الكامل في التاريخ - ج10

- ابن الأثير الجزري المزيد...
687 /
5

الجزء العاشر

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

451) ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و أربعمائة

ذكر وفاة فرّخزاد صاحب غزنة و ملك أخيه إبراهيم‏

في هذه السنة، في صفر، توفّي الملك فرّخزاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، و كان قد ثار به مماليكه سنة خمسين و اتّفقوا على قتله، فقصدوه و هو في الحمّام، و كان معه سيفٌ، فأخذه و قاتلهم، و منعهم عن نفسه حتّى أدركه أصحابه و خلّصوه، و قتلوا أولئك الغلمان.

و صار بعد أن نجا من هذه الحادثة يكثر ذكر الموت و يحتقر الدنيا و يزدريها، و بقي كذلك إلى هذه السنة، فأصابه قولنج فمات منه، و ملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود بن محمود، فأحسن السيرة، فاستعدّ لجهاد الهند، ففتح حصونا امتنعت على أبيه و جدّه، و كان يصوم رجبا و شعبان و رمضان.

ذكر الصّلح بين الملك إبراهيم و جغري بك داود

في هذه السنة استقرّ الصلح بين الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين و بين داود بن ميكائيل بن سلجوق، صاحب خراسان، على أن يكون كلّ‏

6

واحد منهما على ما بيده، و يترك منازعة الآخر في ملكه.

و كان سبب ذلك أنّ العقلاء من الجانبين نظروا فرأوا أنّ كلّ واحد من الملكين لا يقدر على أخذ ما بيد الآخر، و ليس يحصل غير إنفاق الأموال، و إتعاب العساكر، و نهب البلاد، و قتل النفوس، فسعوا في الصّلح، فوقع الاتّفاق و اليمين، و كتبت النّسخ بذلك، فاستبشر الناس، و سرّهم لما أشرفوا عليه من العافية.

ذكر وفاة داود و ملك ابنه ألب أرسلان‏

في هذه السنة، في رجب، توفّي جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق، أخو السلطان طغرلبك، و قيل كان موته في صفر سنة اثنتين و خمسين، و عمره نحو سبعين سنة، و كان صاحب خراسان، و هو مقابل آل سبكتكين و مقاتلهم، و مانعهم عن خراسان، فلمّا توفّي ملك بعده خراسان ابنه السلطان ألب أرسلان، *و خلّف داود عدّة أولاد ذكور منهم: السلطان ألب أرسلان‏ (1) ، و ياقوتي، و سليمان، و قاورت بك، فتزوّج أمّ سليمان السلطان طغرلبك، بعد أخيه داود، و وصّى له بالملك بعده، و كان من أمره ما نذكره.

و كان خيّرا، عادلا، حسن السيرة، معترفا بنعمة اللََّه تعالى عليه، شاكرا عليها، فمن ذلك أنّه أرسل إلى أخيه طغرلبك مع عبد الصمد، قاضي سرخس، يقول له: بلغني إخرابك البلاد التي فتحتها و ملكتها، و جلا أهلها عنها، و هذا ما لا خفاء به في مخالفة أمر اللََّه تعالى في عباده و بلاده، و أنت تعلم ما فيه من سوء السمعة و إيحاش الرعيّة.

____________

(1) . A. mO

7

و قد علمت أنّنا لقينا[1]أعداءنا و نحن في ثلاثين رجلا، و هم في ثلاثمائة، فغلبناهم، و كنّا في ثلاثمائة، و هم في ثلاثة آلاف، فغلبناهم، و كنّا في ثلاثة آلاف، و هم في ثلاثين ألفا، فدفعناهم، و قاتلنا بالأمس شاه ملك، و هو في أعداد كثيرة متوافرة، فقهرناه، و أخذنا مملكته بخوارزم، و هرب من بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به و أسرناه و قتلناه، و استولينا على ممالك خراسان و طبرستان و سجستان، و صرنا ملوكا متبوعين، بعد أن كنّا أصاغر تابعين، و ما تقتضي‏[2] نعم اللََّه علينا أن نقابلها هذه المقابلة.

فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يا أخي أنت ملكت خراسان و هي بلاد عامرة، فخرّبتها، و وجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، و أنا وردت بلادا خرّبها من تقدّمني، و اجتاحها من كان قبلي، فما أتمكّن من عمارتها و الأعداء محيطةٌ بها، و الضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، و لا يمكن دفع مضرّتها عنها و له مناقب كثيرة تركناها خوف التطويل.

ذكر حريق بغداذ

في هذه السنة احترقت بغداذ: الكرخ و غيره، و بين السورين، و احترقت فيه خزانة الكتب التي وقفها أردشير الوزير، و نهبت بعض كتبها، و جاء عميد الملك الكندريُّ، فاختار من الكتب خيرها، و كان بها عشرة آلاف مجلّد و أربعمائة مجلّد من أصناف العلوم منها: مائة مصحف بخطوط بني مقلة، [1]ألقينا.

[2]نقتضي.

8

و كان العامّة (1) قد نهبوا بعضها لمّا وقع الحريق، فأزالهم عميد الملك، و قعد يختارها، فنسب ذلك إلى سوء سيرته، و فساد اختياره، و شتّان بين فعله و فعل نظام الملك الّذي عمّر المدارس، و دوّن العلم في بلاد الإسلام جميعها، و وقف الكتب و غيرها.

ذكر انحدار السلطان إلى واسط و ما فعل العسكر و إصلاح دبيس‏

في هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فراغه من أمر بغداذ، فرآها قد نهبت، و حضر عنده هزارسب بن بنكير، و أصلح معه حال دبيس ابن مزيد، و أحضره معه إلى خدمة السلطان، و أصعد في صحبته إلى بغداذ، و كذلك صدقة بن منصور بن الحسين، و ضمن واسطا أبو عليّ بن فضلان بمائتي ألف دينار، و ضمن البصرة الأغرّ أبو سعد سابور بن المظفّر، و عبر السلطان إلى الجانب الشرقيّ من دجلة، و سار إلى قرب البطائح، فنهب العسكر ما بين واسط و البصرة و الأهواز.

و أصعد السلطان إلى بغداذ في صفر سنة اثنتين و خمسين‏[و أربعمائة]و معه أبو الفتح بن ورّام، و هزارسب بن بنكير بن عياض، و دبيس بن مزيد، و أبو عليّ ابن الملك أبي كاليجار، و صدقة بن‏منصور بن الحسين و غيرهم، و اجتمع السلطان بالخليفة، و أمر الخليفة بعمل طعام كثير حضره السلطان و الأمراء و أصحابهم، و عمل السلطان أيضا سماطا أحضر فيه الجماعة، و خلع عليهم، و سار إلى بلاد الجبل في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين و خمسين، و جعل ببغداذ

____________

(1) . A

9

شحنة الأمير برسق، و ضمنها أبو الفتح المظفّر بن الحسين ثلاث سنين بأربع مائة ألف دينار.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة عزل أبو الحسين بن المهتدي من الخطابة بجامع المنصور لأنّه خطب للعلويّ ببغداذ في الفتنة، و أقيم مقامه بهاء الشرف‏ (1) أبو عليّ الحسن بن عبد الودود بن المهتدي باللََّه.

و فيها توفّي عليّ بن محمود*بن إبراهيم‏ (2) الزوزنيّ أبو الحسن، صحب أبا الحسن الحصريّ، و روى عن أبي عبد الرحمن السّلميّ. و هو الّذي نسب إليه رباط الزوزنيّ المقابل الجامع المنصور.

و فيها، في جمادى الأولى، توفّي محمّد بن عليّ بن الفتح بن محمّد بن عليّ أبو طالب العشاريّ، و مولده في المحرّم سنة ستّ و ستّين و ثلاثمائة، و سمع الدار الدّارقطنيّ و غيره.

____________

(1) . الدولة. A

(2) . A. mO

10

452 ثم دخلت سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة

ذكر عود وليّ العهد إلى بغداذ مع أبي الغنائم بن المحلبان‏

في جمادى الآخرة ورد عدّة الدين أبو القاسم المقتدي بأمر اللََّه، وليّ العهد، و معه جدّته أمّ الخليفة، و خرج الناس لاستقباله، و جلس في الزبزب على رأسه أبو الغنائم بن المحلبان، و قدّم له بباب الغربة فرس، فحمله ابن المحلبان على كتفه*و أركبه و سلّمه إلى مجلس الخليفة، فشكره، و خرج ابن المحلبان فركب‏ (1) في الزبزب، و انحدر إلى دار أفردت له بباب المراتب، و دخل إلى الخليفة و اجتمع به.

و كان سبب مصير وليّ العهد مع ابن المحلبان أنّه دخل داره، فوجد زوجة رئيس الرؤساء و أولاده بها، و هم مطلوبون من البساسيريّ، فعرّفوه أنّ رئيس الرؤساء أمرهم بقصده، فأدخلهم إلى أهله، و أقام لهم من حملهم إلى ميّافارقين، فساروا مع قرواش لمّا أصعد من بغداذ، و لم يعلم بهم.

ثمّ لقيه أبو الفضل محمّد بن عامر الوكيل، و عرّفه ما عليه وليّ العهد و من معه من إيثار الخروج من بغداذ، و ما هم عليه من تناقص الحال، فبعث ابن المحلبان زوجته، فأتته بهم سرّا، فتركهم عنده ثمانية أشهر، و كان يحضر ابن

____________

(1) . A. mO

11

البساسيريّ و أصحابه، و يعمل لهم الدعوات، و وليّ العهد و من معه مستترون عنده، يسمعون ما يقول أولئك فيهم.

ثم اكترى لهم، و سار هو في صحبتهم إلى قريب سنجار، ثم حملوا إلى حرّان، و سار مع صاحبها أبي الزمام منيع بن وثّاب النّميريّ، حين قصد الرحبة، و فتح قرقيسيا، و عقد لعدّة الدين على بنت منيع، و انحدروا إلى بغداذ.

ذكر ملك محمود بن شبل الدولة حلب‏

في هذه السنة، *في جمادى الآخرة (1) ، حصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس الكلابيّ مدينة حلب، و ضيّق عليها، و اجتمع مع جمع كثير من العرب، فأقام عليها، فلم يتسهّل له فتحها، فرحل عنها، ثم عاودها فحصرها، فملك المدينة عنوة (2) *في جمادى الآخرة، بعد أن حصرها (3) ، و امتنعت القلعة عليه.

و أرسل من بها إلى المستنصر باللََّه، صاحب مصر و دمشق، يستنجدونه‏[1]، فأمر ناصر الدولة أبا محمّد الحسين بن الحسن بن حمدان، الأمير بدمشق، أن يسير بمن عنده من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود، فسار إلى حلب، فلمّا سمع محمود بقربة (4) منه خرج من حلب، و دخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها.

[1]يستنجدوه.

