها فأشرب معهم و نفسي تأبى أن تدعني معهم و قلت ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا و ما حباهم به الملك و يخبرون قومي بتقصيره بي و ازدرائه إياي فأجمعت على قتلهم فقلت إني أجد صداعا فوضعوا شرابهم و دعوني فقلت رأسي يصدع و لكن اجلسوا فأسقيكم فلم ينكروا من أمري شيئا فجلست أسقيهم و أشرب القدح بعد القدح فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب فجعلت أصرف لهم و أترع الكأس [فيشربون و لا يدرون‏] (2) فأهمدتهم الخمر حتى ناموا ما يعقلون فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا و أخذت جميع ما كان معهم .

و قدمت المدينة فوجدت 14النبي ص بالمسجد و عنده أبو بكر و كان بي عارفا فلما رآني قال ابن أخي عروة قلت نعم قد جئت أشهد أن لا إله إلا الله و أن 14محمدا رسول الله فقال 14رسول الله ص الحمد لله فقال أبو بكر من مصر أقبلت قلت نعم قال فما فعل المالكيون الذين كانوا معك قلت كان

____________

(1) الأغانى 16: 80-82 (طبعة دار الكتب) مع اختلاف الرواية.

(2) من الأغانى.

10

بيني و بينهم بعض ما يكون بين العرب و نحن على دين الشرك فقتلتهم و أخذت أسلابهم و جئت بها إلى 14رسول الله ص ليخمسها [و يرى فيها رأيه‏] (1) فإنها غنيمة من المشركين فقال 14رسول الله أما إسلامك فقد قبلته و لا نأخذ من أموالهم شيئا و لا نخمسها لأن هذا غدر و الغدر لا خير فيه فأخذني ما قرب و ما بعد فقلت يا 14رسول الله إنما قتلتهم و أنا على دين قومي ثم أسلمت حين دخلت إليك الساعة فقال ع الإسلام يجب ما قبله قال و كان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا و احتوى ما معهم فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف فتداعوا للقتال ثم اصطلحوا على أن حمل عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية .

قال فذلك معنى قول عروة يا غدر أنا إلى الأمس أغسل سوءتك فلا أستطيع أن أغسلها فلهذا قال أصحابنا البغداديون من كان إسلامه على هذا الوجه و كانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به من لعن 1علي ع على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل و كان المتوسط من عمره الفسق و الفجور و إعطاء البطن و الفرج سؤالهما و ممالأة الفاسقين و صرف الوقت إلى غير طاعة الله كيف نتولاه و أي عذر لنا في الإمساك عنه و ألا نكشف للناس فسقه

[إيراد كلام لأبي المعالي الجويني في أمر الصحابة و الرد عليه‏]

و حضرت عند النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري في سنة إحدى عشرة و ستمائة ببغداد و عنده جماعة و أحدهم يقرأ في الأغاني لأبي الفرج فمر ذكر المغيرة بن شعبة و خاض القوم فذمه بعضهم و أثنى عليه بعضهم و أمسك عنه آخرون فقال

____________

(1) من الأغانى.

11

بعض فقهاء الشيعة ممن كان يشتغل بطرف من علم الكلام على رأي الأشعري الواجب الكف و الإمساك عن الصحابة و عما شجر بينهم فقد

14- قال أبو المعالي الجويني إن 14رسول الله ص نهى عن ذلك و قال إياكم و ما شجر بين صحابتي .

14- و قال دعوا لي أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه.

14- و قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

14- و قال خيركم القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم الذي يليه.

و قد ورد في القرآن الثناء على الصحابة و على التابعين

14- و قال 14رسول الله ص و ما يدريك لعل الله اطلع على أهل‏فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

و قد روي عن الحسن البصري أنه ذكر عنده‏وفقال تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا .

ثم إن تلك الأحوال قد غابت عنا و بعدت أخبارها على حقائقها فلا يليق بنا أن نخوض فيها و لو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب [أن يحفظ 14رسول الله ص فيه و من المروءة] (1) أن يحفظ 14رسول الله ص في عائشة زوجته و في الزبير ابن عمته و في طلحة الذي وقاه بيده ثم ما الذي ألزمنا و أوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه و أي ثواب في اللعنة و البراءة إن الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلف لم لم تلعن بل قد يقول له لم لعنت و لو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يكن عاصيا و لا آثما و إذا جعل الإنسان عوض اللعنة أستغفر الله كان خيرا له ثم كيف يجوز للعامة أن تدخل أنفسها في أمور الخاصة و أولئك قوم كانوا أمراء هذه الأمة و قادتها و نحن اليوم في طبقة سافلة جدا عنهم فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم أ ليس يقبح من الرعية أن تخوض في دقائق أمور الملك و أحواله و شئونه التي تجري بينه و بين أهله و بني عمه و نسائه و سراريه و قد كان

____________

(1) تكملة من ا.

12

14رسول الله ص صهرا لمعاوية و أخته أم حبيبة تحته فالأدب أن تحفظ أم حبيبة و هي أم المؤمنين في أخيها .

و كيف يجوز أن يلعن من جعل الله تعالى بينه و بين 14رسوله مودة أ ليس المفسرون كلهم قالوا هذه الآية أنزلت في أبي سفيان و آله و هي قوله تعالى‏ عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ عََادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً (1) فكان ذلك مصاهرة 14رسول الله ص أبا سفيان و تزويجه ابنته على أن جميع ما تنقله الشيعة من الاختلاف بينهم و المشاجرة لم يثبت و ما كان القوم إلا كبني أم واحدة و لم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط و لا وقع بينهم اختلاف و لا نزاع .

فقال أبو جعفر رحمه الله قد كنت منذ أيام علقت بخطي كلاما وجدته لبعض الزيدية في هذا المعنى نقضا و ردا على أبي المعالي الجويني فيما اختاره لنفسه من هذا الرأي و أنا أخرجه إليكم لأستغني بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه فإني أجد ألما يمنعني من الإطالة في الحديث لا سيما إذا خرج مخرج الجدل و مقاومة الخصوم ثم أخرج من بين كتبه كراسا قرأناه في ذلك المجلس و استحسنه الحاضرون و أنا أذكر هاهنا خلاصته .

قال لو لا أن الله تعالى أوجب معاداة أعدائه كما أوجب موالاة أوليائه و ضيق على المسلمين تركها إذا دل العقل عليها أو صح الخبر عنها بقوله سبحانه‏ لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ 14رَسُولَهُ وَ لَوْ كََانُوا آبََاءَهُمْ أَوْ أَبْنََاءَهُمْ أَوْ إِخْوََانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏ (2) و بقوله تعالى‏ وَ لَوْ كََانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلنَّبِيِّ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيََاءَ (3) و بقوله سبحانه‏ لاََ تَتَوَلَّوْا قَوْماً

____________

(1) سورة الممتحنة 7.

(2) سورة المجادلة 22.

(3) سورة المائدة 81.

13

غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ‏ (1) و لإجماع المسلمين على أن الله تعالى فرض عداوة أعدائه و ولاية أوليائه و على أن البغض في الله واجب و الحب في الله واجب لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين و لا البراءة منه و لكانت عداوتنا للقوم تكلفا و لو ظننا أن الله عز و جل يعذرنا إذا قلنا يا رب غاب أمرهم عنا فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى لاعتمدنا على هذا العذر و واليناهم و لكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم فلم يغب عن قلوبكم و أسماعكم قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الإقرار 14بالنبي ص و موالاة من صدقه و معاداة من عصاه و جحده و أمرتم بتدبر القرآن و ما جاء به 14الرسول فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الآية غدا رَبَّنََا إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ (2) .

فأما لفظة اللعن فقد أمر الله تعالى بها و أوجبها أ لا ترى إلى قوله‏ أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ‏ (3) فهو إخبار معناه الأمر كقوله‏ وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاََثَةَ قُرُوءٍ (4) و قد لعن الله تعالى العاصين بقوله‏ لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ لِسََانِ دََاوُدَ (5) و قوله‏ إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ وَ 14رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً مُهِيناً (6) و قوله‏ مَلْعُونِينَ أَيْنَمََا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً (7) و قال الله تعالى لإبليس وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ََ يَوْمِ اَلدِّينِ‏ (8) و قال‏ إِنَّ اَللََّهَ لَعَنَ اَلْكََافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (9) .

____________

(1) سورة الممتحنة 13.

(2) سورة الأحزاب 67.

(3) سورة البقرة 159.

(4) سورة البقرة 228.

(5) سورة المائدة 78.

(6) سورة الأحزاب 57.

(7) سورة الأحزاب 61.

