رساله الولاية

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
75 /
5

الفصل الاول فى أنّ لظاهر هذا الدين باطنا، و لصورته الحقة حقايق‏

نقول: إنّ الموجودات تنقسم باعتبار إلى قسمين؛ فانّ كل معنى عقلناه، إمّا أن يكون له مطابق فى الخارج، موجود فى نفسه، سواء كان هناك عاقل، أو لم يكن، كالجواهر الخارجية من الجماد و النبات و الحيوان و أمثالها.

و إمّا أن يكون مطابقه موجودا فى الخارج بحسب ما نعقله، غير موجود لو لا التعقّل، كالملك. فإنّا لا نجد فى مورد الملكية، وراء جوهر المملوك-و هو الارض مثلا-، و جوهر المالك-و هو الانسان مثلا-، شيئا آخر فى الخارج يسمّى بالملك؛ بل هو معنى قائم بالتعقل؛ فلولاه لا ملك و لا مالك و لا مملوك، بل هناك إنسان و أرض فحسب.

و يسمّى القسم الاول بالحقيقة، و القسم الثانى بالإعتبار.

و قد برهنّا فى كتاب الاعتبارات على أنّ كلّ اعتبار فهو متقوّم بحقيقة تحتها.

ثم إنّا إذا تتبّعنا و تأمّلنا، وجدنا جميع المعانى المربوطة بالانسان، و الارتباطات التى بين أنفس هذه المعانى، كالملك و سائر الاختصاصات و الرئاسة و المعاشرات و متعلقاتها و غير ذلك، امورا

6

إعتبارية، و معانى و همية؛ ألزم الانسان باعتبارها احتياجه الأوّلى إلى الاجتماع و التمدّن لجلب الخير و المنافع، و دفع الشر و المضار. فكما انّ للنبات نظاما طبيعيا فى دائرة وجوده من سلسلة عوارض منظّمة طبيعية طارئة عليه، يستحفظ بها جوهره بالتغذّى و النموّ و توليد المثل؛ فكذلك الانسان مثلا له نظام طبيعى من عوارض يستحفظ بها جوهره فى أركانه، إلاّ انّ هذا النظام محفوظ بمعانى و همية، و امور إعتبارية، بينها نظام إعتبارى، و تحتها النظام الطبيعى. يعيش الانسان بحسب الظاهر بالنظام الاعتبارى، و بحسب الباطن و الحقيقة بالنظام الطبيعى، فافهم ذلك!

و بالجملة، فهذا النظام الاعتبارى موجود فى ظرف الاجتماع و التمدّن؛ فحيث لا إجتماع، لا إعتبار؛ و هذا بعكس النقيض.

ثم إنّ ما تعرّض لبيانه و شرحه الدين، من المعارف المتعلقة بالمبدء، و من الأحكام و المعارف المتعلّقة بما بعد هذه النشاة الدنيوية، كلّ ذلك بيان بلسان الاعتبار؛ يشهد بذلك التامّل الصادق، و حيث لا ظرف إجتماع و لا تعاون فى غير ظرف الاحكام، و قد أدّيت بلسان الاعتبار. فهناك حقائق اخر مبيّنة بهذا اللسان، و كذلك مرحلة الاحكام.

و بعبارة اخرى ما قبل هذه النشاه الاجتماعية من العوالم السابقة على وجود الانسان الاجتماعى، و ما بعد نشاة الاجتماع مما يستقبله الانسان من العوالم بعد الموت، حيث لا إجتماع مدنيا فيها، لا وجود لهذه المعانى الاعتبارية فيها البتة.

فالمعارف المشروحة فى الدين، المتعلّقة بها، يحكى عن حقايق اخر بلسان الاعتبار، و كذلك مرحلة الاحكام. فان الدين الإلهى يجعل الامور الموجودة فيما بعد هذه النشاة، مترتبة على مرحلة الاحكام‏

7

و الاعمال، و منوطة و مربوطة حقيقة بها؛ و وجود الربط بين شيئين حقيقة، يوجب إتحادهما فى نوع الوجود و سنخه، كما برهنّا عليه فى محلّه.

و حيث انّ تلك الموجودات امور حقيقية خارجية، فالنسب إنّما هى بينها و بين الحقايق التى تحت هذه الامور الاعتبارية، لا أنفسها. فقد ثبت أنّ لظاهر هذا الدين باطنا، و هو المطلوب.

تتمة: فيما يدلّ على ذلك، من الكتاب و السّنّة

نقول: إنّ من المسلّم عند عامّة من يرى الرجوع إلى الكتاب و السّنّة معا، انّ هناك معارف و أسرارا و علوما خفيّة مخفية عنّا، لا يعلمها إلاّ اللّه-عزاسمه-أو من شاء و ارتضى. و الكتاب الإلهى مشحون بذلك، و كفى فيه قوله-سبحانه-:

«وَ مََا هََذِهِ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» (1) .

أى إنّ الحيوة الحقيقية الصادقة، هى الحيوة الآخرة، بدليل عدّه سبحانه الحيوة الدنيا لعبا و لهوا، و قصره الحيوة فى الحيوة الاخرة، بقصر الافراد، أو على طريق قصر القلب، كما يشهد به قوله سبحانه:

«يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ هُمْ عَنِ اَلْآخِرَةِ هُمْ غََافِلُونَ» (2) .

و هذه الآية تشعر بأنّ للحيوة الدنيا شيئا آخر غير ظاهره، و انّه هى الآخرة، لمكان الغفلة. كما يستفاد من كلامك تقول لصاحبك:

إنّك أخذت بظاهر كلامى و غفلت عن شى‏ء آخر. دلّ قولك هذا على أنّ المغفول عنه باطن الكلام، و هو الشيى‏ء الآخر.

و يدلّ على هذا قوله-سبحانه-:

«فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا `ذََلِكَ

____________

(1) العنكبوت/64.

(2) الروم/7.

8

مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ» (3) .

حيث يتحصل منه أنّ ذكر اللّه سبحانه هو السبيل إليه، و التولّى عنه ضلال عن سبيله، و أنّ ذكره-سبحانه-لا يحصل إلاّ بالإعراض عن الحيوة الدنيا، و أنّ المعرض عن ذكره إنّما يبلغ علمه الحيوة الدنيا لا يتجاوزه إلى غيره الحاصل بالذكر.

فهناك شى‏ء غير الحيوة الدنيا، و فى طوله؛ ربما بلغه العلم و ربما وقف دون الحيوة الدنيا هذا.

و الزائد على هذا المقدار يطلب مما سيجى‏ء فى أواخر الفصول، إن شاء اللّه العزيز.

و من الأخبار فى هذا الباب، ما فى البحار، عن المحاسن، عن رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-، انّه قال: «إنّا معاشر الأنبياء، نكلّم الناس على قدر عقولهم» .

أقول: و هذا التعبير إنّما يحسن إذا كان هناك من الامور ما لا يبلغه فهم السامعين من الناس، و هو ظاهر. و قوله-صلّى اللّه عليه و آله-: «نكلّم... الخ» ، و لم يقل: نقول، أو نبيّن، أو نذكر، و نحو ذلك، يدلّ على أنّ المعارف التى بيّنها الأنبياء-عليهم السّلام-، إنّما وقع بيانها على قدر عقول أممهم، ميلا من الصعب الى السهل، لا انّه اقتصر بهذا المقدار من المعارف الكثيرة إرفاقا بالعقول، اقتصارا من المجموع بالبعض.

و بعبارة اخرى: التعبير، ناظر إلى الكيف دون الكمّ. فيدلّ على أنّ هذه المعارف حقيقتها التى هى عليها، وراء هذه العقول التى تسير فى المعارف بالبرهان و الجدل و الخطابة، و قد بيّنها الأنبياء-عليهم

____________

(3) النجم/29-30.

9

السّلام-بجميع طرق العقول من البرهان و الجدل و الوعظ كلّ البيان، و قطعوا فى شرحها كلّ طريق ممكن.

و من هنا يعلم أنّ لها مرتبة فوق مرتبة البيان اللفظى؛ لو نزلت إلى مرتبة البيان دفعتها العقول العادية، إمّا لكونها خلاف الضرورة عندهم، أو لكونها منافية للبيان الذى بيّنت لهم به، و قبلته عقولهم.

و من هنا يظهر انّ نحو إدراك هذه المعارف بحقائقها غير نحو إدراك العقول، و هو الإدراك الفكرى. فافهم ذلك!

و منها الخبر المستفيض المشهور: «إنّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب، أو نبىّ مرسل، أو عبد مومن امتحن اللّه قلبه بالإيمان» .

و منها و هو أدلّ على المقصود من سابقه، ما فى البصائر مسندا عن أبى الصامت، قال: سمعت أبا عبد اللّه-عليه السّلام-، يقول:

«إنّ من حديثنا ما لا يحتمله ملك مقرب، و لا نبىّ مرسل، و لا عبد مومن» .

قلت: فمن يحتمله؟قال: «نحن نحتمله» .

أقول: و الأخبار فى هذا المساق أيضا مستفيضة، و فى بعضها، قلت: فمن يحتمله؟جعلت فداك!قال: «من شئنا» .

و فى البصائر أيضا عن المفضل، قال: قال أبو جعفر -عليه السّلام-:

«إنّ حديثنا صعب مستصعب، ذكوان، أجرد، لا يحتمله ملك مقرّب، و لا نبىّ مرسل، و لا عبد امتحن اللّه قلبه للايمان. أمّا الصعب فهو الذى لم يركب بعد؛ و أمّا المستصعب فهو الذى يهرب منه إذا رؤى؛ و أمّا الذكوان فهو ذكاء المؤمنين؛ و أمّا الأجرد فهو الذى لا يتعلّق به شى‏ء من بين يديه و لا من خلفه، و هو قول اللّه: «اَللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ» . فأحسن الحديث حديثنا، لا يحتمل أحد من الخلائق أمره بكماله حتى‏

10

يحدّه، لانّه من حدّ شيئا فهو أكبر منه. و الحمد للّه على التوفيق، و الانكار هو الكفر» .

قوله: لا يحتمل، إلى قوله: حتى يحدّه؛ مع ما فى صدر الحديث من نفى الاحتمال، يدلّ على أنّ حديثهم-عليهم السّلام-أمر ذو مراتب، يمكن أن يحتمل بعض مراتبه بواسطة التحديد، و يشهد له تعبيره عن الحديث فى رواية أبى الصامت بقوله-عليه السّلام-: من حديثنا... الخ. فيكون حينئذ مورد هده الرواية مع الرواية الاولى «لا يحتمله إلاّ... الخ» ، موردا واحدا لكونه مشكّكا ذا مراتب؛ و يكون أيضا كالتعميم للنبوىّ السابق‏ «إنّا معاشر الانبياء نكلّم الناس على قدر عقولهم» ، هذا!

و تحديد كلّ واحد من الخلايق حديثهم-عليهم السّلام-، لكون ظرفه الذى به يحتمل ما يحتمل، و هو ذاته، محدودا؛ فيصير به ما يحتمله محدودا، و هو السبب فى عدم إمكان الاحتمال بكماله: فهو أمر غير محدود، فهو خارج عن حدود الامكان، فهو مقامهم من اللّه -سبحانه-، حيث لا يحدّه حدّ، و هو الولاية المطلقة. و سيجى‏ء إن شاء اللّه العزيز فى بعض الفصول الاخيرة كلام فيه أبسط من هذا.