____________

(1) . a. mo

(2) . a

(3-4) بقربهم. a

12

ثم إنّ الحرب وقعت بين محمود و ناصر الدولة بظاهر حلب، و اشتدّ القتال بينهم، فانهزم ناصر الدولة و عاد مقهورا إلى مصر، و ملك محمود حلب، و قتل عمّه معزّ الدولة، و استقام أمره بها، و هذه الوقعة تعرف بوقعة الفنيدق، و هي مشهورة.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة خلع السلطان طغرلبك على محمود بن الأخرم الخفاجيّ، و ردّت إليه إمارة بني خفاجة، و ولاية الكوفة، و سقي‏ (1) الفرات، و ضمن خواصّ السلطان هناك بأربعة آلاف دينار كلّ سنة، و صرف عنها رجب بن منيع.

و فيها توفّي أبو محمّد النَّسَويّ‏ (2) ، صاحب الشّرطة ببغداذ، و قد جاوز ثمانين سنة.

و فيها سدّ بنو ورّام بثق النَّهروانات، و شرع العميد أبو الفتح في عمارة بثوق‏ (3) الكرخ.

و فيها، في ذي القعدة، توفّيت خاتون زوجة السلطان طغرلبك بزنجان، فوجد عليها وجدا شديدا، و حمل تابوتها إلى الرَّيّ فدفنت بها.

و فيها، ثالث جمادى الآخرة، انقضّ كوكب عظيم القدر عند طلوع الفجر من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق، فطال لبثه.

و فيها جمع عطيّة بن صالح بن مرداس جمعا و حصر الرحبة، و ضيّق على أهلها، فملكها في صفر من هذه السنة.

____________

(1) . و شقي. a

(2) الفسوي. a

(3) سوق. p. c .

13

و فيها توفّيت والدة الخليفة القائم بأمر اللََّه، و اسمها قطر النّدى، و قيل بدر الدّجى، و قيل علم، و هي جارية أرمينيّة.

و فيها توفّي محمّد بن الحسين بن محمّد بن الحسن أبو عليّ المعروف بالجازريّ النهروانيّ، و كان مكثرا من الرواية، *الجازريّ بالجيم و بعد الألف زاي ثم راء.

و فيها توفّي باي أبو منصور الفقيه الجيليّ، بالباء الموحّدة و بعد الألف ياء تحتها نقطتان، و محمّد بن عبيد بن أحمد بن محمّد أبو عمرو بن أبي الفضل، الفقيه المالكيّ‏ (1) .

____________

(1) . P. C. mO

14

453 ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة

ذكر وزارة ابن دارست للخليفة

لمّا عاد الخليفة إلى بغداذ استخدم أبا تراب الأثيريّ في الإنهاء، و حضور المواكب، و لقّبه حاجب الحجّاب، و كان قد خدمه بالحديث، و قرب منه، فخاطب الشيخ أبو منصور بن يوسف في وزارة أبي الفتح منصور بن أحمد بن دارست، و قال إنّه يخدم بغير إقطاع، و يحمل مالا، فأجيب إلى ذلك، فأحضر من الأهواز إلى بغداذ، و خلع عليه خلعة الوزارة منتصف ربيع الآخر، و جلس في منصبه، و مدحه الشعراء، فممّن مدحه و هنّأه أبو الحسن الخبّاز بقصيدة منها:

أمِنَ المُلكُ بالأمينِ أبي الفَتح # و صُدَّت‏ (1) عن صَفوهِ الأقذاءُ

دولةٌ أصبحت، و أنتَ وليُّ # الرأيِ فيها، لَدَولةٌ غَرّاءُ

و هي طويلة. و كان ابن دارست في أوّل أمره تاجرا للملك أبي كاليجار.

____________

(1) . وسدت. A

15

ذكر موت المعزّ بن باديس و ولاية ابنه تميم‏

في هذه السنة توفّي المعزّ بن باديس، صاحب إفريقية، من مرض أصابه، و هو ضعف الكبد، و كانت مدّة ملكه سبعا[1] و أربعين سنة، و كان عمره لمّا ملك إحدى عشرة سنة، و قيل ثماني سنين و ستّة أشهر.

و كان رقيق القلب، خاشعا، متجنّبا لسفك الدماء إلاّ في حدّ، حليما، يتجاوز عن الذنوب العظام، *حسن الصّحبة مع عبيده و أصحابه، مكرما لأهل العلم، كثير العطاء لهم‏ (1) ، كريما، وهب مرّة مائة ألف دينار للمستنصر الزناتيّ و كان عنده و قد جاءه هذا المال، فاستكثره، فأمر به فأفرغ بين يديه، ثم وهبه له، فقيل له: لم أمرت بإخراجه من أوعيته؟قال: لئلاّ يقال لو رآه ما سمحت نفسه به، و كان له شعر حسنٌ.

و لمّا مات رثاه الشعراء، فمنهم أبو الحسن بن رشيق فقال:

لكلّ حيّ و إن طال المدى هلك # لا عزّ مملكة يبقى، و لا ملك‏

ولّى المعزّ على أعقابه فرمى‏ (2) ، # أو كاد ينهد من أركانه الفلك‏

مضى فقيدا، و أبقى في خزائنه # هام الملوك، و ما أدراك ما ملكوا

ما كان إلاّ حساما سلّه قدر # على الذين بغوا في الأرض و انهمكوا

كأنّه لم يخض للموت بحر وغى # ، خضر البحار، إذا قيست به، برك‏

[1]سبع.

____________

(1) . a. mo

(2) . tsemutpircsrepus فرعى. p. cni ، فدعى. a

16

و لم يجد بقناطير مقنطرة # قد أرّخت‏ (1) [1] باسمه إبريزها السكك‏ (2)

روح المعزّ و روح الشّمس قد قبضا، # فانظر بأيّ ضياء يصعد الفلك‏ (3)

و لمّا توفّي ملك بعده ابنه تميم، و كان مولد تميم بالمنصوريّة التي هي مقرّه‏ (4) ، منتصف رجب سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة، و ولاّه المهديّة في صفر سنة خمس و أربعين‏[و أربعمائة]، فأقام بها إلى أن وافاه أبوه المعزّ، لمّا انتزح عن القيروان من العرب، و قام بخدمة أبيه، و أظهر من طاعته و برّه ما بان [به‏]كذب ما كان ينسب إليه.

و لمّا استبدّ بالملك بعد أبيه سلك طريقه في حسن السيرة، و محبّة أهل العلم، إلاّ أنّه كان أصحاب البلاد قد طمعوا بسبب العرب، و زالت الهيبة و الطاعة عنهم في أيّام المعزّ، فلمّا مات ازداد طمعهم، و أظهر كثير منهم الخلاف، فممّن أظهر الخلاف القائد حمّو بن مليك، صاحب سفاقس، و استعان بالعرب، و قصد المهديّة ليحاصرها، فخرج إليه تميم و صافّه، فاقتتلوا، فانهزم حمّو و أصحابه، و كثر القتل فيهم، و مضى حمّو و نجا بنفسه، و تفرّقت خيله و رجاله، و كان ذلك سنة خمس و خمسين‏[و أربعمائة].

و سار تميم‏ (5) إلى سوسة، و كان أهلها قد خالفوا أباه المعزّ و عصوا عليه، فملكها و عفا عن أهلها.

[1] أرعت.

____________

(1) . ارتجت‏ etrof أربحت. p. c

(2) . a. mo

(3) . الملك. a

(4) صبره. a

(5) a .

17

ذكر وفاة قريش صاحب الموصل و إمارة ابنه شرف الدولة

في هذه السنة توفّي قريش بن بدران صاحب الموصل و نصيبين، أصابه خروج الدم من فيه و أنفه و عينيه و أذنيه، فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين، حتّى حفظ خزانته بها، و توفّي هناك.

و سمع‏ (1) فخر الدولة أبو نصر محمّد بن محمّد بن جهير حاله، فسار من دارا إلى نصيبين، و جمع بني عقيل على أن يؤمّروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم، و كان القائم بأمره جابر بن ناشب، فزوّجه فخر الدولة بأخت مسلم، و زوّج مسلما بابنة نصر بن منصور.

ذكر وفاة نصر الدولة بن مروان‏

في هذه السنة توفّي نصر الدولة أحمد بن مروان الكرديّ، صاحب ديار بكر، و لقّبه القادر باللََّه نصر الدولة، و كان عمره نيّفا و ثمانين سنة، و إمارته اثنتين و خمسين سنة، و استولى على الأمور ببلاده استيلاء تامّا، و عمر الثغور و ضبطها، و تنعّم تنعّمالم يسمع بمثله عن أحد من أهل زمانه.

و ملك من الجواري المغنّيات ما اشترى بعضهنّ بخمسة آلاف دينار، و أكثر من ذلك، و ملك خمسمائة سرّية سوى توابعهن، و خمسمائة خادم.

و كان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار، و تزوّج من بنات الملوك جملة، و أرسل طبّاخين إلى الديار المصريّة، و غرم على إرسالهم

____________

(1) . و كان. P. C

18

جملة وافرة حتّى تعلّموا الطّبخ من هناك.

و أرسل إلى السلطان طغرلبك هدايا عظيمة، من جملتها الجبل الياقوت الّذي كان لبني بويه، اشتراه من الملك العزيز (1) أبي منصور بن جلال الدولة، و أرسل معه مائة ألف دينار سوى ذلك.

و وزر له أبو القاسم بن المغربيّ، و فخر الدولة بن جهير، و رخصت الأسعار في أيّامه، و تظاهر الناس بالأموال، و وفد إليه الشعراء، و أقام عنده العلماء و الزهّاد.

و بلغه أنّ الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد، فأمر أن يطرح لها الحبّ من الأهراء التي له، فكانت في ضيافته طول عمره.

و لمّا مات اتّفق وزيره فخر الدولة بن جهير و ابنه نصر، فرتّب نصرا في الملك بعد أبيه، و جرى بينه و بين أخيه سعيد حروب شديدة كان الظفر في آخرها لنصر، فاستقرّ في الإمارة بميّافارقين و غيرها، و ملك أخوه سعيد آمد.

ذكر عدّة حوادث‏

في رجب خلع على الكامل أبي الفوارس طراد بن محمّد الزينبيّ، و قلّد نقابة النقباء، و لقّب الكامل ذا[1] الشرفين.

و فيها توفّي شمس الدين أسامة بن أبي عبد اللََّه بن عليّ‏[تولّى‏]نقابة العلويّين ببغداذ، و لقّب المرتضى.

[1] ذو.

____________

(1) . P. C

19

*و فيها، في جمادى الأولى، انكسفت‏[1] الشمس جميعها، فظهرت الكواكب، و أظلمت الدنيا، و سقطت الطيور الطائرة (1) .

