الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
5

الجزء الثاني عشر

بسم اللََّه الرحمن الرّحيم‏

584 ثم دخلت سنة أربع و ثمانين و خمسمائة

ذكر حصر صلاح الدين كوكب‏

في هذه السنة، في المحرّم، انحسر الشتاء، فسار صلاح الدين من عكّا فيمن تخلّف عنده من العسكر إلى قلعة كوكب، فحصرها، و نازلها، ظنّا منه أنّ ملكها سهل‏[1] و أنّ أخذها، و هو في قلّة من العسكر، متيسّر، فلمّا رآها عالية منيعة[2][أدرك أن‏]الوصول إليها متعذّر، و كان عنده منها و من صفد و الكرك المقيم المقعد. لأنّ البلاد الساحليّة، من عكّا إلى جهة الجنوب، كانت قد ملك جميعها، ما عدا هذه الحصون، و كان يختار أن لا يبقى في وسطها ما يشغل قلبه، و يقسّم همّه، و يحتاج إلى حفظه، و لئلاّ ينال الرعايا و المجتازين منهم الضرر العظيم.

فلمّا حصر كوكب، و رآها منيعة، يبطئ ملكها و أخذها، رحل عنها، [1] سهلاً.

[2] منيفة.

6

و جعل عليها قايماز النجميّ مستديماً لحصاره، و كان رحيله عنها في ربيع الأوّل، و أتاه رسل الملك قلج أرسلان، و قزل أرسلان و غيرهما، يهنّئونه بالفتح و الظفر، و سار من كوكب إلى دمشق، ففرح الناس بقدومه، و كتب إلى البلاد جميعها باجتماع العساكر، و أقام بها إلى أن سار إلى الساحل.

ذكر رحيل صلاح الدين إلى بلد الفرنج‏

لمّا أراد صلاح الدين المسير عن دمشق حضر عند القاضي الفاضل مودّعاً له و مستشيرا، و كان مريضا، و ودّعه و سار عن دمشق منتصف ربيع الأوّل إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس، غربيّ حمص، و جاءته العساكر:

فأوّل من أتاه من أصحاب الأطراف عماد الدين زنكي بن مودود بن آقسنقر، صاحب سنجار، و نصيبين، و الخابور، و تلاحقت العساكر من الموصل و ديار الجزيرة و غيرها، فاجتمعت عليه، و كثرت عنده، فسار حتّى نزل تحت حصن الأكراد من الجانب الشرقيّ، و كنت معه حينئذ، فأقام يومين، و سار جريدة، و ترك أثقال العسكر موضعها تحت الحصن، و دخل إلى بلد الفرنج، فأغار على صافيثا، و العريمة، و يحمور، و غيرها من البلاد و الولايات، و وصل إلى قرب طرابلس، و أبصر البلاد، و عرف من أين يأتيها، و أين يسلك منها، ثمّ عاد إلى معسكره سالماً.

و قد غنم العسكر من الدوابّ، على اختلاف أنواعها، ما لا حدّ له، و أقام تحت حصن الأكراد إلى آخر ربيع الآخر.

7

ذكر فتح جبلة

لمّا أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد، أتاه قاضي جبلة، و هو منصور بن نبيل، يستدعيه إليها ليسلّمها إليه، و كان هذا القاضي عند بيمند، صاحب أنطاكية و جبلة، مسموع القول مقبول الكلمة، له الحرمة الوافرة، و المنزلة العالية، و هو يحكم على جميع المسلمين، بجبلة و نواحيها، على ما يتعلّق بالبيمند، فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان، و تكفّل له بفتح جبلة و لاذقيّة و البلاد الشماليّة، فسار صلاح الدين معه رابع جمادى الأولى، فنزل بأنطرطوس سادسه، فرأى الفرنج قد أخلوا المدينة، و احتموا في برجين حصينين، كلّ واحد منهما قلعة حصينة و معقل منيع، فخرّب المسلمون دورهم و مساكنهم و سور البلد، و نهبوا ما وجدوه من ذخائرهم.

و كان الداويّة بأحد البرجين، فحصرهما صلاح الدين، فنزل إليه من في أحد البرجين بأمان و سلّموه، فأمّنهم، و خرّب البرج و ألقى حجارته في البحر، و بقي الّذي فيه الداويّة لم يسلّموه، و كان معهم مقدّمهم الّذي أسره صلاح الدين يوم المصافّ، و كان قد أطلقه لمّا ملك البيت المقدّس، فهو الّذي حفظ هذا الحصن، فخرّب صلاح الدين ولاية أنطرطوس، و رحل عنها و أتى مرقيّة، و قد أخلاها أهلها، و رحلوا عنها، و ساروا إلى المرقب، و هو من حصونهم التي لا ترام، و لا يحدّث أحد نفسه بملكه لعلّوه و امتناعه، و هو للإسبتار، و الطريق تحته، فيكون الحصن على يمين المجتاز إلى جبلة، و البحر عن يساره، و الطريق مضيق لا يسلكه إلاّ الواحد بعد الواحد.

فاتّفق أنّ صاحب صقلّيّة من الفرنج قد سيّر نجدة إلى فرنج الساحل في ستّين قطعة من الشواني، و كانوا بطرابلس، فلمّا سمعوا بمسير صلاح الدين جاءوا و وقفوا في البحر، تحت المرقب، في شوانيهم، ليمنعوا من يجتاز

8

بالسّهام. فلمّا رأى صلاح الدين ذلك أمر بالطارقيات و الجفتيات، فصفّت على الطريق ممّا يلي البحر من أوّل المضيق إلى آخره، و جعل وراءها الرماة، فمنعوا الفرنج من الدنوّ إليهم، فاجتاز المسلمون عن آخرهم، حتّى عبروا المضيق و وصلوا إلى جبلة ثامن عشر جمادى الأولى، و تسلّمها وقت وصوله.

و كان قاضيها قد سبق إليها و دخل، فلمّا وصل صلاح الدين رفع أعلامه على سورها و سلّمها إليه، و تحصّن الفرنج الذين كانوا بها بحصنها، و احتموا بقلعتها، فما زال قاضي جبلة يخوّفهم و يرغّبهم، حتّى استنزلهم بشرط الأمان، و أن يأخذ رهائنهم يكونون عنده‏إلى أن يطلق الفرنج رهائن المسلمين من أهل جبلة.

و كان بيمند، صاحبها، قد أخذ رهائن القاضي و مسلمي‏[1]جبلة، و تركهم عنده بأنطاكيّة، فأخذ القاضي رهائن الفرنج فأنزلهم عنده حتى أطلق بيمند رهائن المسلمين فأطلق المسلمون رهائن الفرنج، و جاء رؤساء أهل الجبل إلى صلاح الدين بطاعة أهله، و هو من أمنع الجبال و أشقّها مسلكاً، و فيه حصن يُعرف ببكسرائيل‏ (1) ، بين جبلة و مدينة حماة، فملكه المسلمون، و صار الطريق في هذا الوقت عليه من بلاد الإسلام إلى العسكر، و كان الناس يلقون شدّة في سلوكه. و قرّر صلاح الدين أحوال جبلة، و جعل فيها لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن الداية، صاحب شيزر، و سار عنها.

[1] و مسلمين.

____________

(1) . بكسراييل. B

9

ذكر فتح لاذقيّة

لمّا فرغ السلطان من أمر جبلة، سار عنها إلى لاذقيّة، فوصل إليها في الرابع و العشرين من جمادى الأولى، فترك الفرنج المدينة لعجزهم عن حفظها، و صعدوا إلى حصنين لها على الجبل فامتنعوا بهما، فدخل المسلمون المدينة و حصروا القلعتين اللتين فيهما الفرنج، و زحفوا إليهما، و نقبوا السُّور ستّين ذراعاً، و علّقوه، و عظم القتال، و اشتدّ الأمر عند الوصول إلى السور؛ فلمّا أيقن‏ (1) الفرنج بالعطب، و دخل إليهم قاضي جبلة فخوّفهم من المسلمين، طلبوا الأمان، فأمّنهم صلاح الدين، و رفعوا الأعلام الإسلاميّة إلى الحصنين، و كان ذلك في اليوم الثالث من النزول عليها.

و كانت عمارة الاذقيّة من أحسن الأبنية و أكثرها زخرفة مملوءة بالرخام على اختلاف أنواعه، فخرّب المسلمون كثيراً منها، و نقلوا رخامها، و شعّثوا كثيرا من بيعها التي قد غرم على كلّ واحدة منها الأموال الجليلة المقدار، و سلّمها إلى ابن أخيه تقي الدين عمر، فعمرها، و حصّن قلعتها، حتّى إذا رآها اليوم من رآها قبل ينكرها، فلا يظنّ أنّ هذه تلك، و كان عظيم الهمّة في تحصين القلاع و الغرامة الوافرة عليها، كما فعل بقلعة حماة.

ذكر حال أسطول صقلّيّة

لمّا نازل صلاح الدين لاذقيّة[جاء أسطول صقلّيّة]الّذي تقدّم ذكره، فوقف بإزاء ميناء لاذقيّة، فلمّا سلّمها الفرنج الذين بها إلى صلاح الدين،

____________

(1) . فلما نقب أيقن. B

10

عزم أهل هذا الأسطول على أخذ من يخرج منها من أهلها غيظا و حنقا، حيث سلّموها سريعا، فسمع بذلك أهل لاذقيّة، فأقاموا، و بذلوا الجزية، و كان سبب مقامهم.

ثمّ إنّ مقدّم هذا الأسطول طلب من السلطان الأمان ليحضر عنده، فأمّنه، و حضر[و قبّل‏]الأرض بين يديه، و قال ما معناه: إنَّك سلطان رحيم و كريم، و قد فعلت بالفرنج ما فعلت فذلّوا، فاتركهم يكونون مماليكك و جندك تفتح بهم البلاد و الممالك، و تردّ عليهم بلادهم، و إلاّ جاءك من البحر ما لا طاقة لك به، فيعظم عليك الأمر و يشتدّ الحال.

فأجابه صلاح الدين بنحو من كلامه من إظهار القوّة و الاستهانة بكلّ من يجي‏ء من البحر، و أنّهم إن خرجوا أذاقهم ما أذاق أصحابهم من القتل و الأسر، فصلّب على وجهه، و رجع إلى أصحابه.

ذكر فتح صهيون و عدّة من الحصون‏

ثمّ رحل صلاح الدين عن لاذقيّة في السابع و العشرين من جمادى الأولى، و قصد قلعة صهيون، و هي قلعة منيعة شاهقة في الهواء، صعبة المرتقى، على قرنة جبل، يطيف بها واد عميق، فيه ضيق في بعض المواضع، بحيث إن حجر المنجنيق يصل منه إلى الحصن، إلاّ أنّ الجبل متّصل بها من جهة الشمال، و قد عملوا لها خندقا عميقا لا يرى قعره، و خمسة أسوار منيعة، فنزل صلاح الدين على هذا الجبل الملتصق بها، و نصب عليه المجانيق‏و رماها، و تقدّم إلى ولده الظاهر، صاحب حلب، فنزل على المكان الضيق من الوادي، و نصب عليه المجانيق أيضاً، فرمى الحصن منه.

11

و كان معه من الرجّالة الحلبيّين‏ (1) كثير، و هم في الشجاعة بالمنزلة المشهورة، و دام رشق السهام من قسيّ اليد، و الجرخ، و الزنبورك، و الزيار، فجرح أكثر من بالحصن، و هم يظهرون التجلّد و الامتناع، و زحف المسلمون إليهم ثاني جمادى الآخرة، فتعلّقوا بقرنة من ذلك الجبل قد أغفل الفرنج إحكامها، فتسلّقوا منها بين الصخور، حتّى التحقوا بالسور الأوّل فقاتلوهم عليه حتى ملكوه، ثمّ إنّهم قاتلوهم على باقي الأسوار فملكوا منها ثلاثة و غنموا ما فيها من أبقار و دوابّ و ذخائر و غير ذلك، و احتمى الفرنج بالقلّة التي للقلعة، فقاتلهم المسلمون عليها، فنادوا و طلبوا الأمان، فلم يجبهم صلاح الدين إليه، فقرّرواعلى أنفسهم مثل قطيعة البيت المقدّس، و تسلّم الحصن و سلّمه إلى أمير يقال له ناصر الدين منكوبرس، صاحب قلعة أبي قبيس، فحصّنه و جعله من أحصن الحصون.

