الكامل في التاريخ - ج7

- ابن الأثير الجزري المزيد...
553 /
5

الجزء السابع‏

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

228 ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و مائتين‏

ذكر غزوات المسلمين في جزيرة صقلّيّة

في هذه السنة سار الفضل بن جعفر الهمدانيّ في البحر، فنزل*مرسى مسيني‏ (1) ، و بثّ السرايا، فغنموا غنائم كثيرة، و استأمن إليه أهل نابل‏ (2) و صاروا معه، و قاتل الفضل*مدّة سنتين‏ (3) و اشتدّ القتال، فلم يقدر على أخذها، فمضى طائفة من العسكر، و استداروا خلف جبل مطلّ على المدينة*فصعدوا إليه، و نزلوا إلى المدينة (4) و أهل البلد مشغولون‏[1] بقتال جعفر و مَنْ معه، فلمّا رأى أهل البلد أنّ المسلمين دخلوا عليهم من خلفهم، انهزموا و فتح البلد.

و فيها فتحت مدينة مسكان.

و في‏ (5) سنة تسع و عشرين و مائتين خرج أبو الأغلب العبّاس بن الفضل في [1]مشغلون.

____________

(1) . من سبي فسبي. A

(2) . ناتلك. Bte. p. C ، بابل. A

(3) . مدينة مسيني. Bte. P. C

(4) . a. mo

(5) في. P. Cte. A

6

سريّة، فبلغ شرة (1) ، فقاتله أهلها*قتالاً شديداً (2) ، فانهزمت الروم، و قتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف رجل، و استشهد من المسلمين ثلاثة نفر، و لم يكن بصقلّية قبلها مثلها.

و في سنة اثنتين و ثلاثين‏ (3) و مائتين حصر الفضل بن جعفر مدينة لنتيني‏ (4)

فأخبر الفضل أنّ أهل لنتيني‏ (5) كاتبوا البطريق الّذي بصقلية لينصرهم، فأجابهم، و قال لهم: إنّ العلامة عند وصولي أن توقد (6) النار ثلاث ليال على الجبل الفلانيّ، فإذا رأيتم ذلك، ففي اليوم الرابع أصل إليكم، فنجتمع أنا و أنتم على المسلمين بغتة.

فأرسل الفضل من أوقد النار على ذلك الجبل ثلاث ليال، فلمّا رأى أهل لنتيني‏ (7) النار أخذوا في أمرهم، و أعدّ الفضل ما ينبغي أن يستعدّ به و كمّن الكمناء، و أمر الذين يحاصرون المدينة أن ينهزموا إلى جهة الكمين، فإذا خرج أهلها عليهم قاتلوهم، فإذا جاوزوا الكمين عطفوا عليهم.

فلمّا كان اليوم الرابع خرج أهل لنتيني‏ (8) ، و قاتلوا المسلمين و هم ينتظرون وصول البطريق، فانهزم المسلمون، و استجرّوا الروم حتّى جاوزوا الكمين، و لم يبق بالبلد أحد إلا خرج، فلمّا جاوزوا الكمين عاد المسلمون عليهم، و خرج الكمين من خلفهم، و وضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم‏ (9) إلاّ القليل، فسألوا الأمان على أنفسهم و أموالهم ليسلّموا المدينة، فأجابهم المسلمون إلى ذلك و أمّنوهم‏ (10) فسلّموا المدينة.

و فيها أقام المسلمون بمدينة طارنت‏ (11) من أرض أنكبردة و سكنوها.

____________

(1) . سرة. Bte. P. C

(2) . Bte. p. C. mO

(3) . A. mO

(4) euqibu كسي. B . لسي. P. C . سبتة. A

(5-7-8) . لنسي. P. C . النبي. A

(6) توقدوا. A

(9) . B

(10) و أمنوا. A

(11) . طاثب. P. C . طابث. Bte. A

7

و في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين وصل عشر شلنديات من الروم، فأرسلوا بمرسى الطّين، و خرجوا ليغيروا، فضلّوا الطريق، فرجعوا خائبين، و ركبوا البحر راجعين، فغرق منها سبع قطع.

و في سنة أربع و ثلاثين صالح أهل رغوس‏ (1) ، و سلّموا المدينة إلى المسلمين بما فيها، فهدمها المسلمون، و أخذوا منها ما أمكن حملُهُ.

و في سنة خمس و ثلاثين سار طائفة من المسلمين إلى مدينة قصْريانَّة (2) ، فغنموا و سلبوا و أحرقوا و قتلوا في أهلها، و كان الأمير على صقلّيّة للمسلمين محمّد بن عبد اللََّه بن الأغلب، فتوفّي في رجب من سنة ستّ و ثلاثين و مائتين، فكان مقيماً بمدينة بلرم‏ (3) لم يخرج منها، و إنّما كان يخرج‏[1] الجيوش و السرايا فتفتح‏ (4) ، فتغنم‏ (5) ، فكانت إمارته عليها تسع عشرة سنة، و اللََّه سبحانه أعلم.

ذكر الحرب بين موسى بن موسى و الحارث بن يزيغ‏ (6)

في هذه السنة كانت حرب بين موسى عامل تطيلة و بين عسكر عبد الرحمن أمير الأندلس، و المقدّم عليهم الحارث بن يزيغ.

و سبب ذلك أن موسى بن موسى كان من أعيان قوّاد عبد الرحمن، و هو العامل على مدينة تطيلة، فجرى بينه و بين القوّاد تحاسد سنة سبع و عشرين، [1]أخرج.

____________

(1) و عوس. Bte. P. C ، رعوس. A

(2) قصر بابه. B ، قصر بابه. P. C ، قصرانه. A

(3) بمدينة يلزم. Bte. P. C ، بمينية يلرم. A

(4) فيفتح. A

(5) . رينم. A

(6) . بطيلة euqibuaetsopte,tebah بزيغ. A;. Bte. P. CnitseedetupaC

8

و قد ذكرناه، فعصى موسى بن موسى على عبد الرحمن، فسيّر إليه جيشاً، و استعمل عليهم الحارث بن يزيغ و القوّاد، فاقتتلوا عند برجة، فقتل كثير من أصحاب موسى، و قتل ابن عمّ له، و عاد الحارث إلى سرقسطة، فسيّر موسى ابنه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد الحارث إليها، و حصرها فملكها، و قتل ابن موسى، و تقدّم إلى أبيه‏[1]فطلبه، فحضر، فصالحه موسى على أن يخرج عنها، فانتقل موسى إلى أرنيط (1) .

و بقي الحارث يتطلّبه أيّاماً، ثمّ سار إلى أرنيط، فحصر موسى بها، فأرسل موسى إلى غرسية، و هو من ملوك الأندلسيّين المشركين، و اتّفقا على الحارث، و اجتمعا و جعلا له كماين في طريقه، و اتّخذ له الحيل و الرجال بموضع يقال له بلمسة[2]على نهر هناك، فلمّا جاء الحارث النهر خرج الكمناء عليه، و أحدقوا به، و جرى معه قتال شديد، و كانت وقعة عظيمة، و أصابه ضربة في وجهه فلقت عينه، ثمّ أسر في هذه الوقعة.

فلمّا سمع عبد الرحمن خبر هذه الوقعة عظم عليه، فجهّز عسكراً كبيرا، و استعمل عليه ابنه محمّدا، و سيّره إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع و عشرين و مائتين، و تقدّم محمّد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمع كثير من المشركين، و قتل فيها غرسية و كثير من المشركين.

ثمّ عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن، فجهّز جيشا كبيراً و سيّرهم إلى موسى، فلمّا رأى ذلك طلب المسالمة، فأجيب إليها، و أعطى‏[3]ابنه إسماعيل [1]بيته.

[2]بلمسة.

[3]و أعطا.

____________

(1) sitcnupenis. doC

9

رهينة، و ولاّه عبد الرحمن مدينة تطيلة، فسار موسى إليها فوصلها، و أخرج كلّ من يخافه، و استقرّ فيها.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أعطى الواثق أشناس تاجا و وشاحين.

و فيها مات أبو تمّام حبيب بن أوس الطائيّ الشاعر.

و فيها غلا السعر بطريق مكّة، فبلغ الخبز كلّ رطل بدرهم، و رواية الماء بأربعين درهماً[1]، و أصاب الناس في الموقف حرّ شديد، ثم أصابهم مطر فيه برد، و اشتدّ البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحرّ (1) و سقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة، فقتلت عدّة من الحجّاج.

و حجّ بالناس محمّد بن داود، و فيها توفّي عبد*الملك بن مالك‏ (2) بن عبد العزيز أبو نصر التَّمّار الزاهد، و كان عمره إحدى و تسعين سنة، و كان قد أضرّ، و محمّد بن عبد اللََّه بن عمر (3)

ابن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان العتبيُّ الأمويُّ البصريُّ أبو عبد الرحمن، و كان عالماً بالأخبار و الآداب، و أبو سليمان داود الأشقر السمسار المحدِّث.

[1] درهم.

____________

(1) . B

(2) . الوهاب. B

(3) . عمرو. B

10

229 ثم دخلت سنة تسع و عشرين و مائتين‏

في هذه السنة حبس الواثق الكتّاب، و ألزمهم أموالا عظيمة، و أخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، و من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربع مائة ألف دينار، و من الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، و من إبراهيم بن رياح‏ (1) و كتّابه مائة ألف دينار، و من أحمد بن الخصيب‏ (2) و كتّابه ألف ألف دينار، و من نجاح ستّين ألف دينار، و من أبي الوزير مائة ألف و أربعين ألف دينار.

و كان سبب ذلك أنّه جلس ليلة مع أصحابه، فسألهم عن سبب نكبة البرامكة، فحكى له عرود (3) بن عبد العزيز الأنصاريُّ أنّ جارية لعدول‏ (4)

الخيّاط أراد الرشيد شراءها، فاشتراها (5) بمائة ألف دينار، و أرسل إلى يحيى ابن خالد أن يعطيه*ذلك، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا أخذ ثمن جارية بمائة ألف دينار، فهو أحرى أن يطلب المال على قدر ذلك‏ (6) ، فأرسل يحيى إليه: إنّني لا أقدر على هذا المال؛ فغضب الرشيد، و أعاد: لا بدّ منها، فأرسل يحيى قيمتها دراهم، فأمر أن تجعل على طريق الرشيد ليستكثرها، ففعل ذلك، فاجتاز الرشيد بها، فسأل عنها، فقيل: هذا ثمن الجارية، فاستكثرها فأمر بردّ الجارية، و قال لخادم له: اضممْ إليك هذا (7) المال، و اجعل لي بيت مال

____________

(1) . رباح. A

(2) . وهب. A

(3) . عدور. A ؛ عرور. Bte. P. C ، . tirB. suM

(4) . لغون. Bte. P. C

(5) . A. mO

(6) . Bte. P. C. mO

(7) . اكتب مال. B ؛ اكتب قال. dda. P. C

11

لأضمّ إليه ما أريد، و سمّاه بيت مال العروس، و أخذ في التفتيش عن الأموال، فوجد البرامكة قد فرطوا فيها.