و فيها، في شهر رمضان، توفّي شكر العلويّ الحسينيّ‏ (2) ، أمير مكّة، و له شعر حسن، فمنه:

قوّض خيامك‏ (3) عن أرض تضام بها، # و جانب الذّلّ، إنّ الذّلّ مجتنب‏

و أرحل إذا كان في الأوطان منقصةٌ # فالمندل الرّطب في أوطانه حطب‏

و فيها توفّي أبو القاسم عليّ بن*محمّد بن يحيى‏ (4) الشمشاطي‏ (5) بدمشق، و كان عالما بالهندسة و الرياضيّات من علوم الفلاسفة، *و إليه ينسب الرباط الّذي عند جامع دمشق‏ (6)

[1]-انكشف. ـ

____________

(1-4-6) . P. c. mo

(2) الحسني. p. c

(3) ركابك. a

(5) . السميساطي. A

20

454 ثم دخلت سنة أربع و خمسين و أربعمائة

ذكر نكاح السلطان طغرلبك‏ (1) ابنة الخليفة

في هذه السنة عقد للسلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر اللََّه، و كانت الخطبة تقدّمت سنة ثلاث و خمسين‏[و أربعمائة]مع أبي سعد قاضي الرَّيّ، فانزعج الخليفة من ذلك، و أرسل في الجواب أبا محمّد التميميَّ، و أمره أن يستعفي، فإن أُعفي، و إلاّ تمّم الأمر على أن يحمل السلطان ثلاثمائة ألف دينار، و يسلّم واسطا و أعمالها.

فلمّا وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الوزير ما ورد فيه من الاستعفاء، فقال: لا يحسن أن يردّ السلطان، و قد سأل و تضرّع، و لا يجوز مقابلته أيضا بطلب الأموال و البلاد، فهو يفعل أضعاف ما طلب منه.

فقال التميميُّ: الأمر لك، و مهما فعلته فهو[1] الصواب، فبنى الوزير الأمر على الإجابة، و طالع به السلطان، فسرّ به، و جمع الناس و عرّفهم أنّ همّته سمت به إلى الاتصال بهذه الجهة النبويّة، و بلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك. و تقدّم إلى عميد الملك الوزير أن يسير و معه أرسلان خاتون، زوجة [1]-هو.

____________

(1) . A

21

الخليفة، و أن يصحبها مائة ألف‏ (1) دينار برسم الحمل، و ما شاكلها من الجواهر و غيرها، و وجّه معه فرامرز بن كاكويه، و غيره من وجوه الأمراء و أعيان الرَّيّ.

فلمّا وصل إلى الإمام القائم بأمر اللََّه، و أوصل خاتون زوجة الخليفة إلى دارها، و أنهى حضوره و حضور من معه، ذكر حال الوصلة، فامتنع الخليفة من الإجابة إليها و قال: إن أعفينا، و إلاّ خرجنا من بغداذ.

فقال عميد الملك: كان الواجب الامتناع من غير اقتراح، و عند الإجابة إلى ما طلب، فالامتناع سعيٌ على دمي، و أخرج خيامه إلى النَّهروان، فاستوقفه قاضي القضاة، و الشيخ أبو منصور بن يوسف، و أنهيا إلى الخليفة عاقبة انصرافه على هذا الوجه، *و صنع له‏ (2) ابن دارست وزير الخليفة*دعوة، فحضر عنده‏ (3) ، فرأى على مسجد مكتوبا: معاوية خال عليّ، فأمر بحكّه.

و كتب من الديوان إلى خمارتكين الطغرائيّ كتابا يتضمّن الشكوى من عميد الملك، فورد الجواب عليه بالرفق، و كتب الخليفة إلى عميد الملك: نحن نردّ الأمر إلى رأيك، و نعوّل على أمانتك و دينك.

فحضر يوما عند الخليفة، و معه جماعة من الأمراء، و الحجّاب، و القضاة و الشهود، فأخذ المجلس لنفسه، و لم يتكلّم سواه، و قال للخليفة: أسأل مولانا أمير المؤمنين التطوّل بذكر ما شرّف به العبد المخلص شاهنشاه، ركن الدين، فيما رغب فيه ليعرفه الجماعة.

فغالطه، و قال: قد سطّر في المعنى ما فيه كفاية. فانصرف عميد الملك مغيظا (4) ، و رحل في السادس و العشرين‏ (5) من جمادى الآخرة، و أخذ المال

____________

(1) ألف. a. dda

(2) و حضر دعوة. p. c. a

(3) . p. c. mo

(4) مغبضا. a

(5) . عشر. p. c

22

معه إلى همذان، و عرّف السلطان أنّ السبب في اتّفاق الحال من خمارتكين الطغرائيّ. فتغيّر السلطان عليه، فهرب في ستّة غلمان.

و كتب السلطان إلى قاضي القضاة و الشيخ أبي منصور بن يوسف يعتب و يقول: هذا جزاء من الخليفة الّذي قتلت أخي في خدمته، و أنفقتُ أموالي في نصرته، و أهلكت خواصّي في محبّته. و أطال العتاب، و عاد الجواب إليه بالاعتذار.

و أمّا الطغرائيّ فإنّه أدرك ببروجرد فقال أولاد إبراهيم ينّال للسلطان:

إنّ هذا قتل أبانا، و نسأل أن نمكّن من قتله، و أعانهم عميد الملك، فأذن لهم في قتله، فساروا إلى طريقه و قتلوه، و جعل مكانه ساوتكين، و بسط (1) الكندريُّ لسانه. و طلب طغرلبك ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لتعاد إليه، و جرى ما كاد[1] يفضي إلى الفساد الكلّيّ.

فلمّا رأى الخليفة شدّة الأمر أذن في ذلك، و كتب الوكالة باسم عميد الملك، و سيّرت الكتب مع أبي الغنائم بن المحلبان، و كان العقد في شعبان سنة أربع و خمسين‏[و أربعمائة]بظاهر تبريز، و هذا ما لم يجر للخلفاء مثله، فإنّ بني بويه مع تحكّمهم و مخالفتهم لعقائد الخلفاء لم يطمعوا في مثل هذا و لا ساموهم فعله.

و حمل السلطان أموالا كثيرة، و جواهر نفيسة للخليفة، و لوليّ العهد، و للجهة المطلوبة، و لوالدتها، و غيرهم، و جعل بعقوبا و ما كان بالعراق للخاتون زوجة السلطان التي توفّيت للسيدة ابنة الخليفة.

[1] كان.

____________

(1) . لعله و بسط. gramni. Ata ، و سبط. P. Cte. A. ldoB. ddoC

23

ذكر عزل ابن دارست و وزارة ابن جهير

في هذه السنة عزل أبو الفتح محمّد بن منصور بن دارست من وزارة الخليفة.

و سببه أنّه وصل معه إنسان يهوديّ يقال له ابن علاّن، فضمن أعمال الوكلاء التي لخاصّ الخليفة بستّة آلاف كرّ غلّة، و مائة ألف دينار، فصحّ منها ألفا كرّ، و ثلاثون ألف دينار، و انكسر الباقي، فظهر عجز ابن دارست و وهنه، فعزل، و عاد إلى الأهواز، فتوفّي بها سنة سبع و ستّين‏[و أربعمائة].

و كان فخر الدولة أبو نصر بن جهير، وزير نصر الدولة بن مروان، قد أرسل يخطب الوزارة، و بذل فيها بذولا كثيرة، فأجيب إليها، و أرسل كامل طراد الزينبيّ إلى ميّافارقين كأنّه رسولٌ، فلمّا عاد سار معه ابن جهير كالمودّع له، فتمّم السير معه.

و خرج ابن مروان في أثره، فلم يدركه، فلمّا وصل إلى بغداذ خرج الناس إلى استقباله، و خلع عليه خلع الوزارة يوم عرفة، و لقّب فخر الدولة، و استقرّ في الوزارة، و مدحه و هنّأه ابن الفضل و غيره من الشعراء.

ذكر عدّة حوادث‏ (1)

في هذه السنة عمّ الرخص جميع الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من التمر بثمانية قراريط.

و فيها توفّي القاضي أبو عبد اللََّه محمّد بن سلامة بن جعفر القضاعيُّ بمصر.

____________

(1) . tidicxe. AnicihmuiloF

24

و فيها سار السلطان طغرلبك إلى قلعة الطِّرم من بلاد الديلم، و قرّر على مسافر ملكها مائة ألف دينار و ألف ثوب.

و فيها مات أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقّب معزّ الدولة بحلب، و قام أخوه عطية مقامه.

و توفّي الحسن بن عليّ بن محمّد أبو محمّد الجوهريُّ، و مولده سنة ثلاث و ستّين و ثلاثمائة، و كان من الأئمّة المكثرين من سماع الحديث و روايته، و هو آخر من حدّث عن أبي بكر القطيعي، و الأبهريّ، و ابن شاذان، و غيرهم.

25

455 ثم دخلت سنة خمس و خمسين و أربعمائة

ذكر ورود السلطان بغداذ و دخوله بابنة الخليفة

في هذه السنة، في المحرّم، توجّه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداذ، و أراد الخليفة أن يستقبله، فاستعفاه من ذلك، و خرج الوزير ابن جهير فاستقبله.

و كان مع السلطان من الأمراء: أبو عليّ ابن الملك أبي كاليجار، و سرخاب ابن بدر، و هزارسب، و أبو منصور فرامرز بن كاكويه، فنزل عسكره في الجانب الغربيّ، فزاد بهم أذى.

و وصل عميد الملك إلى الخليفة، و طالب بالجهة، و بات بالدار، فقيل له:

خطّك موجود بالشرط، و إنّ المقصود بهذه الوصلة الشرف لا الاجتماع، و إنّه إن كانت مشاهدة فتكون في دار الخلافة، فقال السلطان: نفعل هذا، و لكن نفرد له من الدور و المساكن ما يكفيه، و معه خواصّه، و حجّابه، و مماليكه، فإنّه لا يمكنه مفارقتهم. فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر، فجلست على سرير ملبَّس بالذهب، و دخل السلطان إليها، و قبّل الأرض و خدمها، و لم تكشف الخمار عن وجهها، و لا قامت هي له، و حمل لها شيئا كثيرا من الجواهر و غيرها، و بقي كذلك يحضر كلّ يوم يخدم و ينصرف.

و خلع على عميد الملك و عمل السّماط عدّة أيّام، و خلع على جميع الأمراء، و ظهر عليه سرور عظيم، و عقد ضمان بغداذ على أبي سعيد القائنيّ بمائة و خمسين‏

26

ألف دينار، فأعاد ما كان أطلقه رئيس العراقين من المواريث و المكوس، و قبض على الأعرابيّ سعد، ضامن البصرة، و عقد ضمان واسط على أبي جعفر ابن صقالب بمائتي ألف دينار.

ذكر وفاة السلطان طغرلبك‏

في هذه السنة سار السلطان من بغداذ، في ربيع الأوّل، إلى بلد الجبل، فوصل إلى الرَّيّ و استصحب معه أرسلان خاتون ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لأنّها شكت اطّراح الخليفة لها، فأخذها معه، فمرض، و توفّي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان، و كان عمره سبعين سنة تقريبا، و كان عقيما لم يلد ولدا.