و لمّا ملك المسلمون صهيون تفرّقوا في تلك النواحي، فملكوا حصن بلاطنوس‏ (2) ، و كان من به من الفرنج قد هربوا منه و تركوه خوفا و رعبا، و ملك أيضا حصن العيدو (3) ، و حصن الجماهرتين، فاتّسعت‏[1] المملكة الإسلاميّة بتلك الناحية، إلاّ أنّ الطريق إليها من البلاد الإسلاميّة على عقبة بكسرائيل شاقّ شديد، لأنّ الطريق السهلة كانت غير مسلوكة، لأنّ بعضها بيد الإسماعيليّة، و بعضها بيد الفرنج.

[1] اتّسقت.

____________

(1) . الرجالة الجبليين. A

(2) . حصن بلاطيس. A

(3) . العبدو: 740 العدو: P. C

12

ذكر فتح حصن بكاس و الشّغر

ثمّ سار صلاح الدين عن صهيون، ثالث جمادى الآخرة، فوصل إلى قلعة بكاس‏[فرأى الفرنج قد أخلوها، و تحصّنوا بقلعة الشّغر، فملك قلعة بكاس‏] (1) بغير قتال، و تقدّم إلى قلعة الشّغر و حصرها، و هي و بكاس على الطريق السهل المسلوك إلى لاذقيّة و جبلة، و البلاد التي افتتحها صلاح الدين من بلاد الشام الإسلاميّة.

فلمّا نازلها رآها منيعة حصينة لا ترام، و لا يوصل إليها بطريق من الطرق، إلاّ أنّه أمر بمزاحفتهم و نصب منجنيق عليهم، ففعلوا ذلك، و رمى بالمنجنيق، فلم يصل من أحجاره إلى القلعة شي‏ء إلاّ القليل الّذي لا يُؤذي، فبقي المسلمون عليه أيّاما لا يرون فيه طمعا، و أهله غير مهتمّين بالقتال لامتناعهم عن ضرر يتطرّق إليهم، و بلاء ينزل عليهم.

فبينما صلاح الدين جالس، و عنده أصحابه، و هم في ذكر القلعة و إعمال الحيلة في الوصول إليها، قال بعضهم: هذا الحصن كما قال اللََّه تعالى‏ فَمَا اِسْطََاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اِسْتَطََاعُوا لَهُ نَقْباً (2) فقال صلاح الدين: أو يأتي اللََّه بنصر من عنده و فتح.

فبينما هم في هذا الحديث إذ قد أشرف عليهم فرنجيّ و نادى بطلب الأمان لرسول يحضر عند صلاح الدين، فأجيب إلى ذلك، و نزل رسول، و سأل إنظارهم ثلاثة أيّام، فإن جاءهم من يمنعهم، و إلاّ سلّموا القلعة بما فيها[1] [1] فيه.

____________

(1) . p. c

(2) . 96`18. roC

13

من ذخائر و دوابّ و غير ذلك، فأجابهم إليه و أخذ رهائنهم على الوفاء به.

فلمّا كان اليوم الثالث سلّموها إليه، و اتّفق يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، و كان سبب استمهالهم أنّهم‏ (1) أرسلوا إلى البيمند، صاحب أنطاكية، و كان هذا الحصن له، يعرّفونه أنّهم محصورون، و يطلبون منه أن يرحّل‏ (2) عنهم المسلمين، فإن فعل، و إلاّ سلّموها، و إنّما فعلوا ذلك‏ (3) لرعب قذفه اللََّه تعالى في قلوبهم، و إلاّ فلو أقاموا الدهر الطويل لم يصل إليهم أحد، و لا بلغ المسلمون منهم غرضا، فلمّا تسلّم صلاح الدين الحصن سلّمه إلى أمير يقال له قلج، و أمره بعمارته، و رحل عنه.

ذكر فتح سرمينيّة

لمّا كان صلاح الدين مشغولا بهذه القلاع و الحصون، سيّر ولده الظاهر غازي، صاحب حلب، فحصر سرمينيّة، و ضيّق على أهلها[1]، و استنزلهم على قطيعة قرّرها عليهم، فلمّا أنزلهم، و أخذ منهم المقاطعة، هدم الحصن و عفّى أثره و عالي‏ (4) بنيانه.

و كان فيه و في هذه الحصون من أسارى المسلمين الجمّ الغفير، فأطلقوا، و أُعطوا كسوة و نفقة، و كان فتحه في يوم الجمعة الثالث و العشرين من جمادى الآخرة.

و اتّفق أنّ فتح هذه المدن و الحصون جميعها من جبلة إلى سرمينيّة، مع [1] أهله. ـ

____________

(1) استمالهم أنهم سبب صلحهم. B

(2) . أن ينجدهم و يرحل. B

(3) و صالحوا و ذلوا ذلك. B

(4) و على لي: spU أثره: tseed. P. Cnita `740 te. p. C

14

كثرتها، كان في ستّ جمع مع أنّها في أيدي أشجع الناس و أشدّهم عداوة للمسلمين، فسبحان من إذا أراد أن يسهل الصعب فعل، و هي جميعها من أعمال أنطاكية، و لم يبق لها سوى القصير، و بغراس، و درب ساك، و سيأتي ذكرها إن شاء اللََّه تعالى في مكانه.

ذكر فتح برزية

لمّا رحل صلاح الدين من قلعة الشغر سار إلى قلعة برزية، و كانت قد وصفت له، و هي تقابل حصن أفامية، و تناصفها في أعمالها، و بينهما بحيرة تجتمع من ماء العاصي و عيون تتفجّر من جبل برزية و غيره، و كان أهلها أضرّ شي‏ء على المسلمين، يقطعون الطريق، و يبالغون في الأذى، فلمّا وصل إليها نزل شرقيّها في الرابع و العشرين من جمادى الآخرة، ثمّ ركب من الغد و طاف عليها لينظر موضعا يقاتلها منه، فلم يجده إلاّ من جهة الغرب، فنصب له هناك‏[خيمة] (1) صغيرة، و نزل فيها و معه بعض العسكر جريدة لضيق المواضع.

و هذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهة الشمال و الجنوب البتّة، فإنّها لا يقدر أحد أن يصعد جبلها من هاتين الجهتين، و أمّا الجانب الشرقيّ فيمكن الصعود منه لكن لغير مقاتل، لعلّوه و صعوبته، و أمّا جهة الغرب فإنّ الوادي المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعا كثيرا، حتّى قارب القلعة، بحيث يصل منه حجر المنجنيق و السهام، فنزله المسلمون و نصبوا عليه المجانيق، و نصب أهل القلعة عليها منجنيقا بطّلها.

____________

(1) . 740 te. P. C

15

و رأيت أنا من رأس جبل عال يشرف على القلعة، لكنّه لا يصل منه شي‏ء إليها، امرأة ترمي من القلعة عن المنجنيق، و هي التي بطّلت منجنيق المسلمين، فلمّا رأى صلاح الدين أنّ المنجنيق لا ينتفعون به، عزم على الزحف، و مكاثرة أهلها بجموعه، فقسم عسكره ثلاثة أقسام: يزحف قسم، فإذا تعبوا (1)

و كلّوا عادوا و زحف القسم الثاني، فإذا تعبوا و ضجروا عادوا و زحف القسم الثالث، ثمّ يدور الدور مرّة بعد أخرى حتّى يتعب الفرنج و ينصبوا، فإنّهم لم يكن عندهم من الكثرة ما يتقسّمون كذلك، فإذا تعبوا و أعيوا سلّموا القلعة.

فلمّا كان الغد، و هو السابع و العشرون من جمادى الآخرة، تقدّم أحد الأقسام، و كان المقدّم عليهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب سنجار، و زحفوا، و خرج الفرنج من حصنهم، فقاتلهم على فصيلهم، و رماهم المسلمون بالسهام من وراء الجفتيات و الجنويّات و الطارقيات، و مشوا إليهم حتّى قربوا إلى الجبل، فلمّا قاربوا الفرنج عجزوا عن الدنوّ منهم لخشونة المرتقى، و تسلّط الفرنج عليهم، لعلوّ مكانهم، بالنشاب و الحجارة، فإنّهم كانوا يلقون الحجارة الكبار فتتدحرج إلى أسفل الجبل، فلا يقوم لها شي‏ء.

فلمّا تعب هذا القسم انحدروا، و صعد القسم الثاني، و كانوا جلوسا ينتظرونهم، و هم حلقة صلاح الدين الخاصّ، فقاتلوا قتالاً شديدا، و كان الزمان حرّا شديدا، فاشتدّ الكرب على الناس، و صلاح الدين في سلاحه يطوف عليهم و يحرّضهم، و كان تقي الدين ابن أخيه كذلك، فقاتلوهم إلى قريب الظهر ثمّ تعبوا، و رجعوا.

فلمّا رآهم صلاح الدين قد عادوا تقدّم إليهم و بيده جماق و يردّهم، و صاح في القسم الثالث، و هم جلوس ينتظرون نوبتهم، فوثبوا ملبّين، و ساعدوا إخوانهم، و زحفوا معهم، فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به، و كان أصحاب

____________

(1) . فإذا نصبوا و ضجروا. A

16

عماد الدين قد استراحوا، فقاموا أيضا معهم، فحينئذ اشتدّ الأمر على الفرنج و بلغت القلوب الحناجر، و كانوا قد اشتدّ تعبهم و نصبهم، فظهر عجزهم عن القتال، و ضعفهم عن حمل السلاح لشدّة الحرّ و القتال، فخالطهم المسلمون فعاد الفرنج يدخلون الحصن، فدخل المسلمون معهم، و كان طائفة قليلة في الخيام، شرقيّ الحصن، فرأوا الفرنج قد أهملوا ذلك الجانب، لأنّهم لا يرون فيه مقاتلا، و ليكثروا في الجهة التي فيها صلاح الدين، فصعدت تلك الطائفة من العسكر، فلم يمنعهم مانع، فصعدوا أيضا الحصن من الجهة الأخرى، فالتقوا مع المسلمين الداخلين مع الفرنج، فملكوا الحصن عنوة و قهرا، و دخل الفرنج القلّة التي للحصن، و أحاط بها المسلمون، و أرادوا نقبها.

و كان الفرنج قد رفعوا من عندهم من أسرى المسلمين إلى سطح القلّة، و أرجلهم في القيود و الخشب المنقوب، فلمّا سمعوا تكبير المسلمين في نواحي القلعة كبّروا في سطح القلّة، و ظنّ الفرنج أنّ المسلمين قد صعدوا على السطح فاستسلموا و ألقوا بأيديهم إلى الأسر، فملكها المسلمون عنوة، و نهبوا ما فيها، و أسروا و سبوا من فيها، و أخذوا صاحبها و أهله، و أمست خالية لا ديّار بها، و ألقى المسلمون النار في بعض بيوتهم فاحترقت.

و من أعجب ما يحكى من السلامة أنّني رأيت رجلا من المسلمين على هذا الحصن قد جاء من طائفة من المؤمنين شماليّ القلعة إلى طائفة أخرى من المسلمين جنوبيّ القلعة، و هو يعدو في الجبل عرضا، فأُلقيت عليه الحجارة، و جاءه حجر كبير لو ناله لبعجه، فنزل عليه، فناداه الناس يحذرونه، فالتفت ينظر ما الخبر، فسقط على وجهه من عثرة، فاسترجع الناس، و جاء الحجر إليه، فلمّا قاربه و هو منبطح على وجهه، لقيه حجر آخر ثابت في الأرض فوق الرجل، فضربه المنحدر فارتفع عن الأرض، و جاز الرجل، ثمّ عاد إلى الأرض من جانبه الآخر لم ينله منه أذى و لا ضرر، و قام يعدو حتّى لحق بأصحابه، فكان‏

17

سقوطه سبب نجاته فتعست أمّ الجبان.

و أمّا صاحب برزية، فإنّه أسر هو و امرأته و أولاده، و منهم بنت له معها زوجها، فتفرّقهم العسكر، فأرسل صلاح الدين في الوقت و بحث عنهم و اشتراهم، و جمع شمل بعضهم ببعض، فلمّا قارب أنطاكية أطلقهم و سيّرهم إليها، و كانت امرأة صاحب برزية أخت امرأة بيمند، صاحب أنطاكية، و كانت تراسل صلاح الدين و تهاديه، و تعلمه كثيرا من الأحوال التي تؤثر، فأطلق‏ (1) هؤلاء لأجلها.

ذكر فتح درب ساك‏

لمّا فتح صلاح الدين حصن برزية رحل عنه من الغد، فأتى جسر الحديد، و هو على العاصي، بالقرب من أنطاكية، فأقام عليه حتّى وافاه من تخلّف عنه من عسكره، ثمّ سار عنه إلى قلعة درب ساك، فنزل عليها ثامن رجب، و هي من معاقل الداويّة الحصينة و قلاعهم التي يدّخرونها لحماياتهم عند نزول الشدائد.

