الكامل في التاريخ - ج11

- ابن الأثير الجزري المزيد...
563 /
5

الجزء الحادي عشر

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

تتمة من سنة سبع و عشرين و خمسمائة

ذكر حصر المسترشد باللََّه الموصل‏ (1)

في هذه السنة (527) حصر المسترشد باللََّه مدينة الموصل في العشرين من شهر رمضان، و سبب ذلك ما تقدم من قصد الشهيد زنكي بغداد على ما ذكرناه قبل. فلمّا كان الآن قصد جماعة من الأمراء السلجوقية باب المسترشد باللََّه و صاروا معه فقوي بهم.

و اشتغل السلاطين السلجوقية بالخلف الواقع بينهم، فأرسل الخليفة الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الأسفراييني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة و زادها أبو الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة و ناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين زنكي و أهانه و لقيه بما يكره، فأرسل المسترشد باللََّه إلى السلطان مسعود يعرفه الحال الّذي جرى من زنكي و يعلمه أنه على قصد الموصل و حصرها، و تمادت الأيام إلى شعبان فسار عن بغداد في النصف منه في ثلاثين ألف مقاتل.

فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره و ترك الباقي بها

____________

(1) . V. loV bu. B atonrutiddaieallunoitceltirruccomedaeecidaeeuqortunii 740 onatiloponitnatnocssib teA 740 subicidoCesernoitceIsetnairavIIXteIXanimuIoVnI sinisiraP

6

مع نائبة نصير الدين جقر دزدارها و الحاكم في دولته و أمرهم بحفظها، و نازلها الخليفة (1) و قاتلها و ضيق على من بها، و أما عماد الدين فإنه سار إلى سنجار و كان يركب كل ليلة و يقطع الميرة عن العسكر و متى ظفر بأحد من العسكر أخذه و نكل به.

و ضاقت الأمور بالعسكر أيضا و تواطأ جماعة من الجصاصين بالموصل على تسليم البلد فسعي بهم فأخذوا و صلبوا.

و بقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر و لم يظفر منها بشي‏ء و لا بلغه عمن بها وهن و لا قلة ميرة و قوت، فرحل عنها عائدا إلى بغداد، فقيل إن نظر الخادم وصل إليه من عسكر السلطان و أبلغه عن السلطان مسعود ما أوجب مسيره و عوده إلى بغداد، و قيل بل بلغه أن السلطان مسعودا عزم على قصد العراق فعاد بالجملة و أنه رحل عنها منحدرا في شبارة في دجلة فوصل إلى بغداد يوم عرفة.

ذكر ملك شمس الملوك مدينة حماة

و في هذه السنة أيضا، في شوال، ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة و قلعتها، و هي لأتابك زنكي بن آقسنقر أخذها من تاج الملوك كما ذكرناه. و لما ملك شمس الملوك قلعة بانيس أقام بدمشق إلى شهر رمضان من هذه السنة و سار منها إلى حماة في العشر الأخير منه.

و سبب طمعه أنه بلغه أن‏ المسترشد باللََّه يريد[أن‏]يحصر الموصل‏ (2) فطمع، و كان الوالي بحماة قد سمع الخبر فتحصن و استكثر من الرجال و الذخائر، و لم

____________

(1) في رمضان‏ tsoP الخليفة dda. A

(2) . يتجهز ليحصر الموصل.

7

يبق أحد من أصحاب شمس الملوك إلا و أشار عليه بترك قصدها لقوة صاحبها، فلم يسمع منهم، و سار إليها و حصر المدينة و قاتل من بها يوم العيد، و زحف إليها من وقته، فتحصنوا منه و قاتلوه فعاد عنهم ذلك اليوم.

فلما كان الغد بكّر إليهم و زحف إلى البلد من جوانبه فملكه قهرا و عنوة، و طلب من به الأمان فأمنهم و حصر القلعة، و لم تكن في الحصانة و العلو على ما هي عليه اليوم، فإن تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قطع جبلها و عملها هكذا في سنين كثيرة، فلما حصرها عجز (1) الوالي بها عن حفظها فسلمها إليه، فاستولى عليها و على ما بها من ذخائر و سلاح و غير ذلك‏ (2) ، و سار منها إلى قلعة شيزر و بها صاحبها من بني منقذ فحصرها و نهب بلدها، فراسله صاحبها و صانعه بمال حمله إليه فعاد عنه إلى دمشق فوصل إليها في ذي القعدة من السنة المذكورة

ذكر هزيمة صاحب طرابلس الفرنجي‏

و في هذه السنة (3) عبر إلى الشام جمع كثير من التركمان من بلاد الجزيرة، و أغاروا على بلاد طرابلس‏ و غنموا و قتلوا كثيرا، فخرج القمص صاحب طرابلس في جموعه فانزاح التركمان من بين يديه، فتبعهم فعادوا إليه و قاتلوه فهزموه و أكثروا القتل في عسكره، و مضى هو و من سلم معه إلى قلعة بعرين فتحصنوا فيها و امتنعوا على التركمان، فحصرهم التركمان فيها. فلما طال الحصار عليهم نزل صاحب طرابلس و معه عشرون فارسا من أعيان أصحابه سرا فنجوا و ساروا إلى طرابلس و ترك الباقين‏ (4) في بعرين يحفظونها، فلما وصل

____________

(1) . فعجز. A

(2) . في شوال. A

(3) . في ذي الحجة. A

(4) . و جعل الباقين. A

8

إلى طرابلس كاتب جميع الفرنج فاجتمع عنده منهم خلق كثير و توجه بهم نحو التركمان ليرحلهم عن بعرين، فلما سمع التركمان بذلك قصدوهم و التقوهم و قتل بينهم خلق كثير و أشرف الفرنج على الهزيمة، فحملوا نفوسهم‏ و رجعوا على حامية إلى رفنية فتعذر على التركمان اللحاق بهم إلى وسط بلادهم فعادوا عنهم‏

ذكر عدة حوادث‏

في هذه السنة اشترى الإسماعيلية (1) بالشام حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون، و صعدوا إليه و قاموا بحرب من يجاورهم‏ (2) من المسلمين و الفرنج و كانوا كلهم يكرهون مجاورتهم.

و فيها وقع الخلف بين الفرنج بالشام فقاتل بعضهم بعضا و لم تجر لهم بذلك عادة قبل هذه السنة و قتل بينهم جماعة.

و فيها، في جمادى الآخرة، أغار الأمير أسوار مقدم عسكر زنكي بحلب على ولاية تل باشر فغنم الكثير، فخرج إليه الفرنج في جمع كثير فقاتلوه، فظفر بهم و أكثر القتل فيهم، و كان عدة القتلى نحو ألف قتيل، و عاد سالما.

و فيها، تاسع ربيع الآخر، وثب على شمس الملوك صاحب دمشق بعض مماليك جدّه طغدكين، فضربه بسيف فلم يعمل فيه شيئا، و تكاثر عليه مماليك شمس الملوك فأخذوه و قرر ما الّذي حمله على ما فعل فقال: أردت إراحة المسلمين من شرك و ظلمك، و لم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه

____________

(1) اشترى الباطنية. A

(2) من يحاربهم‏ B

9

على ذلك، فقتلهم شمس الملوك من غير تحقيق، و قتل معهم أخاه سونج، فعظم ذلك على الناس‏ (1) و نفروا عنه.

و فيها توفي الشيخ أبو الوفاء الفارسيّ، و كان له جنازة مشهودة حضرها أعيان بغداد.

و فيها، في رجب، توفي القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة بن عبد اللََّه ابن مخلد المعروف بابن الرطبي‏ (2) الفقيه الشافعيّ قاضي الكرخ، و تفقه على أبي إسحاق و أبي نصر بن الصباغ، و سمع الحديث و رواه، و كان قريبا من الخليفة يؤدب أولاده.

و توفي أبو الحسين علي‏ (3) بن عبد اللََّه بن نصر المعروف بابن الزاغوني الفقيه الحنبلي الواعظ، و كان ذا فنون، توفي في المحرم.

و توفي علي بن يعلى بن عوض بن القاسم الهروي العلويّ، كان واعظا، و له بخراسان قبول كثير، و سمع الحديث الكثير، و محمد بن أحمد بن علي أبو عبد اللََّه العثماني الديباجي‏، و هو من أولاد محمد بن عبد اللََّه بن عمرو بن عثمان بن عفان. و كان محمد يلقب بالديباج لحسنه، و أصله من مكة، و هو من أهل نابلس، و كان مغاليا في مذهب الأشعري، و كان يعظ (4) . توفي في صفر.

و فيها توفي أبو فليتة أمير مكة، و ولي الإمارة بعده ابنه القاسم.

و فيها (5) توفي العزيز بن هبة اللََّه بن علي الشريف العلويّ الحسيني فجأة بنيسابور. و كان جده نقيب النقباء بخراسان. و عرض على العزيز هذا نقابة

____________

(1) الناس عامة A

(2) باين الفرسي‏ A

(3) أبو الحسن علي‏ A

(4) . و كان يعظ. mo. B. a

(5) . و فيها في شعبان. B

10

العلويين بنيسابور فامتنع، و عرض عليه وزارة السلطان‏ (1) فامتنع، و لزم الانقطاع و الاشتغال بأمر آخرته.

و فيها توفي قاضي قضاة خراسان أبو سعيد محمد بن أحمد بن صاعد، و كان خيّرا صالحا.

____________

(1) السلطان سنجر. A

11

528 ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و خمسمائة

ذكر ملك شمس الملوك شقيف تيرون‏ (1) و نهبه بلد الفرنج‏

في هذه السنة، في المحرم، سار شمس الملوك إسماعيل من دمشق إلى شقيف تيرون‏ (2) و هو في الجبل المطل على بيروت و صيدا، و كان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم، قد تغلب عليه و امتنع به، فتحاماه المسلمون و الفرنج، يحتمي‏ (3) على كل طائفة بالأخرى، فسار شمس الملوك إليه في هذه السنة، و أخذه منه في المحرم، و عظم أخذه على الفرنج لأن الضحاك كان لا يتعرض لشي‏ء من بلادهم المجاورة له، فخافوا شمس الملوك، فشرعوا في جمع عساكرهم، فلما اجتمعت ساروا إلى بلد حوران، فخربوا أمهات البلد، و نهبوا ما أمكنهم نبه نهبة[1] عظيمة.

و كان شمس الملوك، لما رآهم يجمعون، جمع هو أيضا و حشد[2] و حضر عنده جمع كثير من التركمان و غيرهم، فنزل بإزاء الفرنج، و جرت بينهم مناوشة عدة أيام، ثم إن شمس الملوك نهض ببعض عسكره، و جعل الباقي قبالة الفرنج، و هم لا يشعرون، و قصد بلادهم طبرية و الناصرة و عكا و ما يجاورها من [1] و نهبوا أماكنهم نهبة.

[2] و حشدوا.

____________

(1-2) . شقيف بيروت. A

(3) . تحتمي. A

12

البلاد، فنهب و خرب و أحرق‏ و أهلك أكثر البلاد و سبى النساء و الذرية، و امتلأت أيدي من معه من الغنائم، و اتصل الخبر بالفرنج، فانزعجوا، و رحلوا في الحال لا يلوي أخ على أخيه و طلبوا بلادهم.

و أما شمس الملوك فإنه عاد إلى عسكره على غير الطريق الّذي سلكه الفرنج، فوصل سالما (1) و وصل الفرنج إلى بلادهم و رأوها خرابا ففت في أعضادهم و تفرقوا، و راسلوا في تجديد الهدنة فتم ذلك في ذي القعدة للسنة.

