الكامل في التاريخ - ج2

- ابن الأثير الجزري المزيد...
570 /
5

الجزء الثاني‏

(1) بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

نسب رسول اللََّه، صلى اللََّه عليه و سلم و ذكر بعض أخبار آبائه و أجداده‏

و اسم رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، محمّد، و قد تقدّم ذكر ولادته في ملك كسرى أنوشروان، و هو محمّد بن عبد اللََّه، و يكنّى عبد اللََّه أبا قثم، و قيل: أبا محمّد، و قيل: أبا أحمد بن عبد المطّلب.

و كان عبد اللََّه أصغر ولد أبيه‏ (1) ، فكان هو عبد اللََّه و أبو طالب، و اسمه عبد مناف، و الزّبير، و عبد الكعبة، و عاتكة، و أميمة، و برّة ولد عبد المطّلب، أمّهم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة.

و كان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العنت في حفر زمزم، كما نذكره، لئن ولد[له‏]عشرة نفر و بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرنّ أحدهم عند الكعبة للََّه تعالى. فلمّا بلغوا عشرة و عرف أنّهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه و قالوا: كيف نصنع؟قال: يأخذ كلّ رجل منكم قدحا ثمّ يكتب فيه اسمه. ففعلوا و أتوه بالقداح، فدخلوا على هبل في جوف الكعبة، و كان أعظم أصنامهم، و هو على بئر يجمع فيه ما يهدى إلى الكعبة.

____________

(1) . امه. P. C

6

(1) و كان عند هبل سبعة أقدح، في كلّ قدح كتاب، فقدح فيه العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، و قدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به‏ (1) ، فإن خرج نعم عملوا به، و قدح فيه لا، فإذا أرادوا أمرا ضربوا به‏

____________

1 2

، فإذا خرج لا لم يعملوا ذلك الأمر، و قدح فيه منكم، و قدح فيه ملصق، و قدح فيه من غيركم، و قدح فيه المياه. إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح و فيها ذلك القدح فحيث ما خرج عملوا به، و كانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا جارية أو يدفنوا ميتا أو شكّوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل و بمائة درهم و جزور فأعطوه صاحب القداح الّذي يضربها ثمّ قرّبوا صاحبهم الّذي يريدون به ما يريدون ثمّ قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا و كذا، فأخرج الحقّ فيه. ثمّ يقولون لصاحب القداح:

اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه منكم كان وسيطا، و إن خرج عليه من غيركم كان حليفا، و إن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم لا نسب له و لا حلف، و إن خرج عليه شي‏ء سوى هذا ممّا يعملون به، فإن خرج نعم عملوا به، و إن خرج لا أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوه به مرّة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك ممّا خرجت به القداح.

و قال عبد المطّلب لصاحب القداح: اضرب على بنيّ هؤلاء بقداحهم هذه.

و أخبره بنذره الّذي نذر، و كان عبد اللََّه أصغر بني أبيه و أحبّهم إليه. فلمّا أخذ صاحب القداح يضرب قام عبد المطّلب يدعو اللََّه تعالى، ثمّ ضرب صاحب القداح، فخرج قدح على عبد اللََّه. فأخذ عبد المطّلب بيده ثمّ أقبل إلى إساف و نائلة، و هما الصنمان اللذان ينحر الناس عندهما. فقامت قريش من أنديتها، فقالوا: ما تريد؟قال: أذبحه، فقالت قريش و بنوه: و اللََّه لا تذبحه أبدا حتى تعذر (3) فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل منّا يأتي بابنه حتى يذبحه. فقال

____________

(1) (1-2) . فيه. P. C

(3) . يعذر. A ، نعذر. P. C

7

(1) له المغيرة بن عبد اللََّه بن عمرو بن مخزوم: و اللََّه لا تذبحه حتى تعذر (1) فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. و قالت له قريش و بنوه: لا تفعل و انطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها فإن أمرتك بذبحه ذبحته، فإن أمرتك بما لك و له فيه فرج قبلته.

فانطلقوا إليها، و هي بخيبر، فقصّ عليها عبد المطّلب خبره، فقالت:

ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها. ثمّ غدوا عليها فقالت:

نعم، قد جاءني الخبر، فكم الدية فيكم؟قالوا: عشر من الإبل، و كانت كذلك.

قالت: ارجعوا إلى بلادكم و قرّبوا عشرا من الإبل و اضربوا عليها و عليه بالقداح فإن خرج على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربّكم. و إن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربّكم و نجا صاحبكم.

فخرجوا حتى أتوا مكّة، فلمّا أجمعوا لذلك قام عبد المطّلب يدعو اللََّه ثمّ قرّبوا عبد اللََّه و عشرا من الإبل، فخرجت القداح على عبد اللََّه، فزادوا عشرا، فخرجت القداح على عبد اللََّه. فما برحوا يزيدون عشرا و تخرج القداح على عبد اللََّه حتى بلغت الإبل مائة، ثمّ ضربوا فخرجت القداح على الإبل.

فقال من حضر: قد رضي ربّك يا عبد المطّلب. فقال عبد المطّلب: لا و اللََّه حتى أضرب ثلاث مرّات. فضربوا ثلاثا، فخرجت القداح على الإبل، فنحرت ثمّ تركت لا يصدّ عنها إنسان و لا سبع.

و أمّا تزويج عبد اللََّه بن عبد المطّلب بآمنة ابنة وهب أمّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فإنّه لما فرغ عبد المطّلب من الإبل انصرف بابنه عبد اللََّه و هو آخذ بيده فمرّ على أمّ قتّال‏ (2) [1] ابنة نوفل بن أسد أخت ورقة بن نوفل، [1] قيال.

____________

(1) . يحدر. B ، نعذر. P. C

(2) . قبال. B

8

(1) و هي عند البيت، فقالت له حين نظرت إليه و إلى وجهه: أين تذهب يا عبد اللََّه؟ فقال: مع أبي. قالت: لك عندي مثل الّذي نحر عنك أبوك من الإبل وقع عليّ الآن. قال: إنّ معي أبي لا أستطيع خلافه و لا فراقه.

فخرج به عبد المطّلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة، و هو سيّد بني زهرة، فزوّجه ابنته آمنة بنت وهب، و هي لبرّة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصيّ، و برّة لأم حبيب بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، و أمّ حبيب لبرّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب.

فدخل عبد اللََّه عليها حين ملكها (1) مكانها فوقع عليها فحملت بمحمّد، صلّى اللََّه عليه و سلّم. ثمّ خرج من عندها حتى أتى المرأة التي عرضت عليه نفسها بالأمس فقال لها: ما لك لا تعرضين عليّ اليوم ما كنت عرضت بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الّذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة.

و قد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل أنّه كائن لهذه الأمّة نبيّ من بني إسماعيل.

و قيل: إنّ عبد المطّلب خرج بابنه عبد اللََّه ليزوّجه فمرّ به على كاهنة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مرّ متهوّدة من أهل تبالة (2) [1] فرأت في وجهه نورا و قالت له: يا فتى هل لك أن تقع عليّ الآن و أعطيك مائة من الإبل؟فقال لها:

أمّا الحرام فالممات دونه # و الحلّ لا حلّ فأستبينه

فكيف بالأمر الّذي تبغينه‏

ثمّ قال لها: أنا مع أبي و لا أقدر[أن‏]أفارقه. فمضى فزوّجه آمنة بنت وهب [1] بنت مرّة مشهورة من أهل قبائله.

____________

(1) . أملكها. P. C

(2) . ثمالة. P. C

9

(1) ابن عبد مناف بن زهرة. فأقام عندها ثلاثا ثمّ انصرف، فمرّ بالخثعميّة فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت؟فقالت: يا فتى ما أنا بصاحبة ريبة و لكنّي رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون لي فأبى اللََّه إلاّ أن يجعله‏ (1) حيث أراد، فما صنعت بعدي؟قال: زوّجني أبي آمنة بنت وهب. قالت فاطمة بنت مرّ:

إنّي رأيت مخيلة لمعت # فتلألأت بحناتم القطر[1]

فلمأتها[2] نورا يضي‏ء له # ما حوله كإضاءة البدر

فرجوته فخرا أبوء به # ما كلّ قادح زنده يوري

للََّه ما زهريّة سلبت # ثوبيك ما استلبت‏[3] و ما تدري‏

و قالت أيضا في ذلك:

بني هاشم قد غادرت من أخيكم # أمينة إذ للباه تعتركان

كما غادر المصباح عند خموده # فتائل قد بلّت له بدهان

فما كلّ ما يحوي الفتى من تلاده‏ (2) [4] # لعزم‏ (3) و لا ما فاته لتوان‏ (4)

فأجمل إذا طالبت أمرا فإنّه # سيكفيكه جدّان يعتلجان

سيكفيكه إمّا يد مقفعلّة[5] # و إمّا يد مبسوطة ببنان‏

[1] فتلألت بخباء ثم القطر. (و الحناتم، الواحد حنتم: السحاب) .

[2] فملأتها. (و لمأتها: أبصرتها) .

[3] يؤتيك ما سلبت.

[4] ملاذه.

[5] (مقفعلّة: مقبوضة) .

____________

(1) . يكون. P. C

(2) . بلاده. A

(3) . يعزم. B

(4) . بتوان. B

10

(1)

و لمّا حوت منه أمينة ما حوت # حوت منه فخرا ما لذلك ثان‏[1]

و قيل: إن الّذي اجتاز بها غير هذا، و اللََّه أعلم.

قال الزّهري: أرسل عبد المطّلب ابنه عبد اللََّه إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات بالمدينة. و قيل: بل كان في الشام فأقبل في عير قريش فنزل بالمدينة و هو مريض فتوفّي بها و دفن في دار النابغة الجعديّ‏ (1) و له خمس و عشرون سنة، و قيل:

ثمان و عشرون سنة، و توفّي قبل أن يولد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم.

(عائذ بن عمران بالذال المعجمة، و الياء تحتها نقطتان. و عبيد بفتح العين، و كسر الباء الموحّدة. و عويج بفتح العين، و كسر الواو، و آخره جيم) .

ابن عبد المطّلب‏

و اسمه شيبة، سمّي بذلك لأنّه كان في رأسه لمّا ولد شيبة، و أمّه سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجيّة النجّاريّة، و يكنى أبا الحارث، و إنّما قيل له عبد المطّلب لأن أباه هاشما شخص في تجارة إلى الشام، فلمّا قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد (2) الخزرجي من بني النجّار، فرأى ابنته سلمى فأعجبته فتزوّجها.

و شرط أبوها أن لا تلد ولدا إلاّ في أهلها، ثمّ مضى هاشم لوجهه و عاد من الشام فبنى بها في أهلها ثمّ حملها إلى مكّة فحملت. فلمّا أثقلت ردّها إلى أهلها و مضى إلى الشام فمات بغزّة.

[1] شان.

