‏الشيخ الانصاري : رائد النهضة العلمية الحديثة

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
96 /
5

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تعتزّ الأمم-جميع الأمم-بالعظماء من علمائها و مفكريها و قادتها، الذين كرّسوا حياتهم للنهوض بالأمّة في ميادين العلم و العمل و الكفاح و الجهاد، تلبية لدواعي الوفاء لهم، و تثمينا لجهودهم، و تعريفا بمقامهم و مكانتهم، و استلهاما لعطائهم الثرّ.

و تحقيقا لهذه الأغراض، آثرنا القيام بتأليف سلسلة (في رحاب نوابغ العلماء) ، نلقي فيها الأضواء على جوانب مهمة من سيرة علمائنا الأفذاذ، و نعرض لأهمّ آرائهم و أفكارهم و نتاجاتهم المتميزة.

و نحن إذ ننشر هذه السلسلة، لا نستهدف من ورائها دعوة الشباب إلى أن يكون عظاميا، يفخر فقط بما أنجزه الماضون من علمائنا الأبرار، و ينأى بنفسه عن بناء حاضر مشرق زاخر بالحيوية و النشاط، و إنّما هي دعوة إلى التواصل مع التراث الحي، الذي يبعث الجيل الحاضر على الفخر و الاعتزاز لشعوره بأنّ ثقافة أمّته و حضارتها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ثمّ هو-الجيل الحاضر-يحاول‏

6

الإفادة منه، و تطويره بما ينسجم و متطلبات العصر، و تطلعات الشباب المتوثّب للتقدم و النهوض لخدمة إسلامه العزيز و أمّته العظيمة.

و هنا نحن نقدّم إلى القراء الأعزاء نماذج من حياة لفيف من علمائنا و قادتنا، لتكون نبراسا يستهدون به في مسيرتهم نحو الخير و الكمال. و اللّه المسدّد.

المؤلف‏

7

الشيخ الأنصاري رائد النهضة العلمية الحديثة

ارتحل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قد خلّف في أمّته الثقلين و الوديعتين العظيمتين، و هما الكتاب و العترة، و أمر بالتمسّك بهما إلى يوم القيامة، و قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا» .

و لقد بلغ إيصاء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالكتاب و أهل بيته عليهم السّلام من الاستفاضة بل التواتر بين الأمّة مبلغا لا ينكره إلاّ مكابر للحقيقة، و معاند للحقّ، و الحديث يعرب عن حقيقة ناصعة، و هي أنّ الملجأ للأمّة الإسلاميّة في حلّ المشاكل و المعضلات، بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم هو الكتاب و العترة.

و قد قامت العترة الطاهرة في الظروف التي أتيح لها الإجهار بالحقيقة، بتفسير الكتاب الكريم، و بيان فرائضه و مندوباته، و تبيين متشابهه و معضلاته، كما قامت بنشر سنّة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم، كلّ ذلك عند سنوح الفرص.

8

لقد تعلّقت مشيئة اللّه النافذة بانبثاق أنوار الهداية من هذه البيوت الرفيعة (1) في هذه الظروف القاسية، حتّى تخرّج من جامعتهم العديد من المحدّثين و الفقهاء ممّن بلغوا الذروة و القمّة في علم الشريعة و فهم الكتاب، و قد سجّلت أسماؤهم و حياتهم في معاجم الرجال و كتب التاريخ، كيف و قد أدرك الحسن بن عليّ بن زياد الوشّاء الكوفي من أصحاب الإمام الرضا عليه السّلام في عصر واحد (900) رجل في مسجد الكوفة كلّهم يقولون: حدّثني جعفر بن محمّد (2) و قد أحصى الشيخ أبو العبّاس بن عقدة (المتوفّى 333 هـ) الثقات من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام فبلغوا أربعة آلاف. (3)

و قد قامت الشيعة الإماميّة في تلك العصور بتدوين كلّ ما أثر عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عن طريق الصحابة العدول و التابعين الثقات في كتب الحديث، كما قاموا بتسجيل أحاديث العترة في مجالي العقيدة و العمل و بذلك قدّموا إلى الأمّة الإسلاميّة خدمة جليلة، مشكورة، كيف لا، و قد قاموا بذلك في عصر عدّت فيه كتابة الحديث عملا إجراميّا يعاقب عليه فاعله، و كانت كتب الحديث تحرق على رؤوس الأشهاد. (4) و لقد

____________

(1) . اقرأ تفسير قوله سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ... (النور: 36) ، في «الدرّ المنثور» للحافظ جلال الدين السيوطي.

(2) . رجال النجاشي «ترجمة الحسن الوشّاء» رقم: 80، و قد لقي الرضا عليه السّلام في خراسان، فيكون وفاته بعد المائتين من الهجرة.

(3) . الإرشاد للمفيد: 289؛ رجال النجاشي رقم 233.

(4) . تقييد العلم، للخطيب البغدادي: 52.

9

اهتمّوا بتسجيل أحاديث العترة بإيصاء من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و لكون أقوالهم و أفعالهم برمّتها حاكية عن قول الرسول و فعله، فهم لا يقولون إلاّ بما قاله الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و لا يصدرون إلاّ عمّا صدر عنه.

و قد روى سماعة عن الإمام الطاهر موسى الكاظم عليه السّلام قال:

قلت له: أكلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه أو تقولون فيه؟ (1) ، قال: «بل كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه» . (2)

فجامعة العترة الطاهرة هي جامعة الكتاب العزيز و السنّة النبويّة، فهم ورّاث الكتاب‏ (3) فلا يحتجّ به في مجال الفقه و الأحكام إلاّ بعد الرجوع إلى أحاديثهم، إذ عندهم مخصّص الكتاب و مقيّده، كما هم ترجمان السنّة و خزنتها، و لأجل ذلك جعلهم الرسول قرناء الكتاب و أعداله، و أسبابا للهداية، و الصيانة عن الضلالة و الغواية.

و لم يكن عمل الشيعة في مجال ضبط الحديث و تقييد العلم، إلاّ إقتداء بإمامهم أمير المؤمنين عليه السّلام حيث إنّه صلوات اللّه عليه قام بضبط ما أملى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الأحكام الكثيرة و تبعه في ذلك أصحابه و تلاميذه و شيعته، و هذا «أبو رافع» خازن الإمام الأمير عليه السّلام صنّف كتاب السنن و الأحكام، و القضايا، و هذا عليّ ابن أبي رافع كاتب الإمام

____________

(1) . أي تقولون فيه بقولكم.

(2) . الكافي: 1/62، الحديث 1.

(3) . لاحظ تفسير قوله سبحانه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا (فاطر: 32) .

10

عليّ عليه السّلام صنّف كتبا في فنون من الفقه. (1)

و لقد استمرّ تقييد العلم و ضبط الحديث بين الشيعة من حياة الرسول إلى غيبة الإمام الثاني عشر فألّفوا في الحديث، جوامع كبرى معروفة عندهم بالجوامع الأوّليّة، ثمّ تلتهم طائفة أخرى بعد الغيبة فألّفوا الجوامع الثانويّة المعروفة بالكتب الأربعة، و بذلك حازت الشيعة قصب السبق في مضمار تدوين الحديث الشريف، -كما-و قدّموا بذلك إلى الأجيال المتلاحقة خدمة جليلة، و حفظوا سنّة الرسول من الاندراس و الزوال، و امتثلوا قول صادقهم: «احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها» . (2)

الاجتهاد في عصر الباقرين عليهما السّلام‏

لم يكن الهدف من تخريج الأحاديث و ضبطها و تسجيلها في الجوامع، هو نقلها بحرفيّتها فقط، من دون إمعان و دقّة في الأصول الكلّيّة المتلقّاة من الأئمّة، بل كان الرواة بين راو حافظ لمتن الحديث و سنده، و راو واع يردّ الفروع إلى الأصول المرويّة و يفتي الناس بما فهم من كلامهم و أحاديثهم عليهم السّلام امتثالا لقول الإمام الصادق عليه السّلام: «إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول و عليكم أن تفرّعوا» . (3)

____________

(1) . رجال النجاشي، برقم 1 و 2.

(2) . الكافي: 1/52، الحديث 10. و بهذا المضمون أحاديث أخر، فراجع.

(3) . وسائل الشيعة 18: 40، الحديث 51 من الباب السادس من أبواب صفات القاضي.

11

و قال الإمام الرضا عليه السّلام: «علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع» . (1)

و ليس التفريع إلاّ استخراج الفروع من الأصول الكلّيّة و تطبيق الكبريات على الصغريات، و لا يعنى من الاجتهاد إلاّ هذا.