ذكر عود الملك طغرل‏ (2) إلى الجبل و انهزام الملك مسعود

في هذه السنة عاد الملك طغرل بن محمد بن ملك شاه ملك بلاد الجبل جميعها و أجلى عنها أخاه السلطان مسعودا.

و سبب ذلك أن مسعودا لما عاد من حرب أخيه بلغه عصيان داود ابن أخيه السلطان محمود بأذربيجان، فسار إليه و حصره بقلعة رويين‏دز و كان قد تحصن بها و اشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر و مال إليه بعض الأمراء الذين مع السلطان مسعود و لم يزل يفتح البلاد، فكثرت عساكره و قصد مسعودا، فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه، فلما تراءى العسكران فارق مسعودا من أمرائه من كان قد استماله طغرل فبقي في قلة من العسكر، فولى منهزما أواخر رمضان.

و أرسل إلى المسترشد باللََّه في القدوم‏[إلى‏]بغداد، فأذن له، و كان نائبة بأصفهان البقش السلاحي، و معه الملك سلجوق شاه، فلما سمع بانهزام مسعود قصد بغداد أيضا، فنزل سلجوق شاه بدار السلطان، فأكرمه

____________

(1) . فعاد سالما. B

(2) . طغرك‏ eqibU

13

الخليفة، و أنفذ إليه عشرة آلاف دينار، ثم قصد مسعود بغداد و أكثر أصحابه ركاب جمال لعدم ما يركبونه، و لقي في طريقه شدة، فأرسل إليه الخليفة الدواب و الخيام و الآلات و غيرها من الأموال و الثياب، فدخل‏ (1) الدار السلطانية ببغداد منتصف شوال و أقام طغرل بهمذان.

ذكر حصر أتابك زنكي آمد و الحرب بينه و بين داود و ملك زنكي قلعة الصور

في هذه السنة اجتمع أتابك زنكي صاحب الموصل و تمرتاش صاحب ماردين و قصدا مدينة آمد فحصراها، فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا بسنجده، فجمع من أمكنه جمعه و سار نحو آمد ليرحلهما عنها، فالتقوا على باب آمد (2) ، و تصافوا في جمادى الآخرة، فانهزم داود، و عاد مفلولا، و قتل جماعة من عسكره.

و أقام زنكي و تمرتاش على آمد محاصرين لها، و قطعا الشجر، و شعثا البلد و عادا عنها من غير بلوغ غرض، فقصد زنكي قلعة الصور من ديار بكر و حصرها و ضايقها، فملكها في رجب من هذه السنة، و اتصل به ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثي فاستوزره زنكي، و كان حسن الطريقة، عظيم الرئاسة و الكفاية، محبا للخير و أهله.

____________

(1) . و الآلات و الفرش و المال فدخل. A

(2) . آمد و تحاربوا. A

14

ذكر ملك زنكي قلاع الأكراد الحميدية

في هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميديّة منها قلعة العقر و قلعة شوش و غيرهما (1) .

و كان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدي على ولايتها و أعمالها، و لم يعترضه على شي‏ء مما هو بيده، فلما حصر المسترشد الموصل حضر عيسى هذا عنده و جمع الأكراد عنده فأكثر، فلما رحل المسترشد عن الموصل أمر زنكي أن تحصر قلاعهم فحصرت مدة طويلة و قوتلت قتالا شديدا إلى أن ملكت هذه السنة، فاطمأن إذا أهل سواد الموصل المجاورون لهؤلاء القوم فإنّهم كانوا معهم في ضائقة كبيرة من نهب أموالهم و خراب البلاد.

ذكر ملك قلاع الهكارية و كواشى‏

و حكي عن بعض العلماء من الأكراد ممن له معرفة بأحوالهم أن أتابك زنكي لما ملك قلاع الحميدية و أجلاهم عنها خاف أبو الهيجاء بن عبد اللََّه صاحب قلعة أشب و الجزيرة و نوشى، فأرسل إلى أتابك زنكي من استحلفه له و حمل إليه مالا: و حضر عند زنكي بالموصل فبقي مدة ثم مات فدفن بتل توبة[1]. و لما سار عن أشب إلى الموصل أخرج ولده أحمد بن أبي الهيجاء [1] توقة.

____________

(1) و غيرهما و سبب ذلك أنه لما. A

15

منها خوفا أن يتغلب عليها، و أعطاه قلعة نوشى، و أحمد هذا هو والد علي ابن أحمد المعروف بالمشطوب من أكابر أمراء صلاح الدين بن أيوب بالشام.

و لما أخرجه أبوه من أشب استناب بها كرديا يقال له بأو الأرجي. فلما مات أبو الهيجاء سار ولده أحمد بن نوشى إلى أشب ليملكها، فمنعه بأو، و أراد حفظها لولد صغير لأبي الهيجاء اسمه علي، فسار زنكي بعسكره فنزل على أشب و ملكها.

و سبب ملكها أن أهلها نزلوا كلهم إلى القتال، فتركهم زنكي حتى قاربوه و استجرهم حتى أبعدوا عن القلعة ثم عطف عليهم فانهزموا، فوضع السيف فيهم، فأكثر القتل و الأسر، و ملك زنكي القلعة في الحال و أحضر جماعة من مقدمي الأكراد فيهم بأو فقتلهم و عاد عنها إلى الموصل، ثم سار عنها، ففي غيبته أرسل نصير الدين جقر نائب زنكي و خرب أشب و خلى كهيجة و نوشى و قلعة الجلاب، و هي قلعة العماديّة، و أرسل إلى قلعة الشعبانيّ و فرح و كوشر و الزعفران و ألقى و نيروة، و هي حصون المهرانية، فحصرها فملك الجميع، و استقام أمر الجبل و الزوزان، و أمنت الرعايا من الأكراد.

و أما باقي قلاع الهكارية جل صورا، و هرور، و الملاسي، و مابرما و بابوخا و باكزا و نسباس، فإنّ قراجة صاحب العماديّة فتحها من مدّة طويلة بعد قتل زنكي، و قراجة هذا كان أميرا قد أقطعه زين الدين عليّ بلد الهكّاريّة بعد قتل زنكي، و لم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته هاهنا.

و حكى غير هذا بعض فضلاء الأكراد و خالف فيه‏ فقال: إنّ زنكي لما فتح قلعة أشب و خرّبها و بنى قلعة العماديّة و لم يبق في الهكّاريّة إلاّ صاحب جلّ صورا و صاحب هرور، و لم يكن لهما[1] شوكة يخاف منها، عاد إلى الموصل، -[1] لها.

16

فخافه أصحاب القلاع الجبليّة، فاتّفق أنّ عبد اللََّه بن عيسى بن إبراهيم صاحب الربيّة و ألقى و فرح و غيرها توفّي و ملكها بعده ولده عليّ، و كانت والدته خديجة بنت الحسن أخت إبراهيم و عيسى، و هما من الأمراء، مع زنكي، و كانا بالموصل، فأرسلها ولدها عليّ إلى أخويها و طلبا له الأمان من زنكي و حلّفاه له ففعل، و نزل إلى خدمة زنكي و أقرّه على قلاعه و اشتغل زنكي بفتح قلاع الهكّاريّة، و كان الشعبانيّ بيد أمير من المهرانيّة اسمه الحسن بن عمر، فأخذه منه و قرّبه منه لكبره و قلّة أعماله.

و كان نصير الدين جقر يكره عليّا صاحب الربيّة و غيرها، فحسّن لزنكي القبض عليه، فأذن له في ذلك، فقبض عليه ثمّ ندم زنكي على قبضه فأرسل إلى نصير الدين أن يطلقه فرآه قد مات، قيل إنّ نصير الدين قتله. ثمّ أرسل العسكر إلى قلعة الربيّة فنازلوها بغتة، فملكوها في ساعة، و أسروا كلّ من بها من ولد عليّ و إخوته و أخواته، و كانت والدة عليّ خديجة غائبة فلم توجد، فلمّا سمع زنكي الخبر بفتح الربيّة سرّه، و أمر أن تسير العساكر إلى باقي القلاع التي لعليّ، فسارت العساكر، فحصروها، فرأوها منيعة، فراسلهم زنكي و وعدهم الإحسان، فأجابوه إلى التسليم على شرط أن يطلق كلّ من في السجن منهم، فلم يجبهم إلى ذلك، إلاّ أن يسلّموا أيضا قلعة كواشى، فمضت خديجة والدة عليّ إلى صاحب كواشى و اسمه خول و هارون و هو من المهرانيّة، فسألته النزول عن كواشى، فأجابها إلى ذلك، و تسلّم زنكي القلاع و أطلق الأسرى، فلم يسمع بمثل هذا، فقال ينزل من مثل كواشى لقول امرأة فإمّا أن يكون أعظم النّاس مروءة لا يرد من دخل بيته، و إمّا أن يكون أقلّ النّاس عقلا، و استقامت ولاية الجبال.

17

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أوقع الدانشمند صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام، فقتل كثيرا منهم و أسر كثيرا، و فيها اصطلح الخليفة و أتابك زنكي، و فيها، في ربيع الأوّل، عزل شرف الدين أنوشروان بن خالد عن وزارة الخليفة، و فيها توفّيت أمّ المسترشد باللََّه، و فيها سيّر المسترشد عسكراً إلى تكريت فحصروا مجاهد الدين بهروز فصانع عنها بمال فعادوا عنه.

و فيها اجتمع جمع من العساكر السنجريّة مع الأمير أرغش و حصروا قلعة كردكوه بخراسان، و هي للإسماعيليّة، و ضيّقوا على أهلها و طال حصرها، و عدمت عندهم الأقوات، فأصاب أهلها تشنّج و كزاز، و عجز كثير منهم عن القيام فضلا عن القتال، فلمّا ظهرت أمارات الفتح رحل الأمير أرغش‏ (1)

فقيل إنّهم حملوا إليه مالا كثيرا و أعلاقا نفيسة، فرحل عنهم.

و فيها توفّي الأمير سليمان بن مهارش العقيليّ أمير بني عقيل و ولي الإمارة بعده أولاده مع صغر سنّهم، و طيف بهم في بغداد رعاية لحقّ جدّهم مهارش، فإنّه هو الّذي كان الخليفة القائم بأمر اللََّه عنده في الحديثة لما فعل به البساسيريّ ما ذكرنا.

و فيها، في المحرّم، توفّي الفقيه أبو عليّ الحسن بن إبراهيم بن فرهون‏ (2)

الشافعيّ الفارقيّ، و مولده بميافارقين سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة، و تفقّه بها على أبي عبد اللََّه الكازروني، فلمّا توفّي الكازروني انحدر إلى بغداد و تفقّه على أبي إسحاق الشيرازي و أبي نصر الصبّاغ، و ولي القضاء بواسط، و كان خيّرا فاضلا لا يواري و لا يجابي أحدا في الحكم.