____________

(1) . الصغرى. ddoC

(2) . زيد بن أسد. B

11

(1) فولدت له سلمى عبد المطّلب، فمكث بالمدينة سبع سنين. ثمّ إنّ رجلا من بني الحارث بن عبد مناف مرّ بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء. فقال له الحارثيّ: من أنت؟ قال: أنا ابن هاشم بن عبد مناف. فلمّا أتى الحارثيّ مكّة قال للمطّلب، و هو بالحجر: يا أبا الحارث تعلم أنّي وجدت غلمانا بيثرب و فيهم ابن أخيك و لا يحسن ترك مثله. فقال المطّلب: لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به. فأعطاه الحارثيّ ناقة فركبها و قدم المدينة عشاء فرأى غلمانا يضربون كرة فعرف ابن أخيه فسأل عنه فأخبر به، فأخذه و أركبه على عجز الناقة. و قيل: بل أخذه بإذن أمّه، و سار إلى مكّة فقدمها ضحوة و الناس في مجالسهم فجعلوا يقولون له: من هذا وراءك؟ فيقول: هذا عبدي. حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم.

فقالت: من هذا[الّذي‏]معك؟قال: عبد لي. و اشترى له حلّة فلبسها ثمّ خرج به العشيّ فجلس إلى مجلس بني عبد مناف فأعلمهم أنّه ابن أخيه، فكان بعد ذلك يطوف بمكّة فيقال: هذا عبد المطّلب، لقوله هذا عبدي.

ثمّ أوقفه المطّلب على ملك أبيه فسلّمه إليه. فعرض له نوفل بن عبد مناف، و هو عمّه الآخر، بعد موت المطّلب، في ركح له، و هو الفناء، فأخذه، فمشى عبد المطّلب إلى رجالات قريش و سألهم النصرة على عمّه، فقالوا له:

ما ندخل بينك و بين عمّك. فكتب إلى أخواله من بني النجّار يصف لهم حاله، فخرج أبو أسعد[1] بن عدس النجّاريّ في ثمانين راكبا حتى أتى الأبطح، فخرج عبد المطّلب‏يتلقّاه، فقال له: المنزل يا خال!قال: حتى ألقى نوفلا. و أقبل حتى وقف على رأسه في الحجر مع مشايخ قريش، فسلّ سيفه ثمّ قال: و ربّ هذه البنيّة لتردّنّ على ابن أختنا ركحه أو لأملأنّ منك السيف!قال: فإنّي و ربّ هذه البنيّة أردّ عليه ركحه، فأشهد عليه من حضر ثمّ قال لعبد المطّلب:

[1] أبو سعيد.

12

(1) المنزل يا ابن أختي. فأقام عنده ثلاثا، فاعتمروا و انصرفوا.

فدعا ذلك عبد المطّلب إلى الحلف، فدعا بشر بن عمرو و ورقاء بن فلان‏ (1)

و رجالا من رجالات خزاعة فحالفهم في الكعبة و كتبوا كتابا. و كان إلى عبد المطّلب السقاية و الرفادة، و شرف في قومه و عظم شأنه. ثمّ إنّه حفر زمزم، و هي بئر إسماعيل بن إبراهيم، عليه السلام، التي أسقاه اللََّه تعالى منها، فدفنتها جرهم، و قد تقدّم ذكر ذلك.

[سبب حفر بئر زمزم‏]

و كان سبب حفره إيّاها أنّه قال: بينا أنا نائم بالحجر إذ أتاني آت فقال:

احفر طيبة. قال: قلت: و ما طيبة؟قال: ثمّ ذهب، فرجعت الغد إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برّة. قال: قلت: و ما برّة؟قال:

ثمّ ذهب عني، قال: فلمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة (2) . [قال: قلت: و ما المضنونة؟قال‏]: فذهب عني.

فلمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي‏[فنمت فيه‏ فجاءني‏]فقال: احفر زمزم، إنّك إن حفرتها لا تندم. فقلت: و ما زمزم؟قال: تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا و لا تذمّ، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، يكون ميراثا و عقدا محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، و هي بين الفرث و الدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.

فلمّا بيّن له شأنها و دلّ على موضعها و عرف أنّه قد صدق، غدا بمعوله و معه

____________

(1) . لعله نوفل. gramni. P. C

(2) . المصبورة. Bte. A

13

(1) ابنه الحارث ليس له ولد غيره، فحفر بين إساف و نائلة في الموضع الّذي تنحر [فيه‏]قريش لأصنامها، و قد رأى الغراب ينقر هناك. فلمّا بدا له الطويّ كبّر، فعرفت قريش أنّه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: إنّها بئر أبينا إسماعيل، و إنّ لنا فيها حقّا فأشركنا معك. قال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم. قالوا: فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني و بينكم من شئتم. قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، و كانت بمشارف الشام.

فركب عبد المطّلب و معه نفر من بني عبد مناف، و ركب من كلّ قبيلة من قريش نفر، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام فني ماء عبد المطّلب و أصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فطلبوا الماء ممّن معهم من قريش فلم يسقوهم. فقال لأصحابه: ما ذا ترون؟فقالوا: رأينا تبع لرأيك فمرنا بما شئت. قال: فإنّي أرى أن يحفر كلّ رجل منكم لنفسه حفرة، فكلّما مات واحد و أراه أصحابه حتى يكون آخركم موتا قد وارى الجميع، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب. قالوا: نعم ما رأيت. ففعلوا ما أمرهم به.

ثمّ إن عبد المطّلب قال لأصحابه: و اللََّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض و نبتغي لأنفسنا لعجز. فارتحلوا و من معه من قبائل قريش ينظرون إليهم، ثمّ ركب عبد المطّلب، فلمّا انبعثت به راحلته انفجرت من تحت خفّها عين عذبة من ماء، فكبّر و كبّر أصحابه و شربوا و ملئوا أسقيتهم، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء فقد سقانا اللََّه. فقال أصحابه:

لا نسقيهم لأنّهم لم يسقونا. فلم يسمع منهم و قال: فنحن إذا مثلهم!فجاء أولئك القرشيون فشربوا و ملئوا أسقيتهم و قالوا: قد و اللََّه قضى اللََّه لك علينا يا عبد المطّلب، و اللََّه لا نخاصمك في زمزم أبدا، إنّ الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الّذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.

14

(1) فرجعوا إليه و لم يصلوا إلى الكاهنة و خلّوا بينه و بينها.

فلمّا فرغ من حفرها وجد الغزالين اللذين دفنتهما جرهم فيها، و هما من ذهب، و وجد فيها أسيافا قلعيّة و أدراعا. فقالت له قريش: يا عبد المطّلب لنا معك في هذا شرك و حقّ. قال: لا و لكن هلمّ إلى أمر نصف بيني و بينكم، نضرب عليها بالقداح. فقالوا: فكيف تصنع؟قال: أجعل للكعبة قدحين و لكم قدحين و لي قدحين، فمن خرج قداحه على شي‏ء أخذه، و من تخلّف قداحه فلا شي‏ء له. قالوا: أنصفت. ففعلوا ذلك و ضربت القداح عند هبل فخرج قدحا الكعبة على الغزالين، و خرج قدحا عبد المطّلب على الأسياف و الأدراع، و لم يخرج لقريش شي‏ء من القداح. فضرب عبد المطّلب الأسياف بابا للكعبة و جعل فيه الغزالين صفائح من ذهب، فكان أوّل ذهب حلّيت به الكعبة. و قيل: بل بقيا في الكعبة و سرقا، على ما نذكره.

و أقبل الناس و الحجّاج على بئر زمزم تبرّكا بها و رغبة فيها، و أعرضوا عمّا سواها من الآبار [1]. و لما رأى عبد المطّلب تظاهر قريش عليه نذر للََّه تعالى:

إن يرزقه عشرة من الولدان يبلغون أن يمنعوه و يذبّوا عنه نحر أحدهم قربانا للََّه تعالى.

و قد ذكر النذر في اسم عبد اللََّه أبي النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم.

و عبد المطّلب أوّل من خضب بالوسمة، و هو السواد، لأنّ الشيب أسرع إليه.

[1] الأبيار. ـ

15

(1)

[عبد المطلب و جاره اليهودي‏]

و كان لعبد المطّلب جار يهوديّ‏ (1) يقال له أذينة يتّجر و له مال كثير، فغاظ ذلك حرب بن أميّة، و كان نديم عبد المطّلب، فأغرى به فتيانا من قريش ليقتلوه و يأخذوا ماله، فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار و صخر بن عمرو ابن كعب التيميّ جدّ أبي بكر، رضي اللََّه عنه، فلم يعرف عبد المطّلب قاتليه، فلم يزل يبحث حتى عرفهما، و إذا هما قد استجارا بحرب بن أميّة، فأتى حربا و لامه و طلبهما منه. فأخفاهما، فتغالظا في القول حتى تنافرا (2) إلى النجاشيّ ملك الحبشة، فلم يدخل بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزّى العدويّ جدّ عمر بن الخطّاب. فقال لحرب: يا أبا عمرو أ تنافر رجلا هو أطول منك قامة، و أوسم وسامة، و أعظم منك هامة، و أقلّ منك ملامة، و أكثر منك ولدا، و أجزل منك صفدا[1]، و أطول منك مددا، و إنّي لأقول هذا و إنّك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب، جلد المريرة، لحبل‏[2] العشيرة، و لكنّك نافرت منفّرا، فغضب حرب و قال: من انتكاس الزمان أن جعلت‏ (3) حكما.

فترك عبد المطّلب منادمة حرب و نادم عبد اللََّه بن جدعان التيميّ، و أخذ من حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عمّ اليهودي و ارتجع ماله إلاّ شيئا هلك فغرمه من ماله.

و هو أوّل من تحنّث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء و أطعم المساكين جميع الشهر.

و توفّي و له مائة و عشرون سنة، و كان قد عمي‏ (4) . و قيل غير ذلك.

[1] (الصّفد: العطاء) .

[2] لحبك.

____________

(1) . حليفا من اليهود. B

(2) . سافرا. B

(3) . تصير. B

(4) . B

16

(1)

ابن هاشم‏

و اسم هاشم عمرو، و كنيته أبو نضلة (1) ، و إنّما قيل له هاشم لأنّه أوّل من هشم الثريد لقومه بمكّة و أطعمه‏[1].

قال ابن الكلبي: كان هاشم أكبر ولد عبد مناف، و المطّلب أصغرهم، أمّه عاتكة بنت مرّة السّلميّة، و نوفل، و أمّه واقدة، و عبد شمس، فسادوا كلّهم، و كان يقال لهم المجبّرون‏[2]. و هم أوّل من أخذ لقريش العصم‏[3]، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلا[4] من الروم و غسّان بالشام، و أخذ لهم عبد شمس‏[حبلا[4]]من النجاشي بالحبشة، و أخذ لهم نوفل حبلا[4] من الأكاسرة بالعراق، و أخذ لهم المطّلب حبلا[4] من حمير باليمن، فاختلفت قريش بهذا السبب إلى هذه النواحي، فجبر اللََّه بهم قريشا.

و قيل: إن عبد شمس و هاشما توأمان، و إن أحدهما ولد قبل الآخر و إصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحّيت‏[5]، فسال الدم، فقيل يكون بينهما دم.