فلمّا نزل عليها نصب المجانيق، وتابع الرمي بالحجارة، فهدمت من سورها شيئا يسيرا، فلم يبال من فيه بذلك، فأمر بالزحف عليها و مهاجمتها، فبادرها العسكر بالزحف و قاتلوها، و كشفوا الرجال عن سورها، و تقدّم النقّابون فنقبوا منها برجا و علّقوه، فسقط و اتّسع المكان الّذي يريد المقاتلة[أن‏]يدخلوا منه، و عادوا يومهم ذلك، ثمّ باكروا الزحف من الغد.

و كان من فيه قد أرسلوا إلى صاحب أنطاكية يستنجدونه، فصبروا،

____________

(1) . تؤثر عليها. B . يؤثر علمها فأطلق. A

18

و أظهروا الجلد، و هم ينتظرون وصول جوابه إمّا بإنجادهم و إزاحة المسلمين عنهم، و إمّا بالتخلّي عنهم ليقوم عذرهم في التسليم، فلمّا علموا عجزه عن نصرتهم، و خافوا هجوم المسلمين عليها، و أخذهم بالسيف، و قتلهم و أسرهم، و نهب أموالهم، طلبوا الأمان، فأمّنهم على شرط[أن‏]لا يخرج أحد إلاّ بثيابه التي عليه بغير مال، و لا سلاح، و لا أثاث بيت، و لا دابّة، و لا شي‏ء ممّا بها، ثمّ أخرجهم منه و سيّرهم إلى أنطاكية، و كان فتحه تاسع عشر رجب.

ذكر فتح بغراس‏

ثمّ سار عن درب ساك إلى قلعة بغراس، فحصرها، بعد أن اختلف أصحابه في حصرها، فمنهم من أشار به، و منهم من نهى عنه و قال: هو حصن حصين، و قلعة منيعة، و هو بالقرب من أنطاكية، و لا فرق بين حصره و حصرها، و يحتاج أن يكون أكثر العسكر في اليزك مقابل أنطاكية، فإذا كان الأمر كذلك قلّ المقاتلون عليها، و يتعذّر حينئذ الوصول إليها.

فاستخار اللََّه تعالى و سار إليها، و جعل أكثر عسكره يزكا مقابل أنطاكية، يغيرون على أعمالها، و كانوا حذرين من الخوف من أهلها، إن غفلوا، لقربهم منها، و صلاح الدين في‏ (1) بعض أصحابه على القلعة يقاتلها، و نصب المجانيق، فلم يؤثر فيها شيئا لعلوّها و ارتفاعها، فغلب على الظّنون تعذّر فتحها و تأخّر ملكها، و شقّ على المسلمين قلّة الماء عندهم، إلاّ أنّ صلاح الدين نصب الحياض، و أمر بحمل الماء إليها، فخفّف الأمر عليهم.

____________

(1) . و بقي صلاح الدين في. B

19

فبينما هو على هذه الحال إذ قد فتح باب القلعة، و خرج منه إنسان يطلب الأمان ليحضر، فأجيب إلى ذلك، فأذن له في الحضور، فحضر، و طلب الأمان لمن في الحصن حتّى يسلّموه إليه بما فيه على قاعدة درب ساك، فأجابهم إلى ما طلبوا، فعاد الرسول و معه الأعلام الإسلاميّة، فرفعت على رأس القلعة، و نزل من فيها، و تسلّم المسلمون القلعة بما فيها من ذخائر و أموال و سلاح، و أمر صلاح الدين بتخريبه، فخرّب، و كان ذلك مضرّة عظيمة على المسلمين، فإنّ ابن ليون صاحب الأرمن خرج إليه من ولايته، و هو مجاوره، فجدّد عمارته و أتقنه، و جعل فيه جماعة من عسكره يغيرون منه على البلاد، فأذّى بهم السواد الّذي بحلب، و هو إلى الآن بأيديهم.

ذكر الهدنة بين المسلمين و صاحب أنطاكية

لمّا فتح صلاح الدين بغراس عزم على التوجّه إلى أنطاكية و حصرها، فخاف البيمند صاحبها من ذلك، و أشفق منه، فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة، و بذل إطلاق كلّ أسير عنده من المسلمين، فاستشار من عنده من أصحاب الأطراف و غيرهم، فأشار أكثرهم بإجابته إلى ذلك ليعود الناس و يستريحوا و يجدّدوا ما يحتاجون إليه، فأجاب إلى ذلك، و اصطلحواثمانية أشهر، أولها: أوّل تشرين الأوّل، و آخرها: آخر أيار، و سيّر رسوله إلى صاحب أنطاكية يستحلفه، و يطلق من عنده من الأسرى.

و كان صاحب أنطاكية، في هذا الوقت، أعظم الفرنج شأنا، و أكثرهم ملكا، فإنّ الفرنج كانوا قد سلّموا إليه طرابلس، بعد موت القمص، و جميع أعمالها، مضافا إلى ما كان له، لأنّ القمص لم يخلّف ولداً، فلمّا سلّمت إليه طرابلس جعل ولده الأكبر فيها نائبا عنه.

20

و أمّا صلاح الدين فإنّه عاد إلى حلب ثالث شعبان، فدخلها و سار منها إلى دمشق، و فرّق العساكر الشرقيّة، كعماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار و الخابور، و عسكر الموصل، و غيرها، ثمّ رحل من حلب إلى دمشق، و جعل طريقه على قبر عمر بن عبد العزيز، فزاره، و زار الشيخ الصالح أبا زكريا المغربيّ، و كان مقيما هناك، و كان من عباد اللََّه الصالحين، و له كرامات ظاهرة.

و كان مع صلاح الدين الأمير عزّ الدين أبو الفليتة قاسم بن المهنّا العلويّ الحسينيّ، و هو أمير مدينة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، كان قد حضر عنده، و شهد معه مشاهده و فتوحه، و كان صلاح الدين قد تبارك برؤيته، و تيمّن بصحبته، و كان يكرمه كثيرا، و ينبسط معه، و يرجع إلى قوله في أعماله كلّها، و دخل دمشق أوّل شهر رمضان، فأُشير عليه بتفريق العساكر، فقال:

إنّ العمر قصير و الأجل غير مأمون، و قد بقي بيد الفرنج هذه الحصون:

كوكب، و صفد، و الكرك، و غيرها، و لا (1) بدّ من الفراغ منها، فإنّها في أوسط بلاد الإسلام، و لا يؤمن شرّ أهلها، و إنّ أغفلناهم ندمنا فيما بعد، و اللََّه أعلم.

ذكر فتح الكرك و ما يجاوره‏

كان صلاح الدين قد جعل على الكرك عسكرا يحصره، فلازموا الحصار هذه المدّة الطويلة، حتّى فنيت أزواد الفرنج و ذخائرهم، و أكلوا دوابّهم، و صبروا حتّى لم يبق للصبر مجال، فراسلوا الملك العادل، أخا صلاح الدين،

____________

(1) . و الكرك و تبنين و لا. A

21

و كان جعله صلاح الدين على قلعة الكرك‏ (1) في جمع من العسكر يحصرها، و يكون مطلعا على هذه الناحية من البلاد لمّا أبعد هو إلى درب ساك، و بغراس، فوصلته رسل الفرنج من الكرك يبذلون‏تسليم القلعة إليه، و يطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، و أرسل إلى مقدّم العسكر الّذي يحصرها في المعنى، فتسلّم القلعة منهم و أمّنهم.

و تسلّم أيضا ما يقاربه من الحصون كالشّوبك و هرمز و الوعيرة و السّلع، و فرّغ القلب من تلك الناحية، و ألقى الإسلام هناك جرانه، و أمنت قلوب من في ذلك السّقع من البلاد، كالقدس و غيره، فإنّهم كانوا ممّن بتلك الحصون وجلين، و من شرّهم مشفقين.

ذكر فتح قلعة صفد

لمّا وصل صلاح الدين إلى دمشق، و أشير عليه بتفريق العساكر، و قال:

لا بدّ من الفراغ من صفد و كوكب و غيرهما، أقام بدمشق إلى منتصف رمضان، و سار عن دمشق إلى قلعة صفد فحصرها و قاتلها، و نصب عليها المجانيق، و أدام الرمي إليها ليلا و نهارا بالحجارة و السهام.

و كان أهلها قد قاربت ذخائرهم و أزوادهم أن تفنى في المدّة التي كانوا فيها محاصرين، فإنّ عسكر صلاح الدين كان يحاصرهم، كما ذكرناه، فلمّا رأى أهله جدّ صلاح الدين في قتالهم، خافوا أن يقيم إلى أن يفنى ما بقي معهم من أقواتهم، و كانت قليلة، و يأخذهم عنوة و يهلكهم، أو أنّهم يضعفون عن مقاومته قبل فناء ما عندهم من القوت فيأخذهم، فأرسلوا يطلبون الأمان،

____________

(1) . anucal. Bdni ، قلعة تبنين. A

22

فأمّنهم و تسلّمها منهم، فخرجوا عنها و ساروا إلى مدينة صور، و كفى اللََّه المؤمنين شرّهم، فإنّهم كانوا وسط البلاد الإسلاميّة.

ذكر فتح كوكب‏

لمّا كان صلاح الدين يحاصر صفد، اجتمع من بصور من الفرنج، و قالوا:

إن فتح المسلمون قلعة صفد لم تبق كوكب، و لو أنّها معلّقة بالكوكب، و حينئذ ينقطع طمعنا من هذا الطرف من البلاد، فاتّفق رأيهم على إنفاذ نجدة لها سرّا من رجال و سلاح و غير ذلك، فأخرجوا مائتي رجل من شجعان الفرنج و أجلادهم، فساروا الليل مستخفين، و أقاموا النهار مكمنين.

فاتّفق من قدر اللََّه تعالى أنّ رجلا من المسلمين الذين يحاصرون كوكب خرج متصيّدا، فلقي رجلا من تلك النجدة، فاستغربه بتلك الأرض، فضربه ليعلمه بحاله، و ما الّذي أقدمه إلى هناك، فأقرّ بالحال، و دلّه على أصحابه، فعاد الجنديّ المسلم إلى قايماز النجميّ، و هو مقدّم ذلك العسكر، فأعلمه الخبر، و الفرنجيّ معه، فركب في طائفة من العسكر إلى الموضع الّذي قد اختفى فيه الفرنج، فكبسهم، فأخذهم، و تتبّعهم في الشعاب و الكهوف، فلم يفلت منهم أحد، فكان معهم مقدّمان من فرسان الإسبتار، فحملا[1] إلى صلاح الدين و هو على صفد، فأحضرهما ليقتلهما، و كانت عادته قتل الداويّة و الإسبتاريّة لشدّة عداوتهم للمسلمين و شجاعتهم، فلمّا أمر بقتلهما قال له أحدهما: ما أظنّ ينالنا سوء و قدنظرنا إلى طلعتك المباركة و وجهك الصبيح.

و كان، رحمه اللََّه، كثير العفو، يفعل الاعتذار و الاستعطاف فيه، فيعفو [1] فحملوا. ـ

23

و يصفح، فلمّا سمع كلامهما لم يقتلهما، و أمر بهما فسجنا.

و لمّا فتح صفد سار عنها إلى كوكب و نازلها و حصرها، و أرسل إلى من بها من الفرنج يبذل لهم الأمان إن سلّموا، و يتهدّدهم بالقتل و السبي و النهب إن امتنعوا، فلم يسمعوا قوله، و أصرّوا على الامتناع، فجدّ في قتالهم، و نصب عليهم المجانيق، و تابع رمي الأحجار إليهم، و زحف مرّة بعد مرّة، و كانت الأمطار كثيرة، لا تنقطع ليلا و لا نهارا، فلم يتمكّن المسلمون من القتال على.

الوجه الّذي يريدونه، و طال مقامهم عليها.

و في آخر الأمر زحفوا إليها دفعات متناوبة في يوم واحد، و وصلوا إلى باشورة القلعة، و معهم النقّابون و الرماة يحمونهم بالنشاب عن قوس اليد و الجروح، فلم يقدر أحد منهم أن يخرج رأسه من أعلى السور، فنقبوا الباشورة فسقطت، و تقدّموا إلى السور الأعلى، فلمّا رأى الفرنج ذلك أذعنوا بالتسليم، و طلبوا الأمان فأمّنهم، و تسلّم الحصن منهم منتصف ذي القعدة، و سيّرهم إلى صور، فوصلوا إليها.

