الكامل في التاريخ - ج5

- ابن الأثير الجزري المزيد...
613 /
5

الجزء الخامس‏

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

96 ثم دخلت سنة ست و تسعين‏

ذكر فتح قتيبة مدينة كاشغر

و في هذه السنة غزا قتيبة كاشغر، فسار و حمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، فلمّا عبر النهر استعمل رجلا على معبر النهر ليمنع من يرجع إلاّ بجواز منه، و مضى إلى فرغانة و أرسل إلى شعب عصام من يسهّل الطريق إلى كاشغر، و هي أدنى مدائن الصين، و بعث جيشاً مع كبير بن فلان إلى كاشغر، فغنم و سبى سبياً، فختم أعناقهم و أوغل حتّى بلغ قريب الصين.

فكتب إليه ملك الصين: أن ابعث إليّ رجلا شريفاً يخبرني عنكم و عن دينكم. فانتخب قتيبة عشرةً لهم جمال و ألسن و بأس و عقل و صلاح، فأمر لهم بعدّة حسنة و متاع حسن من الخزّ و الوشْي و غير ذلك و خيول حسنة، و كان منهم هبيرة بن مشمرج الكلابيّ، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فأعلموه أنّي قد حلفت أنّي لا أنصرف حتّى أطأ بلادهم و أختم ملوكهم و أجبي خراجهم.

فساروا و عليهم هبيرة، فلمّا قدموا عليهم دعاهم ملك الصين فلبسوا

6

ثياباً بياضاً تحتها الغلائل و تطيبوا و لبسوا النعال و الأردية، و دخلوا عليه و عنده عظماء قومه فجلسوا، فلم يكلّمهم الملك و لا أحد ممّن عنده، فنهضوا.

فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟فقالوا: رأينا قوماً ما هم إلاّ نساء، ما بقي منّا أحد إلاّ انتشر ما عنده.

فلمّا كان الغد دعاهم فلبسوا الوشي و العمائم الخزّ و المطارف و غدوا عليه، فلمّا دخلوا قيل لهم: ارجعوا، و قال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟قالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك‏. فلمّا كان اليوم الثالث دعاهم، فشدّوا سلاحهم و لبسوا البيض و المغافر و أخذوا السيوف و الرماح و القسيّ و ركبوا. فنظر إليهم ملك الصين فرأى مثل الجبل، فلمّا دنوا ركزوا رماحهم و أقبلوا مشمّرين، فقيل لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم و أخذوا رماحهم و دفعوا خيلهم كأنّهم يتطاردون. فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟قالوا:

ما رأينا مثل هؤلاء.

فلمّا أمسى بعث إليهم: أن ابعثوا إليّ زعيمكم. فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد رأيتم عظم ملكي و أنّه ليس أحد منعكم منّي، و أنتم‏[1] في يدي بمنزلة البيضة في كفّي، و إنّي سائلكم عن أمر فإن لم تصدقوني قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم بزيّكم الأوّل اليوم الأوّل و الثاني و الثالث ما صنعتم؟قال أمّا زيّنا اليوم الأوّل فلباسنا في أهلنا، و أمّا اليوم الثاني فزيّنا إذ أمنّا أمراءنا، و أمّا الثالث فزيّنا لعدوّنا. قال: ما أحسن ما دبّرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ينصرف، فإنّي قد عرفت قلّة أصحابه و إلاّ بعثتُ إليكم من يُهلككم. قال: كيف يكون قليل الأصحاب من أوّل خيله في بلادك و آخرها في منابت الزيتون؟و أمّا تخويفك إيانا بالقتل فإنّ لنا آجالا إذا حضرت [1] و أنت.

7

فأكرمها القتل و لسنا نكرهه و لا نخافه، و قد حلف أن لا ينصرف حتّى يطأ أرضكم و يختم ملوككم‏ و يعطى الجزية.

فقال: فإنّا نخرجه من يمينه و نبعث تراب أرضنا فيطأه و نبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم و نبعث إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهديّة و أربعة غلمان من أبناء ملوكهم، ثمّ أجازهم فأحسن، فقدموا على قتيبة، فقبل قتيبة الجزية و ختم الغلمان و ردّهم و وطئ التراب. فقال سوادة بن عبد الملك السّلوليّ:

لا عيب في الوفد الذين بعثتهم # للصين إن سلكوا طريق المنهج‏

كسروا الجفون على القذى خوف الردى # حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج‏

أدّى رسالتك التي استرعيته‏[1] # فأتاك من حنث اليمين بمخرج‏[2]

فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس، فرثاه سوادة فقال:

للََّه درّ هبيرة بن مشمرج # ما ذا تضمّن من ندي و جمال‏

و بديهة يعيا[3] بها أبناؤها # عند احتفال مشاهد الأقوال‏

كان الربيع إذا السيوف‏ (1) تتابعت # و الليث عند تكعكع الأبطال‏

فسقى بقرية حيث أمسى قبره # غرّ يرحن بمسبل هطّال‏

[1] استدعيته.

[2] لمخرج.

[3] تعنى.

____________

(1) . السنون. LDOB

8

بكت الجياد الصافنات لفقده # و بكاه كلّ مثقّف‏ (1) [1] عسّال‏

و بكته شعث لم يجدن مواسياً # في العام ذي السنوات و الإمحال‏ (2) [2]

و وصل الخبر إلى قتيبة في هذه الغزاة بموت الوليد.

و كان قتيبة إذا رجع من غزاته كلّ سنة اشترى اثني عشر فرساً و اثني عشر هجيناً، فتحدر إلى وقت الغزو، فإذا تأهّب للغزو ضمّرها و حمل‏[3] عليها الطلائع، و كان يجعل الطلائع فرسان الناس و أشرافهم و معهم من العجم من يستنصحه، و إذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثمّ شقّه بنصفين و جعل شقّة عنده و يعطي نصفه الطليعة و يأمرهم أن يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة (3) أو غيرهما، ثمّ يبعث بعد الطليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا.

و فيها غزا بشر بن الوليد الشاتية و رجع و قد مات الوليد.

ذكر موت الوليد بن عبد الملك‏

و في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة مات الوليد بن عبد الملك في قول جميعهم، و كانت خلافته تسع سنين و سبعة أشهر، و قيل: تسع‏ (4)

[1] مشعّف.

[2] الأمجال.

[3] و يحمل.

____________

(1) . مهند. LdoB

(2) . العجال. P. C

(3) . مخاضرته. R

(4) . سبع. P. C

9

سنين و ثمانية أشهر، و قيل: و أحد عشر شهرا، و كانت وفاته بدير مرّان، و دفن خارج الباب الصغير، و صلّى عليه عمر بن عبد العزيز، و كان عمره اثنتين و أربعين سنة و ستّة أشهر، و قيل: كان عمره خمساً و أربعين سنة، و قيل: ستّا و أربعين سنة و أشهرا، و قيل: تسعاً و أربعين. و خلف تسعة عشر ابناً، و كان دميماً يتبختر في مشيته، و كان سائل الأنف جدّا، فقيل فيه:

فقدت الوليد و أنفاً له # كمثل الفصيل بدا أن يبولا[1]

و لمّا دلّي في جنازته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: أ عاش أبي؟ فقال له عمر بن عبد العزيز، و كان فيمن دفنه: عوجل و اللََّه أبوك!و اتّعظ به عمر.

ذكر بعض سيرة الوليد

و كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلائفهم، بنى المساجد، مسجد دمشق و مسجد المدينة، على ساكنها السلام، و المسجد الأقصى، و وضع المنائر، و أعطى المجذّمين و منعهم من سؤال الناس، و أعطى كلّ مقعد خادماً و كلّ ضرير قائدا، و فتح في ولايته فتوحاً عظاماً، منها: الأندلس و كاشغر و الهند.

و كان يمرّ بالبقّال فيقف عليه و يأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذه؟فيقول:

بفلس. فيقول: زد فيها.

[1]*بأن يبولا.

10

و كان صاحب بناء و اتخاذ المصانع و الضياع، و كان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضاً عن البناء، و كان سليمان صاحب طعام و نكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن النكاح و الطعام، و كان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، و كان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن الخير ما وردك الليلة و كم تحفظ من القرآن و كم تصوم من الشهر؟ و مرض الوليد مرضة قبل وفاته و أغمي عليه فبقي يومه‏[1] ذلك كأنّه ميت، فبكوا عليه و سارت البرد بموته، فاسترجع الحجّاج و شدّ في يده حبلا إلى أسطوانة و قال: اللََّهمّ لا تسلّط عليّ من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتي قبله!فإنّه كذلك يدعو إذ قدم عليه البريد بإفاقته. و لمّا أفاق الوليد قال: ما أحد أشدّ سرورا بعافيتي من الحجّاج، ثمّ لم يمت حتّى قفل الحجّاج عليه.

و كان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان و يبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان، فكتب إلى عمّاله و دعا الناس إلى ذلك، فلم يجبه إلاّ الحجّاج و قتيبة و خواصّ من الناس، فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم الوليد على المسير إليه ليخلعه و أخرج خيمه، فمات قبل أن يسير إليه.

و لمّا أراد أن يبني مسجد دمشق كان فيه كنيسة فهدمها و بناها مسجدا، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه ذلك فقال لهم عمر: إنّ ما كان خارج المدينة فتح عنوة و نحن نردّ عليكم كنيستكم و نهدم كنيسة توما فإنّها فتحت عنوة و نبنيها مسجدا. فقالوا: بل ندع لكم هذا و دعوا كنيسة توما.

و كان الوليد لحّاناً لا يحسن النحو، دخل عليه أعرابيّ فمتّ إليه بصهر [1] نومه.

11

بينه و بين قرابته، فقال له الوليد: من ختنك؟بفتح النون، و ظنّ الأعرابيّ أنّه يريد الختان، فقال: بعض الأطبّاء. فقال له سليمان: إنّما يريد أمير المؤمنين من ختنك؟و ضمّ النون. فقال الأعرابيّ: نعم فلان، و ذكر ختنه.

و عاتبه أبوه على ذلك و قال: إنّه لا يلي العرب‏ إلاّ من يحسن كلامهم.

فجمع أهل النحو و دخل بيتاً فلم يخرج منه ستّة أشهر ثمّ خرج و هو أجهل منه يوم دخل. فقال عبد الملك: قد أعذر. فقيل: إنّه لمّا ولي الخلافة يختم القرآن في كلّ ثلاث، و كان يقرأ في رمضان كلّ يوم‏ (1) ختمة، و خطب يوماً فقال: يا ليتها كانت القاضية، و ضمّ التاء، فقال عمر بن عبد العزيز:

عليك و أراحتنا منك.

ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك و بيعته‏

و في هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الّذي توفّي فيه الوليد و هو بالرملة.

و فيها عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيّان عن المدينة لسبع بقين من رمضان و استعمل عليها أبا بكر بن محمّد بن حزم، و كان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر و يحلق لحيته من الغد، فلمّا كان الليل جاء البريد إلى أبي بكر بتأميره و عزل عثمان و حدّه، [و أن‏]يقيّده.

و فيها عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق و استعمل يزيد بن المهلّب و جعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج و أمره بقتل بني عقيل و بسط العذاب عليهم و هم أهل الحجّاج، فكان يعذّبهم و يلي عذابهم عبد الملك بن المهلّب، و كان يزيد بن المهلّب قد استعمل أخاه زيادا على حرب عثمان.