و وليّ هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية و الرفادة، فحسده [1] و أطعموه.

[2] المخيّرون.

[3] (العصم: الحبال، و المراد بها العهود) .

[4] خيلا. (و الحبل هنا: العهد) .

[5] فتنخّبت.

____________

(1) . نفيلة. B ، بضلة. A

17

(1) أميّة بن عبد شمس على رياسته و إطعامه، فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب و نال من هاشم و دعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنّه و قدره، فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة و الجلاء عن مكّة عشر سنين، فرضي أميّة و جعلا بينهما الكاهن الخزاعيّ، و هو جدّ عمرو بن الحمق، و منزله بعسفان، و كان مع أميّة همهمة بن عبد العزّى الفهريّ، و كانت ابنته عند أميّة، فقال الكاهن: و القمر الباهر، و الكوكب الزاهر، و الغمام الماطر، و ما بالجوّ من طائر، و ما اهتدى بعلم مسافر، من منجد و غائر[1]، لقد سبق هاشم أميّة إلى المآثر، أوّل منه و آخر، و أبو همهمة بذلك خابر. فقضى لهاشم بالغلبة، و أخذ هاشم الإبل فنحرها و أطعمها، و غاب أميّة عن مكّة بالشام عشر سنين. فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم و أميّة.

و كان يقال لهاشم و المطّلب البدران لجمالهما.

و مات هاشم بغزّة و له عشرون سنة، و قيل: خمس و عشرون سنة، و هو أوّل من مات من بني عبد مناف ثمّ مات عبد شمس بمكّة فقبر بأجياد. ثمّ مات نوفل بسلمان من طريق العراق. ثمّ مات المطّلب بردمان من أرض اليمن‏[2]. و كانت الرفادة و السقاية بعد هاشم إلى أخيه المطّلب لصغر ابنه عبد المطّلب بن هاشم.

[1] و غابر.

[2] ثم مات عبد المطّلب بردمان من أرض العراق. (و التصحيح عن ياقوت كما ورد في «ردمان» ) .

18

(1)

ابن عبد مناف‏

و اسمه المغيرة، و كنيته أبو عبد شمس، و كان يقال له القمرلجماله، و كانت أمّه*حين ولدته‏ (1) دفعته إلى مناف، صنم بمكّة، تديّنا بذلك، فغلب عليه عبد مناف.

و كان عبد مناف و عبد العزّى و عبد الدار بنو قصيّ إخوة، أمّهم حبّى ابنة حليل بن حبشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة، و هو الّذي عقد الحلف بين قريش و الأحابيش، و الأحابيش بنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة، و بنو المصطلق من خزاعة، و بنو الهون من خزيمة. و كان قصيّ يقول:

ولد لي أربعة بنين فسمّيت ابنين بإلهيّ، و هما عبد مناف و عبد العزّى، و واحدا بداري، و هو عبد الدار، و واحدا بي، و هو عبد قصيّ.

(حليل بضمّ الحاء المهملة، و فتح اللام الأولى. و حبشيّة بضمّ الحاء) .

ابن قصيّ‏

و اسمه زيد، و كنيته أبو المغيرة، و إنّما قيل له قصيّ لأنّ ربيعة بن حرام ابن ضنّة بن عبد بن كبير[1] بن عذرة بن سعد بن زيد تزوّج أمّه فاطمة ابنة سعد ابن سيل‏ (2) ، و اسمه جبر (3) ، بن جمالة بن عوف، و هي أيضا أم أخيه زهرة، و نقلها إلى بلاد عذرة من مشارف الشام و حملت معها قصيّا لصغره، و تخلّف زهرة في قومه لكبره، فولدت أمّه فاطمة لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، [1] ابن ضبة بن عبد بن كثير.

____________

(1) . حثية. B ;حبي. A

(2) . p. s. A ;سبيل. P. C

(3) . حر. B

19

(1) فهو أخو قصيّ لأمّه. و كان لربيعة ثلاثة نفر من امرأة أخرى، و هم حنّ بن ربيعة و محمود و جلهمة، و قيل: إنّ حنّا (1) كان أخا قصيّ لأمّه. فشبّ زيد في حجر ربيعة فسمّي قصيّا لبعده عن دار قومه، و كان قصيّ ينتمي إلى ربيعة إلى أن كبر، و كان بينه و بين رجل من قضاعة شي‏ء، فعيّره القضاعيّ بالغربة، فرجع قصيّ إلى أمّه و سألها عمّا قال، فقالت له: يا بنيّ أنت أكرم منه نفسا و أبا، أنت ابن كلاب بن مرّة و قومك بمكّة عند البيت الحرام.

فصبر حتى دخل الشهر الحرام و خرج مع حاجّ قضاعة حتى قدم مكّة و أقام مع أخيه زهرة، ثمّ خطب إلى حليل بن حبشيّة الخزاعي ابنته حبّى، فزوّجه، و حليل يومئذ يلي الكعبة. فولدت أولاده: عبد الدار، و عبد مناف، و عبد العزّى، و عبد قصيّ، و كثر ماله و عظم شرفه.

و هلك حليل و أوصى بولاية البيت لابنته حبّى، فقالت: إنّي لا أقدر على فتح الباب و إغلاقه، فجعل فتح الباب و إغلاقه إلى ابنه المحترش، و هو أبو غبشان‏ (2) . فاشترى قصيّ منه ولاية البيت بزقّ خمر و بعود، فضربت به العرب المثل فقالت: أخسر صفقة من أبي غبشان.

فلمّا رأت ذلك خزاعة كثروا على قصيّ، فاستنصر أخاه رزاحا، فحضر هو و إخوته الثلاثة فيمن تبعه من قضاعة إلى نصرته، و مع قصيّ قومه بنو النضر، و تهيّأ لحرب خزاعة و بني بكر، و خرجت إليهم خزاعة فاقتتلوا قتالا شديدا، فكثرت القتلى في الفريقين و الجراح، ثمّ تداعوا إلى الصلح على أن يحكّموا بينهم عمرو بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، فقضى بينهم بأنّ قصيّا أولى بالبيت و مكّة من خزاعة، و أنّ كلّ دم أصابه من خزاعة

____________

(1) . حيان. B

(2) و قيل ان اسم أبي سليم ابن عمرو بن لؤيّ بن. dda. Bte. AciH ملكان و الأول أصح في اسمه و نسبه.

20

(1) و بني بكر موضوع فيشدخه تحت قدميه، و أنّ كلّ دم أصابت خزاعة و بنو بكر من قريش و بني كنانة ففي ذلك الدية مؤدّاة، فسمّي بعمرو الشدّاخ بما شدخ من الدماء و ما وضع منها. فولي قصيّ البيت و أمر مكّة.

و قيل: إنّ حليل بن حبشيّة أوصى قصيّا بذلك و قال: أنت أحقّ بولاية البيت من خزاعة. فجمع قومه و أرسل إلى أخيه‏يستنصره، فحضر في قضاعة في الموسم و خرجوا إلى عرفات و فرغوا من الحجّ و نزلوا منى و قصيّ مجمع على حربهم، و إنّما ينتظر فراغ الناس من حجّهم.

فلمّا نزلوا منى و لم يبق إلاّ الصدر، و كانت صوفة (1) تدفع بالناس من عرفات و تجيزهم إذا تفرّقوا من منى، إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، و رجل من صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي، فإذا فرغوا من منى أخذت‏[1]صوفة بناحيتي العقبة و حبسوا الناس، فقالوا: أجيزي صوفة، فإذا نفرت صوفة و مضت خلّي سبيل‏ (2) الناس فانطلقوا بعدهم. فلمّا كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت لها العرب ذلك، فهو دين في أنفسهم، فأتاهم قصيّ و من معه من قومه و من قضاعة فمنعهم و قال: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه و قاتلهم قتالا شديدا، فانهزمت صوفة و غلبهم قصيّ على ما كان بأيديهم و انحازت عند ذلك خزاعة و بنو بكر و عرفوا أنّه سيمنعهم كما منع صوفة. فلمّا انحازوا عنه بادأهم‏ (3) فقاتلهم، فكثر القتل في الفريقين و أجلى خزاعة عن البيت، و جمع قصيّ قومه إلى مكّة من الشعاب و الأودية و الجبال، فسمّي مجمّعا، و نزّل بني

____________

(1) و صوفة أيضا أبو حي من مضر و هو الغوث بن مر بن أد بن طابخة كانوا: . dda. gramni. B يخدمون الكعبة و يجيزون الحاج في الجاهلية أي يفيضون بهم من عرفات و كان أحدهم يقوم و يقول:

أجيزي صوفة.

(2) . دخلوا. B

(3) . ناديهم. B

21

(1) بغيض بن عامر بن لؤيّ و بني تيم الأدرم بن غالب بن فهر و بني محارب بن فهر و بني الحارث بن فهر، إلاّ بني هلال بن أهيب رهط أبي عبيدة بن الجرّاح و إلاّ رهط عياض بن غنم، بظواهر مكّة، فسمّوا قريش الظواهر، و تسمّى سائربطون‏[قريش‏]قريش البطاح، و كانت قريش الظواهر تغير و تغزو، و تسمّى قريش البطاح الضبّ للزومها الحرم.

فلمّا ترك قصيّ قريشا بمكّة و ما حولها ملّكوه عليهم. فكان أوّل ولد كعب بن لؤيّ أصاب ملكا أطاعه به قومه، و كان إليه الحجابة و السقاية و الرفادة و الندوة و اللواء، فحاز شرف قريش كلّه، و قسّم مكّة أرباعا بين قومه، فبنوا المساكن و استأذنوه في قطع الشجر، فمنعهم، فبنوا و الشجر في منازلهم، ثمّ إنّهم قطعوه بعد موته.

و تيمّنت قريش بأمره فما تنكح امرأة و لا رجل إلاّ في داره، و لا يتشاورون في أمر ينزل بهم إلاّ في داره، و لا يعقدون لواء للحرب إلاّ في داره، يعقده بعض ولده، و ما تدرّع جارية إذا بلغت أن تدرّع إلاّ في داره، و كان أمره في قومه كالدّين المتّبع في حياته و بعد موته. فاتخذ دار الندوة و بابها في المسجد، و فيها كانت قريش تقضي أمورها.

فلمّا كبر قصيّ و رقّ، و كان ولده عبد الدار أكبر ولده، و كان ضعيفا، و كان عبد مناف قد ساد في حياة أبيه و كذلك إخوته، قال قصيّ لعبد الدار:

و اللََّه لألحقنّك بهم!فأعطاه دار الندوة و الحجابة، و هي حجابة الكعبة، و اللواء، و هو كان يعقد لقريش ألويتهم، و السقاية، كان يسقي الحاج، و الرفادة، و هي خرج تخرجه قريش في كلّ موسم من‏أموالها إلى قصيّ بن كلاب فيصنع منه طعاما للحاجّ يأكله الفقراء، و كان قصيّ قد قال لقومه: إنّكم جيران اللََّه و أهل بيته، و إنّ الحاجّ ضيف اللََّه و زوّار بيته، و هم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيّام الحجّ. ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به‏

22

(1) الطعام أيّام منى، فجرى الأمر على ذلك في الجاهليّة و الإسلام إلى الآن، فهو الطعام الّذي يصنعه الخلفاء كلّ عام بمنى.