____________

(1) . أرغش عنهم. A

(2) . بن برهون الفارقيّ قاضي واسط. A

18

و فيها توفّي عبد[اللََّه‏]بن محمّد بن أحمد بن الحسن أبو محمّد بن أبي بكر الفقيه الشافعيّ، تفقّه على أبيه و أفتى و ناظر، و كان يعظ و يكثر في كلامه من التجانس، فمن ذلك قوله: أين القدود العالية، و الخدود الورديّة، ملئت بها و اللََّه العالية و الورديّة، و هما مقبرتان بنهر المعلّى، و من شعره:

الدمع دما يسيل من أجفاني # إن عشت مع البكا فما أجفاني‏

سجني شجني و همّني سمّاني # العاذل بالملام قد سمّاني‏ (1)

و الذّكر لهم يزيد في أشجاني # و النّوح مع‏ (2) الحمام قد أشجاني‏

ضاقت ببعاد منيتي أعطاني # و البين يد (3) الهموم قد أعطاني‏

و فيها توفي ابن أبي الصّلت الشاعر، و من شعره يذمّ ثقيلا:

لي صديق‏ (4) عجبت كيف استطاعت # هذه الأرض و الجبال تقلّه‏

أنا أرعاه مكرما و بقلبي # منه ما ينسف الجبال أقلّه‏

هو مثل المشيب أكره رؤياه # و لكن أصونه و أجلّه‏

و له أيضا:

ساد صغار الناس في عصرنا # لا دام من عصر و لا كانا

كالدّست مهما همّ أن ينقضي # صار به البيذق فرزانا

و فيها توفّي محمّد بن عليّ بن عبد الوهّاب‏ (5) أبو رشيد الفقيه الشافعيّ من أهل طبرستان، و سمع الحديث أيضا و رواه، و كان زاهدا عابدا أقام بجزيرة في البحر سنين منفردا يعبد اللََّه، سبحانه و تعالى، و عاد إلى آمل فتوفّي فيها و قبره يزار.

ـ

____________

(1) . شجاني. B ، و همتي سجاني. A

(2) . و النوم مع. B

(3) . و البين مد. B

(4) . لي ثقيل. B ، لي جليس. A

(5) . عبد الواحد. B

19

529 ثم دخلت سنة تسع و عشرين و خمسمائة

ذكر وفاة الملك طغرل و ملك مسعود بلد الجبل‏

قد ذكرنا قدوم السلطان مسعود إلى بغداد منهزما من أخيه الملك طغرل بن محمد، فلما وصل إلى بغداد أكرمه الخليفة و حمل إليه ما يحتاج إليه مثله، و أمره بالمسير إلى همذان و جمع العساكر و منازعة أخيه طغرل في السلطنة و البلاد، و مسعود يعد و يدافع الأيام، و الخليفة يحثه على ذلك، و وعده أن يسير معه بنفسه، و أمر أن تبرز خيامه إلى باب الخليفة و كان قد اتصل الأمير البقش السلاحي و غيره من الأمراء بالخليفة، و طلبوا خدمته، فاستخدمهم و اتفق معهم. و اتفق أن إنسانا أخذ فوجد معه ملطفات من طغرل إلى هؤلاء الأمراء و خاتمه بالإقطاع لهم، فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه أغلبك و نهب ماله، فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة، فهربوا إلى عسكر السلطان مسعود، فأرسل الخليفة إلى مسعود في أعادتم إليه، فلم يفعل و احتج بأشياء، فعظم ذلك على الخليفة و حدث بينهما وحشة أوجبت تأخره عن المسير معه، و أرسل إليه يلزمه بالمسير معه أمرا جزما، فبينما الأمر على هذا إذ جاءه الخبر بوفاة أخيه طغرل، و كانت وفاته في المحرم من هذه السنة، و كان مولده سنة ثلاث و خمسمائة في المحرم، و كان خيرا عاقلا عادلا قريبا إلى الرعية محسنا إليها، و كان قبل موته قد خرج من داره يريد السفر إلى أخيه السلطان مسعود، فدعا له الناس، فقال:

20

ادعوا بخيرنا للمسلمين و لما توفي و وصل الخبر إلى مسعود سار من ساعته نحو همذان، و أقبلت العساكر جميعها إليه، و استوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد، و كان قد خرج في صحبته هو و أهله، و وصل مسعود إلى همذان و استولى عليها و أطاعته البلاد جميعها و أهلها.

ذكر قتل شمس الملوك و ملك أخيه‏

في هذه السنة، رابع عشر ربيع الآخر، قتل شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك بوري بن طغد كين صاحب دمشق، و سبب قتله أنه ركب طريقا شنيعا من الظلم و مصادرات العمال و غيرهم من أعمال البلد، و بالغ في العقوبات لاستخراج الأموال، و ظهر منه بخل زائد و دناءة نفس بحيث أنه لا يأنف من أخذ الشي‏ء الحقير بالعدوان، إلى غير ذلك من الأخلاق الذميمة و كرهه أهله و أصحابه و رعيته.

ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي يسلم إليه دمشق و يحثه على سرعة الوصول، و أخلى المدينة من الذخائر و الأموال، و نقل الجميع إلى صرخد، و تابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول إليه و يقول له: إن أهملت المجي‏ء سلمتها إلى الفرنج، فسار زنكي، فظهر الخبر بذلك في دمشق فامتعض أصحاب أبيه و جده لذلك و أقلقهم، و أنهوا الحال لوالدته فساءها و أشفقت منه، و وعدتهم بالراحة من هذا الأمر.

ثم إنها ارتقبت الفرصة في الخلوة من غلمانه، فلما رأته على ذلك أمرت غلمانها بقتله فقتل، و أمرت بإلقائه في موضع من الدار ليشاهده غلمانه‏

21

و أصحابه، فلمّا رأوه قتيلا سرّوا لمصرعه و بالراحة من شرّه.

و كان مولده ليلة الخميس سابع جمادى الآخرة سنة ست و خمسمائة، و قيل كان سبب قتله أنّ والده كان له حاجب اسمه يوسف بن فيروز و كان متمكنا منه حاكما في دولته، ثم في دولة شمس الملوك بعده، فاتّهم بأم شمس الملوك، و وصل الخبر إليه بذلك فهمّ بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر، و تحصّن بها، و أظهر الطاعة لشمس الملوك، فأراد قتل أمّه، فبلغها الخبر فقتلته خوفا منه، و اللََّه أعلم.

و لما قتل ملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري‏ و جلس في منصبه و حلف له النّاس كلّهم و استقر في الملك، و اللََّه أعلم.

ذكر حصر أتابك زنكي دمشق‏

في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق، و كان نزوله عليها أول جمادى الأولى، و سببه ما ذكرنا من إرسال شمس الملوك صاحبها إليه و استدعائه ليسلمها إليه، فلما[وصلت‏]كتبه و رسله بذلك سار إليها، فقتل شمس الملوك قبل وصوله، و لما عبر الفرات‏[1] أرسل إليه رسلا في تقرير قواعد التسليم، فرأوا الأمر قد فات إلا أنهم أكرموا و أحسن إليهم و أعيدوا (1)

بأجمل جواب، و عرف زنكي قتل شمس الملوك، و أن القواعد عندهم مستقرة لشهاب الدين، و الكلمة متفقة على طاعته، فلم يحفل زنكي بهذا الجواب، [1] الفراة.

____________

(1) . و أعيد. A

22

و سار إلى دمشق فنازلها، و أجفل أهل السواد إلى دمشق، و اجتمعوا فيها على محاربته.

و نزل أولا شماليها ثم انتقل إلى ميدان الحصار، و زحف و قاتل، فرأى قوة ظاهرة و شجاعة عظيمة و اتفاقا تاما على محاربته، و قام معين الدين أنز مملوك جده طغدكين في هذه الحادثة بدمشق قياما مشهودا، و ظهر من معرفته بأمور الحصار و القتال و كفايته ما لم ير و ما كان سبب تقدمه و استيلائه على الأمور بأسرها، على ما نذكر إن شاء اللََّه تعالى.

فبينما هو يحاصرها وصل رسول الخليفة المسترشد باللََّه و هو أبو بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر بخلع لأتابك زنكي، و يأمره بمصالحة صاحب دمشق الملك ألب أرسلان محمود الّذي مع أتابك زنكي، فرحل عنها لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة المذكورة.

ذكر قتل حسن بن الحافظ

قد ذكرنا سنة ست و عشرين و خمسمائة أن الحافظ لدين اللََّه صاحب مصر استوزر ابنه حسنا، و خطب له بولاية العهد، فبقي إلى هذه السنة و مات مسموما، و سبب ذلك أن أباه الحافظ استوزره و كان جريئا على سفك الدماء، و كان في نفس الحافظ على الأمراء الذين أعانوا أبا علي بن الأفضل‏ (1) حقد، و يريد الانتقام منهم من غير أن يباشر ذلك بنفسه، فأمر ابنه حسنا بذلك، فتغلب على الأمر جميعه، و استبد به، و لم يبق لأبيه معه حكم، و قتل من الأمراء المصريين و من أعيان البلاد أيضا حتى إنه قتل في ليلة واحدة أربعين أميرا.

____________

(1) . أعانوا على ابن الأفضل. A

23

فلما رأى أبوه تغلبه عليه أخرج له خادما من خدم القصر الأكابر، فجمع الجموع و حشد من الرجالة خلقا كثيرا، و تقدم إلى البلد، فأخرج إليهم حسن جماعة من خواصه و أصحابه، فقاتلوهم، فانهزم الخادم و قتل من الرجالة الذين معه خلق كثير، و عبر الباقون إلى بر الجزيرة، فاستكان الحافظ، فصبر تحت الحجر. ثم إن الباقين من الأمراء المصريين اجتمعوا و اتفقوا على قتل حسن، و أرسلوا إلى أبيه الحافظ و قالوا له: إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا، فاستدعى ولده إليه و احتاط عليه، و أرسل إلى الأمراء بذلك، فقالوا، لا نرضى إلا بقتله. فرأى أنه إن سلمه إليهم طمعوا فيه و ليس إلى إبقائه سبيل، فأحضر طبيبين كانا له أحدهما مسلم و الآخر يهودي، فقال لليهودي: نريد سما نسقيه لهذا الولد ليموت و نخلص من هذه الحادثة. فقال: أنا لا أعرف غير النقوع و ماء الشعير و ما شاكل هذا من الأدوية. فقال: أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة. فقال له: لا أعرف شيئا. فأحضر الطبيب المسلم و سأله عن ذلك، فصنع له شيئا فسقاه الولد فمات لوقته، فأرسل الحافظ إلى الجند يقول لهم: إنه قد مات. فقالوا: نريد [أن‏]ننظر إليه، فأحضر بعضهم عنده فرأوه و ظنوه قد عمل حيلة، فجرحوا أسافل رجليه فلم يجر منها دم، فعلموا موته و خرجوا.

و دفن حسن و أحضر الحافظ الطبيب المسلم و قال له: ينبغي أن تخرج من عندنا من القصر، و جميع ما لك من الإنعام و الجامكية باق عليك، و أحضر اليهودي و زاده و قال له: أعلم أنك تعرف ما طلبته منك و لكنك عاقل فتقيم في القصر عندنا.

و كان حسن سيّئ السيرة ظالما جريئا على سفك الدماء و أخذ الأموال، فهجاه الشعراء، فمن ذلك ما قال المعتمد بن الأنصاري صاحب الترسل المشهور:

لم تأت يا حسن بين الورى حسنا # و لم تر الحق في دنيا و لا دين‏

24

قتل النفوس بلا جرم و لا سبب # و الجور في أخذ أموال المساكين‏

لقد جمعت بلا علم و لا أدب # تيه الملوك و أخلاق المجانين‏

و قيل إن الحافظ لما رأى ابنه تغلب على الملك وضع عليه من سقاه السم فمات، و اللََّه أعلم.