و اجتمع بها من شياطين الفرنج و شجعانهم كلّ صنديد، فاشتدّت شوكتهم، و حميت جمرتهم، و تابعوا الرسل إلى من بالأندلس و صقلّيّة و غيرهما من جزائر البحر يستغيثون و يستنجدون، و الأمداد كلّ قليل تأتيهم، و كان ذلك كلّه بتفريط صلاح الدين في إطلاق كلّ من حصره، حتّى عضّ بنانه ندما و أسفا حيث لم ينفعه ذلك.

و اجتمع للمسلمين بفتح كوكب و صفد من حدّ أيلة إلى أقصى أعمال بيروت، لا يفصل بينه غير مدينة صور و جميع أعمال أنطاكية، سوى القصير، و لمّا ملك صلاح الدين صفد سار إلى البيت المقدّس، فعيّد فيه عيد الأضحى، ثمّ سار منه إلى عكّا، فأقام بها حتّى انسلخت السنة.

24

ذكر ظهور طائفة من الشيعة بمصر

في هذه السنة ثار بالقاهرة جماعة من الشيعة، عدّتهم اثنا عشر رجلا، ليلا، و نادوا بشعار العلويّين: يال عليّ، يال عليّ، و سلكوا الدروب ينادون، ظنّا منهم أنّ رعيّة البلد يلبّون دعوتهم، و يخرجون معهم، فيعيدون الدولة العلويّة، و يخرجون بعض من بالقصر محبوسا منهم، و يملكون البلد، فلم يلتفت أحد منهم إليهم، و لا أعارهم سمعه.

فلمّا رأوا ذلك تفرّقوا خائفين، فأخذوا، و كتب بذلك إلى صلاح الدين، فأهمّه أمرهم‏و أزعجه، فدخل عليه القاضي الفاضل، فأخبره الخبر، فقال القاضي الفاضل: ينبغي أن تفرح بذلك و لا تحزن و لا تهتمّ، حيث علمت من بواطن رعيّتك المحبّة لك و النصح، و ترك الميل إلى عدوّك، و لو وضعت جماعة يفعلون مثل هذه الحالة لتعلم بواطن أصحابك و رعيّتك، و خسرت الأموال الجليلة عليهم، لكان قليلا، فسرّي عنه.

و كان هذا القاضي الفاضل صاحب دولة صلاح الدين، و أكبر من بها، و ستأتي مناقبه عند وفاته، ما تراه.

ذكر انهزام عسكر الخليفة من السلطان طغرل‏

في هذه السنة جهّز الخليفة الناصر لدين اللََّه عسكرا كثيرا، و جعل المقدّم عليهم وزيره جلال الدين عبيد اللََّه بن يونس، و سيّرهم إلى مساعدة قزل، ليكفّ السلطان طغرل عن البلاد، فسار العسكر ثالث صفر إلى أن قارب همذان، فلم يصل قزل إليهم، و أقبل طغرل إليهم في عساكره، فالتقوا ثامن‏

25

ربيع الأوّل بدايمرج عند همذان، و اقتتلوا، فلم يثبت عسكر بغداد، بل انهزموا و تفرّقوا، و ثبت الوزير قائما، و معه مصحف و سيف، فأتاه من عسكر طغرل من أسره، و أخذ ما معه من خزانة و سلاح و دوابّ و غير ذلك، و عاد العسكر إلى بغداد متفرّقين.

و كنت حينئذ بالشام في عسكر صلاح الدين يريد الغزالة، فأتاه الخبر مع النجابين بمسير العسكر البغداديّ، فقال: كأنّكم و قد وصل الخبر بانهزامهم.

فقال له بعض الحاضرين: و كيف ذلك؟فقال: لا شكّ أنّ أصحابي و أهلي أعرف بالحرب من الوزير، و أطوع في العسكر منه، و مع هذا، فما أرسل أحدا منهم في سريّة للحرب إلاّ و أخاف عليه، و هذا الوزير غير[1] عارف بالحرب، و قريب العهد بالولاية، و لا يراه الأمراء أهلا أن يطاع، و في مقابلة سلطان شجاع قد باشر الحرب بنفسه، و من معه يطيعه. و كان الأمر كذلك، و وصل الخبر إليه بانهزامهم فقال لأصحابه: كنت أخبرتكم بكذا و كذا، و قد وصل الخبر بذلك.

و لمّا (1) عادت عساكر بغداد منهزمة قال بعض الشعراء، و هو أحمد بن الواثق باللََّه:

اتركونا من جائحات الجريمة # طلعة طلعة تكون وخيمه‏

بركات الوزير قد شملتنا # فلهذا أمورنا مستقيمه‏

خرجت جندنا تريد خراسان # جميعا بأبّهات عظيمه‏

بخيول و عدّة و عديد # و سيوف مجرّبات قديمه‏

[1] فغير.

____________

(1) . qs. gapsitameopmenifdaeuqsu و لما aedni. mo. A

26

و وزير و طاق طنب و نفش # و خيول معدّة للهزيمه‏

هم رأوا غرّة العدوّ و قد أقبل # ولّوا و انحلّ عقد العزيمة

و أتونا و لا بخفّي حنين # بوجوه سود قباح دميمه‏

لو رأى صاحب الزمان و لو # عاين أفعالهم و قبح الجريمة

قابل الكلّ بالنّكال و ناهيك # بها سبّة عليهم مقيمة

كان ينبغي أن تتقدّم هذه الحادثة، و إنّما أخّرتها لتتبع الحوادث المتقدّمة بعضها بعضا، لتعلّق كلّ واحدة منها بالأخرى.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة توفّي شيخنا أبو محمّد عبد اللََّه بن عليّ بن عبد اللََّه بن سويدة التكريتيّ، كان عالما بالحديث، و له تصانيف حسنة.

و فيها توفّيت سلجوقة خاتون بنت قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان زوجة الخليفة، و كانت قبله زوجة نور الدين محمّد بن قرا أرسلان، صاحب الحصن، فلمّا توفّي عنها تزوّجها الخليفة، و وجد الخليفة عليها وجدا عظيما ظهر للناس كلّهم، و بنى على قبرها تربة بالجانب الغربيّ، و إلى جانب التربة رباطه المشهور بالرملة.

و فيها توفّي علاء الدين تنامش و حمل تابوته إلى مشهد الحسين، عليه السّلام.

و فيها توفّي خالص خادم الخليفة، و كان أكبر أمير ببغداد، و مات أبو الفرج بن النقور (1) العدل ببغداد، و سمع الحديث الكثير، و هو من بيت الحديث، رحمه اللََّه.

____________

(1) . العور: spu . القور: 740. p. C

27

585 ثم دخلت سنة خمس و ثمانين و خمسمائة

ذكر فتح شقيف أرنون‏

في هذه السنة، في ربيع الأوّل، سار صلاح الدين إلى شقيف أرنون و هو من أمنع الحصون، ليحصره، فنزل بمرج عيون، فنزل صاحب الشقيف و هو أرناط صاحب صيدا، و كان أرناط هذا من أعظم الناس دهاء و مكرا فدخل إليه و اجتمع به، و أظهر له الطاعة و المودّة، و قال له: أنا محبّ لك.

و معترف بإحسانك، و أخاف أن يعرف المركيس‏ (1) ما بيني و بينك، فينال أولادي و أهلي منه أذى، فإنّهم عنده، فأشتهي أن تمهلني حتّى أتوصّل في تخليصهم من‏ (2)

عنده، و حينئذ أحضر أنا و هم عندك، و نسلّم الحصن إليك، و نكون في خدمتك، نقنع بما تعطينا من إقطاع، فظنّ صلاح الدين صدقه، فأجابه إلى ما سأل، فاستقرّ الأمر بينهما أن يسلّم الشقيف في جمادى الآخرة.

و أقام صلاح الدين بمرج عيون ينتظر الميعاد، و هو قلق مفكّر، لقرب انقضاء مدّة الهدنة بينه و بين البيمند، صاحب أنطاكية، فأمر تقي الدين ابن أخيه أن يسير في من معه من عساكره، و من يأتي من بلاد المشرق، و يكون مقابل أنطاكية لئلاّ يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء الهدنة.

و كان أيضا منزعج الخاطر، كثير الهمّ، لما بلغه من اجتماع الفرنج بمدينة

____________

(1) . المركيس بصور. A

(2) . خلاصهم من. A

28

صور، و ما يتّصل بهم من الأمداد في البحر، و أنّ ملك الفرنج الّذي كان قد أسره صلاح الدين و أطلقه، بعد فتح القدس، قد اصطلح هو و المركيس، بعد اختلاف كان بينهما، و أنّهم قد اجتمعوا في خلق لا يحصون، فإنّهم قد خرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها، فكان هذا و أشباهه ممّا يزعجه، و يخاف من ترك الشقيف وراء ظهره و التقدّم إلى صور و فيها الجموع المتوافرة فتنقطع الميرة عنه، إلاّ أنّه مع هذه الأشياء مقيم على العهد مع أرناط صاحب الشقيف.

و كان أرناط، في مدّة الهدنة، يشتري الأقوات من سوق العسكر و السلاح و غير ذلك ممّا يحصّن به شقيفه، و كان صلاح الدين يحسن الظنّ، و إذا قيل له عنه ممّا هو فيه من المكر، و إنّ قصده المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور، و حينئذ يبدي فضيحته، و يظهر مخالفته، لا يقبل فيه، فلمّا قارب انقضاء الهدنة تقدّم صلاح الدين من معسكره إلى القرب من شقيف أرنون و أحضر عنده أرناط و قد بقي من الأجل ثلاثة أيّام، فقال له في معنى تسليم الشقيف، فاعتذر بأولاده و أهله، و أنّ المركيس لم يمكنهم من المجي‏ء إليه و طلب التأخير مدّة أخرى، فحينئذ علم السلطان مكره و خداعه، فأخذه و حبسه، و أمره بتسليم الشقيف، فطلب قسّيسا، ذكره، ليحمله رسالة إلى من بالشقيف ليسلّموه، فأحضروه عنده، فسارّه بما لم يعلموا، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف، فأظهر أهله العصيان، فسيّر صلاح الدين أرناط إلى دمشق و سجنه، و تقدّم إلى الشقيف فحصره و ضيّق عليه، و جعل عليه من يحفظه و يمنع عنه الذخيرة و الرجال.

29

ذكر وقعة اليزك مع الفرنج‏

لمّا كان صلاح الدين بمرج عيون، و على الشّقيف، جاءته كتب من أصحابه الذين جعلهم يزكا في مقابل الفرنج على صور، يخبرونه فيها أنّ الفرنج قد أجمعوا على عبور الجسر الّذي لصور، و عزموا على حصار صيدا، فسار صلاح الدين جريدة في شجعان أصحابه، سوى من جعله على الشقيف، فوصل إليهم و قد فات الأمر.

و ذلك أنّ الفرنج قد فارقوا صور و ساروا عنها لمقصدهم، فلقيهم اليزك على مضيق هناك، و قاتلوهم و منعوهم، و جرى لهم معهم حرب شديدة يشيب لها الوليد، و أسروا من الفرنج جماعة، و قتلوا جماعة منهم سبعة رجال من فرسانهم المشهورين و جرحوا جماعة، و قتل من المسلمين أيضا جماعة منهم مملوك لصلاح الدين كان من أشجع الناس، فحمل وحده على صفّ الفرنج، فاختلط بهم، و ضربهم بسيفه يمينا و شمالا، فتكاثروا عليه فقتلوه، رحمه اللََّه، ثمّ إنّ الفرنج عجزوا عن الوصول إلى صيدا فعادوا إلى مكانهم.

ذكر وقعة ثانية للغزاة المتطوّعة

لمّا وصل صلاح الدين إلى اليزك و قد فاتته تلك الوقعة أقام عندهم في خيمة صغيرة، ينتظر عودة الفرنج لينتقم منهم، و يأخذ بثأر من قتلوه من المسلمين.

فركب في بعض الأيّام في عدّة يسيرة على أن ينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل ليعمل بمقتضى ما يشاهده، و ظنّ من هناك من غزاة العجم و العرب المتطوّعة أنّه على قصد المصافّ و الحرب، فساروا مجدّين و أوغلوا في أرض العدوّ مبعدين،

30

و فارقوا الحزم، و خلّفوا السلطان وراء ظهورهم، و قاربوا الفرنج، فأرسل صلاح الدين عدّة من الأمراءيردّونهم و يحمونهم إلى أن يخرجوا، فلم يسمعوا و لم يقبلوا.