و كان وزيره الكندريُّ على سبعين فرسخا، فأتاه الخبر، فسار، و وصل إليه في يومين و هو بعد لم يدفن فدفنه. و جلس له الوزير فخر الدولة بن جهير ببغداذ للعزاء.

حكى عنه الكندريُّ أنّه قال: رأيت، و أنا بخراسان، في المنام كأنّني رفعت إلى السماء، و أنا في ضباب لا أبصر معه شيئا، غير أنّي أشمّ رائحة طيّبة، و أنّني أُنادى: إنّك قريب من الباري، جلّت قدرته، فاسأل حاجتك لتقضى، فقلت‏[1]في نفسي: أسأل طول العمر، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت:

يا ربّ ما يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا ربّ لا يكفيني، فقيل:

لك سبعون سنة. فلمّا مات حسب عميد الملك عمره، على التقريب، فكان سبعين سنة. و كانت مملكته، بحضرة الخلافة، سبع سنين و أحد عشر شهرا و اثني عشر يوما.

[1]-فعلت.

27

و أمّا الأحوال بالعراق، بعد وفاته، فإنّه كتب من ديوان الخلافة إلى شرف الدولةمسلم بن قريش، صاحب الموصل، و إلى نور الدولة دبيس بن مزيد، و إلى هزارسب، و إلى بني ورّام، و إلى بدر بن المهلهل، بالاستدعاء إلى بغداذ، و أرسل لشرف الدولة تشريف، و عمل أبو سعد القائنيُّ، ضامن بغداذ، سورا على قصر عيسى، و جمع الغلاّت. فانحدر إبراهيم بن شرف الدولة إلى أوانا، و تسلّم أصحابه الأنبار، و انتشرت البادية في البلاد، و قطعوا الطرقات.

و قدم إلى بغداذ دبيس بن مزيد، و خرج الوزير ابن جهير لاستقباله، و قدم أيضا ورّام، و توفّي ببغداذ أبو الفتح بن ورّام، مقدّم الأكراد الجاوانيّة، فحمل إلى جرجرايا، و فارق شرف الدولة مسلم بغداذ، و نهب النواحي، فسار نور الدولة، و الأكراد، و بنو خفاجة إلى قتاله.

ثم أرسل إليه من ديوان الخلافة[1] رسول معه خلعة له، و كوتب بالرضاء عنه، و انحدر إليه نور الدولة دبيس، فعمل له شرف الدولة سماطا كثيرا، و كان في الجماعة الأشرف أبو الحسين بن فخر الملك أبي غالب بن خلف، كان قصد شرف الدولة مستجديا، فمضغ لقمة، فمات من ساعته.

و حكى عنه بعض من صحبه أنّه سمعه ذلك اليوم يقول: اللََّهمّ اقبضني، فقد ضجرتُ من الإضاقة!فلمّا توفّي و رفع من السماط خاف شرف الدولة أن يظنّ من حضر أنّه تناول طعاما مسموما قصد به غيره، فقال: يا معشر العرب لا برح منكم أحد، و نهض و جلس مكان ابن فخر الملك المتوفّى، و جعل يأكل من الطعام الّذي بين يديه، فاستحسن الجماعة فعله، و عادوا عنه و خلع على دبيس و ولده منصور و عاد إلى حلّته.

و لمّا رأى الناس ببغداذ انتشار الأعراب في البلاد و نهبها، حملوا السلاح لقتالهم، و كان ذلك سببا لكثرة العيّارين و انتشار المفسدين.

[1] الخلعة.

28

ذكر شي‏ء من سيرته‏

كان عاقلا حليما من أشدّ الناس احتمالا، و أكثرهم كتمانا لسرّه، ظفر بملطّفات كتبها بعض خواصّه إلى الملك أبي كاليجار، فلم يطلعه على ذلك، و لا تغيّر عليه، حتّى أظهره بعد مدّة طويلة لغيره.

و حكى عنه أقضى القضاة الماورديُّ قال: لمّا أرسلني القائم بأمر اللََّه إليه سنة ثلاث و ثلاثين‏[و أربعمائة]كتبت كتابا إلى بغداذ أذكر فيه سيرته و خراب بلاده، و أطعن عليه بكلّ وجه، فوقع الكتاب من غلامي، فحمل إليه، فوقف عليه و كتمه، و لم يحدّثني فيه بشي‏ء، و لا تغيّر عمّا كان عليه من إكرامي.

و كان، رحمه اللََّه، يحافظ على الصلوات، و يصوم الاثنين، و الخميس، و كان لبسه الثياب البياض، و كان ظلوما، غشوما، قاسيا، و كان عسكره يغصبون الناس أموالهم، و أيديهم مطلقة في ذلك نهارا و ليلا.

و كان كريما، فمن كرمه أنّ أخاه إبراهيم ينّال أسر من الروم، لمّا غزاهم، بعض ملوكهم فبذل في نفسه أربعمائة ألف دينار، فلم يقبل إبراهيم منه و حمله إلى طغرلبك، فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان حتّى خاطب طغرلبك في فكاكه، فلمّا سمع طغرلبك رسالته‏أرسل الروميَّ إلى ابن مروان بغير فداء، و سيّر معه رجلا علويّا، فأنفذ ملك الروم إلى طغرلبك ما لم يحمل في الزمان المتقدّم، و هو ألف ثوب ديباج، و خمسمائة ثوب أصناف، و خمسمائة رأس من الكراع إلى غير ذلك، و أنفذ مائتي ألف دينار، و مائة لبنة فضّة، و ثلاثمائة شهري، و ثلاثمائة حمار مصريّة، و ألف عنز بيض الشعور، سود العيون و القرون، و أنفذ إلى ابن مروان عشرة أمناء مسكا، و عمر ملك الروم الجامع الّذي بناه مسلمة بن عبد الملك بالقسطنطينيّة، و عمر منارته، و علّق فيه القناديل، و جعل في محرابه قوسا و نشابة، و أشاع المهادنة.

29

ذكر ملك السلطان ألب أرسلان‏

لمّا مات السلطان طغرلبك أجلس عميد الملك الكندريُّ في السلطنة سليمان ابن داود جغري بك، أخي السلطان طغرلبك، و كان طغرلبك قد عهد إليه بالملك، و كانت والدة سليمان عند طغرلبك، فلمّا خطب له بالسلطنة اختلف الأمراء، فمضى باغي سيان و أردم إلى قزوين، و خطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمّد بن داود جغري بك، و هو حينئذ صاحب خراسان، و معه نظام الملك وزيره، و الناس مائلون إليه. فلمّا رأى عميد الملك الكندريُّ انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة بالرَّيّ للسلطان ألب أرسلان، و بعده لأخيه سليمان.

ذكر خروج حمّو عن طاعة تميم بن المعزّ بإفريقية

في هذه السنة خالف حمّو بن مليك، صاحب مدينة سفاقس بإفريقية، على الأمير تميم بن المعزّ بن باديس، فجمع أصحابه، و استعان بالعرب، و سار إلى المهديّة، فسمع تميم الخبر، فسار إليه بعساكر و معه‏ (1) أيضا طائفة من العرب من زغبة، و رياح، و وصل حمّو إلى سلقطة (2) ، و التقى الفريقان بها، و كانت بينهما حرب شديدة فانهزم حمّو و من معه، و أخذتهم‏[1] السيوف، فقتل أكثر حماته و أصحابه، و نجا بنفسه، و تفرّقت رجاله، و عاد تميم مظفّرا منصورا.

[1] و أخذ بهم.

____________

(1) . AnieanucalsiniF

(2) . سرقسطة. P. C

30

ثم قصد، بعد هذه الحادثة، مدينة سوسة، و كان أهلها قد خالفوا عليه، فملكها، و عفا عنهم و حقن دماءهم.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، *في المحرّم‏ (1) ، قبض بمصر على الوزير أبي الفرج بن المغربيّ.

و فيها دخل الصليحيُّ، صاحب اليمن، إلى مكّة مالكا لها، فأحسن السيرة فيها، و جلب إليها الأقوات، و رفع جور من تقدّم، و ظهرت منه أفعال جميلة.

و فيها، في ربيع الآخر، انقضّ كوكب عظيم، و كان له ضوء كثير.

و فيها، في شعبان، كان بالشام زلزلة عظيمة خرب منها كثير من البلاد، و انهدم سور طرابلس.

و فيها ملك أمير الجيوش بدر دمشق للمستنصر، صاحب مصر، فوصل إليها في الثالث و العشرين من ربيع الآخر، و أقام بها، و اختلف هو و الجند، فثاروا به، و وافقهم العامّة، فضعف عنهم، ففارقها في رجب سنة ستّ و خمسين‏[و أربعمائة].

و فيها توفّي سعيد بن نصر الدولة بن مروان، صاحب آمد، من ديار بكر، و زهير بن الحسين بن عليّ أبو نصر الجذاميُّ، الفقيه الشافعيُّ، تفقّه على أبي حامد الأسفرايينيّ، و سمع الحديث الكثير و رواه، و كان موته بسرخس.

ـ

____________

(1) . A

31

456 ثم دخلت سنة ست و خمسين و أربعمائة

ذكر القبض على عميد الملك و قتله‏

في هذه السنة قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر *منصور بن محمّد (1) الكندريّ وزير طغرلبك.

و سبب ذلك أن عميد الملك قصد خدمة نظام الملك، وزير ألب أرسلان، و قدّم بين يديه خمسمائة دينار، و اعتذر، و انصرف من عنده، فسار أكثر الناس معه، فخوّف السلطان من غائلة ذلك، فقبض عليه و أنفذه إلى مروالرّوذ، و أتت عليه سنة في الاعتقال، ثم نفّذ إليه غلامين فدخلا عليه و هو محموم، فقالا له: تب ممّا أنت عليه، ففعل‏ (2) ، و دخل فودّع أهله، و خرج إلى مسجد هناك فصلّى ركعتين، و أراد الغلامان خنقه، فقال:

لست بلصّ!و خرّق خرقة من طرف كمّه و عصب عينيه، فضربوه بالسيف، و كان قتله في ذي الحجّة، و لفّ في قميص دبيقيّ من ملابس الخليفة، و خرقة كانت البردة التي عند الخلفاء فيها، و حملت جثّته إلى كندر، فدفن عند أبيه، و كان عمره يوم قتل نيّفا و أربعين سنة.