____________

(1) . يومين. R

12

ذكر مقتل قتيبة

قيل: و في هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهليّ بخراسان.

و كان سبب قتله أنّ الوليد بن عبد الملك أراد أن ينزع أخاه سليمان من ولاية العهد و يجعل‏[بدله‏]ابنه عبد العزيز، فأجابه إلى ذلك الحجّاج و قتيبة على ما تقدّم. فلمّا مات الوليد و ولي سليمان خافه قتيبة و خاف أن يولّي سليمان يزيد ابن المهلّب خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتاباً يهنّئه بالخلافة و يذكر بلاءه و طاعته لعبد الملك و الوليد و أنّه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان، و كتب إليه كتاباً آخر يعلمه فيه فتوحه و نكايته، و عظم قدره عند ملوك العجم و هيبته في صدورهم، و عظم صولته‏[1] فيهم، و يذمّ أهل المهلّب و يحلف باللََّه لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه. و كتب كتاباً ثالثاً فيه خلعه، و بعث الكتب مع رجل من باهلة فقال له: ادفع الكتاب الأوّل إليه فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثمّ ألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثاني، فإن قرأه و دفعه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثالث، فإن قرأ الكتاب الأوّل و لم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين الآخرين.

فقدم رسول قتيبة فدخل على سليمان و عنده يزيد بن المهلّب فدفع إليه الكتاب، فقرأه و ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الكتاب الآخر فقرأه و ألقاه إلى يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتغيّر لونه و ختمه و أمسكه‏[2] بيده.

و قيل: كان في الكتاب الثالث‏: لئن لم تقرّني على ما كنت عليه و تؤمنني [1] صوته.

[2] و أمسك.

13

لأخلعنّك و لأملأنّها عليك رجالا و خيلا.

ثمّ أمر سليمان برسول قتيبة فأنزل، فأحضره ليلا فأعطاه دنانير جائزته و أعطاه عهد قتيبة على خراسان، و سيّر معه رسولا بذلك، فلمّا كانا[1] بحلوان بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان.

و كان قتيبة لمّا همّ بخلع سليمان استشار إخوته، فقال له أخوه عبد الرحمن:

اقطع بعثاً فوجّه فيه كلّ من تخافه و وجّه قوماً إلى مرو و سر حتّى تنزل سمرقند، و قل لمن معك: من أحبّ المقام فله المراسلة، و من أراد الانصراف فغير مستكره‏ (1) ، فلا يقيم عندك إلاّ مناصح و لا يختلف عليك أحد.

و قال له أخوه عبد اللََّه: اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان. فخلع سليمان مكانه و دعا الناس إلى خلعه و ذكر أثره فيهم و سوء أثر من تقدّمه، فلم يجبه أحد، فغضب و قال: لا أعزّ اللََّه من نصرتم!ثمّ و اللََّه اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها!يا أهل السافلة، و لا أقول يا أهل العالية، أوباش الصدقة*جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة (2) من كلّ أوب!يا معشر بكر بن وائل!يا أهل النفخ و الكذب و البخل!بأيّ يوميكم تفخرون؟بيوم حربكم أو بيوم سلمكم!يا أصحاب مسيلمة!يا بني ذميم، و لا أقول تميم!يا أهل الجور و القصف كنتم تسمّون الغدر في الجاهليّة كيسان‏[2]!يا أصحاب سجاح!يا معشر عبد القيس القساة تبدّلتم بتأبير النخل أعنّة الخيل!يا معشر [1] كان.

[2] لميسان.

____________

(1) . مسكنه. P. C

(2) . R

14

الأزد تبدّلتم بقلوس السفن أعنّة الخيل!إنّ هذا بدعة في الإسلام، الأعراب و ما الأعراب لعنة اللََّه عليهم!يا كناسة المصرين جمعتكم من منابت الشّيح و القيصوم تركبون البقر و الحمر، فلمّا جمعتكم قلتم كيت و كيت!أما و اللََّه إنّي لابن أبيه و أخو أخيه!*و اللََّه لأعصبنّكم عصب السّلمة[1]!إنّ حول الصّلّيان‏[2] لزمزمة!يا أهل خراسان أ تدرون‏[3] من وليكم؟[وليكم‏]يزيد ابن مروان. كأنّي بأمير جاءكم فغلبكم على فيئكم و ظلالكم!ارموا غرضكم القصيّ!حتّى متى يتبطّح أهل الشام بأفنيتكم!يا أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقيّ الأم و المولد و الرأي و الهوى و الدين و قد أصبحتم فيما ترون من الأمن و العافية!قد فتح اللََّه لكم البلاد و آمن سبلكم، فالظعينة[4] تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا اللََّه على العافية و اسألوه الشكر و المزيد.

ثمّ نزل فدخل بيته، فأتاه أهله و قالوا: ما رأيناك كاليوم قطّ، و لاموه.

فقال: لمّا تكلّمت فلم يجبني أحد غضبت فلم أدر ما قلت. و غضب الناس و كرهوا خلع سليمان فأجمعوا على خلع قتيبة و خلافه، و كان أوّل من تكلّم الأزد، فأتوا حضين بن المنذر (بضاد معجمة) ، فقالوا: إنّ هذا قد دعا إلى خلع الخليفة و فيه فساد الدين و الدنيا و قد شتمنا فما ترى؟فقال: إنّ مضر بخراسان كثيرة و تميم أكثرها و هم فرسان خراسان و لا يرضون أن يصير الأمر في غير مضر، فإن أخرجتموهم منه أعانوا قتيبة. فأجابوه إلى ذلك و قالوا: من ترى من تميم؟قال: لا أرى غير وكيع. فقال حيّان النّبطيّ مولى بني شيبان: إنّ أحدا لا يتولّى هذا غير وكيع فيصلي بحرّه و يبذل [1] لأعضبنّكم عضب السلم.

[2] الصلبان.

[3] تغدرون.

[4] الضعينة.

15

دمه و يتعرّض للقتل، فإن قدم أمير أخذه بما جنى، فإنّه لا ينظر في عاقبة و له عشيرة تطيعه و هو موتور يطلب قتيبة برياسته التي‏[1] صرفها عنه و صيّرها لضرار ابن حصين‏ (1) الضّبّيّ.

فمشى الناس بعضهم إلى بعض سرّا، و قيل لقتيبة: ليس يفسد أمر الناس إلاّ حيّان، فأراد أن يغتاله، و كان حيّان‏يلاطف خدم الولاة، فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيّان، و سمع بعض الخدم فأتى حيّان فأخبره، فلمّا جاء رسوله يدعوه تمارض. و أتى الناس وكيعاً و سألوه أن يلي أمرهم ففعل.

و بخراسان يومئذ من أهل البصرة و العالية من المقاتلة تسعة آلاف، و من بكر سبعة آلاف، و رئيسهم حضين بن المنذر، و من تميم عشرة آلاف، و عليهم ضرار بن حصين، و عبد القيس أربعة آلاف، و عليهم عبد اللََّه بن علوان، و الأزد عشرة آلاف، و عليهم عبد اللََّه بن حوذان، و من أهل الكوفة سبعة آلاف، و عليهم جهم بن زحر، و الموالي سبعة آلاف، عليهم حيّان، و هو من الدّيلم، و قيل من خراسان، و إنّما قيل له نبطيّ للكنته.

فأرسل حيّان إلى وكيع: إن أنا كففت عنك و أعنتك أ تجعل لي الجانب الشرقيّ من نهر بلخ خراجه ما دمت حيّا و ما دمت أميرا؟قال: نعم. فقال حيّان للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين فدعوهم يقتل بعضهم بعضاً.

ففعلوا فبايعوا وكيعاً سرّا.

و قيل لقتيبة: إنّ الناس يبايعون وكيعاً. فدسّ ضرار بن سنان الضّبيّ إلى وكيع فبايعه سرّا، فظهر لقتيبة أمره فأرسل يدعوه، فوجده قد طلى رجليه [1] إلى.

____________

(1) . حصن. P. C

16

بمغرة و علّق على رأسه حرزا و عنده رجلان يرقيان رجله، فقال للرسول: قد ترى ما برجلي. فرجع فأخبر قتيبة، فأعاده إليه يقول له: لتأتينّي محمولا.

قال: لا أستطيع. فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتني به فإن أبى فاضرب عنقه، و وجّه معه خيلا، و قيل: أرسل إليه شعبة بن ظهير التميميّ، فقال له وكيع: يا ابن ظهير البث قليلاتلحق‏ (1) الكتائب. و لبس سلاحه و نادى في الناس، فأتوه، و ركب فرسه و خرج، فتلقّاه رجل، فقال:

ممّن أنت؟قال: من بني أسد. قال: ما اسمك؟قال: ضرغامة. قال:

ابن من؟قال: ابن ليث، فأعطاه رايته، و قيل كانت مع عقبة بن شهاب المازنيّ. و أتاه الناس أرسالا من كلّ وجه، فتقدّم بهم و هو يقول:

قرم‏[1] إذا حمّل مكروهة # شدّ الشراسيف‏[2] لها و الحزيم‏

و اجتمع إلى قتيبة أهل بيته و خواصّ أصحابه و ثقاته، منهم إياس بن بيهس بن عمرو، و هو ابن عمّ قتيبة، فأمر قتيبة رجلا فنادى: أين بنو عامر؟فقال له محقّر بن جزء العلائيّ‏ (2) ، و هو قيسيّ أيضا، و كان قتيبة قد جفاهم: نادهم حيث وضعتهم. قال قتيبة: ناد: أذكركم اللََّه و الرّحم.

قال محقّر: أنت قطعتها. قال: ناد: لكم العتبي‏[3]. قال محقّر: لا أقالنا اللََّه إذن، فقال قتيبة عند ذلك:

يا نفس صبرا على ما كان من ألم # إذ لم أجد لفضول العيش أقرانا

[1] قوم.

[2] الشري سيف.

[3] العقبي. ـ

____________

(1) . الحق. P. C

(2) الكلابي. R

17

و دعا ببرذون له مدرّب ليركبه، فجعل يمنعه حتّى أعيا. فلمّا رأى ذلك عاد إلى سريره فجلس عليه و قال: دعوه، إنّ هذا أمر يراد. و جاء حيّان النبطيّ في العجم و قتيبة واجد عليه، فقال عبد اللََّه أخو قتيبة لحيّان: احمل عليهم.

فقال حيّان: لم يأن بعد. فقال عبد اللََّه: ناولني قوسي. فقال حيّان: ليس هذا بيوم قوس. و قال حيّان لابنه: إذا رأيتني قد حوّلت قلنسوتي و مضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إليّ.

فلمّا حوّل حيّان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع و كبّروا.

فبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس، فرماه رجل من بني ضبّة، و قيل من بلعم، فأصاب رأسه، فحمل إلى قتيبة و رأسه مائل فوضع في مصلاّه، و جلس قتيبة عنده ساعة.

و تهايج الناس و أقبل عبد الرحمن أخو قتيبة نحوهم، فرماه أهل السوق و الغوغاء فقتلوه، و أحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة و دوابّه و دنوا منه. فقاتل عنه رجل من باهلة، فقال له قتيبة: أنج بنفسك. فقال: بئس ما جزيتك إذا و قد أطعمتني الجردق‏[1] و ألبستني النّرمق‏[2]. و جاء الناس حتّى بلغوا فسطاطه فقطعوا أطنابه، و جرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم ابن زحر بن قيس لسعد: انزل فخذ رأسه، فنزل سعد فشقّ الفسطاط و احتزّ رأسه و قتل معه من أهل إخوته عبد الرحمن و عبد اللََّه و صالح و حصين و عبد الكريم و مسلم، و قتل كثير ابنه، و قيل: قتل عبد الكريم بقزوين.