فأمّا الحجابة فهي في ولده إلى الآن، و هم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ابن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار.

و أمّا اللواء فلم يزل في ولده إلى أن جاء الإسلام، فقال بنو عبد الدار:

يا رسول اللََّه اجعل اللواء فينا.

فقال: الإسلام أوسع من ذلك.

فبطل.

و أمّا الرّفادة و السقاية فإنّ بني عبد مناف بن قصيّ: عبد شمس، و هاشم، و المطّلب، و نوفل، أجمعوا أن يأخذوها من بني عبد الدار لشرفهم عليهم و فضلهم، فتفرّقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف، و طائفة مع بني عبد الدار لا يرون تغيير ما فعله قصيّ، و كان صاحب أمر بني عبد الدار عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

فكان بنو أسد (1) بن عبد العزّى و بنو زهرة بن كلاب و بنو تيم بن مرّة و بنو الحارث بن فهر مع بني عبد مناف، و كان بنو مخزوم و بنو سهم و بنو جمح و بنو عديّ مع بني عبد الدار، فتحالف كلّ قوم حلفا مؤكّدا، و أخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها عند الكعبة و تحالفوا و جعلوا أيديهم في الطيب، فسمّوا المطيّبين. و تعاقد بنو عبد الدار و من معهم و تحالفوا فسمّوا الأحلاف، و تعبّوا للقتال، ثمّ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية و الرفادة، فرضوا بذلك و تحاجز الناس عن الحرب و اقترعوا عليها، فصارت لهاشم بن عبد مناف، ثمّ بعده للمطّلب بن عبد مناف، ثمّ لأبي طالب بن عبد المطّلب، و لم يكن له مال فادّان من أخيه العبّاس بن عبد المطّلب بن عبد مناف مالا فأنفقه، ثمّ عجز عن الأداء فأعطى العبّاس السقاية

____________

(1) . عبد الأسد. P. C

23

(1) و الرفادة عوضا عن دينه، فوليها، ثمّ ابنه عبد اللََّه، ثمّ عليّ بن عبد اللََّه، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ داود بن عليّ بن سليمان بن عليّ، ثمّ وليها المنصور و صار يليها الخلفاء.

و أمّا دار الندوة فلم تزل لعبد الدار، ثمّ لولده حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار من معاوية فجعلها دار الإمارة بمكّة، و هي الآن في الحرم معروفة مشهورة.

ثمّ هلك قصيّ فأقام أمره في قومه من بعده ولده، و كان قصيّ لا يخالف سيرته و أمره، و لما مات دفن بالحجون، فكانوا يزورون قبره و يعظّمونه.

و حفر بمكّة بئرا سمّاها العجول، و هي أوّل بئر حفرتها قريش بمكّة.

(سيل بفتح السين المهملة، و الياء المثناة التحتيّة. و حرام بفتح الحاء و الراء المهملتين. و رزاح بكسر الراء، و فتح الزاي، و بعد الألف حاء مهملة. و حبّى بضمّ الحاء المهملة، و تشديد الباء الموحّدة. و ملكان بكسر الميم، و سكون اللام.

و أمّا ملكان بن حزم بن ريّان، و ملكان بن عباد بن عياض، فهما بفتح الميم و اللام) .

ابن كلاب‏

و يكنّى أبا زهرة، و أمّ كلاب هند بنت سرير (1) بن ثعلبة بن الحارث ابن فهر بن مالك، و له أخوان لأبيه من غير أمّه، و هماتيم و يقظة، أمّهما أسماء بنت جارية (2) البارقيّة، و قيل: يقظة لهند بنت سرير أمّ كلاب.

(يقظة بالياء تحتها نقطتان، و بفتح القاف و الظاء المعجمة) (3) .

____________

(1) . مرّة. B ، سرين. A

(2) . حارثة. B

(3) . Bte. A. mO

24

(1)

ابن مرّة

و يكنّى أبا يقظة، و أمّ مرّة محشيّة[1] ابنة شيبان بن محارب بن فهر، و أخواه لأبيه و أمّه هصيص و عديّ، و قيل: أمّ عديّ رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تميم‏ (1) بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان.

(هصيص بضمّ الهاء، و فتح الصاد المهملة بعدها ياء تحتها نقطتان، و صاد ثانية) .

ابن كعب‏

و يكنّى أبا هصيص، و أمّ كعب ماوية (2) ابنة كعب بن القين بن جسر القضاعيّة، و له أخوان لأبيه و أمّه، أحدهما عامر، و الآخر سامة، و لهم من أبيهم أخ كان يقال له عوف، أمّه الباردة ابنة عوف بن غنم بن عبد اللََّه بن غطفان، و انتمى ولده إلى غطفان، و كان خرج مع أمّه الباردة إلى غطفان، فتزوّجها سعد بن ذبيان، فتبنّاه سعد.

و لكعب أيضا أخوان من غير أمّه، أحدهما خزيمة، و هو[2] عائذة قريش، و عائذة أمّه، و هي ابنة الحمس‏ (3) بن قحافة من خثعم، و الآخر سعد، و يقال [1] (ورد في ابن هشام: وحشية، و في الطبري: وحشية أو مخشية) .

[2] و هم. ـ

____________

(1) . تيم. P. C

(2) . مارية. B

(3) . الخمس. B ، الحسن. P. C

25

(1) له بنانة، و بنانة أمّه، فأهل البادية منهم في بني سعد بن همّام في بني شيبان ابن ثعلبة، و الحاضرة ينتمون إلى قريش.

و كان كعب عظيم القدر عند العرب، فلهذا أرّخوا لموته إلى عام الفيل، ثمّ أرّخوا بالفيل، و كان يخطب الناس أيّام الحجّ، و خطبته مشهورة يخبر فيها بالنبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم.

(جسر بفتح الجيم، و سكون السين المهملة، و آخره راء) .

ابن لؤيّ‏

و يكنّى أبا كعب، و أمّ لؤيّ عاتكة ابنة يخلد بن النّضر بن كنانة، و هي أولى العواتك اللواتي و لدن رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، من قريش.

و له أخوان، أحدهما تيم الأدرم، و الدّرم نقصان في الذقن، قيل: إنّه كان ناقص اللّحي، و الآخر قيس، و لم يبق منهم أحد، و آخر من مات منهم في زمن خالد بن عبد اللََّه القسريّ‏ (1) ، فبقي ميراثه لا يدرى من يستحقّه.

و قيل: إنّ أمّهم سلمى بنت عمرو بن ربيعة، و هو يحيى بن حارثة الخزاعيّ.

(يخلد بفتح الياء تحتها نقطتان، و سكون الخاء المعجمة، و بعد اللام دال مهملة) .

____________

(1) . القشيري. ddoC

26

(1)

ابن غالب‏

و يكنّى أبا تيم‏ (1) ، و أمّ غالب ليلى ابنة الحارث بن تيم‏ (2) بن سعد بن هذيل، و إخوته من أبيه و أمّه: الحارث و محارب و أسد و عوف و جون و ذئب‏ (3) ، و كانت محارب و الحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح.

ابن فهر

و يكنّى أبا غالب، و فهر هو جمّاع قريش، في قول هشام، و أمّه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهميّ، و قيل غير ذلك.

و كان فهر رئيس الناس بمكّة، و كان حسّان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير و غيرهم يريد أن ينقل أحجار الكعبة إلى اليمن، فنزل بنخلة، فاجتمع قريش و كنانة و خزيمة و أسد و جذام و غيرهم، و رئيسهم فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالا شديدا، و أسر حسّان و انهزمت حمير و بقي حسّان بمكّة ثلاث سنين، و افتدى نفسه و خرج فمات بين مكّة و اليمن.

ابن مالك‏

و كنيته أبو الحارث، و أمّه عاتكة بنت عدوان، و هو الحارث بن قيس عيلان، و لقبها[1] عكرشة، و قيل غير ذلك.

[1] و لقبه.

____________

(1) . شيم. A

(2) . تميم. Bte. A

(3) . و زينب. P. C;. B. mO

27

(1) و قيل: إنّ النضر بن كنانة كان اسمه قريشا. و قيل: لما جمعهم قصيّ قيل لهم قريش، و التقرّش التجمّع. و قيل: لما ملك قصيّ الحرم و فعل أفعالا جميلة قيل له القرشيّ، و هو أوّل من سمّي به، و هو من الاجتماع أيضا، أي لاجتماع خصال الخير فيه، و قد قيل في تسمية قريش قريشا أقوال كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.

و قصيّ أوّل من أحدث وقود النار بالمزدلفة، و كانت توقد على عهد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و من بعده.

ابن النّضر

و يكنّى أبا يخلد، كنّي بابنه يخلد، و اسم النّضر قيس، و إنّما قيل له النضر لجماله، و أمّه برّة ابنة مرّ بن أدّ بن طابخة أخت تميم بن مرّ، و إخوته لأبيه و أمّه نصير (1) و مالك و ملكان و عامر و الحارث و عمرو (2) و سعد و عوف و غنم و مخزمة و جرول و غزوان و جدال، و أخوهم لأبيهم عبد مناة، و أمّه فكيهة، و هي الذفراء، ابنة هنيّ بن بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، و أخو عبد مناة لأمّه عليّ بن مسعود بن مازن الغسّانيّ، و كان قد حضن أولاد أخيه عبد مناة فنسبوا إليه، فقيل لبني عبد مناة بنو عليّ، و إيّاهم عنى الشاعر بقوله:

للََّه درّ بني عليّ # أيّم‏ (3) منهم و ناكح‏

و قيل: تزوّج امرأة عبد مناة فولدت له و حضن بني عبد مناة فغلب على نسبهم، ثمّ وثب مالك بن كنانة على عليّ بن مسعود فقتله، فواراه أسد بن خزيمة.

____________

(1) . نضير. Bte. A

(2) . عمير. B

(3) . إثم. A

28

(1)

ابن كنانة

و يكنّى أبا النّضر، و أمّ كنانة عوانة بنت سعد بن قيس‏ (1) عيلان، و قيل:

هند ابنة عمرو بن قيس. و إخوته لأبيه أسد و أسدة، و يقال: إنّه أبو جذام و الهون، و أمّهم برّة بنت مرّ، و هي أمّ النّضر، خلف عليها بعد أبيه.

ابن خزيمة

و يكنّى أبا أسد، و أمّه سلمى ابنة أسلم بن الحاف بن قضاعة، و أخوه لأمّه تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف، و أخو خزيمة لأبيه و أمّه هذيل، و قيل: أمّهما سلمى بنت أسد بن ربيعة.

و خزيمة هو الّذي نصب هبل على الكعبة، فكان يقال هبل خزيمة.

(أسلم، بضمّ اللام) .