و كان يحضر عنده مع سمّاره رجل يعرف بأبي العود له أدب، فأمر ليلة له بثلاثين ألف درهم، فمطله بها يحيى، فاحتال أبو العود في تحريض الرشيد على البرامكة و كان قد شاع تغيّر الرشيد عليهم، فبينما هو ليلة عند الرشيد يحدّثه، و ساق الحديث إلى أن أنشده قول عمر بن أبي ربيعة:

و عدت هند، و ما كانت تعد # ليت هندا أنجزتنا (1) ما تعد (2)

و استبدّت مرّةً واحدة # إنّما العاجز من لا يستبدّ[1]

فقال الرشيد: أجل‏

إنّما العاجز من لا يستبدّ.

و كان يحيى قد اتّخذ من خدّام الرشيد خادما يأتيه بأخباره، فعرّفه ذلك، فأحضر أبا العود، و أعطاه ثلاثين ألف درهم، و من عنده عشرين ألف درهم، و أرسل إلى ابنيه الفضل و جعفر، فأعطاه كلّ واحد منهما عشرين ألفا؛ و جدّ الرشيد في أمرهم حتّى أخذهم، فقال الواثق: صدق و اللََّه جدّي،

إنّما العاجز من لا يستبدّ،

و أخذ في ذكر الخيانة (3) و ما يستحقّ أهلها، فلم يمض غير أسبوع حتّى نكبهم.

و فيها ولي شير باسبان‏ (4) *لإيتاخ اليمن، و سار إليها.

و فيها تولّى محمّد بن صالح بن العبّاس المدينة، و حجّ‏ (5) بالناس محمّد بن داود.

و فيها توفّي خلف بن هشام البزّار المقرئ في جمادى الأولى. البزّار بالزاي المعجمة و الراء المهملة.

[1] (في الأصل قدِّم البيت الثاني على الأول) .

____________

(1) . تجزينا. A

(2) . tsesusrevnimuusrevodro. Bte. P. CnI

(3) . الجبّانة. B

(4) . شير باميان. B ؛ شير باسيان. P. C ؛ ساربامنان. A

(5) . A. mO

12

230 ثم دخلت سنة ثلاثين و مائتين‏

ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة

و في هذه السنة وجّه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي المدينة.

و كان سبب ذلك أنّ بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشرّ، و يأخذون مهما أرادوا من الأسواق بالحجاز بأيّ سعر أرادوا، و زاد الأمر بهم إلى أن وقعوا بناس من بني كنانة و باهلة (1) ، فأصابوهم، و قتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ثلاثين و مائتين، فوجّه محمّد بن صالح عامل المدينة إليهم حمّاد بن جرير الطبري، و كان مسلحة لأهل المدينة، في مائتي فارس، و أضاف إليهم جندا غيرهم، و تبعهم متطوّعة، فسار إليهم حمّاد، فلقيهم بالرويثة (2) ، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت سودان المدينة بالناس، و ثبت حمّاد و أصحابه، و قريش و الأنصار، و قاتلوا قتالا عظيما، فقتل حمّاد و عامّة أصحابه و عدد صالح من قريش و الأنصار، و أخذ بنو سليم الكراع، و السلاح، و الثياب، فطمعوا (3) ، و نهبوا القرى و المناهل ما بين مكّة و المدينة، و انقطع الطريق.

فوجّه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في جمع من الجند، فقدم المدينة

____________

(1) . و البادية. B

(2) . بالروسه. Bte. P. C ، بالروبة. A

(3) . فقطعوا الطريق. B

13

في شعبان، فلقيهم ببعض مياه الحرّة من وراء السّوارقيَّة قريتهم‏ (1) التي يأرون‏[1] إليها، و بها حصون، فقتل بغا منهم نحوا[2] من خمسين رجلا، و أسر مثلهم، و انهزم الباقون، و أقام بغا بالسَّوارقيَّة، و دعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرّقين، فجمعه، و ترك من يعرف بالفساد، و هم زهاء ألف رجل، و خلّى سبيل الباقين، و عاد بالأسرى إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين، فحبسهم، ثمّ سار إلى مكّة.

فلمّا قضى‏[3] حجّه سار إلى ذات عرق بعد انقضاء الموسم، و عرض على بني هلال مثل الّذي عرض على بني سليم، فأقبلوا، و أخذ من المفسدين نحوا[4] من ثلاثمائة رجل، و أطلق الباقين، و رجع إلى المدينة، فحبسهم.

ذكر وفاة عبد اللََّه بن طاهر

و فيها مات عبد اللََّه بن طاهر بنيسابور في ربيع الأوّل، و هو أمير خراسان، و كان إليه الحرب، و الشرطة، و السواد، و الريّ‏ (2) ، و طبرستان، و كرمان، و خراسان، و ما يتّصل بها، و كان خراج هذه الأعمال، يوم مات، [1] ياون.

[2] نحو.

[3] أقضى.

[4] نحو.

____________

(1) و السوارقية. A

(2) . A. mO

14

ثمانية و أربعين ألف ألف درهم، و كان عمره ثمانيا و أربعين سنة، و كذلك عمر والده طاهر، و استعمل الواثق على أعماله كلّها ابنه طاهر بن عبد اللََّه.

ذكر شي‏ء من سيرة عبد اللََّه بن طاهر

لمّا ولي عبد اللََّه خراسان استناب بنيسابور محمّد بن حميد الطاهريَّ، فبنى دارا، و خرج بحائطها في الطريق، فلمّا قدمها عبد اللََّه جمع الناس، و سألهم عن سيرة محمّد، فسكتوا، فقال بعض الحاضرين: سكوتهم يدلّ على سوء سيرته، فعزله عنهم، و أمره بهدم ما بنى في الطريق.

و كان يقول: ينبغي أن يبذل العلم لأهله و غير أهله، فإنّ العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله.

و كان يقول: سمن الكيس، و نيل‏ (1) الذِّكر لا يجتمعان‏ (2) أبدا.

و كان له جلساء منهم الفضل بن محمّد بن منصور، فاستحضرهم يوما، فحضروا، و تأخّر الفضل، ثمّ حضر، فقال له: أبطأت عنّي، فقال: كان عندي أصحاب حوائج و أردت دخول الحمّام، *فأمره عبد اللََّه بدخول حمّامه‏ (3) ، و أحضر عبد اللََّه الرقاع التي في حقّه‏ (4) ، فوقّع فيها كلّها بالإجابة (5) ، و أعادها، و لم يعلم الفضل.

و خرج من الحمّام، و اشتغلوا يومهم، و بكّر أصحاب الرقاع إليه، فاعتذر إليهم، فقال بعضهم: أريد رقعتي، فأخرجها و نظر فيها، فرأى خطّ عبد اللََّه فيها، فنظر في الجميع، فرأى خطّه فيها، فقال لأصحابه: خذوا

____________

(1) . نبل. P. C

(2) . يتفقان. A

(3) . فأمر بدخوله حمامه. A

(4) . كمه. B

(5) . بالإجازة. B

15

رقاعكم، فقد قضيت حاجاتكم، و اشكروا الأمير دوني‏ (1) ، فما كان لي فيها سبب. و كان عبد اللََّه أديبا شاعرا، فمن شعره:

اسمُ من أهواه‏ (2) اسم حسن # فإذا صحّفته فهو (3) حسن‏

فإذا أسقطت منه فاءه، # كان‏ (4) نعتا لهواه المختزن‏

فإذا أسقطت منه ياءه، # صار فيه بعض أسباب الفتن‏

فإذا أسقطت منه راءه، # صار شيئا يعتري عند الوسن‏

فإذا أسقطت منه طاءه‏[1]، # صار منه عيش سكّان المدن‏

فسِّروا هذا فلن‏[2] يعرفه # غير من يسبح في بحر الفطن‏

و هذا الاسم هو اسم طريف‏[3] غلامه.

و كان من أكثر الناس بذلا للمال مع علم، و معرفة، و تجربة، و أكثر الشعراء في مراثيه، فمن أحسن ما قيل فيه، و في ولاية أبيه طاهر، قول أبي الغمر (5)

الطّبريّ:

فأيّامك الأعياد صارت مآتما (6) # و ساعاتك الصّعبات‏ (7) [4] صارت خواشعا

على أنّنا لم نعتقدك بطاهر # و إن كان خطبا يقلق القلب راتعا (8)

و ما كنت إلاّ الشّمس غابت و أطلعت # على إثرها بدرا على الناس طالعا

[1] ظاءه.

[2] فإن لم.

[3] ظريف.

[4] العصبات. ـ

____________

(1) أولى. A

(2) اتلواه. P. Cte. B

(3-4) . صار. P. C

(5) . العمد. A

(6) . قائما. B

(7) . الصلاة. B

(8) . رايعا. Bte. P. C

16

و ما كنت‏ (1) إلاّ الطَّود زال مكانه # و أثبت‏ (2) في مثواه ركنا مدافعا

فلو لا التَّقى قلنا تناسختما معا # بديعي معان يفضلان‏[1] البدائعا

و هي طويلة (3) .

ذكر خروج المشركين إلى بلاد المسلمين بالأندلس‏ (4)

في هذه السنةخرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين، و كان ظهورهم في ذي الحجّة سنة تسع و عشرين، عند أشبونة (5) ، فأقاموا ثلاثة عشر يوما، بينهم و بين المسلمين بها وقائع، ثمّ ساروا إلى قادس‏ (6)

ثمّ إلى شدونة، فكان بينهم و بين المسلمين بها وقائع.

ثمّ ساروا إلى إشبيلية ثامن المحرّم، فنزلوا على اثني عشر فرسخا منها، فخرج إليهم كثير من المسلمين، فالتقوا، فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرَّم، و قتل كثير منهم. ثمّ نزلوا على ميلين من إشبيلية، فخرج أهلها إليهم، و قاتلوهم، فانهزم المسلمون رابع عشر المحرّم، و كثر القتل و الأسر فيهم، و لم ترفع المجوس السيف عن أحد، و لا عن دابّة، و دخلوا حاجر إشبيلية و أقاموا به يوما و ليلة و عادوا إلى مراكبهم.

و أقام‏[2] عسكر عبد الرحمن، صاحب البلاد، مع عدّة من القوّاد، [1] يفصلان.