و كان الفرنج قد اعتقدوا أنّ وراءهم كمينا، فلم يقدموا عليهم، فأرسلوا من ينظر حقيقة الأمر، فأتاهم الخبر أنّهم منقطعون عن المسلمين، و ليس وراءهم ما يخاف، فحملت الفرنج عليهم حملة رجل واحد، فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن أناموهم، و قتل معهم جماعة من المعروفين، و شقّ على صلاح الدين و المسلمين ما جرى عليهم، و كان ذلك بتفريطهم في حقّ أنفسهم، رحمهم اللََّه و رضي عنهم.

و كانت هذه الوقعة تاسع جمادى الأولى، فلمّا رأى صلاح الدين ذلك انحدر من الجبل إليهم في عسكره، فحملوا على الفرنج فألقوهم إلى الجسر و قد أخذوا طريقهم، فألقوا أنفسهم في الماء، فغرق منهم نحو مائة دارع سوى من قتل، و عزم السلطان على مصابرتهم و محاصرتهم، فتسامع الناس، فقصدوه من كلّ ناحية و اجتمع معه خلق كثير، فلمّا رأى الفرنج ذلك عادوا إلى مدينة صور، فلمّا عادوا إليها سار صلاح الدين إلى تبنين، ثمّ إلى عكّا ينظر حالها، ثمّ عاد إلى العسكر و المخيّم.

ذكر وقعة ثالثة

لمّا عاد صلاح الدين إلى العسكر أتاه الخبر أنّ الفرنج يخرجون من صور للاحتطاب و الاحتشاش، متبدّدين، فكتب إلى من بعكّا من العسكر و واعدهم يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة ليلاقوهم من الجانبين، و رتّب كمناء في موضع من تلك الأودية و الشعاب، و اختار جماعة من شجعان عسكره،

31

و أمرهم بالتعرّض للفرنج، و أمرهم أنّهم إذا حمل عليهم الفرنج قاتلوهم شيئا من قتال، ثمّ تطاردوا لهم، و أروهم العجز عن مقاتلتهم، فإذا تبعهم الفرنج استجرّوهم إلى أن يجوزوا موضع الكمين، ثمّ يعطفوا عليهم، و يخرج الكمين من خلفهم، فخرجوا على هذه العزيمة.

فلمّا تراءى الجمعان، و التقت الفئتان و اقتتلوا، أنف فرسان المسلمين أن يظهر عنهم اسم الهزيمة، و ثبتوا، فقاتلوهم، و صبر بعضهم لبعض، و اشتدّ القتال و عظم الأمر، و دامت الحرب، و طال على الكمناء الانتظار، فخافوا على أصحابهم فخرجوا من مكامنهم نحوهم مسرعين، و إليهم قاصدين، فأتوهم و هم في شدّة الحرب، فازداد الأمر شدّة على شدّة، و كان فيهم أربعة أمراء من ربيعة و طيّ، و كانوا يجهلون تلك الأرض، فلم يسلكوا مسلك أصحابهم، فسلكوا الوادي ظنّا منهم أنّه يخرج بهم إلى أصحابهم، و تبعهم بعض مماليك صلاح الدين، فلمّا رآهم الفرنج بالوادي علموا أنّهم جاهلون فأتوهم و قاتلوهم.

و أمّا المملوك فإنّه نزل عن فرسه، و جلس على صخرة، و أخذ قوسه بيده، و حمى نفسه، و جعلوا يرمونه بسهام الزنبورك و هو يرميهم فجرح منهم جماعة و جرحوه جراحات كثيرة، فسقط فأتوه و هو بآخر رمق، فتركوه و انصرفوا و هم يحسبونه ميّتا، ثمّ إنّ المسلمين جاءوا من الغد إلى موضعهم، فرأوا القتلى‏ (1) ، و رأوا المملوك حيّا، فحملوه في كساء، و هو يكاد لا يعرف من‏[كثرة]الجراحات، فأيسوا من حياته، فأعرضوا[عنه و عرضوا] عليه الشهادة، و بشّروه بالشهادة، فتركوه، ثمّ عادوا إليه، فرأوه و قد قويت نفسه‏، فأقبلوا عليه بمشروب، فعوفي، ثمّ كان بعد ذلك لا يحضر مشهدا إلاّ كان له فيه الأثر العظيم.

ـ

____________

(1) . فواروا القتلى. A

32

ذكر مسير الفرنج إلى عكّا و محاصرتها

لمّا كثر جمع الفرنج بصور على ما ذكرناه من أنّ صلاح الدين كان كلّما فتح مدينة أو قلعة أعطى أهلها الأمان، و سيّرهم إليها بأموالهم و نسائهم و أولادهم، فاجتمع بها منهم عالم كثير لا يعدّ و لا يحصى، و من الأموال ما لا يفنى على كثرة الإنفاق في السنين الكثيرة، ثمّ إنّ الرهبان و القسوس و خلقا كثيرا من مشهوريهم و فرسانهم لبسوا السواد، و أظهروا الحزن على خروج البيت المقدّس من أيديهم، و أخذهم البطرك الّذي كان بالقدس، و دخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم جميعا (1) ، و يستنجدون أهلها، و يستجيرون بهم، و يحثّونهم على الأخذ بثأر البيت المقدّس، و صوّروا المسيح، عليه السّلام، و جعلوه مع صورة عربي يضربه، و قد جعلوا الدّماء على صورة المسيح، عليه السلام، و قالوا لهم: هذا المسيح يضربه محمّد نبيّ المسلمين و قد جرحه و قتله.

فعظم ذلك على الفرنج، فحشروا و حشدوا حتّى النساء، فإنّهم كان معهم على عكّا عدّة من النساء يبارزن‏[1] الأقران، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، و من لم يستطع الخروج استأجر من يخرج عوضه، أو يعطيهم مالا على قدر حالهم، فاجتمع لهم من الرجال و الأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء.

و لقد حدّثني بعض المسلمين المقيمين بحصن الأكراد، و هو من أجناد أصحابه الذين سلّموه إلى الفرنج قديما، و كان هذا الرجل قد ندم على ما كان منه‏[من‏]موافقة الفرنج في الغارة على بلادالإسلام، و القتال معهم، و السعي [1] يبارزون.

____________

(1) . جميعها. A

33

معهم، و كان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين و خمسمائة، إن شاء اللََّه تعالى.

قال لي هذا الرجل إنّه دخل مع جماعة من الفرنج من حصن الأكراد إلى البلاد البحريّة التي للفرنج و الروم في أربع شوان، يستنجدون، قال: فانتهى بنا التطواف إلى رومية الكبرى، فخرجنا منها و قد ملأنا الشواني نقرة.

و حدّثني بعض الأسرى منهم أنّه له والدة ليس لها ولد سواه، و لا يملكون من الدنيا غير بيت باعته و جهّزته بثمنه، و سيّرته لاستنقاذ بيت واحد فأخذ أسيرا.

و كان عند الفرنج من الباعث الدينيّ و النفسانيّ ما هذا حدّه، فخرجوا على الصعب و الذلول، برّا و بحرا، من كلّ فجّ عميق، و لو لا[أنّ‏]اللََّه تعالى لطف بالمسلمين، و أهلك ملك الألمان لمّا خرج‏على ما نذكره عند خروجه إلى الشام، و إلاّ كان يقال: إنّ الشام و مصر كانتا للمسلمين.

فهذا كان سبب خروجهم، فلمّا اجتمعوا بصور تموّج بعضهم في بعض، و معهم الأموال العظيمة، و البحر يمدّهم بالأقوات و الذخائر، و العدد و الرجال، من بلادهم، فضاقت عليهم صور، باطنها و ظاهرها، فأرادوا قصد صيدا، و كان ما ذكرناه، فعادوا و اتّفقوا على قصد عكّا و محاصرتها و مصابرتها، فساروا إليها بفارسهم و راجلهم، و قضّهم و قضيضهم، و لزموا البحر في مسيرهم لا يفارقونه في السهل و الوعر، و الضيق و السعة، و مراكبهم تسير مقابلهم في البحر، فيها سلاحهم و ذخائرهم، و لتكون عدّة لهم، إن جاءهم ما لا قبل لهم به ركبوا فيها و عادوا، و كان رحيلهم ثامن رجب، و نزولهم على عكّا في منتصفه، و لمّا كانوا سائرين كان يزك المسلمين يتخطّفونهم، و يأخذون المنفرد منهم.

و لمّا رحلوا جاء الخبر إلى صلاح الدين برحيلهم، فسار حتّى قاربهم، ثمّ‏

34

جمع أمراءه و استشارهم: هل يكون المسير محاذاة الفرنج و مقاتلتهم و هم سائرون، أو يكون في غير الطريق التي سلكوها؟فقالوا: لا حاجة بنا إلى احتمال المشقّة في مسايرتهم، فإنّ الطريق وعر و ضيّق، و لا يتهيأ لنا ما نريده منهم، و الرأي أنّنا نسير في الطريق المهيع، و نجتمع عليهم عند عكّا، فنفرّقهم و نمزّقهم.

فعلم ميلهم إلى الراحة المعجّلة، فوافقهم، و كان رأيه مسايرتهم و مقاتلتهم و هم سائرون، و قال: إنّ الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض، فلا يتهيّأ لنا إزعاجهم، و لا نيل الغرض منهم، و الرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكّا، فخالفوه، فتبعهم، و ساروا على طريق كفر كنّا، فسبقهم الفرنج، و كان صلاح الدين قد جعل في مقابل الفرنج جماعة من الأمراء يسايرونهم، و يناوشونهم القتال، و يتخطّفونهم، و لم يقدم الفرنج عليهم مع قلّتهم، فلو أنّ العساكر اتبعت رأي صلاح الدين في مسايرتهم و مقاتلتهم قبل نزولهم على عكّا، لكان بلغ غرضه و صدّهم عنها، و لكن إذا أراد اللََّه أمرا هيّأ أسبابه.

و لمّا وصل صلاح الدين إلى عكّا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى البحر، من الجانب الآخر، و لم يبق للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدين عليهم، و ضرب خيمته على تلّ كيسان، و امتدّت ميمنته إلى تلّ الغياظيّة (1) ، و ميسرته إلى النهر الجاري، و نزلت الأثقال بصفّوريّة، و سيّر الكتب إلى الأطراف باستدعاء العساكر، فأتاه عسكر الموصل، و ديار بكر، و سنجار و غيرها من بلاد الجزيرة، و أتاه تقي الدين ابن أخيه، و أتاه مظفّر الدين بن زين الدين، و هو صاحب حرّان و الرّها.

و كانت الأمداد تأتي المسلمين في البرّ و تأتي الفرنج في البحر، و كان بين الفريقين مدّة مقامهم على عكّا حروب كثيرة ما بين صغيرة و كبيرة، منها اليوم المشهور، و منها ما هو دون ذلك، و أنا أذكر الأيّام الكبار لئلاّ يطول

____________

(1) تل العياضية. A

35

ذلك، و لأنّ ما عداها كان قتالا يسيرا من بعضهم مع بعض، فلا حاجة إلى ذكره.

و لمّا نزل السلطان عليهم لم يقدر على الوصول إليهم، و لا إلى عكّا، حتّى انسلخ رجب، ثمّ قاتلهم مستهلّ شعبان، فلم ينل منهم‏ما يريد، و بات الناس على تعبئة، فلمّا كان الغد باكرهم القتال بحدّه و حديدة، و استدار عليهم من سائر جهاتهم من بكرة إلى الظهر، و صبر الفريقان صبرا حار له من رآه.

فلمّا كان وقت الظهر حمل عليهم تقي الدين حملة منكرة من الميمنة على من يليه منهم، فأزاحهم عن مواقفهم يركب بعضهم بعضا لا يلوي أخ على أخ، و التجئوا إلى من يليهم من أصحابهم، و اجتمعوا بهم و احتموا بهم، و أخلوا نصف البلد، و ملك تقي الدين مكانهم، و التصق بالبلد، و صار ما أخلوه بيده، و دخل المسلمون البلد، و خرجوا منه، و اتّصلت الطرق، و زال الحصر عمّن فيه، و أدخل صلاح الدين إليه من أراد من الرجال، و ما أراد من الذخائر و الأموال و السلاح و غير ذلك، و لو أنّ المسلمين لزموا قتالهم إلى الليل لبلغوا[1] ما أرادوه، فإنّ للصدمة الأولى روعة، لكنّهم لمّا نالوا منهم هذا القدر أخلدوا إلى الراحة، و تركوا القتال و قالوا: نباكرهم غدا، و نقطع دابرهم.