و هذه الروايات و أضرابها-التي لو أراد الباحث أن يجمعها لكلّفه ذلك تأليف رسالة مفردة في ذلك المجال-تعرب عن وجود عملية الاجتهاد و الإفتاء في عصر الباقرين و بعده لو لم نقل بوجودها قبله. كيف لا و قد قال أبو جعفر الباقر عليه السّلام مخاطبا أبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك» . و قد توفي «أبان» (2) في سنة 141 هـ قبل وفاة الإمام الصادق عليه السّلام بسبع سنين.

كان الأئمّة عليهم السّلام يقومون بدور تعليم كيفيّة التفريع على الأصول و استخراج الأحكام من الكتاب و السنّة لأصحابهم، فهذا هو الإمام الباقر عليه السّلام يجيب «زرارة» بعد ما سأله بقوله: «من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس؟» ، بقوله-بعد كلام طويل-: «لمكان الباء في قوله سبحانه: وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» . (3)

و هذا هو عبد الأعلى مولى آل سام سأل الإمام الصادق عليه السّلام

____________

(1) . وسائل الشيعة 18: 40، الحديث 52 من الباب السادس من أبواب صفات القاضي.

(2) . رجال النجاشي برقم 7.

(3) . وسائل الشيعة 1: 290، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1. و الآية 6 من سورة المائدة.

12

و قال: عثرت فانقطع ظفري و جعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء، قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ، قال اللّه تعالى: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1) ، امسح عليها. (2)

إلى غير ذلك من الأحاديث العديدة التي قام الأئمّة عليهم السّلام فيها بتعليم خريجي مدرستهم طريقة الاجتهاد، و كيفيّة الاستدلال و استنباط الأصول من الفروع، و لم يكن موقفهم في هذا المقام إلاّ موقف المعلّم المرشد الذي يقوم بوظيفة إرشاد المتعلّم إلى دلائل المطلب و براهينه و قد جمعنا قسما من هذه الأحاديث في موسوعتنا القرآنيّة عند البحث عن الخاتميّة. (3)

و على ضوء هذا، فالاجتهاد بمعناه الوسيع هو: إعمال الدقّة و النظر في الروايات، و ترجيح بعضها على بعض، كان موجودا و معمولا به في عصر الأئمّة عليهم السّلام بعد وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم. نعم كلّما بعد العهد عن زمن الرسالة و تكثّرت الآراء و الأحاديث و الروايات، و دخل فيها الدسّ و الوضع، و توفّرت دواعي الكذب فيها، أخذ الاجتهاد و معرفة الحكم الشرعي يصعب و يحتاج إلى مزيد من المؤونة، و استفراغ الوسع، و لأجل ذلك ترى بونا شاسعا بين الاجتهاد الرائج في عصر الأئمّة من بعد الغيبة بقرن أو قرنين، و الاجتهاد الرائج في هذه الأعصار، و الجيلان

____________

(1) . الحجّ: 78.

(2) . وسائل الشيعة: 1/327، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

(3) . مفاهيم القرآن: 3/306-310.

13

يشتركان في بذل الجهد في استنباط الأحكام عن أدلّتها الشرعيّة، و يفترقان في أنّ الاجتهاد بعد عصر الرسالة إلى قرون، كان خفيف المؤونة لقرب العهد و توفّر القرائن، و الاستغناء عنه في كثير من الموارد، لإمكان السؤال المفيد للعلم، بخلافه في العصور المتأخّرة حيث اتّخذ الاجتهاد- لأجل بعد العهد-لنفسه صفة فنّيّة فلا يمكن أن يقوم به إلاّ الأمثل فالأمثل من الواعين المتدبّرين في الكتاب و السنّة، حتّى لا يعمل بالعامّ في مكان الخاصّ. و لا بالمطلق عند وجود المقيّد، و لا بالأصل العملي عند وجود الدليل الاجتهادي، و لا بالدليل المرجوح عند وجود الراجح، إلى غير ذلك من الخصوصيّات التي فرضها بعدنا عن عهد المعصومين.

و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على أنّ الاجتهاد ليس من البدع المحدثة، فقد كان بابه مفتوحا على مصراعيه في وجه العلماء منذ زمن قديم.

الاجتهاد رمز خلود الدين‏

إنّ التشريع الإسلامي تشريع خالد، و قد أغنى البشر عن كافة التشريعات غير الإلهيّة، هذا من جانب، و من جانب آخر كلّما تكاملت نواحي الحضارة، و تشابكت و تعدّدت ألوانها، و واجه المجتمع أوضاعا جديدة و قضايا مستحدثة، و طرحت عليه مشاكل طارئة لا عهد للأزمنة السابقة بها؛ ازدادت حاجة المجتمع إلى قوانين و تشريعات جديدة و لم تزل تتزايد هذه الحاجة يوما بعد يوم تبعا لذلك.

14

فما هو العلاج؟و كيف يجمع بين هذين الأمرين الثابتين؟أيصحّ لمسلم، الخضوع لتشريعات بشريّة لا تمتّ إلى تشريع السماء بصلة؟أو أنّه لا مناص له من بذل الجهود في فهم الكتاب و السنّة حتّى يقف على حكم هذه القضايا المستجدّة من هذين المصدرين الإسلاميّين المهمّين، كيف لا، و قد أخبر سبحانه عن اكتمال الدين عند ما قرب عهد لحوق النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بالرفيق الأعلى، قال سبحانه: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً. (1)

إنّ خلود التشريع و بقاءه في جميع الأجيال، و استغناءه عن كلّ تشريع سواه، يتوقّف على أن يكون التشريع ذا مادّة حيويّة خلاّقة للتفاصيل، بحيث يقدر معها علماء الأمّة على مواكبة الزمن باستنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع الإسلامي في جميع الأعصار. و لأجل ذلك يجب أن يكون باب الاجتهاد مفتوحا ليتسنّى للحاكم الإسلامي الوقوف على حكم الموضوعات الحديثة بذلك فيحفظ للدين طراوته، و يصونه عن الاندراس، و بالتالي يغني المسلمين عن التطفل على موائد الأجانب بإعطاء كلّ موضوع ما يقتضيه من حكم، و لا أظنّ أنّ أحدا يشكّ في لزوم الاجتهاد في أصل المذهب و انفتاحه في جميع الأعصار إذا ما فتح عينيه على كثير من الموضوعات التي طرحت-اليوم-على صعيد التشريع و لم تزل تطرح و ليس في النصوص ما يدلّ على حكمها

____________

(1) . المائدة: 3.

غ

15

بالخصوص.

و من المؤسف جدّا أنّه استحوذ الشكّ في لزوم دوام انفتاحه على عقول كثير من فقهاء السنّة، فأقفلوا هذا الباب بكلا مصراعيه في أواسط القرن السابع‏ (1) ، ثمّ واجهوا مشاكل في جميع الأعصار لا سيّما العصر الحديث.

و أمّا نحن معاشر الشيعة فنعتزّ على دوام انفتاحه، استلهاما من قول الإمام الصادق عليه السّلام لتلميذه حمّاد: «ما من شي‏ء إلاّ و فيه كتاب أو سنّة» . (2)

و من الواضح أنّ استخراج حكم كلّ شي‏ء من ذينك المصدرين يحتاج إلى بذل جهد و سعي حثيث في التفريع و التطبيق على ما هو دأب المجتهد.

المراحل التي مرّ بها الفقه الشيعي‏

و لقد مرّ الفقه الشيعي بمراحل عديدة تعدّ كلّ مرحلة تطوّرا لما قبلها.

1. الإفتاء بنقل الروايات مع أسنادها

كان الرائج في عصر الأئمة نقل الروايات بأسنادها في كتبهم

____________

(1) . الخطط المقريزيّة: 2/333 و 334 و 344.

(2) . الكافي: 1/59.

16

و الإفتاء بها، فكانوا يدوّنون الأحاديث في أبواب خاصّة كالطهارة و الصلاة و الزكاة و الحجّ إلى آخر أبواب الفقه، و لم يكن المقصود من نقلها بأسنادها هو تسجيل الروايات فقط، بل كان المؤلّفون بين راو لها و جامع للأحاديث، و واع لها مراع لضوابط الفتيا، فالفقهاء من خريجي جامعة الإمام الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا عليهم السّلام كانوا يسجّلون الأحاديث على النمط الثاني بينما كانت الطبقة الوسطى أو الأدنى منهم يدوّنونها على حسب النمط الأوّل.