و منها أخبار اخر يؤيّد مامرّ، كما عن البصائر مسندا، عن مرازم، قال أبو عبد اللّه-عليه السّلام-: «إنّ أمرنا هو الحقّ، و حقّ الحقّ، و هو الظاهر، و باطن الظاهر، و باطن الباطن، و هو السر، و سرّ السر، و سرّ المستسر، و سرّ مقنع بالسر» .

و ما فى بعض الاخبار انّ للقرآن ظهرا و بطنا، و لبطنه بطنا، إلى سبعة أبطن.

و ما فى خبر آخر انّ ظاهره حكم، و باطنه علم.

و ما فى بعض أخبار الجبر و التفويض، كما عن التوحيد مسندا

11

عن مرازم، عن الصادق-عليه السّلام-فى حديث، قال: فقلت له:

فأىّ شى‏ء هو؟أصلحك اللّه!قال: فقلّب يده مرّتين، أو ثلاثا، ثم قال -عليه السّلام-: «لو أجبتك فيه لكفرت» .

و فى الابيات المنسوبة إلى السجاد-عليه السّلام-، قوله:

و ربّ جوهر علم لو أبرح به # لقيل لى: أنت ممن يعبد الوثنا

و من الروايات، أخبار الظهور التى تفضى بأنّ القائم المهدى -عليه السّلام-بعد ظهوره، بيثّ أسرار الشريعة، فيصدّقه القرآن.

و ما فى البصائر، مسندا عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر -عليه السّلام-، عن أبيه-عليه السّلام-، قال: ذكرت التقية يوما عند على بن الحسين-عليه السّلام-، فقال-عليه السّلام-: «و اللّه لو علم أبوذرّ ما فى قلب سلمان، لقتله و قد آخى بينهما رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-الحديث» .

و فى الخبر، انّ أبا جعفر-عليه السّلام-حدّث جابرا بأحاديث، و قال: «لو أذعتها، فعليك لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين» .

و ما فى البصائر أيضا، عن المفضّل، عن جابر، حديث ملخّصه أنّه شكى ضيق نفسه عن تحمّلها، و إخفائها بعد أبى جعفر -عليه السّلام-الى أبى عبد اللّه-عليه السّلام-، فأمره أن يحفر حفيرة، و يدلى رأسه فيها، ثم يحدّث بما تحمله، ثم يطمّها فانّ الارض تستر عليه.

و ما فى البحار، عن الاختصاص و البصائر، عن جابر، عن أبى جعفر-عليه السّلام-، فى حديث: «يا جابر!ما سترنا عنكم، أكثر مما أظهرنا لكم» .

اقول: و متفرقات الاخبار فى هذه المعانى اكثر من ان تحصى، و قد عدّوا جمعا من أصحاب النبىّ-صلّى اللّه عليه و آله-و أئمة أهل‏

12

البيت من أصحاب الاسرار، كسلمان الفارسى، و أويس القرنى، و كميل بن زياد النخعى، و ميثم التمّار الكوفى، و رشيد الهجرى، و جابر الجعفى، -رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين-.

13

الفصل الثانى فى أنّه حيث لم يكن النظام نظام الإعتبار، فكيف يجب أن يكون الأمر فى نفسه؟

و بعبارة اخرى: هذه الاسرار البالطنة الكامنة فى الشريعة، من أىّ سنخ هى؟

نقول: البراهين العقلبة مطبقة على أنّ العلية و المعلولية بنحو الكمال و النقص و الترشح كترشح الظلل من ذى الظل. و أيضا على أنّ النواقص من لوازم مرتبة المعلولية، و على أنّ هذه النشأة مسبوقة الوجود بعوالم أخر، بنحو العلّية و المعلولية، حتى ينتهى إلى الحق الأوّل -سبحانه-هذا!

و يستنتج من جملتها أنّ جميع الكمالات الموجودة فى هذه النشأة، موجودة فيما فوقها بنحو أعلى و أشرف؛ و انّ النواقص التى فيها مختصة بها غير موجودة فيما فوقها، و لا سارية اليها ألبتة؛ و هذا إجمال، بيان تفصيله و شرحه، على ما هو حقه، متعسر أو متعذر.

مثال ذلك: إنّ كمالات هذه النشاة، كالطعام اللذيذ و الشراب الهنيى‏ء و الصورة الجميلة و أمثالها، و هى من أعظم ما يستلذّ بها فى هذه النشأة، أوّل ما فيها إنّها غير دائمى الوجود، و انّ بروزها فى أيام قلائل، و هى محفوفة بآلاف من الآفات الطبيعية و العاهات‏

14

الخارجية او المشوهات الممكنة التى لو طرء عليها واحد منها، بطل جمالها.

فالاستلذاذ بها، و كذلك نفس الاستلذاذ و المستلذّ، فالجميع واقف بين الوف و الوف من المنافيات؛ لو مال إلى واحد منها، بطل و فسد الامر.

ثم إنّا بعد التأمّل الوافى، نجد أنّ جميع هذه النواقص و المنافيات راجعة إلى المادّة، إمّا إبتداء، أو بالواسطة، كالنواقص الخلقية و الوهمية.

فحيث لا مادة، لا شى من النواقص الراجعة إليها.

فهى مقصورة على هذه النشأة. فالنشأة التى فوق هذه النشأة معرّاة من هذه النواقص، مبرّاة من هذه العيوب، و إنّما هى صور بلا مواد، و لذائذ مثالية بلا مناف ألبتة.

و مرادنا من المادّة هى الجوهر الغير المحسوس الذى يقبل الانفعال، دون الجسمية التى هى صورة غير المادة فافهم ذلك!

ثم إذا تأمّلنا ثانيا، وجدنا الحدود المثالية فى أنفسها نواقص، و انّ للمحدود فى نفسه مرتبة خالية عن الحدّ. إذ هو خارج عن ذاته على ما برهن عليه فى محله.

فهناك نشأة اخرى، يوجد فيها نفس هذه اللذائذ و الكمالات بنحو بحت، أى خالية عن الحدود. فإنّ لذائذ الأكل و الشرب و النكاح و السمع و البصر مثلا، فى مرحلة المثال أيضا، لكلّ واحد منها محلّ لا يتعدّاه. فلست تجد لذة النكاح مثلا من السمع و الأكل، و لا كمال الأكل من الشرب، و كذلك ما فى هذا الفرد من الأكل فى الفرد الاخر منه، و على هذا القياس.

و ليس ذلك كلّه إلاّ من جهة الحدود الوجودية بحسب ظرف الوجود. فالنشأة التى فوق نشأة المثال، الساقطة فيها الحدود، يوجد فيها جميع هذه الكمالات و اللذائذ بنحو الوحدة و الجمع و الكلية و الارسال، ـ

15

هذا!

و هذا كلّها معان متفرّعة على اصول مبرهن عليها فى محلّها مسلّمة عند أهلها.

هذا كلّه بالنسبة إلى ما قبل هذه النشأة المادّية؛ و أمّا بالنسبة إلى ما بعدها، فالكلام فيه نظير الكلام، غير انّ نشأة المثال فى العود قبل نشأة العقل بالنسبة إلينا بخلاف البدو، فإنّها بعدها فيه.

نعم، بين البدء و العود فرق آخر، و هو انّ مادّة الصور المثالية هى النفس، و هى التى توجد لها تلك الصور بإذن ربّها، و حيث انّها متوقفة حينا ما فى نشأة المادّة و متعلّقة بها، و هى عالم الوهم و الاعتبار، فهى فيها تأخذ ملكات و أحوالا، ربما لائمت نشأتها السابقة، و ربما لم تلائمها. فإنّ هذه النشاة شاغلة حاجبة عمّا ورائها. فربما استقرّت الملكات على ما هى عليه من الحجب، و ذلك بالاخلاد إلى الارض، و الغفلة عن الحقّ. و ربما استقرّت على غير هذا الوجه بالانصراف عن زخارف هذه النشأة، و الاعراض عن عرض هذا الأدنى، و قصر التعلق بها على ما تقتضيه ضرورة التعلق بالمادّة، و صرف الوجه إلى ما ورائها و الأنس به.

فهذه النفس بعد الانقطاع عن المادّة، تشرف على الصور الملائمة لذاتها من عالم الانوار المثالية و الروحية. و قد كانت ما تستأنس بها من قبل فى الأيام الخالية، فتطّلع على روح و ريحان و جنة نعيم، و تتضاعف صورها الكمالية و لذائذها الروحية بالنسبة إلى مثال النزول و البدو.

و كذا عالم التجرّد التام بالضرورة من جهة ازدياد معلوماتها فى نشأة المادة، فتشاهد أنوارا و أسرارا، و ملائكة مثالية و أرواحا صورية برزخية، و جميع أنواع لذائذها التى شاهدتها، و هى متعلقة بالمادّة فى نشأتها من مطعوم و مشروب و ملبوس و منكوح و مسموع و مبصر و

16

غيرها على أهنى ما يكون. كلّ ذلك على طريق تمثيل ما فوقها فى ظرفها على نسق ما فى مراتب النزول. هذا!

و ليس معها ألم مادى، و لا و همى، و لا يمسّها نصب و لا لغوب، و هذا كلّه حين كونها فى عالم المثال.

و إذا كانت ملكاتها غير حاجبة عن الكليات، أشرفت أحيانا على أنوار عالم التجرّد و وجودها، و هى فى البهاء و السناء و الجمال و الكمال بحيث لا يقدّر بقدر الصور، و لا يقاس بقياس المثال. و يتكرّر هذا الاشراف حتى تتمكّن النفس منه تمام التمكّن، و تأخذها مقاما، و ترتقى درجة، فتشرف حينئذ على نشأة الأسماء؛ و هى عالم المحض من كل معنى، و البحت من كل بهاء و سناء، فتشاهد علما بحتا، و قدرة بحتة، و حياة بحتة، و من الوجود و الثبوت و البهاء و السناء و الجمال و الجلال و الكمال و السعادة و العزّة و السرور و الحبور، من كلّ منها، البحت المحض، حتى تلحق بالأسماء و الصفات، ثم تندمج باندماجها فى الذات المتعالية، ثم تغيب بغيبها، و تفنى بفناء نفسها، و تبقى ببقاء اللّه- سبحانه، و تعالى عن كل نقص-، «وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ» (1) ، و «إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلرُّجْعى‏ََ» (2) . هذا إذا كانت ملكاتها مقدسة ملائمة لعالم القدس.

و إذا كانت ملائمة لثقل هذه النشأة، غير ملائمة لعالم القدس، فتنعكس كلّما تشاهده ألما عليها و عذابا من أنواعه، كلّما أرادت أن تخرج منها من غمّ بواسطة أصل ذاتها، أعيدت فيها بواسطة ردائة ملكاتها، و قيل لها: ذوقى عذاب الحريق. هذا!

و ليس الامر على ما تزعمه العامّة، من أنّ جنة السعداء حديقة فقط، و انّ نار الاشقياء حفرة نار فقط؛ بل هى نشآت تامّة و سيعة

____________

(1) النجم/42.

(2) العلق/8.

17

أوسع من هذه النشأة بما لا يوصف.

و قد ظهر مما قدمنا أن بين البدء و العود فرقا من وجهين:

أحدهما: انّ العود أوسع من البدء، من حيث اتّساع النفس بمعلوماتها فى نشأة المادة.