و لما مات حسن استوزر الحافظ الأمير تاج الدولة بهرام، و كان نصرانيا، فتحكم و استعمل الأرمن على الناس، فاستذلوا المسلمين، و سيأتي ذكر ذلك سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر مسير المسترشد إلى حرب السلطان مسعود و انهزامه‏

في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد باللََّه و بين السلطان مسعود في شهر رمضان، و سبب ذلك أن السلطان مسعودا لما سافر من بغداد إلى همذان، بعد موت أخيه طغرل، و ملكها، فارقه جماعة من أعيان الأمراء منهم يرنقش بازدار و قزل آخر (1) و سنقر الخمارتكين و الى همذان، و عبد الرحمن بن طغايرك، و غيرهم، خائفين منه، مستوحشين، و معهم عدد كثير و انضاف إليهم دبيس بن صدقة. و أرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه الأمان ليحضروا خدمته، فقيل له: إنها مكيدة لأن دبيسا معهم، و ساروا نحو خوزستان، و اتفقوا مع برسق بن برسق، فأرسل الخليفة إليهم سديد الدولة ابن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين بتطييب نفوسهم و الأمر بحضورهم.

____________

(1) . آخر. mo. A

25

و كان الأمراء المذكورون قد عزموا على قبض دبيس و التقرب إلى الخليفة بحمله إليه، فبلغه ذلك فهرب إلى السلطان مسعود. و سار الأمراء إلى بغداد في رجب، فأكرمهم الخليفة و حمل إليهم الإقامات و الخلع، و قطعت خطب‏ (1)

السلطان مسعود من بغداد، و برز الخليفة في العشرين من رجب على عزم المسير إلى قتال مسعود و أقام في الشفيعي‏ (2) ، فعصى عليه بكبه‏ (3) صاحب البصرة فهرب إليها، فراسله و بذل له الأمان فلم يعد إليه.

و تريث الخليفة عن المسير و هؤلاء الأمراء يحسنون له الرحيل، و يسهلون عليه الأمر، و يضعفون عنده أمر السلطان مسعود، فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا البلاد، و أفسدوا و لم ينكر عليهم أحد شيئا، ثم سار الخليفة ثامن شعبان و لحق به في الطريق الأمير برسق بن برسق‏ (4) فبلغت عدتهم سبعة آلاف فارس، و تخلف بالعراق مع إقبال خادم المسترشد باللََّه ثلاثة آلاف فارس.

و كان السلطان مسعود بهمذان في نحو ألف و خمس مائة فارس، و كان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة و يبذلون له الطاعة، فتريث في طريقه، فاستصلح السلطان مسعود أكثرهم حتى صاروا في نحو خمسة عشر ألف فارس، و تسلل جماعة كثيرة من عسكر الخليفة حتى بقي في خمسة آلاف، و أرسل أتابك زنكي نجدة فلم تلحق.

و أرسل الملك داود ابن السلطان محمود و هو بأذربيجان إلى الخليفة يشير بالميل إلى الدينور ليحضر بنفسه و عسكره، فلم يفعل المسترشد ذلك و سار حتى بلغ دايمرج، و عبأ أصحابه، فجعل في الميمنة يرنقش بازدار و نور الدولة سنقر و قزل آخر و برسق بن برسق، و جعل في الميسرة جاولي

____________

(1) . خطبة. A

(2) . السفيعي: 740. P. C

(3) بلبه: spU ، بكته. 740. P. C

(4) . coH

26

و برسق شراب سلار و أغلبك الّذي كان الخليفة قد قبض عليه و أخرجه من محبسه.

و لما بلغ السلطان مسعودا خبرهم سار إليهم مجدا، فواقعهم بدايمرج‏ (1) عاشر رمضان، و انحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان مسعود فصارت معه، و اقتتلت ميمنته و ميسرة السلطان قتالا ضعيفا، و دار به عسكر السلطان و هو ثابت لم يتحرك من مكانه، و انهزم عسكره و أخذ هو أسيرا و معه جمع كثير من أصحابه منهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي و قاضي القضاة و صاحب المخزن ابن طلحة، و ابن الأنباري و الخطباء و الفقهاء و الشهود و غيرهم، و أنزل الخليفة في خيمة و غنموا ما في معسكره و كان كثيرا فحمل الوزير و قاضي القضاة و ابن الأنباري و صاحب المخزن و غيرهم من الأكابر إلى قلعة سرجهان، و باعوا الباقين بالثمن الطفيف، و لم يقتل في هذه المعركة أحد و هذا من أعجب ما يحكى.

و عاد السلطان إلى همذان و أمر فنودي: من تبعنا إلى همذان من البغداديين قتلناه، فرجع الناس كلهم على أقبح حالة لا يعرفون طريقا و ليس معهم ما يحملهم، و سير السلطان الأمير بك أبه‏ (2) المحمودي إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان و معه عبيد، فقبضوا جميع أملاك الخليفة و أخذوا غلاتها.

و ثار جماعة من عامة بغداد، فكسروا المنبر و الشباك، و منعوا من الخطبة، و خرجوا إلى الأسواق يحشون التراب على رءوسهم و يبكون و يصيحون، و خرج النساء حاسرات في الأسواق يلطمن، و اقتتل أصحاب الشحنة و عامة بغداد فقتل من العامة ما يزيد على مائة و خمسين قتيلا، و هرب الوالي و حاجب الباب.

____________

(1) . بدايمرج. mo. A

(2) بك ايه: spU 740 te. P. C

27

و أما السلطان فإنه سار في شوال من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود، و كان قد عصى عليه، فنزل على فرسخين من مراغة، و المسترشد معه، فترددت الرسل بين الخليفة و بين السلطان في الصلح، فاستقرت القاعدة على‏ (1) ما نذكره إن شاء اللََّه، و اللََّه الموفق.

ذكر قتل المسترشد باللََّه و خلافة الراشد باللََّه‏

لما قبض المسترشد باللََّه أبو (2) منصور بن الفضل بن المستظهر باللََّه أبي العباس أحمد، على ما ذكرناه، أنزله السلطان مسعود في خيمة، و وكل به من يحفظه، و قام بما يجب من الخدمة، و ترددت الرسل بينهما في الصلح و تقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة، و أن لا يعود يجمع العساكر و أن لا يخرج من داره. فأجاب السلطان إلى ذلك، و أركب الخليفة و حمل الغاشية بين يديه و لم يبق إلا أن يعود إلى بغداد. فوصل الخبر أن الأمير قرآن خوان قد قدم رسولا من السلطان سنجر، فتأخر مسير المسترشد لذلك، و خرج الناس و السلطان مسعود إلى لقائه، و فارق الخليفة بعض من كان موكلا به، و كانت خيمته منفردة عن العسكر، فقصده أربعة و عشرون رجلا من الباطنية و دخلوا عليه فقتلوه، و جرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، و مثلوا به فجدعوا أنفه و أذنيه و تركوه عريانا، و قتل معه نفر من أصحابه منهم أبو عبد اللََّه بن سكينة، و كان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة، و بقي حتى دفنه أهل مراغة.

و أما الباطنية فقتل منهم عشرة، و قيل: بل قتلوا جميعهم، و اللََّه أعلم.

____________

(1) . عليه على. A

(2) . uqessosrev أحمد daeuqsu أبو baedni. mO

28

و كان عمره لما قتل ثلاثا و أربعين سنة و ثلاثة أشهر، و كانت خلافته سبع عشرة سنة و ستة أشهر و عشرين يوما. و أمه أم ولد، و كان شهما شجاعا، كثير الإقدام، بعيد الهمة، و أخباره المذكورة تدل‏[1] على ما ذكرناه. و كان فصيحا بليغا حسن الخط، و لقد رأيت خطه في غاية الجودة و رأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب و أفصحه.

و لما قتل المسترشد باللََّه بويع ولده أبو جعفر المنصور، و لقب الراشد باللََّه، و كان المسترشد قد بايع له بولاية العهد في حياته، و جددت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين السابع و العشرين من ذي القعدة، و كتب السلطان مسعود إلى بك أبه‏ (1) الشحنة ببغداد فبايع له، و حضر الناس البيعة، و حضر بيعته أحد و عشرون رجلا من أولاد الخلفاء، و بايع له الشيخ أبو النجيب، و وعظه، و بالغ في الموعظة. و أما جمال الدولة إقبال فإنه كان ببغداد في طائفة من العسكر، فلما جرت هذه الحادثة عبر إلى الجانب الغربي، و أصعد إلى تكريت و راسل مجاهد الدين بهروز، و حلفه و صعد إليه بالقلعة.

ذكر مسير السلطان سنجر إلى غزنة و عوده عنها

في هذه السنة، في ذي القعدة، سار السلطان سنجر من خراسان إلى غزنة، و سبب ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام شاه أنه تغير عن طاعته، و أنه قد مد يده إلى ظلم الرعايا و اغتصاب أموالهم.

[1] تري.

____________

(1) بدابة: spU 740 te. P. C

29

و كان السلطان سنجر هو الّذي ملك غزنة، و قد ذكرناه سنة تسع و خمسمائة، فلما سمع هذا الأخبار المزعجة سار إلى غزنة ليأخذها أو يصلحه، فلما سلك الطريق و أبعد أدركهم شتاء شديد البرد، كثير الثلج، و تعذرت عليهم الأقوات و العلوفات، فشكا العسكر إلى السلطان ذلك و ذكروا له ما هم فيه من الضيق و تعذر ما يحتاجون إليه، فلم يجدوا عنده غير التقدم أمامه، فلما قارب غزنة أرسل بهرام شاه رسلا يضرع إلى سنجر و يسأل الصفح عن جرمه، و العفو عن ذنبه، فأرسل إليه سنجر المقرب جوهرا الخادم، و هو أكبر أمير عنده، و من جملة أقطاعه مدينة الري، في جواب رسالته يجيبه عن العفو عنه إن حضر عنده و عاد إلى طاعته، فلما وصل إلى بهرام شاه أجابه إلى ما طلب منه من الطاعة و حمل المال و الحضور بنفسه في خدمته، و أظهر من الطاعة و الانقياد لما يحكم به السلطان سنجر شيئا كثيرا.

و عاد المقرب جوهر و معه بهرام شاه إلى سنجر، فسبقه المقرب إلى السلطان سنجر و أعلمه بوصول بهرام شاه، و أنه بكرة غد يكون عنده، و عاد المقرب إلى بهرام شاه ليجي‏ء بين يديه، و ركب سنجر من الغد في موكبه لتلقيه، و تقدم بهرام شاه و معه المقرب إلى سنجر، فلما عاين موكب سنجر و الجتر على رأسه نكص على عقبيه عائدا، فأمسك المقرب عنانه و قبح فعله، و خوفه عاقبة ذلك، فلم يرجع و ولى هاربا و لم‏[1] يصدق بنجاته ظنا منه أن سنجر يأخذه و يملك بلده، و تبعه طائفة من أصحابه و خواصه، و لم يعرج على غزنة، و سار سنجر إلى غزنة فدخلها و ملكها و احتوى على ما فيها و جبى أموالها، و كتب إلى بهرام شاه كتابا يلومه على ما فعله و يحلف له أنه ما أراد به سوءا، و لا له في بلده مطمع، و لا هو ممن يكدر صنيعته و تعقب حسنته معه بسيئة، و إنما قصده لإصلاحه، فأعاد بهرام شاه الجواب يعتذر و يتنصل و يقول إن الخوف -[1] و لا.

30

منعه من الحضور، و لا لوم على من خاف مثل السلطان، و يضرع في عوده إلى الإحسان، فأجابه سنجر إلى إعادة بلده إليه و فارق غزنة عائدا إلى بلاده فوصل إلى بلخ في شوال سنة ثلاثين و خمسمائة و استقر ملك غزنة لبهرامشاه و رجع إليها مالكا لها و مستوليا عليها.