2. تجريد المتون عن الأسانيد

و في أوائل القرن الرابع ظهر لون جديد في الفتيا و هو تجريد الروايات عن أسانيدها، و كتابة الفقه بنفس النصوص الواردة فيها، و لعلّ أوّل من بادر إلى ذلك هو والد الصدوق عليّ بن بابويه (المتوفّى 329 هـ) ، فألّف كتاب الشرائع على هذا النمط، كما كتب ولده الصدوق (المتوفّى 381 هـ) «المقنع و الهداية» على غرار كتاب الشرائع للوالد. ثمّ استمرّ التأليف على هذا النحو إلى أواسط القرن الخامس فألّف الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ) «المقنعة» ، و تلميذه شيخ الطائفة الطوسي (المتوفّى 460 هـ) «النهاية» على غرار ما كتب الصدوق، و كان سيّدنا الأستاذ آية اللّه البروجردي (المتوفّى 1380 هـ) يطلق على: هذا النوع من الكتب بـ «المسائل المتلقّاة من الأئمّة» ، و إن شئت فسمّه بالفقه المنصوص.

17

و لمّا لم يكن هذا النوع من الكتابة رافعا للحاجة و سادّا للفراغ لطروء مسائل مستحدثة و موضوعات جديدة لم ترد فيها سنّة بالخصوص استدعى الحال إلى ظهور نمط آخر يختلف عن سابقيه.

3. مرحلة التفريع و استخراج الفروع من الأصول‏

و قد قام في أوائل القرن الرابع لفيف من فقهاء الشيعة بإبداع منهج ثالث و هو الخروج عن حدود النصوص، و عرض المسائل على القواعد الكلّيّة الواردة في الكتاب و السنّة. و قد اشتهر (1) انّ أوّل من فتح هذا الباب في وجه الشيعة هو «الحسن بن علي بن أبي عقيل» المعاصر للكليني (المتوفّى 329 هـ) و يظهر من النجاشي في ترجمته أنّ كتابه «المتمسّك بحبل آل الرسول» كان مرجعا فقهيّا للشيعة يعمل به الناس كعملهم بالرسائل العمليّة في يومنا الحاضر. يقول النجاشي في حقّ هذا الكتاب: «ما ورد الحاجّ من خراسان إلاّ طلب و اشترى منه نسخا» . (2)

ثمّ اقتدى به: محمّد بن أحمد بن جنيد (المتوفّى 381 هـ) فألّف كتابين في هذا المضمار «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» و كتاب «الأحمدي للفقه المحمّدي» (3) . و قد اتّهم ابن جنيد باستعمال القياس

____________

(1) . بل تقدّم عليه لفيف من الأصحاب منهم فضل بن شاذان (ت 260) لاحظ كتابه:

الايضاح.

(2) . رجال النجاشي، رقم 100.

(3) . رجال النجاشي، رقم 1047.

18

غفلة عن حقيقة الحال، فإنّه لم يستعمل القياس إلاّ على وجه المحاجّة على الخصم و لم يكن ذلك اعتقاده و منهجه. (1)

غير أنّ عمل الفقيهين الجليلين، و إن كان مشكورا و جديرا بالاهتمام في تلك الظروف، و لكن لرسوخ التعبّد بالنصوص في أذهان كثير من الأصحاب، لم يؤثّر تأثيرا كبيرا في العمليّة الفقهيّة إلى أن قام شيخ الطائفة بتأليف كتاب «المبسوط» ؛ فأزاح العراقيل الماثلة أمام هذا النوع من التأليف إلى درجة أنّه نسخ به النمط الآخر، و أقبل الفقهاء على كتابة الفقه على نحو تفريع الفروع و استنباط أحكامها من الأصول من دون الالتزام بنفس النصوص، و يظهر ممّا ذكره الشيخ في المقدّمة، أنّه ردّ بذلك على تعبير قوم من المخالفين على فقه الشيعة بأنّه غير كاف لرفع الحاجة في مختلف المجالات لإعراضهم عن القواعد الرائجة عندهم، كالقياس و الاستحسان و سدّ الذرائع إلى غير ذلك من الأصول التي رفضتها الشيعة، فأثبت الشيخ بمشروعه الكبير هذا، أنّ الأصول و القواعد الفقهيّة الموروثة عن أئمّة أهل البيت كافية للإجابة عن كافة التساؤلات، يقول:

«فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّهة و المنتسبين إلى علم الفروع، يستحقرون فقه أصحابنا الإماميّة و ينسبونهم إلى قلّة الفروع، و قلّة المسائل، و يقولون: إنّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا

____________

(1) . عدّة الأصول: 1/339. و لاحظ ما حقّقه السيّد بحر العلوم في فوائده 3: 213-215.

19

طريق له إلى كثرة المسائل و لا التفريع على الأصول، و هذا جهل منهم بمذاهبنا، و قلّة تأمّل لأصولنا، و لو نظروا في أخبارنا و فقهنا، لعلموا أنّ جلّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا و منصوص عليه تلويحا عن أئمّتنا، إمّا خصوصا أو عموما أو تصريحا أو تلويحا. ثمّ قال: و كنت على قديم الوقت و حديثه متشوّق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك، تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك، القواطع، و تشغلني الشواغل، و تضعف نيّتي أيضا فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، و ترك عنايتهم به، لأنّهم ألفوا الأخبار و ما رووها من صريح الألفاظ حتّى أنّ مسألة لو غيّر لفظها و عبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم، لعجبوا منها، و قصر فهمهم عنها، و كنت عملت على قديم الوقت كتاب «النهاية» و ذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم بأصولها من المسائل و فرقوها في كتبهم و رتّبته ترتيب الفقه، و جمعت من النظائر، و رتّبت فيه الكتب على ما رتّبت للعلّة التي بيّنتها هناك، و لم أتعرّض للتفريع على المسائل و لا لتعقيد الأبواب و ترتيب المسائل و تعليقها و الجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتّى لا يستوحشوا من ذلك» . (1)

و قد نال هذا الكتاب شهرة واسعة في أوساط العلماء، و هو أحد الكتب النفيسة للشيعة الإماميّة في الفقه، و طبع في ثمانية أجزاء و صار عمله هذا بداية خير للفقهاء العظام بعده، فقد ألّف زميله عبد العزيز

____________

(1) . المبسوط: 1/1-2.

20

بن البراج (المتوفّى 481 هـ) «المهذّب» على غراره، ثمّ تتابع التأليف بعدهما إلى عصرنا هذا.

و من ألمّ بتاريخ الفقه الشيعي من عصر الأئمّة إلى القرن العاشر يجد أنّ علماء الشيعة كانوا ميّالين إلى أحد المنهجين التاليين:

«منهج جمع الحديث الفقهي و ضبطه و نقله و نشره، و منهج تفريع الفروع و استنباط الأحكام عن أدلّتها الشرعيّة و لكلّ عمله و جزيل أجره، فشكر اللّه مساعي الجميع» .

و هذا واضح لمن سبر تاريخ فقه الشيعة، و درس طبقات فقهائهم و محدّثيهم، و لم يكن للمحدّثين مذهب فقهي خاص بهم، و للفقهاء و المجتهدين مذهب آخر يضادّ المنهج الأوّل، بل كان لكلّ مسؤوليّة معيّنة، و وظيفة خاصّة تجاه الدين.

21

الأخباريّة منهج مبتدع‏

قد تعرّفت على أنّه لم يكن بين علماء الشيعة منهجان متقابلان متضادّان في مجال الفروع، حتّى يكون لكلّ منهج مبادئ مستقلّة، و يناقض أحدهما الآخر، بل كان الجميع على خطّ واحد، و كان الاختلاف في لون الخدمة و كيفيّة أداء الوظيفة إلى أن ظهر في أواخر القرن العاشر و أوائل القرن الحادي عشر الشيخ محمّد أمين ابن محمّد شريف الاسترآبادي الذي جاور المدينة المنوّرة و مكّة المشرّفة، و تتلمذ فيها على الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم الاسترآبادي صاحب كتاب: «منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال» عشر سنين‏ (1) ، و توفّي (عام 1033 هـ) (2) فابتدع مسلكا خاصّا أسماه بالأخباريّة. و قد هاجم في تأليفاته المجتهدين العظام أمثال ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و الشيخ الطوسي و من اقتفى آثارهم، حتّى زعم أنّ مسلك «الأخباريّة» الذي ابتدعه كان موجودا في القرون السابقة غير أنّه كانت تمرّ عليها مراحل من نشاط و فتور، و انتعاش و خمول.

____________

(1) . الفوائد المدنيّة لمحمّد أمين الاسترآبادي: 18، و توفّي أستاذه عام 1028 هـ.

(2) . لؤلؤة البحرين للشيخ يوسف البحراني: 119.