ابن مدركة

و اسمه عمرو، و يكنّى أبا هذيل، و قيل: أبا خزيمة، و أمّه خندف، و هي ليلى ابنة حلوان بن عمران، و أمّها ضريّة ابنة ربيعة بن نزار، و بها سمّي حمى ضريّة.

و إخوة مدركة لأبيه و أمّه: عامر، و هو طابخة، و عمير، و هو

____________

(1) . بن. dda. ddoC

29

(1) قمعة، يقال: إنّه أبو خزاعة.

قال هشام: خرج إلياس‏[1] في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فأدركها فسمّي مدركة، و أخذها عامر فطبخها فسمّي طابخة، و انقمع عمير في الخباء فسمّي قمعة، و خرجت أمّهم ليلى تمشي فقال لها إلياس‏[1]: أين تخندفين؟فسمّيت خندف، و الخندفة: ضرب من المشي.

ابن إلياس‏

و كان يكنّى أبا عمرو، و أمّه الرباب ابنة جندة (1) بن معدّ، و أخوه لأبيه و أمّه الناس، بالنون، و هو عيلان‏ (2) ، و سمّي عيلان لفرس له كان يدعى عيلان، و قيل: لأنّه ولد في أصل جبل يسمّى عيلان، و قيل غير ذلك.

و لمّا توفّي حزنت عليه خندف حزنا شديدا فلم تقم حيث مات و لم يظلّها سقف حتى هلكت، فضرب بها المثل. و توفّي يوم الخميس، فكانت تبكي كلّ خميس من غدوة إلى الليل.

ابن مضر

و أمّه سودة بنت عكّ، و أخوه لأبيه و أمّه إياد، و لهما أخوان من أبيهما:

ربيعة و أنمار، أمّهما جدالة ابنة و علان من جرهم.

[1] الناس.

____________

(1) . خندة. P. C

(2) . tnebah غيلان‏ euqibueref. ddoC

30

(1) و ذكر أن نزار بن معدّ لما حضرته الوفاة أوصى بنيه و قسّم ماله بينهم فقال: يا بنيّ هذه القبّة، و هي من أدم حمراء، و ما أشبهها من مالي لمضر، فسمّي مضر الحمراء، و هذا الخباء الأسود و ما أشبهه من مالي لربيعة، و هذه الخادم و ما أشبهها من مالي لإياد، و كانت شمطاء، فأخذ البلق و النّقد من غنمه، و هذه البدرة[1] و المجلس لأنمار يجلس عليه، فأخذ أنمار ما أصابه، فإن أشكل في ذلك عليكم شي‏ء و اختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهميّ.

فاختلفوا فتوجّهوا إلى الأفعى الجرهميّ، فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال: إنّ البعير الّذي قد رعى هذا الكلأ لأعور.

و قال ربيعة: هو أزور. و قال إياد: هو أبتر. و قال أنمار: هو شرود. فلم يسيروا إلاّ قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟قال: نعم. قال ربيعة: هو أزور؟قال: نعم. و قال إياد:

هو أبتر؟قال: نعم. و قال أنمار: هو شرود؟قال: نعم، هذه صفة بعيري، دلّوني عليه، فحلفوا له ما رأوه، فلزمهم، و قال: كيف أصدّقكم و هذه صفة بعيري! فساروا جميعا حتى قدموا نجران فنزلوا على الأفعى الجرهميّ، فقصّ عليه صاحب البعير حديثه، فقال لهم الجرهميّ: كيف وصفتموه و لم تروه؟قال مضر: رأيته يرعى جانبا و يدع جانبا فعرفت أنّه أعور. و قال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة و الأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنّه أزور. و قال إياد: عرفت أنّه أبتر باجتماع بعرة و لو كان أذنب‏ (1) لمصع به. و قال أنمار: عرفت أنّه شرود [1] البردة. (و البدرة من المال: كمية عظيمة منه) .

____________

(1) . أزب. P. C

31

(1) لأنّه يرعى المكان الملتفّ نبته ثمّ يجوزه إلى مكان أرقّ منه نبتا و أخبث. فقال الجرهميّ: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه.

ثمّ سألهم من هم، فأخبروه، فرحّب بهم و قال: أ تحتاجون أنتم إليّ و أنتم كما أرى؟و دعا لهم بطعام فأكلوا و شربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لو لا أنّها نبتت على قبر. و قال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لو لا أنّه ربّي بلبن كلبة. و قال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لو لا أنّه لغير أبيه الّذي ينتمي إليه. و قال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع لحاجتنا (1) .

و سمع الجرهميّ الكلام فعجب، فأتى أمّه و سألها، فأخبرته أنّها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها فحملت به، و سأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حبلة (2) [1] غرستها على قبر أبيك، و سأل الراعي عن اللحم فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة.

فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر؟فقال: لأنّي أصابني عطش شديد.

و قيل لربيعة فيما قال، فذكر كلاما، و أتاهم الجرهميّ و قال: صفوا لي صفتكم، فقصّوا عليه قصّتهم، فقضى بالقبّة الحمراء و الدنانير و الإبل، و هي حمر، لمضر، و قضى بالخباء الأسود و الخيل الدّهم لربيعة، و قضى بالخادم، و كانت شمطاء، و الماشية البلق لإياد، و قضى بالأرض و الدراهم لأنمار.

و مضر أوّل من حدا، و كان سبب ذلك أنّه سقط من بعيره فانكسرت يده فجعل يقول: يا يداه يا يداه، فأتته الإبل من المرعى، فلمّا صلح و ركب حدا، و كان من أحسن الناس صوتا. و قيل: بل انكسرت يد مولى له فصاح، [1] (الحبلة: شجرة الكرم) .

____________

(1) . من حاجتنا. B ، في حاجتنا. A

(2) . شجرة. B

32

(1) فاجتمعت الإبل، فوضع مضر الحداء و زاد الناس فيه.

و هو أوّل من قال حينئذ: بصبصن إذ حدين‏[بالأذناب‏]، فذهب مثلا.

و

روي أن النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قال: لا تسبّوا مضر و ربيعة فإنّهما مسلمان.

ابن نزار

و قيل: كان يكنّى أبا إياد، و قيل: أبا ربيعة، أمّه معانة ابنة جوشم بن جلهمة بن عمرو بن جرهم، و إخوته لأبيه و أمّه قنص و قنّاصة (1) و سالم و جندة و جناد و جنادة و القحم و عبيد الرباح و الغرف و العوف و شكّ و قضاعة، و به كان يكنّى معدّ، و عدّة درجوا.

ابن معدّ

و أمّه مهدة ابنة اللََّهمّ، و يقال اللََّهمّ، و يقال اللََّهمّ بن جلحب‏[1] بن جديس، و قيل بن طسم، و إخوته من أبيه الريث، و قيل: الريث‏[هو]عكّ، و قيل:

عكّ بن الريث، و عدن بن عدنان، قيل: هو صاحب عدن و أبين و إليه تنسب أبين، و درج نسله و نسل عدن، و أدّ و أبيّ بن عدنان، و درج‏ (2) ، و الضحّاك و الغنيّ.

فلحق ولد عدنان باليمن عند حرب بخت‏نصّر، و حمل إرميا و برخيا معدّا إلى حرّان فأسكناه بها. فلمّا سكنت الحرب ردّاه إلى مكّة فرأى إخوته قد لحقوا باليمن.

[1] حلجب.

____________

(1) . فيض و فياضة. B

(2) . و روح. P. C

33

(1)

ابن عدنان‏

و لعدنان أخوان يدعى أحدهما نبتا (1) و الآخر عامرا، فنسب النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، لا يختلف الناسبون فيه إلى معدّ بن عدنان، على ما ذكرت، و يختلفون فيما بعد ذلك اختلافا عظيما لا يحصل منه على غرض، فتارة يجعل بعضهم بين عدنان و بين إسماعيل، عليه السلام، أربعة آباء، و يجعل آخر بينهما أربعين أبا، و يختلفون أيضا في الأسماء أشدّ من اختلافهم في العدد، فحيث رأيت الأمر كذلك لم أعرّج على ذكر شي‏ء منه، و منهم من يروي عن النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، في نسبه حديثا يصله بإسماعيل، و لا يصحّ في ذلك الحديث.

ذكر الفواطم و العواتك‏

و أمّا الفواطم اللائي و لدن رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فخمس:

قرشيّة و قيسيّتان و يمانيّتان.

أمّا القرشيّة فأمّ أبيه عبد اللََّه بن عبد المطّلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزوميّة.

و أمّا القيسيّتان فأمّ عمرو بن عائذ بن فاطمة ابنة عبد اللََّه بن رزاح بن ربيعة ابن جحوش بن معاوية بن بكر بن هوازن، و أمّها فاطمة بنت الحارث بن بهثة (2) بن سليم بن منصور.

____________

(1) . ثبتا. A ، بينا. P. C

(2) . فهته. B ، يهثه. A ، يهثم. P. C

34

(1) و أمّا اليمانيّتان فأمّ قصيّ بن كلاب فاطمة بنت سعد بن سيل بن أزد شنوءة، و أمّ‏ (1) حبّى بنت حليل بن حبشيّة بن كعب بن سلول، و هي أمّ ولد قصيّ فاطمة بنت نصر بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة الخزاعيّة.

و أمّا العواتك فاثنتا عشرة: اثنتان من قريش، و واحدة من بني يخلد ابن النّضر، و ثلاث من سليم، و عدويّتان، و هذليّة، وقضاعيّة، و أسديّة.

فأمّا القرشيّتان فأمّ أمّه آمنة بنت وهب برّة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، و أمّ برّة أمّ حبيب بنت أسد بن عبد العزّى، و أمّ أسد ريطة (2) بنت كعب بن سعد بن تيم، و أمّه أميمة بنت عامر الخزاعيّة، و أمّها عاتكة بنت هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهم، و أمّ هلال هند بنت هلال ابن عامر بن صعصعة، و أمّ أهيب بن ضبّة عاتكة بنت غالب بن فهر، و أمّها عاتكة بنت يخلد بن النّضر بن كنانة.

و أمّا السّلميّات فأمّ هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج ابن ذكوان بن بهثة بن سليم بن منصور، و أمّ عبد مناف عاتكة بنت هلال بن فالج، و الثالثة أمّ جدّه لأمّه وهب، و هي عاتكة بنت الأوقص بن مرّة ابن هلال.

قلت: هكذا ذكر بعض العلماء عواتك سليم، و جعل أمّ عبد مناف عاتكة بنت مرّة، و ليس بشي‏ء، فإنّ أمّ عبد مناف حبّى بنت حليل الخزاعيّة، و قال غيره: أمّ هاشم عاتكة بنت مرّة، و أمّ مرّة بن هلال عاتكة بنت جابر ابن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، و أمّ هلال ابن فالج عاتكة بنت عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس.

ـ

____________

(1) . P. C

(2) . غيطة. B. sitcnupenis. A ، ريصله. P. C

35

(1) و أمّا العدويّتان فمن جهة أبيه عبد اللََّه، فإنّ أمّ عبد اللََّه فاطمة بنت عمرو، و أمّ فاطمة تخمر بنت عبد قصيّ، و أمّها هند بنت عبد اللََّه بن الحارث بن وائلة بن الظّرب، و أمّها زينب بنت مالك بن ناصرة بن كعب الفهميّة.