و كان في جملة من أدخله صلاح الدين إلى عكّا من جملة الأمراء حسام الدين أبو الهيجاء السمين، و هو من أكابر أمراء عسكره، و هو من الأكراد الحكميّة من بلد إربل. و قتل من الفرنج هذا اليوم جماعة كبيرة.

[1] فبلغوا.

36

ذكر وقعة أخرى و وقعة العرب‏

ثمّ إنّ المسلمين نهضوا إلى الفرنج من الغد و هو سادس شعبان عازمين على بذل جهدهم، و استنفاد وسعهم في استئصالهم، فتقدّموا على تعبئتهم، فرأوا الفرنج حذرين محتاطين، قد ندموا على ما فرّطوا فيه بالأمس، و هم قد حفظوا أطرافهم و نواحيهم، و شرعوا في حفر خندق يمنع من الوصول إليهم، فألحّ المسلمون عليهم في القتال، فلم يتقدّم الفرنج إليهم، و لا فارقوا مرابضهم، فلمّا رأى المسلمون ذلك عادوا عنهم.

ثمّ إنّ جماعة من العرب بلغهم أنّ الفرنج تخرج من الناحية الأخرى إلى الاحتطاب و غيره من أشغالهم، فكمنوا لهم في معاطف النهر و نواحيه سادس عشر شعبان، فلمّا خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب، فقتلوهم عن آخرهم، و غنموا ما كان معهم، و حملوا الرءوس إلى صلاح الدين، فأحسن إليهم، و أعطاهم الخلع.

ذكر الوقعة الكبرى على عكّا

لمّا كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون إلى العشرين من شعبان، كلّ يوم يغادون القتال مع الفرنج و يراوحونه، و الفرنج لا يظهرون من معسكرهم و لا يفارقونه، ثمّ إنّ الفرنج اجتمعوا للمشورة، فقالوا: إنّ عسكر مصر لم يحضر و الحال مع صلاح الدين هكذا، فكيف يكون إذا حضر[1]؟ [1] حضرت.

37

و الرأي أنّنا نلقى المسلمين غدا لعلّنا نظفر بهم قبل اجتماع العساكر و الأمداد إليهم.

و كان كثير من عسكر صلاح الدين غائبا عنه، بعضها مقابل أنطاكية ليردّوا عادية بيمند صاحبها عن أعمال حلب، و بعضها في حمص مقابل طرابلس لتحفظ ذلك الثغر أيضا، و عسكر في مقابل صور لحماية ذلك البلد، و عسكر بمصر يكون بثغر دمياط و الإسكندريّة و غيرهما، و الّذي بقي من عسكر مصر كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم، كما ذكرناه قبل، و كان هذا ممّا أطمع الفرنج في الظهور إلى قتال المسلمين.

و أصبح المسلمون على عادتهم، منهم من يتقدّم إلى القتال، و منهم من هو في خيمته، و منهم من قد توجّه في حاجته من زيارة صديق و تحصيل ما يحتاج إليه هو و أصحابه و دوابّه، إلى غير ذلك، فخرج الفرنج من معسكرهم كأنّهم الجراد المنتشر، يدبّون على وجه الأرض، قد ملئوها طولا و عرضا، و طلبوا ميمنة المسلمين و عليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، فلمّا رأى الفرنج نحوه قاصدين حذر هو و أصحابه، فتقدّموا إليه، فلمّا قربوا منه‏تأخّر عنهم.

فلمّا رأى صلاح الدين الحال، و هو في القلب، أمدّ تقيّ الدين برجال من عنده ليتقوّى بهم، و كان عسكر ديار بكر و بعض الشرقيّين في جناح القلب، فلمّا رأى الفرنج قلّة الرجال في القلب، و أنّ كثيرا منهم قد سار نحو الميمنة مددا لهم، عطفوا على القلب، فحملوا حملة رجل واحد، فاندفعت العساكر بين أيديهم منهزمين، و ثبت بعضهم، فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان و الظّهير أخي‏[1] الفقيه عيسى، و كان و إلي البيت المقدّس قد جمع بين الشجاعة و العلم و الدين، و كالحاجب خليل الهكّاريّ و غيرهم من الشجعان [1] أخو.

38

الصابرين في مواطن الحرب، و لم يبق بين أيديهم في القلب من يردّهم، فقصدوا التلّ الّذي عليه خيمة صلاح الدين، فقتلوا من مرّوا به، ونهبوا، و قتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة، منهم شيخنا جمال الدين أبو عليّ بن رواحة الحمويّ، و هو من أهل العلم، و له شعر حسن، و ما ورث الشهادة من بعيد، فإنّ جدّه عبد اللََّه بن رواحة، صاحب رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، قتله الروم يوم مؤتة، و هذا قتله الفرنج يوم عكّا، و قتلوا غيره، و انحدروا إلى الجانب الآخر من التلّ، فوضعوا السيف فيمن لقوة، و كان من لطف اللََّه تعالى بالمسلمين أنّ الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين، و لو لقوها[1] لعلم الناس وصولهم إليها، و انهزام العساكر بين أيديهم، فكانوا انهزموا أجمعون‏[2].

ثمّ إنّ الفرنج نظروا وراءهم، فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم، فرجعوا خوفا أن ينقطعوا عن أصحابهم، و كان سبب انقطاعهم أنّ الميمنة وقفت مقابلتهم، فاحتاج بعضهم‏[أن‏]يقف مقابلها، و حملت ميسرة المسلمين على الفرنج، فاشتغل المدد بقتال من بها عن الاتّصال بأصحابهم، و عادوا إلى طرف خنادقهم، فحملت الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين، فصادفوهم و هم راجعون، فقاتلوهم، و ثار بهم غلمان العسكر.

و كان صلاح الدين لمّا انهزم القلب قد تبعهم يناديهم، و يأمرهم بالكرّة، و معاودة القتال، فاجتمع معه منهم جماعة صالحة، فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم و هم مشغولون بقتال الميسرة، فأخذتهم سيوف اللََّه من كلّ جانب، فلم يفلت منهم أحد، بل قتل أكثرهم، و أخذ الباقون أسرى، و في جملة من أسر مقدّم‏الداويّة الّذي كان قد أسره صلاح الدين و أطلقه، فلمّا [1] ألقوها.

[2] أجمعين.

39

ظفر به الآن قتله.

و كانت عدّة القتلى، سوى من كان إلى جانب البحر، نحو عشرة آلاف قتيل، فأمر بهم، فألقوا في النهر الّذي يشرب الفرنج منه، و كان عامّة القتلى من فرسان الفرنج، فإنّ الرجّالة لم يلحقوهم، و كان في جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كنّ يقاتلن على الخيل، فلمّا أسرن، و ألقي عنهنّ السلاح عرفن أنّهنّ نساء.

و أمّا المنهزمون من المسلمين، فمنهم من رجع من طبريّة، و منهم من جاز الأردن و عاد، و منهم من بلغ دمشق، و لو لا أنّ العساكر تفرّقت في الهزيمة لكانوا بلغوا من الفرنج‏[من‏]الاستئصال، و الإهلاك، مرادهم، على أنّ الباقين بذلوا جهدهم، و جدّوا في القتال و صمّموا على الدخول مع الفرنج إلى معسكرهم لعلّهم يفزعون منهم، فجاءهم الصريخ بأنّ رحالهم و أموالهم قد نهبت، و كان سبب هذا النهب أنّ الناس لمّا رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدوابّ، فثار بهم أوباش العسكر و غلمانه، فنهبوه و أتوا عليه، و كان في عزم صلاح الدين أن يباكرهم القتال و الزحف، فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم، و هم يسعون في جمعها و تحصيلها، فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ، فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش، و العيب المملوءة و الثياب و السلاح و غير ذلك، فردّ الجميع على أصحابه، ففاته ذلك اليوم ما أراد، فسكن روع الفرنج، و أصلحوا شأن الباقين منهم.

ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج و تمكّنهم من حصر عكّا

لمّا قتل من الفرنج ذلك العدد الكثير، جافت الأرض من نتن ريحهم، و فسد الهواء و الجوّ، و حدث للأمزجة فساد، و انحرف مزاج صلاح الدين،

40

و حدث له قولنج مبرح كان يعتاده، فحضر عنده الأمراء، و أشاروا عليه بالانتقال من ذلك الموضع، و ترك مضايقة الفرنج، و حسّنوه له، و قالوا:

قد ضيّقنا على الفرنج، و لو أرادوا الانفصال عن مكانهم لم يقدروا، و الرأي أنّنا نبعد عنهم بحيث يتمكّنون من الرحيل و العود، فإن رحلوا، و هو ظاهر الأمر، فقد كفينا شرّهم و كفوا شرّنا، و إن أقاموا عاودنا القتال و رجعنا معهم إلى ما نحن فيه، ثمّ إنّ مزاجك منحرف، و الألم شديد، و لو وقع إرجاف لهلك الناس، و الرأي على كلّ تقدير البعد عنهم.

و وافقهم الأطبّاء على ذلك، فأجابهم إليه إلى ما يريد اللََّه يفعله‏ وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ (1) ، فرحلوا إلى الحرّوبة رابع شهر رمضان و أمر من بعكّا من المسلمين بحفظها، و إغلاق أبوابها، و الاحتياط، و أعلمهم بسبب رحيله.

فلمّا رحل هو و عساكره‏[1] أمن الفرنج و انبسطوا في تلك الأرض، و عادوا فحصروا[2] عكّا، و أحاطوا بها من البحر إلى البحر، و مراكبهم أيضا في البحر تحصرها، و شرعوا في حفر الخندق‏[3]، و عمل السور من التراب الّذي يخرجونه من الخندق، و جاءوا بما لم يكن في الحساب، و كان اليزك كلّ يوم يوافقهم، و هم لا يقاتلون، و لا يتحرّكون، إنّما هم مهتمّون بعمل الخندق و السور عليهم ليتحصّنوا به من صلاح الدين، إن عاد إلى قتالهم، فحينئذ ظهر رأي المشيرين بالرحيل.

[1] و عساكر.

[2] حصروا.

[3] الخفدق.

____________

(1) . 11`13. roC

41

و كان اليزك كلّ يوم يخبرون صلاح الدين بما يصنع الفرنج، و يعظمون الأمر عليه، و هو مشغول بالمرض، و لا يقدر على النهوض للحرب، و أشار عليه بعضهم بأن يرسل العساكر جميعها إليهم‏[1] ليمنعهم من الخندق و السور، و يقاتلوهم، و يتخلّف هو عنهم، فقال: إذا لم أحضر معهم لا يفعلون شيئا، و ربّما كان من الشرّ أضعاف ما نرجوه من الخير، فتأخّر الأمر إلى أن عوفي، فتمكّن الفرنج و عملوا ما أرادوا، و أحكموا أمورهم، و حصّنوا نفوسهم بما وجدوا إليه السبيل، و كان من بعكّا يخرجون إليهم كلّ يوم، و يقاتلونهم، و ينالون منهم بظاهر البلد.

ذكر وصول عسكر مصر و الأسطول المصريّ في البحر

في منتصف شوّال وصلت العساكر المصريّة، و مقدّمها الملك العادل سيف الدّين أبو بكر بن أيّوب، فلمّا وصل قويت نفوس الناس به و بمن معه، و اشتدّت ظهورهم، و أحضر معه من آلات الحصار، من الدرق و الطارقيّات و النشاب و الأقواس، شيئا كثيرا، و معهم من الرجّالة الجمّ الغفير، و جمع صلاح الدين من البلاد الشاميّة راجلا كثيرا، و هو على عزم الزحف إليهم بالفارس و الراجل.

و وصل بعده الأسطول المصريّ، و مقدّمه الأمير لؤلؤ، و كان شهما، شجاعا، مقداما، خبيرا بالبحر و القتال فيه، ميمون النقيبة، فوصل بغتة، فوقع على بطسة كبيرة للفرنج، فغنمها، و أخذ منها أموالا كثيرة و ميرة عظيمة، فأدخلها إلى عكّا، فسكنت نفوس من بها بوصول الأسطول و قوي جنانهم.

[1] إليها.

42

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في صفر، خطب لوليّ العهد أبي نصر (1) محمّد بن الخليفة الناصر لدين اللََّه ببغداد، و نثرت الدنانير و الدراهم، و أرسل إلى البلاد في إقامة الخطبة، ففعل ذلك.

و فيها، في شوّال، ملك الخليفة تكريت، و سبب ذلك أنّ صاحبها، و هو الأمير عيسى، قتله إخوته، و ملكوا القلعة بعده، فسيّر الخليفة إليهم عسكرا فحصروها و تسلّموها، و دخل أصحابه إلى بغداد فأعطوا أقطاعا.