22

و العجب أنّه استدلّ على انقسام علماء الإماميّة إلى الأخباريّين و الأصوليّين بأمرين:

1. ما ذكره شارح المواقف حيث قال: كانت الإماميّة أوّلا على مذهب أئمّتهم حتّى تمادى بهم الزمان فاختلفوا و تشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة و إلى الأخباريّين، و ما ذكره الشهرستاني في أوّل كتاب الملل و النحل من أنّ الإماميّة كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الأصول ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم، حتّى تمادى بهم الزمان فاختارت كلّ فرقة طريقة، فصارت الإماميّة إلى معتزلة (إمّا وعيديّة) أو تفضيليّة، و إلى أخباريّة امّا (مشبّهة) أو سلفيّة. (1)

2. ما ذكره العلاّمة في نهايته عند البحث عن جواز العمل بخبر الواحد، فقال: أمّا الإماميّة فالأخباريّون منهم لم يعوّلوا في أصول الدين و فروعه إلاّ على أخبار الآحاد، و الأصوليّون منهم كأبي جعفر الطوسي و غيره وافقوا على خبر الواحد و لم ينكره سوى المرتضى و أتباعه. (2)

يلاحظ عليه: أنّ كلا الشاهدين أجنبيّان عمّا يرومه الأمين.

أمّا الشاهد الأوّل: فهو نقله بالمعنى، و لو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارئ الكريم ما رامه شارح المواقف، و إليك نصّه: ... و تشعّب

____________

(1) . لاحظ شرح المواقف 8: 392. و لم نجد النصّ في الملل و النحل. و لاحظ الفوائد المدنيّة: 43 و 44.

(2) . الفوائد المدنيّة: 43 و 44.

23

متأخروهم إلى «المعتزلة» إمّا وعيديّة أو تفضيليّة (ظ. تفضلية) و إلى «أخباريّة» يعتقدون ظاهر ما ورد به الأخبار المتشابهة، و هؤلاء ينقسمون إلى «مشبّهة» يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها، و «سلفيّة» يعتقدون أنّ ما أراد اللّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف و إلى ملتحقة بالفرقة الضالّة. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ مسلك الأخباريّة الذي ابتدعه الشيخ الأمين ليس إلاّ مسلكا فقهيّا يشكل سداه و لحمته عدم حجّيّة ظواهر الكتاب أوّلا و لزوم العمل بالأخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الأسناد، و علاج التعارض بالحمل على التقيّة و غيرها ثانيا، و عدم حجّيّة العقل في استنباط الأحكام ثالثا.

و ما ذكره شارح «المواقف» فهو راجع إلى المسائل العقائديّة دون الفرعيّة و من بين هذه المسائل يخصّ الصفات الخبريّة بالبحث كاليد و الإستواء و الوجه و غير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات و اتّهم الإماميّة بأنّهم يعتقدون بظواهر الأخبار المتشابهة و ينقسمون في التعبّد بها إلى طوائف ثلاث: مشبّهة، و سلفيّة، و ملتحقة بالفرق الضالّة.

و الحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الاسترآبادي عجيب جدّا مع اختلافهما في موضوع البحث و ابتناء المسلك الأخباري على أسس و قوائم لم تكن معروفة بها عند الطائفة الأولى.

____________

(1) . المواقف 8: 392. يريد من الفرقة الضالّة، فرقة المعتزلة، و هذا التعبير الجارح بعيد عن أدب شارح المواقف السيّد شريف الجرجاني.

24

و أمّا ما ذكره العلاّمة فهو أيضا لا يمتّ إلى مسلك الأخباريّة المبتدع بصلة، بل هو راجع إلى مسألة خلافيّة بين علماء الإماميّة من زمن قديم، و هو هل الخبر الواحد حجّة في الأصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟فالمحدّثون و الممارسون للأخبار و الذين ليس لهم شأن إلاّ الغور في الأخبار ذهبوا إلى القول الأوّل، و الممارسون لعلم الأصول الذين يحكّمون العقل في مجال العقائد يقولون بالثاني.

فتفسير الأخباري في كلام العلاّمة الذي لا يقصد إلاّ من يمارس الأخبار و يدوّنها و ينقلها كما يفعله كلّ المحدّثين، بمسلك الأخباري الذي هو مسلك فكري فقهي عجيب جدّا.

و لسنا متفرّدين بتوصيف مسلكه بالإبتداع-لو لم نقل أنّه كان حركة رجعيّة عرقلت خطى الأمّة عن التقدّم و التطوّر و أقفلت باب البحث في الأسانيد و المتون كما سدّت البحث حول كثير من المسائل الأصوليّة-حتّى أنّ المحدّث البحراني-الذي كان أخباريّا معتدلا جدّا و يعدّ كتابه الحدائق من أنفس الكتب الفقهيّة لا سيما في جمع الأخبار و تفسيرها-يعترف بذلك و يقول في ترجمة الأمين الاسترآبادي: «و كان فاضلا محقّقا مدقّقا ماهرا في الأصولين و الحديث، أخباريّا صلبا، و هو أوّل من فتح باب الطعن على المجتهدين، و تقسيم الفرقة الناجية إلى أخباريّ و مجتهد، و أكثر في كتابه الفوائد المدنيّة من التشنيع على المجتهدين، بل ربّما نسبهم إلى تخريب الدين، و ما أحسن و ما أجاد، و لا

25

وافق الصواب و السداد، لما قد ترتّب على ذلك، من عظيم الفساد، و قد أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في كتابنا «الدرر النجفيّة» و في كتابنا «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» إلاّ أنّ الأوّل منهما استوفى البحث في ذلك بما لم يشتمل عليه الثاني» . (1)

و قد ترجمه صاحب «الروضات» ترجمة مفصّلة و ذكر الموارد التي طعن فيها على المجتهدين و ذكر ردود المجتهدين عليه بما لا مزيد عليه. (2)

و ممّا يدعو إلى العجب أنّ الأمين: ينهي مسلكه إلى أستاذه محمّد بن علي بن إبراهيم مؤلّف كتاب «منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال» مع أنّ العناية بعلم الرجال و الدقّة في الأسانيد التي كرّس الأستاذ عمره فيها لا يجتمع مع مسلك الأخباريّة القائل بقطعيّة الأخبار، التي تغني عن الرجوع إلى علم الرجال.

حنّ قدح ليس منها

هذا و لقد ألّف «علي حسين الجابري» من طلاّب كليّة الآداب في

____________

(1) . لؤلؤة البحرين: 118-177، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم.

(2) . روضات الجنّات: 1/120-139. و ذكر أنّ الفوارق بين المنهجين ترتقي إلى ثلاثين أصلا، ثمّ ذكر رؤوسها. فلاحظ الصفحات 127-130، الطبعة الحديثة، و بسط الكلام في ترجمته في مادّة «أمين» قائلا: بأنّ تصديره بـ «محمّد» للتبرّك و ليس جزءا من الاسم، و على تلك الضابطة مشى في جميع الكتاب، و تبعه غيره في بعض تآليفه.

غ

26

جامعة بغداد رسالة أسماها بـ «الفكر السلفي عند الشيعة الاثني عشريّة» ، حاول فيه أن يثبت أنّ الفكر السلفي هو الفكر الإمامي الاثنا عشري الأصيل قبل أن تتداخل فيه الأهواء، و تتجاذبه الرياح العواصف، و قد طبع الكتاب ببيروت عام 1977 م، و نال بهذا المؤلّف درجة الماجستير من نفس الكليّة، و قد أطراه أستاذه المشرف على تلك الرسالة «كامل مصطفى الشيبي» بقوله: لقد خاض الجابري في بحر مائج، و جهد كثيرا حتّى أخرج منه صيدا شهيّا يتمثّل في هذا الكتاب الذي يغبطه كلّ باحث.

نقد كتاب «الفكر السلفي عند الشيعة»

و نحن نقدّر جهد المؤلّف حيث إنّه أعدّ العدّة اللازمة لكتابة هذه المواضيع من تاريخ فقهنا المشرق، و لكن نؤاخذ عليه بأمور:

1. إنّ السلفيّة لم تكن مذهبا خاصّا و لا منهجا معيّنا دارجا بين المسلمين من غير فرق بين السنّة و الشيعة، و إنّما هو من مبدعات ابن تيمية (المتوفّى 728 هـ) و من تبعه في القرن الثاني عشر كمحمّد بن عبد الوهاب (المتوفّى 1206 هـ) و كانت الغاية من اختراع هذه الكلمة هو تبرير عقائدهما، فالتشبيه و التجسيم و الجمود على حرفيّة الصفات الخبريّة كاليد و الوجه للّه سبحانه تعدّ جميعها أساسا لمذهب الأوّل، و المنع عن السفر إلى زيارة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و طلب الشفاعة منه يعدّ أساسا آخر لمذهب الثاني، فأبدعا ذلك المصطلح في كتبهم أو نسبا ما ابتدعاه إلى السلف، و لمّا أخذت الدعوة الوهابيّة تنتشر في الأراضي المقدّسة

27

تحت وطأة الترهيب و الترغيب راج تداول لفظ السلفيّة بين أصحاب القلم و وسائل الإعلام.