و ثانيهما: انّ الطريق متشعب فى العود إلى طريقى السعادة و الشقاوه، و اللذّة و الألم، و الجنة و النار، بخلاف البدء.

و هذا لا ينافى سبق شقاوة الأشقياء، و جفاف القلم الأعلى.

و اعلم أنّ هذه المعانى بين ما هو ضرورى، و ما اقيم عليه البرهان فى محلّه.

و ممّا مرّ من البيان، يظهر وجه ارتباط الاعمال و المجاهدات الشرعية بما وعده و أوعده الحقّ-سبحانه-بلسان أنبيائه المرسلين.

و سيجى‏ء زيادة توضيح لذلك بعد يسير.

تتمّة: فيما يدلّ على ما مرّ، من الكتاب و السّنة

نقول: إذا نظرنا نظر التدبّر إلى خصوصيات شريعة الاسلام، بل جميع الملل الإلهية، وجدنا أنّ المقصود الوحيد فيها، هو صرف وجه الانسان إلى ماوراء هذه النشأة الطبيعية. و هذه سبيلها تدعو إلى اللّه على بصيرة، فهى فى جميع جهاتها تروم إلى هذا المرام، و تطوف على هذا المطاف، باىّ طريق أمكن.

ثم إنّ الناس من حيث درجات الانقطاع إلى اللّه-سبحانه -، و الاعراض عن هذه النشأة المادّية، على ثلث طبقات:

الطبقة الاولى: إنسان تامّ الاستعداد، يمكنه الانقطاع قلبا عن هذه النشأة مع تمام الايقان باللازم من المعارف الالهية، و التخلص إلى الحقّ-سبحانه-، و هذا هو الذى يمكنه شهود ماوراء هذه النشأة المادية، و الاشراف على الانوار الالهية، كالأنبياء-عليهم السّلام-، و

18

هذه طبقة المقربين.

الطبقة الثانية: إنسان تامّ الايقان، غير تامّ الانقطاع من جهة ورود هيآت نفسانية، و إذعانات قاصرة، تؤيسه أن يذعن بإمكان التخلّص إلى ماوراء هذه النشاة المادّية، و هو فيها.

فهذه طبقة تعبد اللّه كأنّها تراه، فهى تعبد عن صدق من غير لعب، لكن من وراء حجاب إيمانا بالغيب، و هم المحسنون فى عملهم.

و قد سئل رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-عن الإحسان، فقال: «أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك» .

و الفرق بين هذه الطبقة و سابقتها، فرق ما بين إنّ و كأنّ.

الطبقة الثالثة: غير أهل الطبقتين الاوليين، من سائر الناس و عامّتهم.

و هذه الطائفة، باستثناء المعاند و المكابر الجاحد، طائفة تمكنها الاعتقاد بالعقائد الحقّة الراجعة إلى المبدء و المعاد، و الجريان عملا على طبقها فى الجملة لا بالجملة.

و ذلك من جهة الاخلاد إلى الارض و اتّباع الهوى و حبّ الدنيا، فإنّ حبّ الدنيا و زخارفها يوجب الاشتغال بها، و كونها هى المقصود من حركات الانسان و سكناته.

و ذلك يوجب انصرف النفس إليها، و قصر الهمة عليها، و الغفلة عمّا ورائها، و عمّا توجبه الاعتقادات الحقّة من الاحوال و الاعمال، و ذلك يوجب ركودها و وقوفها، أعنى الاعتقادات الحقّة على حالها، من غير تاثير لها و فعلية للوازمها و جمود الاعمال و المجاهدات البدنية على ظاهر نفسها و اجسادها، من غير سريان أحوالها و أحكامها إلى القلب و فعلية لوازمها، و هذا من الوضوح بمكان.

مثال ذلك: إنّا لو حضرنا عند ملك من الملوك، وجدنا من‏

19

تغيّر حالنا و سراية ذلك إلى أعمالنا البدنية من حضور القلب و الخشوع و الخضوع ما لا نجده فى الصلوة ألبتة، و قد حضرنا فيها عند ربّ الملوك.

و لو أشرف على شخصنا ملك من الملوك، وجدنا ما لا نجده فى أنفسنا؛ و نحن نعتقد أنّ اللّه-سبحانه-يرى و يسمع، و أنّه أقرب إلينا من حبل الوريد. و نعتمد على الاسباب العادية التى تخطئ و تصيب، اعتمادا لا نجد شيئا منه فى أنفسنا؛ و نحن نعتقد أنّ الامر بيد اللّه-سبحانه-، يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد.

و نركن إلى وعد إنسان، أو عمل سبب، ما لا نركن جزءا من ألف جزء منه إلى مواعيد اللّه-سبحانه-فيما بعد الموت و الحشر و النشر. و أمثال هذه التناقضات لا تحصى فى اعتقاداتنا و أعمالنا، و كلّ ذلك من جهة الركون إلى الدنيا. فان انكباب النفس على المقاصد الدنيوية، يوجب قوة حصول صورها فى النفس، على انّها متسابقة إليها، تدهل صورة، و تتمكن صورة، و تخرج اخرى آنا بعد آن.

و ذلك يوجب ضعف صور هذه الاصول و المعارف الحقّه، فيضعف حينئذ تاثيرها بإيجاد لوازمها عند النفس؛ و حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة.

و هذه الطائفة لا يمكنها من الانقطاع إلى اللّه-سبحانه- أزيد من الاعتقادات الحقّة الاجمالية، و نفس اجساد الاعمال البدنية التى توجب توجّها مّا و قصدا مّا فى الجملة إلى المبدء-سبحانه-فى العبادات.

ثم إنّا إذا تأمّلنا فى حال هذه الطبقات الثلاث، وجدناها تشترك فى امور، و تختصّ بامور. فما يمكن أن يوجد من أنحاء التوجه و الانقطاع فى الطبقة الثالثة، يمكن أن يوجد فى الأولين من غير عكس. و ما يمكن أن يوجد فى الثانية، يوجد فى الاولى من غير عكس.

20

و من هنا يتبيّن أنّ تربية الطبقات الثلاث، مشتركة و مختصة؛ و لهذا نجد الشريعة المقدسة الاسلامية، تعيّن أحكاما نظرية و عملية عامة، فيما لا يمكن إهماله بالنسبة إلى طبقة من الطبقات، من الواجبات و المحرمات.

ثم تؤسّس بقاى ما يتعلّق بجميع جزئيات الامور و كلّياتها، بحسب ما يناسب ذوق أهل الطبقة الثالثة، من المستحبّ و المكروه، و المباح؛ و يمكن ذلك فى قلوبهم بالوعد و الوعيد، بالجنة و النار؛ و يحفظ ذلك بالعادة بالأمر بالمعروف، و النهى عن المنكر. فانّ التكرّر أقوى برهان عند العامّة.

ثم هى تسلك بالنسبة إلى الطبقة الثانية، بما سلكته هى بالنسبة إلى الثالثة مع زيادات خاصة من الاحكام الخلقية و غيرها.

و عمدة الفرق بين الطائفتين فى قوّة العلم و تأثيره، و ضعف ذلك، كما عرفت.

ثم تسلك بالنسبة إلى الطبقة الاولى بأدقّ من مسلكه فى الثانية و الثالثة. فرب مباح أو مستحبّ أو مكروه بالنسبة إليها، هو واجب أو محرّم بالنسبة إلى الطبقة الاولى. فحسنات الأبرار، سيئات المقرّبين؛ إلاّ أنّ ذلك كذلك عندهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم.

و تخصّها أيضا بامور و أحكام غير موجودة فى الثانية و الثالثة؛ و لا غير هذه الطبقة تكاد تفهم شيئا من تلك المختصات، و لا يهتدى إلى طريق تعليمها.

و ذلك كلّه لما أنّ ميزطبقتهم و أساسها المحبة الإلهية دون محبة النفس. فالفرق بينها و بين الاخريين، فى نحو العلم و الادراك، دون فوّته و ضعفه و تأثيره و عدمه.

21

و لئن شئت أن تعقل شيئا من ذلك فى الجملة، فعليك بالتأمّل التامّ فى أطوار الاتحاد.

فللمعا شرة أحكام، و للصداقة أحكام، و للخلّة أحكام، و لكلّ من المحبة و العشق و الوجد و الوله و ما يسمّى فناء، أحكام اخر؛ و كلّ حكم مختص بمرتبة نفسه، لا يتعدّاها إلى غيرها أبدا.

و المحصل انّ الشرايع الالهية، و خاصة الشريعة الاسلامية، تروم فى جميع جزئيات الامور و كلّيّاتها، نحو غرضها المذكور؛ و هو توجيه وجه الانسان للّه، و صرفه إليه-سبحانه-.

و ذلك بتكوين الملكات و الاحوال المناسبة لذلك، بواسطة الدعوة الى الاعتقادات الحقّة، و الاعمال المولدة للحالات الزاكية النفسانية الموصلة الى الملكات المقدسة.

و يظهر ذلك، تمام الظهور، لمن تتبّع تضاعيف الكتاب و السّنّة. فمن الواضح منها، أنّ الميزان هو الاطاعة و التمرّد، و التقرّب و التباعد بالنسبة إلى الحقّ-سبحانه-على اختلاف أنواع الاحكام.

ثم إنّ من الظاهر من الشريعة انّ ما وعده اللّه-سبحانه-فى كتابه، و بلسان رسوله، من المقامات و الكرامات و غير ذلك، على طبق هذه الاحوال و الملكات؛ فلها نسبة معها؛ أعنى انّ للنفس بواسطتها نسبة معها، و تلك المقامات و المنازل هى التى بيّنها الشريعة المقدسة فى معارف المبدء و المعاد.

و قد مرّ فى تتمة الفصل الأوّل انّ هذه المعارف، هى التى لها الحقايق و البواطن التى هى فوق مرتبة البيان، و هى فوق تحمّل العامّة من الناس، لا تطيقها أفهامهم.

فقد ظهر انّ هذه الامور، كيف هى.

22

-

23

الفصل الثالث‏ اتّصال الأنبياء عليهم السّلام بما وراء هذه النشأة و اطّلاع على الامور الباطنة

لا ريب عند أرباب الملل الإلهية أنّ الأنبياء-عليهم السّلام -، لهم اتّصال بما وراء هذه النشأة، و اطّلاع على الامور الباطنة، على اختلاف مراتبهم.

فهل هذا موقوف عليهم، مقصور بهم هبة الهية؛ أو انّه ممكن فى غيرهم، غير موقوف عليهم؟

و بعبارة اخرى: هل هذا أمر اختصاصى بهم، لا يوجد فى غيرهم فى هذه النشأة إلاّ بعد الموت، أو أمر اكتسابى؟و الثانى، هو الصحيح.

نقول: و ذلك لأنّ النسبة بين هذه النشأة و ماورائها، نسبة العلّية و المعلولية، و الكمال و النقص، و هى التى نسمّيها بنسبة الظاهر و الباطن. و حيث انّ الظاهر مشهود بالضرورة، و شهود الظاهر لا يخلو من شهود الباطن، لكون وجوده من أطوار وجود الباطن، و رابطا بالنسبة إليه، فالباطن أيضا مشهود عند شهود الظاهر بالفعل. و حيث انّ الظاهر حدّ الباطن و تعيّنه، فلو أعرض الانسان عن الحدّ بنسيانه بالتعمل و المجاهدة، فلا بدّ من مشاهدته للباطن، و هو المطلوب.