و كان عدّة من قتل مع قتيبة من أهل بيته أحد عشر رجلا، و نجا عمر ابن مسلم أخو قتيبة، نجّاه أخواله. و كانت أمّه الغبراء بنت ضرار بن القعقاع [1] الجردوق. (و الجردوق: الرغيف، فارسيّة) .

[2] النمرق. (و النّرمق: الليّن، فارسيّة) .

18

ابن معبد بن زرارة القيسيّة. فلمّا قتل قتيبة صعد وكيع المنبر فقال: مثلي و مثل قتيبة كما قال الأوّل:

من ينك العير ينك نيّاكا

أراد قتيبة قتلى وأنا قتّال

قد جرّبوني ثمّ جرّبوني # من غلوتين و من المئين‏[1]

حتّى إذا شبت و شيّبوني # خلّوا عناني و تنكبوني‏

أنا أبو مطرّف!ثمّ قال:

أنا ابن خندف تنميني‏[2] قبائلها # بالصالحات و عمّي قيس عيلانا

ثمّ أخذ بلحيته فقال:

شيخ إذا حمّل مكروهة # شدّ الشّراسيف‏[3] لها و الحزيم‏

و اللََّه لأقتلنّ ثمّ لأقتلنّ!و لأصلبنّ ثمّ لأصلبنّ!إنّ مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى أسعاركم!و اللََّه ليصيّرنّ‏[4] القفيز بأربعة دراهم أو لأصلبنّه! صلّوا على نبيّكم. ثمّ نزل، و طلب وكيع رأس قتيبة و خاتمه، فقيل له:

إنّ الأزد أخذته. فخرج وكيع مشهرا و قال: و اللََّه الّذي لا إله إلاّ هو لا أبرح حتّى أوتى بالرأس أو يذهب رأسي معه. فقال له حضين: اسكن يا أبا مطرّف فإنّك تؤتى به. و ذهب حضين إلى الأزد، و هو سيّدهم، فأمرهم [1] المائتين.

[2] تمنيني.

[3] الشري سيف.

[4] ليضربنّ.

19

بتسليم الرأس إلى وكيع، فسلّموه إليه، فسيّره إلى سليمان‏مع نفر ليس فيهم تميميّ، و وفى وكيع لحيّان النبطيّ بما كان ضمن له.

فلمّا أتي سليمان برأس قتيبة و رءوس أهله كان عنده الهذيل بن زفر ابن الحارث، فقال له: هل ساءك هذا يا هذيل؟فقال: لو ساءني لساء قوما كثيرا. فقال سليمان: ما أردت هذا كلّه. و إنّما قال سليمان هذا للهذيل لأنّه هو و قتيبة من قيس عيلان، ثمّ أمر بالرءوس فدفنت، و لمّا قتل قتيبة قال رجل من أهل خراسان: يا معشر العرب قتلتم قتيبة، و اللََّه لو كان منّا فمات لجعلناه في تابوت فكنّا نستسقي به و نستفتح به إذا غزونا، و ما صنع أحد بخراسان قطّ ما صنع قتيبة إلاّ أنّه غدر، و ذلك أنّ الحجّاج كتب إليه:

أن اختلهم‏[1] و اقتلهم للََّه.

و قال الأصبهبذ: قتلتم قتيبة و يزيد بن المهلّب و هما سيّدا العرب. قيل له: أيّهما كان أعظم عندكم و أهيب؟قال: لو كان قتيبة بأقصى جحر[2] في الغرب مكبّلا و يزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة أهيب في صدورنا و أعظم من يزيد. و قال الفرزدق في ذلك:

أتاني و رحلي في المدينة وقعة # لآل تميم أقعدت كلّ قائم‏

و قال عبد الرحمن بن جمانة الباهليّ يرثي قتيبة:

كأنّ أبا حفص قتيبة لم يسر # بجيش إلى جيش و لم يعل منبرا

و لم تخفق الرايات و الجيش حوله # وقوف و لم يشهد له الناس عسكرا

دعته المنايا فاستجاب لربّه # و راح إلى الجنّات عفّا مطهّرا

[1] احتلهم.

[2] حجر.

20

فما رزئ الإسلام بعد محمّد # بمثل أبي حفص فبكّيه عبهرا

و عبهر أمّ ولد له. قيل: و قال شيوخ من غسّان: كنّا بثنيّة العقاب إذا نحن برجل معه عصا و جراب، قلنا: من أين أقبلت؟قال: من خراسان.

قلنا: هل كان بها من خبر؟قال: نعم، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس. فعجبنا لقوله، فلمّا رأى إنكارنا قال: أين يروني الليلة من إفريقية؟و تركنا و مضى، فاتبعناه على خيولنا فإذا هو يسبق الطرف.

ذكر عدّة حوادث‏

قيل: و في هذه السنة مات قرّة بن شريك العبسيّ‏[1] أمير مصر في صفر، و قيل: مات سنة خمس و تسعين في الشهر الّذي مات فيه الحجّاج.

و حجّ بالنّاس هذه السنة أبو بكرة بن محمّد بن عمرو بن حزم، و هو أمير المدينة، و كان على مكّة عبد العزيز بن عبد اللََّه بن خالد بن أسيد (بفتح الهمزة و كسر السين) . و على حرب العراق و صلاتها يزيد بن المهلّب. و على خراجها صالح بن عبد الرحمن. و على البصرة سفيان بن عبد اللََّه الكنديّ من قبل يزيد ابن المهلّب. و على قضائها عبد الرحمن بن أذينة. و على قضاء الكوفة أبو بكر ابن أبي موسى. و على حرب خراسان وكيع بن أبي سود.

و فيها مات شريح القاضي، و قيل سنة سبع و تسعين، و له مائة و عشرون سنة. و فيها مات عبد الرحمن بن أبي بكرة. و محمود بن لبيد الأنصاريّ، و له صحبة. و في ولاية الوليد مات عبد اللََّه بن محيريز[2]، قيل له صحبة. و أبو [1] القيسيّ.

[2] محيزيز.

21

سعيد المقبريّ، كان يسكن المقابر فنسب إليها. و فيها توفّي إبراهيم بن يزيد النّخعيّ الفقيه. و إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف و له خمس و سبعون سنة.

و فيها توفّي عبد اللََّه بن عمر بن عثمان بن عفّان في أيّام الوليد بن عبد الملك.

و فيها توفّي محمّد بن أسامة بن زيد بن حارثة، و عبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ‏.

22

97 ثم دخلت سنة سبع و تسعين‏

ذكر مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير

و كان سبب قتله أنّ أباه استعمله على الأندلس، كما ذكرنا، عند عوده إلى الشام، فضبطها و سدّد أمورها و حمى ثغورها، و افتتح في إمارته مدائن بقيت بعد أبيه، و كان خيّرا فاضلا، و تزوّج امرأة رذريق، فحظيت عنده و غلبت عليه فحملته على أن‏يأخذ أصحابه و رعيّته بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كان يفعل لزوجها رذريق. فقال لها: إنّ ذلك ليس في ديننا. فلم تزل به حتّى أمر ففتح باب قصير لمجلسه الّذي كان يجلس فيه، فكان أحدهم إذا دخل منه طأطأ رأسه فيصير كالراكع، فرضيت به، فصار كالسجود عندها، فقالت له: الآن لحقت بالملوك و بقي أن أعمل لك تاجا ممّا عندي من الذهب و اللؤلؤ، فأبى، فلم تزل به حتّى فعل. فانكشف ذلك للمسلمين فقيل تنصّر، و فطنوا للباب فثاروا عليه فقتلوه في آخر سنة سبع و تسعين. و قيل: إنّ سليمان ابن عبد الملك بعث إلى الجند في قتله عند سخطه على والده موسى بن نصير، فدخلوا عليه و هو في المحراب فصلّى الصبح و قد قرأ الفاتحة و سورة الواقعة فضربوه بالسيوف ضربة واحدة و أخذوا رأسه فسيّروه إلى سليمان، فعرضه سليمان على أبيه، فتجلّد للمصيبة و قال: هنيئا له بالشهادة فقد قتلتموه و اللََّه صوّاما قوّاما. و كانوا يعدّونها من زلاّت سليمان. و كان قتله على هذه الرواية سنة ثمان و تسعين في آخرها.

23

ثمّ إنّ سليمان ولّى الأندلس الحرّ بن عبد الرحمن الثّقفيّ، فأقام واليا عليها إلى أن استخلف عمر بن عبد العزيز فعزله، هذا آخر ما أردنا ذكره من قتل عبد العزيز على سبيل الاختصار.

و فيها عزل سليمان بن عبد الملك عبد اللََّه بن موسى بن نصير عن إفريقية و استعمل عليها محمّد بن يزيد القرشيّ‏ (1) ، فلم يزل عليها حتّى مات سليمان فعزل، فاستعمل عمر بن عبد العزيز مكانه إسماعيل بن عبيد اللََّه سنة مائة، و كان حسن السيرة، فأسلم البربر في أيّامه جميعهم.

ذكر ولاية يزيد بن المهلّب خراسان‏

و كان السبب في ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لمّا ولّى يزيد العراق فوّض إليه حربها و الصلاة بها و خراجها، فنظر يزيد لنفسه و قال: إنّ العراق قد أخربها الحجّاج و أنا اليوم رجل أهل العراق و متى قدمتها و أخذت الناس بالخراج و عذبتهم على ذلك صرت مثل الحجّاج و أعدت عليهم السجون و ما عافاهم اللََّه منه، و متى لم آت سليمان بمثل ما كان الحجّاج أتى به لم يقبل منّي.

فأتى يزيد سليمان و قال: أدلّك على رجل بصير بالخراج تولّيه إيّاه؟قال:

نعم. قال: صالح بن عبد الرحمن مولى‏[بني‏]تميم، فولاّه الخراج و سيّره قبل يزيد، فنزل واسطا، و أقبل يزيد، فخرج الناس يتلقّونه، و لم يخرج صالح حتّى قرب يزيد، فخرج صالح في الدّرّاعة بين يديه أربعمائة من أهل الشام فلقي يزيد و سايره، فنزل يزيد، و ضيّق عليه صالح فلم يمكنه من شي‏ء، و اتّخذ[يزيد]ألف خوان يطعم الناس عليها، فأخذها صالح، فقال يزيد:

____________

(1) . الهشرشي. P. C

24

اكتب ثمنها[1] عليّ. و اشترى يزيد متاعا و كتب صكّا بثمنه إلى صالح، فلم يقبله و قال ليزيد: إنّ الخراج لا يقوم بما تريد و لا يرضى بهذا أمير المؤمنين و تؤخذ به. فضاحكه يزيد و قال: أجر هذا المال هذه المرّة و لا أعود. ففعل صالح.

و كان سليمان لم يجعل خراسان إلى يزيد، فضجر يزيد من العراق لتضييق صالح عليه، فدعا عبد اللََّه بن الأهتم فقال له: إنّي أريدك لأمر قد أهمّني فأحبّ‏[2] أن تكفينيه. قال: أفعل. قال: أنا فيما ترى من الضيق و قد ضجرت منه و خراسان شاغرة برجلها فهل من حيلة؟قال: نعم، سرّحني إلى أمير المؤمنين. قال: فأكتم ما أخبرتك. و كتب إلى سليمان يخبره بحال العراق و أثنى على ابن الأهتم و ذكر علمه بها، و سيّر ابن الأهتم على البريد.