و في هذا الصدد يقول بعض المفكّرين من أهل السنّة: إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأمّة، و لا الخلف الملتزم بنهجه. (1)

2. إنّ الكاتب حاول أن يثبت أنّ مسلك الأخباريّة الذي ابتدعه محمّد أمين الاسترآبادي في أوائل القرن الحادي عشر كان استمرارا للسلفيّة التي كانت تغلب على الشيعة في عصر الأئمّة و حتّى بعد الغيبة إلى أن انتهت إلى عصر أمين الأخباري، ثمّ إنّه لدعم ذلك أثبت لمعلّم الأمّة «الشيخ المفيد» جانبا سلفيّا و جانبا عقليّا، و زعم أنّ تلميذه المرتضى طوّر جانبه العقلي إلى أن وصل إلى ذروته، كما أثبت نظير ذلك لتلميذه الشيخ الطوسي، و لم يكتف بذلك حتّى قال في حقّ المحقّق: إنّه بغضّ النظر عن كلّ ما قيل عن دور المحقّق في ميدان التشريع الأصولي و العقلي، تبقى مسألة المحافظة السلفيّة عنده على الأحاديث واضحة، ربّما بتأثير بعض شيوخه، و قد حلّ كتابه «شرائع الإسلام» في حلقات الدرس الأصولي-الاثنى عشرية-بدلا من كتاب «النهاية» للطوسي، و هذا يعني الكثير بالنسبة للفكر السلفي. (2)

____________

(1) . السلفيّة مرحلة زمنيّة: 13. و لاحظ: بحوث في الملل و النحل: 1/318-329.

(2) . لاحظ: الفكر السلفي: 212 و 213 و 237.

28

الأخبارية في القرون الثلاثة الأولى غير الأخبارية المصطلحه‏

و ما ذكره لا يبتني على أساس رصين، إذ كيف يتّهم الشيخ المفيد بجانب سلفي مع أنّه المتكلّم الذي يعتمد في إثبات الأصول و العقائد على «العقل» و «البرهان» و يقضي في الأحاديث بالضوابط التي يقدّرها الأصوليّون في أبحاثهم، و ليس كتابه «المقنعة» دليلا على كونه سلفيّا.

و قد عرفت أنّ مشاهير الفقهاء كانت لهم ألوان مختلفة من الكتابة، فللشيخ الطوسي كتاب «النهاية» ، و في الوقت نفسه كتاب «الخلاف» و «المبسوط» ، كما إنّ تأليف «شرائع الإسلام» للمحقّق لا يمتّ إلى كونه سلفيّا بصلة، بشهادة أنّه كتب «المعتبر» أيضا فالأوّل من المتون الفقهيّة الخالية عن الاستدلال إلاّ قليلا و الثاني كتاب استدلالي مبني على الضوابط المقرّرة.

و العجب أنّ الكاتب يصرّ على أنّ الفكرة السلفيّة الرائجة بين أصحاب الأئمّة في القرون الثلاثة، و التي روّجها الأمين، لم تزل رائجة بين علماء الشيعة عبر القرون من عصر الكليني إلى زمان الأمين، مع أنّه يصرّح بانقطاع الفكرة بعد رحيل الكليني إلى زمانه، و أنّه هو الذي أعاد الفكرة على الساحة بفضل إرشاد أستاذه الشيخ محمّد الاسترآبادي مؤلّف الرجال الكبير و المتوسّط و الصغير و إليك نصّ عبارته:

و أوّل من عقل عن طريقة أصحاب الأئمّة عليهم السّلام و اعتمد على فن الكلام و على أصول الفقه المبنيّين على الأفكار العقليّة المتداولة بين العامّة-فيما أعلم-محمّد بن أحمد بن الجنيد (المتوفّى 385 هـ) العامل‏

29

بالقياس و حسن بن علي ابن أبي عقيل العماني المتكلّم، و لمّا أظهر الشيخ المفيد حسن الظنّ بتصانيفهما بين يدي أصحابه-و منهم السيّد الأجلّ المرتضى و شيخ الطائفة-شاعت طريقتهما بين متأخّري أصحابنا-قرنا فقرنا-حتّى وصلت النوبة إلى العلاّمة الحلّي فالتزم في تصانيفه أكثر القواعد الأصوليّة للعامّة ثمّ تبعه الشهيدان و الفاضل الشيخ علي (يريد المحقّق الكركي) (المتوفّى 940 هـ) رحمهم اللّه. (1)

و لو لاحظ الإنسان ذلك الكتاب «الفكر السلفي» لرأى أنّ المؤلّف أتى بمصادر جمّة في الهوامش، و ربّما يتخيّل القارئ أنّ الكاتب برهن على ما كتبه و سطّره بالمصادر و المآخذ، غير أنّه لا يجد في جميع ما كتبه حول القرون العشرة إلى زمان الشيخ محمّد أمين الاسترآبادي دليلا واضحا على أنّ المسلك الأخباري بالمعنى الذي تبنّاه الاسترآبادي كان امتدادا لما كان عليه السلف في العصور السابقة، بل إنّ كلّ ما قاله الكاتب ليس سوى استنتاجات و نظريّات شخصيّة تقصر عن إثباتها، المصادر و المآخذ، و لأجل ذلك لا مناص للقارئ الكريم من أن يتّهم الاسترآبادي باختراع هذا المسلك، لأنّه لا يرى له جذورا بصورة منهج فقهي رسمي بين الأصحاب المتقدّمين على الاسترآبادي، كما على القارئ أن يتّهم الكاتب بأنّه يحاول إقصاء الشيعة عن مجال العقل و التعقّل، و الفكر و التفكير، عبر رميهم

____________

(1) . الفوائد المدنيّة: 30، ط دار النشر لأهل البيت عليهم السّلام.

30

بالسلفيّة و اتّباع الظواهر من دون دراستها و تقييمها في عقليّة استنباطيّة اجتهاديّة، و بخاصّة أنّ الكتاب طبع في عهد النظام البعثي الذي يتبنّى محاربة هذه الطائفة و توجيه الضربات إليها، و هو يهيمن على مراكز الثقافة و الفكر كالمعاهد و الجامعات.

كيف لا و قد عرفت-في ما أسلفنا-على أنّ انقسام العلماء إلى أهل الحديث و أصحاب الاجتهاد لا يدلّ على كون الأوّل مسلكا فقهيّا أو عقائديّا تبنّاه فحول الشيعة و أكابرهم، و إنّما كان ذلك تقسيما للمسؤوليّات الدينيّة، و كلّ يختار ما يميل إليه ذوقه و تدعوه إليه فطرته.

و قد كان في عصر الصادقين و الكاظمين و بعدهما، تيّاران فكريان بين أصحاب الأئمّة، فهم بين مكبّ على الأخبار، و ممارس لها، و بين آخذ بالنقل و العقل أمثال زرارة بن أعين و عبد اللّه بن يونس و الفضل بن شاذان و تبعهم القديمان ابن أبي عقيل و ابن الجنيد لكنّ الشيخ المفيد و تلميذيه المرتضى و الشيخ الطوسي، جعلوا الجميع على نهج واحد، و هو الجمع بين النقل و العقل، و انّه عند التّعارض يقدّم العقل القطعي على النقل الظني.

نعم هنا فرق جوهري بين الأخبارية التي نادى بها الأمين الأسترآبادي، و بين الأخبارية في عصر الأئمّة، و هو أنّ الأخبارية في عصر الأئمّة كانت تعني ممارسة الاخبار و تدوينها و نقلها، دون إعمال‏

31

الدقّة بين صحيحها و سقيمها.

و أمّا الأخبارية التي ابتدعها الأمين الاسترآبادي، فهي اخبارية منهجية لها أسسها و دعائمها، و قد ألقى الفكرة بصورة البرهان و النقد على الأسس التي اعتمد عليها الأصوليون، فلذلك لا يمكن عدّ الأخبارية الحديثة امتدادا جوهريا للأخبارية في عصر الأئمّة.

نعم كانت الأخبارية البدائية ملهمة للشيخ الأمين على أن يصبغها بصبغة علمية. (1)

بقي هنا شي‏ء و هو تبيين المسلك الذي تبنّاه الأمين الاسترآبادي، و هو يبتنى على أسس و قواعد:

____________

(1) . لاحظ مصادر الفقه الإسلامي، ص 390-391.