و كان سبب اتّصاله بالسلطان طغرلبك أنّ السلطان لمّا ورد نيسابور طلب رجلا يكتب له، و يكون فصيحا بالعربيّة، فدلّ عليه الموفّق، والد أبي

____________

(1) . P. C. mO

(2) . فافعل. A

32

سهل، و أعطته السعادة، و كان فصيحا، فاضلا، و انتشر من شعره ما قاله في غلام تركيّ صغير السنّ كان واقفا على رأسه يقطع بالسكّين قصبة، فقال عميد الملك فيه:

أنا مشغول بحبّه، # و هو مشغول بلعبه‏

لو أراد اللََّه خيرا، # و صلاحا لمحبّه‏

نقلت رقّة خدَّيهِ- # إلى قسوة قلبه‏

صانه اللََّه فما أكثر- # إعجابي بعجبه‏

و من شعره:

إن كان بالناس ضيقٌ عن مناقشتي‏ (1) ، # فالموت قد وسّع الدُّنيا على الناس‏

مضيت، و الشامت المغبون يتبعني، # كلٌّ لكأس المنايا شاربٌ حاسي‏

و قال أبو الحسن الباخرزيّ يخاطب ألب أرسلان عند قتل الكندريّ:

و عمُّك أدناه، و أعلى محلّه، # و بوّأه من ملكه كنفا رحبا

قضى كلُّ مولًى منكما حقَّ عبده‏[1] # فخوّله الدُّنيا، و خوّلته العقبي‏

و كان عميد الملك خصيّا، قد خصاه طغرلبك لأنّه أرسله يخطب عليه امرأة ليتزوّجها، فتزوّجها هو، و عصى عليه، فظفر به و خصاه، و أقرّه على خدمته.

و قيل بل أعداؤه أشاعوا عنه أنّه تزوّجها، فخصى نفسه ليخلص من سياسة [1] عنده.

____________

(1) . منافسيّ. A

33

السلطنة، فقال فيه عليُّ بن الحسن الباخرزيُّ:

قالوا: محا السلطان عنه بعزّة (1) [1] # سمة الفحول، و كان قرما صائلا

قلت: اسكتوا، فالآن زاد فحولة # لما اغتدى‏ (2) عن أنثييه عاطلا

فالفحل يأنف أن يسمّى بعضه # أنثى، لذلك جذَّه مستأصلا

يعني بالأنثى واحدة الأنثيين.

و كان شديد التعصّب على الشافعيّة، كثير الوقيعة في الشافعيّ، رضي اللََّه عنه، بلغ من تعصّبه‏ (3) أنّه خاطب السلطان في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأدن في ذلك، فأمر بلعنهم، و أضاف إليهم الأشعريّة، فأنف من ذلك أئمّة خراسان، منهم: الإمام أبو القاسم القشيريُّ، و الإمام أبو المعالي الجوينيُّ، و غيرهما، ففارقوا خراسان، و أقام إمام الحرمين بمكّة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، يدرّس، و يفتي، فلهذا لقّب إمام الحرمين، فلمّا جاءت الدولة النظاميّة (4) أحضر من انتزح منهم و أكرمهم، و أحسن إليهم، و قيل إنّه تاب من الوقيعة في الشافعيّ، فإن صحّ فقد أفلح، و إلاّ فعلى نفسها براقش تجني.

و من العجب أنّ ذكره دفن بخوارزم لمّا خصي، و دمه مسفوح بمرو، و جسده مدفون بكندر، و رأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور، و نقل قحفه إلى كرمان لأنّ نظام الملك كان هناك، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

و لمّا قرّب للقتل قال للقاصد إليه: قل لنظام الملك: بئس ما عوّدت الأتراك [1]-تعزة.

____________

(1) . بغرته. P. C

(2) . اعتدى. P. C

(3) . بغضه. A

(4) . سقى اللََّه عهدها صوب الرضوان: . dda. A

34

قتل الوزراء، و أصحاب الديوان، و من حفر قليبا وقع فيه. و لم يخلّف عميد الملك غير بنت.

ذكر ملك ألب أرسلان ختلان و هراة و صغانيان‏

لمّا توفّي طغرلبك و ملك ألب أرسلان عصى عليه أمير ختلان بقلعته، و منع الخراج، فقصده السلطان، فرأى الحصن منيعا على شاهق، فأقام عليه و قاتله، فلم يصل منه إلى مراده.

ففي بعض الأيّام باشر ألب أرسلان القتال بنفسه، و ترجّل، و صعد في الجبل، فتبعه الخلق، و تقدّموا عليه في الموقف، و ألحّوا في الزحف و القتال، و كان صاحب القلعة على شرفة من سورها يحرّض الناس على القتال، فأتته نشّابة من العسكر فقتلته، و تسلّم ألب أرسلان القلعة و صارت في جملة ممالكه.

و كان عمّه فخر الملك بيغو بن ميكائيل في هراة، فعصى أيضا عليه، و طمع في الملك لنفسه، فسار إليه ألب أرسلان في العساكر العظيمة، فحصره و ضيّق عليه، و أدام القتال ليلا و نهارا، فتسلّم المدينة، و خرج عمّه إليه، فأبقى عليه و أكرمه و أحسن صحبته.

و سار من هناك إلى صغانيان، و أميرها اسمه موسى، و كان قد عصى عليه، فلمّا قاربه ألب أرسلان صعد موسى إلى قلعة على رأس جبل شاهق، و معه من الرجال الكماة جماعة كثيرة، فوصل السلطان إليه، و باشر الحرب لوقته، فلم ينتصف النهار حتّى صعد العسكر الجبل، و ملكوا القلعة قهرا، و أُخذ موسى أسيرا، فأمر بقتله، فبذل في نفسه أموالا كثيرة، فقال السلطان: ليس هذا أوان تجارة، و استولى على تلك الولاية بأسرها، و عاد إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور.

35

ذكر عود ابنة الخليفة إلى بغداذ و الخطبة للسلطان ألب أرسلان ببغداذ (1)

في هذه السنة أمر السلطان ألب أرسلان السيّدة ابنة الخليفة بالعود إلى بغداذ، و أعلمها أنّه لم يقبض على عميد الملك إلاّ لما أعتمده من نقلها من بغداذ إلى الرَّيّ بغير رضاء الخليفة، و أمر الأمير ايتكين السليمانيَّ بالمسير في خدمتها إلى بغداذ، و المقام بها شحنة، و أنفذ أبا سهل محمّد بن هبة اللََّه، المعروف بابن الموفَّق، للمسير في الصحبة، و أمره بالمخاطبة في إقامة الخطبة له، فمات في الطريق مجدرا.

و هذا (2) أبو سهل من رؤساء أصحاب الشافعيّ بنيسابور، و كان يحضر طعامه في رمضان، كلّ ليلة، أربع مائة متفقّه، و يصلهم ليلة العيد بكسوة و دنانير تعمّهم، فلمّا سمع بموته أرسل العميد أبا الفتح المظفّر بن الحسين فمات أيضا في الطريق، فألزم السلطان رئيس العراقين بالمسير، فوصلوا بغداذ منتصف ربيع الآخر، و خرج عميد الدولة ابن الوزير فخر الدولة بن جهير لتلقّيهم، و اقترح السلطان أن يخاطب بالولد المؤيّد، فأجيب إلى ذلك، و لقّب ضياء الدين عضد الدولة.

و جلس الخليفة جلوسا عامّا سابع جمادى الأولى، و شافه الرسل بتقليد ألب أرسلان للسلطنة، و سلّمت الخلع بمشهد من الخلق، و أرسل إليه من الديوان لأخذ البيعة النقيب طرادا الزينبيَّ، فوصلوا إليه و هو بنقجوان من أذربيجان، فلبس الخلع، و بايع للخليفة.

____________

(1) . A

(2) . و كان. A

36

ذكر الحرب بين ألب أرسلان و قتلمش‏

سمع ألب أرسلان أنّ شهاب الدولة قتلمش، و هو من السّلجوقيّة أيضا، و هو جدّ الملوك أصحاب قونية، و قيصريّة (1) ، و أقصرا، و ملطية، يومنا هذا. قد عصى عليه، و جمع جموعا كثيرة، و قصد الرَّيّ ليستولي عليها، فجهّز ألب أرسلان جيشا عظيما و سيّرهم على المفازة إلى الرَّيّ، فسبقوا قتلمش إليها.

و سار ألب أرسلان من نيسابور أوّل المحرّم من هذه السنة، فلمّا وصل إلى دامغان أرسل إلى قتلمش ينكر عليه فعله، و ينهاه عن ارتكاب هذه الحال، و يأمره بتركها، فإنّه يرعى‏ (2) له القرابة و الرحم، فأجاب قتلمش جواب مغترّ بمن معه من الجموع، و نهب قرى الرَّيّ، و أجرى الماء على وادي الملح، و هي سبخةٌ، فتعذّر (3) سلوكها، فقال نظام الملك: قد جعلت لك من خراسان جندا ينصرونك و لا يخذلونك، و يرمون دونك بسهام لا تخطى‏ء، و هم العلماء و الزهّاد، فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك.

و قرب السلطان من قتلمش، فلبس نظام الملك السلاح، و عبّأ الكتائب، و اصطفّ العسكران.

و كان قتلمش يعلم‏ (4) علم النجوم، فوقّف‏ (5) و نظر، فرأى أنّ طالعة في ذلك اليوم قد قارنه نحوس لا يرى معها ظفرا، فقصد المحاجزة، و جعل السبخة بينه و بين ألب أرسلان ليمتنع من اللقاء. فسلك ألب أرسلان طريقا في الماء، و خاض غمرته، و تبعه العسكر، فطلع منه سالما هو و عسكره، فصاروا مع

____________

(1) . P. C

(2) . يدعي. A

(3) . متعذر. A

(4) . يعرف. A

(5) . P. C

37

قتلمش و اقتتلوا، فلم يثبت عسكر قتلمش لعسكر السلطان، و انهزموا لساعتهم، و مضى منهزما إلى قلعة كردكوه، و هي من جملة حصونه و معاقلة، و استولى القتل و الأسر على عسكره، فأراد السلطان قتل الأسرى، فشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم و أطلقهم.

و لمّا سكن الغبار، و نزل العسكر، وجد قتلمش ميّتا ملقى على الأرض لا يدرى كيف كان موته، قيل: إنّه مات من الخوف، و اللََّه أعلم، فبكى السلطان لموته، و قعد لعزائه، و عظم عليه فقده، فسلاّه نظام الملك، و دخل ألب أرسلان إلى مدينة الرَّيّ آخر المحرّم من السنة.

و من العجب أنّ قتلمش هذا كان يعلم علم النجوم، قد أتقنه، مع أنّه تركيّ، و يعلم غيره من علوم القوم، ثم إنّ أولاده من بعده لم يزالوا يطلبون هذه العلوم الأوّليّة، و يقرّبون أهلها، فنالهم بهذا غضاضة في دينهم، و سيرد من أخبارهم ما يعلم*منه ذلك‏ (1) و غيره من أحوالهم.