و فيها، في صفر، فتح الرباط الّذي بناه الخليفة بالجانب الغربيّ من بغداد، و حضر الخلق العظيم، فكان يوما مشهودا.

و في هذه السنة، في رمضان، مات شرف الدين أبو سعد عبد اللّه بن محمّد ابن هبة اللََّه بن أبي عصرون، الفقيه الشافعيّ بدمشق، و كان قاضيها، و أضرّ، و ولي القضاء بعده ابنه، و كان الشيخ من أعيان الفقهاء الشافعيّة.

و فيها، في ذي القعدة، توفّي الفقيه ضياء الدين عيسى الهكّاريّ بالخروبة مع صلاح الدين، و هو من أعيان أمراء عسكره، و من قدماء الأسديّة، و كان فقيها، جنديّا، شجاعا، كريما، ذا عصبيّة و مروءة، و هو من أصحاب الشيخ الإمام أبي القاسم بن البرزيّ، تفقّه عليه بجزيرة ابن عمر، ثمّ اتّصل بأسد الدّين شيركوه‏فصار إماما له، فرأى من شجاعته ما جعل له أقطاعا، و تقدّم عند صلاح الدّين تقدّما عظيما.

و فيها، في صفر، توفّي شيخنا أبو العبّاس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان،

____________

(1) . لدين اللََّه. qs. vdaeuqsu أبي نصر aedni. mo. A

43

المعروف بابن أفضل الزمان، بمكّة، و كان رحمه اللََّه عالما متبحّرا في علوم كثيرة، خلاف فقه مذهبه و الأصولين، و الحساب و الفرائض، و النجوم، و الهيئة، و المنطق، و غير ذلك، و ختم أعماله بالزهد، و لبس الخشن، و أقام بمكّة، حرسها اللََّه تعالى، مجاورا، فتوفّي بها، و كان من أحسن الناس صحبة و خلقا.

و فيها، في ذي القعدة، مات أبو طالب المبارك بن المبارك الكرخيّ مدرّس النظاميّة، و كان من أصحاب أبي الحسن بن الخلّ، و كان صالحا خيّرا له عند الخليفة و العامّة حرمة عظيمة، و جاه عريض، و كان حسن الخطّ يضرب به المثل.

44

586 ثم دخلت سنة ست و ثمانين و خمسمائة

ذكر وقعة الفرنج و اليزك و عود صلاح الدين إلى منازلة الفرنج‏

قد ذكرنا رحيل صلاح الدين عن عكّا إلى الحروبة لمرضه، فلمّا برأ أقام بمكانه إلى أن ذهب الشتاء، و في مدّة مقامه بالخروبة كان يزكه و طلائعه لا تنقطع عن الفرنج.

فلمّا دخل صفر من سنة ستّ و ثمانين و خمسمائة سمع الفرنج أنّ صلاح الدين‏قد سار للصيد، و رأى العسكر الّذي في اليزك عندهم قليلا، و أنّ الواحل الّذي في مرج عكّا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك، فاغتنموا ذلك، و خرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر، فقاتلهم المسلمون، و حموا أنفسهم بالنشاب، و أحجم الفرنج عنهم، حتّى فني نشابهم، فحملوا عليهم حينئذ حملة رجل واحد، فاشتدّ القتال، و عظم الأمر، و علم المسلمون أنّه لا ينجيهم إلاّ الصبر و صدق القتال، فقاتلوا قتال مستقتل إلى أن جاء الليل، و قتل من الفريقين جماعة كثيرة، و عاد الفرنج إلى خندقهم.

و لمّا عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع خبر الوقعة، فندب الناس إلى نصر إخوانهم، فأتاه الخبر أنّ الفرنج عادوا إلى خندقهم، فأقام، ثمّ إنّه رأى الشتاء قد ذهب، و جاءته العساكر من البلاد القريبة منه دمشق و حمص و حماة و غيرها، فتقدّم من الخروبة نحو عكّا، فنزل بتلّ كيسان، و قاتل الفرنج‏

45

كلّ يوم ليشغلهم عن قتال من بعكّا من المسلمين، فكانوا يقاتلون الطائفتين و لا يسأمون.

ذكر إحراق الأبراج و وقعة الأسطول‏

كان الفرنج، في مدّة مقامهم على عكّا، قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدّا، طول كلّ برج منها في السماء ستّون ذراعا، و عملوا كلّ برج منها خمس طبقات، كلّ طبقة مملوءة من المقاتلة، و قد جمعوا[1] أخشابها من الجزائر، فإنّ مثل هذه الأبراج العظيمة لا يصلح لها من الخشب إلاّ القليل النادر، و غشّوها بالجلود و الخلّ و الطين و الأدوية التي تمنع النار من إحراقها، و أصلحوا الطرق لها، و قدّموها نحو مدينة عكّا من ثلاث جهات، و زحفوا بها في العشرين من ربيع الأوّل، فأشرفت على السور، و قاتل من بها من عليه، فانكشفوا، و شرعوا في طمّ خندقها، فأشرف البلد على أن يملك عنوة و قهرا.

فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر، فأعلمه ما هم فيه من الضيق، و ما قد أشرفوا عليه من أخذهم و قتلهم، فركب هو و عساكره و تقدّموا إلى الفرنج و قاتلوهم‏[2] من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد، فافترق الفرنج فرقتين: فرقة تقاتل صلاح الدين، و فرقة تقاتل أهل عكّا، إلاّ أنّ الأمر قد خفّ عمّن بالبلد، و دام القتال ثمانية أيّام متتابعة، آخرها الثامن و العشرون‏[3] من الشهر، و سئم الفريقان القتال، و ملّوا منه لملازمته [1] جمع.

[2] و قاتلهم.

[3] و العشرين.

46

ليلا و نهارا، و المسلمون قد تيقّنوا استيلاء الفرنج على البلد، لما رأوامن عجز من فيه عن دفع الأبراج، فإنّهم لم يتركوا حيلة إلاّ و عملوها، فلم يفد ذلك و لم يغن عنهم شيئا، و تابعوا رمي النفط الطيار عليها، فلم يؤثر فيها، فأيقنوا بالبوار و الهلاك، فأتاهم اللََّه بنصر من عنده و إذن في إحراق الأبراج.

و كان سبب ذلك أنّ إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفّاطين، و تحصيل عقاقير تقوي عمل النار، فكان من يعرفه يلومه على ذلك و ينكره عليه، و هو يقول: هذه حالة لا أباشرها بنفسي إنّما أشتهي معرفتها، و كان بعكّا لأمر يريده اللََّه، فلمّا رأى الأبراج قد نصبت على عكّا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية القوية للنار، بحيث لا يمنعها شي‏ء من الطين و الخلّ و غيرهما، فلمّا فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش، و هو متولّي الأمور بعكّا و الحاكم فيها، و قال له: تأمر المنجنيقيّ أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتّى أحرقه.

و كان عند قراقوش من الغيظ و الخوف على البلد و من فيه ما يكاد يقتله، فازداد غيظا بقوله و حرد عليه، فقال له: قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمي بالنفط و غيره فلم يفلحوا، فقال له من حضر: لعلّ اللََّه تعالى قد جعل الفرج على يد هذا، و لا يضرّنا أن نوافقه على قوله، فأجابه إلى ذلك، و أمر المنجنيقيّ بامتثال أمره، فرمى عدّة قدور نفطا و أدوية ليس فيها نار، فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون، و يرقصون، و يلعبون على سطح البرج، حتّى إذا علم أنّ الّذي ألقاه قد تمكّن من البرج، ألقى قدرا مملوءة و جعل فيها النار فاشتعل البرج، و ألقى قدرا ثانية و ثالثة، فاضطرمت النار في نواحي البرج، و أعجلت من في طبقاته الخمس عن الهرب و الخلاص، فاحترق هو و من فيه، و كان فيه من الزرديات و السلاح شي‏ء كثير.

و كان طمع الفرنج بما رأوا أنّ القدور الأولى لا تعمل شيئا يحملهم على‏

47

الطمأنينة و ترك السعي في الخلاص، حتّى عجّل اللََّه لهم النار في الدنيا قبل الآخرة، فلمّا احترق البرج الأوّل انتقل إلى الثاني، و قد هرب من فيه لخوفهم.

فأحرقه، و كذلك الثالث، و كان يوما مشهودا لم ير الناس مثله، و المسلمون ينظرون و يفرحون، و قد أسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحا بالنصر و خلاص المسلمين من القتل لأنّهم ليس فيهم أحد إلاّ و له في البلد إمّا نسيب و إمّا صديق.

و حمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة و الإقطاع الكثير فلم يقبل منه الحبّة الفرد، و قال: إنّما عملته للََّه تعالى، و لا أريد الجزاء إلاّ منه.

و سيّرت الكتب إلى البلاد بالبشائر، و أرسل يطلب العساكر الشرقيّة، فأوّل من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، و هو صاحب سنجار و ديار الجزيرة، ثمّ أتاه علاء الدين ولد عزّ الدين مسعود بن مودود بن زنكي، سيّره أبوه مقدّما على عسكره و هو صاحب الموصل، ثمّ وصل زين الدين يوسف صاحب إربل، و كان كلّ منهم إذا وصل يتقدّم إلى الفرنج بعسكره، و ينضمّ إليه غيرهم، و يقاتلونهم، ثمّ ينزلون.

و وصل الأسطول من مصر، فلمّا سمع الفرنج بقربة منهم جهّزوا إلى طريقه أسطولا ليلقاه و يقاتله، فركب صلاح الدين في العساكر جميعها، و قاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول ليتمكّن من دخول عكّا، فلم يشتغلوا عن قصده بشي‏ء، فكان القتال بين الفريقين برّا و بحرا، و كان يوما مشهودا لم يؤرّخ مثله، و أخذ المسلمون من الفرنج مركبا بما فيه من الرجال و السلاح، و أخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك، إلاّ أنّ القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين، و وصل الأسطول الإسلاميّ سالما.

48

ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام و موته‏

في هذه السنة خرج ملك الألمان من بلاده، و هم نوع من الفرنج، من أكثرهم عددا، و أشدّهم بأسا، و كان قد أزعجه ملك الإسلام البيت المقدّس، فجمع عساكره، و أزاح علّتهم، و سار عن بلاده و طريقه على القسطنطينيّة، فأرسل ملك الروم بها إلى صلاح الدين يعرّفه الخبر و يعد أنّه لا يمكنه من العبور في بلاده.

فلمّا وصل ملك الألمان إلى القسطنطينيّةعجز ملكها[1] عن منعه من العبور لكثرة جموعه، لكنّه منع عنهم الميرة، و لم يمكّن أحدا من رعيّته من حمل ما يريدونه إليهم، فضاقت بهم الأزواد و الأقوات، و ساروا حتّى عبروا خليج القسطنطينيّة، و صاروا على أرض بلاد الإسلام، و هي مملكة الملك قلج أرسلان ابن مسعود بن سليمان بن قتلمش بن سلجق. فلمّا وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأوج، فما زالوا يسايرونهم و يقتلون من انفرد و يسرقون ما قدروا عليه، و كان الزمان شتاء و البرد يكون في تلك البلاد شديدا، و الثلج متراكما، فأهلكهم البرد و الجوع و التركمان فقلّ عددهم.

فلمّا قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملك شاه بن قلج أرسلان ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوّة، فعاد إلى قونية و بها أبوه قد حجر ولده المذكور عليه، و تفرّق أولاده في بلاده، و تغلّب كلّ واحد منهم على ناحية منها، فلمّا عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره، فنازلوا قونية، و أرسلوا إلى قلج أرسلان هديّة و قالوا له: ما قصدنا بلادك و لا أردناها، [1] ملكه.

49

و إنّما قصدنا البيت المقدّس، و طلبوا منه أن يأذن لرعيّته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت و غيره، فأذن في ذلك، فأتاهم ما يريدون، فشبعوا، و تزوّدوا، و ساروا، ثمّ طلبوا من قطب الدين أن يأمر رعيّته بالكفّ عنهم، و أن يسلّم إليهم جماعة من أمرائه رهائن، و كان يخافهم، فسلّم إليهم نيّفا و عشرين أميرا كان يكرههم، فساروا بهم معهم و لم يمتنع اللصوص و غيرهم من قصدهم و التعرّض إليهم، فقبض ملك الألمان على من منعه من الأمراء و قيّدهم، فمنهم من هلك في أسره، و منهم من فدى نفسه.