(8) سورة ص 78.

(9) سورة الأحزاب 64.

14

فأما قول من يقول أي ثواب في اللعن و إن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن بل قد يقول له لم لعنت و أنه لو جعل مكان لعن الله فلانا اللهم اغفر لي لكان خيرا له و لو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يؤاخذ بذلك فكلام جاهل لا يدري ما يقول اللعن طاعة و يستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها و هو أن يلعن مستحق اللعن لله و في الله لا في العصبية و الهوى أ لا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفي الولد و نطق بها القرآن و هو أن يقول الزوج في الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَيْهِ إِنْ كََانَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ‏ (1) فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة و أنه قد تعبدهم بها لما جعلها من معالم الشرع و لما كررها في كثير من كتابه العزيز و لما قال في حق القاتل‏ وَ غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ‏ (2) و ليس المراد من قوله‏ وَ لَعَنَهُ إلا الأمر لنا بأن نلعنه و لو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه لأن الله تعالى قد لعنه أ فيلعن الله تعالى إنسانا و لا يكون لنا أن نلعنه هذا ما لا يسوغ في العقل كما لا يجوز أن يمدح الله إنسانا إلا و لنا أن نمدحه و لا يذمه إلا و لنا أن نذمه و قال تعالى‏ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ‏ (3) و قال‏ رَبَّنََا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذََابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (4) و قال عز و جل‏ وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا (5) و كيف يقول القائل إن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن أ لا يعلم هذا القائل أن الله تعالى أمر بولاية أوليائه و أمر بعداوة أعدائه فكما يسأل عن التولي يسأل عن التبري أ لا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بأن يقال له تلفظ بكلمة الشهادتين ثم قل برئت

____________

(1) سورة النور 7.

(2) سورة النساء 93.

(3) سورة المائدة 60.

(4) سورة الأحزاب 68.

(5) سورة المائدة 64.

15

من كل دين يخالف دين الإسلام فلا بد من البراءة لأن بها يتم العمل أ لم يسمع هذا القائل قول الشاعر

تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك إن الرأي عنك لعازب.

فمودة العدو خروج عن ولاية الولي و إذا بطلت المودة لم يبق إلا البراءة لأنه لا يجوز أن يكون الإنسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى و عصاته بألا يودهم و لا يبرأ منهم بإجماع المسلمين على نفي هذه الواسطة .

و أما قوله لو جعل عوض اللعنة أستغفر الله لكان خيرا له فإنه لو استغفر من غير أن يلعن أو يعتقد وجوب اللعن لما نفعه استغفاره و لا قبل منه لأنه يكون عاصيا لله تعالى مخالفا أمره في إمساكه عمن أوجب الله تعالى عليه البراءة منه و إظهار البراءة و المصر على بعض المعاصي لا تقبل توبته و استغفاره عن البعض الآخر و أما من يعيش عمره و لا يلعن إبليس فإن كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر و إن كان يعتقد وجوب لعنه و لا يلعنه فهو مخطئ على أن الفرق بينه و بين ترك لعنة رءوس الضلال في هذه الأمة كمعاوية و المغيرة و أمثالهما أن أحدا من المسلمين لا يورث عنده الإمساك عن لعن إبليس شبهه في أمر إبليس و الإمساك عن لعن هؤلاء و أضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم و تجنب ما يورث الشبهة في الدين واجب فلهذا لم يكن الإمساك عن لعن إبليس نظيرا للإمساك عن أمر هؤلاء .

ـقال ثم يقال للمخالفين أ رأيتم لو قال قائل قد غاب عنا أمر يزيد بن معاوية و الحجاج بن يوسف فليس ينبغي أن نخوض في قصتهما و لا أن نلعنهما و نعاديهما و نبرأ منهما هل كان هذا إلا كقولكم قد غاب عنا أمر معاوية و المغيرة بن‏

16

شعبة و أضرابهما فليس لخوضنا في قصتهم معنى .

و بعد فكيف أدخلتم أيها العامة و الحشوية و أهل الحديث أنفسكم في أمر عثمان و خضتم فيه و قد غاب عنكم و برئتم من قتلته و لعنتموهم و كيف لم تحفظوا أبا بكر الصديق في محمد ابنه فإنكم لعنتموه و فسقتموه و لا حفظتم عائشة أم المؤمنين في أخيها محمد المذكور و منعتمونا أن نخوض و ندخل أنفسنا في أمر 1علي و 2الحسن و 3الحسين و معاوية الظالم له و لهما المتغلب على حقه و حقوقهما و كيف صار لعن ظالم عثمان من السنة عندكم و لعن ظالم 1علي و 2الحسن و 3الحسين تكلفا و كيف أدخلت العامة أنفسها في أمر عائشة و برئت ممن نظر إليها و من القائل لها يا حميراء أو إنما هي حميراء و لعنته بكشفه سترها و منعتنا نحن عن الحديث في أمر 15فاطمة و ما جرى لها بعد وفاة أبيها .

فإن قلتم إن بيت 15فاطمة إنما دخل و سترها إنما كشف حفظا لنظام الإسلام و كيلا ينتشر الأمر و يخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقة (1) الطاعة و لزوم الجماعة .

قيل لكم و كذلك ستر عائشة إنما كشف و هودجها إنما هتك لأنها نشرت‏ (2) حبل الطاعة و شقت عصا المسلمين و أراقت دماء المسلمين من قبل وصول 1علي بن أبي طالب ع إلى البصرة و جرى لها مع عثمان بن حنيف و حكيم بن جبلة و من كان معهما من المسلمين الصالحين من القتل و سفك الدماء ما تنطق به كتب التواريخ و السير فإذا جاز دخول بيت 15فاطمة لأمر لم يقع بعد جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع و تحقق فكيف صار هتك ستر عائشة من الكبائر التي يجب معها التخليد في النار

____________

(1) ربقة الطاعة: عروتها.

(2) نشرت حبل الطاعة: أى قطعته.

17

و البراءة من فاعله و من أوكد عرى الإيمان و صار كشف بيت 15فاطمة و الدخول عليها منزلها و جمع حطب ببابها و تهددها بالتحريق من أوكد عرى الدين و أثبت دعائم الإسلام و مما أعز الله به المسلمين و أطفأ به نار الفتنة و الحرمتان واحدة و الستران واحد و ما نحب أن نقول لكم أن حرمة فاطمة أعظم و مكانها أرفع و صيانتها لأجل 14رسول الله ص أولى فإنها بضعة منه و جزء من لحمه و دمه و ليست كالزوجة الأجنبية التي لا نسب بينها و بين الزوج و إنما هي وصلة مستعارة و عقد يجري مجرى إجارة المنفعة و كما يملك رق الأمة بالبيع و الشراء و لهذا قال الفرضيون أسباب التوارث ثلاثة سبب و نسب و ولاء فالنسب القرابة و السبب النكاح و الولاء ولاء العتق فجعلوا النكاح خارجا عن النسب و لو كانت الزوجة ذات نسب لجعلوا الأقسام الثلاثة قسمين .

و كيف تكون عائشة أو غيرها في منزلة 15فاطمة و قد أجمع المسلمون كلهم من يحبها و من لا يحبها منهم أنها سيدة نساء العالمين .

قال و كيف يلزمنا اليوم حفظ 14رسول الله ص في زوجته و حفظ أم حبيبة في أخيها و لم تلزم الصحابة أنفسها حفظ 14رسول الله ص في أهل بيته و لا ألزمت الصحابة أنفسها حفظ 14رسول الله ص في صهره و ابن عمه ابن عفان و قد قتلوهم و لعنوهم و لقد كان كثير من الصحابة يلعن عثمان و هو خليفة منهم عائشة كانت تقول اقتلوا نعثلا لعن الله نعثلا و منهم عبد الله بن مسعود و قد لعن معاوية 1علي بن أبي طالب و ابنيه 2حسنا و 3حسينا و هم أحياء يرزقون بالعراق و هو يلعنهم بالشام على المنابر و يقنت عليهم في الصلوات و قد لعن أبو بكر و عمر سعد بن عبادة و هو حي و برءا منه و أخرجاه من المدينة إلى الشام و لعن عمر

18

خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة و ما زال اللعن فاشيا في المسلمين إذا عرفوا من الإنسان معصية تقتضي اللعن و البراءة .

قال و لو كان هذا أمرا معتبرا و هو أن يحفظ زيد لأجل عمرو فلا يلعن لوجب أن تحفظ الصحابة في أولادهم فلا يلعنوا لأجل آبائهم فكان يجب أن يحفظ سعد بن أبي وقاص فلا يلعن ابنه عمر بن سعد قاتل 3الحسين و أن يحفظ معاوية فلا يلعن يزيد صاحب‏و قاتل 3الحسين و مخيف المسجد الحرام بمكة و أن يحفظ عمر بن الخطاب في عبيد الله ابنه قاتل الهرمزان و المحارب 1عليا ع في.