ذكر فتح ألب أرسلان مدينة آني و غيرها من بلاد النصرانيّة

ثم سار السلطان من الرَّيّ أوّل ربيع الأوّل، و سار إلى أذربيجان، فوصل إلى مرند عازما على قتال‏ (2) الروم و غزوهم، فلما كان بمرند أتاه أمير من أمراء التركمان، كان يكثر غزو الروم، اسمه طغدكين، و معه من عشيرته خلق كثير، قد ألفوا الجهاد، و عرفوا تلك البلاد، و حثّه على قصد بلادهم، و ضمن له سلوك الطريق المستقيم إليها، فسار معه، فسلك بالعساكر في مضايق

____________

(1) . به. A

(2) . جهاد. A

38

تلك الأرض و مخارمها، فوصل إلى نقجوان، فأمر بعمل السفن لعبور نهر أرس، فقيل له إن سكّان خويّ، و سلماس، من أذربيجان، لم يقوموا بواجب الطاعة، و إنّهم قد امتنعوا ببلادهم، فسيّر إليهم عميد خراسان، و دعاهم‏ (1) إلى الطاعة، و تهدّدهم‏ (2) إن امتنعوا، فأطاعوا، و صاروا من جملة حزبه و جنده، و اجتمع عليه هناك من الملوك و العساكر ما لا يحصى.

فلمّا فرغ من جمع العساكر و السفن سار إلى بلاد الكرج، و جعل مكانه في عسكره ولده ملك شاه، و نظام الملك وزيره، فسار ملك شاه و نظام الملك إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم، فنزل أهلها منها، و تخطّفوا (3) من العسكر، و قتلوا منهم فئة كثيرة، فنزل نظام الملك و ملك شاه، و قاتلوا من بالقلعة، و زحفوا إليهم، فقتل أمير القلعة و ملكها المسلمون، و ساروا منها إلى قلعة سرمارى‏ (4) ، و هي قلعة فيها المياه الجارية و البساتين، فقاتلوها و ملكوها، و أنزلوا منها أهلها، و كان بالقرب منها قلعة أخرى، ففتحها ملك شاه، و أراد تخريبها، فنهاه نظام الملك عن ذلك، و قال: هي ثغر للمسلمين، و شحنها بالرجال و الذخائر و الأموال و السلاح، و سلّم هذه‏ (5) القلاع إلى أمير نقجوان.

و سار ملك شاه و نظام الملك إلى مدينة مريم نشين‏ (6) ، و فيها كثير من الرهبان و القسّيسين و ملوك النصارى و عامّتهم يتقرّبون إلى أهل هذه البلدة، و هي مدينة حصينة، سورها من الأحجار الكبار الصلبة، المشدودة بالرصاص و الحديد، و عندها نهر كبير، فأعدّ نظام الملك لقتالها*ما يحتاج إليه من السفن و غيرها، و قاتلها، و واصل‏[1] قتالها (7) ليلا و نهارا، و جعل العساكر عليها يقاتلون [1] و وصل.

____________

(1) . يدعوهم. A

(2) . و يتهددهم. A

(3) . و تحفطوا. P. C

(4) . سماري. A

(5) . عدة. A

(6) . وبس. ldoB ، و بسن. A ، و لسر. P. C

(7) . A

39

بالنّوبة، فضجر الكفّار، و أخذهم الإعياء و الكلال، فوصل المسلمون إلى سورها، و نصبوا عليه السلاليم، و صعدوا إلى أعلاه، لأنّ المعاول كلّت عن نقبه لقوّة حجره.

فلمّا رأى أهلها المسلمين على السور فتّ ذلك في أعضادهم، و سقط في أيديهم، و دخل ملك شاه البلد، و نظام الملك، و أحرقوا البيع، و خرّبوها، و قتلوا كثيرا من أهلها، و أسلم كثير فنجوا من القتل.

و استدعى ألب أرسلان إليه ابنه، و نظام الملك، و فرح بما يسّره اللََّه من الفتح على يد ولده، و فتح ملك شاه في طريقه عدّة من القلاع و الحصون، و أسر من النصارى ما لا يحصون كثرة. و ساروا إلى سبيذشهر، فجرى بين أهلها و بين المسلمين حروب شديدة استشهد فيها كثير من المسلمين، ثم إنّ اللََّه تعالى يسّر فتحها فملكها ألب أرسلان.

و سار منها إلى مدينة أعآل‏لآل‏ (1) ، و هي حصينة، عالية الأسوار، شاهقة البنيان، و هي من جهة الشرق و الغرب على جبل عال، و على الجبل عدّة من الحصون، و من الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض، فلمّا رآها المسلمون علموا عجزهم عن فتحها و الاستيلاء عليها، و كان ملكها من الكرج، و هكذا ما تقدّم من البلاد التي ذكرنا فتحها، و عقد السلطان جسرا على النهر عريضا، و اشتدّ القتال، و عظم الخطب‏ (2) ، فخرج من المدينة رجلان يستغيثان، و يطلبان الأمان، و التمسا[1] من السلطان أن يرسل معهما طائفة من العسكر، فسيّر جمعا صالحا، فلمّا جازوا الفصيل أحاط بهم الكرج من أهل المدينة و قاتلوهم فأكثروا القتل فيهم، و لم يتمكّن المسلمون من الهزيمة لضيق المسلك.

[1] و التمسوا.

____________

(1) . لال. A

(2) . الحرب. P. C

40

و خرج الكرج من البلد و قصدوا العسكر، و اشتدّ القتال، و كان السلطان، ذلك الوقت، يصلّي، فأتاه الصَّريخ، فلم يبرح حتّى فرغ من صلاته، و ركب، و تقدّم إلى الكفّار، فقاتلهم، و كبّر المسلمون عليهم، فولّوا منهزمين، فدخلوا البلد و المسلمون معهم، و دخلها السلطان و ملكها، و اعتصم جماعة من أهلها في برج من أبراج المدينة، فقاتلهم المسلمون، *فأمر السلطان‏ (1)

بإلقاء الحطب حول البرج و إحراقه، ففعل ذلك، و أحرق البرج و من فيه، و عاد السلطان إلى خيامه، و غنم المسلمون من المدينة ما لا يحدّ و لا يحصى.

و لمّا جنّ الليل عصفت ريح شديدة، و كان قد بقي من تلك النار التي أحرق بها البرج بقية كثيرة، فأطارتها الريح، فاحترقت المدينة بأسرها، و ذلك في رجب سنة ستّ و خمسين‏[و أربعمائة]، و ملك السلطان قلعة حصينة كانت إلى جانب تلك المدينة، *و أخذها (2) ، و سار منها إلى ناحية قرس، و مدينة آني و بالقرب منها ناحيتان يقال لهما سيل ورده، و نورة، فخرج أهلهما مذعنين بالإسلام، و خرّبوا البيع، و بنوا المساجد.

و سار منها إلى مدينة آني فوصل إليها فرآها مدينة حصينة، شديدة الامتناع، لا ترام، ثلاثة أرباعها على نهر أرس، و الربع الآخر نهر عميق شديد الجرية، لو طرحت فيه‏[1] الحجارة الكبار لدحاها و حملها، و الطريق إليها على خندق عليه سور من الحجارة الصُّمّ، و هي بلدة كبيرة، عامرة، كثيرة الأهل، فيها ما يزيد على خمسمائة بيعة، فحصرها و ضيّق عليها، إلاّ أنّ المسلمين قد أيسوا من فتحها لما رأوا من حصانتها، فعمل السلطان برجا من خشب، و شحنه بالمقاتلة، و نصب عليه المنجنيق، و رماة النشّاب، فكشفوا الروم عن السور، [1]-فيها.

____________

(1) . P. C. mO

(2) . و أخذ ما فيها. A

41

و تقدّم المسلمون إليه لينقبوه، فأتاهم من لطف اللََّه ما لم يكن في حسابهم، فانهدم قطعة كبيرة من السور بغير سبب، فدخلوا المدينة و قتلوا من أهلها ما لا يحصى بحيث أنّ كثيرا من المسلمين عجزوا عن دخول البلد من كثره القتلى، و أسروا نحوا ممّا قتلوا.

و سارت البشرى بهذه الفتوح في البلاد، فسرّ المسلمون، و قرئ كتاب الفتح ببغداذ في دار الخلافة، فبرز خطّ الخليفة بالثناء على ألب أرسلان و الدعاء له.

و رتّب‏[السّلطان‏]فيها أميرا في عسكر جرّار، و عاد عنها، و قد راسله ملك الكرج في الهدنة، فصالحه على أداء الجزية كلّ سنة، فقبل ذلك.

و لمّا رحل السلطان عائدا قصد أصبهان، ثم سار منها إلى كرمان، فاستقبله أخوه قاورت بك بن جغري بك داود، ثم سار منها إلى مرو، فزوّج ابنه ملك شاه بابنة خاقان، ملك ما وراء النهر، و زفّت إليه في هذا الوقت، و زوّج ابنه أرسلانشاه بابنة صاحب غزنة، و اتحد[1] البيتان: البيت السلجوقيّ، و البيت المحموديّ، و اتّفقت الكلمة.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ربيع الأوّل، ظهر (1) بالعراق و خوزستان و كثير من البلاد جماعة من الأكراد، خرجوا يتصيّدون، فرأوا في البرّيّة خيما سودا، [1] و اتحدا.

____________

(1) . ببغداد و. A. ddA

42

و سمعوا منها لطما شديدا، و عويلا كثيرا، و قائلا يقول: قد مات سيّدوك ملك الجنّ، و أيّ بلد لم يلطم أهله عليه و يعملوا[1]له العزاء (1) قلع أصله، و أهلك أهله، فخرج كثير من النساء في‏ (2) البلاد إلى المقابر يلطمن، و ينحن، و ينشرن شعورهنّ، و خرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك، و كان ذلك ضحكة عظيمة.

و لقد جرى في أيّامنا نحن في الموصل، و ما والاها من البلاد إلى العراق، و غيرها، نحو هذا، و ذلك أنّ الناس*سنة ستّمائة (3) أصابهم وجع كثير (4) في حلوقهم، و مات منه كثير من الناس، فظهر أنّ امرأة من الجنّ يقال لها أمّ عنقود، مات ابنها عنقود، و كلّ من لا يعمل له مأتما أصابه هذا المرض، فكثر فعل ذلك، و كانوا يقولون: يا أمّ عنقود اعذرينا. قد مات عنقود ما درينا، و كان النساء يلطمن، و كذلك الأوباش‏[2].

و فيها ولي أبو الغنائم المعمّر بن محمّد بن عبيد اللََّه العلويّ نقابة العلويّين ببغداذ، و إمارة الموسم، و لقّب بالطاهر (5) ذي المناقب، و كان المرتضى أبو الفتح أسامة قد استعفى من النقابة، و صاهر بني خفاجة، و انتقل معهم إلى البرّيّة، و توفّي أُسامة بمشهد أمير المؤمنين عليّ، عليه السلام، في رجب سنة اثنتين و سبعين [و أربعمائة].

و فيها*في جمادى الآخرة (6) توفّي أبو القاسم عبد الواحد بن عليّ بن برهان الأسديّ النحويّ المتكلّم، و كان له اختيار في الفقه، و كان عالما بالنسب، [1] و يعملون.

[2] أوباش.