[2] و أقاموا.

____________

(1) . فأثبت. B

(2) . فأثبت. P. C

(3) . A. mO

(4) . tatsxeolos. AnitupaC

(5) . اسبويه. A

(6) . فارس. doC

17

فتبادر إليهم المجوس، فثبت المسلمون، و قاتلوهم، فقتل من المشركين سبعون رجلا و انهزموا، حتّى دخلوا مراكبهم، و أحجم المسلمون عنهم، فسمع عبد الرحمن، فسيّر جيشا آخر غيرهم، فقاتلوا المجوس قتالا شديدا، فرجع المجوس عنهم، فتبعهم العسكر ثاني ربيع الأوّل، و قاتلوهم، و أتاهم المدد من كلّ ناحية، و نهضوا لقتال المجوس من كلّ جانب، فخرج إليهم المجوس و قاتلوهم، فكاد المسلمون ينهزمون، ثمّ ثبتوا، فترجّل كثير منهم فانهزم المجوس، و قتل نحو خمس مائة رجل، و أخذوا منهم أربعة[1] مراكب، فأخذوا ما فيها، و أحرقوها، و بقوا أيّاما لا يصلون إلى المجوس، لأنّهم في مراكبهم.

ثمّ خرج المجوس إلى لبلة، فأصابوا سبيا؛ ثمّ نزل المجوس إلى جزيرة *قريب قوريس‏ (1) ، فنزلوها، و قسموا ما كان معهم من الغنيمة، فحمي المسلمون، و دخلوا إليهم في النهر، فقتلوا من المجوس رجليه، ثمّ رحل‏ (2) المجوس، فطرقوا شدونة فغنموا طعمة و سبيا، و أقاموا يومين.

ثمّ وصلت مراكب لعبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى إشبيلية، فلمّا أحسّ بها المجوس لحقوا بلبلة، فأغاروا، و سبوا، ثمّ لحقوا بأكشونية (3) [2].

ثمّ مضوا إلى باجة (4) ، ثمّ انتقلوا إلى مدينة أشبونة، ثمّ ساروا، فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس.

و قد ذكر بعض مؤرّخي العرب سنة ستّ و أربعين خروج المجوس إلى [1] أربع.

[2] بأكشونبة.

2*7

____________

(1) . فبث فورفس. doC. VIXXXL. p,II. deeme 2, sehcrehceR,yzoD

(2) . دخل. doC

(3) . بالشونة. doC

(4) . ناحية. doC

18

إشبيلية أيضا، و هي شبيهة بهذه ثمّ فلا[1] أعلمه أ هي، و هذه، و قد اختلفوا في وقتها، أم هي غيرها، و ما أقرب أن تكون هي إياها[2]، و قد ذكرتها هناك لأنّ في كلّ واحدة منهما شيئا ليس في الأخرى.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة مات محمّد بن سعد بن منيع*أبو عبد اللََّه‏ (1) ، كاتب الواقديّ، صاحب الطبقات، و محمّد بن يزداد بن سويد المروزيُّ، كاتب المأمون، و عليّ بن الجعد (2) أبو الحسن الجوهريّ، و كان عمره ستّا و تسعين سنة، و هو من مشايخ البخاريّ، و كان يتشيّع.

و فيها مات أشناس التركيّ، بعد موت عبد اللََّه بن طاهر بتسعة أيّام، و حجّ هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، و إليه أحداث الموسم، و حجّ بالناس هذه السنة محمّد بن داود.

[1] أ فلا.

[2] يكون هي هي.

____________

(1) . tnuttimearpomixorpinimonmajnukcnahiuq. Bte. P. C. mO

(2) . الجعيد. A

19

231 ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و مائتين‏

ذكر ما فعله بغا بالأعراب‏

في هذه السنة قتل أهل المدينة من كان في حبس بغا من بني سليم و بني هلال.

*و كان سبب ذلك أنّ بغا لمّا حبس من أخذه من بني سليم و بني هلال‏ (1)

بالمدينة، و هم ألف و ثلاثمائة، و كان سار عن المدينة إلى بني مرّة، فنقبت الأسرى الحبس ليخرجوا، فرأت امرأة النقب، فصرخت بأهل المدينة، فجاءوا، فوجدوهم قد قتلوا المتوكّلين، و أخذوا سلاحهم، فاجتمع عليهم أهل المدينة، *و منعوهم الخروج، و باتوا حول الدار، فقاتلوهم، فلمّا كان الغد قتلهم أهل المدينة (2) ، و قتل سودان المدينة كلّ من لقوة بها من الأعراب ممّن يريد الميرة، فلمّا قدم بغا و علم بقتلهم شقّ ذلك عليه.

و قيل إنّ السجّان كان قد ارتشى منهم ليفتح لهم الباب، فعجلوا قبل ميعاده، و كانوا يرتجزون:

الموت خير للفتى من العار # قد أخذ البوَّاب ألف دينار

و كان سبب غيبة بغا عنهم أنّ فزارة و مرّة تغلّبوا على فدك، فلمّا

____________

(1) . A. mO

(2) . Bte. P. C. mO

20

قاربهم أرسل إليهم رجلا من قوّاده يعرض عليهم الأمان، و يأتيه بأخبارهم، فلمّا أتاهم الفزاريُّ حذّرهم سطوته، فهربوا، و خلّوا فدك، و قصدوا الشام.

*و أقام بغا بحيفا، و هي قرية من حدّ عمل الشام‏ (1) ممّا يلي الحجاز، نحوا[1] من أربعين ليلة، ثمّ رجع إلى المدينة بمن ظفر[به‏]من بني مرّة و فزارة.

و فيها سار إلى بغا من بطون غطفان، و فزارة، و أشجع، و ثعلبة، جماعة، و كان‏[2] أرسل إليهم، فلمّا أتوه استحلفهم الأيمان المؤكّدة أن لا يتخلّفوا عنه متى دعاهم، فحلفوا، ثمّ سار إلى ضريّة لطلب بني كلاب، فأتاه منهم نحو من ثلاثة آلاف رجل، فحبس‏ (2) من أهل الفساد نحوا من ألف رجل، و خلّى سائرهم، ثمّ قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة إحدى و ثلاثين و مائتين، فحبسهم، ثمّ سار إلى مكة فحجَّ، ثمّ رجع إلى المدينة.

ذكر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعيّ‏

و في هذه السنة تحرّك ببغداذ قوم مع أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعيّ، و جدّه مالك أحد نقباء بني العبّاس، و قد تقدّم ذكره.

و كان سبب هذه الحركة أنّ أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين، و ابن الدَّوْرقيّ، و أبي زهير (3) ، و كان يخالف من يقول القرآن [1] نحو.

[2] فكان.

____________

(1) . A. mO

(2) . فاحتبس. A

(3) . زهر. A

21

مخلوق، و يطلق لسانه فيه، مع غلظة بالواثق، و كان يقول، إذا ذكر الواثق:

فعل هذا الخنزير، و قال هذا الكافر، و فشا ذلك، فكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون الشدّاخ‏ (1) و آخر يقال له طالب، و غيرهما، و دعوا الناس إليه، فبايعوه على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و فرّق أبو هارون و طالب في الناس مالا فأعطيا كلّ رجل دينارا، و اتّعدوا ليلة الخميس لثلاث خلت‏ (2)

من شعبان ليضربوا بالطبل فيها، و يثوروا على السلطان.

و كان أحدهما في الجانب الشرقيّ من بغداذ و الآخر في الجانب الغربي، فاتّفق أنّ ممّن بايعهم رجلين من بني الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء، قبل الموعد بليلة، فلمّا أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد.

و كان إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة غائبا عن بغداذ، و خليفته أخوه محمّد بن إبراهيم، فأرسل إليهم محمّد يسألهم عن قصّتهم، فلم يظهر أحد، فدلّ على رجل يكون في الحمّام مصاب العين، يعرف بعيسى الأعور، فأحضره و قرّره، فأقرّ على بني الأشرس، و على أحمد بن نصر، و غيرهما، فأخذ بعض من سمّي، و فيهم طالب، و أبو هارون، و رأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين، ثمّ أخذ خادما لأحمد بن نصر، فقرّره، فأقرّ بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد بن نصر فأخذه و هو في الحمّام، و حمل إليه، و فتِّش بيته، فلم يوجد فيه سلاح، و لا شي‏ء من الآلات، فسيّرهم محمّد بن إبراهيم إلى الواثق مقيّدين على أكف بغال ليس تحتهم و طاء إلى سامرّا.

فلمّا علم الواثق بوصولهم‏جلس لهم مجلسا عامّا فيه أحمد بن أبي دؤاد[1]، [1] داود.

____________

(1) . السراج. Bte. P. C

(2) . تخلو. P. Cte. B

22

و كان كارها لقتل أحمد بن نصر، فلمّا حضر أحمد عند الواثق، لم يذكر له شيئا من فعله و الخروج عليه، و لكنّه قال له: ما تقول في القرآن؟قال: كلام اللََّه، و كان أحمد قد استقتل، فتطيّب، و تنوّر، و قال الواثق: أ مخلوق هو؟ قال: كلام اللََّه. قال: فما تقول في ربّك أ تراه يوم القيامة؟قال: يا أمير المؤمنين!قد

جاءت الأخبار عن رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، أنّه قال : ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر،

قال: لا تضامون في رؤيته، فنحن على الخبر، و

حدّثني سفيان بحديث رفعه أن قلب ابن آدم المؤمن‏ (1) بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبه،

و

كان النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، يدعو: يا مقلِّب القلوب و الأبصار ثبّت قلبي على دينك.

قال إسحاق بن إبراهيم: انظر ما يقول. قال: أنت امرتني بذلك، فخاف إسحاق، و قال: أنا امرتك؟قال، نعم، أمرتني أن أنصح له، و نصيحتي له أن لا يخالف حديث رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال الواثق لمن حوله:

ما تقولون فيه؟فقال عبد الرحمن بن إسحاق، و كان قاضيا على الجانب الغربيّ: و عزّك يا أمير المؤمنين هو حلال الدم.

و قال بعض أصحاب ابن أبي دؤاد[1]: *اسقني دمه، و قال ابن أبي دؤاد (2) [1]:

هو كافر يستتاب لعلّ به عاهة (3) و نقص عقل، كأنّه كره أن يقتل بسببه، فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومنّ أحد، فإنّي أحتسب خطاي‏[2] إليه.

و دعا بالصّمصامة سيف عمرو بن معديكرب الزبيديّ، و مشى إليه، [1] داود.

[2] خطايي.