فأتى سليمان و اجتمع به، فقال له سليمان: إنّ يزيد كتب إليّ يذكر علمك بالعراق و خراسان، فكيف علمك بها؟قال: أنا أعلم الناس بها، بها ولدت و بها نشأت ولي بها و بأهلها خبر و علم. قال: فأشر عليّ برجل أولّيه خراسان. قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد، فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيي فيه. فسمّى رجلا من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان. قال:

فعبد الملك بن المهلّب. قال: لا يصلح فإنّه يصبو عن هذا فليس له مكر أبيه و لا شجاعة أخيه. حتّى عدّد رجالا، و كان آخر من ذكر وكيع بن أبي سود، فقال: يا أمير المؤمنين وكيع رجل شجاع صارم رئيس مقدام، و ما أحد أوجب شكرا و لا أعظم عندي يدا من وكيع، لقد أدرك بثأري و شفاني من عدوّي، و لكنّ أمير المؤمنين أعظم حقّا و النصيحة له تلزمني، إنّ وكيعا لم تجتمع له مائة عنان قطّ إلاّ حدّث نفسه بغدرة، خامل في الجماعة ثابت‏ (1)

[1] ثلثها.

[2] فأجب.

____________

(1) نابه. LdoB

25

في الفتنة، قال: ما هو ممّن تستعين به، فمن لها ويحك؟قال: رجل أعلمه لم يسمّه أمير المؤمنين. قال: فمن هو؟قال: لا أذكره حتّى يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك و أن يجيرني منه إن علم. قال: نعم. قال: يزيد بن المهلّب. قال: العراق أحبّ إليه من خراسان. قال ابن الأهتم: قد علمت و لكن تكرهه فيستخلف على العراق و يسير. قال: أصبت‏[1] الرأي. فكتب عهد يزيد على خراسان و سيّره مع ابن الأهتم، فأتى يزيد به فأمره بالجهاز للمسير ساعته، و قدّم ابنه مخلدا إلى خراسان من يومه، ثمّ سار يزيد بعده و استخلف على واسط الجرّاح بن عبد اللََّه الحكميّ، و استعمل على البصرة عبد اللََّه بن هلال الكلابيّ، و جعل أخاه مروان بن المهلّب على حوائجه و أموره بالبصرة، و كان أوثق إخوته عنده، و استخلف بالكوفة حرملة بن عمير اللخميّ أشهرا ثمّ عزله، و ولّى بشير بن حيّان النّهديّ. و كانت قيْس تزعم أنّ قتيبةلم يخلع، فلمّا سار يزيد إلى خراسان أمره سليمان أن يسأل عن قتيبة فإن أقامت قيس البيّنة أنّ قتيبة لم يخلع أن يقيد وكيعا به، و لمّا وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه فحبسه و عذبه و أخذ أصحابه و عذّبهم قبل قدوم أبيه، و كانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر. ثمّ قدم يزيد في هذه السنة خراسان فأدنى‏[2] أهل الشام و قوما من أهل خراسان، فقال نهار بن توسعة في ذلك:

و ما كنّا نؤمّل من أمير # كما كنّا نؤمّل من يزيد

فأخطأ ظنّنا فيه و قدما # زهدنا في معاشرة الزهيد

إذا لم يعطنا نصفا أمير # مشينا نحوه مشي الأسود

فمهلا يا يزيد أنب إلينا # و دعنا من معاشرة العبيد

[1] أصبنا.

[2] فآذى.

26

نجي‏ء[1] و لا نرى إلاّ صدودا # على أنّا نسلّم من بعيد (1)

و نرجع خائبين بلا نوال # فما بال‏[2] التجهّم و الصدود

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة جهّز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينيّة و استعمل ابنه داود على الصائفة فافتتح حصن المرأة. و فيها غزا مسلمة أرض الوضّاحيّة ففتح الحصن الّذي فتحه الوضّاح صاحب الوضّاحيّة. و فيها غزا عمر بن هبيرة أرض الروم في البحر فشتّى فيها. و فيها حجّ سليمان بن عبد الملك بالناس.

و فيها عزل داود بن طلحة الحضرميّ عن مكّة، و كان عمله عليها ستّة أشهر، و ولي عبد العزيز بن عبد اللََّه بن خالد. و كان عمّال الأمصار من تقدّم ذكرهم.

و فيها مات عطاء بن يسار، و قيل سنة ثلاث و مائة. و فيها مات موسى ابن نصير الّذي فتح الأندلس، و كان موته بطريق مكّة مع سليمان بن عبد الملك. و فيها توفّي قيس بن أبي حازم البجليّ و قد جاوز مائة سنة، و جاء إلى النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، ليسلم، فرآه قد توفّي، و روى عن العشرة، و قيل: لم يرو عن عبد الرحمن بن عوف، و ذهب عقله في آخر عمره.

(حازم بالحاء المهملة و الزاي المعجمة) .

و فيها توفّي سالم بن أبي الجعد مولى أشجع، و اسم أبي الجعد رافع.

[1] يجبى.

[2] نال.

____________

(1) . R. mO

27

98 ثم دخلت سنة ثمان و تسعين‏

ذكر محاصرة القسطنطينيّة

في هذه السنة سار سليمان بن عبد الملك إلى دابق و جهّز جيشا مع أخيه مسلمة بن عبد الملك ليسير إلى القسطنطينية، و مات ملك الروم، فأتاه أليون من أذربيجان فأخبره، فضمن له فتح الروم، فوجّه مسلمة معه، فسارا إلى القسطنطينيّة، فلمّا دنا منها أمر كلّ فارس أن يحمل معه مدين من طعام على عجز فرسه إلى القسطنطينيّة، ففعلوا، فلمّا أتاها أمر بالطعام‏ فألقي أمثال الجبال، و قال للمسلمين: لا تأكلوا[1] منه شيئا و أغيروا في أرضهم و ازرعوا.

و عمل بيوتا من خشب، فشتّى فيها و صاف، و زرع الناس، و بقي الطعام في الصحراء و الناس يأكلون ما أصابوا من الغارات و من الزرع، و أقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس خالد بن معدان و مجاهد بن جبر و عبد اللََّه بن أبي زكريّا (1) الخزاعيّ و غيرهم.

فأرسل الروم إلى مسلمة يعطونه عن كلّ رأس دينارا، فلم يقبل.

فقالت الروم لأليون: إن صرفت عنّا المسلمين ملّكناك. فاستوثق منهم، فأتى مسلمة فقال له: إنّ الروم قد علموا أنّك لا تصدقهم القتال و أنّك [1]يأكلوا.

____________

(1) . بكر. P. C

28

تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم. فأمر به فأحرق، فقوي الروم*و ضاق المسلمون‏[1] حتّى كادوا يهلكون، و بقوا على ذلك حتّى مات سليمان. و قيل: إنّما خدع أليون مسلمة بأن يسأله أن يدخل الطعام إلى الروم بمقدار ما يعيشون به ليلة واحدة ليصدّقوه أنّ أمره و أمر مسلمة واحد و أنّهم في أمان من السبي و الخروج من بلادهم، فأذن له، و كان أليون قد أعدّ السفن و الرجال، فنقلوا تلك الليلة الطعام، فلم يتركوا في تلك الحظائر إلاّ ما لا يذكر، و أصبح أليون محاربا، و قد خدع خديعة لو كانت امرأة لعيبت بها، و لقي الجند ما لم يلقه جيش آخر، حتّى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، و أكلوا الدوابّ و الجلود و أصول الشجر و الورق و كلّ شي‏ء غير التراب، و سليمان مقيم بدابق، و تولّى الشتاء فلم يقدر أن يمدّهم حتّى مات.

و في هذه السنة بايع سليمان لابنه أيّوب بولاية العهد، فمات أيّوب قبل أبيه.

و في هذه السنة فتحت مدينة الصّقالبة، و كانت‏[2] برجان قد أغارت على مسلمة ابن عبد الملك و هو في قلّة، فكتب إلى سليمان يستمدّه، فأمدّه، فمكرت بهم الصقالبة ثمّ انهزموا. و فيها غزا الوليد بن هشام و عمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل أنطاكية، و أصاب الوليد ناسا من ضواحي الروم و أسر منهم بشرا كثيرا.

[1] و صاب المسلمين.

[2] و كان.

29

ذكر فتح جرجان و طبرستان‏

في هذه السنة غزا يزيد بن المهلّب جرجان و طبرستان لمّا قدم خراسان.

و سبب غزوهما و اهتمامه بهما أنّه لمّا كان عند سليمان بن عبد الملك بالشام‏كان سليمان كلّما فتح قتيبة فتحا يقول ليزيد: ألا ترى إلى ما يفتح اللََّه على قتيبة؟فيقول يزيد: ما فعلت‏ (1) جرجان*التي قطعت الطريق و أفسدت قومس و نيسابور و يقول: هذه الفتوح ليست بشي‏ء، الشان هي جرجان.

فلمّا ولاّه سليمان خراسان لم يكن له همّة غير جرجان‏ (2) ، فسار إليها في مائة ألف من أهل الشام و العراق و خراسان سوى الموالي و المتطوّعة، و لم تكن جرجان يومئذ مدينة إنّما هي جبال و مخارم و أبواب يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد. فابتدأ بقهستان فحاصرها، و كان أهلها طائفة من الترك، و أقام عليها، و كان أهلها يخرجون و يقاتلون فيهزمهم المسلمون في كلّ ذلك، فإذا هزموا دخلوا الحصن. فخرجوا ذات يوم و خرج إليهم الناس فاقتتلوا قتالا شديدا، فحمل محمّد بن أبي سبرة على تركيّ قد صدّ الناس عنه فاختلفا ضربتين، فثبت سيف التركيّ في بيضة ابن أبي سبرة، و ضربه ابن أبي سبرة فقتله و رجع و سيفه يقطر دما و سيف التركيّ في بيضته، فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه.

و خرج يزيد بعد ذلك يوما ينظر مكانا يدخل منه عليهم، و كان في أربعمائة من وجوه الناس و فرسانهم، فلم يشعروا حتّى هجم عليهم الترك في نحو أربعة آلاف فقاتلوهم ساعة، و قاتل يزيد قتالا شديدا، فسلموا و انصرفوا،

____________

(1) . فقلت. P. C

(2) . R. mO

30

و كانوا قد عطشوا، فانتهوا إلى الماءفشربوا، و رجع عنهم العدوّ.

ثمّ إن يزيد ألحّ عليهم في القتال و قطع عنهم الموادّ حتّى ضعفوا و عجزوا.

فأرسل صول، دهقان قهستان، إلى يزيد يطلب منه أن يصالحه و يؤمنه على نفسه و أهله و ماله ليدفع إليه المدينة بما فيها، فصالحه و وفى له و دخل المدينة فأخذ ما كان فيها من الأموال و الكنوز و السبي ما لا يحصى، و قتل أربعة عشر ألف تركيّ صبرا، و كتب إلى سليمان بن عبد الملك بذلك.