____________

(1) . المأتم. A

(2) . A. mO

(3) . P. C. mO

(4) . A

(5) . بالظاهر. A

(6) . P. C. mO

43

و يمشي في الأسواق مكشوف الرأس، و لم يقبل من أحد شيئا، و كان موته في جمادى الآخرة، و قد جاوز ثمانين سنة، *و كان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، و يعتقد أنّ الكفّار لا يخلَّدون في النار (1) .

و فيها انقضّ كوكب عظيم، و كثر نوره فصار أكثر من نور القمر، و سمع له دويّ عظيم، ثمّ غاب.

ـ

____________

(1) . P. C. mO

44

457 ثم دخلت سنة سبع و خمسين و أربعمائة

ذكر الحرب بين بني حمّاد و العرب‏

في هذه السنة كانت حرب بين الناصر بن علناس بن حمّاد و من معه من رجال المغاربة من صنهاجة و من زناتة و من العرب: عديّ و الأثبج‏ (1) ، و بين رياح، و زغبة (2) ، و سليم، و مع هؤلاء المعزّ بن زيري الزناتيّ، على مدينة سبتة.

و كان سببها أنّ حمّاد بن بلكّين جدّ الناصر كان بينه و بين باديس بن المنصور من الخلف، و موت باديس محاصرا قلعة حمّاد، ما هو مذكور، و لو لا تلك القلعة لأخذ سريعا، و إنّما امتنع هو و أولاده بها بعده، و هي من أمنع الحصون، و كذلك ما استمرّ بين حمّاد و المعزّ بن باديس، و دخول حمّاد في طاعته ما تقدّم ذكره، و كذلك أيضا ما كان بين القائد بن حمّاد و بين المعزّ، و كان القائد يضمر الغدر و خلع طاعة المعزّ، و العجز يمنعه من ذلك، فلما رأى القائد قوّة العرب، و ما نال المعزّ منهم، خلع الطاعة، و استبدّ بالبلاد، و بعده ولده محسن، و بعده ابن عمّه بلكّين بن محمّد بن حمّاد، و بعده ابن عمّه الناصر بن علناس بن محمّد بن حمّاد، و كلّ منهم متحصن بالقلعة، و قد جعلوها دار ملكهم.

فلمّا رحل المعزّ من القيروان و صبرة إلى المهدبة تمكّنت العرب،

____________

(1) . و الالبح. A ؛ sitcnupenis. P. C

(2) . sitcnupenis. A ، و رعبه. P. C

45

و نهبت الناس، و خرّبت البلاد، فانتقل كثير من أهلها إلى بلاد بني حمّاد لكونها جبالا وعرة يمكن الامتناع بها من العرب، فعمرت بلادهم، و كثرت أموالهم، و في نفوسهم الضغائن و الحقود من باديس، و من بعدهم من أولادهم، يرثه صغير عن كبير.

و ولي تميم بن المعزّ بعد أبيه، فاستبدّ كلّ من هو ببلد و قلعة بمكانه و تميم صابر يداري و يتجلّد.

و اتّصل بتميم أنّ الناصر بن علناس يقع فيه في مجلسه و يذمّه، و أنّه عزم على المسير إليه ليحاصره بالمهديّة، و أنّه قد حالف بعض صنهاجة، و زناتة، و بني هلال ليعينوه على حصار المهديّة. فلمّا صحّ ذلك عنده أرسل إلى أمراء بني رياح، فأحضرهم إليه و قال: أنتم تعلمون أنّ المهديّة حصن منيع، أكثره في البحر، لا يقاتل منه في البرّ غير أربعة أبراج يحميها أربعون رجلا، و إنّما جمع الناصر هذه العساكر إليكم. فقالوا له: الّذي تقوله حقّ، و نحبّ منك المعونة، فأعطاهم المال، و السلاح من الرماح و السيوف و الدروع و الدرق، فجمعوا قومهم، و تحالفوا، و اتّفقوا على لقاء (1) الناصر.

و أرسلوا إلى من مع الناصر من بني هلال يقبّحون عندهم مساعدتهم للناصر، و يخوّفونهم منه إن قوي، و أنّه يهلكهم بمن معه من زناتة. صنهاجة، و أنّهم إنّما يستمرّ لهم المقام، و الاستيلاء على البلاد، إذا تمّ الخلف و ضعف السلطان.

فأجابهم بنو هلال إلى الموافقة، و قالوا: اجعلوا أوّل حملة تحملونها علينا، فنحن ننهزم بالناس، و نعود عليهم، و يكون لنا ثلث الغنيمة. فأجابوهم‏[1] إلى ذلك، و استقرّ الأمر.

[1] فأجابهم.

____________

(1) . P. C

46

و أرسل المعزُّ بن زيري الزناتيُّ إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه أيضا أن ينهزموا، فحينئذ رحلت رياح و زناتة جميعها، و سار إليهم الناصر بصنهاجة، و زناتة، و بني هلال، فالتقت العساكر بمدينة سبتة، فحملت رياح على بني هلال، و حمل المعزُّ على زناتة، فانهزمت الطائفتان، و تبعهم عساكر الناصر منهزمين، و وقع فيهم القتل، فقتل فيمن قتل القاسم بن علناس، أخو الناصر، و كان مبلغ من قتل من صنهاجة و زناتة أربعة[1] و عشرين ألفا، و سلم الناصر في نفر يسير، و غنمت العرب جميع ما كان في العسكر من مال و سلاح و دواب*و غير ذلك، فاقتسموها على ما استقرّ بينهم، و بهذه الوقعة تمّ للعرب ملك البلاد، فإنّهم قدموها في ضيق و فقر و قلّة دوابّ فاستغنوا، و كثرت دوابّهم و سلاحهم، و قلّ المحامي عن البلاد، و أرسلوا الألوية و الطبول و خيم الناصر بدوابّها إلى تميم، فردّها و قال: يقبح بي أن آخذ سلب ابن عمّي!فأرضى العرب بذلك‏ (1) .

ذكر بناء مدينة بجاية

لمّا كانت هذه الوقعة بين بني حمّاد و العرب، *و قويت العرب‏ (2) ، اهتمّ تميم بن المعزّ لذلك، و أصابه حزن شديد، فبلغ ذلك الناصر، و كان له وزير اسمه أبو بكر بن أبي الفتوح، و كان رجلا جيّدا يحبّ الاتّفاق بينهم، و يهوى دولة تميم، فقال للناصر: أ لم أشر عليك أن لا تقصد ابن عمّك، و أن تتّفقا[2] [1] أربع.

[2] تتفقوا.

____________

(1) . علناس بفتح العين المهملة و اللام و النون و بعده سين مهملة. dda. A

(2) . P. C. mO

47

على العرب، فإنّكما لو اتّفقتما لأخرجتما العرب.

فقال الناصر: لقد صدقت، و لكن لا مردَّ لما قدّر، فأصلح ذات بيننا.

فأرسل الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر، و يرغب في الإصلاح، فقبل تميم قوله، و أراد أن يرسل رسولا إلى الناصر، فاستشار أصحابه، فاجتمع رأيهم على محمّد بن البعبع، و قالوا له: هذا رجل غريب، و قد أحسنت إليه، و حصل له منك الأموال و الأملاك. فأحضره، و أعطاه مالا و دوابّ و عبيدا و أرسله، فسار مع الرسول حتّى وصل إلى بجايةَ، و كانت حينئذ منزلا فيه رعيّة من البربر، فنظر إليها محمّد بن البعبع، و قال في نفسه: إنّ هذا المكان يصلح أن يكون به مرسى‏ (1) و مدينة، و سار حتّى وصل إلى الناصر، فلمّا أوصل الكتاب و أدّى الرسالة قال للناصر: معي وصيّة إليك، و أُحبّ أن تخلّي المجلس، فقال الناصر: أنا لا أخفي عن وزيري شيئا. فقال: بهذا أمرني الأمير تميم، فقام الوزير أبو بكر و انصرف، فلمّا خرج قال الرسول:

يا مولاي إنّ الوزير مخامرٌ عليك، هواه مع الأمير تميم، لا يخفي عنه من أمورك شيئا، و تميم مشغول مع عبيده قد استبدّ بهم، و اطّرح صنهاجة و غير هؤلاء، و لو وصلت بعسكرك ما بتَّ إلاّ فيها لبغض‏[1] الجند و الرعيّة لتميم، و أنا أشير عليك بما تملك به المهديّة و غيرها. و ذكر له عمارة بجاية، و أشار عليه أن يتّخذها دار ملك، و يقرب‏ (2) من بلاد إفريقية، و قال له: أنا أنتقل إليك بأهلي، و أدبّر دولتك، فأجابه الناصر إلى ذلك، و ارتاب بوزيره، و سار مع الرسول إلى بجاية، و ترك الوزير بالقلعة.

فلمّا وصل الناصر و الرسول إلى بجاية أراه موضع الميناء و البلد و الدار [1] لبعض.

____________

(1) . P. C

(2) . و تقرب. A

48

السلطانيّة، و غير ذلك، فأمر الناصر من ساعته بالبناء و العمل، و سرّ بذلك، و شكره، و عاهده على وزارته إذا عاد إليه، و رجعا إلى القلعة، فقال الناصر لوزيره: إنّ هذا الرسول محبّ لنا، و قد أشار ببناء بجاية، و يريد الانتقال إلينا، فاكتب له جواب كتبه، ففعل.

و سار الرسول، و قد ارتاب به تميم، حيث تجدّد بناء بجاية عقيب مسيره إليهم، و حضوره مع الناصر فيها، و كان الرسول قد طلب من الناصر أن يرسل معه بعض ثقاته ليشاهد الأخبار و يعود بها، فأرسل معه رسولا (1) يثق به، فكتب معه: إنّني لمّا اجتمعت بتميم لم يسألني*عن شي‏ء (2) قبل سؤاله عن بناء بجاية، و قد عظم أمرها عليه، و اتّهمني، فانظر إلى من تثق به من العرب ترسلهم إلى موضع كذا، فإنّي سائر إليهم مسرعا، و قد أخذت عهود زويلة و غيرها (3) على طاعتك. و سيّر الكتاب، فلمّا قرأه الناصر سلّمه إلى الوزير، فاستحسن الوزير ذلك، و شكره و أثنى عليه، و قال: لقد نصح و بالغ في الخدمة، فلا تؤخّر عنه إنفاذ العرب ليحضر معهم.

و مضى الوزير إلى داره، و كتب نسخة الكتاب، و أرسل الكتاب الّذي بخطّ الرسول إلى تميم، و كتابا منه يذكر له الحال من أوّله إلى آخره. فلمّا وقف تميم على الكتاب عجب من ذلك، و بقي يتوقّع له سببا يأخذه به، إلاّ أنّه جعل عليه من يحرسه في الليل و النهار من حيث لا يشعر، فأتى بعض أولئك الحرس إلى تميم، و أخبره أنّ الرسول صنع طعاما، و أحضر عنده الشريف الفهريَ‏ (4) ، و كان هذا الشريف من رجال تميم و خواصّه، فأحضره تميم، فقال: كنت و أصلا إليك، و حدّثه أنّ ابن البعبع الرسول دعاني، فلمّا حضرت عنده قال:

أنا في ذمامك، أحبّ أن تعرّفني مع من أخرج من المهديّة، فمنعته من ذلك و هو خائف، فأوقفه تميم على الكتاب الّذي بخطّه، و أمره بإحضاره، *فأحضره الشريف‏ (5) .