توضيح ذلك: إنّ تعلّق النفس بالبدن و اتّحادها به، هو الذى يوجب أن تذعن النفس بانّها هى البدن و عينها، و انّ ما تشاهده من‏

24

طريق الحواسّ منفصل الوجود عن نفسها لما ترى من انفصاله عن البدن؛ و الوقوف على هذا الحدّ يوجب نسيانها لمرتبتها العليا من هذه المرتبة، و هى مرتبة المثال و أعلى منها غيرها.

و بنسيان كلّ مرتبة، ينسى خصوصياتها و موجودات عالمها، و هى مع ذلك تشاهد إنّيتها، و هى التى تعبّر عنها بأنا، مشاهدة ضرورية لا تنفك عنها.

ثم بالانقطاع عن البدن لا تبقى حاجب عنها و لا مانع، و عليهذا فلو رجع الانسان بالعلم النافع و العمل الصالح إلى نفسه و إنّيته، فلا بدّ من مشاهدتها و مشاهدة مراتبها و موجودات عالمها من أسرار الباطن.

فقد بان أنّ من الممكن أن يقف الانسان، و هو فى هذه النشأة، على الحقايق المستورة الخفيّة التى تستقبله فيما بعد الموت الطبيعى فى الجملة.

تتمة: الآيات و الاخبار التى يشهد على ذلك‏

و يشهد على ذلك عمدة الآيات و الاخبار التى سننقلها ان شاء اللّه فيما بعد.

إلاّ انّ عمدة إنكار عامّة المنكرين لهذه السعادة، متوجهة إلى شهود الحقّ-سبحانه-، فقد زعموا استحالته، و استدلّوا على ذلك بأنّ وجود الحقّ سبحانه وجود مجرد مبرى عن الاعراض و الجهات و الامكنة، فيمتنع عليه تعلق الرؤية البصرية لاستلزامها جسما ذاكيفية وجهة و وضع خاصّ، هذا!

و تمسك محدّثوهم بالاخبار النافية للرؤية، و أوّلوا جميع الايات و الروايات التى تثبتها بحملها على المجاز و نحو ذلك.

و أنت خبير بأنّ دليلهم مخصوص بنفى الرؤية البصرية، و لا يدّعيها أحد غير شرذمة من متكلّمى العامّة، و ظاهريهم على ما ينسب‏

25

إليهم. و الاخبار النافية، فى مقام الردّ عليهم؛ كما هو ظاهر لمن راجع مناظراتهم و احتجاجاتهم-عليهم السّلام-.

بل المثبتون للرؤية و الشهود إنّما يثبتون شيئا آخر، و هو شهود الموجود الامكانى على فقره و عدم استقلال ذاته المحض، بتمام وجوده الإمكانى، لا بالبصر الحسى، أو الذهن الفكرى، وجود مبدعها الغنى المحض.

و هذا معنى يثبته البراهين القاطعة، و يشهد عليه ظواهر الكتاب و السّنّة. بل مقتضى البراهين، استحالة انفكاك الممكن عن هذا الشهود؛ و إنّما المطلوب، العلم بالشهود و هو المعرفة، لا أصل الشهود الضرورى، و هو العلم الحضورى.

و بالجملة لكون عمدة نفيهم متوجهة إلى ذلك، خصّصنا بعض أدلّتها بالذكر، و الباقى محوّل إلى ما سيجى‏ء إن شاء اللّه.

قال تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ `إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ» . (1)

و قال: «وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ» (2) .

و قال: «وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ» (3) .

و قال: «وَ إِنََّا إِلى‏ََ رَبِّنََا لَمُنْقَلِبُونَ» . (4) .

و قال تعالى: «وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ» (5) .

و قال: «أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ» (6) .

و قال: «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (7) .

و قال: «وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ فَلاََ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ

____________

(1) القيامة/22-23.

(2) النجم/42.

(3) العنكبوت/21.

(4) الزخرف/14.

(5) المائدة/18.

(6) الشورى/52.

(7) يونس/56.

غ

26

لِقََائِهِ» (8) .

و قال: «مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ» (9) .

أقول: و هذان اللفظان، أعنى «اللّقاء» ، و «الرجوع» ، كثير الدور فى الكتاب و السنّة.

و قال سبحانه: «سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ `أَلاََ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََاءِ رَبِّهِمْ أَلاََ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ» (10) .

و سياق الآية الاولى، و هو قوله: سنريهم آياتنا فى الآفاق، الى حتّى يتبيّن... الخ؛ يعطى انّ المراد بالشهيد هو المشهود دون الشاهد.

و كذلك قوله: ألا إنّهم فى مرية من لقاء ربّهم... الخ؛ و هذا كالاعتراض؛ و جوابه، قوله سبحانه: أَلاََ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ.

و سياق هذه الآية الاخيرة، و هو قوله: أَلاََ إِنَّهُمْ... الخ، ينافى ما يقولون: ان معنى اللقاء هو الموت أو القيامة مجازا، لبروز آياته و ظهور حقّيته-سبحانه-يومئذ، فكأنّه تعالى مرئى مشاهد لا يراب فيه. و ذلك لأنّه-سبحانه-ردّ عليهم ريبهم فى لقائه بإحاطته بكلّ شى‏ء، و احاطته فى الدنيا و يوم الموت و يوم القيمة سواء. فلا وجه لتعبيره عن الموت أو عن القيمة، من جهة إحاطته باللقاء.

على انّ الآية حينئذ لا يرتبط بالآية السابقة، بل معنى الآية-و اللّه العالم-كفى فى حقّيته و ثبوته-سبحانه-، انّه مشهود على كلّ شى‏ء، لكن يريهم آياته فى الافاق و فى أنفسهم لارتيابهم فى شهوده و لقائه، و لا يجوز لهم. و كيف يجوز لهم الارتياب و الامتراء، و هو بكل

____________

(8) السجدة/23.

(9) العنكبوت/5.

(10) فصلت/53-54.

27

شى‏ء محيط، فهو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن عند كلّ شى‏ء، و أينما تولّوا فثمّ وجه اللّه، ما من نجوى ثلثة إلاّ هو رابعهم، و لا خمسة إلاّ هو سادسهم، و هو معكم أينما كنتم.

و الذى هذا شأنه، لا يتأتّى الامتراء فى شهوده و لقائه؛ لكن يجوز الشكّ فى انّ آياته ستظهر ظهورا لا ارتياب فيه من هذه الجهة، فافهم!

و هذا الذى ذكرناه لا ينافى ما رواه فى التوحيد عن علىّ-عليه السّلام-انّ ما ورد فى القرآن من كلمة اللقاء فهم منه البعث، الحديث. فإنّ كلامنا فى المفهوم المستعمل فيه، كما هو ظاهر، دون المصداق. فمن المعلوم أنّ البعث من مصاديق اللقاء كما سيأتى جملة من الايات و الروايات فى ذلك، و كما هو ظاهر قوله-سبحانه-:

«يُنْذِرُونَكُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا» (11) .

و قوله-سبحانه-: «أَ إِذََا ضَلَلْنََا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنََّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ، الآية» (12) .

و من الروايات ما فى المحاسن، مسندا عن زرارة، عن أبى عبد اللّه-عليه السّلام-فى قول اللّه تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ» ، قال: «كان ذلك معاينة اللّه، فأنساهم المعاينة، و أثبتهم الإقرار فى صدورهم. و لو لا ذلك لم يعرف أحد خالقه و رازقه، و هو قول اللّه: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ» .

و منها ما فى تفسير القمّى، مسندا عن ابن مسكان، عن أبى عبد اللّه-عليه السّلام-، فى قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ

____________

(11) الانعام/130.

(12) السجدة/10.

28

مِنْ ظُهُورِهِمْ، إلى قوله: بلى، قلت: معاينة كان هذا؟قال: «نعم، فثبتت المعرفة، و نسوا الموقف، و سيذكرونه؛ و لو لا ذلك، لم يدر أحد من خالقه و رازقه، فمنهم من أقرّ بلسانه و لم يؤمن بقلبه. فقال اللّه: فَمََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمََا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» .

و منها ما فى تفسير العيّاشى، عن زرارة، قال: سئلت أبا جعفر -عليه السّلام-عن قول اللّه: و إذ أخذ ربّك من بنى آدم، إلى أنفسهم؛ قال: «أخرج اللّه من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيمة؛ فخرجوا كالذّر، فعرّفهم نفسه؛ و لو لا ذلك ما عرف أحد ربّه، و ذلك قوله: و لئن سئلتهم من خلق السموات و الأرض ليقولنّ اللّه» .

و منها ما فى التوحيد، مسندا عن أبى بصير، عن أبى عبد اللّه- عليه السّلام-، قال: قلت له: أخبرنى عن اللّه عزّ و جلّ هل يراه المؤمنون يوم القيمة؟قال: «نعم، و قد رأوه قبل يوم القيمة» . فقلت: متى؟قال:

«حين قال لهم: أ لست بربّكم؟قالوا: بلى» . ثم سكت ساعة، ثم قال:

«و إنّ المؤمنين ليرونه فى الدنيا قبل يوم القيمة، أ لست تراه فى وقتك هذا» ؟قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك!فاحدّث بهذا عنك؟ فقال: «لا، فإنّك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله، ثم قدر أنّ ذلك تشبيه و كفر، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين. تعالى اللّه عما يصفه المشبّهون و الملحدون» .

و منها ما فى التوحيد، عن هشام، فى حديث الزنديق، حين سأل الصادق-عليه السّلام-عن حديث نزوله إلى سماء الدنيا، فأجاب بأنّه ليس كنزول جسم عن جسم إلى جسم، إلى أن قال: «و لكنّه ينزل إلى سماء الدنيا بغير معاناة و لا حركة، فيكون هو كما فى السماء السابعة على العرش، كذلك فى سماء الدنيا. إنّما يكشف عن عظمته، و يرى اوليائه‏

29

نفسه حيث شاء، و يكشف ما شاء من قدرته، و منظره بالقرب و البعد سواء» .

و منها ما فى التوحيد، عن أمير المؤمنين-عليه السّلام-، فى حديث: «و سال موسى و جرى على لسانه من حمد اللّه-عزّ و جلّ-: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. فكانت مسئلته تلك أمرا عظيما، و سأل أمرا جسيما، فعوقب، فقال اللّه تعالى: لن ترانى فى الدنيا حتّى تموت، فترانى فى الاخرة، الحديث» .

و منها ما فى عدة من أخبار الجنة انّ اللّه سبحانه يتجلّى فيها لوليّه، ثم يقول له: و لك فى كل جمعة زورة.

و فى جمع الجوامع فى الحديث: «سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر» .

و من الروايات ما ورد فى خصوص رسول اللّه و الأئمة-عليهم السّلام-، ففى التوحيد، مسندا عن محمّد بن الفضيل، قال: سئلت أبا الحسن-عليه السّلام-: هل رأى رسول اللّه ربّه عزّ و جلّ؟فقال:

«نعم، بقلبه رآه. أما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ مََا رَأى‏ََ . لم يره بالبصر و لكن رآه بالفؤاد» .

و منها ما فى التوحيد، عن الرضا-عليه السّلام-فى حديث:

«كان-يعنى رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-إذا نظر إلى ربّه بقلبه، جعله فى نور مثل نور الحجب، حتّى يستبين له ما فى الحجب» .