ثمّ خرج حتّى أتى جرجان، و كان أهل جرجان قد صالحهم سعيد بن العاص، و كانوا يجبون أحيانا مائة ألف و أحيانا مائتي ألف و أحيانا ثلاثمائة ألف، و ربّما أعطوا ذلك و ربّما منعوه، ثمّ امتنعوا و كفروا فلم يعطوا خراجا، و لم يأت جرجان بعد سعيد أحد و منعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان أحد إلاّ على فارس و كرمان. و أوّل من صيّر الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. و بقي أمر جرجان كذلك حتّى ولي يزيد و أتاهم فاستقبلوه بالصلح و زادوه و هابوه، فأجابهم إلى ذلك و صالحهم.

فلمّا فتح قهستان و جرجان طمع في طبرستان أن يفتحها فعزم على أن يسير إليها، فاستعمل عبد اللََّه بن المعمّر اليشكريّ على الساسان و قهستان و خلّف معه أربعة آلاف، ثمّ أقبل إلى أداني جرجان ممّا يلي طبرستان فاستعمل على ايذوسا (1) راشد بن عمرو و جعله في أربعة آلاف و دخل بلاد طبرستان، فأرسل إليه الأصبهبذ صاحبها يسأله الصلح و أن يخرج من طبرستان، فأبى يزيد و رجا أن يفتتحهاو وجّه أخاه أبا عيينة من وجه و ابنه خالد بن يزيد من وجه و أبا الجهم الكلبيّ من وجه، و قال: إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس. فسار أبو عيينة و أقام يزيد معسكرا.

ـ

____________

(1) . أندوسا. Rte. idoB

31

و استجاش الأصبهبذ أهل جيلان و الديلم فأتوه فالتقوا في سفح جبل‏ (1) ، فانهزم المشركون في الجبل، فاتبعهم المسلمون حتّى انتهوا إلى فم الشّعب، فدخله المسلمون و صعد المشركون في الجبل و اتبعهم المسلمون يرومون الصعود، فرماهم العدوّ بالنّشّاب و الحجارة، فانهزم أبو عيينة و المسلمون يركب بعضهم بعضا يتساقطون في الجبل حتّى انتهوا إلى عسكر يزيد، و كفّ عدوّهم عن اتباعهم و خافهم الأصبهبذ، فكان أهل جرجان و مقدّمهم المرزبان يسألهم أن يبيّتوا من عندهم من المسلمين و أن يقطعوا عن يزيد المادّة و الطريق فيما بينه و بين بلاد الإسلام و يعدهم أن يكافئهم على ذلك، فثاروا بالمسلمين فقتلوهم أجمعين و هم غارّون في ليلة، و قتل عبد اللََّه بن المعمّر و جميع من معه فلم ينج منهم أحد، و كتبوا إلى الأصبهبذ بأخذ المضايق و الطرق.

و بلغ ذلك يزيد و أصحابه فعظم عليهم و هالهم، و فزع يزيد إلى حيّان النبطيّ و قال له: لا يمنعك ما كان منّي إليك من نصيحة المسلمين و قد جاءنا عن جرجان ما جاءنا فاعمل في الصلح. فقال: نعم. فأتى حيّان الأصبهبذ فقال: أنا رجل منكم و إن كان الدين فرّق بيني و بينكم، فأنا لكم ناصح، فأنت‏أحبّ إليّ من يزيد و قد بعث يستمدّ و أمداده منه قريبة، و إنّما أصابوا منه طرفا و لست آمن أن يأتيك من لا تقوم له، فأرح نفسك و صالحه، فإن صالحته صيّر حدّه على أهل جرجان بغدرهم و قتلهم أصحابه. فصالحه على سبعمائة ألف، و قيل خمسمائة ألف و أربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين، و أربعمائة رجل، على كلّ رجل منهم ترس و طيلسان، و مع كلّ رجل جام من فضّة و خرقة حرير و كسوة. ثمّ رجع حيّان إلى يزيد فقال: أبعث من *يحمل صلحهم‏ (2) ، فقال: من عندهم أو من عندنا؟قال: من عندهم، و كان يزيد قد طابت نفسه أن يعطيهم ما سألوا و يرجع إلى جرجان، فأرسل

____________

(1) سنه جيل. P. C ، سند جيل. R

(2) يحملهم. R

32

يزيد من يقبض ما صالحهم عليه حيّان، فانصرف إلى جرجان. و كان يزيد قد أغرم حيّان مائتي ألف درهم، و سبب ذلك أنّ حيّان كتب إلى مخلد ابن يزيد، فبدأ بنفسه، فقال له ابنه مقاتل بن حيّان: تكتب إلى مخلد و تبدأ بنفسك. قال: نعم، و إن لم يرض لقي ما لقي قتيبة. فبعث مخلد الكتاب إلى أبيه يزيد، فأغرمه مائتي ألف درهم.

و قيل: إن سبب مسير يزيد إلى جرجان أنّ صولا التركيّ كان ينزل قهستان و البحيرة، و هي جزيرة في البحر بينها و بين قهستان خمسة فراسخ، و هما من جرجان ممّا يلي خوارزم، و كان يغير على فيروز[بن‏]قول مرزبان جرجان فيصيب من بلاده. فخافه فيروز فسار إلى يزيد بخراسان و قدم عليه، فسأله عن سبب قدومه، فقال: خفت صولا فهربت منه، و أخذ صول جرجان.

فقال يزيد لفيروز، هل من حيلة لقتاله؟قال: نعم، شي‏ء واحد إن ظفرت به قتلته و أعطى بيده. قال: ما هو؟قال: تكتب إلى الأصبهبذ كتابا تسأله فيه أن يحتال لصول حتّى يقيم بجرجان و اجعل له على ذلك جعلا، فإنّه يبعث بكتابك إلى صول يتقرّب‏[به‏]إليه فيتحوّل‏[1] عن جرجان فينزل البحيرة، و إن تحوّل عن جرجان و حاصرته ظفرت به. ففعل يزيد ذلك و ضمن للأصبهبذ خمسين ألف دينار إن هو حبس صولا عن البحيرة ليحاصره بجرجان، فأرسل الأصبهبذ الكتاب إلى صول، فلمّا أتاه الكتاب رحل إلى البحيرة ليتحصّن بها، و بلغ يزيد مسيره فخرج إلى جرجان و معه فيروز، و استعمل على خراسان ابنه مخلدا، و على سمرقند و كشّ و نسف و بخارى ابنه معاوية، و على طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلّب، و أقبل حتّى أتى جرجان فدخلها و لم يمنعه منها أحد، و سار منها إلى البحيرة فحصر صولا بها، فكان يخرج إليه صول فيقاتله ثمّ [1] فتحول.

33

يرجع‏ (1) ، فمكثوا بذلك ستّة أشهر، فأصابهم مرض و موت، فأرسل صول يطلب الصلح على نفسه و ماله و ثلاثمائة من أهله و خاصّته‏و يسلّم إليه البحيرة، فأجابه يزيد، فخرج بماله و ثلاثمائة ممّن أحبّ.

و قتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفا صبرا و أطلق الباقين. و طلب الجند أرزاقهم فقال لإدريس بن حنظلة العمّيّ: أحص لنا ما في البحيرة حتّى نعطي الجند. فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: لا أستطيع ذلك و هو في ظروف، فتحصى الجواليق و يعلّم ما فيها و يعطى الجند فمن أخذ شيئا عرّفنا ما أخذ من الحنطة و الشعير و الأرزّ و السمسم و العسل، ففعلوا ذلك و أخذوا شيئا كثيرا، و كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلّب، فرفعوا عليه أنّه أخذ خريطة، فسأله يزيد عنها، فأتاه بها فأعطاها شهرا، فقال بعضهم.

لقد باع شهر دينه بخريطة # فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر

و قال مرّة الحنفيّ:

و يا ابن المهلّب ما أردت إلى امرئ # لولاك كان كصالح القرّاء

و أصاب يزيد بجرجان تاجا فيه جوهر فقال: أ ترون أحدا يزهد في هذا؟ قالوا: لا. فدعا محمّد بن واسع الأزديّ فقال: خذ هذا التاج. قال: لا حاجة لي فيه. قال: عزمت عليك. فأخذه، فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به، فلقي سائلا فدفعه إليه، فأخذ الرجل السائل و أتى به يزيد و أخبره، فأخذ يزيد التاج و عوّض السائل مالا كثيرا.

3*5.

____________

(1) رجع. R

34

ذكر فتح جرجان الفتح الثاني‏

قد ذكرنا فتح جرجان و قهستان و غدر أهل جرجان، فلمّا صالح يزيد أصبهبذ طبرستان سار إلى جرجان و عاهد اللََّه تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتّى يطحن بدمائهم و يأكل من ذلك الطحين. فأتاها و حصر أهلها بحصن فجاه و من يكون بها لا يحتاج إلى عدّة من طعام و شراب، فحصرهم يزيد فيها سبعة أشهر و هم يخرجون إليه في الأيّام فيقاتلونه و يرجعون.

فبينا هم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيّد، و قيل: رجل من طيِّئ، فأبصر و علا في الجبل و لم يشعر حتّى هجم على عسكرهم فرجع كأنّه يريد أصحابه و جعل يخرق قباءه و يعقد على الشجر علامات، فأتى يزيد فأخبره، فضمن له يزيد دية إن دلّهم على الحصن، فانتخب معه ثلاثمائة رجل و استعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد و قال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبنّ على الموت، و إيّاك أن أراك عندي مهزوما. و ضمّ إليه جهم بن زحر، و قال للرجل:

متى تصلون؟قال: غدا العصر. قال يزيد: سأجهد[1] على مناهضتهم‏ (1) عند الظهر.

فساروا فلمّا كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كلّ حطب كان عندهم، فصار مثل الجبال من النيران، فنظر العدوّ إلى النيران فهالهم ذلك فخرجوا إليهم، و تقدّم يزيد إليهم فاقتتلوا، و هجم أصحاب يزيد الذين ساروا على عسكر الترك قبل العصر و هم آمنون من ذلك الوجه، و يزيد يقاتلهم من هذا الوجه، [1] نناجد.

____________

(1) مجاهدتهم. R

35

فما شعروا إلاّ بالتكبير من ورائهم، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، و ركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم و نزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريّهم و قتل مقاتلتهم و صلبهم فرسخين إلى يمين الطريق و يساره و قاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان و قال: من طلبهم بثأر فليقتل. فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة و الخمسة، و أجرى الماء على الدم و عليه أرحاء ليطحن بدمائهم ليبرّ يمينه، فطحن و خبز و أكل، و قيل: قتل منهم أربعين ألفا.

و بنى مدينة جرجان، و لم تكن بنيت قبل ذلك مدينة، و رجع إلى خراسان و استعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفيّ، و قيل: بل قال يزيد لأصحابه لمّا ساروا: إذا وصلتم إلى المدينة انتظروا فإذا كان السّحر كبّروا و اقصدوا الباب فستجدونني قد نهضت بالناس إليه. فلمّا دخل ابن زحر المدينة أمهل حتّى كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها فكبّر، ففزع أهل الحصن، و كان أصحاب يزيد لا يلقون أحدا إلاّ قتلوه، و دهش الترك فبقوا لا يدرون أين يتوجّهون، و سمع يزيد التكبير فسار في الناس إلى الباب‏فلم يجد عنده أحدا يمنعه و هم مشغولون بالمسلمين، فدخل الحصن من ساعته و أخرج من فيه و صلبهم فرسخين من يمين الطريق و يساره، فصلبهم أربعة فراسخ، و سبى أهلها و غنم ما فيها، و كتب إلى سليمان بالفتح يعظّمه و يخبره أنّه قد حصل عنده من الخمس ستّمائة ألف ألف، فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قرّة مولى بني سدوس: لا تكتب تسمية المال فإنّك من ذلك بين أمرين، إمّا استكثره فأمرك بحمله و إمّا سمحت نفسه لك به فأعطاكه، فتكلّف الهديّة، فلا يأتيه‏[1] من قبلك شي‏ء إلاّ استقلّه، فكأنّي بك قد استغرقت‏ (1) ما سمّيت [1] تأتيه.