____________

(1) . رجلا. A

(2-5) . P. C. mO

(3) . P. C

(4) . العميري. A

49

فلمّا وصل إلى باب السلطان لقيه رجل بكتاب العرب الذين سيّرهم الناصر، و معهم كتاب الناصر إليه‏ (1) يأمر بالحضور عنده، فأخذ الكتاب و خرج الأمير تميم، فلمّا رآه ابن البعبع سقطت الكتب منه، فإذا عنوان أحدها: من الناصر بن علناس الى فلان، فقال له تميم: من أين هذه الكتب؟فسكت، فأخذها و قرأها، فقال الرسول ابن البعبع: العفو يا مولانا!فقال: لا عفا اللََّه عنك! و أمر به فقتل و غرّقت جثّته.

ذكر ملك ألب أرسلان جند و صيران‏

في هذه السنة عبر ألب أرسلان جيحون، و سار إلى جند و صيران، و هما عند بخارى، و قبر جدّه سلجوق بجند، فلمّا عبر النهر استقبله ملك جند و أطاعه، و أهدى له هدايا جليلة، فلم يغيّر ألب أرسلان عليه شيئا، و أقرّه على ما بيده، و عاد عنه بعد أن أحسن إليه و أكرمه، و وصل إلى كركانج خوارزم، و سار منها إلى مرو.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة ابتدئ بعمارة المدرسة النظاميّة ببغداذ.

و فيها انقضّ كوكب عظيم، و صار له شعاع كثير أكثر من شعاع‏ (2)

القمر، و سمع له صوت مفزع.

و فيها توفّي محمّد بن أحمد أبو الحسين بن الآبنوسيّ، روى عن الدار الدّارقطنيّ و غيره‏ (3) .

____________

(1-2) . A

(3) . P. C. mO

50

458 ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و أربعمائة

ذكر عهد ألب أرسلان بالسلطنة لابنه ملك شاه‏

في هذه السنة سار ألب أرسلان من مرو إلى رايكان، فنزل بظاهرها، و معه جماعة أمراء دولته، فأخذ عليهم العهود و المواثيق لولده ملك شاه بأنّه السلطان بعده، و أركبه، و مشى بين يديه يحمل الغاشية.

و خلع السلطان على جميع الأمراء، و أمرهم بالخطبة له في جميع البلاد التي يحكم عليها، ففعل ذلك، و أقطع البلاد، فأقطع مازندران للأمير إينانج بيغو، و بلخ لأخيه سليمان بن داود جغري بك، و خوارزم لأخيه أرسلان أرغو، و مرو لابنه الآخر أرسلان شاه، و صغانيان و طخارستان لأخيه إلياس، و ولاية بغشور و نواحيها لمسعود بن أرتاش، و هو من أقارب السلطان، و ولاية أسفرار لمودود بن أرتاش.

ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس‏

في هذه السنة سيّر تميم، صاحب إفريقية، عسكرا كثيفا إلى مدينة تونس، و بها أحمد بن خراسان قد أظهر عليه الخلاف.

و سبب ذلك أنّ المعزّ بن باديس، أبا تميم، لمّا فارق القيروان و المنصوريّة

51

و رحل إلى المهديّة، على ما ذكرناه، استخلف على القيروان و على قابس قائد بن ميمون الصنهاجيَّ، و أقام بها ثلاث سنين، ثم غلبته هوارة عليها، فسلّمها إليهم و خرج إلى المهديّة، فلمّا ولي الملك تميم بن المعزّ بعد أبيه ردّه إليها، و أقام عليها إلى الآن، ثم أظهر الخلاف على تميم و التجأ إلى طاعة الناصر بن علناس ابن حمّاد، فسيّر إليه تميم الآن عسكرا كثيرا، فلمّا سمع بهم قائد بن ميمون علم أنّه لا طاقة له بهم، فترك القيروان و سار إلى الناصر، فدخل عسكر تميم القيروان، و خرّبوا دور القائد، و سار العسكر إلى قابس، و بها ابن خراسان، فحصروه بها سنة و شهرين، ثم أطاع ابن خراسان تميما و صالحه.

و أمّا قائد فإنّه أقام عند الناصر، ثم أرسل إلى أمراء العرب، فاشترى منهم إمارة القيروان، فأجابوه إلى ذلك، فعاد إليها فبنى سورها و حصّنها.

ذكر ملك شرف الدولة الأنبار و هيت و غيرهما

في هذه السنة سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران، صاحب الموصل، إلى السلطان ألب أرسلان، فأقطعه الأنبار، و هيت، و حربي، و السِّنّ، و البوازيج، و وصل إلى بغداذ، فخرج الوزير فخر الدولة بن جهير في الموكب، فلقيه، و نزل شرف الدولة بالحريم الطاهريّ، و خلع عليه الخليفة.

ذكر عدّة حوادث‏

في*العشر الأوّل من‏ (1) جمادى الأولى ظهر كوكب كبير، له ذؤابةٌ طويلة، بناحية المشرق، عرضها نحو ثلاث أذرع، و هي ممتدّة إلى وسط السماء،

____________

(1) . أول. P. C

52

و بقي إلى السابع و العشرين من الشهر و غاب، ثم ظهر أيضا آخر الشهر المذكور، عند غروب الشمس، كوكب‏ (1) قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس و انزعجوا، و لمّا أظلم الليل صار له ذوائب نحو الجنوب، و بقي عشرة أيّام ثم اضمحلّ.

و فيها، في جمادى الآخرة، كانت بخراسان و الجبال زلزلةٌ عظيمة، بقيت تتردّد أيّاما، تصدّعت منها الجبال، و أهلكت خلقا كثيرا، و انخسف منها عدّة قرى، و خرج الناس إلى الصحراء فأقاموا هناك.

*و فيها، في جمادى الأولى، وقع حريق بنهر معلّى، فاحترق من باب الجريد إلى آخر السوق الجديد من الجانبين‏ (2) .

و فيها ولدت‏ (3) صبيةٌ بباب الأزج*ولدا برأسين‏ (4) ، و رقبتين، و وجهين، و أربع أيد على بدن واحد.

و في جمادى الآخرة توفّي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقيّ، و مولده سنة سبع و ثمانين و ثلاثمائة، و كان إماما في الحديث و الفقه على مذهب الشافعيّ، و له فيه مصنّفات أحدها السنن الكبير، عشرة مجلّدات، و غيره من التصانيف الحسنة، و كان عفيفا، زاهدا، و مات بنيسابور.

و في شهر رمضان منها توفّي أبو يعلى محمّد بن الحسين بن الفرّاء الحنبليّ، و مولده سنة ثمانين و ثلاثمائة، و عنه انتشر مذهب أحمد، رضي اللََّه عنه، و كان إليه قضاء الحريم ببغداذ بدار الخلافة، و هو مصنّف كتاب الصفات أتى فيه بكلّ عجيبة، و ترتيب أبوابه يدلّ على التجسيم المحض، تعالى اللََّه عن ذلك، و كان ابن تميميّ الحنبليّ يقول: لقد خرئ أبو يعلى الفرّاء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء.

ـ

____________

(1) . P. C

(2) . P. C. mO

(3) . ولدت. A

(4) . cte لما رأسان. A

53

459 ثم دخلت سنة تسع و خمسين و أربعمائة

ذكر عصيان ملك كرمان على ألب أرسلان و عوده إلى طاعته‏

في هذه السنة عصى ملك كرمان، و هو قرا أرسلان، على السلطان ألب أرسلان.

و سبب ذلك أنّه كان له وزير جاهل سوّلت له نفسه الاستبداد بالبلاد عن السلطان، و أنّ صاحبه، إذا عصى، احتاج إلى التمسّك به، فحسّن لصاحبه الخلاف على السلطان، فأجاب إلى ذلك، و خلع الطاعة، و قطع الخطبة.

فسمع ألب أرسلان، فسار إلى كرمان، فلمّا قاربها وقعت طليعته على طليعة قرا أرسلان، فانهزمت طليعة قرا أرسلان بعد قتال، فلمّا سمع قرا أرسلان و عسكره بانهزام طليعتهم، خافوا و تحيّروا، فانهزموا لا يلوي أحد على آخر، فدخل قرا أرسلان إلى جيرفت و امتنع بها، و أرسل إلى السلطان ألب أرسلان يظهر الطاعة و يسأل العفو عن زلّته، فعفا عنه، و حضر عند السلطان فأكرمه، و بكى و أبكى من عنده، فأعاده إلى مملكته، و لم يغيّر عليه شيئا من حاله، فقال للسلطان: إنّ لي بنات تجهيزهنّ إليك، و أمورهنّ إليك، فأجابه إلى ذلك، و أعطى كلّ واحدة منهنّ مائة ألف دينار سوى الثياب و الإقطاعات‏[1].

[1] و الاقطعات.

54

ثم سار منها إلى فارس فوصل إلى إصطخر، و فتح قلعتها، و استنزل و اليها، فحمل إليه الوالي هدايا عظيمة جليلة المقدار، من جملتها قدح فيروزج، فيه منوان من المسك، مكتوب عليه اسم جمشيد الملك، و أطاعه جميع حصون فارس، و بقي قلعة يقال لها بهنزاد (1) ، فسار نظام الملك إليها، و حصرها تحت جبلها، و أعطى كلّ من رمى‏[1] بسهم و أصاب قبضة من الدنانير، و من رمى‏[1] حجرا ثوبا نفيسا، ففتح القلعة في اليوم السادس عشر من نزوله، و وصل السلطان إليه بعد الفتح، فعظم محلّ نظام الملك عنده، فأعلى منزلته، و زاد في تحكيمه‏

ذكر عدّة حوادث‏

في المحرّم منها توفّي الأغرّ أبو سعد، ضامن البصرة، على باب السلطان بالرَّيّ، و عقدت البصرة و واسط على هزارسب بثلاثمائة ألف دينار.

و في صفر منها وصل إلى بغداذ شرف الملك أبو سعد المستوفي، و بنى على مشهد أبي حنيفة، رضي اللََّه عنه، مدرسة لأصحابه، و كتب الشريف أبو جعفر بن البياضيّ على القبّة التي أحدثها:

أ لم تر أنّ العلم كان مشتّتا، # فجمّعه هذا المغيَّب في اللّحد

كذلك كانت هذه الأرض ميتة، # فأنشرها فضل العميد أبي سعد

[1] رما.

____________

(1) . بهبزاد. idoB ، بهزاد. P. C