و أمّا عاتكة بنت عامر بن الظّرب بن عمرو بن عبّاد بن بكر بن الحارث، و هو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، و أمّ مالك بن النّضر عاتكة، فهي عكرشة، و هي الحصان بنت عدوان.

و أمّا الأزديّة فأمّ النضر بن كنانة بنت مرّة بن أدّ أخت تميم، و أمّها ماوية من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، و أمّها عاتكة بنت الأزد بن الغوث، و قد ولدته هذه الأزديّة مرّة أخرى من قبل غالب بن فهر، فإنّ أمّ غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، و أمّها سلمى بنت طابخة بن إلياس ابن مضر، و أمّها عاتكة بنت الأزد هذه.

و أمّا الهذليّة فعاتكة بنت سعد بن سيل، هي أمّ عبد اللََّه بن رزام جدّ عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم لأمّه، و عمرو جدّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أبو أمّه.

و أمّا القضاعيّة فأمّ كعب بن لؤيّ ماوية بنت القين بن جسر بن شيع اللََّه ابن أسد بن وبرة، و أمّها وحشيّة بنت ربيعة بن حرام بن ضنّة العذريّة، و أمّها عاتكة بنت رشدان بن قيس بن جهينة.

و أمّا الأسديّة فأمّ كلاب بن مرّة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كلاب، و أمّها عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة.

(و عائذ بن عمران بالياء المثناة من تحتها، و الذال المعجمة. و سعد بن سيل بفتح السين المهملة، و الياء المثناة من تحتها المفتوحة. و حييّ‏ (1) بضمّ الحاء

____________

(1) . mutpircs حبّى‏ orperorrE

36

(1) المهملة، و بالياء المثناة من تحتها، و تشديد الياء الممالة. و حليل بضمّ الحاء المهملة، و بالياء المثناة من تحتها. و جسر بفتح الجيم، و تسكين السين المهملة.

و حارثة بالحاء المهملة، و الثاء المثلثة. و وائلة بن الظرب بالياء المثنّاة من تحتها.

و ضبّة بن الحارث بالضاد المعجمة المفتوحة، و الباء المشدّدة الموحّدة. و شيع اللََّه بالشين المعجمة المفتوحة، و الياء المثنّاة من تحتها الساكنة. و حرام بفتح الحاء المهملة، و الراء المهملة. و ضنّة العذري بكسر الضاد المعجمة، و النون المشدّدة.

و عصيّة بالعين المهملة المضمومة، و فتح الصاد و الياء المثنّاة من تحتها) .

37

(1)

عدنا إلى ذكر النبي‏

توفّي عبد المطّلب بعد الفيل بثماني سنين، و أوصى أبا طالب برسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم. فكان أبو طالب هو الّذي قام بأمر النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، بعد جدّه، ثمّ إنّ أبا طالب خرج إلى الشام، فلمّا أراد المسير لزمه رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فرّق له و أخذه معه، و لرسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، تسع سنين. فلمّا نزل الركب بصرى من أرض الشام، و بها راهب يقال له بحيرا في صومعة له، و كان ذا علم في النصرانيّة، و لم يزل بتلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم، و بها كتاب يتوارثونه. فلمّا رآهم بحيرا صنع لهم طعاما كثيرا، و ذلك لأنّه رأى على رسول اللََّه غمامة تظلّه من بين القوم، ثمّ أقبلوا حتى نزلوا في ظلّ شجرة قريبا منه، فنظر إلى الشجرة و قد هصرت أغصانها حتى استظلّ بها، فنزل إليهم من صومعته و دعاهم.

فلمّا رأى بحيرا رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، جعل يلحظه لحظا شديدا و ينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها من صفته.

فلمّا فرغ القوم من الطعام و تفرّقوا، سأل النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، عن أشياء من حاله في يقظته و نومه‏ فوجدها بحيرا موافقة لما عنده من صفته، ثمّ نظر إلى خاتم النبوّة بين كتفيه، ثمّ قال بحيرا لعمّه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيّا. قال: فإنّه ابن أخي مات أبوه و أمّه حبلى به. قال: صدقت، ارجع به إلى بلدك و احذر عليه يهود، فو اللََّه لئن رأوه و عرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرّا، فإنّه كائن له شأن عظيم.

38

(1) فخرج به عمّه حتّى أقدمه مكّة.

و قيل: بينما هو يقول لعمّه في إعادته إلى مكّة و تخوّفهم عليه من الروم إذ أقبل سبعة نفر من الروم، فقال لهم بحيرا: ما جاء بكم؟قالوا: جاءنا[1] أن هذا النبيّ خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلاّ بعث إليها ناس، و إنّا بعثنا إلى طريقك. قال: أ رأيتم أمرا أراده اللََّه هل يستطيع أحد من الناس ردّه؟ قالوا: لا. و تابعوا بحيرا و أقاموا عنده. و

قال رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم: ما هممت بشي‏ء ممّا كان الجاهليّة يعملونه غير مرّتين، كلّ ذلك يحول اللََّه بيني و بينه، ثمّ ما هممت به حتى أكرمني برسالته، قلت ليلة لغلام يرعى معي بأعلى مكّة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكّة و أسمر بها كما يسمر الشباب. فقال: أفعل. فخرجت حتى إذا كنت عند أوّل دار بمكّة سمعت عزفا، فقلت: ما هذا؟فقالوا:

عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب اللََّه على أذني فنمت، فما أيقظني إلاّ حرّ الشمس، فعدت إلى صاحبي فسألني فأخبرته. ثمّ قلت له ليلة أخرى مثل ذلك و دخلت مكّة، فأصابني مثل أوّل ليلة، ثمّ ما هممت بعده بسوء.

[1] جئنا.

39

(1)

ذكر نكاح النبي، صلّى اللََّه عليه و سلّم، خديجة

و نكح رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، خديجة بنت خويلد، و هو ابن خمس و عشرين سنة، و خديجة يومئذ ابنة أربعين سنة.

و سبب ذلك أنّ خديجة بنت خويلد بن أسد[1] بن عبد العزّى بن قصيّ كانت امرأة تاجرة ذات شرف و مال تستأجر الرجال في مالها و تضاربهم إيّاه بشي‏ء تجعله لهم منه، و كانت قريش تجارا، فلمّا بلغها عن رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، صدق الحديث و عظم الأمانة و كرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا و تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره مع غلامها ميسرة. فأجابها و خرج معه ميسرة حتى قدم الشام، فنزل رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، في ظلّ شجرة قريبا من صومعة راهب، فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال: من هذا؟قال ميسرة: هذا رجل من قريش. فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلاّ نبيّ.

ثمّ باع رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و اشترى و عاد، فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة يرى ملكين يظلاّنه من الشمس و هو على بعيره. فلمّا قدم مكّة ربحت خديجة ربحا كثيرا، و حدّثها ميسرة عن قول الراهب و ما رأى من إظلال الملكين إيّاه.

و كانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة مع ما أراده اللََّه من كرامتها، فأرسلت إلى رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فعرضت عليه نفسها، و كانت [1] سعد.

40

(1) وسط نساء قريش نسبا و أكثرهنّ مالا و شرفا، و كلّ قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه. فلمّا أرسلت إلى النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قال لأعمامه، و خرج و معه حمزة بن عبد المطّلب و أبو طالب و غيرهما من عمومته حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه، فتزوّجها فولدت له أولاده كلّهم، إلاّ إبراهيم: زينب، و رقيّة، و أمّ كلثوم، و فاطمة، و القاسم، و به كان يكنّى، و عبد اللََّه، و الطاهر، و الطيّب. و قيل: إنّ عبد اللََّه ولد في الإسلام هو و الطاهر و الطيّب، فأمّا القاسم و الطاهر و الطيّب فهلكوا في الجاهليّة، و أمّا بناته فكلّهنّ أدركن الإسلام فأسلمن و هاجرن معه.

و قيل: إنّ الّذي زوّجها عمّها عمرو بن أسد، و إنّ أباها مات قبل الفجار (1) .

قال الواقديّ: و هو الصحيح، لأنّ أباها توفّي قبل الفجار.

و كان منزل خديجة يومئذ المنزل الّذي‏ يعرف بها اليوم، فيقال: إنّ معاوية اشتراه و جعله مسجدا يصلّى فيه.

و كان الرسول بين خديجة و بين النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية، و أسلمت يوم الفتح، فبرّها رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أكرمها.

(منية بالنون الساكنة، و الياء المثناة من تحتها) .

____________

(1) . التجارة. P. C

41

(1)

ذكر حلف الفضول‏

قال ابن إسحاق: و كان نفر من جرهم و قطوراء يقال لهم: الفضيل‏ (1)

ابن الحارث الجرهميّ، و الفضيل بن وداعة القطوريّ، و المفضّل بن فضالة الجرهميّ، اجتمعوا فتحالفوا أن لا يقرّوا ببطن مكّة ظالما، و قالوا: لا ينبغي إلاّ ذلك لما عظّم اللََّه من حقّها، فقال عمرو بن عوف الجرهميّ:

إنّ الفضول تحالفوا و تعاقدوا # ألاّ يقرّ ببطن مكّة ظالم

أمر عليه تعاهدوا و تواثقوا # فالجار و المعترّ[1] فيهم سالم‏

ثمّ درس ذلك فلم يبق إلاّ ذكره في قريش.

ثمّ إنّ قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف فتحالفوا في دار عبد اللََّه ابن جدعان لشرفه و سنّه‏ (2) ، و كانوا بني هاشم و بني المطّلب و بني أسد بن عبد العزّى و زهرة بن كلاب و تيم بن مرّة، فتحالفوا و تعاقدوا أن لا يجدوا بمكّة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلاّ قاموا معه و كانوا على ظلمه حتى تردّ عليه مظلمته، فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، و شهده رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم،

فقال حين أرسله اللََّه تعالى: لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد اللََّه بن جدعان ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، و لو دعيت به في الإسلام لأجبت.

قال: و قال محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ : كان بين الحسين بن [1] و المعبّر. (المعترّ: المتعرض للمعروف من غير أن يسأل) .

____________

(1) . الفضل. B

(2) . نسبه. B

42

(1) عليّ بن أبي طالب و بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما، و الوليد يومئذ أمير على المدينة لعمّه معاوية، فتحامل الوليد لسلطانه. فقال له الحسين: أقسم باللََّه لتنصفني أو لآخذنّ سيفي ثمّ لأقومنّ في مسجد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، ثمّ لأدعونّ بحلف الفضول. فقال عبد اللََّه بن الزّبير، و كان حاضرا: و أنا أحلف باللََّه لو دعا به لأجبته حتى ينصف من حقّه أو نموت. و بلغ المسور بن مخرمة الزّهريّ فقال مثل ذلك، و بلغ عبد الرحمن ابن عثمان بن عبد اللََّه التيميّ فقال مثل ذلك. فلمّا بلغ الوليد ذلك أنصف الحسين من نفسه حتى رضي.