و منها ما فى كامل الزيارة لابن قولويه، مسندا عن ابن أبى يعفور، عن أبى عبد اللّه-عليه السّلام-، قال: «بينما رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-فى منزل فاطمة، و الحسين فى حجره، إذ بكى و خرّ ساجدا، ثم قال: يا فاطمة!يا بنت محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-إنّ العلىّ الاعلى ترائى لى فى بيتك هذا، فى ساعتى هذه، فى أحسن صورة

30

و أهيأ هيئة، و قال لى: يا محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-أتحبّ الحسين- عليه السّلام-؟فقلت: نعم، قرّة عينى، و ريحانتى، و ثمرة فؤادى، و جلدة ما بين عينى، و قال لى: يا محمّد!-و وضع يده على رأس الحسين-بورك من مولود عليه بركاتى و صلواتى و رحمتى و رضوانى، الحديث» .

و منها قول امير المؤمنين-عليه السّلام-مستفيضا: «لم أعبد ربا لم أره» .

و منها قوله-عليه السّلام-: «ما رأيت شيئا إلاّ و رأيت اللّه قبله» .

و بالجملة، فالاخبار فى هذا المعنى كثيرة جدّا مستفيضة أو متواترة.

و ليس المراد من الرؤية فيها، هو قوّة العلم الحاصل بالدليل؛ فإنه علم فكرى.

و الاخبار الكثيرة الاخرى، تنفى كونه معرفة بالحقيقة، فضلا عن كونه رؤية و شهودا؛ فاذن المطلوب ثابت، و الحمد للّه.

31

الفصل الرابع فى أنّ الطريق إلى هذا الكمال، بعد إمكانه، ما هو؟

نقول: حيث انّ نسبة الحقايق إلى ما فى هذه النشأة المادّية و النفس البدنية، نسبة الباطن إلى الظاهر؛ و كلّ خصوصية وجودية متعلّقة بالظاهر، متعلقة بباطنه بالحقيقة، و بنفس الظاهر بعرضه و تبعه؛ فالإدراك الضرورى الذى للنفس بالنسبة إلى نفسها متعلقة بباطنها اوّلا و بالحقيقة، و بنفسها بعرضه و تبعه.

فالحقيقة التى فى باطن النفس أقدم إدراكا عند النفس من نفسها و أبده، و ما هى فى باطن باطنها أقدم منها و أبده، حتّى ينتهى إلى الحقيقة التى إليها تنتهى كل حقيقة؛ فهى أقدم المعلومات، و أبده البديهيّات.

و حيث انّ الوجود صرف عندها، لا يتصوّر له ثان و لا غير، فلا يتصوّر بالنسبة إلى إدراكها دفع دافع، و لا منع مانع. و هذا برهان تامّ غير مدفوع ألبتة.

ثم نقول: إنّ كلّ حقيقة موجودة، فهى مقتضية لتمام نفسها فى ذاتها و عوارضها، و هذه مقدمة ضرورية فى نفسها، غير انها محتاجة إلى تصور تامّ. فإذا فرضنا حقيقة مثل «ا» مثلا، ذات عوارض مثل «ب» ، «ج» ، «د» ، فهذه الحقيقة فى ذاتها تقتضى أن تكون «ا» لا ناقصا من‏

32

«ا» ، و الناقص من «ا» ليس هو «ا» ، و قد فرضناها «ا» .

و أيضا هى تقتضى عوارض هى «ب» ، «ج» ، «د» ، و هى هى، و الناقص من «ب» ، «ج» ، «د» ، ليس هو «ب» ، «ج» ، «د» ، و قد فرضناها «ب» ، «ج» ، «د» ، لا غير، و هو ظاهر.

و هذا الذى تقتضيه كلّ حقيقة فى ذاتها و عوارضها؛ هو الذى نسمّيه بالكمال و السعادة.

ثم انّ حقيقة كلّ كمال هى التى تتقيّد فى ذاتها بقيد عدمى، و هو النقص، فإنّ كلّ كمال فهو فى ذاته واجد لذاته، فلا يفقد من ذاته شيئا إلاّ من جهة قيد عدمى معه بالضرورة. فحقيقة «ا» مثلا واجدة لما فرض انّه «ا» ، فانفصال وجود هذا الشخص من «ا» من ذلك الشخص من «ا» ليس إلاّ لوجود قيد عدمى عند كلّ واحد من الشخصين، يوجب فقد حقيقة «ا» فى كلّ منهما شيئا من ذاتها لا من عوارضها، و هو محال بالانقلاب أو الخلف، بالنظر إلى ذات «ا» المفروض فى ذاته، بل الفاقد لخصوصية هذا الشخص هو ذلك الشخص من «ا» .

فلحقيقة «ا» مرتبتان: مرتبة فى ذاتها لا تفقد فيها شيئا من ذاتها، و مرتبة عند هذا الشخص و عند ذلك الشخص فيها يصير شى‏ء من كمالها مفقودا.

و ليس ذلك من التشكيك فى شى‏ء، فإنّا إذا فرضنا هذا الشخص مرتبة منها، فهو أيضا «ا» و عاد المحال، بل الشخص بحيث إذا فرض معه الحقيقة كان هذا الشخص، و إذا قطع عنها النظر لم يكن شيئا إذ لا يبقى معه إلاّ قيد عدمى، فهو هو معها و ليس هو دونها، فليس فى مورد الشخص إلاّ الحقيقة، و الشخص أمر عدمى و همى إعتبارى.

و هذا المعنى، هو الذى نصطلح عليه بالظهور، فافهم!

33

و يظهر من هنا انّ حقيقة كلّ كمال، هو المطلق المرسل الدائم منه، و انّ قرب كلّ كمال من حقيقته بمقدار ظهور حقيقته فيه، أى اقترانها بالقيود و الحدود. فكلّ ما ازدادت القيود، قلّ الظهور و بالعكس.

و يظهر من هنا أنّ الحق-سبحانه-هو الحقيقة الاخيرة لكلّ كمال. حيث انّ له صرف كلّ كمال و جمال، و انّ قرب كلّ موجود منه على قدر قيوده العدمية و حدوده.

و يظهر من ذلك أنّ وصول كلّ موجود إلى كماله الحقيقى مستلزم لفنائه، حيث أنّه مستلزم لفناء قيوده و حدوده فى ذاته أو فى عوارضه فقط، و بالعكس فناء كلّ موجود مستلزم لبقاء حقيقته فى مورده فقط. قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ `وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ» (1) .

فالكمال الحقيقى لكلّ موجود ممكن، هو الذى يفنى عنده.

فالكمال الحقيقى للانسان أيضا هو الذى يصير عند كماله الانسانى مطلقا مرسلا و يفنى عنده الانسان لا كمال له غير ذلك ألبتة.

و قد مر فى البرهان السابق انّ شهود الانسان لذاته الذى هو عين ذاته، شهود منه لجميع حقائقه و لحقيقته الاخيرة، و حيث انّه فان عند ذلك فالانسان شاهد فى عين فنائه.

و إن شئت قلت انّ حقيقته هى الشاهدة لنفسها، و الانسان فان؛ هذا!

فالكمال الحقيقى للانسان وصوله إلى كماله الحقيقى ذاتا و عوارض؛ أى وصوله إلى كماله الاخير ذاتا و وصفا و فعلا، أى فنائه ذاتا و وصفا و فعلا فى الحقّ-سبحانه-؛ و هو التوحيد الذاتى و الإسمى و

____________

(1) الرحمن/26-27.

34

الفعلى، و هو تمكّنه من شهود أن لا ذات و لا وصف و لا فعل إلاّ للّه سبحانه على الوجه اللايق بقدس حضرته-جلّت عظمته-من غير حلول و اتّحاد-تعالى عن ذلك-.

و هذا البرهان من مواهب اللّه-سبحانه-المختصة بهذه الرسالة، و الحمد للّه.

ثم إنّ المتحصل من البرهان المذكور فى أوّل الفصل، انّ شهود هذه الحقايق و معرفتها، منطوية فى شهود النفس و معرفتها.

فأقرب طرق الانسان إليها، طريق معرفة النفس. و قد تحصّل أيضا سابقا انّ ذلك بالإعراض عن غير اللّه، و التوجه إلى اللّه- سبحانه-.

تتمة: أنّ المدار فى الثواب و العقاب، هو الاطاعة و الانقياد و التمرّد و العناد

إذا تتبّعنا الكتاب و السنّة، و تأمّلنا فيها تأمّلا وافيا، وجدنا أنّ المدار فى الثواب و العقاب، هو الاطاعة و الانقياد و التمرّد و العناد. فمن المسلّم المحصّل منهما انّ المعاصى حتى الكبائر الموبقة، لا توحب عقابا إذا صدرت ممّن لا يشعر بها، أو من يجرى مجراه؛ و انّ الطاعات لا يوجب ثوابا إذا صدرت من غير تقرّب و انقياد، إلاّ إذا كانت ممّا الانقياد ملازم لذاته كبعض الاخلاق الفاضلة الشريفة.

و كذلك صدور المعصية ممّن لا يشعر بكونه معصية، إذا قصد الاطاعة لا يخلو من حسن؛ و صدور الطاعة بقصد العناد و اللعب لا يخلو من قبح؛ و كذلك مراتب الطاعة و المعصية تختلف حسب اختلاف الانقياد و التمرّد الذين تشتمل عليهما.

فقد ورد «أفضل الاعمال أحمضها» . و ورد متواترا فى متفرقات أبواب الطاعات و المعاصى اختلاف مراتبها فضلا و خسّة، و ثوابا و عقابا.

و العقل السليم أيضا حاكم بذلك. و أكثر الايات القرآنية تحيل الناس

35

إلى ما يحكم به العقل، و الميزان بناء على حكم العقل هو الانقياد للحقّ و العناد لا غير. و هذان أمران مختلفان بحسب المراتب بالضرورة.

و حيث انّ السعادة و الشقاوة تدوران مدارهما، فلهما عرض عريض بحسب المراتب الموجودة من الانقياد و التمرّد.

و من هنا يظهر انّ المختص من السعادة بالمنتحل بدين الحقّ، إنّما هو كمالها. و أمّا مطلق السعادة فغير مختصّ بالمنتحل بدين الحقّ، بل ربما وجد فى غير المنتحل أيضا، إذا وجد فيه شى‏ء من الانقياد، أو فقد شى‏ء من العناد بحسب المرتبة.

و هذا هو الذى يحكم به العقل، و يظهر من الشرع؛ فإنّما الشرع يعيّن حدود ما حكم به العقل، كما فى الحديث المشهور عنه-صلّى اللّه عليه و آله-، قال: «بعثت لا تمّم مكارم الأخلاق» .

و ذلك كما ورد فى كسرى و حاتم، انّهما غير معذّبين لوجود صفتى العدل و الجود فيهما.

و فى الخصال، عن الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن علىّ- عليهم السّلام-، قال: «إنّ للجنة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيّون و الصدّيقون، و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون، و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبّونا. فلا أزال واقفا على الصراط، أدعو و أقول: ربّ سلّم شيعتى و محبىّ و أنصارى و أوليائى و من تولاّنى فى دار الدنيا. فإذا النداء من بطنان العرش: قد أجبت دعوتك و شفّعت فى شيعتك. و يشفع كلّ رجل من شيعتى و من تولاّنى و نصرنى و حارب من حاربنى بفعل أو قول، فى سبعين من جيرانه و أقربائه. و باب يدخل منه سائر المسلمين، ممّن يشهد أن لا اله الاّ اللّه، و لم يكن فى قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت» .