قال على أنه لو كان الإمساك عن عداوة من عادى الله من أصحاب 14رسول الله ص من حفظ 14رسول الله ص في أصحابه و رعاية عهده و عقده لم نعادهم و لو ضربت رقابنا بالسيوف و لكن محبة 14رسول الله ص لأصحابه ليست كمحبة الجهال الذين يصنع أحدهم محبته لصاحبه موضع العصبية و إنما أوجب الله 14رسول الله ص محبة أصحابه لطاعتهم لله فإذا عصوا الله و تركوا ما أوجب محبتهم فليس عند 14رسول الله ص محاباة في ترك لزوم ما كان عليه من محبتهم و لا تغطرس في العدول عن التمسك بموالاتهم فلقد كان ص يحب أن يعادي أعداء الله و لو كانوا عترته كما يحب أن يوالي أولياء الله و لو كانوا أبعد الخلق نسبا منه و الشاهد على ذلك إجماع الأمة على أن الله تعالى قد أوجب عداوة من ارتد بعد الإسلام و عداوة من نافق و إن كان من أصحاب 14رسول الله ص و أن 14رسول الله ص هو الذي أمر بذلك و دعا إليه‏

19

و ذلك أنه ص قد أوجب قطع السارق و ضرب القاذف و جلد البكر إذا زنى و إن كان من المهاجرين أو الأنصار أ لا ترى

14- أنه قال لو سرقت 15فاطمة لقطعتها.

فهذه ابنته الجارية مجرى نفسه لم يحابها في دين الله و لا راقبها في حدود الله و قد جلد أصحاب الإفك و منهم مسطح بن أثاثة و كان من أهل.

قال و بعد فلو كان محل أصحاب 14رسول الله ص محل من لا يعادي إذا عصى الله سبحانه و لا يذكر بالقبيح بل يجب أن يراقب لأجل اسم الصحبة و يغضى عن عيوبه و ذنوبه لكان كذلك صاحب موسى المسطور ثناؤه في القرآن لما اتبع هواه فانسلخ مما أوتي من الآيات و غوى قال سبحانه‏ وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ‏ (1) و لكان ينبغي أن يكون محل عبدة العجل من أصحاب موسى هذا المحل لأن هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولا جليلا من رسل الله سبحانه .

قال و لو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة لعلمت ذلك من حال أنفسها لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا و إذا قدرت أفعال بعضهم ببعض دلتك على أن القصة كانت على خلاف ما قد سبق إلى قلوب الناس اليوم هذا 1علي و عمار و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت و جميع من كان مع 1علي ع من المهاجرين و الأنصار لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة و الزبير حتى فعلوا بهما و بمن معهما ما يفعل بالشراة في عصرنا و هذا طلحة و الزبير و عائشة و من كان معهم و في جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن 1علي حتى قصدوا له كما يقصد للمتغلبين في زماننا و هذا معاوية و عمرو لم يريا

____________

(1) سورة الأعراف 175.

20

1عليا بالعين التي يرى بها العامي صديقه أو جاره و لم يقصرا دون ضرب وجهه بالسيف و لعنه و لعن أولاده و كل من كان حيا من أهله و قتل أصحابه و قد لعنهما هو أيضا في الصلوات المفروضات و لعن معهما أبا الأعور السلمي و أبا موسى الأشعري و كلاهما من الصحابة و هذا سعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة و أسامة بن زيد و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و عبد الله بن عمر و حسان بن ثابت و أنس بن مالك لم يروا أن يقلدوا 1عليا في حرب طلحة و لا طلحة في حرب 1علي و طلحة و الزبير بإجماع المسلمين أفضل من هؤلاء المعدودين لأنهم زعموا أنهم قد خافوا أن يكون 1علي قد غلط و زل في حربهما و خافوا أن يكونا قد غلطا و زلا في حرب 1علي و هذا عثمان قد نفى أبا ذر إلى الربذة كما يفعل بأهل الخنا و الريب و هذا عمار و ابن مسعود تلقيا عثمان بما تلقياه به لما ظهر لهما بزعمهما منه ما وعظاه لأجله ثم فعل بهما عثمان ما تناهى إليكم ثم فعل القوم بعثمان ما قد علمتم و علم الناس كلهم و هذا عمر يقول في قصة الزبير بن العوام لما استأذنه في الغزو ها إني ممسك بباب هذا الشعب أن يتفرق أصحاب 14محمد في الناس فيضلوهم و زعم أنه و أبو بكر كانا يقولان إن 1عليا و العباس في قصة الميراث زعماهما كاذبين ظالمين فاجرين و ما رأينا 1عليا و العباس اعتذرا و لا تنصلا و لا نقل أحد من أصحاب الحديث ذلك و لا رأينا أصحاب 14رسول الله ص أنكروا عليهما ما حكاه عمر عنهما و نسبه إليهما و لا أنكروا أيضا على عمر قوله في أصحاب 14رسول الله ص إنهم يريدون إضلال الناس و يهمون به و لا أنكروا على عثمان دوس بطن عمار و لا كسر ضلع ابن مسعود و لا على عمار و ابن مسعود ما تلقيا به عثمان كإنكار العامة اليوم الخوض في حديث الصحابة و لا اعتقدت الصحابة في أنفسها ما يعتقده العامة فيها اللهم إلا أن يزعموا أنهم أعرف بحق القوم منهم و هذا 1علي

21

و 15فاطمة و العباس ما زالوا على كلمة واحدة يكذبون الرواية نحن معاشر الأنبياء لا نورث و يقولون إنها مختلقة .

ـقالوا و كيف كان 14النبي ص يعرف هذا الحكم غيرنا و يكتمه عنا و نحن الورثة و نحن أولى الناس بأن يؤدى هذا الحكم إليه و هذا عمر بن الخطاب يشهد لأهل‏أنهم النفر الذين توفي 14رسول الله ص و هو عنهم راض ثم يأمر بضرب أعناقهم إن أخروا فصل حال الإمامة هذا بعد أن ثلبهم و قال في حقهم ما لو سمعته العامة اليوم من قائل لوضعت ثوبه في عنقه سحبا إلى السلطان ثم شهدت عليه بالرفض و استحلت دمه فإن كان الطعن على بعض الصحابة رفضا فعمر بن الخطاب أرفض الناس و إمام الروافض كلهم ثم ما شاع و اشتهر من قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه و هذا طعن في العقد و قدح في البيعة الأصلية .

ثم ما نقل عنه من ذكر أبي بكر في صلاته و قوله عن عبد الرحمن ابنه دويبة سوء و لهو خير من أبيه ثم عمر القائل في سعد بن عبادة و هو رئيس الأنصار و سيدها اقتلوا سعدا قتل الله سعدا اقتلوه فإنه منافق و قد شتم أبا هريرة و طعن في روايته و شتم خالد بن الوليد و طعن في دينه و حكم بفسقه و بوجوب قتله و خون عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان و نسبهما إلى سرقة مال الفي‏ء و اقتطاعه و كان سريعا إلى المساءة كثير الجبه و الشتم و السب لكل أحد و قل أن يكون في الصحابة من سلم من معرة لسانه أو يده و لذلك أبغضوه و ملوا أيامه مع كثرة الفتوح فيها فهلا احترم عمر الصحابة كما تحترمهم العامة إما أن يكون عمر مخطئا و إما أن تكون العامة على الخطإ .

22

فإن قالوا عمر ما شتم و لا ضرب و لا أساء إلا إلى عاص مستحق لذلك قيل لهم فكأنا نحن نقول إنا نريد أن نبرأ و نعادي من لا يستحق البراءة و المعاداة كلا ما قلنا هذا و لا يقول هذا مسلم و لا عاقل و إنما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس و عليهم ما عليهم من أساء منهم ذممناه و من أحسن منهم حمدناه و ليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول و معاصرته لا غير بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم لأنهم شاهدوا الأعلام و المعجزات فقربت اعتقاداتهم من الضرورة و نحن لم نشاهد ذلك فكانت عقائدنا محض النظر و الفكر و بعرضية الشبه و الشكوك فمعاصينا أخف لأنا أعذر .