____________

(1) . A. mO

(2) . Bte. p. c. mO

(3) . علة. B

23

و هو في وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه، ثمّ ضربه أخرى على رأسه، ثمّ ضرب سيما الدمشقيُّ رقبته، و حزّ رأسه، و طعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، و حمل حتّى صلب عند بابك، و حمل رأسه إلى بغداذ، فنصب بها، و أقيم عليه الحرس، و كتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر، المشرك، الضالّ، أحمد بن نصر، و تتبّع أصحابه، فجعلوا في الحبوس.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أراد الواثق الحجّ، فوجّه عمر بن فرج‏ (1) لإصلاح الطريق، فرجع و أخبره بقلّة الماء فبدا له.

و فيها ولي جعفر بن دينار اليمن، فسار في شعبان، و حجّ في طريقه، و كان معه أربعة آلاف فارس و ألفا راجل.

و فيها نقب اللصوص بيت المال الّذي في دار (2) العامّة، و أخذوا اثنين و أربعين ألف درهم و شيئا و يسيرا من الدنانير، ثمّ تتبّعوا و أخذوا بعد ذلك.

و فيها خرج محمّد بن عبد اللََّه الخارجيُّ الثعلبيُّ في ثلاثة عشر رجلا في ديار ربيعة، فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن أحمد الطُّوسي، و كان على حرب الموصل، في مثل عدّته، فقتل من الخوارج أربعة، و أخذ محمّد بن عبد اللََّه أسيرا، فبعث به إلى سامرّا فحبس.

و فيها قدم وصيف التركيّ من ناحية أصبهان، و الجبال، و فارس، و كان قد سار في طلب الأكراد لأنّهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، و قدم معه بنحو من خمس مائة نفس فيهم غلمان صغار، فحبسوا، و أجيز وصيف

____________

(1) . citra. c. B

(2) . بيت. dda. Bte. P. C

24

بخمسة و سبعين ألف دينار و قلّد سيفا.

و فيها سار جيش للمسلمين إلى بلاد المشركين، فقصدوا جلّيقيّة (1) و قتلوا، و أسروا، و سبوا، و غنموا، و وصلوا إلى مدينة ليون، فحصروها و رموها بالمجانيق، فخاف أهلها، فتركوها بما فيها و خرجوا هاربين، فغنم المسلمون منهم ما أرادوا، و أخربوا الباقي، و لم يقدروا على هدم سورها، فتركوها و مضوا، لأنّ عرضه سبع عشرة ذراعا، و قد ثلموا فيه ثلما كثيرة (2) .

و فيها كان الفداء بين المسلمين و الروم، و اجتمع المسلمون فيها على نهر اللامس، على مسيرة يوم من طرسوس، و اشترى الواثق من ببغداذ[1] و غيرها من الروم، و عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن مسلم‏ (3) بن قتيبة الباهليّ على الثغور و العواصم، و أمره بحضور الفداء هو و خاقان الخادم، و أمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق، و إنّ اللََّه لا يرى في الآخرة، فودي به، و أعطي دينارا، و من لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم.

فلمّا كان في عاشوراء سنة إحدى و ثلاثين اجتمع المسلمون و من معهم من الأسرى على النهر، و أتت الروم و من معهم من الأسرى، و كان النهر بين الطائفتين، فكان المسلمون يطلقون الأسير فيطلق الروم الأسير من المسلمين فيلتقيان في وسط النهر، و يأتي هذا أصحابه، فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبّروا، و إذا وصل الأسير (4) إلى الروم صاحوا، حتّى فرغوا، و كان عدّة أسرى المسلمين أربعة آلاف و أربع مائة و ستّين نفسا، و النساء و الصبيان ثماني مائة، و أهل ذمّة المسلمين مائة نفس، و كان النهر مخاضة تعبره [1]بغداد.

____________

(1) !خليفته. doC

(2) . Bte. P. C. mO

(3) . مسلمة. Bte. P. C

(4) الرومي. b

25

الأسرى، و قيل بل كان عليه جسر.

و لما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن مسلم الباهليّ شاتيا، فأصاب الناس ثلج و مطر، فمات منهم مائتا نفس، و أسر نحوهم، و غرق بالبدندون خلق كثير، فوجد الواثق على أحمد، و كان‏[1] قد جاء إلى أحمد بطريق من الروم، فقال وجوه الناس لأحمد: إنّ عسكرا فيه سبعة آلاف لا تتخوّف‏ (1) عليه، فإن *كنت كذلك‏فواجه القوم و أطرق‏[2] بلادهم، ففعل، و غنم نحوا[3] من ألف بقرة و عشرة آلاف شاة و خرج، فعزله الواثق، و استعمل مكانه نصر بن حمزة الخزاعيّ في جمادى الأولى.

و فيها مات الحسن بن الحسين بطبرستان.

و فيها كان بإفريقية حرب بين أحمد بن الأغلب و أخيه محمّد بن الأغلب، و كان مع أحمد جماعة، فهجموا على محمّد في قصره، و أغلق أصحاب محمّد ابن الأغلب‏[الباب‏]، و اقتتلوا ثمّ كفّوا عن القتال، و اصطلحوا، و عظم أمر أحمد، و نقل الدواوين إليه، و لم يبق لمحمّد من الإمارة إلاّ اسمها، و معناها لأحمد أخيه، فبقي كذلك إلى سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، فاتّفق مع محمّد من بني عمّه و مواليه جماعة، و قاتل أخاه أحمد فظفر به و نفاه إلى الشرق، و استقام أمر محمّد بإفريقية، و مات أخوه أحمد بالعراق‏ (2) .

*و فيها مات أبو عبد اللََّه محمّد بن زياد المعروف بابن الأعرابيّ الرواية في شعبان و هو ابن ثمانين سنة (3) .

[1] فكان.

[2]*كنت لا تواجه القوم و تطرق.

[3] نحو. ـ

____________

(1) . لنحون. A

(2) . Bte. P. C. mO

(3) . A. mO

26

و فيها ماتت أمّ أبيها بنت موسى بن جعفر، أخت عليّ بن الرضا، عليه السلام.

و فيها مات مخارق المغنّي، و أبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعيّ، و عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ، و محمّد بن سعدان النحويّ الضرير توفّي في ذي الحجّة.

و فيها توفّي إبراهيم بن عرعرة، و عاصم بن عليّ بن عاصم‏ (1) بن صهيب الواسطيّ، و محمّد بن سلاّم بن عبد (2) اللََّه الجمحيّ البصريّ، و كان عالما بالأخبار و أيّام الناس‏ (3) ، سلاّم بالتشديد، و عاصم بن عمرو بن عليّ بن مقدّم أبو بشر المقدّميّ، و أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطيّ الفقيه، صاحب الشافعيّ، و كان قد حبس في محنة الناس بخلق القرآن، فلم يجب، و كان من الصالحين، و هارون بن معروف البغداذيّ و كان حافظا للحديث.

____________

(1) . Bte. P. C. mO

(2) . عبيد. P. C

(3) . المسلمين. B

27

232 ثم دخلت سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين‏

ذكر الحرب مع بني نمير

في هذه السنة سار بغا الكبير إلى بني نمير، فأوقع بهم.

و كان سبب ذلك أنّ عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفى امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه، و أنشده، فأمر له بثلاثين ألف درهم، فأخبر الواثق بإفساد بني نمير في الأرض، و إغارتهم على الناس و على اليمامة و ما قرب منها، و كتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم و هو بالمدينة، فسار نحو اليمامة، فلقي من بني نمير جماعة بالريف فحاربهم، فقتل منهم نيفا و خمسين رجلا، *و أسر أربعين رجلا (1) .

ثمّ سار حتّى نزل مرأة، و أرسل إليهم يدعوهم إلى السمع و الطاعة، فامتنعوا، و سار بعضهم إلى نحو جبال السّود، و هي خلف اليمامة، و بثّ بغا سراياه فيهم، فأصابت منهم‏ (2) ، ثمّ سار بجماعة من معه، و هم نحو من ألف رجل، سوى من تخلّف في العسكر من الضعفاء و الأتباع، فلقيهم و قد جمعوا لهم و هم نحو من ثلاثة آلاف بموضع يقال له روضة الأمان على مرحلة من أضاخ‏ (3) [1]، فهزموا مقدّمته، و كشفوا (4) ميسرته، و قتلوا من أصحابه نحوا من [1] أضاح.

____________

(1) . A. mO

(2) . فيهم. Bte. P. C

(3) . sitcnupenis. A

(4) . و كسروا. Bte. P. C

28

مائة رجل و عشرين رجلا (1) و عقروا من إبل عسكره نحو سبع مائة بعير، و مائة دابّة، و انتهبوا الأثقال، و بعض الأموال، ثمّ أدركهم الليل، و جعل بغا يدعوهم إلى الطاعة.

فلمّا طلع الصّبح و رأوا قلّة من مع بغا عبّأوا، و جعلوا رجّالتهم أمامهم، و نعمهم و مواشيهم وراءهم، و حملوا على بغا، فهزموه، حتّى بلغ معسكره، و أيقن من معه بالهلكة.

و كان بغا قد أرسل من أصحابه مائتي فارس إلى طائفة منهم، فبينا هو قد أشرف على العطب، إذ وصل أصحابه إليه منصرفين من وجوههم، فلمّا نظر بنو نمير و رأوهم قد أقبلوا من خلفهم ولّوا هاربين، و أسلموا رجّالتهم، و أموالهم، فلم يفلت من الرجّالة إلاّ اليسير، و أمّا الفرسان فنجوا (2) على خيلهم.

و قيل إنّ الهزيمة على كانت على بغا مذ غدوة إلى انتصاف النهار، ثمّ تشاغلوا بالنهب، فرجع إلى بغا من كان انهزم من أصحابه، فرجع بهم، فهزم بني نمير، و قتل فيهم من زوال الشمس إلى آخر وقت العصر زهاء ألف و خمس مائة راجل، و أقام بموضع الوقعة، فأرسل أمراء العرب يطلبون الأمان، فأمّنهم، فأتوه فقيّدهم، و أخذهم معه إلى البصرة، و كانت الوقعة في جمادى الآخرة.

ثمّ قدم و اجن‏ (3) الأشر و سنيّ على بغا في سبع مائة مقاتل، مددا له، فسيّره بغا في آثارهم، حتّى بلغ تبالة من أعمال اليمن، و رجع، و كان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ليوافيه ببغداذ*بمن عنده من عزارة، و مرّة، و ثعلبة، و كلاب، ففعل، فلقيه ببغداذ (4) ، فسارا جميعا، و قدم بغا سامرّا بمن بقي معه منهم، سوى من هرب و مات و قتل في الحروب فكانوا يزيدون على

____________

(1) . و ثلاثين رجلا. dda. A

(2) . فتموا. A

(3) . و آخر. A

(4) . A. mO

29

ألفي‏ (1) رجل، و مائتي رجل من نمير، و كلاب، و مرّة، و فزارة، و ثعلبة، و طيِّئ.