32

-

33

الأسس التي يبتني عليها الأخبارية

34

-

35

1 عدم حجّيّة ظواهر الكتاب‏ (1)

إنّ الأصل الأوّل من أصول هذا المسلك هو عدم حجّيّة الكتاب الذي يعرفه سبحانه بأنّه: تبيان كلّ شَيْ‏ءٍ (2) ، يقول الأمين الاسترآبادي: إنّ القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعيّة، و كذلك كثير من السنن النبويّة، و أنّه لا سبيل لنا في ما لا نعلمه من الأحكام النظريّة الشرعيّة أصليّة كانت أو فرعيّة إلاّ السماع من الصادقين عليهم السّلام، و أنّه لا يجوز استنباط الأحكام النظريّة من ظواهر كتاب اللّه و لا من ظواهر السنّة النبويّة ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر عليهم السّلام بل يجب التوقّف و الاحتياط فيهما. (3)

و قال في موضع آخر: فإن قال قائل: كيف عملكم معاشر الأخباريّين في الظواهر القرآنيّة مثل قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4) ،

____________

(1) . ما جاء في المتن هو أمّهات الفروق و أصولها، و إلاّ فقد عرفت أنّ الفوارق تنتهي إلى ثلاثين أصلا.

(2) . النحل: 89.

(3) . الفوائد المدنيّة: 47.

(4) . المائدة: 1، 6.

36

و قوله تعالى: أَوْ لاََمَسْتُمُ اَلنِّسََاءَ (1) ، و قوله تعالى: إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. (2) و في ظواهر السّنة النبويّة مثل قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» .

قلنا: بأنّا نوجب الفحص في أحوالهما بالرجوع إلى كلام العترة الطاهرة عليهم السّلام فإذا ظفرنا بالمقصود و علمنا حقيقة الحال عملنا بها، و إلاّ أوجبنا التوقّف و التثبيت. (3)

يلاحظ عليه بأنّه إذا دار الأمر بين الأخذ بقول الاسترآبادي في وصف القرآن بأنّه ورد في الأكثر على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعيّة، و بين قول الرسول و عترته. فنحن نأخذ بالثاني.

فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «و إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه» . (4)

و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله» . (5)

و قال الإمام الصادق عليه السّلام: «كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف» . (6)

____________

(1 و 2) . المائدة: 6.

(3) . الفوائد المدنيّة: 164.

(4) . الكافي: 1/55.

(5) . الكافي: 1/56.

(6) . الكافي: 1/55.

37

و إذا لم يكن الكتاب حجّة في مجال الإفتاء، فلماذا أرجع الأئمّة عليهم السّلام الرواة، في تمييز الشروط الصحيحة عن غيرها، إلى موافقة الكتاب و مخالفته، و قد تضافر عنهم قولهم: «المسلمون عند شروطهم» ، إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جل فلا يجوز. (1)

إنّ وصف الكتاب بعدم الحجّيّة في مجال العمل و العقيدة، إهانة كبيرة لحجّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و معجزته الكبرى، و قد وصفه سبحانه بأنّ فيه هدى و بيانا و موعظة للمتّقين، قال سبحانه: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. (2)

فلو لم يكن الكتاب مقياسا لتمييز الحقّ عن الباطل، و مرجعا لاستنباط الأحكام، فلماذا قام الإمام الرضا عليه السّلام بإفحام أبو قرّة المحدّث العامي حيث قال: روينا أنّ اللّه قسّم الرؤية و الكلام، فلموسى عليه السّلام الكلام، و لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم الرؤية. فقال أبو الحسن عليه السّلام: «فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين من الجنّ و الإنس (قوله تعالى) لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ (3) ، وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (4) و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (5) ، أليس محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟

____________

(1) . وسائل الشيعة 12: 323، كتاب التجارة، الباب السادس من أبواب الخيار، الحديث 2، و في الباب أحاديث كثيرة في هذا المجال، فلاحظ.

(2) . آل عمران: 138.

(3) . الأنعام: 103.

(4) . طه: 110.

(5) . الشورى: 11.

38

قال أبو قرّة: بلى. فقال الإمام عليه السّلام: «كيف يجي‏ء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، و أنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول:

لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ ، وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، ثمّ يقول: «أنا رأيته بعيني، و أحطت به علما، و هو على صورة البشر» . (1)

و هذا هو حسن الصيقل يقول: قلت لأبي عبد اللّه: رجل طلّق امرأته طلاقا لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فتزوّجها رجل متعة أتحلّ للأوّل؟قال عليه السّلام: لا، لأنّ اللّه يقول: فَإِنْ طَلَّقَهََا فَلاََ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهََا (2) ، و المتعة ليس فيها طلاق‏ (3) ، هذا و من تتبّع أحاديث العترة الطاهرة، يجدها تسير جنبا إلى جنب مع القرآن، تتمسّك بإشاراته فضلا عن تصريحاته و ظواهره، و لأجل ذلك كان أبو حنيفة يقول عن الإمام الصادق عليه السّلام: «لقد كان كلامه انتزاعات من القرآن» .

و ليعلم أنّ التمسّك بالظواهر لا يمتّ إلى تفسير القرآن بالرأي بصلة.

____________

(1) . الكافي: 1/74.

(2) . البقرة: 230.

(3) . وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الطلاق، الباب التاسع من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 4.

غ

39

2 ادّعاء قطعيّة أحاديث الكتب الأربعة

هذا هو الأصل الثاني الذي ذهب إليه الأخباريّون حيث جعلوا البحث عن حال الراوي من حيث الوثاقة و عدمها، أمرا لا طائل تحته، كما يكون تقسيم الأخبار من جانب الأصوليّين إلى الأقسام الأربعة المعروفة، على طرف النقيض من هذا الأصل.

يلاحظ عليه: أنّ دعوى القطعيّة دعوى بلا دليل، كيف لا؟ و مؤلّفو الكتب الأربعة لم يدّعوا ذلك، و أقصى ما يمكن أن ينسب إليهم أنّهم ادّعوا صحّة الأخبار المودعة فيها، و هي غير كونها متواترة أو محفوفة بالقرائن، و المراد من الصحّة في مصطلحهم اقترانها بقرائن تفيد الاطمئنان بصدورها عن الأئمّة، و لكن هل هذه الشهادة من المشايخ الثلاثة على صحّة روايات كتبهم حجّة لنا أو لا؟التحقيق لا، لأنّ خبر العدل و شهادته إنّما يكون حجّة إذا أخبر عن الشي‏ء عن حسّ لا عن حدس، و الإخبار عن الشي‏ء بالحدس لا يكون حجّة إلاّ على نفس‏

40

المخبر، و لا يعدو غيره إلاّ في موارد خاصّة. و لأجل هذه النكتة نرى أنّ المشايخ نقلوا الروايات بأسنادها حتّى يتدبّر الآخرون فيما ينقلونه ممّا صحّ لديهم، و لو كانت شهادتهم على الصحّة حجّة على الكلّ لما كان وجه لتحمّل هذا العب‏ء الثقيل، أعني نقل الروايات بأسنادها.

3 إنكار حجّيّة العقل في مجال الاستنباط

هذا هو الأصل الركين عند الأخباريّين و قد طعنوا به الأصوليّين الذين ذهبوا إلى حجّيّة العقل في مجال الاستنباط، و سمّاه محمّد أمين الاسترآبادي «الاعتماد على الدليل الظنّي في أحكامه تعالى» و قد استنبط ذلك من مقدّمة وصفها بأنّها دقيقة و شريفة و قال: العلوم النظريّة قسمان، قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب، و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الاختلاف، و قسم ينتهي إلى مادّة بعيدة عن الإحساس و من هذا القسم الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة و علم الكلام، و علم أصول الفقه، و المسائل النظريّة الفقهيّة، و بعض القواعد المذكورة في علم المنطق، و من ثمّ وقع الاختلاف بين الفلاسفة، في الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة، و بين علماء الإسلام في أصول الفقه و المسائل النظريّة الفقهيّة، و بعض‏

41

القواعد المذكورة في علم المنطق، و السبب في ذلك هو أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة، و ليس في المنطق قاعدة بها نعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من أقسام مواد الأقيسة، بل من المعلوم عند أولي الألباب امتناع وضع قاعدة تتكفّل بذلك. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: بأنّ الأصوليّين لا يعتمدون على الدليل العقلي الظنّي، بل يعتمدون على الأحكام العقليّة القاطعة التي اتّفقت عليها عقول الناس و فطرهم السليمة، و لا يخالف فيه أحد، إلاّ إذا كان متأثّرا بفكرة مسبقة، و هي نظير الأحكام القطعيّة التي يستقلّ العقل بها في مجال إثبات الصانع و صفاته، أو قبح إعطاء المعجزة للمتنبئ الكاذب، أو لزوم عصمة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

و ليست الأحكام العقلية القطعية الّتي لها دور خاصّ في استنباط الأحكام الكلّيّة، شيئا مبتدعا، بل هي أمر يعتمد الكتاب و السنّة عليه في احتجاجاتهما و مناظراتهما، و يتّخذانها أصلا مسلّما.