ثم نعود إلى ما كنا فيه فنقول و هذه عائشة أم المؤمنين خرجت بقميص 14رسول الله ص فقالت للناس هذا قميص 14رسول الله لم يبل و عثمان قد أبلى سنته ثم تقول اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا ثم لم ترض بذلك حتى قالت أشهد أن عثمان جيفة على الصراط غدا فمن الناس من يقول روت في ذلك خبرا و من الناس من يقول هو موقوف عليها و بدون هذا لو قاله إنسان اليوم يكون عند العامة زنديقا ثم قد حصر عثمان حصرته أعيان الصحابة فما كان أحد ينكر ذلك و لا يعظمه و لا يسعى في إزالته و إنما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له و هو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب 14رسول الله ص ثم من أشرافهم ثم هو أقرب إليه من أبي بكر و عمر و هو مع ذلك إمام المسلمين و المختار منهم للخلافة و للإمام حق على رعيته عظيم فإن كان القوم قد أصابوا فإذن ليست الصحابة في الموضع الذي وضعتها به العامة و إن كانوا ما أصابوا فهذا هو الذي نقول من أن الخطأ جائز على‏

23

آحاد الصحابة كما يجوز على آحادنا اليوم و لسنا نقدح في الإجماع و لا ندعي إجماعا حقيقيا على قتل عثمان و إنما نقول إن كثيرا من المسلمين فعلوا ذلك و الخصم يسلم أن ذلك كان خطأ و معصية فقد سلم أن الصحابي يجوز أن يخطئ و يعصي و هو المطلوب .

و هذا المغيرة بن شعبة و هو من الصحابة ادعى عليه الزنا و شهد عليه قوم بذلك فلم ينكر ذلك عمر و لا قال هذا محال و باطل لأن هذا صحابي من صحابة 14رسول الله ص لا يجوز عليه الزنا و هلا أنكر عمر على الشهود و قال لهم ويحكم هلا تغافلتم عنه لما رأيتموه يفعل ذلك فإن الله تعالى قد أوجب الإمساك عن مساوئ أصحاب 14رسول الله ص و أوجب الستر عليهم و هلا تركتموه

14- 14لرسول الله ص في قوله دعوا لي أصحابي.

ما رأينا عمر إلا قد انتصب لسماع الدعوى و إقامة الشهادة و أقبل يقول للمغيرة يا مغيرة ذهب ربعك يا مغيرة ذهب نصفك يا مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك حتى اضطرب الرابع فجلد الثلاثة و هلا قال المغيرة لعمر كيف تسمع في قول هؤلاء و ليسوا من الصحابة و أنا من الصحابة

14- و 14رسول الله ص قد قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

ما رأيناه قال ذلك بل استسلم لحكم الله تعالى و هاهنا من هو أمثل من المغيرة و أفضل قدامة بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر فأقام عليه الحد و هو رجل من علية الصحابة و من أهل‏و المشهود لهم بالجنة فلم يرد عمر الشهادة و لا درأ عنه الحد لعلة أنه‏و لا قال قد نهى 14رسول الله ص عن ذكر مساوئ الصحابة و قد ضرب عمر أيضا ابنه حدا فمات و كان ممن عاصر 14رسول الله ص و لم تمنع معاصرته له من إقامة الحد عليه .

و هذا

1- 1علي ع يقول ما حدثني أحد بحديث عن 14رسول الله ص

24

إلا استحلفته عليه.

أ ليس هذا اتهاما لهم بالكذب و ما استثنى أحدا من المسلمين إلا أبا بكر على ما ورد في الخبر و قد صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة و قال لا أحد أكذب من هذا الدوسي على 14رسول الله ص و قال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه وددت أني لم أكشف بيت 15فاطمة و لو كان أغلق على حرب فندم و الندم لا يكون إلا عن ذنب .

ثم ينبغي للعاقل أن يفكر في تأخر 1علي ع عن بيعة أبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت 15فاطمة فإن كان مصيبا فأبو بكر على الخطإ في انتصابه في الخلافة و إن كان أبو بكر مصيبا 1فعلي على الخطإ في تأخره عن البيعة و حضور المسجد ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضا للصحابة فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي يعني عمر فكلكم ورم لذلك أنفه يريد أن يكون الأمر له لما رأيتم الدنيا قد جاءت أما و الله لتتخذن ستائر الديباج و نضائد الحرير (1) أ ليس هذا طعنا في الصحابة و تصريحا بأنه قد نسبهم إلى الحسد لعمر لما نص عليه بالعهد و لقد قال له طلحة لما ذكر عمر للأمر ما ذا تقول لربك إذا سألك عن عباده و قد وليت عليهم فظا غليظا فقال أبو بكر أجلسوني أجلسوني بالله تخوفني إذا سألني قلت وليت عليهم خير أهلك ثم شتمه بكلام كثير منقول فهل قول طلحة إلا طعن في عمر و هل قول أبي بكر إلا طعن في طلحة .

ثم الذي كان بين أبي بن كعب و عبد الله بن مسعود من السباب حتى نفى كل واحد منهما الآخر عن أبيه و كلمة أبي بن كعب مشهورة منقولة ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم و قوله ألا هلك أهل العقيدة و الله ما آسى عليهم إنما آسى على من يضلون من الناس .

____________

(1) الكامل للمبرد 1: 7.

25

ثم قول عبد الرحمن بن عوف ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق و قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما وليت عثمان شسع نعلي‏ (1) و قوله اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به و افعل .

1- و قال عثمان 1لعلي ع في كلام دار بينهما أبو بكر و عمر خير منك فقال 1علي كذبت أنا خير منك و منهما عبدت الله قبلهما و عبدته بعدهما .

و روى سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار قال كنت عند عروة بن الزبير فتذاكرناكم أقام 14النبي بمكة بعد الوحي فقال عروة أقام عشرا فقلت كان ابن عباس يقول ثلاث عشرة فقال كذب ابن عباس و قال ابن عباس المتعة حلال‏ (2) فقال له جبير بن مطعم كان عمر ينهى عنها فقال يا عدي نفسه من هاهنا ضللتم أحدثكم عن 14رسول الله ص و تحدثني عن عمر .

1- و جاء في الخبر عن 1علي ع لو لا ما فعل عمر بن الخطاب في المتعة ما زنى إلا شقي و قيل ما زنى إلا شفا أي قليلا.

فأما سبب بعضهم بعضا و قدح بعضهم في بعض في المسائل الفقهية فأكثر من أن يحصى مثل قول ابن عباس و هو يرد على زيد مذهبه القول في الفرائض إن شاء أو قال من شاء باهلته‏ (3) إن الذي أحصى رمل عالج‏ (4) عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا و نصفا و ثلثا هذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث .

____________

(1) الشسع: قبال النعل.

(2) نكاح المتعة؛ هو أن يتزوج الرجل المرأة يستمتع بها أياما ثمّ يتركها.

(3) باهل القوم بعضهم بعضا و ابتهلوا: تلاعنوا.

(4) عالج: موضع به رمل معروف، .

غ

26

و مثل قول أبي بن كعب في القرآن لقد قرأت القرآن و زيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب .

1- و قال 1علي ع في أمهات الأولاد و هو على المنبر كان رأيي و رأي عمر ألا يبعن و أنا أرى الآن بيعهن فقام إليه عبيدة السلماني فقال رأيك في الجماعة (1) أحب إلينا من رأيك في الفرقة .

و كان أبو بكر يرى التسوية في قسم الغنائم و خالفه عمر و أنكر فعله .

و أنكرت عائشة على أبي سلمة بن عبد الرحمن خلافه على ابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها و هي حامل و قالت فروج يصقع‏ (2) مع الديكة .

و أنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الصرف و سفهوا رأيه حتى قيل إنه تاب من ذلك عند موته .

و اختلفوا في حد شارب الخمر حتى خطأ بعضهم بعضا .

14- و روى بعض الصحابة عن 14النبي ص أنه قال الشؤم في ثلاثة المرأة و الدار و الفرس.

فأنكرت عائشة ذلك و كذبت الراوي و قالت إنه إنما قال ع ذلك حكاية عن غيره .

14- و روى بعض الصحابة 14عنه ع أنه قال التاجر فاجر.

فأنكرت عائشة ذلك و كذبت الراوي و قالت إنما قاله ع في تاجر دلس .

و أنكر قوم من الأنصار

14- رواية أبي بكر الأئمة من قريش .

و نسبوه إلى افتعال هذه الكلمة .

____________

(1) ب: «لجماعة» .

(2) صقع الديك صقعا: صاح.

27

و كان أبو بكر يقضي بالقضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة كبلال و صهيب و نحوهما قد روي ذلك في عدة قضايا .

14- و قيل لابن عباس إن عبد الله بن الزبير يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل فقال كذب عدو الله أخبرني أبي بن كعب قال خطبنا 14رسول الله ص و ذكر كذا بكلام يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني إسرائيل .