ذكر موت أبي جعفر الواثق‏

في هذه السنة توفّي الواثق باللََّه أبو جعفر هارون بن محمّد المعتصم في ذي الحجّة لستّ بقين منه، و كانت علّته الاستسقاء، و عولج بالإقعاد (2) في تنّور مسخّن، فوجد لذلك خفّة، فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه‏ (3) ، ففعل ذلك، و قعد فيه أكثر من اليوم الأوّل، فحمي عليه، فأخرج منه في محفّة، و حضر عنده أحمد بن أبي دؤاد[1]، و محمّد بن عبد الملك الزيّات، و عمر بن فرج، فمات فيها، فلم يشعروا بموته، حتّى ضرب بوجهه المحفّة، فعلموا.

و قيل إنّ أحمد بن أبي دؤاد[1] حضره عند موته، و غمّضه‏ (4) ، و قيل إنّه لمّا حضرته الوفاة جعل يردّد هذين البيتين:

الموت فيه جميع الناس‏ (5) مشترك # لا سوقة منهم تبقى‏[2] و لا ملك‏

ما ضرّ أهل قليل في تفاقرهم # و ليس يغني عن الأملاك ما ملكوا

و أمر بالبسط فطويت، و ألصق خدّه بالأرض، و جعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه.

[1] داود.

[2] تبقى منهم.

____________

(1) . ألف. Bte. P. C

(2) . بالجلوس. Bte. P. C

(3) . الوقود. Bte. P. C

(4) . غمصه. Bte. P. C

(5) . الخلق. Bte. P. C

30

و قال أحمد بن محمّد الواثقيّ: كنت فيمن يمرّض‏[1] الواثق، فلحقه غشية، و أنا و جماعة من أصحابه قيام، فقلنا: لو عرفنا خبره، فتقدّمت إليه، فلمّا صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت من الخوف، فرجعت إلى خلف، و تعلقت قنبعة (1) سيفي في عتبة المجلس، فاندقّت، و سلمت من جراحة، و وقفت في موقفي.

ثمّ إنّ الواثق مات، و سجّيناه، و جاء الفرّاشون و أخذوا ما تحته في المجلس، و رفعوه لأنّه مكتوب عليهم، و اشتغلوا بأخذ البيعة، و جلست على باب المجلس لحفظ الميت و رددت‏[2] الباب، فسمعت حسّا، ففتحت الباب، و إذا جرذ[3]قد دخل من بستان هناك، فأكل إحدى عيني الواثق، فقلت: لا إله إلاّ اللََّه، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندقّ سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابّة ضعيفة.

و جاءوا فغسلوه، فسألني أحمد بن أبي دؤاد[4] عن عينه، فأخبرته بالقصّة من أوّلها إلى آخرها فعجب منها.

و لمّا مات صلّى عليه أحمد، و أنزله في قبره، و قيل صلّى عليه أخوه المتوكّل، و دفن بالهاروني بطريق مكّة.

*و كان مولده بطريق مكّة (2) ، و أمّه أمّ ولد اسمها قراطيس، و لمّا اشتدّ مرضه أحضر المنجّمين منهم الحسن بن سهل، فنظروا في مولده، فقدّروا [1] يتمرّض.

[2] وودت.

[3] جرد.

[4] داود.

____________

(1) . قنبيعه. P. C

(2) . A. mO

31

له أن يعيش خمسين سنة، مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلاّ عشرة أيّام و مات.

و كان أبيض، مشربا بحمرة، جميلا، ربعة، حسن الجسم، *قائم العين‏ (1)

اليسرى، فيها نكتة بياض، و كانت خلافته خمس سنين و تسعة أشهر و خمسة أيّام، و كان عمره اثنتين و ثلاثين سنة، *و قيل ستّا و ثلاثين سنة (2) .

ذكر بعض سيرة الواثق باللََّه‏

لمّا توفّي المعتصم، و جلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، و اشتمل على العلويّين، و بالغ في إكرامهم و الإحسان إليهم، و التعهّد لهم بالأموال، و فرّق في أهل الحرمين أموالا لا تحصى، حتّى إنّه لم يوجد في أيّامه بالحرمين سائل.

و لمّا توفّي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كلّ ليلة إلى البقيع، فيبكين عليه، و يندبنه، ففعلوا (3) ذلك بينهم مناوبة حزنا عليه، لما كان يكثر من الإحسان إليهم، و أطلق في خلافته أعشار سفن البحر، و كان مالا (4) عظيما.

قال الحسين بن الضحّاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيّام، أوّل مجلس جلسه، فغنّته جارية إبراهيم بن المهديّ.

ما دري الحاملون، يوم استقلّوا # نعشه، للثّواء أم للبقاء[1]

[1] للقباء.

____________

(1) . في عينه. bte. P. C

(2) . A. mO

(3) . يفعلون. Bte. P. C

(4) . ملكا. Bte. P. C

32

فليقل فيك باكياتك‏[1] ما شئن، صباحا، و عند كلّ مساء

فبكى، و بكينا معه حتّى شغلنا البكاء عن جميع ما كنّا فيه، قال:

ثمّ تغنّى بعضهم فقال:

ودِّع هريرة إنَّ الرَّكب مرتحل، # و هل تطيق وداعا أيُّها الرَّجل‏

فازداد الواثق بكاء، و قال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب و تغني‏ (1)

نفسي‏ (2) ، ثمّ تفرّق أهل المجلس. قال: و قال أحمد بن عبد الوهّاب في الواثق:

أبت دار الأحبّة أن تبينا[2] # أجدَّك ما رأيت لها[3] معينا

تقطّع حسرة من حبّ ليلى # نفوس ما أثبن و لا جزينا[4]

فصنعت فيه علم جارية صالح بن عبد الوهّاب، فغنّاه زرزر الكبير للواثق، فسأله: لمن هذا؟فقال: لعلم، فأحضر صالحا و طلب منه شراءها، فأهداها له، فعوّضه خمسة (3) آلاف دينار، فمطله بها ابن الزيّات، فأعادت الصوت، فقال الواثق: بارك اللََّه عليك، و على من ربّاك!فقالت: و ما ينفع من ربّاني؟ أمرت له بشي‏ء فلم يصل إليه!فكتب إلى ابن الزيّات يأمره بإيصال المال إليه، و أضعفه له، فدفع إليه عشرة آلاف دينار، و ترك صالح عمل السلطان، و اتّجر في المال.

[1] باكيا بك.

[2] أنت دار الأحبّة أن يتينا.

[3] بها.

[4] نفوس ما أنين و لا حزينا.

____________

(1) . ttirB. suMmo ، و يسعى. A

(2) . BmO

(3) . خمسين. A

33

و قال أبو عثمان المازنيّ النحويّ: استحضرني الواثق من البصرة، فلمّا حضرت عنده قال: من خلّفت بالبصرة؟قلت: أختا لي صغيرة. قال:

فما قالت المسكينة؟قلت: ما قالت ابنة الأعشى:

تقول ابنتي، حين جدّ الرحيل: # أرانا سواء و من قد يتم‏[1]

فيا أبتا لا تزل عندنا # فإنّا نخاف بأن تخترم‏

أرانا إذا أضمرتك البلاد # نجفي‏[2] و تقطع منّا الرّحم‏

قال: فما رددت عليها؟قلت: ما قال جرير لابنته:

ثقي باللََّه ليس له شريك # و من عند الخليفة بالنّجاح‏

فضحك، و أمر له بجائزة سنيّة.

ذكر خلافة المتوكّل‏

و في هذه السنة بويع المتوكّل على اللََّه جعفر بن المعتصم، بعد موت الواثق.

*و سبب خلافته أنّه‏[3] لمّا مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد[4] و إيتاخ و وصيف و عمر بن فرج و ابن الزيّات و أبو الوزير أحمد بن خالد، و عزموا على البيعة لمحمّد بن الواثق‏ (1) ، و هو غلام أمرد، قيصر، فألبسوه درّاعة سوداء [1] أيتم.

[2] تخفى.

[3] أنّ.

[4] داود.

3*7

____________

(1) . Bte. P. C. mO

34

و قلنسوة، فإذا هو قصير، فقال وصيف: أما تتّقون اللََّه؟تولّون هذا الخلافة! فتناظروا فيمن تولّونه. فذكروا عدّة، ثمّ أحضر المتوكّل، فلمّا حضر ألبسه أحمد بن أبي دؤاد[1] الطويلة، و عمّمه و قبّل بين عينيه، و قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، و رحمة اللََّه و بركاته!ثمّ غسل الواثق، و صلّي عليه و دفن.

و كان عمر المتوكّل، يوم بويع، ستّا و عشرين‏ (1) سنة، و وضع العطاء للجند لثمانية أشهر، و أراد ابن الزيّات‏[أن‏]يلقّبه المنتصر، فقال أحمد بن أبي دؤاد[1]: قد رأيت لقبا أرجو أن يكون موافقا، و هو المتوكّل على اللََّه، فأمر بإمضائه، فكتب به إلى الآفاق.

و قيل بل رأس المتوكّل في منامه، قبل أن يستخلف، كأنّ سكّرا ينزل عليه من السماء، مكتوب عليه المتوكّل على اللََّه، فقصّها[على‏]أصحابه، فقالوا:

هي و اللََّه الخلافة، فبلغ ذلك الواثق، فحبسه و ضيّق عليه. و حجّ بالناس محمّد ابن داود.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أصاب الحجّاج في العود عطش عظيم، فبلغت الشربة عدّة (2)

دنانير، و مات منهم خلق كثير، *و فيها غدر موسى بالأندلس، و خالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير [1] داود.

____________

(1) . ست عشرة. B

(2) . عشرة. B

35

الأندلس، بعد أن كان قد وافقه، و أطاعه، و سيّر إليه عبد الرحمن جيشا مع ابنه محمّد.

و فيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، و قحط عظيم، و كان ابتداؤه سنة اثنتين و ثلاثين، فهلك فيه خلق كثير من الآدميّين و الدوابّ، و يبست الأشجار، و لم يزرع الناس شيئاً، فخرج الناس هذه السنة يستسقون، فسقوا، و زرعوا و زال عن الناس القحط (1) .

و فيها و لي إبراهيم بن محمّد بن مصعب بلاد فارس.