و فى تفسير القمّى، مسندا عن ضريس الكناسى، عن أبى‏

36

جعفر-عليه السّلام-، قال: قلت له: جعلت فداك!ما حال الموحّدين المقرّين بنبوّة محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-من المذنبين الذين يموتون، و ليس لهم إمام، و لا يعرفون ولايتكم؟فقال: «أمّا هولاء، فإنّهم فى حفرهم لا يخرجون منها. فمن كان له عمل صالح، و لم يظهر منه عداوة، فإنّه يخدّ له خدّ إلى الجنة التى خلقها اللّه بالمغرب، فيدخل عليه الروح إلى يوم القيمة، حتى يلقى اللّه، فيحاسبه بحسناته و سيّئاته، فإمّا إلى الجنة و إمّا إلى النار، فهولاء المرجون لأمر اللّه. قال: و كذلك يفعل بالمستضعفين و البله و الأطفال و أولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم. و أمّا النصّاب من أهل القبلة، فإنّه يخدّلهم خدّ إلى النار التى خلقها اللّه فى المشرق، فيدخل عليهم اللهب و الشرر و الدخان و فورة الحميم إلى يوم القيمة، ثم بعد ذلك مصيرهم إلى الحميم» .

و فى دعاء كميل المروىّ عن علىّ-عليه السّلام-:

«فباليقين أقطع لو لا ما حكمت به من تعذيب جاحديك، و قضيت به من إخلاد معانديك، لجعلت النار كلّها بردا و سلاما، و ما كانت لأحد فيها مقرّا و لا مقاما، لكنّك تقدّست أسمائك، أقسمت أن تملأها من الكافرين من الجنّة و الناس أجمعين، و أن تخلّد فيها المعاندين، الدعاء» .

و أكثر الآيات القرآنية إنّما توعد الذين قامت لهم البيّنة، و تمّت عليهم الحجّة، و تقيّد الكفر بالجحود و العناد.

قال-تعالى-: «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ» * (1) .

و قال تعالى: «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (2) .

____________

(1) المائده/10 و 86.

(2) الانفال/42.

37

و بالجملة، فالميزان كلّ الميزان فى السعادة و الشقاوة و الثواب و العقاب، هو سلامة القلب و صفاء النفس.

قال سبحانه: «يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ `إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (4) .

و قال سبحانه: «يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ» (5) .

و جميع الملل الإلهية تروم فى تربية الناس هذا المرام.

و هذا مسلم من سلائقها، و ما تندب إليها، و هو الذى يراه الحكماء المتالّهون من السابقين.

و أمّا شريعة اللاسلام، فأمرها فى ذلك أوضح، غير انّها كما مرّ فى أواخر الفصل الثانى، تدعو الى كلّ سعادة ممكنة، الاّ انّ معرفة الرب من طريق النفس حيث كانت أقرب طريقا، و أتمّ نتيجة، فإتيانها لها أقوى و آكد. و لذلك ترى الكتاب و السنّة يقصدان هذا المقصد، و يدعوان إلى هذا المدعى بأىّ لسان أمكن.

قال سبحانه: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ `وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ» (6) .

و هذه الاية كعكس النقيض، لقوله-صلّى اللّه عليه و آله- فى الحديث المشهور بين الفريقين: «من عرف نفسه عرف ربّه، أو: فقد عرف ربّه» .

و قال سبحانه: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاََ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ» (7) .

____________

(4) الشعراء/89.

(5) الطارق/9.

(6) الحشر/18-19.

(7) المائده/105.

38

و قد روى الآمدى فى كتاب «الغرر و الدرر» من كلمات علىّ-عليه السّلام-القصار ما يبلغ نيفا و عشرين حديثا فى معرفة النفس.

منها أنه-عليه السّلام-قال: «الكيس من عرف نفسه و أخلص أعماله» .

و قال-عليه السّلام-: «المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين» .

و قال-عليه السّلام-: «العارف من عرف نفسه، فأعتقها، و نزهها عن كلّ ما يبعّدها» .

و قال-عليه السّلام-: «أعظم الجهل، جهل الانسان أمر نفسه» .

و قال-عليه السّلام-: «أعظم الحكمة، معرفة الانسان نفسه» .

و قال-عليه السّلام-: «أكثر الناس معرفة لنفسه، أخوفهم لربّه» .

و قال-عليه السّلام-: «أفضل العقل، معرفة الانسان بنفسه، فمن عرف نفسه عقل، و من جهلها ضلّ» .

و قال-عليه السّلام-: «عجبت لمن ينشد ضالتّه، و قد أضلّ نفسه، فلا يطلبها» .

و قال-عليه السّلام-: «عجبت لمن يجهل نفسه، كيف يعرف ربّه؟» .

و قال-عليه السّلام-: «غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه» .

و قال-عليه السّلام-: «كيف يعرف غيره من يجهل نفسه؟» .

و قال-عليه السّلام-: «كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه» .

39

و قال-عليه السّلام-: «كفى بالمرء جهلا أن يجهل نفسه» .

و قال-عليه السّلام-: «من عرف نفسه، تجرّد» .

و قال-عليه السّلام-: «من عرف نفسه جاهدها» .

و قال-عليه السّلام-: «من جهل نفسه أهملها» .

و قال-عليه السّلام-: «من عرف نفسه عرف ربّه» .

و قال-عليه السّلام-: «من عرف نفسه جلّ أمره» .

و قال-عليه السّلام-: «من جهل نفسه كان بغيره أجهل» .

و قال-عليه السّلام-: «من عرف نفسه كان بغيره أعرف» .

و قال-عليه السّلام-: «من عرف نفسه، فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة و علم» .

و قال-عليه السّلام-: «من لم يعرف نفسه، بعد عن سبيل النجاة، و خبط فى الضلال و الجهالات» .

و قال-عليه السّلام-: «معرفة النفس أنفع المعارف» .

و قال-عليه السّلام-: «نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس» .

و قال-عليه السّلام-: «لا تجهل نفسك؛ فإنّ الجاهل معرفة نفسه، جاهل كلّ شى‏ء» .

أقول: و هذه الأحاديث تدفع، كما ترى، تفسير من يفسّر من العلماء (ره) قوله-صلّى اللّه عليه و آله-: من عرف نفسه فقد عرف ربّه، الحديث، بأنّ المراد استحالة معرفة النفس لتعليقها بمعرفة الربّ، و هو مستحيل؛ و يدفعه ظاهر الروايات السابقة، و قوله-صلّى اللّه عليه و آله-: «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه، الحديث النبوى» .

مع انّ معرفته سبحانه لو كانت مستحيلة، فانّما هى المعرفة الفكرية من طريق الفكر، لا من طريق الشهود و مع التسليم، فانما

40

المستحيل معرفته بمعنى الإحاطة التامّة.

و أمّا المعرفة بقدر الطاقة الإمكانية فغير مستحيلة. هذا!

و بالجملة فكون معرفة النفس أفضل الطرق و أقربها إلى الكمال، مما لا ينبغى الريب فيه و إنّما الكلام فى كيفية السير من هذا المسير.

فقد زعم بعض أنّ كيفية السير من هذا الطريق غير مبيّنة شرعا؛ حتى ذكر بعض المصنّفين انّ هذا الطريق فى الإسلام كطريق الرهبانية التى ابتدعتها النصارى من غير نزول حكم إلهى به، فقبل اللّه سبحانه ذلك منهم.

فقال سبحانه: «وَ رَهْبََانِيَّةً اِبْتَدَعُوهََا مََا كَتَبْنََاهََا عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغََاءَ رِضْوََانِ اَللََّهِ فَمََا رَعَوْهََا حَقَّ رِعََايَتِهََا، الآية» (8) .

قال: فكذلك طريق معرفة النفس غير واردة فى الشريعة، إلاّ انّها طريقة إلى الكمال مرضية، انتهى ملخّصا.

و من هنا ربما يوجد عند بعض أهل هذا الطريق وجوه من الرياضات و مسالك مخصوصة، لا تكاد توجد أو لا توجد فى مطاوى الكتاب و السنّة، و لم يشاهد فى سيرة رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله- و الأئمة من أهل بيته-عليهم السّلام-.

و ذلك كلّه بالبناء على ما مرّ ذكره، و انّ المراد هو العبور و الوصل بأىّ نحو أمكن بعد حفظ الغاية. و كذلك الطرق الماثورة عن غير المسلمين من متالّهى الحكماء و أهل الرياضة، كما هو ظاهر لمن راجع كتبهم، أو الطرق الماثورة عنهم.

لكنّ الحقّ الذى عليه أهل الحقّ، و هو الظاهر من الكتاب و السنة انّ شريعة الإسلام لا يجوّز التوّجه إلى غير اللّه-سبحانه-

____________

(8) الحديد/27.

41

للسالك إليه-تعالى-بوجه من الوجوه، و لا الاعتصام بغيره- سبحانه-إلاّ بطريق أمر بلزومه و أخذه.

و إنّ شريعة الاسلام لم تهمل مثقال ذرّة من السعادة و الشقاوة إلاّ بيّنتها، و لا شيئا من لوازم السير إلى اللّه-سبحانه-يسيرا أو خطيرا إلاّ أوضحتها؛ فلكلّ نفس ما كسبت و عليها ما اكتسبت.

قال سبحانه: «وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» (9) .

و قال سبحانه: «وَ لَقَدْ ضَرَبْنََا لِلنََّاسِ فِي هََذَا اَلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ» (10) .

و قال سبحانه: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ» (11) .

و قال سبحانه: «لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (12) .

إلى غير ذلك؛ و الأخبار فى هذا المعنى من طريق أهل البيت مستفيضة بل متواترة.

و ممّا يظهر انّ حظّ كلّ امرء من الكمال بمقدار متابعته للشرع، و قد عرفت انّ هذا الكمال أمر مشكّك ذو مراتب. و نعم ما قال بعض أهل الكمال انّ الميل من متابعة الشرع إلى الرياضات الشاقة، فرار من الأشقّ إلى الأسهل. فانّ اتّباع الشرع قتل مستمرّ للنفس، دائمى ما دامت موجودة؛ و الرياضة الشاقة قتل دفعى، و هو أسهل ايثارا.

و بالجملة، فالشرع لم يهمل بيان كيفية السير من طريق النفس.

____________

(9) النحل/89.

(10) الروم/58.

(11) آل عمران/31.

(12) الأحزاب/21.

42

بيان ذلك: إنّ العبادة تتصور على ثلاثة اقسام؛

أحدها: العبادة طمعا فى الجنّة.

و الثانى: العبادة خوفا من النار.

و الثالث: العبادة لوجه اللّه، لا خوفا و لا طمعا.

و غير القسم الثالث، حيث انّ غايته الفوز بالراحة، أو التخلص من العذاب، فغايته حصول مشتهى النفس.

فالتوجه فيه إلى اللّه-سبحانه-إنّما هو لحصول مشتهى النفس؛ ففيه جعل الحقّ-سبحانه-واسطة لحصول المشتهى.

و الواسطة، من حيث هى واسطة، غير مقصودة إلاّ بالتبع و العرض؛ فهى بالحقيقة ليست إلاّ عبادة للشهوة.

بقى القسم الثالث، و هو العبادة بالحقيقة؛ و قد وقع التعبير عنه مختلفا.