14- و باع معاوية أواني ذهب و فضة بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء سمعت 14رسول الله ص ينهى عن ذلك فقال معاوية أما أنا فلا أرى به بأسا فقال أبو الدرداء من عذيري من معاوية أخبره عن 14الرسول ص و هو يخبرني عن رأيه و الله لا أساكنك بأرض أبدا .

و طعن ابن عباس في أبي هريرة

14- عن 14رسول الله ص إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخلن يده في الإناء حتى يتوضأ.

و قال فما نصنع بالمهراس‏ (1) .

1- و قال 1علي ع لعمر و قد أفتاه الصحابة في مسألة و أجمعوا عليها إن كانوا راقبوك فقد غشوك و إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا.

و قال ابن عباس أ لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا و لا يجعل أب الأب أبا .

و قالت عائشة أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أحبط جهاده مع 14رسول الله ص .

____________

(1) المهراس: إناء مستطيل منقور يتوضأ فيه.

28

و أنكرت الصحابة على أبي موسى قوله إن النوم لا ينقض الوضوء و نسبته إلى الغفلة و قلة التحصيل و كذلك أنكرت على أبي طلحة الأنصاري قوله إن أكل البرد لا يفطر الصائم و هزئت به و نسبته إلى الجهل .

و سمع عمر عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد فصعد المنبر و قال إذا اختلف اثنان من أصحاب 14رسول الله ص فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع رجلين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت و صنعت .

1- و قال جرير بن كليب رأيت عمر ينهى عن المتعة و 1علي ع يأمر بها فقلت إن بينكما لشرا فقال 1علي ع ليس بيننا إلا الخير و لكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين .

قال هذا المتكلم و كيف يصح أن

14- يقول 14رسول الله ص أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

لا شبهة أن هذا يوجب أن يكون أهل الشام في‏على هدى و أن يكون أهل العراق أيضا على هدى و أن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتديا

14- و قد صح الخبر الصحيح أنه قال له تقتلك الفئة الباغية.

و قال في القرآن فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ فدل على أنها ما دامت موصوفة بالمقام على البغي مفارقة لأمر الله و من يفارق أمر الله لا يكون مهتديا .

و كان يجب أن يكون بسر بن أبي أرطاة الذي ذبح ولدي عبيد الله بن عباس الصغيرين مهتديا لأن بسرا من الصحابة أيضا و كان يجب أن يكون عمرو بن العاص و معاوية اللذان كانا يلعنان 1عليا أدبار الصلاة و ولديه مهتديين و قد كان في الصحابة من يزني و من يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي و من يرتد عن الإسلام كطليحة بن خويلد فيجب أن يكون كل من اقتدى بهؤلاء في أفعالهم مهديا .

29

قال و إنما هذا من موضوعات متعصبة الأموية فإن لهم من ينصرهم بلسانه و بوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف .

و كذا القول في الحديث الآخر و هو قوله القرن الذي أنا فيه و مما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا و هو أحد القرون التي ذكرها في النص و كان ذلك القرن هو القرن الذي قتل فيه 3الحسين و أوقع بالمدينة و حوصرت مكة و نقضت الكعبة و شربت خلفاؤه و القائمون مقامه و المنتصبون في منصب النبوة الخمور و ارتكبوا الفجور كما جرى ليزيد بن معاوية و ليزيد بن عاتكة و للوليد بن يزيد و أريقت الدماء الحرام و قتل المسلمون و سبي الحريم و استعبد أبناء المهاجرين و الأنصار و نقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم و ذلك في خلافة عبد الملك و إمرة الحجاج و إذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرا كلها لا خير فيها و لا في رؤسائها و أمرائها و الناس برؤسائهم و أمرائهم و القرن خمسون سنة فكيف يصح هذا الخبر .

قال فأما ما ورد في القرآن من قوله تعالى‏ لَقَدْ رَضِيَ اَللََّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ‏ (1) و قوله‏ 14مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ‏ (2) .

14- و قول 14النبي ص إن الله اطلع على أهل.

إن كان الخبر صحيحا فكله مشروط بسلامة العاقبة و لا يجوز أن يخبر الحكيم مكلفا غير معصوم بأنه لا عقاب عليه فليفعل ما شاء .

قال هذا المتكلم و من أنصف و تأمل أحوال الصحابة وجدهم مثلنا يجوز عليهم ما يجوز علينا و لا فرق بيننا و بينهم إلا بالصحبة لا غير فإن لها منزلة و شرفا

____________

(1) سورة الفتح 18.

(2) سورة الفتح 29.

30

و لكن لا إلى حد يمتنع على كل من رأى الرسول أو صحبه يوما أو شهرا أو أكثر من ذلك أن يخطئ و يزل و لو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السماء بل كان 14رسول الله ص من أول يوم يعلم كذب أهل الإفك لأنها زوجته و صحبتها له آكد من صحبة غيرها و صفوان بن المعطل أيضا كان من الصحابة فكان ينبغي ألا يضيق صدر 14رسول الله ص و لا يحمل ذلك الهم و الغم الشديدين اللذين حملهما و يقول صفوان من الصحابة و عائشة من الصحابة و المعصية عليهما ممتنعة .

و أمثال هذا كثير و أكثر من الكثير لمن أراد أن يستقرئ أحوال القوم و قد كان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك و يقولون في العصاة منهم مثل هذا القول و إنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك .

قال و من الذي يجترئ على القول بأن أصحاب 14محمد لا تجوز البراءة من أحد منهم و إن أساء و عصى بعد قول الله تعالى للذي شرفوا برؤيته‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ‏ (1) بعد قوله‏ قُلْ إِنِّي أَخََافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (1) و بعد قوله‏ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ (2) إلا من لا فهم له و لا نظر معه و لا تمييز عنده .

قال و من أحب أن ينظر إلى اختلاف الصحابة و طعن بعضهم في بعض و رد بعضهم على بعض و ما رد به التابعون عليهم و اعترضوا به أقوالهم و اختلاف التابعين أيضا فيما بينهم و قدح بعضهم في بعض فلينظر في كتاب النظام قال الجاحظ كان النظام

____________

(1) سورة الزمر 65.

(2) سورة ص 26.

31

أشد الناس إنكارا على الرافضة لطعنهم على الصحابة حتى إذا ذكر الفتيا و تنقل الصحابة فيها و قضاياهم بالأمور المختلفة و قول من استعمل الرأي في دين الله انتظم مطاعن الرافضة و غيرها و زاد عليها و قال في الصحابة أضعاف قولها .

قال و قال بعض رؤساء المعتزلة غلط أبي حنيفة في الأحكام عظيم لأنه أضل خلقا و غلط حماد (1) أعظم من غلط أبي حنيفة لأن حمادا أصل أبي حنيفة الذي منه تفرع و غلط إبراهيم أغلظ و أعظم من غلط حماد لأنه أصل حماد و غلط علقمة (2) و الأسود (3) أعظم من غلط إبراهيم لأنهما أصله الذي عليه اعتمد و غلط ابن مسعود أعظم من غلط هؤلاء جميعا لأنه أول من بدر إلى وضع الأديان برأيه و هو الذي قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله و إن يكن خطأ فمني .

ـقال و استأذن أصحاب الحديث على ثمامة (4) بخراسان حيث كان مع الرشيد بن المهدي فسألوه كتابه الذي صنفه على أبي حنيفة في اجتهاد الرأي فقال لست على أبي حنيفة كتبت ذلك الكتاب و إنما كتبته على علقمة و الأسود و عبد الله بن مسعود لأنهم الذين قالوا بالرأي قبل أبي حنيفة .

قال و كان بعض المعتزلة أيضا إذا ذكر ابن عباس استصغره و قال صاحب الذؤابة يقول في دين الله برأيه .

و ذكر الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب التوحيد أن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن 14رسول الله ص قال و لم يكن 1علي ع يوثقه في الرواية بل يتهمه و يقدح فيه و كذلك عمر و عائشة .

____________

(1) حماد هو حماد بن أبي سليمان.

(2) علقمة بن قيس.

(3) الأسود بن يزيد.

(4) ثمامة بن أشرس.

32

و كان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز و يستهزئ به و يكفره و عمر بن العزيز و إن لم يكن من الصحابة فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد من الصحابة .