*و فيها غرق كثير من الموصل‏[و هلك‏]فيها خلق قيل كانوا نحو مائة ألف إنسان، و كان سبب ذلك أنّ المطر جاء بها عظيما لم يسمع بمثله بحيث أنّ بعض أهلها جعل سطلا عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأ ثلاث دفعات في نحو ساعة، و زادت دجلة زيادة عظيمة فركب الماء الربض الأسفل، و شاطئ نهر سوق الأربعاء، فدخل كثيرا من الأسواق، فقيل إنّ أمير الموصل، و هو غانم بن حميد الطُّوسيُّ، كفن ثلاثين ألفا، و بقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء (2) .

*و فيها أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر (3) .

و فيها توفّي الحكم بن موسى، و محمّد بن عامر (4) القرشيّ مصنّف الصوايف و غيرها، و يحيى بن يحيى الغسّانيُّ الدمشقيُّ، و قيل سنة ثلاث و ثلاثين، و قيل غير ذلك، و أبو الحسن عليُّ بن المغيرة الأثرم النحويُّ اللغويّ، و أخذ العلم عن أبي عبيدة و الأصمعيّ.

و فيها توفّي عمرو الناقد.

____________

(1-2) . Bte. P. C. mO

(3) . A. mO

(4) عائذ. B

36

233 ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين‏

ذكر القبض على محمّد بن عبد الملك الزيّات‏

و في هذه السنة قبض المتوكّل على محمّد بن عبد الملك الزيّات و حبسه لسبع خلون من صفر.

و كان سببه أنّ الواثق استوزر محمّد بن عبد الملك، و فوّض الأمور كلّها إليه، و كان الواثق‏ (1) قد غضب على أخيه جعفر المتوكّل، و وكّل عليه من يحفظه و يأتيه بأخباره، فأتى المتوكّل إلى محمّد بن عبد الملك يسأله أن يكلّم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه لا يكلّمه، ثمّ أشار عليه بالقعود فقعد، فلمّا فرغ من الكتب الّتي بين يديه التفت إليه كالمتهدّد و قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أسأل أمير المؤمنين الرضى عنّي، فقال لمن حوله: انظروا، يغضب أخاه ثمّ يسألني أن أسترضيه له!اذهب، فإذا (2) صلحت رضي عنك.

فقام من عنده حزينا، فأتى أحمد بن أبي دؤاد[1]، فقال إليه أحمد، و استقبله على باب البيت، و قبَّله‏ (3) ، و قال: ما حاجتك؟جعلت فداك!قال: جئت لتسترضي أمير المؤمنين لي، قال: أفعل، و نعمة عين و كرامة!فكلّم أحمد [1] داود.

____________

(1) . B

(2) . فإنك. A

(3) . A. mO

37

الواثق به، فوعده و لم يرض عنه، *ثمّ كلّمه فيه ثانية فرضي عنه‏ (1) و كساه.

و لمّا خرج المتوكّل من عند ابن الزيّات كتب إلى الواثق: إنّ جعفرا أتاني في زيّ المخنّثين، له شعر قفا[1]، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه، فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره، و مر من يجزّ شعر قفاه فيضرب به وجهه.

قال المتوكّل: لمّا أتاني رسوله لبست سوادا جديدا، و أتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عنّي، فاستدعى‏[2] حجّاما، فأخذ شعري على السواد الجديد ثمّ ضرب به وجهي، فلمّا ولي الخلافة المتوكّل أمهل حتّى كان صفر، فأمر إيتاخ بأخذ ابن الزيّات و تعذيبه، فاستحضر (2) ، فركب يظنّ أنّ الخليفة يستدعيه، فلمّا حاذى منزل إيتاخ عدل به إليه، فخاف، فأدخله حجرة، و وكّل عليه، و أرسل إلى منازله من أصحابه من هجم عليها، و أخذ كلّ ما فيها، و استصفى أمواله و أملاكه في جميع البلاد.

و كان شديد الجزع، كثير البكاء و الفكر، ثمّ سوهر[3]، *و كان ينخس بمسلّة لئلاّ ينام، ثمّ ترك فنام يوما و ليلة (3) ، ثمّ جعل في تنوّر عمله هو، و عذّب به ابن أسماط (4) المصريّ، و أخذ ماله، فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها*إلى داخل التنّور، و تمنع‏ (5) من يكون فيه من الحركة، و كان ضيّقا بحيث أنّ الإنسان كان يمدّ يديه إلى فوق رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، [1] قفاه.

[2] فاستدعا.

[3] شوهر.

____________

(1) . A. mO

(2) . فاستدعاه. Bte. P. C

(3) . A. mO

(4) . أسباط. Bte. P. C

(5) . من داخل تمنع. Bte. P. C

38

و لا يقدر من يكون فيه يجلس، فبقي أيّاما، فمات.

*و كان حبسه لسبع خلون من صفر و موته‏ (1) لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأوّل، و اختلف في سبب موته، فقيل كما ذكرناه، و قيل بل ضرب فمات و هو يضرب، و قيل مات بغير ضرب، و هو أصحّ.

فلمّا مات حضره ابناه سليمان و عبيد اللََّه، و كانا محبوسين، و طرح على الباب في قميصه الّذي حبس فيه، فقالا: الحمد للََّه الّذي أراح من هذا الفاسق! و غسلاه على الباب و دفناه، فقيل إنّ الكلاب نبشته‏[1] و أكلت لحمه.

قال: و سمع قبل موته يقول لنفسه: يا محمّد لم تقنعك‏ (2) النعمة، و الدوابُّ، و الدار النظيفة، و الكسوة الفاخرة، و أنت في عافية، حتّى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك. ثمّ سكت عن ذلك، و كان لا يزيد على التشهّد، و ذكر اللََّه عزّ و جلّ.

و كان ابن الزيّات صديقا لإبراهيم الصوليّ، فلمّا و لي الوزارة صادره بألف ألف و خمس مائة ألف‏ (3) درهم، فقال الصوليّ:

و كنت أخي برخاء[2] الزمان # فلمّا نبا صرت حربا عوانا

و كنت أذمّ إليك الزمان # فأصبحت منك أذمُّ الزّمانا

و كنت أعدُّك للنائبات # فها أنا أطلب‏[3] منك الأمانا

و قال أيضا:

[1] نتشته.

[2] بإرخاء.

[3] طلب.

____________

(1-3) . A. mO

(2) . تنفعك. A

39

أصبحت من رأي أبي جعفر # في هيئة تنذر بالصَّيلم‏

من غير ما ذنب، و لكنّها # عداوة الزّنديق للمسلم‏

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة حبس عمر بن الفرج الرّخّجيّ، و كان سبب ذلك أنّ المتوكّل أتاه لمّا كان أخوه الواثق ساخطا عليه، و معه صكّ ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فلقيه عمر الخيبة، و أخذ صكّة فرمى به إلى صحن المسجد، و كان حبسه في شهر رمضان، و أخذ ماله، و أثاث بيته، و أصحابه، ثمّ صولح على أحد عشر ألف ألف على أن يردّ عليه ما حيز من ضياع الأهواز حسب‏ (1) ، فكان قد ألبس في حبسه جبّة صوف. قال عليّ بن الجهم يهجوه:

جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما: # تيه الملوك و أفعال الصّعاليك‏

أردت شكرا بلا برّ و مرزئة # لقد سلكت سبيلا غير مسلوك‏

و فيها غضب المتوكّل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصرانيّ كاتب سمّانه، و ضربه، و أخذ ماله، و غضب أيضا على أبي الوزير، و أخذ ماله و مال أخيه و كاتبه.

و فيها أيضا عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، و ولاّه يحيى بن خاقان الخراسانيّ مولى الأزد، و ولّى إبراهيم بن العبّاس بن محمّد بن صول ديوان زمام النفقات.

و فيها ولّى المتوكّل ابنه المنتصر الحرمين و اليمن و الطائف في رمضان.

____________

(1) . A. mO

40

و فيها فلج أحمد بن أبي دؤاد[1] في جمادى الآخرة.

و فيها وثب ميخائيل بن توفيل بأمّه تدورة، فألزمها الدير، و قتل اللقط (1)

لأنّه كان اتّهمها به، فكان ملكها ستّ سنين، و حجّ بالناس في هذه السنة محمّد بن داود.

*و فيها عزل محمّد بن الأغلب أمير إفريقية عامله على الزاب، و اسمه سالم ابن غلبون، فأقبل يريد القيروان، فلمّا صار بقلعة يلبسير أضمر الخلاف و سار إلى الأربس‏ (2) ، فمنعه أهلها من الدخول إليها، فسار إلى باجة، فدخلها، و احتمى بها، فسيّر إليه ابن الأغلب جيشا عليهم خفاجة بن سفيان، فنزل عليه و قاتله، فهرب سالم ليلا، فاتبعه خفاجة، فلحقه و قتله، و حمل رأسه إلى ابن الأغلب، و كان أزهر بن سالم عند ابن الأغلب محبوسا فقتله‏ (3) .

و فيها توفّي يحيى بن معين البغداذيّ بالمدينة، و كان مولده سنة ثمان و خمسين و مائة، و هو صاحب الجرح‏[2] و التعديل، و محمّد بن سماعة القاضي، صاحب محمّد بن الحسن، و قد بلغ مائة سنة و هو صحيح الحواسّ.

[1] داود.

[2] الحرج. ـ

____________

(1) . القسط. A

(2) . الأندلس. doC

(3) . Bte. P. C. mO

41

234 ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و مائتين‏

ذكر هرب محمّد بن البعيث‏

في هذه السنة هرب محمّد بن البعيث بن الجليس، و كان سبب هربه أنّه جي‏ء به أسيرا من أذربيجان إلى سامرّا، و كان له رجل يخدمه يسمّى خليفة، و كان المتوكّل مريضا، فأخبر خليفة ابن البعيث أنّ المتوكّل مات، و لم يكن مات، و إنّما أراد إطماع ابن البعيث في الهرب، فوافقه على الهرب، و أعدّ له دوابّ، فهربا إلى موضعه من أذربيجان، و هو مرند (1) ، و قيل كان له قلعة شاهي، و قلعة يكدر (2) .

و قيل إنّ ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلّم فيه بغا الشرابيُّ، فأخذ منه الكفلاء نحوا من ثلاثين كفيلا منهم محمّد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانيُّ فكان يتردّد بسامرّا، فهرب إلى مرند، و جمع بها الطَّغام‏[1]، و هي مدينة حصينة، و فيها عيون ماء و لها بساتين كثيرة داخل البلد.

و أتاه من أراد الفتنة من ربيعة و غيرهم، فصار في نحو من ألفين و مائي [1] الطعام.