ففى الكافى، مسندا عن هرون، عن أبى عبد اللّه-عليه السّلام -، قال:

«العباد ثلثة؛ قوم عبدوا اللّه عزّ و جلّ خوفا، فتلك عبادة العبيد.

و قوم عبدوا اللّه تبارك و تعالى طلبا للثواب، فتلك عبادة الاجراء.

و قوم عبدوا اللّه عزّ و جلّ حبّا له، فتلك عبادة الأحرار و هى أفضل العبادة» .

و فى نهج البلاغة: «إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة، فتلك عبادة التجّار؛ و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة، فتلك عبادة العبيد؛ و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا، فتلك عبادة الأحرار» .

و فى العلل، و المجالس، و الخصال، مسندا عن يونس، عن الصادق جعفر بن محمد-عليه السّلام-: «إنّ الناس يعبدون اللّه على‏

43

ثلثة أوجه؛ فطبقة يعبدونه رغبة فى ثوابه، فتلك عبادة الحرصاء، و هو الطمع؛ و آخرون يعبدونه خوفا من النار، فتلك عبادة العبيد، و هى رهبة؛ و لكنّى أعبده حبّا له عزّ و جلّ، فتلك عبادة الكرام، لقوله عزّ و جل: «وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» (13) ؛ و لقوله عزّ و جلّ: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ» (14) ، فمن أحبّ اللّه عزّ و جلّ، أحبّه اللّه؛ و هن أحبّه اللّه كان من الآمنين، و هذا مقام مكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون» .

و عن المناقب، كان-يعنى رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله- يبكى حتى يغشى عليه، فقيل له: أ ليس قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟فقال: «أ فلا أكون عبدا شكورا؟الحديث» .

أقول: و الشكر و الحبّ مرجعهما واحد. فإنّ الشكر هو الثناء على الجميل من حيث هو جميل، فتكون العبادة توجّها و تذلّلا له سبحانه لأنّه جميل بالذات، فهو سبحانه هو المقصود لنفسه لا لغيره كما قال سبحانه: «مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ» (15) .

فغاية خلقهم، أى وجودهم، أى كمال وجودهم، هو عبادته سبحانه، أى التوجّه إليه وحده. و التوجّه وسط غير مقصود بالذات. فهو سبحانه غاية وجودهم، و لذا فسّر العبادة هيهنا فى الأخبار بالمعرفة.

و قال سبحانه: «وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ» (16) .

و قال سبحانه: «هُوَ اَلْحَيُّ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» (17) .

و كذلك الحبّ انجذاب النفس إلى الجميل من حيث هو جميل، و عنده سبحانه الجمال المطلق.

____________

(13) النمل/89.

(14) ال عمران/31.

(15) الذاريات/56.

(16) الاسراء/23.

(17) غافر/65.

غ

44

و قال سبحانه: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي» (18) .

و قال سبحانه: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ» (19) و سيأتى رواية الدّيلمى.

و فى دعاء كميل: «و اجعل... قلبى بحبّك متيما» .

و فى مناجاة على-عليه السّلام-: «إلهى أقمنى فى أهل ولايتك مقام من رجا الزيادة من محبّتك» .

و حديث الحبّ كثير الدور فى الأدعية.

و إن تعجب، فعجب قول من يقول انّ المحبة لا تتعلّق به سبحانه حقيقة، و ما ورد من ذلك فى خلال الشريعة، مجاز يراد به امتثال الأمر و الإنتهاء من النهى. و هذا دفع للضرورة، و مكابرة مع البداهة.

و لعمرى كم من الفرق بين من يقول انّ المحبة لا تتعلق باللّه سبحانه، و من يقول انّ المحبة لا تتعلق إلاّ باللّه سبحانه.

و لنرجع إلى ما كنّا فيه، و نقول: حيث انّ العبادة، و هو التوجّه إلى اللّه سبحانه، لا تتحقق من دون معرفة مّا، و إن كانت هى ايضا مقدّمة أو محصّلة للمعرفة، فإتيانها بحقيقتها المقدورة يحتاج إلى سيرفى المعرفة.

و إن كانتا كالمتلازمتين كما فى خبر إسماعيل بن جابر، عن الصادق-عليه السّلام-: «العلم مقرون بالعمل؛ فمن علم عمل، و من عمل علم. الحديث» .

و بعبارة اخرى يلزم أن تقع العبادة عن معرفة حتى تنتج معرفة، كما فى النبوى، قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «من عمل بما علم، رزقه اللّه علم ما لم يعلم. الحديث» . و هو معنى قول اللّه سبحانه: «مَنْ كََانَ

____________

(18) ال عمران/31.

(19) البقرة/165.

45

يُرِيدُ حَرْثَ اَلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (20) ، لما ترى من تفاوت الجزائين فى الآية.

و كذا قوله تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ» (21) .

و الاعتبار العقلى أيضا يساعده؛ فإنّ الحبّ أو الشوق إلى الشى‏ء، هو الموجب للتوجّه إليه؛ و التوجّه، و هو العمل، يثبت الحبّ و الشوق، و ذلك العلم؛ و كلّما تأكّد ثبوت الشى‏ء، تمّ ظهور آثاره و كلّ ما يرتبط به و يتعلّق عليه.

و بالجملة فهذه المعرفة المحتاج إليه العمل، يتصوّر تحصيله على أحد وجهين: سير آفاقى، و سير أنفسى.

و الأوّل هو التفكّر و التدبّر، و الاعتبار بالموجودات الآفاقية الخارجة عن النفس من صنايع اللّه و آياته فى السماء و الأرض، ليورث ذلك اليقين باللّه و أسمائه و أفعاله، لأنّها آثار و أدلّة، و العلم بالدليل يوجب العلم بالمدلول بالضرورة.

و الثانى هو الرجوع إلى النفس، و معرفة الحقّ سبحانه من طريقها. إذ هى غير مستقلّة الوجود محضا، و معرفة ما هو كذلك من حيث هو كذلك، لا تنفكّ عن معرفة المستقل الذى يقوّمه، أو المعرفتان واحد بوجه.

فهذان طريقان، إلاّ انّ الحقّ انّ السير الآفاقى وحده لا يوجب معرفة حقيقية، و لا عبادة حقيقية، لانّ ايجاب الموجودات الآفاقية للمعرفة، إنّما هو لكونها آثارا و آيات؛ لكنها توجب علما حصوليا بوجود الصانع تعالى، و صفاته.

____________

(20) الشورى/20.

(21) فاطر/10.

46

و هذا العلم متعلّق بقضية ذات موضوع و محمول واقع عليها، و هما من المفاهيم.

و الحقّ سبحانه، قد قام البرهان على انّه سبحانه وجود محض، لا مهيّة له، فيستحيل دخوله فى الذهن، لاستلزام ذلك مهيّة خالية فى نفسها عن الموجودين؛ موجودة تارة بوجود خارجى، و أخرى بوجود ذهنى، و هى مفقودة هيهنا.

فكلّ ما وضعه الذهن، و تصوّره واجبا، و حكم عليه بمحمولاته من الأسماء و الصفات، فهو غيره سبحانه ألبتّة.

و إلى ذلك يشير ما فى توحيد الصدوق، مسندا عن عبد الأعلى، عن الصادق-عليه السّلام-، فى حديث: «و من زعم أنّه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال، فهو مشرك؛ لأنّ الحجاب و الصورة و المثال غيره، و إنّما هو واحد موحّد، فكيف يوحّد من زعم انّه عرفه بغيره؟إنّما عرف اللّه من عرفه باللّه؛ فمن لم يعرفه به، فليس يعرفه، إنّما يعرف غيره.

ليس بين الخالق و المخلوق شى‏ء، و اللّه خالق الأشياء لا من شيى‏ء، يسمّى بأسمائه، فهو غير اسمائه، و الأسماء غيره، و الموصوف غير الواصف. فمن زعم انّه يؤمن بما لا يعرف، فهو ضالّ عن المعرفة. لا يدرك مخلوق شيئا إلا باللّه، و اللّه خلو من خلقه، و خلقه خلو منه، الحديث» .

قوله-عليه السّلام-: «و انّما هو واحد موحّد» ، أى واحد محض لا كثرة فيه. فيه اشارة إلى «برهان امتناع أن يكون معرفة الغير مستلزمة لمعرفته سبحانه» ؛ بأن يقال: إنّ العلم عين المعلوم بالذات، كما برهن عليه فى محلّه، فيمتنع أن يكون العلم بالشى‏ء علما بشى‏ء آخر مباين له، و إلاّ كان المتباينان واحدا، هذا خلف.

فاستلزام العلم بشى‏ء علما بشى‏ء آخر، موجب لوجود اتّحاد ما بين الشيئين. و حيث فرضا شيئين، ففيهما جهة اتحاد، وجهة

47

اختلاف. فكلّ منهما مركب من جهتين، و الحقّ سبحانه واحد بسيط الذات، لا تركّب فيه بوجه. فيمتنع أن يعرف بغيره؛ و إليه يشير- عليه السّلام-بقوله: «ليس بين الخالق و المخلوق شى‏ء... » . و قوله-عليه السّلام-: «فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف، فهو ضالّ عن المعرفة... » ، تفريع لقوله-عليه السّلام-السابق: «إنّما عرف اللّه من عرفه باللّه... » .

و قوله: «لا يدرك مخلوق شيئا إلاّ باللّه» ، بمنزلة البرهان عليه؛ بانّ كلّ شى‏ء معروف باللّه الذى هو نور السموات و الأرض، فكيف يعرف بغيره؟لأنّه مقوّم كلّ ذات غير متقوم بالذات. و العلم بغير المستقلّ ذاتا بعد العلم بالمستقلّ الذى يقوّمه، لأنّ وقوع العلم يقتضى استقلالا فى المعلوم بالضرورة، فالعلم بغير المستقلّ إنّما هو بتبع المستقل الذى هو معه؛ هذا!

و حيث أوهم ذلك حلولا أو اتّحادا-تعالى اللّه عن ذلك -، أعقب-عليه السّلام-ذلك بقوله: «و اللّه خلو من خلقه و خلقه خلو منه... » .

و القول بكون إدراك المخلوق كلّ شى‏ء باللّه، لا ينافى صدر الرواية من نفى استلزام العلم بالشى‏ء علما بغيره؛ لأنّ العلم الذى فى صدر الرواية علم حصولى، و الذى فى الذيل حضورى؛ هذا!

و الروايات فى نفى أن تكون المعرفة الفكرية معرفة بالحقيقة، كثيرة جدّا.

فقد تحصّل أنّ شيئا من هذه الطرق، غير طريق معرفة النفس، لا يوجب معرفة بالحقيقة.

و أمّا طريق معرفة النفس فهو المنتج لذلك. و هو أن يوجّه الانسان وجهه للحقّ سبحانه، و ينقطع عن كلّ صارف شاغل عن نفسه‏

48

إلى نفسه، حتّى يشاهد نفسه كما هى، و هى محتاجة لذاتها إلى الحقّ سبحانه.

و ما هذا شأنه، لا ينفكّ مشاهدته عن مشاهدة مقوّمه، كما عرفت. فإذا شاهد الحقّ سبحانه، عرفه معرفة ضرورية، ثم عرف نفسه به حقيقة، لكونها قائمة الذات به سبحانه؛ ثم يعرف كلّ شى‏ء به تعالى.