ذكر قتل دبيس بن صدقة بالتأريخ‏

في هذه السنة قتل السلطان مسعود دبيس بن صدقة على باب سرادقه بظاهر خونج، أمر غلاما أرمنيا بقتله، فوقف على رأسه و هو ينكت الأرض بإصبعه، فضرب رقبته و هو لا يشعر، و كان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه عسكر أبيه و مماليكه، و كثر جمعه و استأمن إليه الأمير قتلغ تكين، و أمر السلطان مسعود بك أبه‏ (1) أن يأخذ الحلة، فسار بعض عسكره إلى المدائن، و أقاموا مدة ينتظرون لحاق بك أبه‏ (2) بهم فلم يسر إليهم جبنا و عجزا عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع صدقة. و بقي صدقة بالحلة إلى أن قدم السلطان مسعود إلى بغداد سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة فقصده و أصلح حاله معه و لزم خدمته.

و مثل هذه الحادثة تقع كثيرا و هي قرب موت المتعاديين، فإن دبيسا كان يعادي المسترشد باللََّه و يكره خلافته، و لم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون عليه ليجعلوه عدة لمقاومة المسترشد، فلما زال السبب زال المسبب، و اللََّه أعلم بذلك.

____________

(1-2) . بدابة: spU 740 te. P. C

31

ذكر حصر عسكر يحيى المهدية

في هذه السنة سير يحيى بن العزيز بن حماد صاحب بجاية عسكرا ليحصروا المهدية، و بها صاحبها الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس، و كان سبب ذلك أن الحسن أحب ميمون بن زياد أمير طائفة كبيرة من العرب، و زاده على سائر العرب، فحسده العرب فسار أمراؤها إلى يحيى بن العزيز بأولادهم، و جعلوهم رهائن عنده، و طلبوا منه أن يرسل معهم عسكرا ليملكوا له المهدية، فأجابهم إلى ذلك و هو متباطئ. فاتفق أنه وصله كتب من بعض مشايخ المهدية بمثل ذلك، فوثق بما[1] أتاه و سير عسكرا كثيفا و استعمل عليهم قائدا كبيرا من فقهاء أصحابه يقال له مطرف بن حمدون.

و كان يحيى هذا هو و آباؤه يحسدون أولاد المنصور أبي الحسن هذا، فسارت العساكر الفارس و الراجل و معهم من العرب جمع كثير حتى نزلوا على المهدية و حصروها برا و بحرا. و كان مطرف يظهر التقشف و التورع عن الدماء، و قال: إنما أتيت الآن لأتسلم البلد بغير قتال، فخاب ظنه، فبقي أياما لا يقاتل، ثم إنهم باشروا القتال فظهر أهل المهدية عليهم و أثروا فيهم، و توالى القتال و في كل ذلك الظفر لأهل البلد، و قتل من الخارجين جم غفير.

و جمع مطرف عسكره و زحف برا و بحرا لما يئس من التسليم، و قاتل أشد قتال، فملكت شوانيه شاطئ البحر، و قربوا من السور، فاشتد الأمر، فأمر الحسن بفتح الباب من الشاطئ و خرج أول الناس، و حمل هو و من معه عليهم و قال: أنا الحسن!فلما سمع من يقاتله دعواه سلموا عليه، [1] إلى ما.

32

و انهزموا عنه إجلالا له، ثم أخرج الحسن شوانيه تلك الساعة من الميناء، فأخذ من تلك الشواني أربع قطع، و هزم الباقي.

ثم وصلته نجدة من رجار الفرنجي، صاحب صقلّيّة، في البحر، في عشرين قطعة، فحصرت شواني صاحب بجاية، فأمرهم الحسن بإطلاقها فأطلقوها، ثم وصل ميمون بن زياد في جمع كثير من العرب لنصرة الحسن، فلما رأى ذلك مطرف و أن النجدات تأتي الحسن في البر و البحر، علم أنه لا طاقة له بهم، فرحل عن المهدية خائبا، و أقام رجار الفرنجي مظهرا للحسن أنه مهادنه و موافقة و هو مع ذلك يعمر الشواني و يكثر عددها.

ذكر استيلاء الفرنج على جزية جربة

كانت جزيرة جربة من بلاد إفريقية قد استوت في كثرة عمارتها و خيراتها، غير أن أهلها طغوا فلا يدخلون تحت طاعة سلطان، و يعرفون بالفساد و قطع الطريق، فخرج إليها جمع من الفرنج، أهل صقلّيّة، في أسطول كثير و جم غفير، فيه من مشهوري فرسان الفرنج جماعة، فنزلوا بساحتها و أداروا المراكب بجهاتها.

و اجتمع أهلها و قاتلوا قتالا شديدا، فوقع بين الفريقين حرب شديدة، فثبت أهل جربة، فقتل منهم بشر كثير، فانهزموا و ملك الفرنج الجزيرة، و غنموا أموالها و سبوا نساءها و أطفالها، و هلك أكثر رجالها، و من بقي منهم أخذوا لأنفسهم أمانا من رجار ملك صقلّيّة، و افتكوا أسراهم و سبيهم و حريمهم، و اللََّه أعلم بذلك.

33

ذكر ملك الفرنج حصن روطة من بلاد الأندلس‏

في هذه السنة اصطلح المستنصر باللََّه بن هود و السليطين الفرنجي صاحب طليطلة من بلاد الأندلس مدّة عشر سنين. و كان السليطين قد أدمن غزو بلاد المستنصر و قتاله، حتى ضعف المستنصر عن مقاومته لقلّة جنوده و كثرة الفرنج، فرأى أن يصالحه مدّة يستريح فيها هو و جنوده، و يعتدون للمعاودة، فترددت الرسل بينهم، فاستقر الصلح على أن يسلم المستنصر إلى السليطين حصن روطة من الأندلس، و هو من أمنع الحصون و أعظمها، فاستقرت القاعدة و اصطلحوا و تسلم منه الفرنج الحصن، و فعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد.

ذكر حصن ابن ردمير مدينة أفراغة و هزيمته و موته‏

و في هذه السنة حصر ابن ردمير الفرنجي مدينة أفراغة من شرق الأندلس.

و كان الأمير يوسف بن تاشفين بن علي بن يوسف بمدينة قرطبة، فجهز الزبير بن عمرو اللمتوني والي قرطبة و معه ألفا فارس و سير معه ميرة كثيرة الى أفراغة.

و كان يحيى بن غانية، الأمير المشهور، أمير مرسية و بلنسية من شرق الأندلس و والي أمرها لأمير المسلمين علي بن يوسف، فتجهز في خمس مائة فارس، و كان عبد اللََّه بن عياض صاحب مدينة لاردة، فتجهز في مائتي فارس، فاجتمعوا و حملوا الميرة و ساروا حتى أشرفوا على مدينة أفراغة، و جعل الزبير الميرة أمامة و ابن غانية أمام الميرة، و ابن عياض أمام ابن غانية، و كان شجاعا بطلا و كذلك جميع من معه.

34

و كان ابن ردمير في اثنى عشر ألف فارس، فاحتقر جميع الواصلين من المسلمين، فقال لأصحابه: اخرجوا و خذوا هذه الهدية التي أرسلها المسلمون إليكم، و أدركه العجب، و نفذ قطعة كبيرة من جيشه. فلما قربوا من المسلمين حمل عليهم ابن عياض و كسرهم، و ردّ بعضهم على بعض، و قتل فيهم، و التحم القتال، و جاء ابن ردمير بنفسه و عساكره جميعها مدلّين بكثرتهم و شجاعتهم، فحمل ابن غانية و ابن عياض في صدورهم و استحر الأمر بينهم و عظم القتال فكثر القتل في الفرنج، و خرج في الحال أهل أفراغة ذكرهم و أنثاهم، صغيرهم و كبيرهم، إلى خيام الفرنج، فاشتغل الرجال بقتل من وجدوا في الملخم، و اشتغل النساء بالنهب، و فحمل جميع ما في المخيم إلى المدينة من قوت و عدد و آلات و سلاح و غير ذلك.

و بينما المسلمون و الفرنج في القتال إذ وصل إليهم الزبير في عسكره فانهزم ابن ردمير و ولى هاربا و استولى القتل على جميع عسكره فلم يسلم منهم إلا القليل، و لحق ابن ردمير بمدينة سرقسطة، فلما رأى ما قتل من أصحابه مات مفجوعا بعد عشرين يوما من الهزيمة، و كان أشد ملوك الفرنج بأسا، و أكثرهم تجردا لحرب المسلمين، و أعظمهم صبرا، كان ينام على طارقته بغير وطاء، و قيل له: هلاّ تسرّيت من بنات أكابر المسلمين اللاتي سبيت؟ فقال: الرجل المحارب ينبغي أن يعاشر الرجال لا النساء، و أراح اللََّه منه و كفى المسلمين شره.

ذكر عدة حوادث‏

في هذه السنة، في شوال، زلزلت الأرض بالعراق و الموصل و بلاد الجبل و غيرها، و كانت الزلزلة شديدة، و هلك فيها كثير من الناس، و اللََّه أعلم.

35

530 ثم دخلت سنة ثلاثين و خمسمائة

ذكر الحرب بين عسكر الراشد و عسكر السلطان مسعود

في المحرم من هذه السنة وصل يرنقش الزكوي من عند السلطان مسعود يطالب الخليفة بما كان قد استقر على المسترشد من المال، و هو أربعمائة ألف دينار، فذكر أنه لا شي‏ء عنده، و أن المال جميعه كان مع المسترشد باللََّه، فنهب في الهزيمة المذكورة. ثم بلغ الراشد باللََّه أن يرنقش يريد الهجوم على دار الخلافة و تفتيشها لأخذ المال، فجمع العساكر لمنع داره، و أمر عليهم كج أبه، و أعاد عمارة السور.

فلما علم يرنقش بذلك اتفق هو و بك أبه شحنة بغداد، و هو من أمراء السلطان، على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة، فبلغ ذلك الراشد باللََّه فاستعد لمنعهم، و ركب يرنقش و معه العسكر السلطاني و الأمراء البكجية، و محمد بن عكر (1) ، في نحو خمسة آلاف فارس، و لقيهم عسكر الخليفة و متقدمهم كج أبه و اقتتلوا قتالا شديدا، و ساعد العامة عسكر الخليفة على قتال العسكر السلطاني حتى أخرجهم إلى دار السلطان، فلما جنهم الليل ساروا إلى طريق خراسان، ثم انحدر بك أبه إلى واسط، و سار يرنقش إلى البندنيجين، و نهب أهل بغداد دار السلطان.

____________

(1) . بن عسكر. B . بن عكة. A

36

ذكر اجتماع أصحاب الأطراف على حرب مسعود ببغداد و خروجهم عن طاعته‏

في هذه السنة اجتمع كثير من الأمراء و أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان مسعود، فسار الملك داود ابن السلطان محمود في عسكر أذربيجان إلى بغداد، فوصلها رابع صفر، و نزل بدار السلطان، و وصل أتابك عماد الدين زنكي بعده من الموصل، و وصل يرنقش‏ (1) بازدار صاحب قزوين و غيرها، و البقش الكبير صاحب أصفهان، و صدقة بن دبيس صاحب الحلة، و معه عنتر بن أبي العسكر الجاواني يدبره، و يتمم نقص صباه، و ابن برسق، و ابن الأحمديلي، و خرج إليهم من عسكر بغداد كج أبه و الطرنطاي‏ (2) و غيرهما، و جعل الملك داود في شحنكية بغداد يرنقش بازدار، و قبض الخليفة الراشد باللََّه على ناصح الدولة أبي عبد اللََّه الحسن بن جهير أستاذ الدار، و هو كان السبب في ولايته، و على جمال الدولة إقبال المسترشدي، و كان قد قدم إليه من تكريت، و على غيرهما من أعيان دولته فتغيرت نيات‏ (3) أصحابه عليه و خافوه.