أمّا الكتاب فاللّه سبحانه يقول: أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ

____________

(1) . الفوائد المدنيّة: 129 و 130، و لكلامه بقيّة من أرادها فليرجع إليه، و كلامه يعرب عن أنّه كان يعتمد على الحسّ و ما هو قريب منه لا على العقل البحت و ما هو بعيد عن الحسّ، و العجب أنّ تلك الفكرة نفسها كانت تنمو في المغرب آنذاك، من دون أن تكون بين المفكّرين صلة-حسب الظاهر-كما سيوافيك فيما بعد.

42

كَالْفُجََّارِ (1) ، و يقول: أَ فَنَجْعَلُ اَلْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (2) ، و يقول: هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ إِلاَّ اَلْإِحْسََانُ (3) ، و يقول: وَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً قََالُوا وَجَدْنََا عَلَيْهََا آبََاءَنََا وَ اَللََّهُ أَمَرَنََا بِهََا قُلْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ. (4)

و هذه الآيات تستنطق فطرة كلّ إنسان و تنبّهها على أنّ هناك أصولا مسلّمة عند جميع أصحاب الفطرة و العقول، و هي حسن بعض الأشياء و قبح البعض الآخر، و إنّ القرآن يعتمد في محاوراته عليها.

و أمّا السنّة: فيكفي في ذلك قول الإمام الطاهر موسى بن جعفر عليهما السّلام لتلميذه هشام بن الحكم في حديث مفصّل: يا هشام، إنّ للّه على الناس حجّتين، حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة، و أمّا الباطنة فالعقول» . (5)

و هذا الحديث و غيره يعرب عن موقف الإسلام السامي من الأحكام التي يستقلّ بها العقل شريطة أن يتجرّد عن الأفكار المسبقة، و يحكم حكما باتّا عقلانيّا محضا غير منبعث عن هذا الجانب، و يحترز عن بعض الأساليب التي منع الشارع من إعمالها عند استنباط الحكم

____________

(1) . سورة ص: 28.

(2) . القلم: 35.

(3) . الرحمن: 60.

(4) . الأعراف: 28.

(5) . الكافي: 1/13-16، و الحديث مفصّل مسهب، فراجعه.

43

الشرعي كالأقيسة و الاستحسانات و غير ذلك من الظنون المحظورة الممنوعة، و عند ذلك يتلخّص دور العقل في مجال الاستنباط في الموارد التالية:

1. قبح العقاب بلا بيان، فتكون النتيجة الشرعيّة عدم لزوم الاحتياط.

2. الاشتغال اليقيني يستلزم البراءة اليقينيّة، فتكون الوظيفة في مجال العلم الإجمالي هو الاحتياط.

3. الملازمات التي يدركها العقل في عدّة موارد لو قلنا بها، كالملازمة بين الإمتثال و الاجزاء أو بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّمته أو حرمة ضدّه إلى غير ذلك ممّا للعقل إليه سبيل.

و ثانيا: إنّ ما ذهب إليه الاسترآبادي من إفاضة الحجّيّة على الحسّ، و إقصاء العقل عن مجال النظر هو نفس ما ذهب إليه الحسّيّون من الأوربيّين، و ممّا يثير العجب أنّ هذه النظريّة اختارها الاسترآبادي في حين كانت النظريّة الحسّيّة رائجة في أوربا، و قد توفّي الاسترآبادي عام (1033 هـ) ، (1623 م) ، و قد توفّي ديكارت عام (1650 م) . و قد كان هذا العصر عصر النهضة العلميّة المبنيّة على الحسّ و التجربة، و الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» و إن لم يعتمد على الحسّ من باب أنّه من أدوات المعرفة، غير أنّ النهضة العلميّة التي أيّدها «ديكارت» ، و بعده «جان‏لوك» (1704 م) ، كان عصر النهضة العلميّة الحسّيّة المبنيّة على‏

44

الإيمان بالمحسوسات، و رفض المغيّبات و العقليّات، و لا أدّعي أنّ الشيخ الاسترآبادي تأثّر بتلك الموجة و إنّما هو من باب تداعي الخواطر.

هذه هي بعض الأصول المهمّة التي اعتمد عليها الأخباريّون و في طليعتهم الأمين الاسترآبادي في مسلكه المبتدع الذي لا يمتّ إلى مذهب السلف الصالح من علماء الإماميّة بصلة.

إزدهار المسلك الأخبارى بعد الأمين‏

و لقد أخذ المسلك الذي ابتدعه الشيخ الأخباري في الانتشار و الذيوع، و اشتهر خلال قرنين في المحافل العلميّة، حتّى تأثّر به عدد كبير من علماء الشيعة إلى عصر الأستاذ الأكبر المحقّق البهبهاني (1118-1206 هـ) ، و كانت الظروف آنذاك مناسبة لتنامي هذا المنهج لعلل لا يسع المجال لذكرها.

غير أنّ الأستاذ الأكبر البهبهاني قد قضى على تلك الفكرة، بفكره الناضج، و حججه الباهرة القاهرة، و جهاده المتواصل إلى أن رجع كثير من المتأثّرين بالمسلك إلى الطريقة الحقّة و المنهج الصحيح، و على الرغم من ذلك فقد بقيت من المسلك المذكور مخلّفات و آثار غير محمودة عند المتأخّرين من العلماء، فقام الشيخ مرتضى الأنصاري قدّس سرّه بإزالة ما بقي من تلك الرواسب في الأذهان بكتبه القيّمة، و أفكاره‏

45

الناضجة، و بحوثه الرائعة التي ألقاها في النجف الأشرف، فاستتبّ الأمر للأصوليّين، و لم يبق من أتباع المذهب المبتدع إلاّ صبابة كصبابة الإناء، تظهر بين حين و آخر.

و نحن على يقين بأنّ إعادة هذه الفكرة إلى حيز الوجود في الحوزات العلمية ما هي إلاّ مؤامرة حيكت لإفراغ التشيّع عن طابعه العلمي، الذي كان سلاحه في مواجهة أعداء الدين عبر القرون، و من الواضح بمكان أنّ أيّ أمّة إن لم تعر أهمية للعقل و البرهان لأضحت فريسة سائغة للاستعمار، فتذهب ثقافتها و ثرواتها أدراج الرياح، و تصبح أمّة مضطهدة مستعمرة لا تملك حولا و لا قوة و لا، و لا.

و لما كان الشيخ الأنصاري، هو البطل المقدام في القضاء على ذلك المنهج المبتدع سلطنا بعض الضوء على حياته و جهاده المتواصل و آثاره القيمة.

فهلم معنا أيّها القارئ لنقف على حياته الكريمة و عطائه الثرّ في مختلف حقول العلم و المعرفة.

46

-

47

حياة الشيخ الأنصاري و شخصيّته‏

48

-

49

حياة الشيخ الأنصاري و شخصيّته‏

قد صبّ الشيخ الأعظم الأنصاري جهوده العلميّة لإرساء قواعد الفقه و الأصول في ضوء الكتاب و السنّة و العقل، و اجتثاث أصول المسلك الأخباري من خلال بحوثه و كتبه، فأداء لبعض حقّه، نقوم بترجمة موجزة لحياته و شخصيّته.

ولد قدّس سرّه غدير عام (1214 هـ) ينتهي نسبه إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و قد سرده بعض شخصيّات أسرته هكذا:

الشيخ مرتضى بن الشيخ محمّد أمين بن الشيخ مرتضى بن الشيخ شمس الدين بن الشيخ محمّد شريف بن الشيخ أحمد بن الشيخ جمال الدين بن الشيخ حسن بن الشيخ يوسف بن الشيخ عبيد اللّه بن الشيخ قطب الدين محمّد بن زيد بن أبي طالب بن عبد الرزّاق بن جميل بن جليل بن نذير بن جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

و كأنّه يرومه الشاعر المفلق و يقول:

شرف تتابع كابر عن كابر # كالرمح انبوب على انبوب‏

فهو وليد البيت الطاهر، ذو المجد الأصيل، يشهد نسبه على شرف‏

50

أرومته. فنذير ابن جابر انتقل إلى مدينة «تستر» أبّان افتتاحها على يد عساكر الإسلام فألقى رحل إقامته هناك و أسّس هذه الأسرة العلميّة التي لم تزل تتلألأ في كلّ قرن بمحدّث بارع، أو فقيه متضلّع، أو خطيب مصقع رضوان اللّه عليهم أجمعين.