____________

(1) استعرفت. P. C

36

و لم يقع منه موقعا و يبقى المال الّذي سمّيت مخلدا في دواوينهم‏[1]، فإن ولي وال بعده أخذك به، و إن ولي من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه، و لكن اكتب فسله القدوم و شافهه بما أحببت فهو أسلم. فلم يقبل منه و أمضى الكتاب، و قيل:

كان المبلغ أربعة آلاف ألف.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة توفّي أيّوب بن سليمان بن عبد الملك و هو وليّ عهد. و فيها فتحت مدينة الصّقالبة، و قيل غير ذلك، و قد تقدّم. و فيها غزا داود بن سليمان أرض الروم ففتح حصن المرأة ممّا يلي ملطية (1) . و فيها كانت الزلازل في الدنيا كثيرة و دامت ستّة أشهر. و فيها مات عبيد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبة ابن مسعود و أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، و يعرف بمولى ابن أزهر.

و عبد الرحمن بن زيد[2] بن حارثة (2) الأنصاريّ. و سعيد بن مرجانة مولى قريش، و هي أمّه، و اسم أبيه عبد اللََّه.

و حجّ بالناس عبد العزيز بن عبد اللََّه بن خالد بن أسيد، و هو أمير على مكّة، و كان العمّال من تقدّم ذكرهم إلاّ البصرة، فإنّ يزيد استعمل عليها سفيان بن عبد اللََّه الكنديّ.

[1] دوائهم.

[2] يزيد.

____________

(1) ملطيّة. R

(2) خارجة. DDOC

37

99 ثم دخلت سنة تسع و تسعين‏

ذكر موت سليمان بن عبد الملك‏

في هذه السنة توفّي سليمان بن عبد الملك بن مروان لعشر بقين من صفر، فكانت خلافته سنتين و خمسة أشهر و خمسة أيّام، و قيل توفّي فيها لعشر مضين من صفر، فتكون ولايته سنتين و ثمانية أشهر إلاّ خمسة أيّام، و صلّى عليه عمر بن عبد العزيز. و كان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، ذهب عنهم الحجّاج و وليّ سليمان فأطلق الأسرى و أخلى السجون و أحسن إلى الناس و استخلف عمر بن عبد العزيز. و كان موته بدابق من أرض قنسرين، لبس يوما حلّة[1] خضراء و عمامة خضراء و نظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة، و نظرت إليه جارية، فقال: ما تنظرين؟فقالت:

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بفاء للإنسان‏

ليس فيما عملته فيك عيب # كان في الناس غير أنّك فان‏

قيل: و شهد سليمان جنازة بدابق فدفنت في حقل فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة و يقول: ما أحسن هذه‏[التّربة]و أطيبها!فما أتى عليه جمعة حتّى دفن إلى جنب‏[ذلك‏]القبر.

[1] حلية.

38

قيل: حجّ سليمان و حجّ الشعراء، فلمّا كان بالمدينة قافلا تلقّوه بنحو أربعمائة أسير من الروم، فقعد سليمان و أقربهم منه مجلسا عبد اللََّه بن الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فقدّم بطريقهم، فقال: يا عبد اللََّه اضرب عنقه!فأخذ سيفا من حرسيّ فضربه فأبان الرأس و أطنّ الساعد و بعض الغلّ، و دفع البقيّة إلى الوجوه يقتلونهم، و دفع إلى جرير رجلا منهم، فأعطاه بنو عبس سيفا جيّدا، فضربه فأبان رأسه، و دفع إلى الفرزدق أسيرا، فأعطوه سيفا رديّا لا يقطع، فضرب به الأسير ضربات فلم يصنع شيئا، فضحك سليمان و القوم و شتمت به بنو عبس أخوال سليمان، و ألقى السيف و أنشأ يقول:

و إن يك سيف خان أو قدر أتى # بتأخير نفس حتفها غير شاهد

فسيف بني عبس و قد ضربوا به # نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد

كذلك سيوف الهند تنبو ظباتها # و تقطع أحيانا مناط القلائد

ورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسيّ، ضرب خالد بن جعفر ابن كلاب و خالد قد أكبّ على‏[أبيه‏]زهير و ضربه بالسيف فصرعه، فأقبل ورقاء فضرب خالدا ضربات فلم يصنع شيئا، فقال ورقاء بن زهير:

رأيت زهيرا تحت كلكل خالد # فأقبلت أسعى كالعجول أبادر

فشلّت يميني يوم أضرب خالدا # و يمنعه‏ (1) منّي الحديد المظاهر (2)

ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز

في هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز.

و سبب ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لمّا كان بدابق مرض، على ما .

____________

(1) و يحصنه. LDOBTE. R

(2) . P,I. LOV. div

39

و صفنا، فلمّا ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه، و هو غلام لم يبلغ، فقال له رجاء بن حيوة: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟إنّه ممّا يحفظ الخليفة في قبره أنّ يستخلف على الناس الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير اللََّه و انظر[فيه‏].

و لم أعزم‏[عليه‏]، فمكث سليمان يوما أو يومين ثمّ خرّقه و دعا رجاء فقال: ما ترى في ولدي داود؟فقال رجاء: هو غائب عنك*بالقسطنطينيّة[1] و لا تدري أ حيّ [هو]أم لا. قال: فمن ترى؟قال رجاء: رأيك. قال: فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟قال رجاء: فقلت: أعلمه و اللََّه خيّرا فاضلا سليما. قال سليمان:

هو على ذلك و لئن وليته و لم أولّ أحدا سواه لتكوننّ فتنة و لا يتركونه أبدا يلي عليهم إلاّ أن يجعل أحدهم بعده، و كان عبد الملك قد عهد إلى الوليد و سليمان أن يجعلا أخاهما يزيد وليّ عهد، فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر، و كان يزيد غائبا في الموسم. قال رجاء: قلت رأيك. فكتب:

بسم اللََّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد اللََّه سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إنّي قد وليتك الخلافة بعدي و من بعدك يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له و أطيعوا و اتّقوا اللََّه و لا تختلفوا فيطمع فيكم. و ختم الكتاب. فأرسل إلى كعب بن جابر العبسيّ صاحب شرطته فقال: ادع أهل بيتي. فجمعهم كعب. ثمّ قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي إليهم و أخبرهم بكتابي و مرهم فيبايعوا من وليت فيه.

ففعل رجاء، فقالوا: تدخل و نسلّم على أمير المؤمنين؟قال: نعم.

فدخلوا، فقال لهم سليمان: في هذا الكتاب، و هو يشير إلى الكتاب الّذي في يد رجاء بن حيوة، عهدي فاسمعوا و أطيعوا لمن سميت فيه. فبايعوه رجلا رجلا و تفرّقوا.

[1]*عند القسطنطينيّة.

40

و قال رجاء، فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إليّ شيئا من هذا الأمر، فأنشدك اللََّه و حرمتي و مودّتي إلاّ أعلمتني إن كان ذلك حتّى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ذلك. قال رجاء:

ما أنا بمخبرك‏[حرفا]. قال. فذهب عمر عنّي غضبان.

قال رجاء: و لقيني هشام بن عبد الملك فقال: إنّ لي بك حرمة و مودّة قديمة و عندي شكر فأعلمني بهذا الأمر، فإن كان إلى غيري تكلّمت و للََّه عليّ أن لا أذكر شيئا من ذلك أبدا. قال رجاء: فأبيت أن أخبره حرفا، فانصرف هشام و هو يضرب بإحدى يديه على الأخرى و هو يقول: فإلى من إذا نحّيت‏ (1)

عنّي؟أ تخرج‏[1] من بني عبد الملك؟ قال رجاء: و دخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة فيقول حين يفيق: لم يأن بعد. ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثا، فلمّا كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا، أشهد أن لا إله إلاّ اللََّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللََّه، فحرفته، فمات، فلمّا*غمّضته و سجّيته‏ (2) و أغلقت الباب أرسلت إليّ زوجته فقالت:

كيف أصبح؟فقلت: هو نائم قد تغطّى. و نظر إليه الرسول متغطّيا فرجع فأخبرها، فظنّت أنّه نائم، قال: أجلست على الباب من أثق به و أوصيته أن لا يبرح و لا يترك أحدا يدخل على الخليفة. قال: فخرجت فأرسلت إلى كعب بن جابر فجمع أهل بيت سليمان، فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت:

بايعوا. فقالوا: قد بايعنا مرّة. قلت: و أخرى، هذا عهد أمير المؤمنين. فبايعوا الثانية، فلمّا بايعوا بعد موته رأيت أنّي قد أحكمت الأمر فقلت: قوموا إلى [1] أ يخرج

____________

(1) نجيت. R

(2) أغضيت سحته. P. C

41

صاحبكم فقد مات. قالوا: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ! و قرأت الكتاب، فلمّا انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام: لا نبايعه و اللََّه أبدا.

قلت: أضرب و اللََّه عنقك، قم فبايع، فقام يجرّ رجليه. قال رجاء:

فأخذت بضبعي عمر بن عبد العزيز فأجلسته على المنبر و هو يسترجع لما وقع فيه، و هشام يسترجع لما أخطأه. فبايعوه.

و غسل سليمان و كفن و صلّى عليه عمر بن عبد العزيز و دفن. فلمّا دفن أتي عمر بمراكب الخلافة و لكلّ دابّة سائس، فقال: ما هذا؟فقيل:

مراكب الخلافة. قال: دابّتي أوفق لي، و ركب دابّته و صرفت تلك الدوابّ، ثمّ أقبل سائرا، فقيل له: أ منزل الخلافة؟فقال: فيه عيال أبي أيّوب، يعني سليمان، و في فسطاطي كفاية حتّى يتحوّلوا. فأقام في منزله حتّى فرّغوه.

قال رجاء: فأعجبني ما صنع في الدوابّ و منزل سليمان، ثمّ دعا كاتبا فأملى عليه كتابا واحداو أمره أن ينسخه و يسيّره إلى كلّ بلد.

و بلغ عبد العزيز بن الوليد، و كان غائبا، عن موت سليمان، و لم يعلم ببيعة عمر، فعقد لواء و دعا إلى نفسه، فبلغه بيعة عمر بعهد سليمان و أقبل حتّى دخل عليه، فقال له عمر: بلغني أنّك بايعت من قبلك و أردت دخول دمشق! فقال: قد كان ذاك و ذلك أنّه بلغني أنّ سليمان لم يكن عهد لأحد فخفت على الأموال أن تنهب. فقال عمر: لو بايعت و قمت بالأمر لم أنازعك فيه و لقعدت في بيتي. فقال عبد العزيز: ما أحبّ أنّه ولي هذا الأمر غيرك، و بايعه، و كان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز و ترك ولده.

فلمّا استقرّت البيعة لعمر بن عبد العزيز قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك:

إن أردت صحبتي فردّي ما معك من مال و حلى و جوهر إلى بيت مال المسلمين فإنّه لهم، فإنّي لا أجتمع أنا و أنت و هو في بيت واحد. فردّته جميعه.