فأما جمال الدولة فإن أتابك زنكي شفع فيه شفاعة تحتها إلزام، فأطلق و صار إليه و نزل عنده و خرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبي الرضى بن صدقة إلى عماد الدين لتهنئته‏ (4) بالقدوم، فأقام الوزير عنده و سأله أن يمنعه من الخليفة، فأجابه إلى ذلك، و عاد الموكب بغير وزير، و أرسل زنكي من حرس دار

____________

(1) . برنقش. A

(2) . الطرنطاري. B . و طرنمطاي. A

(3) . فنفرت نيات. A

(4) . ليهنيه. A

37

الوزير من النهب، ثم أصلح حاله مع الخليفة، و أعاده إلى وزارته.

و كذلك أيضا عبر عليه قاضي القضاة الزيني، و سار معه إلى الموصل، ثم إن الخليفة جد في عمارة السور، فأرسل الملك داود من قلع أبوابه و أخرب قطعة منه، فانزعج الناس ببغداد، و نقلوا أموالهم إلى دار الخلافة، و قطعت خطبة السلطان مسعود، و خطب للملك داود و جرت الأيمان بين الخليفة و الملك داود و عماد الدين زنكي، و أرسل الخليفة إلى أتابك زنكي ثلاثين ألف دينار لينفقها.

و وصل الملك سلجوق شاه إلى واسط فدخلها و قبض على الأمير بك أبه و نهب ماله و انحدر أتابك زنكي إليه لدفعه عنها و اصطلحا و عاد زنكي إلى بغداد و عبر إلى طريق خراسان، و حث على جمع العساكر للقاء السلطان مسعود.

و سار الملك داود نحو طريق خراسان أيضا، فنهب العسكر البلاد و أفسدوا، و وصلت الأخبار بمسير السلطان مسعود إلى بغداد لقتال الملك، و فارق الملك داود و أتابك زنكي: فعاد أتابك زنكي إلى بغداد، و فارق الملك داود، و أظهر له أن يمضي إلى مراغة إذا فارق السلطان مسعود همذان، فبرز الراشد باللََّه إلى ظاهر بغداد أول رمضان، و سار إلى طريق خراسان، ثم عاد بعد ثلاثة أيام و نزل عند جامع السلطان ثم دخل إلى بغداد خامس رمضان و أرسل إلى داود و سائر الأمراء يأمرهم بالعود إلى بغداد، فعادوا، و نزلوا في الخيام، و عزموا على قتال السلطان مسعود من داخل سور بغداد.

و وصلت رسل السلطان مسعود يبذل من نفسه الطاعة و الموافقة للخليفة و التهديد لمن اجتمع عنده، فعرض الخليفة الرسالة عليهم، فكلهم رأى قتاله، فقال الخليفة: و أنا أيضا معكم على ذلك‏ (1) .

____________

(1) . على ذلك. mo. A

38

ذكر ملك شهاب الدين حمص‏

في هذه السنة، في الثاني و العشرين من ربيع الأول، تسلم شهاب الدين محمود، صاحب دمشق، مدينة حمص و قلعتها. و سبب ذلك أن أصحابها أولاد الأمير خيرخان بن قراجا (1) ، و الوالي بها من قبلهم، ضجروا من كثرة تعرض عسكر عماد الدين زنكي إليها و إلى أعمالها، و تضييقهم على من بها من جندي و عامي، فراسلوا شهاب الدين في أن يسلموها إليه، و يعطيهم عوضا عنها تدمر، فأجابهم إلى ذلك، و سار إليها و تسلمها منهم في التاريخ المذكور، و سلم إليهم تدمر، و أقطع حمص مملوك جده معين الدين أنز، و جعل فيها نائبا عنه‏ (2) ممن يثق به من أعيان أصحابه و عاد منها إلى دمشق.

فلما رأى عسكر زنكي الذين بحلب و حماة خروج حمص عن أيديهم تابعوا الغارات إلى بلدها و النهب له، و الاستيلاء على كثير منه، فجرى بينهم عدة وقائع، و أرسل شهاب الدين إلى زنكي في المعنى و استقر الصلح بينهم، و كف كل منهم عن صاحبه.

ذكر الفتنة بدمشق‏

في هذه السنة وقعت الفتنة بدمشق بين صاحبها و الجند. و سبب ذلك أن الحاجب يوسف بن فيروز كان أكبر حاجب عند أبيه و جده، ثم إنه خاف أخاه شمس الملوك، و هرب منه إلى تدمر، فلما كانت هذه السنة سأل )

____________

(1) . قراجه. A

(2) . عنه يوسف بن فيروز حاجب أبيه و جده و عاد عنها.

39

أن يحضر إلى دمشق، و كان يخاف جماعة المماليك لأنه كان أساء إليهم و عاملهم أقبح معاملة، فكلهم عليه حنق، لا سيما في الحادثة التي خرج فيها شمس الملوك، و قد تقدمت، فإنه أشار بقتل جماعة أبرياء و بقتل سونج بن تاج الملوك، فصاروا كلهم أعداء مبغضين.

فلما طلب الآن الحضور إلى دمشق أجيب إلى ذلك، فأنكر جماعة الأمراء و المماليك قربه، و خافوه أن يفعل بهم مثل فعله الأول، فلم يزل يتوصل معهم حتى حلف لهم و استحلفهم، و شرط على نفسه أنه لا يتولى من الأمور شيئا.

ثم إنه جعل يدخل نفسه في كثير من الأمور، فاتفق أعداؤه على قتله، فبينما هو يسير مع شمس الملوك في الميدان و إلى جانبه أمير اسمه بزاوش يحادثه، إذ ضربه بزاوش بالسيف فقتله، فحمل و دفن عند تربة والده بالعقيبة.

ثم إن بزاوش و المماليك خافوا شمس الملوك، فلم يدخلوا البلد، و نزلوا بظاهره، و أرسلوا يطلبون قواعد استطالوا فيها، فأجابهم إلى البعض، فلم يقبلوا منه، ثم ساروا إلى بعلبكّ، و بها شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحبها، فصاروا معه، فالتحق بهم كثير من التركمان و غيرهم، و شرعوا في العيث و الفساد، و اقتضت الحال مراسلتهم و ملاطفتهم و إجابتهم إلى ما طلبوا، و استقرت الحال على ذلك، و حلف كل منهم لصاحبه، فعادوا إلى ظاهر دمشق و لم يدخلوا البلد.

و خرج شهاب الدين، صاحب دمشق، إليهم و اجتمع بهم و تجددت الأيمان، و صار بزاوش مقدم العسكر و إليه الحل و العقد، و ذلك في شعبان، و زال الخلف، و دخلوا البلد، و اللََّه أعلم.

40

ذكر غزاة العسكر الأتابكي لبلاد الفرنج‏

في هذه السنة، في شعبان، اجتمعت عساكر أتابك زنكي، صاحب حلب و حماة، مع الأمير أسوار (1) نائبة بحلب، و قصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم، و قصدوا أعمال اللاذقية بغتة، و لم يتمكن أهلها من الانتقال عنها و الاحتراز، فنهبوا منها ما يزيد عن‏ (2) الوصف، و قتلوا و أسروا، و فعلوا في بلد الفرنج ما لم يفعله بهم غيرهم.

و كان الأسرى سبعة آلاف أسير ما بين رجل و امرأة و صبي، و مائة ألف رأس من الدواب ما بين فرس و بغل و حمار و بقر و غنم، و أما ما سوى ذلك من الأقمشة و العين و الحلي فيخرج عن الحد، و أخربوا بلد اللاذقية و ما جاورها و لم يسلم منها إلا القليل، و خرجوا إلى شيزر بما معهم من الغنائم سالمين، منتصف رجب، فامتلأ الشام من الأسارى و الدواب، و فرح المسلمون بذلك فرحا عظيما (3) ، و لم يقدر الفرنج على شي‏ء يفعلونه مقابل هذه الحادثة، عجزا و وهنا.

ذكر وصول السلطان مسعود إلى العراق و تفرق أصحاب الأطراف و مسير الراشد باللََّه إلى الموصل و خلعه‏

لما بلغ السلطان مسعودا[1] اجتماع الملوك و الأمراء، ببغداد، على خلافه، [1] مسعود.

____________

(1) . مع الأسوار. A

(2) . يزيد على. A

(3) . و فرح... عظيما. mo. A

41

و الخطبة للملك داود ابن أخيه السلطان محمود، جمع العساكر و سار إلى بغداد، فنزل بالمالكية[1]، فسار بعض العسكر حتى شارفوا عسكره و طاردوهم، و كان في الجماعة زين الدين علي أمير من أمراء أتابك زنكي، ثم عادوا، و وصل السلطان فنزل على بغداد و حصرها و جميع العساكر فيها.

و ثار العيارون ببغداد و سائر محالها، و أفسدوا و نهبوا، و قتلوا حتى إنه وصل صاحب لأتابك زنكي و معه كتب، فخرجوا عليه و أخذوها منه و قتلوه، فحضر جماعة من أهل المحالّ عند الأتابك زنكي، و أشاروا عليه بنهب المحالّ الغربية، فليس فيها غير عيار و مفسد، فامتنع من ذلك، ثم أرسل بنهب الحريم الطاهري فأخذ منه‏[2] من الأموال الشي‏ء الكثير، و سبب ذلك أن العيارين [كثروا]فيه و أخذوا أموال الناس. و نهبت العساكر غير الحريم من المحال، و حصرهم السلطان نيفا و خمسين يوما فلم يظفر بهم. فعاد إلى النهروان عازما على العود إلى همذان، فوصله طرنطاي صاحب واسط و معه سفن كثيرة، فعاد إليها و عبر فيها إلى غربي دجلة، و أراد العسكر البغدادي منعه، فسبقهم إلى العبور، و اختلفت كلمتهم، فعاد الملك داود إلى بلاده في ذي القعدة و تفرق الأمراء.

و كان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد باللََّه و سار معه إلى الموصل في نفر يسير من أصحابه، فلما سمع السلطان مسعود بمفارقة الخليفة و زنكي بغداد سار إليها، و استقر بها، و منع أصحابه من الأذى و النهب.

و كان وصوله منتصف ذي القعدة، فسكن الناس و اطمأنوا بعد الخوف الشديد، و أمر فجمع القضاة و الشهود و الفقهاء و عرض‏[3] عليهم اليمين التي حلف بها الراشد [1] بالملكية.

[2] منها.

[3] و عرضوا.

42

المسعود و فيها بخط يده: إلى متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف، فقد خلعت نفسي من الأمر، فأفتوا بخروجه من الخلافة، و قيل غير ذلك و سنذكره في خلافة المقتفي لأمر اللََّه‏ (1) .

و كان الوزير شرف الدين علي بن طراد و صاحب المخزن كمال الدين بن البقشلامي و ابن الأنباري قد حضروا مع السلطان لأنهم كانوا عنده مذ أسرهم مع المسترشد باللََّه، فقدحوا في الراشد و وافقهم على ذلك جميع أصحاب المناصب ببغداد، إلا اليسير، لأنهم كانوا يخافونه، و كان قد قبض بعضهم و صادر بعضا، و اتفقوا على ذمه، فتقدم السلطان بخلعه و إقامة من يصلح للخلافة، فخلع و قطعت خطبته في بغداد في ذي القعدة و سائر البلاد.