____________

(1) . euqibU مزيد. A

(2) . sitcnupenis. A

42

رجل، و كان الوالي بأذربيجان محمّد بن حاتم بن هرثمة، فقصّر في طلبه فولّى المتوكّل حمدويه بن عليّ بن الفضل السعديّ أذربيجان‏و سيّره على البريد (1) ، و جمع الناس، و سار إلى ابن البعيث، فحصره في مرند، فلمّا طالت مدّة الحصار بعث المتوكّل زيرك التركيّ في مائتي فارس من الأتراك، فلم يصنع شيئا، فوجّه إليه المتوكّل عمر بن سيسيل بن كال‏ (2) في تسع مائة فارس، فلم يغن‏ (3) شيئا، فوجّه بغا الشرابيّ في ألفي فارس.

و كان حمدويه و ابن سيسيل وزيرك قد قطعوا من الشجر الّذي حول مرند نحو مائة ألف شجرة، و نصبوا عليها عشرين منجنيقا، و نصب ابن البعيث عليهم مثل ذلك، فلم يقدروا على الدنوّ، من سور المدينة، فقتل من أصحاب المتوكّل في حربه، في ثمانية أشهر، نحو من مائة رجل، و جرح نحو أربع مائة، و أصاب أصحابه مثل ذلك، و كان حمدويه و عمر وزيرك يغادونه القتال و يراوحونه، و كان أصحابه يتدلّون بالحبال من السور معهم الرماح، فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب الخليفة تجاروا (4) إلى السور، و حموا نفوسهم، فكانوا يفتحون الباب، فيخرجون فيقاتلون، ثمّ يرجعون.

و لمّا قرب بغا الشرابيّ من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن الشليل‏ (5) ، و معه أمان لوجوه أصحاب ابن البعيث*أن ينزلوا، و أمان لابن البعيث أن ينزل على حكم المتوكّل، فنزل من أصحابه خلق كثير بالأمان، ثمّ فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب المتوكّل، و خرج ابن البعيث‏ (6) هاربا، فلحقه قوم من الجند، فأخذوه أسيرا، و انتهب الجند منزله و منازل أصحابه، و بعض منازل أهل المدينة، ثمّ نودي بالأمان، و أخذوا لابن البعيث أختين و ثلاث بنات و عدّة

____________

(1) !إلى اليزيد. A

(2) . سبيل بن كمال. B

(3) . يصنع. B. te. p. c

(4) . لجئوا. B . تجاوا. P. C

(5) . السسل. A

(6) . A. mO

43

من السراري، ثمّ وافاهم بغا الشرابيّ من غد، فأمر فنودي بالمنع من النهب، و كتب بالفتح لنفسه، و أخذ ابن البعيث إليه.

ذكر إيتاخ و ما صار إليه أمره‏

كان إيتاخ غلاما حوريّا (1) ، طبّاخا لسلاّم الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع و تسعين و مائة، و كان فيه شجاعة، فرفعه المعتصم و الواثق و ضمّ إليه أعمالا كثيرة منها المعونة بسامرّا مع إسحاق بن إبراهيم.

و كان المعتصم، إذا أراد قتل أحد، فعند إيتاخ يقتل، و بيده، فحبس منهم أولا المأمون بن سندس، و ابن الزيّات، و صالح بن عجيف و غيرهم، و كان مع المتوكّل في مرتبته، و إليه الجيش، و المغاربة، و الأتراك، و الأموال، و البريد، و الحجابة، و دار الخلافة.

فلمّا تمكّن المتوكّل من الخلافة شرب فعربد على إيتاخ، فهمّ إيتاخ بقتله، فلمّا أصبح المتوكّل قيل له، فاعتذر إليه، و قال: أنت أبي، و أنت ربّيتني، ثمّ وضع عليه من يحسّن له الحجّ، فاستأذن*فيه المتوكّل، فأذن‏ (2) له، و صيّره أمير كلّ بلد يدخله، و خلع عليه، و سار العسكر جميعه بين يديه، و فلمّا فارق جعلت الحجابة إلى و صيف في ذي القعدة، و قيل إنّ هذه القصّة كانت سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين.

____________

(1) . A

(2) . Bte. P. C. mO

44

ذكر الخلف بإفريقية (1)

في هذه السنة خرج عمرو بن سليم التجيبيُ‏ (2) المعروف بالقويع على محمّد ابن الأغلب أمير إفريقية، فسيّر إليه جيشا، فحصره بمدينة تونس هذه السنّة، فلم يبلغوا منه غرضا، فعادوا عنه.

فلمّا دخلت سنة خمس و ثلاثين سيّر إليه ابن الأغلب جيشا، فالتقوا بالقرب من تونس، ففارق جيش ابن الأغلب جمع كثير، و قصدوا القويع فصاروا معه، فانهزم جيش ابن الأغلب و قوي القويع، فلمّا دخلت سنة ستّ و ثلاثين سيّر محمّد بن الأغلب إليه جيشا، فاقتتلوا، فانهزم القويع، و قتل من أصحابه مقتلة عظيمة، و أدرك القويع إنسان، فضرب عنقه، و دخل جيش ابن الأغلب مدينة[1] تونس بالسيف في جمادى الأولى.

ذكر عدّة حوادث‏

حجّ بالناس هذه السنة محمّد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمّد*بن عليّ بن عبد اللََّه بن عبّاس‏ (3) .

و فيها توفّي جعفر بن مبشّر بن أحمد الثقفيُّ المتكلّم، أحد المعتزلة البغداذيّين، و له مقالة يتفرّد بها.

[1] مينة.

____________

(1) rutigelodom. AnitupaC

(2) . المحبي. doC

(3) . Bte. P. C. mO

45

و فيها توفّي أبو خثيمة زهير (1) بن حرب في شعبان، و كان حافظا للحديث، و أبو أيّوب سليمان بن داود بن بشر المقرئُ‏ (2) البصريُّ المعروف *بالشَّاذكونيّ بأصبهان.

و فيها توفّي عليّ بن عبد اللََّه بن جعفر المعروف‏ (3) بابن المدينيّ الحافظ، و قيل سنة خمس و ثلاثين‏[و مائتين‏]، و هو إمام ثقة، و كان والده ضعيفا في الحديث، و إسحاق ابن إسماعيل الطالقانيّ، و يحيى بن أيّوب المقابريّ، و أبو بكر بن أبي شيبة، و أبو الربيع الزهرانيّ.

____________

(1) . رجاء. B

(2) . المغربي. A

(3) . Bte. P. C. mO

46

235 ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين و مائتين‏

ذكر قتل إيتاخ‏

قد ذكرنا ما كان منه مع المتوكّل و سبب حجّه، فلمّا عاد من مكّة كتب المتوكّل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداذ يأمره بحبسه، و أنفذ المتوكّل كسوة و هدايا إلى طريق إيتاخ، فلمّا قرب إيتاخ من بغداذ خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، و كان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرا، فكتب إليه إسحاق:

إنّ أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداذ، و أن يلقاك بنو هاشم، و وجوه الناس، و أن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم، و تأمر لهم بالجوائز.

فجاء إلى بغداذ، فلقيه إسحاق بن إبراهيم، فلمّا رآه إسحاق أراد النزول له، فحلف على إيتاخ أن لا يفعل، و كان في ثلاثمائة من غلمانه و أصحابه، فلمّا صار بباب دار خزيمة وقف إسحاق، و قال له: أصلح اللََّه الأمير، ليدخل!فدخل إيتاخ، و وقف إسحاق على الباب، فمنع أصحابه من الدخول عليه، و وكّل بالأبواب‏ (1) ، و أقام عليها الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال:

قد فعلوها، و لو لم يفعلوا ذلك ببغداذما قدروا عليه، و أخذوا معه ولديه منصورا و مظفَّرا، و كاتبيه سليمان بن وهب و قدامة بن زياد، فحبسوا ببغداذ أيضا.

و أرسل إيتاخ إلى إسحاق: قد علمت ما أمرني به المعتصم و الواثق في أمرك،

____________

(1) . بالأقوام بواب. Bte. P. C

47

و كنت أدافع‏ (1) ، عنك، فليشفّعني‏ (2) [1] ذلك عندك في ولديّ، فأمّا أنا فقد مرّ بي شدّة و رخاء، فما أبالي ما أكلت و ما شربت، و أمّا هذان الغلامان *فلم يعرفا البؤس‏ (3) ، فاجعل لهما طعاما يصلحهما.

ففعل إسحاق ذلك، و قيّد إيتاخ، و جعل في عنقه ثمانين رطلا، فمات في جمادى الآخرة سنة خمس و ثلاثين و مائتين، و أشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنّه لا ضرب به و لا أثر.

و قيل كان سبب موته أنّهم أطعموه و منعوه الماء حتّى مات عطشا، و أمّا ولداه فإنّهما بقيا محبوسين حياة المتوكّل، فلمّا و لي المنتصر أخرجهما، فأمّا مظفّر فبقي بعد أن خرج من السجن ثلاثة أشهر و مات، و أمّا منصور فعاش بعده‏.

ذكر أسر ابن البعيث و موته‏

في هذه السنة قدم بغا الشرابيُّ بابن البعيث في شوّال، و بخليفته أبي الأغرّ (4) ، و بأخويه صقر و خالد، و كاتبه‏ (5) العلاء، و جماعة من أصحابه، فلمّا قربوا من سامرّا حملوا على الجمال ليراهم الناس، فلمّا أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكّل أمر بضرب عنقه، فجاء السّياف، و سبّه المتوكّل، و قال:

ما دعاك إلى ما صنعت؟قال: الشقوة، و أنت الحبل الممدود بين اللََّه و بين [1]فليشفقني.

____________

(1) . أدفع. P. C

(2) . فليغفني. A ، فاستعفني. P. C

(3) . Bte. P. C. mO

(4) . الأعزّ. B

(5) . ابنه. Bte. P. C

48

خلقه، و إنّ لي فيك لظنّين‏ (1) أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، و هو العفو؛ ثمّ قال بلا فصل‏[1]:

أبى الناس إلاّ أنّك اليوم قاتلي # إمام الهدى و الصفح بالمرء أجمل‏

و هل أنا إلاّ جبلة من خطيئة # و عفوك من نور النّبوّة يجبل‏

فإنّك خير السابقين إلى العلى # و لا شكّ أن خير الفعالين تفعل‏

فقال المتوكّل لبعض أصحابه: إنّ عنده لأدبا، فقال: بل يفعل أمير المؤمنين و يمنّ، عليه، فأمر*بردّه، فحبس‏ (2) مقيّدا، و قيل إنّ المعتزّ شفع فيه إلى أبيه فأطلقه، و كان ابن البعيث قد قال حين هرب:

كم قد قضيت أمورا كان أهملها # غيري و قد أخذ الإفلاس بالكظم‏

لا تعذليني فمالي‏[2] ليس ينفعني # إليك عنّي جرى المقدار بالقلم‏

سأتلف المال في عسر و في يسر # إنّ الجواد الّذي يعطي على العدم‏

و مات ابن البعيث بعد (3) دخوله سامرّا بشهر، قيل كان قد جعل في عنقه مائة رطل، فلم يزل على وجه حتّى مات، و جعل بنوه: *جليس، و صقر (4) ، و البعيث، في عداد[3] الشاكريّة مع عبيد اللََّه بن يحيى بن خاقان‏.