و أمّا الشيخ الأنصاري فهو النجم اللامع بل الشمس البازغة في سماء هذه الأسرة الجليلة و هو من الفطاحل العظام الذين يضنّ بهم الدهر إلاّ في فترات متقطّعة متباعدة، قد قرأ الآليات‏ (1) و السطوح العالية في موطنه «دزفول» و تخرج على يد عمّه الشيخ حسين الأنصاري من أفاضل الأسرة، و لكن لم تقنع نفسه بما أخذ و تعلّم فيه فأعدّ العدّة مع والده لزيارة العتبات المقدّسة عام (1232) و له من العمر (18) سنة فورد كربلاء المقدّسة يوم كانت تزدحم حوزتها بفضلاء كبار، و علماء فطاحل، و على رأسه العلمان الجليلان:

1. السيّد محمّد بن السيّد علي المعروف بالسيّد المجاهد مؤلّف «المناهل في الفقه» كما أنّ والده هو مؤلّف «الرياض» ، و اشتهر بالمجاهد لأنّه أفتى بالجهاد ضدّ الاحتلال الروسي لبعض مدن إيران الشماليّة و توفّي عام (1243 هـ) . و ستوافيك ترجمته في فصل أساتذة الشيخ.

2. الشيخ محمّد شريف الآملي المازندراني المعروف بشريف

____________

(1) . المراد من العلوم الآلية ما يستخدم آلة لفهم الكتاب و السنّة أو إقامة البرهنة كالنحو و الصرف و البلاغة و المنطق.

51

العلماء المتوفّى عام (1245 هـ) .

و قد زار الشيخ بعد ما وصل كربلاء مع والده، السيّد المجاهد، بإيصاء من عمّه و أستاذه، لما كان بينهما من صلة وثيقة أيّام دراسته في العراق، فلمّا تعرّف السيّد المجاهد على الوالد و الولد رحّب بهما، ثمّ انتهى الكلام بينهم إلى مسألة فقهيّة تكلّم فيها الشيخ بإذن والده، فظهر نبوغه و توقّد فطنته للسيّد المجاهد، و عند ذلك طلب من والده أن يتركه في كربلاء المقدّسة للدراسة و عليه رعايته، فقبل الوالد، فأقام الشيخ أربع سنين فيها تردّد خلالها إلى حلقات دروس العلمين الجليلين، إلى أن احتلّ والي بغداد مدينة كربلاء المقدّسة بأمر من الخليفة العثماني، فغادر الشيخ مهجره و نزل الكاظميّة، فوجد هناك بعض مواطنيه فرجع معهم إلى موطنه دزفول فأقام هناك حوالي سنة، و لكن كيف تستقرّ نفس الشيخ في موطنه و قد ذاقت حلاوة العلم، و تعرّف على آفاقه المشرقة، فغادر الموطن لمواصلة الدراسة في كربلاء، فأقام بها سنة هاجر بعدها إلى النجف الأشرف، فحضر هناك دروس المحقّق الشيخ موسى كاشف الغطاء قرابة سنتين، ثمّ أحسّ في قرار ضميره أنّه أخذ ما يجب أخذه من أساتذة العراق و لا بدّ من التجوّل في المدن الأخرى لعلّه يجد فيها بغيته، فرجع إلى إيران قاصدا موطنه «دزفول» و حدّث أهله بما يرومه و يقصده، فواجه المنع من جانب والدته، إلى أن استقرّ رأيهما على الاستخارة، و لمّا فتح الشيخ المصحف الشريف بطلب الهداية و الخيرة وافاه في صدر الصفحة قوله

52

سبحانه:

وَ لاََ تَخََافِي وَ لاََ تَحْزَنِي إِنََّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جََاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ. (1)

فعند ذلك لم تجد الأمّ الحنون بدّا من التسليم و النزول عند رغبته فودّعت ولدها داعية له بالسلامة و التوفيق، و قد شدّت عضده بأخيه الشيخ منصور و قد مثّلت بعملها هذا قوله سبحانه: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ... . (2) و كان ذلك في عام (1240 هـ) .

رحلته العلميّة و تجوّله في البلدان‏

بدأ الشيخ برحلته العلميّة حتّى نزل بلدة «بروجرد» يوم كانت الرئاسة العلميّة فيها للشيخ أسد اللّه البروجردي مؤلّف «فوائد الأحكام» المتوفّى عام (1270 هـ) . فأقام هناك شهرا تامّا لم يجد فيها بغيته فغادرها و نزل مدينة إصفهان يوم كانت الزعامة العلميّة لعالمها الوحيد السيّد محمّد باقر الشفتي-المعروف بحجّة الإسلام-و هو الرجل الورع الذي لم يكن تأخذه في اللّه لومة لائم، و قد لبّى دعوة ربّه عام (1260 هـ) . و قد جرت بينه و بين الشيخ مباحثات و مناظرات طلب على أثرها عن الشيخ الإقامة و الاشتغال بالتدريس هناك، و لكنّ الشيخ اختار المغادرة و مواصلة رحلته العلميّة حتّى هبط بلدة «كاشان» فنزل

____________

(1) . القصص: 7.

(2) . القصص: 35.

53

في بعض مدارسها و كان الزعيم العلمي فيها يومذاك، الشيخ أحمد النراقي مؤلّف «مستند الشيعة في أحكام الشريعة» الذي يعدّ خير دليل على براعته العلميّة و نبوغه في التفريع و البرهنة على الفروع و قد توفّي عام (1245 هـ) فوجد الشيخ أمنيته هناك فأقام فيها أربع سنين حضر خلالها دروسه و نبغ في الفقه و الأصول على يديه كما اشتغل بالتأليف و التصنيف مضافا إلى التدريس.

و لمّا عزم الشيخ على أن يغادر كاشان عام (1244 هـ) نال من أستاذه الرؤوف إجازة مفصّلة أدّى فيها حقّ الشيخ حيث وصفه بألقاب بديعة تعرب عن إعجابه الشديد بتلميذه، و سيوافيك نزر منها.

ثمّ إنّ الشيخ ودّع أستاذه و ترك المدينة إلى أن نزل مشهد الرضا عليه السّلام فأقام هناك أشهرا قلائل ثمّ رجع إلى طهران و منها إلى دزفول و قد استغرقت رحلته العلميّة ستّ سنوات، ثمّ وجد في نفسه شوقا مؤكّدا للرحيل إلى العراق مرّة ثالثة، بعد ما واجه بعض الأحداث المريرة في بلده، فهاجر إلى النجف عام (1246 هـ) و كانت يومذاك، المدرسة الكبرى للشيعة و التي تزدحم بآلاف الطلاّب و الفضلاء الأساتذة و كانت الرئاسة العلميّة على عاتق العلمين الكبيرين:

1. الشيخ عليّ بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى عام (1254 هـ) .

2. الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر المتوفّى عام (1266 هـ) .

54

فقد تتلمذ الشيخ في رحلته هذه على يد الشيخ علي كاشف الغطاء، إلى أن استقلّ بالتدريس و طار صيته في أوساط النجف و أقبل على بحوثه العلميّة لفيف من العلماء و الفضلاء، و اشتهر بالنبوغ و التفوّق العقليّ إلى حدّ عرفه الصغير و الكبير بالعلم و الفضل و التعمّق و الدقّة.

صاحب الجواهر يختار الشيخ للزعامة

كان الشيخ محمّد حسن مؤلّف «الجواهر» الذي يعد أكبر موسوعة فقهيّة في فقه الإماميّة كتبت لحدّ الآن، زعيما علميّا لا ينازعه أحد، و كان قد طعن في السنّ فلمّا أحسّ باقتراب أجله و أنّه يوشك أن يلبّي دعوة ربّه، أحضر-انطلاقا من المسؤوليّة الكبرى التي كان يتحمّلها طوال سنين-أكابر الحوزة و علماءها في بيته حتّى يتّخذوا قرارا بشأن زعامة الحوزة، و المرجعيّة الكبرى للشيعة من بعده، فلمّا حضر العلماء تصفّح وجوههم فلم ير بينهم الشيخ الأنصاري، فأمر بإحضار الشيخ، فلمّا دخل مجلسه أخذ بيده و أحلّه إلى جنبه و وضع يده على قلبه و قال: الآن طاب لي الموت، ثمّ أقبل على الحاضرين و قال: هذا مرجعكم بعدي. ثمّ خاطب الشيخ و قال: قلّل من احتياطاتك فإنّ الشريعة سهلة سمحة. و بذلك انتخب الشيخ بإيصاء من مرجع رسميّ خضعت له القلوب و الأفكار، للزعامة العلميّة و المرجعيّة، ثمّ‏