42

فلمّا توفّي عمر و ولي أخوها يزيد ردّه عليها و قال: أنا أعلم أنّ عمر ظلمك. قالت: كلاّ و اللََّه. و امتنعت من أخذه و قالت: ما كنت أطيعه حيّا و أعصيه ميتا. فأخذه يزيد و فرّقه على أهله.

ذكر ترك سبّ أمير المؤمنين عليّ، عليه السّلام‏

كان بنو أميّة يسبّون أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، عليه السّلام، إلى أن وليّ عمر بن عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك و كتب إلى العمّال في الآفاق بتركه.

و كان سبب محبّته عليّا أنّه قال: كنت بالمدينة أتعلّم العلم و كنت ألزم عبيد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبة بن مسعود، فبلغه عنّي شي‏ء من ذلك، فأتيته يوما و هو يصلّي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلمّا فرغ من صلاته التفت إليّ فقال لي: متى علمت أنّ اللََّه غضب على أهل بدر و بيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟قلت: لم أسمع ذلك. قال: فما الّذي بلغني عنك في عليّ؟ فقلت: معذرة إلى اللََّه و إليك!و تركت ما كنت عليه، و كان أبي إذا خطب فنال‏ (1) من عليّ، رضي اللََّه عنه، تلجلج فقلت: يا أبه إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر عليّ عرفت منك تقصيرا؟قال: أو فطنت لذلك؟قلت:

نعم. فقال: يا بنيّ إنّ الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم تفرّقوا عنّا إلى أولاده.

فلمّا ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها، فترك ذلك وكتب بتركه و قرأ عوضه: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ

____________

(1) . قال. P. C

43

بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ (1) الآية، فحلّ هذا الفعل عند الناس محلاّ حسنا و أكثروا مدحه بسببه، فمن ذلك قول كثيّر عزّة:

و ليت فلم تشتم عليّا و لم تخف # بريّا و لم تتبع مقالة مجرم‏

تكلّمت بالحقّ المبين و إنّما # تبيّن آيات الهدى بالتكلّم‏

و صدّقت معروف الّذي قلت بالذي # فعلت فأضحى راضيا كلّ مسلم‏

ألا إنّما يكفي الفتى بعد زيغه # من الأود البادي ثقاف المقوّم‏

فقال عمر حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذا.

ذكر عدّة حوادث‏

و في هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة، و هو بأرض الروم، يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، و وجّه له خيلا عتاقا و طعاما كثيرا، و حثّ الناس على معونتهم. و فيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة، فوجّه عمر حاتم بن النعمان الباهليّ فقتل أولئك الترك و لم يفلت منهم إلاّ اليسير، و قدم على عمر منهم بخمسين أسيرا. و فيها عزل يزيد بن المهلّب عن العراق و وجّه إلى البصرة عديّ بن أرطاة الفزاريّ و على الكوفة عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب العدويّ القرشيّ، و ضمّ إليه أبا الزناد، و كان كاتبه، و بعث عديّ في أثر يزيد بن المهلّب موسى بن الوجيه الحميريّ.

و حجّ بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حازم، و كان عامل [عمر على‏]المدينة. و كان العامل على مكّة عبد العزيز بن عبد اللََّه بن خالد. و على

____________

(1) . 90. SV ,16 INAROC

44

الكوفة عبد الحميد، و على القضاء بها عامر الشّعبيّ. و كان على البصرة عديّ بن أرطاة، و على القضاء الحسن بن أبي الحسن البصريّ، ثمّ استعفى عديّا فأعفاه و استقضى إياس بن معاوية، و قيل: بل شكا الحسن فعزله عديّ و استقضى إياسا.

و استعمل عمر بن عبد العزيز على خراسان الجرّاح بن عبد اللََّه الحكميّ.

في هذه السنة مات نافع بن جبير بن مطعم بن عديّ بالمدينة. و محمود ابن الربيع ولد على عهد رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلم. و أبو ظبيان بن حصين بن جندب الجنبيّ والد قابوس، (ظبيان بالظاء المعجمة) . و فيها توفّي أبو هاشم عبد اللََّه بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب من سمّ سقيه عند عوده من الشام، وضع عليه سليمان بن عبد الملك من سقاه، فلمّا أحسّ بذلك عاد إلى محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس و هو بالحميمة فعرّفه حاله و أعلمه أنّ الخلافة صائرة إلى ولده و أعلمه كيف يصنع، ثمّ مات عنده. و في أيّام سليمان توفّي عبيد اللََّه بن شريح المغنّي المشهور. و عبد الرحمن بن كعب بن مالك أبو الخطّاب.

45

100 ثم دخلت سنة مائة

ذكر خروج شوذب الخارجيّ‏

في هذه السنة خرج شوذب، و اسمه بسطام، من بني يشكر، في جوخى، و كان في ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة أن لا يحرّكهم حتّى يسفكوا دماء و يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا وجّه إليهم رجلا صليبا حازما في جند.

فبعث عبد الحميد محمّد بن جرير بن عبد اللََّه البجليّ في ألفين و أمره بما كتب به عمر، و كتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه و قد قدم عليه محمّد بن جرير، فقام بإزائه لا يتحرّك‏[1].

فكان في كتاب عمر: بلغني أنّك خرجت غضبا للََّه و لرسوله و لست أولى بذلك منّي، فهلمّ إليّ أناظرك، فإن كان الحقّ بأيدينا دخلت فيما دخل الناس، و إن كان في يدك نظرنا في أمرك.

فكتب بسطام إلى عمر: قد أنصفت و قد بعثت إليك رجلين يدارسانك و يناظرانك. و أرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشيّا اسمه عاصم، و رجلا من بني يشكر، فقدما على عمر بخناصرة فدخلا إليه، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج و ما الّذي نقمتم؟فقال عاصم: ما نقمنا سيرتك، إنّك [1] يحرك.

46

لتتحرّى‏[1] العدل و الإحسان، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أ عن رضى من الناس و مشورة أم ابتززتم أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم و لا غلبتهم عليها، و عهد إليّ رجل كان قبلي فقمت و لم ينكره عليّ أحد و لم يكرهه غيركم، و أنتم ترون الرضا بكلّ من عدل و أنصف من كان من الناس، فاتركوني‏ (1) ذلك الرجل، فإن خالفت الحقّ و رغبت عنه فلا طاعة لي عليكم.

قالا: بيننا و بينك أمر واحد. قال: ما هو؟قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك و سمّيتها مظالم‏ (2) ، فإن كنت على هدى و هم على الضلالة فالعنهم و ابرأ منهم. فقال عمر: قد علمت أنّكم لم تخرجوا طلبا للدنيا و لكنّكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إنّ اللََّه، عزّ و جلّ، لم يبعث رسوله، صلّى اللََّه عليه و سلّم، لعّانا، و قال إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) . و قال اللََّه، عزّ و جلّ: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ (4) . و قد سمّيت أعمالهم ظلما، و كفى بذلك ذمّا و نقصا، و ليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بدّ منها، فإنّ قلتم إنّها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون؟قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أ فيسعك أن لا تلعن فرعون‏و هو أخبث الخلق و شرّهم و لا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي و هم مصلّون صائمون!قال: أما هم كفّار بظلمهم؟قال: لا لأنّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقرّ به و بشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحدّ.

[1] لتحترى.

____________

(1) . فانزلوني. R

(2) . مظالمة. R

(3) . 36. sv ,14 inaroC

(4) . 90. sv ,6. dibI

47

فقال الخارجيّ: إنّ رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، دعا الناس إلى توحيد اللََّه و الإقرار بما نزل من عنده. قال عمر: فليس أحد منهم يقول لا أعمل بسنّة رسول اللََّه، و لكنّ القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنّه محرّم عليهم، و لكن غلب عليهم السّفاء. قال عاصم: فابرأ ممّا خالف عملك و ردّ أحكامهم. قال عمر: أخبراني عن أبي بكر و عمر أ ليسا على حقّ؟قالا:

بلى. قال: أ تعلمان أنّ أبا بكر حين قاتل أهل الرّدّة سفك دماءهم و سبى الذراري و أخذ الأموال؟قالا: بلى. قال: أ تعلمان أنّ عمر ردّ السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟قالا: نعم. قال: فهل بري‏ء عمر من أبي بكر؟قالا: لا. قال:

أ فتبرءون أنتم من واحد منهما؟قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النهروان و هم أسلافكم هل تعلمان أنّ أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما و لم يأخذوا مالا و أنّ من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد اللََّه بن خبّاب و جاريته و هي حامل؟قالا: نعم. قال: فهل بري‏ء من لم يقتل ممّن قتل‏و استعرض؟ قالا: لا. قال: *أ فتبرءون أنتم من أحد من الطائفتين؟قالا: لا (1) . قال:

أ فيسعكم أن تتولّوا أبا بكر و عمر و أهل البصرة و أهل الكوفة و قد علمتم اختلاف أعمالهم و لا يسعني إلاّ البراءة من أهل بيتي و الدين واحد!فاتّقوا اللََّه!فإنّكم جهّال تقبلون من الناس ما ردّ عليهم رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و تردّون عليهم ما قبل، و يأمن عندكم من خاف عنده، و يخاف عندكم من أمن عنده، فإنّكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلاّ اللََّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و كان من فعل ذلك عند رسول اللََّه آمنا و حقن دمه و ماله، و أنتم تقتلونه، و يأمن عندكم سائر أهل الأديان فتحرّمون دماءهم و أموالهم.

قال اليشكريّ: أ رأيت رجلا ولي قوما و أموالهم فعدل فيها ثمّ صيّرها بعده

____________

(1) . R

48

إلى رجل غير مأمون، أ تراه أدّى الحقّ الّذي يلزمه للََّه، عزّ و جلّ، أو تراه قد سلم؟قال: لا. قال: أ فتسلّم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك و أنت تعرف أنّه لا يقوم فيه بالحقّ؟قال: إنّما ولاّه غيري و المسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي. قال: أ فترى ذلك من صنع من ولاّه حقّا؟فبكى عمر و قال:

أنظراني ثلاثا.

فخرجا من عنده ثمّ عادا إليه فقال عاصم: أشهد أنّك على حقّ. فقال عمر لليشكريّ: ما تقول أنت؟قال: ما أحسن ما وصفت و لكنّي لا أفتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ما قلت و أعلم ما حجّتهم.

فأمّا عاصم فأقام عند عمر، فأمر له عمر بالعطاء، فتوفّي بعد خمسة عشر يوما. فكان عمر بن عبد العزيز يقول: أهلكني أمر يزيد و خصمت فيه، فاستغفر اللََّه.

فخاف بنو أميّة أن يخرج ما بأيديهم من الأموال و أن يخلع يزيد من ولاية العهد، فوضعوا على عمر من سقاه سمّا، فلم يلبث بعد ذلك إلاّ ثلاثا حتّى مرض و مات، و محمّد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرّض إليهم و لا يتعرّضون إليه، كلّ منهم ينتظر عود الرسل من عند عمر بن عبد العزيز، فتوفّي و الأمر على ذلك.

ذكر القبض على يزيد بن المهلّب و استعمال الجرّاح على خراسان‏

قيل: و في هذه السنة كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة يأمره بإنفاذ يزيد بن المهلّب إليه موثقا[1]، و كان عمر قد كتب إليه أن يستخلف على [1] موثوقا.