ذكر هدم قريش الكعبة و بنائها

و في سنة خمس و ثلاثين من مولده، صلّى اللََّه عليه و سلّم، هدمت قريش الكعبة.

و كان سبب هدمهم إيّاها أنّها كانت رضيمة فوق القامة، فأرادوا رفعها و تسقيفها، و ذلك أن نفرا من قريش و غيرهم سرقوا كنزها و فيه غزالان من ذهب، و كانا في بئر في جوف الكعبة.

و كان أمر غزالي الكعبة أنّ اللََّه لما أمر إبراهيم و إسماعيل ببناء الكعبة ففعلا ذلك، و قد تقدّم ذكره، و أقام إسماعيل بمكّة و كان يلي البيت حياته، و بعده وليه ابنه نبت. فلمّا مات نبت و لم يكثر ولد إسماعيل غلبت جرهم على ولاية البيت، فكان أوّل من وليه منهم مضاض، ثمّ ولده من بعده حتى بغت جرهم و استحلّوا حرمة البيت فظلموا من دخل مكّة حتى قيل: انّ إسافا[1] و نائلة زنيا [1] أسفا.

43

(1) في البيت فمسخا حجرين.

و كانت خزاعة قد أقامت بتهامة بعد تفرّق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فأرسل اللََّه على جرهم الرعاف أفناهم، فاجتمعت خزاعة على إجلاء من بقي منهم، و رئيس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة، فاقتتلوا. فلمّا أحسّ عامر بن الحارث الجرهميّ بالهزيمة خرج بغزالي الكعبةو الحجر الأسود يلتمس التوبة و هو يقول:

لاهمّ إنّ جرهما عبادك # النّاس طرف و هم تلادك

بهم قديما عمرت بلادك‏

فلم تقبل توبته، فدفن غزالي الكعبة ببئر زمزم و طمّها و خرج بمن بقي من جرهم إلى أرض جهينة، فجاءهم سيل فذهب بهم أجمعين، و قال عمرو بن الحارث:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا # صروف اللّيالي و الجدود العواثر

و ولي البيت بعد جرهم عمرو بن ربيعة، و قيل: وليه عمرو بن الحارث الغسّاني، ثمّ خزاعة بعده، غير أنّه كان في قبائل مضر ثلاث خلال‏ (1) :

الإجازة بالحجّ من عرفة، و كان ذلك إلى الغوث بن مرّ بن أدّ، و هو صوفة، و الثانية الإفاضة من جمع إلى منى، و كانت إلى بني زيد بن عدوان، و آخر من ولي ذلك منهم أبو سيّارة عميلة بن الأعزل بن خالد، و الثالثة النسي‏ء للشهور الحرم، فكان ذلك إلى القلمّس‏ (2) [1]، و هو حذيفة بن فقيم‏ (3) بن [1] المقلّس.

____________

(1) . خصال. B

(2) . الملتمس. B

(3) . وثيم. B

44

(1) كنانة، ثمّ إلى بنيه من بعده، ثمّ صار ذلك إلى أبي ثمامة، و هو جنادة بن عوف بن قلع بن حذيفة، و قام الإسلام و قد عادت الأشهر الحرم إلى أصلها فأبطل اللََّه، عزّ و جلّ، النسي‏ء.

ثمّ وليت البيت بعد خزاعة قريش، و قد ذكرنا ذلك عند ذكر قصيّ بن كلاب. ثمّ حفر عبد المطّلب زمزم فأخرج الغزالين، كما تقدّم.

و كان الّذي وجد الغزالان عنده دويك، مولى لبني مليح بن خزاعة، فقطعت قريش يده، و كان فيمن اتّهم في ذلك: عامر بن الحارث بن نوفل، و أبو هارب بن عزيز، و أبو لهب بن عبد المطّلب.

و كان البحر قد ألقى سفينة إلى جدّة لتاجر رومي فتحطّمت، فأخذوا خشبها فأعدّوه لسقفها، فتهيّأ لهم بعض ما يصلحها. و كانت حيّة تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كلّ يوم فتشرف على جدار الكعبة، و كان لا يدنو منها أحد إلاّ كشّت و فتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما على جدار الكعبة اختطفها طائر فذهب بها، فقالت قريش: إنّا لنرجو أن يكون اللََّه، عزّ و جلّ، قد رضي ما أردناه.

و كان ذلك و رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، ابن خمس و ثلاثين سنة، و بعد الفجار بخمس عشرة سنة.

فلمّا أرادوا هدمها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها إلاّ طيّبا و لا تدخلوا فيه مهر بغيّ و لا[بيع‏] ربا[1] و لا مظلمة أحد.

و قيل: إنّ الوليد بن المغيرة قال هذا.

[1] زناء. ـ

45

(1) ثمّ إنّ الناس هابوا هدمها فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأكم به، فأخذ المعول فهدم، فتربّص الناس به تلك الليلة و قالوا: ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، فأصبح الوليد سالما و غدا إلى عمله فهدم و الناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس ثمّ أفضوا (1) إلى حجارة خضر آخذ بعضها ببعض، فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع به أحدهما. فلمّا تحرّك الحجر انتقضت‏[1] مكّة بأسرها، ثمّ جمعوا الحجارة لبنائها ثمّ‏ بنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن، فأرادت كلّ قبيلة رفعه إلى موضعه حتى تحالفوا و تواعدوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثمّ تعاقدوا هم و بنو عديّ على الموت و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم فسمّوا لعقة الدم بذلك، فمكثوا على ذلك أربع ليال ثمّ تشاوروا.

فقال أبو أميّة بن المغيرة، و كان أسنّ قريش: اجعلوا بينكم حكما أوّل من يدخل من باب المسجد يقضي بينكم، فكان أوّل من دخل رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم. فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا به، و أخبروه الخبر، فقال: هلمّوا إليّ ثوبا، فأتي به، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه ثمّ قال:

لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعا، ففعلوا. فلمّا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثمّ بني عليه.

[1] (في ابن هشام: تنقّضت أي اهتزت، و هو الأرجح) .

____________

(1) . انضوى. P. C

46

(1)

ذكر الوقت الّذي أرسل فيه رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم‏

بعث اللََّه نبيّه محمّدا، صلّى اللََّه عليه و سلّم، لعشرين سنة مضت من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، و كان على الحيرة إياس بن قبيصة الطائيّ عاملا للفرس على العرب.

قال ابن عبّاس من رواية حمزة و عكرمة عنه و أنس بن مالك و عروة ابن الزّبير: إنّ النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، بعث و أنزل عليه الوحي و هو ابن أربعين سنة. و قال ابن عبّاس من رواية عكرمة أيضا عنه و سعيد بن المسيّب:

إنّه أنزل عليه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و هو ابن ثلاث و أربعين سنة، و كان نزول الوحي عليه يوم الاثنين بلا خلاف. و اختلفوا في أيّ الأثانين كان ذلك، فقال أبو قلابة الجرميّ: أنزل الفرقان على النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، و قال آخرون: كان ذلك لتسع عشرة مضت من رمضان.

و كان، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قبل أن يظهر له جبرائيل يرى و يعاين آثارا من آثار من يريد اللََّه إكرامه بفضله. و كان من ذلك ما ذكرت من شقّ الملكين بطنه و استخراجهما ما في قلبه من الغلّ و الدنس، و من ذلك أنّه كان لا يمرّ بحجر و لا شجر إلاّ سلّم عليه، فكان يلتفت يمينا و شمالا فلا يرى أحدا، و كانت الأمم تتحدّث بمبعثه و تخبر علماء كلّ أمّة قومها بذلك.

قال عامر بن ربيعة: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: إنّا لننتظر نبيّا من ولد إسماعيل، ثمّ من بني عبد المطّلب، و لا أراني أدركه، و أنا أومن‏

47

(1) به و أصدّقه و أشهد أنّه نبيّ، فإن طالت بك حياة و رأيته فأقرئه مني السلام، و سأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلمّ. قال: هو رجل ليس بالطويل و لا بالقصير، و لا بكثير الشعر و لا بقليله، و لا تفارق عينيه حمرة، و خاتم النبوّة بين كتفيه، و اسمه أحمد، و هذا البلد مولده و مبعثه، ثمّ يخرجه قومه و يكرهون ما جاء به، و يهاجر إلى يثرب فيظهر بها أمره، فإيّاك أن تنخدع عنه، فإنّي طفت البلاد كلّها أطلب دين إبراهيم فكلّ من أسأله من اليهود و النصارى و المجوس يقول: هذا الدين وراءك، و ينعتونه مثل ما نعتّه لك، و يقولون: لم يبق نبيّ غيره.

قال عامر: فلمّا أسلمت أخبرت‏ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قول زيد و أقرأته السلام. فردّ عليه رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و ترحّم عليه و قال: قد رأيته في الجنّة يسحب ذيولا.

و قال جبير بن مطعم: كنّا جلوسا عند صنم بوانة (1) [1] قبل أن يبعث رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، بشهر. نحرنا جزورا، فإذا صائح يصيح من جوف الصنم: اسمعوا إلى العجب، ذهب استراق‏[2] الوحي و نرمي بالشّهب لنبيّ بمكّة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب. قال: فأمسكنا و عجبنا، و خرج رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم.

و الأخبار عن دلائل نبوّته كثيرة، و قد صنّف العلماء في ذلك كتبا كثيرة ذكروا فيها كلّ عجيبة، ليس هذا موضع ذكرها. [1] سوانة.

[2] إشراق.

____________

(1) . سوابه. B

48

(1)

ذكر ابتداء الوحي إلى النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم‏

قالت عائشة، رضي اللََّه عنها: كان أوّل ما ابتدئ‏[به‏]رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجي‏ء مثل فلق الصبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتعبّد فيه الليالي ذوات العدد ثمّ يرجع إلى أهله فيتزوّد لمثلها حتى فجأه الحقّ فأتاه جبرائيل فقال: يا محمّد أنت رسول اللََّه. قال رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم: فجثوت لركبتي ثمّ رجعت ترجف بوادري‏[1]فدخلت على خديجة فقلت: زمّلوني زمّلوني!ثمّ ذهب عني الرّوع، ثمّ أتاني فقال: يا محمّد أنت رسول اللََّه. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق، فتبدّى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمّد أنا جبرائيل و أنت رسول اللََّه، قال: اقرأ. قلت: و ما أقرأ؟قال: فأخذني فغتّني‏ (1) ثلاث مرّات حتى بلغ مني الجهد ثمّ قال: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ [2]، فقرأت. فأتيت خديجة، فقلت: لقد أشفقت على نفسي، و أخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فو اللََّه لا يخزيك اللََّه أبدا، فو اللََّه إنّك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تؤدّي الأمانة، و تحمل الكلّ، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحقّ. ثمّ انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل، و هو ابن عمّها، و كان [1] (البوادر، جمع بادرة: لحمة بين المنكب و العنق) .