و كانت خلافته أحد عشر شهرا و أحد عشر يوما، و قتله الباطنية على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر خلافة المقتفي لأمر اللََّه‏

لما قطعت خطبة الراشد باللََّه استشار السلطان جماعة من أعيان بغداد منهم الوزير علي بن طراد، و صاحب المخزن، و غيرهما، فيمن يصلح أن يلي الخلافة. فقال الوزير: أحد عمومه الراشد، و هو رجل صالح. قال: من هو قال: من لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يقتل، فتقدم إليهم بعمل محضر في خلع الراشد، فعملوا محضرا ذكروا فيه ما ارتكبه من أخذ الأموال و أشياء تقدح في الإمامة ثم كتبوا فتوى: ما يقول العلماء فيمن هذه صفته، هل يصلح للإمامة أم لا؟فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما. فلما فرغوا

____________

(1) . و سنذكره... اللََّه. mo. A

43

من ذلك أحضروا القاضي أبا طاهر بن الكرخي، فشهدوا عنده بذلك، فحكم بفسقه و خلعه، و حكم بعده غيره، و لم يكن قاضي القضاة حاضرا ليحكم فإنه كان عند أتابك زنكي بالموصل ثم إن شرف الدين الوزير ذكر للسلطان أبا عبد اللََّه الحسين، و قيل محمد ابن المستظهر باللََّه، و دينه، و عقله، و عفته، و لين جانبه، فحضر السلطان دار الخلافة و معه الوزير شرف الدين الزينبي، و صاحب المخزن ابن البقشلامي و غيرهما، و أمر بإحضار الأمير أبي عبد اللََّه بن المستظهر من المكان الّذي يسكن فيه، فأحضر و أجلس في المثمنة، و دخل السلطان إليه و الوزير شرف الدين و تحالفا، و قرر الوزير القواعد بينهما، و خرج السلطان من عنده و حضر الأمراء و أرباب المناصب و القضاة و الفقهاء و بايعوا ثامن عشر ذي الحجة و لقب المقتفي لأمر اللََّه قيل سبب اللقب أنه رأى النبي، صلى اللََّه عليه و سلم، قبل أن يلي الخلافة بستة أيام، و هو يقول له: إن هذا الأمر يصير إليك، فاقتف بي، فلقب بذلك. و لما استخلف سيرت الكتب الحكمية بخلافته إلى سائر الأمصار و استوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي‏ فأرسل إلى الموصل، و أحضر قاضي القضاة أبا القاسم علي بن الحسين الزينبي عم الوزير، و أعاده إلى منصبه، و قرر كمال الدين حمزة بن طلحة على منصبه صاحب المخزن، و جرت الأمور على أحسن نظام.

و بلغني أن السلطان مسعودا أرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر اللََّه في تقرير إقطاع يكون لخاصته‏[1]، فكان جوابه: إن في الدار ثمانين بغلا تنقل الماء من دجلة، فلينظر السلطان ما يحتاج إليه من يشرب هذا الماء و يقوم به، فتقررت القاعدة [1] لخاصة.

44

على ان يجعل له ما كان للمستظهر باللََّه، فأجاب إلى ذلك.

و قال السلطان لما بلغه قوله: لقد جعلنا في الخلافة رجلا عظيما نسأل.

و المقتفي عم الراشد هو و المسترشد ابنا المستظهر، وليا الخلافة، و كذلك السفاح و المنصور أخوان، و كذلك المهدي و الرشيد أخوان، و كذلك الواثق و المتوكل أخوان، و أما ثلاثة إخوة ولوا الخلافة فالأمين و المأمون و المعتصم أولاد الرشيد، و المكتفي و المقتدر و القاهر بنو المعتضد، و الراضي و المتقي و المطيع بنو المقتدر، و أما أربعة إخوة ولوها فالوليد و سليمان و يزيد و هشام بنو عبد الملك بن مروان لا يعرف غيرهم.

و حين استقرت الخلافة للمقتفي أرسل إليه الراشد باللََّه رسولا من الموصل مع رسول أتابك زنكي، فأما رسول الراشد فلم تسمع رسالته، و أما رسول أتابك زنكي فكان كمال الدين محمد بن عبد اللََّه الشهرزوريّ، فأحضر في الديوان و سمعت رسالته، و حكى لي والدي عنه قال: لما حضرت الديوان قيل لي: تبايع أمير المؤمنين؟فقلت: أمير المؤمنين عندنا في الموصل و له في أعناق الخلق بيعة متقدمة. و طال الكلام و عدت إلى منزلي.

فلما كان الليل جاءتني امرأة عجوز سرا، و اجتمعت بي و أبلغتني رسالة عن المقتفي لأمر اللََّه مضمونها عتابي على ما قلته و استنزالي عنه. فقلت: غدا أخدم خدمة يظهر أثرها.

فلما كان‏[الغد]أحضرت الديوان و قيل لي في معنى البيعة، فقلت: أنا رجل فقيه قاض‏[1]، و لا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم.

فأحضروا الشهود و شهدوا عندي في الديوان بما أوجب خلعه، فقلت: هذا ثابت لا كلام فيه، و لكن لا بد لنا في هذه الدعوة من نصيب لأن أمير [1] قاضي.

45

المؤمنين قد حصل له خلافة اللََّه في أرضه، و السلطان، فقد استراح ممن كان يقصده، و نحن بأي شي‏ء نعود؟فرفع الأمر إلى الخليفة، فأمر أن يعطى أتابك زنكي صريفين و درب هارون و حربي ملكا، و هي من خاص الخليفة، و يزداد في ألقابه، و قال: هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف‏ أن يكون لهم نصيب في خاص الخليفة.

فبايعت و عدت مقضي الحوائج قد حصل لي جملة صالحة من المال و التحف. و كانت بيعة و خطب للمقتفي في الموصل في رجب سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة، و لما عاد كمال الدين بن الشهرزوريّ سيّر على يده المحضر الّذي عمل بخلع الراشد، فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل، و كان عند أتابك زنكي‏ (1) .

ذكر عدة حوادث‏

في هذه السنة عزل السلطان مسعود وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد و عاد إلى بغداد، و أقام بداره معزولا، و وزر بعده كمال الدين أبو البركات ابن سلمة الدركزيني و هو من خراسان.

و فيها ثار العيارون ببغداد عند اجتماع العساكر بها، و قتلوا في البلد و نهبوا الأموال ظاهرا و كثر الشر، فقصد الشحنة شارع دار الرقيق، و طلب العيارين، فثار عليه أهل المحال الغربية، فقاتلهم، و أحرق الشارع، فاحترق فيه خلق كثير، و نقل الناس أموالهم إلى الحريم الطاهري، فدخله الشحنة، و نهب منه مالا كثيرا.

____________

(1) . و كان... زنكي. mo. A

46

ثم وقعت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج و بين أهل المأمونية، و قتل بينهم جماعة ثم اصطلحوا.

و فيها سار قراسنقر في عساكر كثيرة في طلب الملك داود ابن السلطان محمود، فأقام السلطان مسعود ببغداد، و لم يزال قراسنقر يطلب داود حتى أدركه عند مراغة، فالتقيا و تصافا، و اقتتل العسكران قتالا عظيما، فانهزم داود و أقام قراسنقر بأذربيجان، و أما داود فإنه قصد خوزستان فاجتمع عليه هناك عساكر كثيرة من التركمان و غيرهم و بلغت عدتهم نحو عشرة آلاف فارس، فقصد تستر و حاصرها، و كان عمه الملك‏ (1) سلجوق شاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده، فأمده بالعساكر، فسار إلى داود و هو يحاصر تستر، فتصافا، فانهزم سلجوق شاه.

و فيها توفي أيضا محمد بن حمويه أبو عبد اللََّه الجويني، و هو من مشايخ الصوفية المشهورين، و له كرامات كثيرة و رواية الحديث و توفي أيضا محمد بن عبد اللََّه بن أحمد بن حبيب العامري الصوفي مصنف شرح الشهاب و أنشد لما حضره الموت:

ها قد مددت يدي إليك فردها # بالفضل لا بشماتة الأعداء

و توفي أيضا أبو عبد اللََّه محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي الصاعديّ راوي صحيح مسلم عن عبد الغافر الفارسيّ، و طريقه اليوم أعلى الطرق، و إليه الرحلة من الشرق و الغرب، و كان فقيها مناظرا ظريفا يخدم الغرباء بنفسه، و كان يقال: الفراوي ألف راو، رحمه اللََّه و رضي عنه.

ـ

____________

(1) الملك. mo. A

47

531 ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة

ذكر تفرق العساكر عن السلطان مسعود

في هذه السنة، في المحرّم، أذن السلطان مسعود العساكر التي عنده ببغداد بالعود إلى بلادهم، لما بلغه أنّ الراشد باللََّه قد فارق أتابك زنكي من الموصل، فإنّه كان يتمسّك بالعساكر عنده خوفا أن ينحدر به إلى العراق فيملكه عليه، فلمّا أراد أن يأذن للأمير صدقة بن دبيس، صاحب الحلّة، زوّجه ابنته تمسّكا به.

و قدم على السلطان مسعود جماعة من الأمراء الذين حاربوه مع الملك داود منهم البقش السلاحي و برسق بن برسق صاحب تستر، و سنقر الحمارتكين شحنة همذان، فرضي عنهم، و أمنهم، و ولى البقش شحنكية بغداد، فعسف الناس و ظلمهم.

و كان السلطان مسعود بعد تفرّق العساكر عنه قد بقي معه ألف فارس.

و تزوّج الخليفة فاطمة خاتون أخت السلطان مسعود في رجب، و الصداق مائة ألف دينار، و كان الوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة عليّ بن طراد الزينبي و الوكيل عن السلطان وزيره الكمال الدركزيني، و وثق السلطان حيث صار الخليفة و صدقة بن دبيس بن صدقة صهريه، و حيث سار الراشد باللََّه من عند زنكي الأتابك، و اللََّه أعلم.

48

ذكر عزل بهرام عن وزارة الحافظ و وزارة رضوان‏

في هذه السنة، في جمادى الأولى، هرب تاج الدولة بهرام وزير الحافظ لدين اللََّه العلويّ صاحب مصر، و كان قد استوزره بعد قتل ابنه حسن سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و كان نصرانيّا أرمنيّا، فتمكّن في البلاد و استعمل الأرمن و عزل المسلمين، و أساء السيرة فيهم و أهانهم هو و الأرمن الذين ولاّهم و طمعوا فيهم، فلم يكن في أهل مصر من أنف من ذلك إلا رضوان بن الريحيني‏ (1) ، فإنه لما ساءه ذلك و أقلقه جمع جمعا كثيرا و قصد القاهرة، فسمع به بهرام، فهرب إلى الصعيد من غير حرب و لا قتال، و قصد مدينة أسوان فمنعه واليها من الدخول إليها و قاتله فقتل السودان من الأرمن كثيرا، فلما لم يقدر على الدخول إلى أسوان أرسل‏[إلى‏]الحافظ يطلب الأمان، فأمّنه، فعاد إلى القاهرة، فسجن بالقصر، فبقي مدة، ثم ترهب و خرج من الحبس.

و أما رضوان فإنه وزر للحافظ و لقب بالملك الأفضل، و هو أول وزير للمصريين لقب بالملك، ثم فسد ما بينه و بين الحافظ فعمل الحافظ في إخراجه، فثار الناس عليه منتصف شوال سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة، و هرب من داره و تركها بما فيها، فنهب الناس منها (2) ما لا يحد و لا يحصى، و ركب الحافظ فسكن الناس، و نقل ما بقي في دار رضوان إلى قصره.