49

عمله و يقبل إليه، فاستخلف مخلّدا ابنه و قدم من خراسان و نزل واسطا، ثمّ ركب السفن يريد البصرة، فبعث عديّ بن أرطاة موسى بن الوجيه الحميريّ، فلحقه في نهر معقل عند الجسر، فأوثقه و بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فدعا به عمر، و كان يبغض يزيد و أهل بيته، و يقول: هؤلاء جبابرة و لا أحبّ مثلهم. و كان يزيد يبغض عمر و يقول: إنّه مراء، فلمّا ولي عمر عرف يزيد أنّه بعيد من الرياء، و لمّا دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان، فقال: كنت من سليمان بالمكان الّذي قد رأيت، و إنّما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، و قد علمت أنّ سليمان‏لم يكن ليأخذني به. فقال له: لا أجد في أمرك إلاّ حبسك، فاتّق اللََّه و أدّ ما قبلك فإنّها حقوق المسلمين و لا يسعني تركها.

و حبسه بحصن حلب، و بعث الجرّاح بن عبد اللََّه الحكميّ فسرّحه إلى خراسان أميرا عليها، و أقبل مخلّد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ففرّق أموالا عظيمة، ثمّ قدم على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين إنّ اللََّه صنع لهذه الأمّة بولايتك و قد ابتلينا بك، فلا نكن نحن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟أنا أتحمّل ما عليه فصالحني على ما تسأل. فقال عمر: لا إلاّ أن يحمل الجميع. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بيّنة فخذ بها و إلاّ فصدّق مقالة يزيد و استحلفه فإن لم يفعل فصالحه. فقال عمر: ما آخذه إلاّ بجميع المال. فخرج مخلّد من عنده، فقال عمر: هذا خير من أبيه. ثمّ لم يلبث مخلّد إلاّ قليلا حتّى مات، فصلّى عليه عمر بن عبد العزيز، فقال:

اليوم مات فتى العرب، و أنشد:

بكّوا حذيفة لم يبكّوا مثله # حتّى تبيد خلائق لم تخلق‏

فلمّا أبى يزيد أن يؤدّي إلى عمر شيئا ألبسه جبّة صوف و حمله على جمل و قال: سيروا به إلى دهلك. فلمّا خرج و مرّوا به على الناس أخذ يقول:

50

أ ما لي عشيرة؟إنّما يذهب إلى دهلك الفاسق و اللصّ. فدخل سلامة بن نعيم الخولانيّ على عمر فقال: يا أمير المؤمنين اردد يزيد إلى محبسه‏فإنّي أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه، فإنّهم قد عصبوا له. فردّه إلى محبسه، فبقي فيه حتّى بلغه مرض عمر.

ذكر عزل الجرّاح و استعمال عبد الرحمن بن نعيم القشيريّ و عبد الرحمن بن عبد اللََّه‏

و قيل: في هذه السنة عزل عمر الجرّاح بن عبد اللََّه الحكميّ عن خراسان و استعمل عليها عبد الرحمن بن نعيم القشيريّ، و كان عزل الجرّاح في رمضان.

و كان سبب ذلك أنّ يزيد لمّا عزل عن خراسان أرسل عامل العراق عاملا على جرجان، فأخذ جهم بن زحر الجعفيّ، و كان على جرجان عاملا ليزيد بن المهلّب، فحبسه و قيّده و حبس رهطا قدموا معه، ثمّ خرج إلى الجرّاح بخراسان، فأطلق أهل جرجان عاملهم، و قال الجرّاح لجهم: لو لا أنّك ابن عمّي لم أسوّغك هذا. فقال جهم: و لو لا أنّك ابن عمّي لم آتك‏[1].

و كان جهم سلف الجرّاح من قبل ابنتي الحصين بن الحارث، و أمّا كونه ابن عمّه فلأنّ الحكم و الجعفيّ ابنا سعد القشيريّ.

فقال له الجرّاح: خالفت إمامك فاغز لعلّك تظفرفيصلح أمرك عنده.

فوجّهه إلى الختّل، فغنم منهم و رجع، و أوفد الجرّاح إلى عمر وفدا رجلين [1] لأماتك.

51

من العرب و رجلا من الموالي يكنّى أبا الصيد، فتكلّم العربيّان و المولى ساكت، فقال عمر: ما أنت من الوفد؟قال: بلى. قال: فما يمنعك من الكلام؟فقال:

يا أمير المؤمنين عشرون ألفا من الموالي يغزون بلا عطاء و لا رزق، و مثلهم‏[1] قد أسلموا من الذمّة يؤخذون بالخراج، فأميرنا عصبيّ جاف‏[2] يقوم على منبرنا فيقول: أتيتكم‏ (1) حفيّا[3]، و أنا اليوم عصبيّ، و اللََّه لرجل من قومي أحبّ إليّ من مائة من غيرهم. و هو بعد[4] سيف من سيوف الحجّاج، قد عمل بالظلم و العدوان. قال عمر: إذن بمثلك يوفد.

فكتب عمر إلى الجرّاح: انظر من صلّى قبلك‏[إلى القبلة]فضع عنه الجزية. فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجرّاح: إنّ الناس قد سارعوا إلى الإسلام نفورا من الجزية فامتحنهم بالختان. فكتب الجرّاح بذلك إلى عمر، فكتب عمر إليه: إنّ اللََّه بعث محمّدا، صلّى اللََّه عليه و سلّم، داعيا و لم يبعثه خاتنا، و قال: ايتوني رجلا صدوقا أسأله عن خراسان. فقيل له: عليك بأبي مجلز.

فكتب إلى الجرّاح: أن أقبل و احمل أبا مجلز و خلّف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم العامريّ. فخطب الجرّاح و قال: يا أهل خراسان جئتكم في ثيابي هذه التي عليّ فرسي‏لم أصب من مالكم إلاّ حلية سيفي. و لم يكن عنده إلاّ فرس و بغلة. فسار عنهم، فلمّا قدم على عمر قال: متى خرجت؟قال: في شهر رمضان. قال: صدق من وصفك بالجفاء، هلاّ أقمت حتّى تفطر ثمّ تخرج! [1] وصلهم.

[2] خاف.

[3] خفيّا.

[4] يعدّ.

____________

(1) . أ يتكلم. P. C

52

و كان الجرّاح كتب إلى عمر: إنّي قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة، فأحبّ الأمور إليهم أن يعودوا ليمنعوا حقّ اللََّه عليهم، فليس يكفّهم إلاّ السيف و السوط، فكرهت الإقدام على ذلك إلاّ بإذنك. فكتب إليه عمر: يا ابن أمّ الجرّاح، أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربنّ مؤمنا و لا معاهدا سوطا إلاّ في الحقّ، و احذر القصاص، فإنّك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و تقرأ كتابا: لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا (1) .

فلمّا قدم الجرّاح على عمر و قدم أبو مجلز قال له عمر: أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد اللََّه، قال: يكافي الأكفاء و يعادي الأعداء، و هو أمير يفعل ما يشاء، و يقدم إن وجد من يساعده. قال: فعبد الرحمن بن نعيم؟ قال: يحبّ العافية و التأنّي‏[1] و هو أحبّ إليّ. فولاّه الصلاة و الحرب، و ولّى عبد الرحمن القشيريّ الحراج، و كتب إلى أهل خراسان: إنّي استعملت عبد الرحمن على حربكم، و عبد الرحمن‏[بن عبد اللََّه‏]على خراجكم، و كتب إليهما يأمرهما بالمعروف و الإحسان.

فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتّى مات عمر و بعد ذلك حتّى قتل يزيد بن المهلّب، و وجّه مسلمة (2) بن عبد العزيز الحارث بن الحكم فكانت ولايته أكثر من سنة و نصف.

[1]و تأنّي.

____________

(1) . 49 sv ,18 inaroC

(2) . سعيد. dda. R

53

ذكر ابتداء الدعوة العبّاسيّة

في هذه السنة وجّه محمّد بن عليّ‏ (1) بن عبد اللََّه بن عبّاس الدّعاة في الآفاق.

و كان سبب ذلك أنّ محمّدا كان ينزل أرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام، فسار أبو هاشم عبد اللََّه بن محمّد بن الحنفيّة إلى الشام إلى سليمان بن عبد الملك، فاجتمع به محمّد بن عليّ فأحسن صحبته، و اجتمع أبو هاشم بسليمان و أكرمه و قضى حوائجه، و رأى من علمه و فصاحته ما حسده عليه و خافه، فوضع عليه من وقف على طريقه فسمّه في لبن.

فلمّا أحسّ أبو هاشم بالشرّ قصد الحميمة من أرض الشراء، و بها محمّد، فنزل عليه و أعلمه أنّ هذا الأمر صائر إلى ولده و عرّفه ما يعمل، و كان أبو هاشم قد أعلم شيعته من أهل خراسان و العراق عند تردّدهم إليه أنّ الأمر صائر إلى ولد محمّد بن عليّ، و أمرهم بقصده بعده.

فلمّا مات أبو هاشم قصدوا محمّدا و بايعوه و عادوا فدعوا الناس إليه، فأجابوهم، و كان الذين سيّرهم إلى الآفاق جماعة، فوجّه ميسرة إلى العراق، و وجّه محمّد بن خنيس و أبا عكرمة السرّاج، و هو أبو محمّد الصادق، و حيّان العطّار، خال إبراهيم بن سلمة، إلى خراسان، و عليها الجرّاح الحكميّ، و أمرهم بالدعاء إليه و إلى أهل بيته. فلقوا من لقوا. ثمّ انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمّد بن عليّ، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمّد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس، فاختار أبو محمّد الصادق لمحمّد بن عليّ اثني عشر رجلا نقباء، منهم: سليمان بن كثير الخزاعيّ، و لاهز بن قريظ التميميّ، و قحطبة بن شبيب الطائيّ، و موسى بن كعب التميميّ،

____________

(1) . ابن محمد. da. ddoC

54

و خالد بن إبراهيم أبو (1) داود من بني شيبان بن ذهل، و القاسم بن مجاشع التميميّ، و عمران بن إسماعيل‏ (2) أبو النجم مولى آل أبي معيط، و مالك بن الهيثم الخزاعيّ، و طلحة بن زريق الخزاعيّ، و عمرو بن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، و شبل بن طهمان أبو عليّ الهرويّ مولى لبني حنيفة، و عيسى بن أعين مولى خزاعة، و اختار سبعين رجلا، و كتب إليهم محمّد بن عليّ كتابا ليكون لهم مثالا و سيرة يسيرون بها.

(الحميمة بضمّ الحاء المهملة. و الشراة بالشين المعجمة (3) ) .

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية، و طرندة واغلة (4) في البلاد الروميّة من ملطية بثلاث مراحل، و كان عبد اللََّه ابن عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث و ثمانين، و ملطية يومئذ خراب، و كان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج و يعودون إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر فأمرهم بالعود إلى ملطية و أخلى طرندة خوفا على المسلمين من العدوّ و أخرب طرندة، و استعمل على ملطية جعونة بن الحارث أحد بني عامر بن صعصعة.

و فيها كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام على أن يملّكهم بلادهم و لهم ما للمسلمين و عليهم ما على المسلمين، و قد كانت سيرته بلغتهم، فأسلم جيشبه بن ذاهر، و الملوك تسمّوا له بأسماء العرب، و كان عمر قد استعمل على ذلك الثغر عمرو بن مسلم أخا قتيبة بن مسلم،

____________

(1) . و أبو. R

(2) . عبيل و. dda. P. C

(3) . R

(4) أوغل. ddoC