[2] (سورة العلق 96، الآية 1) .

____________

(1) . فغيبني. A

49

(1) قد تنصّر و قرأ الكتب و سمع من أهل التوراة و الإنجيل، فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الّذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني كنت حيّا حين يخرجك قومك. قلت: أ مخرجيّ هم؟قال: نعم، إنّه لم يجئ أحد بمثل ما جئت به إلاّ عودي، و لئن أدركني يومك لأنصرنّك نصرا مؤزّرا.

ثمّ إنّ أوّل ما نزل عليه من القرآن بعد اقرأ: ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مََا يَسْطُرُونَ (1) و يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ (2) وَ اَلضُّحى‏ََ (3) .

و

قالت خديجة لرسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فيما تثبّته فيما أكرمه اللََّه به من نبوّته: يا ابن عمّ أ تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الّذي يأتيك إذا جاءك؟قال: نعم. فجاءه جبرائيل، فأعلمها. فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فجلس عليها. فقالت: هل تراه؟قال: نعم. قالت: فتحوّل فاقعد على فخذي اليمنى. فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟قال: نعم. فتحسّرت فألقت خمارها، و رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، في حجرها، ثمّ قالت: هل تراه؟قال: لا. قالت:

يا ابن عمّ اثبت و أبشر، فو اللََّه إنّه ملك، و ما هو بشيطان!

و

قال يحيى بن أبي كثير: سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت‏ يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ أوّل. قال: قلت: إنّهم يقولون‏ اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . قال: سألت جابر بن عبد اللََّه قال: لا أحدّثك إلاّ ما حدّثنا رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قال: جاورت بحراء فلمّا قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يميني فلم أر شيئا و نظرت عن يساري فلم أر شيئا و نظرت خلفي و أمامي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فإذا هو، يعني

____________

(1) . 1. sv ,68. roC

(2) . 1. sv ,74. roC

(3) . 1,91. roC

50

(1) الملك، جالس على عرش بين السماء و الأرض، فخشيت‏ (1) منه فأتيت خديجة فقلت: دثّروني دثّروني، و صبّوا عليّ ماء، ففعلوا، فنزلت:

يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ ، هذا حديث صحيح.

قال هشام بن الكلبي: أتى جبرائيل النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أوّل ما أتاه ليلة السبت و ليلة الأحد، ثمّ ظهر له برسالة اللََّه يوم الاثنين فعلّمه الوضوء و الصلاة، و علّمه: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ ، و كان لرسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أربعون سنة.

قال الزّهريّ: فتر الوحي عن رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فترة، فحزن حزنا شديدا و جعل يغدو إلى رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلّما رقي ذروة (2) جبل تبدّى له جبرائيل فيقول: إنّك رسول اللََّه حقّا. فيسكن لذلك جأشه و ترجع نفسه. فلمّا أمر اللََّه نبيّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أن ينذر قومه عذاب اللََّه على ما هم عليه من عبادة الأصنام دون اللََّه الّذي خلقهم و رزقهم و أن يحدّث بنعمة ربّه عليه، و هي النبوّة في قول ابن إسحاق، فكان يذكر ذلك سرّا لمن يطمئنّ إليه من أهله، فكان أوّل من آمن به و صدّقه من خلق اللََّه تعالى خديجة بنت خويلد زوجته.

قال الواقدي: أجمع أصحابنا على أن أوّل أهل القبلة استجاب لرسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، خديجة.

ثمّ كان أوّل شي‏ء فرض اللََّه من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد و البراءة من الأوثان الصلاة، و انّ الصلاة لما فرضت عليه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أتاه جبرائيل و هو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين، فتوضّأ جبرائيل و هو ينظر إليه ليريه كيف الطّهور للصلاة، ثمّ توضّأ

____________

(1) . فحبيت. P. C

(2) . أوفى بذروة. P. C

51

(1) رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، مثله، ثمّ قام جبرائيل فصلّى به و صلّى النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، بصلاته، ثمّ انصرف. و جاء رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، إلى خديجة فعلّمها الوضوء، ثمّ صلّى بها فصلّت بصلاته.

ذكر المعراج برسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم‏

اختلف الناس في وقت المعراج، فقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين، و قيل: بسنة واحدة، و اختلفوا في الموضع الّذي أسري برسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، منه، فقيل: كان نائما بالمسجد في الحجر فأسري به منه، و قيل:

كان نائما في بيت أمّ هانئ بنت أبي طالب، و قائل هذا يقول: الحرم كلّه مسجد.

و قد روى حديث المعارج جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة.

قالوا: قال رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم: أتاني جبرائيل و ميكائيل فقالا: بأيّهم أمرنا؟فقالا: أمرنا بسيّدهم، ثمّ ذهبا ثمّ جاءا من القابلة و هم ثلاثة فألفوه‏[1] و هو نائم فقلبوه لظهره و شقّوا بطنه و جاءوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من غلّ و غيره، و جاءوا بطست مملوء إيمانا و حكمة فملئ قلبه و بطنه إيمانا و حكمة. قال: و أخرجني جبرائيل من المسجد و إذا أنا بدابّة، و هي البراق، و هي فوق الحمار و دون البغل، *يقوع خطوه‏[2] عند منتهى طرفه، فقال: اركب، فلمّا وضعت يدي عليه تشامس و استصعب. فقال جبرائيل: يا براق ما ركبك نبيّ أكرم على اللََّه من محمّد، فانصبّ عرقا و انخفض [1] فألقوه.

[2] ثم مثل البراق خطوة. (و قاع يقوع: تمايل في مشيته) .

52

(1) لي حتى ركبته، و سار بي جبرائيل نحو المسجد الأقصى، فأتيت بإناءين أحدهما لبن و الآخر خمر، فقيل لي: اختر أحدهما، فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي:

أصبت الفطرة، أما إنّك لو شربت الخمر لغوت أمتك بعدك.

ثمّ سرنا فقال لي: انزل فصلّ، فنزلت فصلّيت، فقال: هذه طيبة و إليها المهاجر.

ثمّ سرنا فقال لي: انزل فصلّ، فنزلت فصلّيت، فقال: هذا طور سيناء حيث كلّم اللََّه موسى. ثمّ سرنا فقال: انزل فصلّ، فنزلت فصلّيت، فقال:

هذا بيت لحم حيث ولد عيسى. ثمّ سرنا حتى أتينا بيت المقدس، فلمّا انتهينا إلى باب المسجد أنزلني جبرائيل و ربط البراق بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء.

فلمّا دخلت المسجد إذا أنا بالأنبياء حواليّ‏[1]، و قيل: بأرواح الأنبياء الذين بعثهم اللََّه قبلي، فسلّموا عليّ، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟قال: إخوانك من الأنبياء، زعمت قريش أنّ للََّه شريكا، و زعمت النصارى أنّ للََّه ولدا، سل هؤلاء النبيّين هل كان للََّه، عزّ و جلّ، شريك أو ولد، فذلك قوله تعالى:

وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَ جَعَلْنََا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (1) ، فأقرّوا بالوحدانيّة للََّه، عزّ و جلّ، ثمّ‏جمعهم جبرائيل و قدّمني فصلّيت بهم ركعتين.

ثمّ انطلق بي جبرائيل إلى الصخرة فصعد بي عليها، فإذا معراج إلى السماء لا ينظر الناظرون إلى شي‏ء أحسن منه و منه تعرج الملائكة، أصله في صخرة بيت المقدس و رأسه ملتصق بالسماء، فاحتملني جبرائيل و وضعني على جناحه و صعد [1] حيّوا لي.

____________

(1) . 45. sv ,43. roc

53

(1) بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟قال: جبرائيل. قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: و قد بعث إليه؟قال: نعم. قيل: مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!ففتح، فدخلنا فإذا أنا برجل تامّ الخلقة عن يمينه باب يخرج منه ريح طيّبة و عن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الّذي عن يمينه ضحك، و إذا نظر إلى الباب الّذي عن يساره بكى. فقلت: من هذا؟ و ما هذان البابان؟فقال: هذا أبوك آدم، و الباب الّذي عن يمينه باب الجنّة، فإذا نظر إلى من يدخلها من ذرّيّته ضحك، و الباب الّذي عن يساره*باب جهنّم‏ (1) ، إذا نظر إلى من يدخلها من ذرّيّته بكى و حزن.

ثمّ صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟قال: جبرائيل.

قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: و قد بعث إليه؟قال: نعم. قيل:

حيّاه اللََّه، مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!ففتح لنا. فدخلنا فإذا بشابّين، فقلت: يا جبرائيل من هذان؟فقال: هذان عيسى بن مريم و يحيى بن زكريّا.

ثمّ صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟قال: جبرائيل.

قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: [و قد بعث إليه؟قال: نعم‏]. قيل:

مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!فدخلنا، فإذا أنا برجل قد فضل الناس بالحسن.

قلت: من هذا يا جبرائيل؟قال: هذا أخوك يوسف.

ثمّ صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟قال: جبرائيل.

قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: و قد بعث إليه؟قال: نعم. قيل:

مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!فدخلنا، فإذا أنا برجل، فقلت: من هذا؟قال:

إدريس رفعه اللََّه مكانا عليّا.

ثمّ صعد بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟قال: جبرائيل.

____________

(1) . النار. B

54

(1) قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: و قد بعث إليه؟قال: نعم. قيل:

مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!فدخلنا، فإذا رجل جالس و حوله قوم يقصّ عليهم. قلت: من هذا؟قال: هذا هارون و الذين حوله بنو إسرائيل.

ثمّ صعد بي إلى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟قال: جبرائيل.

قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: و قد بعث إليه؟قال: نعم. قيل:

مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!فدخلنا، فإذا أنا برجل جالس فجاوزناه، فبكى الرجل، فقلت: يا جبرائيل من هذا؟قال: هذا موسى. قلت: فما باله يبكي؟قال: يزعم بنو (1) إسرائيل أنّي أكرم على اللََّه من آدم، و هذا الرجل من بني آدم قد خلّفني وراءه.

قال: ثمّ صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟قال:

جبرائيل. قيل: و من معك؟قال: محمّد. قيل: و قد بعث إليه؟قال:

نعم. قيل: مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء!فدخلنا، فإذا رجل أشمط جالس على كرسيّ على باب الجنّة و حوله قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس و قوم في ألوانهم شي‏ء، فقام الذين في ألوانهم شي‏ء فاغتسلوا في نهر و خرجوا و قد صارت وجوههم مثل وجوه أصحابهم. فقلت: من هذا؟قال: أبوك إبراهيم، و هؤلاء البيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، و أمّا الذين في ألوانهم شي‏ء فقوم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا[1] فتابوا فتاب اللََّه عليهم، و إذا إبراهيم مستند إلى بيت، فقال: هذا البيت المعمور يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه.

قال: و أخذني جبرائيل فانتهينا إلى سدرة المنتهى و إذا نبقها مثل قلال هجر يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، و نهران ظاهران، فأمّا [1] شيئا. ـ

____________

(1) . لبني. B