[1] فضل.

[2] فما.

[3] عدد.

____________

(1) . P. C

(2) . يحبسه. B . فحبسه. P. C

(3) !قبل. A

(4) . A. mO

49

ذكر البيعة لأولاد المتوكّل بولاية العهد

في هذه السنة عقد المتوكّل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد و هم: محمّد، و لقبه المنتصر باللََّه، و أبو عبد اللََّه محمّد، *و قيل طلحة (1) ، و قيل الزبير، و لقبه المعتزّ باللََّه، و إبراهيم، و لقبه المؤيَّد باللََّه، و عقد لكلّ واحد منهم لواءين:

أحدهما أسود و هو لواء العهد، و الآخر أبيض و هو لواء العمل، فأعطى كلّ واحد منهم ما نذكره.

*فأمّا المنتصر فأقطعه‏ (2) إفريقية و المغرب كلّه، و العواصم‏[1]، و قنَّسرين، و الثغور جميعها، الشاميّة و الجزريّة، و ديار مضر، و ديار ربيعة، و الموصل، و هيت، و عانة (3) ، و الأنبار (4) ، و الخابور، و كور باجرمى، و كور دجلة، و طساسيج‏[2] السواد جميعها، و الحرمين، و اليمن‏ (5) ، و حضرموت، و اليمامة، و البحرين، و السَّند، و مكران، و قندابيل، و فرج بيت الذهب، و كور الأهواز، و المستغلاّت بسامرّا، و ماه الكوفة، و ماه البصرة، *و ماسبذان، و مهر جانقذق، و شهرزور، و الصّامغان، و أصبهان، و قمّ‏ (6) ، و قاشان‏ (7) ، و الجبل جميعه، و صدقات العرب بالبصرة.

*و أمّا المعتزّ فأقطعه‏ (8) خراسان و ما يضاف إليها، و طبرستان، و الرّيّ، [1] و العواسم.

[2] و طساسيح. 4*7

____________

(1) . Bte. P. C. mO

(2) . فكان ما أعطى المنتصر من ذلك. Bte. P. C

(3) . Bte. P. C. mO ، و غايات. A

(4-5-6) . A. mO

(7) . و قاجان. A

(8) . و كان ما أعطى ابنه المعتز كور. Bte. P. C

50

أرمينية، و أذربيجان، و كور فارس، ثمّ أضاف إليه في سنة أربعين‏[و مائتين‏]خزن الأموال في جميع الآفاق، و دور الضرب، و أمر أن يضرب اسمه على الدراهم.

*و أمّا المؤيّد فأقطعه‏ (1) جند دمشق، و جند فلسطين‏.

ذكر ظهور رجل ادّعى النبوّة (2)

و فيها ظهر بسامرّا رجل يقال له محمود بن الفرج النَّيسابوريُّ، فزعم‏[1] أنّه نبيّ، و أنّه ذو القرنين، و تبعه سبعة و عشرون رجلا، و خرج من أصحابه ببغداذ رجلان بباب العامّة، و آخران بالجانب الغربيّ، فأتي به و بأصحابه المتوكّل، فأمر به فضرب‏[2]ضربا شديدا، و حمل إلى باب العامّة، فأكذب نفسه، و أمر أصحابه أن يضربه‏ (3) كلّ رجل منهم عشر صفعات، ففعلوا، و أخذوا له مصحفا فيه كلام قد جمعه، و ذكر أنّه قرآن، و أنّ جبرائيل نزل به، ثمّ مات من الضرب في ذي الحجّة و حبس أصحابه، و كان فيهم شيخ يزعم أنّه نبيّ، و أن الوحي يأتيه‏.

[1] فعزم.

[2] و أمر و ضرب.

____________

(1) . و كان الّذي أعطى المعتز. Bte. P. C

(2) . tsemutisoptsopitneuqestupaccoh. Bte. P. CnI

(3) . A. mO

ـ

51

ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث‏ (1)

و في هذه السنة خرج عبّاس بن وليد المعروف بالطَّبليّ، بنواحي تدمير، لمحاربة جمع اجتمعوا، و قدّموا على أنفسهم رجلا اسمه محمّد بن عيسى بن سابق، فوطئ عبّاس بلدهم، و أوقع بهم، و أصلحهم و عاد.

و فيها ثار[1] أهل تاكرنّا (2) و من يليهم من البربر، فسار إليهم جيش عبد الرحمن، صاحب الأندلس، فقاتلهم، و أوقع بهم، و أعظم النكاية فيهم.

و فيها سيّر عبد الرحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزو الروم، فبلغوا ألّبه‏ (3) .

و فيها كان سيل عظيم في رجب، في بلاد الأندلس، فخرّب جسر استجة، و خرّب الأرحاء، و غرّق نهر إشبيلية ستّ عشرة قرية، و خرّب نهر تاجة (4) ثماني عشرة قرية، و صار عرضه ثلاثين ميلا، و كان هذا حدثا عظيما وقع في جميع البلاد في شهر واحد.

و فيها هلك ردمير بن أذفونس في رجب، و كانت ولايته ثمانية أعوام.

و فيها هلك أبو السول الشاعر سعيد بن يعمر بن عليّ بسرقسطة.

[1] اثار.

____________

(1) . tseed. Bte. P. CnitupaC

(2) sitcnupenis. doC

(3) . إليه. doC

(4) باجة. doC

52

ذكر عدّة حوادث‏

و في هذه السنة أمر المتوكّل أهل الذمّة بلبس الطيالسة العسليّة، و شدّ الزنانير، و ركوب السروج بالركب الخشب، و عمل كرتين في مؤخر السروج، و عمل‏ (1) رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كلّ واحدة[1] منهما قدر أربع أصابع، و لون كلّ واحدة[1] منهما غير لون الأخرى، و من خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليّا، و منعهم من لباس المناطق، و أمر بهدم بيعهم المحدثة، و بأخذ العشر من منازلهم، و أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب‏، و نهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، و لا يعلّمهم مسلم، و أن يظهروا في شعانينهم‏ (2) صليبا، و أن يستعملوه‏[2] في الطريق، و أمر بتسوية قبورهم مع الأرض، و كتب في ذلك إلى الآفاق‏ (3) .

و فيها توفّي إسحاق بن إبراهيم*بن الحسين بن مصعب‏ (4) المصعبيُّ، *و هو ابن أخي طاهر بن الحسين‏ (5) ، و كان صاحب الشُّرطة*ببغداذ أيّام المأمون، و المعتصم، و الواثق، و المتوكّل‏ (6) ، و لمّا مرض أرسل إليه المتوكّل ابنه المعتزّ مع جماعة من القوّاد يعودونه، و جزع المتوكّل لموته.

و فيها مات الحسن بن سهل، كان شرب دواء، فأفرط عليه، فحبس‏ (7) [3] [1] واحد.

[2] يستعملوا.

[3] فجس.

____________

(1) . و يتصير. P. C

(2) . سعابينهم. P. C

(3) . tnused. BniaainmoeuqsucuH

(4-5-6) . Bte. P. C. mO

(7) . حجى. A ، مجر. P. C

53

الطبع، فمات، و كان موته، و موت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجّة في يوم واحد، و قيل مات الحسن في سنة ستّ و ثلاثين.

و فيها في ذي الحجّة تغيّر ماء دجلة إلى الصّفرة ثلاثة أيّام، ففزع الناس، ثمّ صار في لون ماء المدود.

و فيها أتى المتوكّل يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين*بن عليّ بن أبي طالب، عليه السلام‏ (1) . *و كان قد جمع جمعا ببعض النواحي، فأخذ (2) ، و حبس، و ضرب. و حجّ بالناس هذه السنة محمّد بن داود.

و فيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، صاحب الألحان و الغناء، و كان فيه علم و أدب، و له شعر جيّد، و عبيد اللََّه بن عمر بن ميسرة الجشميُ‏ (3)

القواريريُّ في ذي الحجّة، و إسماعيل بن عليّة: و منصور بن أبي مزاحم، و سريج بن يونس*أبو الحرث.

(سريج‏ (4) بالسين المهملة و الجيم) .

____________

(1) . Bte. P. C. mO

(2) . A. mO

(3) . الخيمي. A

(4) . A. mO

54

236 ثم دخلت سنة ست و ثلاثين و مائتين‏

ذكر مقتل محمّد بن إبراهيم‏

في هذه السنة قتل محمّد بن إبراهيم بن مصعب أخو إسحاق بن إبراهيم.

و كان سبب ذلك أنّ إسحاق أرسل ولده محمّد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب الخليفة ليكون نائبا عنه ببابه، فلمّا مات إسحاق عقد المعتزّ لابنه محمّد بن إسحاق على فارس، و عقد له المنتصر على اليمامة و البحرين*و طريق مكّة (1)

في المحرّم من هذه السنّة، و ضمّ إليه المتوكّل أعمال أبيه كلّها، و حمل إلى المتوكّل و أولاده من الجواهر التي كانت لأبيه، و الأشياء النفيسة، كثيرا.

و كان عمّه محمّد بن إبراهيم على فارس، فلمّا بلغه ما صنع المتوكّل و أولاده بابن أخيه ساءه ذلك، و تنكّر للخليفة و لابن أخيه، فشكا محمّد بن إسحاق ذلك إلى المتوكّل، فأطلقه في‏ (2) عمّه ليفعل به ما يشاء (3) ، فعزله عن فارس، و استعمل مكانه ابن عمّه الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، و أمره بقتل عمّه محمّد بن إبراهيم.

فلمّا سار الحسين إلى فارس أهدى إلى عمّه يوم النّيروز هدايا، و فيها حلوى فأكل محمّد منها، و أدخله الحسين بيتا، و وكّل عليه، فطلب الماء ليشرب فمنع منه، *فمات بعد يومين‏ (4) .

____________

(1) . و طريقها. B

(2) . إلى. A

(3) . أحب. P. C

(4) . فعاش بعد ذلك يومين و مات. bte. P. C