و كيف يجوز أن نحكم حكما جزما أن كل واحد من الصحابة عدل و من جملة الصحابة الحكم بن أبي العاص و كفاك به عدوا مبغضا 14لرسول الله ص و من الصحابة الوليد بن عقبة الفاسق بنص الكتاب و منهم حبيب بن مسلمة الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية و بشر بن أبي أرطاة عدو الله و عدو 14رسوله و في الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس و قال كثير من المسلمين مات 14رسول الله ص و لم يعرفه الله سبحانه كل المنافقين بأعيانهم و إنما كان يعرف قوما منهم و لم يعلم بهم أحدا إلا حذيفة فيما زعموا فكيف يجوز أن نحكم حكما جزما أن كل واحد ممن صحب 14رسول الله أو رآه أو عاصره عدل مأمون لا يقع منه خطأ و لا معصية و من الذي يمكنه أن يتحجر واسعا كهذا التحجر أو يحكم هذا الحكم قال و العجب من الحشوية و أصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء و يثبتون أنهم عصوا الله تعالى و ينكرون على من ينكر ذلك و يطعنون فيه و يقولون قدري معتزلي و ربما قالوا ملحد مخالف لنص الكتاب و قد رأينا منهم الواحد و المائة و الألف يجادل في هذا الباب فتارة يقولون إن يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة و تارة يقولون إن داود قتل أوريا لينكح امرأته و تارة يقولون إن 14رسول الله كان كافرا ضالا قبل النبوة و ربما ذكروا زينب بنت جحش و قصة الفداء.

فأما قدحهم في آدم ع و إثباتهم معصيته و مناظرتهم من يذكر ذلك‏

33

فهو دأبهم و ديدنهم فإذا تكلم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية و أمثالهما و نسبهم إلى المعصية و فعل القبيح احمرت وجوههم و طالت أعناقهم و تخازرت أعينهم و قالوا مبتدع رافضي يسب الصحابة و يشتم السلف فإن قالوا إنما اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب قيل لهم فاتبعوا في البراءة من جميع العصاة نصوص الكتاب فإنه تعالى قال‏ لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ 14رَسُولَهُ‏ (1) و قال‏ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ‏ (2) و قال‏ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا 14اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (3) .

ثم يسألون عن بيعة 1علي ع هل هي صحيحة لازمة لكل الناس فلا بد من بلى فيقال لهم فإذا خرج على الإمام الحق خارج أ ليس يجب على المسلمين قتاله حتى يعود إلى الطاعة فهل يكون هذا القتال إلا البراءة التي نذكرها لأنه لا فرق بين الأمرين و إنما برئنا منهم لأنا لسنا في زمانهم فيمكننا أن نقاتل بأيدينا فقصارى أمرنا الآن أن نبرأ منهم و نلعنهم و ليكون ذلك عوضا عن القتال الذي لا سبيل لنا إليه .

قال هذا المتكلم على أن النظام و أصحابه ذهبوا إلى أنه لا حجة في الإجماع و أنه يجوز أن تجتمع الأمة على الخطإ و المعصية و على الفسق بل على الردة و له كتاب موضوع في الإجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء و يقول إنها ألفاظ غير صريحة في كون الإجماع حجة نحو قوله‏ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (4) و قوله‏ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ (5) و قوله‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ‏ (6) .

____________

(1) سورة المجادلة 5.

(2) سورة الحجرات 9.

(3) سورة النساء 59.

(4) سورة البقرة 143.

(5) سورة آل عمران 110.

(6) سورة النساء 115.

34

و أما الخبر الذي صورته

14- لا تجتمع أمتي على الخطإ.

فخبر واحد و أمثل دليل للفقهاء قولهم إن الهمم المختلفة و الآراء المتباينة إذا كان أربابها كثيرة عظيمة فإنه يستحيل اجتماعهم على الخطإ و هذا باطل باليهود و النصارى و غيرهم من فرق الضلال .

هذه خلاصة ما كان النقيب أبو جعفر علقه بخطه من الجزء الذي أقرأناه .

و نحن نقول أما إجماع المسلمين فحجة و لسنا نرتضي ما ذكره عنا من أنه أمثل دليل لنا أن الهمم المختلفة و الآراء المتباينة يستحيل أن تتفق على غير الصواب و من نظر في كتبنا الأصولية علم وثاقة أدلتنا على صحة الإجماع و كونه صوابا و حجة تحريم مخالفته و قد تكلمت في اعتبار الذريعة للمرتضى على ما طعن به المرتضى في أدلة الإجماع .

و أما ذكره من الهجوم على دار 15فاطمة و جمع الحطب لتحريقها فهو خبر واحد غير موثوق به و لا معول عليه في حق الصحابة بل و لا في حق أحد من المسلمين ممن ظهرت عدالته .

و أما عائشة و الزبير و طلحة فمذهبنا أنهم أخطئوا ثم تابوا و أنهم من أهل الجنة و أن 1عليا ع شهد لهم بالجنة بعد.

و أما طعن الصحابة بعضهم في بعض فإن الخلاف الذي كان بينهم في مسائل الاجتهاد لا يوجب إثما لأن كل مجتهد مصيب و هذا أمر مذكور في كتب أصول الفقه و ما كان من الخلاف خارجا عن ذلك فالكثير من الأخبار الواردة فيه غير موثوق بها و ما جاء من جهة صحيحة نظر فيه و رجح جانب أحد الصحابيين على قدر منزلته في الإسلام كما يروى عن عمر و أبي هريرة .

35

فأما 1علي ع فإنه عندنا بمنزلة 14الرسول ص في تصويب قوله و الاحتجاج بفعله و وجوب طاعته و متى صح عنه أنه قد برئ من أحد من الناس برئنا منه كائنا من كان و لكن الشأن في تصحيح ما يروى عنه ع فقد أكثر الكذب عليه و ولدت العصبية أحاديث لا أصل لها .

فأما براءته ع من المغيرة و عمرو بن العاص و معاوية فهو عندنا معلوم جار مجرى الأخبار المتواترة فلذلك لا يتولاهم أصحابنا و لا يثنون عليهم و هم عند المعتزلة في مقام غير محمود و حاش لله أن يكون ع ذكر من سلف من شيوخ المهاجرين إلا بالجميل و الذكر الحسن بموجب ما تقتضيه رئاسته في الدين و إخلاصه في طاعة رب العالمين و من أحب تتبع ما روي عنه مما يوهم في الظاهر خلاف ذلك فليراجع هذا الكتاب أعني شرح نهج البلاغة فأنا لم نترك موضعا يوهم خلاف مذهبنا إلا و أوضحناه و فسرناه على وجه يوافق الحق و بالله التوفيق

[عمار بن ياسر و طرف من أخباره‏]

فأما عمار بن ياسر رحمه الله فنحن نذكر نسبه و طرفا من حاله مما ذكره ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب‏ (1) قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن لوذ بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن نام بن عنس بالنون بن مالك بن أدد العنسي المذحجي يكنى أبا اليقظان حليف لبني مخزوم كذا قال ابن شهاب و غيره .

____________

(1) الاستيعاب 434 و ما بعدها (طبعة الهند) .

36

و قال موسى بن عقبة و ممن شهد عمار بن ياسر حليف لبني مخزوم بن يقظة .

و قال الواقدي و طائفة من أهل العلم إن ياسرا والد عمار بن ياسر عربي قحطاني من عنس من مذحج إلا أن ابنه عمارا مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسرا تزوج أمة لبعض بني مخزوم فأولدها عمارا و ذلك أن ياسر قدم مكة مع أخوين له يقال لهما الحارث و مالك في طلب أخ لهم رابع فرجع الحارث و مالك إلى اليمن و أقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خياط فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فصار ولاؤه لبني مخزوم و للحلف و الولاء الذي بين بني مخزوم و عمار بن ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه و كسروا ضلعا من أضلاعه فاجتمعت بنو مخزوم و قالوا و الله لئن مات لا قتلنا به أحدا غير عثمان .

قال أبو عمر و أسلم عمار و عبد الله أخوه و ياسر أبوهما و سمية أمهما و كان إسلامهم قديما في أول الإسلام فعذبوا في الله عذابا عظيما

14- كان 14رسول الله ص يمر بهم و هم يعذبون فيقول صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة و يقول لهم أيضا صبرا يا آل ياسر اللهم اغفر لآل ياسر و قد فعلت .

قال أبو عمر و لم يزل عمار مع أبي حذيفة بن المغيرة حتى مات و جاء الله بالإسلام .