و أما رضوان فإنه سار يريد الشام يستنجد الأتراك و يستنصرهم، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال ليرده بالأمان و العهد أنه لا يؤذيه، فرجع إلى القاهرة، فحبسه الحافظ عنده في القصر، و قيل إنه توجه إلى الشام، و هو

____________

(1) . الزنجي صح. gramnita الولحشي. B . بن الولحسي. A

(2) . منها. mo. A

49

لصحيح، و قصد صرخد فوصل إليها في ذي القعدة و نزل على صاحبها أمين الدولة (1) كمشتكين، فأكرمه و عظمه، و أقام عنده.

ثم عاد إلى مصر سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة، و معه عسكر، فقاتل المصريين عند باب النصر و هزمهم، و قتل منهم جماعة كثيرة، و أقام ثلاثة أيام، فتفرق عنه كثير ممن معه، فعزم على العود إلى الشام، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال، فرده و حبسه عنده في القصر، و جمع بينه و بين عياله، فأقام في القصر إلى سنة ثلاث و أربعين‏[و خمسمائة]، فنقب الحبس و خرج منه، و قد أعدت له خيل، فهرب عليها، و عبر النيل إلى الجيزة فحشد و جمع المغاربة و غيرهم، و عاد إلى القاهرة، فقاتل المصريين عند جامع ابن طولون و هزمهم، و دخل إلى القاهرة فنزل عند جامع الأقمر، فأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا ليفرقه على عادتهم، فإنّهم كانوا إذا وزّروا وزيرا أرسلوا إليه عشرين ألف دينار ليفرّقها، فأرسل إليه الحافظ عشرين ألف دينار، فقسمها، و كثر عليه الناس، و طلب زيادة، فأرسل إليه عشرين ألف دينار أخرى، ففرقها، فتفرق الناس عنه و خفوا عنده، فإذا الصوت قد وقع، و خرج إليه جمع كثير من السودان وضعهم الحافظ عليه، فحملوا على غلمانه فقاتلوهم، فقام يركب، فقدم إليه بعض أصحابه فرسا ليركبه، فلما أراد ركوبه ضرب الرجل رأسه بالسيف فقتله، و حمل رأسه إلى الحافظ، فأرسله إلى زوجته، فوضع في حجرها، فألقته و قالت، هكذا يكون الرجال، و لم يستوزر الحافظ بعده أحدا، و باشر الأمور بنفسه إلى أن مات.

____________

(1) . أمين الدين. A

50

ذكر فتح المسلمين حصن وادي ابن الأحمر من الفرنج‏

و في هذه السنة، في رجب، سار عسكر دمشق مع مقدمهم الأمير بزاوش إلى طرابلس الشام، فاجتمع معه من الغزاة المتطوعة و التركمان أيضا خلق كثير، فلما سمع القمص صاحبها بقربهم من ولايته سار إليهم في جموعه و حشوده، فقاتلهم و انهزم الفرنج‏ و عادوا إلى طرابلس على صورة سيئة قد قتل كثير من فرسانهم و شجعانهم فنهب المسلمون من أعمالهم الكثير و حصروا حصن وادي ابن الأحمر فملكوه عنوة و نهبوا ما فيه، و قتلوا المقاتلة، و سبوا الحريم و الذريّة، و أسروا الرجال فاشتروا أنفسهم بمال جليل، و عادوا إلى دمشق سالمين، و اللََّه أعلم.

ذكر حصار زنكي مدينة حمص‏

في هذه السنة، في شعبان، سار أتابك زنكي إلى مدينة حمص و قدّم إليها صلاح الدين محمد الياغيسيانيّ، و هو أكبر أمير معه، و كان ذا مكر و حيل، أرسله ليتوصّل مع من فيها ليسلّموها إليه، فوصل إليها و فيها معين الدين أنز (1) ، و هو الوالي عليها و الحاكم فيها، و هو أيضا أكبر أمير بدمشق و حمص أقطاعه كما سبق ذكره، فلم ينفذ فيه مكره، فوصل حينئذ زنكي إليها و حصرها و عاود مراسلة أنز (2) في التسليم غير مرّة، تارة بالوعد و تارة بالوعيد، و احتجّ بأنّها ملك صاحبه شهاب الدين و أنّها بيده أمانة و لا يسلّمها

____________

(1-2) . انر. B . أنر. A

51

إلا عن غلبة، فأقام عليها إلى العشرين من شوال و رحل عنها من غير بلوغ غرض إلى بعرين فحصرها (1) ، و كان منه و من الفرنج ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر ملك زنكي قلعة بعرين و هزيمة الفرنج‏

و في هذه السنة، في شوال، سار أتابك زنكي من الموصل إلى الشام و حصر (2) قلعة بعرين، و هي تقارب مدينة حماة، و هي من أمنع معاقل الفرنج و أحصنها، فلما نزل عليها قاتلها، و زحف إليها، فجمع الفرنج فارسهم و راجلهم، و ساروا في قضهم و قضيضهم، و ملوكهم و قمامصتهم و كنودهم، إلى أتابك زنكي ليرحلوه عن بعرين، فلم يرحل و صبر لهم إلى أن وصلوا إليه، فلقيهم و قاتلهم أشد قتال رآه الناس، و صبر الفريقان ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، و أخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، و احتمى ملوكهم و فرسانهم بحصن بعرين لقربه منهم، فحصرهم زنكي فيه و منع عنهم كل شي‏ء حتى الأخبار فكان من به منهم لا يعلم شيئا من أخبار بلادهم لشدّة ضبط الطرق و هيبته على جنده.

ثم إن القسوس و الرهبان دخلوا بلاد الروم و بلاد الفرنج و ما والاها مستنفرين‏ (3) على المسلمين، و أعلموهم أن زنكي إن أخذ قلعة بعرين و من فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم في أسرع وقت، و أن المسلمين ليس لهم همّة إلا قصد البيت المقدس، فحينئذ اجتمعت النصرانيّة و ساروا على

____________

(1) . فحصرها. mo. A

(2) . ثم انتقل عنها و حصر. B

(3) . يستنفرونهم. B . ليستنفروهم. A

52

الصعب و الذلول، و قصدوا الشام، و كان منهم ما نذكره.

و أما زنكي فإنه جد في قتال الفرنج، فصبروا و قلت عليهم الذخيرة، فإنّهم كانوا غير مستعدين، و لم يكونوا يعتقدون‏[1] أن أحدا يقدم عليهم بل كانوا يتوقعون ملك باقي الشام، فلما قلت الذخيرة أكلوا دوابهم، و أذعنوا بالتسليم ليؤمّنهم، و يتركهم يعودون إلى بلادهم، فلم يجبهم إلى ذلك، فلما سمع باجتماع من بقي من الفرنج و وصول من قرب إليهم أعطى لمن في الحصن الأمان، و قرّر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوه إلى ذلك فأطلقهم فخرجوا و سلّموا إليه، فلما فارقوه بلغهم اجتماع من اجتمع بسببهم، فندموا على التسليم حيث لا ينفعهم الندم، و كان لا يصلهم شي‏ء من الأخبار البتّة، فلهذا سلموا.

و كان زنكي في مدة مقامه عليهم قد فتح المعرة و كفر طاب من الفرنج فكان أهلهما و أهل سائر الولايات التي بين حلب و حماة مع أهل بعرين في الخزي لأن الحرب بينهم قائمة على ساق، و النهب و القتل لا يزال بينهم، فلما ملكها أمن الناس، و عمرت البلاد و عظم دخلها، و كان فتحا مبينا و من رآه علم صحّة قولي.

و من أحسن الأعمال و أعدلها ما عمله زنكي مع أهل المعرّة، فإن الفرنج لما ملكوا المعرة كانوا قد أخذوا أموالهم و أملاكهم، فلما فتحها زنكي الآن حضر من بقي من‏ (1) أهلها و معهم أعقاب من هلك، و طلبوا أملاكهم، فطلب منهم كتبها، فقالوا: إن الفرنج أخذوا كل ما لنا، [1] يعتقدوا.

____________

(1) . من بقي من أعقاب. B

53

و الكتب التي للأملاك فيها. فقال: اطلبوا دفاتر (1) حلب و كل من عليه خراج على ملك يسلم اليه، ففعلوا ذاك، و أعاد على الناس أملاكهم، و هذا من أحسن‏ (2) الأفعال و أعدلها.

ذكر خروج ملك الروم من بلاده إلى الشام‏

قد تقدم أن الفرنج أرسلوا إلى ملك القسطنطينية يستصرخون به و يعرفونه ما فعله زنكي فيهم، و يحثونه على لحاق البلاد قبل أن تملك، و لا ينفعه حينئذ المجي‏ء، فتجهز و سار مجدّا فابتدأ و ركب البحر و سار إلى مدينة أنطالية[1]، و هي له على ساحل البحر، فأرسى فيها، و أقام ينتظر وصول المراكب التي فيها أثقاله و سلاحه، فلما وصلت سار عنها إلى مدينة نيقية و حصرها، فصالحه أهلها على مال يؤدونه إليه، و قيل: بل ملكها و سار عنها إلى مدينة أدنة و مدينة المصيصة، و هما بيد ابن ليون الأرمني، صاحب قلاع الدروب، فحصرهما و ملكهما.

و رحل إلى عين زربة فملكهما عنوة، و ملك تل حمدون، و حمل أهله إلى جزيرة قبرس، و عبر ميناء الإسكندرونة ثم خرج إلى الشام فحصر مدينة أنطاكية في ذي القعدة، و ضيق على أهلها، و بها صاحبها الفرنجي ريمند، فترددت الرسل بينهما، فتصالحا و رحل عنها إلى بغراص، و دخل منها بلد ابن ليون الأرمني، فبذل له ابن ليون أموالا كثيرة و دخل في طاعته، و اللََّه أعلم.

[1] أنطاكية.

____________

(1) . دفاتر ديوان. B

(2) . أحسن ما يدون عن ملك. B

54

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في الرابع و العشرين من أيار، ظهر بالشام سحاب أسود أظلمت له الدنيا، و صار الجوّ كالليل المظلم، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، و هبّت ريح عاصف ألقت كثيرا من الشجر، و كان أشدّ ذلك بحوران و دمشق، و جاء بعده مطر شديد و برد كبار.

و فيها عاد مؤيّد الدين أبو الفوارس المسيّب بن علي بن الحسين المعروف بابن الصوفي من صرخد إلى دمشق. و كان قد أخرج هو و أهله من دمشق إلى صرخد، فبقوا فيها إلى الآن، و عادوا، و ولي أبو الفوارس الرئاسة بدمشق، و كان محبوبا عند أهلها، و تمكّن تمكنا عظيما، و كان ذا رئاسة عظيمة و مروءة ظاهرة.

و فيها كثرت الأمراض ببغداد و كثر الموت فجأة بأصفهان و همذان.

و فيها سار أتابك زنكي إلى دقوقا فحصرها و ملكها بعد أن قاتل على قلعتها قتالا شديدا.

و فيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية بأصفهان، و تفقه على والده، و درس بالنظاميّة بأصفهان.

و توفّي أبو القاسم هبة اللََّه بن أحمد بن عمر الحريري، و مولده يوم عاشوراء سنة خمس و ثلاثين و أربعمائة، و هو آخر من روى عن أبي الحسن زوج الحرّة.

و قد روى الخطيب أبو بكر بن ثابت عن زوج الحرّة أيضا، و كانت وفاة الخطيب سنة ثلاث و ستين و أربعمائة.