و سار ملك الألمان حتّى أتى بلاد الأرمن و صاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون‏ (1) ، فأمدّهم بالأقوات و العلوفات، و حكّمهم في بلاده، و أظهر الطاعة لهم، ثمّ ساروا نحو أنطاكية، و كان في طريقهم نهر، فنزلوا عنده، و دخل ملكهم إليه ليغتسل، فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل و كفى اللََّه شرّه.

و كان معه ولد له، فصار ملكا بعده، و سار إلى أنطاكية، فاختلف أصحابه عليه، فأحبّ بعضهم العود إلى بلاده، فتخلّف عنه، و بعضهم مال إلى تمليك أخ له، فعاد أيضا، و سار فيمن صحّت نيّته له، فعرضهم، و كانوا[1] نيّفا و أربعين ألفا، و وقع فيهم الوباء و الموت، فوصلوا إلى أنطاكية و كأنّهم قد نبشوا من القبور، فتبرّم بهم صاحبها، و حسّن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكّا، فساروا على جبلة و لاذقيّة و غيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون، و خرج أهل حلب و غيرها إليهم، و أخذوا منهم خلقا كثيرا، و مات أكثر ممّن أخذ، فبلغوا طرابلس، و أقاموا بها أيّاما، فكثر فيهم الموت، فلم يبق منهم إلاّ نحو ألف رجل، فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكّا، [1] و كانت.

____________

(1) اسطفان ليون الأرمني. A

50

و لمّا وصلوا و رأوا ما نالهم في طريقهم و ما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب و لم ينج منهم أحد.

و كان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم، و يعده أنّه يمنعهم من العبور في بلاده، فلمّا عبروها و خلّفوها أرسل يعتذر بالعجز عنهم، لأنّ أولاده حكموا عليه، و حجروا عليه، و تفرّقوا عنه، و خرجوا عن طاعته.

و أمّا صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان، فإنّه استشار أصحابه، فأشار كثير منهم عليه بالمسير إلى طريقهم و محاربتهم قبل أن يتّصلوا بمن على عكّا، فقال: بل نقيم إلى أن يقربوا منّا، و حينئذ نفعل ذلك‏لئلاّ يستسلم من بعكّا من عساكرنا، لكنّه سيّر بعض من عنده من العساكر، منها عسكر حلب و جبلة و لاذقيّة و شيزر و غير ذلك، إلى أعمال حلب ليكونوا في أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم، و كان حال المسلمين كما قال اللََّه عزّ و جلّ: إِذْ جََاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زََاغَتِ اَلْأَبْصََارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا، `هُنََالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزََالاً شَدِيداً (1) فكفى اللََّه شرّهم و ردّ كيدهم في نحرهم.

و من شدّة خوفهم أنّ بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية، و كان أخي، رحمه اللََّه، يتولاّها، فحصل دخلها من حنطة و شعير و تبن، فأرسل إليه في بيع الغلّة، فوصل كتابه يقول: تبع الحبّة الفرد، و استكثر لنا من التبن، ثمّ بعد ذلك وصل كتابه يقول: تبيع الطعام فما بنا حاجة إليه، ثمّ إنّ ذلك الأمير قدم الموصل، فسألناه عن المنع من بيع الغلّة، ثمّ الإذن فيها بعد مدّة يسيرة، فقال: لمّا وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنّا أنّنا ليس لنا بالشام مقام، فكتبت بالمنع من بيع الغلّة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا إليكم، فلمّا أهلكهم اللََّه تعالى و أغنى عنها كتبت ببيعها و الانتفاع بثمنها.

____________

(1) . 11. 10`33. roC

51

ذكر وقعة للمسلمين و الفرنج على عكّا

و في هذه السنة، في العشرين من جمادى الآخرة، خرجت الفرنج فارسها و راجلها من وراء خنادقهم، و تقدّموا إلى المسلمين، و هم كثير لا يحصى عددهم، و قصدوا نحو عسكر مصر، و مقدّمهم الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، و كان المصريّون قد ركبوا و اصطفّوا للقاء الفرنج، فالتقوا، و اقتتلوا قتالا شديدا، فانحاز المصريّون عنهم، و دخل الفرنج خيامهم، و نهبوا أموالهم، فعطف المصريّون عليهم، فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها، و توجّهت طائفة من المصريّين نحو خنادق الفرنج، فقطعوا المدد عن أصحابهم الذين خرجوا، و كانوا متّصلين كالنمل، فلمّا انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم، و أخذتهم السيوف من كلّ ناحية فلم ينج منهم إلاّ الشريد، و قتل منهم مقتلة عظيمة، يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل.

و كانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر، و كان مقدّمهم علاء الدين خرمشاه بن عزّ الدين مسعود صاحب الموصل، فحملوا أيضا على الفرنج، و بالغوا في قتالهم، و نالوا منهم نيلا كثيرا، هذا جميعه، و لم يباشر القتال أحد من الحلقة الخاصّ التي مع صلاح الدين، و لا أحد من الميسرة، و كان بها عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، و عسكر إربل و غيرهم.

و لمّا جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم، ولانت عريكتهم، و أشار المسلمون على صلاح الدين بمباكرتهم القتال، و مناجزتهم و هم على هذه الحال من الهلع و الجزع، فاتّفق أنّه وصله من الغد كتاب من حلب يخبر فيه بموت ملك الألمان، و ما أصاب أصحابه من الموت و القتل و الأسر، و ما صار أمرهم إليه من القلّة و الذلّة، و اشغل المسلمون بهذه البشرى و الفرح بها عن قتال من بإزائهم، و ظنّوا أنّ الفرنج إذا بلغهم هذه الخبر ازدادوا و هنا

52

على وهنهم و خوفا على خوفهم، فلمّا كان بعد يومين أتت الفرنج أمداد في البحر مع كند كبير من الكنود البحريّة يقال له الكندهري ابن أخي ملك إفرنسيس لأبيه، و ابن أخي ملك انكلتار لأمّه، و وصل معه من الأموال شي‏ء كثير يفوق الإحصاء، فوصل إلى الفرنج، فجنّد الأجناد، و بذل الأموال فعادت نفوسهم فقويت و اطمأنّت، و أخبرهم أن الأمداد واصلة إليهم يتلو بعضها بعضاً، فتماسكوا و حفظوا مكانهم، ثمّ أظهرواأنّهم يريدون الخروج إلى لقاء المسلمين و قتالهم، فانتقل صلاح الدين من مكانه إلى الخروبة في السابع و العشرين من جمادى الآخرة، ليتّسع المجال، و كانت المنزلة قد أنتنت بريح القتلى.

ثمّ إنّ الكندهري نصب منجنيقا و دبّابات و عرّادات‏[1]، فخرج من بعكّا من المسلمين فأخذوها، و قتلوا عندها، كثيرا من الفرنج، ثمّ إنّ الكندهري بعد أخذ مجانيقه أراد أن ينصب منجنيقا، فلم يتمكّن من ذلك لأنّ المسلمين بعكّا كانوا يمنعون من عمل ستائر يستتر بها من يرمي من المنجنيق، فعمل تلاّ من تراب بالبعد من البلد.

ثمّ إنّ الفرنج كانوا ينقلون التلّ إلى البلد بالتدريج، و يستترون به، و يقرّبونه إلى البلد، فلمّا صار من البلد بحيث يصل من عنده حجر منجنيق، نصبوا وراءه منجنيقين، و صار التلّ سترة لهما[2]، و كانت الميرة قد قلّت بعكّا، فأرسل صلاح الدين‏إلى الإسكندريّة يأمرهم بإنفاذ الأقوات و اللحوم و غير ذلك في المراكب إلى عكّا، فتأخّر إنفاذها، فسيّر إلى نائبة بمدينة بيروت في ذلك، فسيّر بطسة عظيمة مملوءة من كلّ ما يريدونه، و أمر من بها فلبسوا ملبس الفرنج و تشبّهوا بهم و رفعوا عليها الصلبان، فلمّا وصلوا إلى عكّا لم يشكّ [1] و غرادات.

[2] لها. ـ

53

الفرنج أنّها لهم، فلم يتعرّضوا لها، فلمّا حاذت ميناء عكّا أدخلها من بها، ففرح بها المسلمون، و انتعشوا و قويت نفوسهم، و تبلّغوا بما فيها إلى أنّ أتتهم الميرة من الإسكندريّة.

و خرجت ملكة من الفرنج من داخل البحر في نحو ألف مقاتل، فأخذت بنواحي الإسكندريّة، و أخذ من معها، ثمّ إنّ الفرنج وصلهم كتاب من بابا، و هو كبيرهم‏الّذي يصدرون عن أمره، و قوله عندهم كقول النبيّين لا يخالف، و المحروم عندهم من حرمه، و المقرّب من قرّبه، و هو صاحب رومية الكبرى، يأمرهم بملازمة ما هم بصدده، و يعلّمهم أنّه قد أرسل إلى جميع الفرنج يأمرهم بالمسير إلى نجدتهم برّا و بحرا، و يعلمهم بوصول الأمداد إليهم، فازدادوا قوّة و طمعا.

ذكر خروج الفرنج من خنادقهم‏

لمّا تتابعت الأمداد إلى الفرنج، و جنّد لهم الكندهري جمعا كثيرا بالأموال التي وصلت معه عزموا على الخروج من خنادقهم و مناجزة المسلمين، فتركوا على عكّا من يحصرها و يقاتل أهلها. و خرجوا، حادي عشر شوّال، في عدد كالرمل كثرة و كالنار جمرة، فلمّا رأى صلاح الدين ذلك نقل أثقال المسلمين إلى قيمون، و هو على ثلاثة فراسخ عن عكّا، و كان قد عاد إليه من فرّق من عساكره لمّا هلك ملك الألمان، و لقي الفرنج على تعبئة حسنة.

و كان أولاده الأفضل عليّ و الظاهر غازي و الظافر[خضر]ممّا يلي القلب، و أخوه العادل أبو بكر في الميمنة، و معه عساكر مصر و من انضمّ إليهم، و كان في الميسرة عماد الدين، صاحب سنجار، و تقي الدين، صاحب حماة، و معزّ الدين سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر، مع جماعة من أمرائه، و اتّفق‏

54

أنّ صلاح الدين أخذه مغس كان يعتاده، فنصب له خيمة صغيرة على تلّ مشرف على العسكر، و نزل فيها ينظر إليهم، فسار الفرنج، شرقيّ نهر هناك، حتّى وصلوا إلى رأس النهر، فشاهدوا عساكر الإسلام و كثرتها، فارتاعوا لذلك، و لقيهم الجالشيّة، و أمطروا عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس، فلمّا رأوا ذلك تحوّلوا إلى غربيّ النهر، و لزمهم الجالشيّة يقاتلونهم، و الفرنج قد تجمّعوا، و لزم بعضهم بعضا، و كان غرض الجالشيّة أن تحمل الفرنج عليهم، فيلقاهم المسلمون و يلتحم القتال، فيكون الفصل، و يستريح الناس، و كان الفرنج قد ندموا على مفارقة خنادقهم، فلزموا مكانهم، و باتوا ليلتهم تلك.

فلمّا كان الغد عادوا نحو عكّا ليعتصموا بخندقهم، و الجالشيّة في أكتافهم يقاتلونهم تارة بالسيوف و تارة بالرماح و تارة بالسهام، و كلّما قتل من الفرنج قتيل أخذوه معهم لئلاّ يعلم المسلمون ما أصابهم، فلو لا ذلك الألم الّذي حدث بصلاح الدين لكانت هي الفيصل، و إنّما للََّه أمر هو بالغه، فلمّا بلغ الفرنج خندقهم، و لم يكن لهم بعدها ظهور منه، عاد المسلمون إلى خيامهم، و قد قتلوا من الفرنج خلقا كثيرا.

و في الثالث و العشرين من شوّال أيضا كمن جماعة من المسلمين، و تعرّض للفرنج جماعة أخرى، فخرج إليهم أربع مائة فارس، فقاتلهم المسلمون شيئا من قتال، و تطاردوا لهم، و تبعهم الفرنج حتّى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.

و اشتدّ الغلاء على الفرنج، حتّى بلغت غرارة[1] الحنطة أكثر من مائة دينار صوريّ، فصبروا على هذا، و كان المسلمون يحملون إليهم الطعام من البلدان منهم الأمير أسامة، مستحفظ بيروت، كان يحمل الطعام و غيره، و منهم سيف الدين عليّ بن أحمد المعروف بالمشطوب، كان يحمل من صيدا أيضا [1] الغرارة.