فأما سمية فقتلها أبو جهل طعنها بحربة في قبلها فماتت و كانت من الخيرات‏

37

الفاضلات و هي أول شهيدة في الإسلام

14- و قد كانت قريش أخذت ياسرا و سمية و ابنيهما و بلالا و خبابا و صهيبا فألبسوهم أدراع الحديد و صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ فأعطوهم ما سألوا من الكفر و سب 14النبي ص ثم جاء إلى كل واحد منهم قومه بأنطاع الأدم فيها الماء فألقوهم فيها ثم حملوا بجوانبها فلما كان العشي جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية و يرفث ثم وجأها بحربة في قبلها فقتلها فهي أول من استشهد في الإسلام فقال عمار 14للنبي ص يا 14رسول الله بلغ العذاب من أمي كل مبلغ فقال صبرا يا أبا اليقظان اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار قال أبو عمر و فيهم أنزل‏ إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ‏ (1) .

قال و هاجر عمار إلى أرض الحبشة و صلى القبلتين و شهدو المشاهد كلها و أبلى‏ بَلاََءً حَسَناً ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا و يومئذ قطعت أذنه .

قال و ذكر الواقدي عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال رأيت عمار بن ياسر على صخرة و قد أشرف يصيح يا معشر المسلمين أ من الجنة تفرون أنا عمار بن ياسر هلموا إلي و أنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب و هو يقاتل أشد القتال .

قال أبو عمر و كان عمار طويلا أشهل بعيد ما بين المنكبين قال و قد قيل في صفته كان آدم طوالا مضطربا أشهل العينين بعيد ما بين المنكبين رجلا لا يغير شيبه .

____________

(1) سورة النحل 106.

38

قال و كان عمار يقول أنا ترب‏ (1) 14رسول الله ص لم يكن أحد أقرب إليه سنا مني .

قال و قتل عمار و هو ابن ثلاث و تسعين سنة

14- و الخبر المرفوع مشهور في حقه تقتلك الفئة الباغية.

و هو من دلائل نبوة 14رسول الله ص لأنه إخبار عن غيب .

14- و قال 14رسول الله ص في عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه‏ (2) و يروى إلى أخمص قدميه.

و فضائل عمار كثيرة و قد تقدم القول في ذكر عمار و أخباره و ما ورد في حقه‏

____________

(1) ترب الإنسان: من ولد معه في العام الذي ولد فيه.

(2) المشاشة: الأصل.

39

*3414* 414 و من كلامه ع في تواضع الأغنياء للفقراء

وَ قَالَ ع: مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ اَلْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اَللَّهِ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ اَلْفُقَرَاءِ عَلَى اَلْأَغْنِيَاءِ اِتِّكَالاً عَلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ (1) - . قد تقدم شرح مثل هذه الكلمة مرارا .

و قال الشاعر

قنعت فأعتقت نفسي و لن # أملك ذا ثروة رقها

و نزهتها عن سؤال الرجال # و منة من لا يرى حقها

و إن القناعة كنز اللبيب # إذا ارتتقت فتقت رتقها

سيبعث رزق الشفاه الغراث # و خمص البطون الذي شقها (1)

فما فارقت مهجة جسمها # لعمرك أو وفيت رزقها

مواعيد ربك مصدوقة # إذا غيرها ففقدت صدقها

____________

(1) الغراث: الجياع.

40

*3415* 415 و من كلامه ع في مدح العقل‏

قَالَ ع: مَا اِسْتَوْدَعَ اَللَّهُ اِمْرَأً عَقْلاً إِلاَّ لِيَسْتَنْقِذَهُ اِسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً مَا (1) -. لا بد أن يكون للبارئ تعالى في إيداع العقل قلب زيد مثلا غرض و لا غرض إلا أن يستدل به على ما فيه نجاته و خلاصه و ذلك هو التكليف فإن قصر في النظر و جهل و أخطأ الصواب فلا بد أن ينقذه عقله من ورطة من ورطات الدنيا و ليس يخلو أحد عن ذلك أصلا لأن كل عاقل لا بد أن يتخلص من مضرة سبيلها أن تنال بإعمال فكرته و عقله في الخلاص منها فالحاصل أن العقل إما أن ينقذ الإنقاذ الديني و هو الفلاح و النجاح على الحقيقة أو ينقذ من بعض مهالك الدنيا و آفاتها و على كل حال فقد صح قول 1أمير المؤمنين ع و قد رويت هذه الكلمة مرفوعة و رويت إلا استنقذه به يوما ما .

14- و 14عنه ص العقل نور في القلب يفرق به بين الحق و الباطل.

14- و عن أنس قال سئل 14رسول الله ص عن الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب فقال ما من بشر إلا و له ذنوب و خطايا يقترفها فمن كانت سجيته العقل و غريزته اليقين لم تضره ذنوبه قيل كيف ذلك يا 14رسول الله قال‏

41

كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة و ندامة على ما فرط منه فيمحو ذنوبه و يبقى له فضل يدخل به الجنة .

[نكت في مدح العقل و ما قيل فيه‏]

و قد تقدم من قولنا في العقل و ما ذكر فيه ما فيه كفاية و نحن نذكر هاهنا شيئا آخر كان يقال العاقل يروي ثم يروي و يخبر ثم يخبر .

و قال عبد الله بن المعتز ما أبين وجوه الخير و الشر في مرآة العقل .

16- لقمان يا بني شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء و تأخذه أنت بالمجان.

أردشير بن بابك أربعة تحتاج إلى أربعة الحسب إلى الأدب و السرور إلى الأمن و القرابة إلى المودة و العقل إلى التجربة .

الإسكندر لا تحتقر الرأي الجزيل من الحقير فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها .

مسلمة بن عبد الملك ما ابتدأت أمرا قط بحزم فرجعت على نفسي بلائمة و إن كانت العاقبة علي و لا أضعت الحزم فسررت و إن كانت العاقبة لي .

وصف رجل عضد الدولة بن بويه فقال لو رأيته لرأيت رجلا له وجه فيه ألف عين و فم فيه ألف لسان و صدر فيه ألف قلب .

14- أثنى قوم من الصحابة على رجل عند 14رسول الله ص بالصلاة و العبادة و خصال الخير حتى بالغوا فقال ص كيف عقله قالوا يا 14رسول الله

42

نخبرك باجتهاده في العبادة و ضروب الخير و تسأل عن عقله فقال إن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم مما يصيبه الفاجر بفجوره و إنما ترتفع العباد غدا في درجاتهم و ينالون من الزلفى من ربهم على قدر عقولهم .

الريحاني العقل ملك و الخصال رعيته فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها و سمع هذا الكلام أعرابي فقال هذا كلام يقطر عسله .

قال معن بن زائدة ما رأيت قفا رجل إلا عرفت عقله قيل فإن رأيت وجهه قال ذا كتاب يقرأ .

بعض الفلاسفة عقل الغريزة مسلم إلى عقل التجربة .

بعضهم كل شي‏ء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا .

قالوا في قوله تعالى‏ لِيُنْذِرَ مَنْ كََانَ حَيًّا (1) أي من كان عاقلا .

و من كلامهم العاقل بخشونة العيش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السفهاء .

أعرابي لو صور العقل أظلمت معه الشمس و لو صور الحمق لأضاء معه الليل .

قيل لحكيم متى عقلت قال حين ولدت فأنكروا ذلك فقال أما أنا فقد بكيت حين جعت و طلبت الثدي حين احتجت و سكت حين أعطيت يريد أن من عرف مقادير حاجته فهو عاقل .

المأمون إذا أنكرت من عقلك شيئا فاقدحه بعاقل .

بزرجمهر العاقل الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها و كذلك العاقل يجمع وجوه

____________

(1) سورة يس 70.

43

الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها في بعض حتى يستخلص الرأي الأصوب .

كان يقال هجين عاقل خير من هجان جاهل .

كان بعضهم إذا استشير قال لمشاوره أنظرني حتى أصقل عقلي بنومة .

إذا نزلت المقادير نزلت التدابير من نظر في المغاب ظفر بالمحاب من استدت عزائمه اشتدت دعائمه الرأي السديد أجدى من الأيد الشديد .

ـبعضهم‏

و ما ألف مطرور السنان مشدد # يعارض يوم الروع رأيا مسددا.

أبو الطيب

الرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول وهى المحل الثاني‏ (1)

فإذا هما اجتمعا لنفس حرة # بلغت من العلياء كل مكان

و لربما طعن الفتى أقرانه # بالرأي قبل تطاعن الأقران

لو لا العقول لكان أدنى ضيغم # أدنى إلى شرف من الإنسان

و لما تفاضلت النفوس و دبرت # أيدي الكماة عوالي المران.

ذكر المأمون ولد 1علي ع فقال خصوا بتدبير الآخرة و حرموا تدبير الدنيا .

كان يقال إذا كان الهوى مقهورا تحت يد العقل و العقل مسلط عليه صرفت مساوئ صاحبه إلى المحاسن فعدت بلادته حلما و حدته ذكاء و حذره بلاغة و عية صمتا و جبنه حذرا و إسرافه جودا .

____________

(1) ديوانه 4: 386.

44

و ذكر هذا الكلام عند بعضهم فقال هذه خصيصة الحظ نقلها مرتب هذا الكلام إلى العقل .

سمع محمد بن يزداد كاتب المأمون قول الشاعر

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة # فإن فساد الرأي أن تترددا.

فأضاف إليه‏

و إن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا # فإن فساد العزم أن يتفندا

45

*3416* 416 و من كلامه ع في صرع من صارع الحق‏

وَ قَالَ ع: مَنْ صَارَعَ اَلْحَقَّ صَرَعَهُ (1) -. هذا مثل قوله في موضع آخر من أبدى صفحته للحق هلك و نحو هذا قول الطائي

و من قامر الأيام عن ثمراتها # فأحج بها أن تنجلي و لها القمر

46

*3417* 417 و من كلامه ع في فراسة المؤمن و رؤية ما في قلب صاحبه في النظر إلى عينيه‏

وَ قَالَ ع: اَلْقَلْبُ مُصْحَفُ اَلْبَصَرِ (1) -. هذا مثل قول الشاعر

تخبرني العينان ما القلب كاتم # و ما جن بالبغضاء و النظر الشزر (1) .

يقول ع كما أن الإنسان إذا نظر في المصحف قرأ ما فيه كذلك إذا أبصر الإنسان صاحبه فإنه يرى قلبه بوساطة رؤية وجهه ثم يعلم ما في قلبه من حب و بغض و غيرهما كما يعلم برؤية الخط الذي في المصحف ما يدل الخط عليه .

و قال الشاعر

إن العيون لتبدي في تقلبها # ما في الضمائر من ود و من حنق‏ (2)

____________

(1) يقال: نظر إليه شزرا: إذا نظر بمؤخر عينيه.

(2) الحنق: البغض.

47

*3418* 418 و من كلامه ع في رئاسة التقوى للأخلاق‏

وَ قَالَ ع: اَلتُّقَى رَئِيسُ اَلْأَخْلاَقِ (1) -. يعني رئيس الأخلاق الدينية لأن الأخلاق الحميدة كالجود و الشجاعة و الحلم و العفة و غير ذلك لو قدرنا انتفاء التكاليف العقلية و الشرعية لم يكن التقى رئيسا لها و إنما رئاسة التقى لها مع ثبوت التكليف لا سيما الشرعي و التقى في الشرع هو الورع و الخوف من الله و إذا حصل حصلت الطاعات كلها و انتفت القبائح كلها فصار الإنسان معصوما و تلك طبقة عالية و هي أشرف من جميع الطبقات التي يمدح بها الإنسان نحو قولنا جواد أو شجاع أو نحوهما لأنها طبقة ينتقل الإنسان منها إلى الجنة و دار الثواب الدائم و هذه مزية عظيمة يفضل بها على سائر طبقات الأخلاق‏

48

*3419* 419 و من كلامه ع في قبح أن يكون ذرب اللسان و فصاحة المنطق على من أنطقه و أقدره على العبادة أو بلاغة قوله على من سدد قوله‏

وَ قَالَ ع: لاَ تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ وَ بَلاَغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ (1) -. يقول لا شبهة أن الله تعالى هو الذي أنطقك و سدد لفظك و علمك البيان كما قال سبحانه‏ خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ‏ (1) فقبيح أن يجعل الإنسان ذرب لسانه و فصاحة منطقه على من أنطقه و أقدره على العبادة و قبيح أن يجعل الإنسان بلاغة قوله على من سدد قوله و جعله بليغا حسن التعبير على المعاني التي في نفسه و هذا كمن ينعم على إنسان بسيف فإنه يقبح منه أن يقتله بذلك السيف ظلما قبحا زائدا على ما لو قتله بغير ذلك السيف و ما أحسن قول المتنبي في سيف الدولة

و لما كسا كعبا ثيابا طغوا بها # رمى كل ثوب من سنان بخارق‏ (2)

و ما يوجع الحرمان من كف حازم # كما يوجع الحرمان من كف رازق‏

____________

(1) سورة الرحمن 3، 4.

(2) ديوانه 2: 322.

49

*3420* 420 و من كلامه ع في أن من الآداب اجتناب ما يكرهه الإنسان من غيره‏

وَ قَالَ ع: كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اِجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ (1) -. قد قال ع هذا اللفظ أو نحوه مرارا و قد تكلمنا نحن عليه و ذكرنا نظائر له كثيرة نثرا و نظما .

و كتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك في حال اقتضت ذلك‏

ما على ذا افترقنا بشبذان‏ (1) إذ كنا # و لا هكذا عهدنا الإخاء

تضرب الناس بالمهندة البيض # على غدرهم و تنسى الوفاء (2)

____________

(1) كذا في د؛ و هو الصواب و الذي في «ابشبذر» ، و هو تصحيف.

(2) المهندة: السيوف.

50

*3421* 421 و من كلامه ع في التعزية بالوفاة

وَ قَالَ ع يُعَزِّي قَوْماً مَنْ صَبَرَ صَبْرَ اَلْأَحْرَارِ وَ إِلاَّ سَلاَ سُلُوَّ اَلْأَغْمَارِ وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ ع قَالَ لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مُعَزِّياً عَنِ اِبْنٍ لَهُ إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ اَلْأَكَارِمِ وَ إِلاَّ سَلَوْتَ سُلُوَّ اَلْبَهَائِمِ (1) -. أخذ هذا المعنى أبو تمام بل حكاه فقال‏

و قال 1علي في التعازي لأشعث # و خاف عليه بعض تلك المآثم‏ (1)

أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة # فتؤجر أم تسلو سلو البهائم‏

____________

(1) ديوانه 3: 258، 259.

51

*3422* 422 و من كلامه ع في بيان صفة الدنيا و ذمها

وَ قَالَ ع فِي صِفَةِ اَلدُّنْيَا: اَلدُّنْيَا تَغُرُّ وَ تَضُرُّ وَ تَمُرُّ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ وَ لاَ عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ (1) -. قد تقدم لنا كلام طويل في ذم الدنيا و من الكلام المستحسن قوله‏ تغر و تضر و تمر و الكلمة الثانية أحسن و أجمل .

و

16- قرأت في بعض الآثار أن عيسى ع مر بقرية و إذا أهلها موتى في الطرق و الأفنية فقال للتلامذة إن هؤلاء ماتوا عن سخطة و لو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا فقالوا يا سيدنا وددنا أنا علمنا خبرهم فسأل الله تعالى فقال له إذا كان الليل فنادهم يجيبوك فلما كان الليل أشرف على نشز ثم ناداهم فأجابه مجيب فقال ما حالكم و ما قصتكم فقال بتنا في عافية و أصبحنا في الهاوية قال و كيف ذلك قال لحبنا الدنيا قال كيف كان حبكم لها قال حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرح بها و إذا أدبرت حزن عليها و بكى قال فما بال أصحابك لم يجيبوني قال لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال فكيف أجبتني أنت من بينهم قال لأني كنت فيهم و لم أكن منهم فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أنجو منها أكبكب فيها فقال المسيح لتلامذته لأكل خبز الشعير بالملح الجريش و لبس المسوح و النوم على المزابل و سباخ الأرض في حر الصيف كثير مع العافية من عذاب الآخرة.

52

*3423* 423 و من كلامه ع في بيان سرعة وصول الأجل و الموت و وصف أهل الدنيا بالركب‏

وَ إِنَّ أَهْلَ اَلدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا (1) -. روي بينا هم حلول و بينا هي بين نفسها و وزنها فعلى أشبعت فتحة النون فصارت ألفا ثم قالوا بينما فزادوا ما و المعنى واحد تقول بينا نحن نفعل كذا جاء زيد أي بين أوقات فعلنا كذا جاء زيد و الجمل قد يضاف إليها أسماء الزمان نحو قولهم أتيتك زمن الحجاج أمير ثم حذفوا المضاف الذي هو أوقات و ولي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المحذوف .

و كان الأصمعي يخفض بعد بينا إذا صلح في موضعه بين و ينشد قول أبي ذؤيب بالكسر

بينا تعنقه الكماة و روغه # يوما أتيح له جري سلفع.

و غيره يرفع ما بعد بينا و بينما على الابتداء و الخبر فأما إذ و إذا فإن أكثر أهل العربية يمنعون من مجيئهما بعد بينا و بينما و منهم من يجيزه و عليه جاء كلام 1أمير المؤمنين و أنشدوا

بينما الناس على عليائها # إذ هووا في هوة منها فغاروا.