و إلى هذا يشير ما فى تحف العقول، عن الصادق-عليه السّلام -، فى حديث: «من زعم أنّه يعرف اللّه بتوهّم القلوب، فهو مشرك؛ و من زعم أنّه يعرف اللّه بالإسم دون المعنى، فقد أقرّ بالطعن، لأنّ الإسم محدث؛ و من زعم أنّه يعبد الإسم و المعنى، فقد جعل مع اللّه شريكا؛ و من زعم أنّه يعبد بالصفة لا بالإدراك، فقد أحال على غايب؛ و من زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة، فقد صغّر بالكبير؛ و ما قدروا اللّه حقّ قدره‏ (22) » .

قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟قال-عليه السّلام-:

«باب البحث ممكن، و طلب المخرج موجود. إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته، و معرفة صفة الغايب قبل عينه» .

قيل: و كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته؟قال- عليه السّلام-: «تعرفه، و تعلم علمه، تعرف نفسك به، و لا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، و تعلم أنّ ما فيه له و به، كما قالوا ليوسف:

«أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قََالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هََذََا أَخِي» (23) ، فعرفوه به، و لم يعرفوه بغيره، و لا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب. الخبر» .

قوله-عليه السّلام-: «و تعلم علمه... » بفتح العين و اللام بمعنى العلامة؛ أو خصوص الإسم، أى تعرفه، ثم تعلم علائمه و أوصافه به و نفسك به، لا بغيره؛ و كونه بكسر العين و سكون اللام، يوجب تكلّفا

____________

(22) الانعام/91.

(23) يوسف/90.

49

فى التوجيه.

و أنت بعد التأمّل فى معنى هذه الرواية الشريفة التى هى من غرر الروايات و خاصّة فى تمثيله بمعرفة إخوة يوسف-عليه السّلام- له، تقدر أن تستخرج جميع الاصول الماضية فى الفصول السابقة من هذه الرواية وحدها، فلا نطيل البيان.

و بالجملة فإذا شاهد ربّه، عرفه و عرف نفسه و كلّ شى‏ء به، و حينئذ يقع التوّجه العبادى موقعه، و يحلّ محلّه، إذ بدونه كلّ ما توجّهنا إليه فقد تصوّرنا شيئا، كائنا ما كان. و هذا المفهوم المتصوّر، و الصورة الذهنية، و كذا مطابقه المحدود المتوهّم، غيره سبحانه. فالمعبود غير المقصود.

و هذا حال عبادة غير العارفين من العلماء باللّه، و قبول هذا النحو من العبادة مع ما عرفت من شأنها من فضل اللّه تعالى محضا.

قال سبحانه: «وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مََا زَكى‏ََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً» (24) .

و هذا بخلاف عبادة العارفين باللّه المخلصين له، فإنّهم لا يتوجّهون فى عبادتهم لا إلى مفهوم، و لا إلى مطابق مفهوم، بل إلى ربّهم-جلّت عظمته و بهر سلطانه-.

قال سبحانه: «سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يَصِفُونَ `إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ اَلْمُخْلَصِينَ» . (25) و من هنا يظهر أنّ المراد بالمخلصين، هم الذين أخلصوا (بالبناء للمجهول) للّه سبحانه؛ فلا حجاب بينهم و بينه، و إلاّ لم يقع وصفهم موقعه. و حيث انّ الخلق هم الحجاب، كما قال سيدنا موسى بن جعفر-عليه السّلام-: «لا حجاب بينه و بين خلقه إلاّ خلقه،

____________

(24) النور/21.

(25) الصافات/160.

50

الحديث» ، فهم لا يرون الخلق و انّما يقصدون الحقّ سبحانه.

و فى تفسير العسكرى-عليه السّلام-، و قال محمّد بن على الباقر-عليه السّلام-: «لا يكون العبد عابدا للّه حقّ عبادته حتّى ينقطع عن الخلق كلّهم إليه. فحينئذ يقول: هذا خالص لى؛ فيقبله بكرمه» .

و قال جعفر بن محمّد-عليه السّلام-: «ما أنعم اللّه على عبد أجلّ من أن لا يكون فى قلبه مع اللّه غيره» .

و قال محمّد بن على يعنى الجواد-عليه السّلام-: «أفضل العبادة، الإخلاص» .

و ممّا مرّ من البيان أيضا يظهر معنى قوله سبحانه حكاية عن إبليس: «فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ `إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ» (26) ؛ و قوله سبحانه: «فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ `إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ اَلْمُخْلَصِينَ» (27) ، الآيات.

إذ هؤلاء مستغرقون فيه سبحانه، و لا يرون إبليس، و لا وسوسته و لا إحضارا، و لا حسابا. و إليه الإشارة فى الحديث القدسى: «أوليائى تحت قبائى، أوردائى» ، و إلى ذلك يرجع الحديث الأمن المتقدّم المروى عن يونس.

و المحصّل انّ طريق معرفة النفس هى الموصلة إلي هذه الغاية، و هى أقرب الطرق فحسب. و ذلك بالإنقطاع عن غير اللّه، و التوجّه إلى اللّه سبحانه بالإشتغال بمعرفة النفس كما يتحصّل عن خبر موسى- عليه السّلام-المتقدّم: «ليس بينه و بين خلقه حجاب إلاّ خلقه؛ فقد احتجب بغير حجاب محجوب، و استتر بغير ستر مستور، الحديث» .

و هذا الحديث الشريف أجمل بيان لأحسن طريق. فيبتدى

____________

(26) ص/83.

(27) الصافات/128.

51

بالأسباب الواردة شرعا للإنقطاع، من التوبة، و الإنابة، و المحاسبة، و المراقبة، و الصمت، و الجوع، و الخلوة، و السهر، و يجاهد بالاعمال و العبادات؛ و يؤيّد ذلك بالفكر و الإعتبار، حتى يورث ذلك انقطاعا منها إلى النفس، و توجّها إلى الحقّ سبحانه، و يطلع من الغيب طالع، و يتعقّبه شى‏ء من النفحات إلالهية و الجذبات الربانية، و يوجب حبّا و إشرافا، و ذلك هو الذكر.

ثم لا يزال بارق يلمع، و جذبة تطلع، و شوق يدفع، حتى يتمكّن سلطان الحبّ فى القلب، و يستولى الذكر على النفس، فيجمع اللّه الشمل، و يختم الأمر و انّ إلى ربّك المنتهى.

و اعلم أنّ مثل هذا السائر الظاعن مثل من يسلك طريقا قاصدا إلى غاية. فانّما الواجب عليه أن لا ينسى المقصد، و أن يعرف من الطريق مقدار ما يعبر منه، و أن يحمل من الزاد قدر ما يحتاج إليه.

فلونسى مقصده آنا مّا هام على وجهه حيران، و ضلّ ضلالا بعيدا.

و لو ألهاه الطريق و مشاهدته و ما فيه، بطل السير، و حصل الوقوف.

و لو زاد حمل الزاد، تعوّق السعى، وفات المقصد. و اللّه المستعان سبحانه.

فإن قلت: هب انّه ثبت بهذا البيان على طوله انّ أقرب الطرق إلى اللّه سبحانه طريق معرفة النفس، لكن لم يثبت بذلك وجود بيان خاص فى الشريعة لهذا الطريق، يتبيّن به كيفية الدخول و الخروج فيه، و شئون سلوكه على دقته و خطره و كثرة اهواله و مخاطره و عظم تهلكته و بواره. فأين البيان الوافى بجميع هذه الخصوصيات الفارق بين المنجيات و المهلكات؟

52

قلت: قد أشرنا فى الفصل الثانى من هذه الرسالة إلى أنّ البيانات الواردة فى الكتاب و السّنة بيان واحد، و إنّما الاختلاف فى ناحية الأخذ و التفاوت فى إدراك المدركين.

و السير إليه سبحانه، الذى هو أيضا نتيجة الفهم و العلم، يختلف باختلافه، و ينشعب بانشعابه.

و لعمرى هو من الوضوح بمكان. و قد ذكرنا هناك انّ الناس على طبقات مختلفة، كل طبقة تأخذ على طبق فهمه، و يعمل على و تيرته.

فإذا فرضنا واحدا من العامّة، و بغيته الدنيا و زخارفها، يبيت و هو يفكّر فى تدبير معاش غده، كيف يبيع و يشترى؟و أين يذهب غدا؟ و من يلاقى؟و يصبح، و همّه تدبير أمر يومه، و إصلاح شأنه فى الدنيا.

إذا سمع داعى اللّه بشيرا و نذيرا يبشّر بمغفرة من اللّه و رضوان و جنات لهم فيها نعيم مقيم، و ينذر بنار وقودها الناس و الحجارة و سائر ما أعدّ اللّه للظالمين؛ فلقصور همّته، و اختصاص همّه بما يشبعه و يرويه، لا يجد مجالا للغور فى آيات اللّه و كلماته. و إنّما يؤمن بإجمال ما سمع، و يدين من الأعمال الصالحة بما لا يزاحم ما يبتغيه من الدنيا. فالدنيا عنده هو الأصل، و الدين تبع؛ فلذلك يضادّ فعله قوله، و عمله علمه.

تراه يقول: إنّ اللّه سميع بصير، و هو يقترف كلّ منكر، و يترك كلّ واجب.

و تراه يؤمن بانّ اللّه هو الولىّ، و إليه المصير؛ و هو يخضع و يعبد كلّ ولىّ من دون اللّه، و يهرع إلى كلّ شيطان يدعوه إلى عذاب السعير إذا استشعر هناك يسير شى‏ء من زخارف الدنيا؛ و لا يرقى فهمه إن استفهمته أنّه لا يرى غير الجسم و الجسمانيات شيئا، و فوق هذه الأوهام الدائرة أمرا. غ

53

يؤمن بأنّ للّه عرشا يصدر عنه أحكام خلقه، و يجريه عمال ملائكته فى السموات و الأرض، و هى ملكه، و اولوا العقل من الخلق رعيّته، و هم هذه الأبدان المحسوسة، كلّفهم بتكاليف ما دارت الدنيا على الإختيار، ثمّ يميت اللّه الخلق، و يعد مهم بعد الوجود. ثم يأتى على الدنيا و هى خربة يوم يحيى اللّه فيه الخلق، و يجمعهم ليوم الجمع، ثم يجزى الصالحين بجنة ما فيها غير مشتهى النفس، و هى البدان الدنيوى؛ و الظالمين بنار ما فيها غير اللهب و الشرر. كلّ ذلك على نسق ما يتّخذه الملك منا من لوازم الأبّهة و العزّة و إجراء الحكم و مجازاة الرعية و سياسة الملك، لا شى‏ء أرفع من ذلك.

فهذه طبقة، و ذلك مقامهم فى العمل و العلم.

و إذا فرضنا واحدا من الزاهدين و العابدين، و هم الناظرون بنظر الإعتبار إلى فناء الدنيا و زخارفها و غرورها و نفادها، و بقاء ما عند اللّه سبحانه، المستعدّون للزهد و العبادة، سمع داعى الحقّ يدعوه إلى الانسلال من أكاذيب مشتهيات الدنيا، و الإقبال إلى عبادة اللّه، لتحصيل النجاة من أليم العذاب و الفوز بنعمة لا تفنى، و ملك لا يبلى؛ تمكّنت خشية اللّه فى قلبه، و صار الموت نصب عينه. فأخرجت حبّ الدنيا و همّ المعاش من قلبه، و لم يكن له همّ إلاّ الزهد عن الدنيا، أو صالح العمل للّه طمعا فى مرضاته. فيهذّب صفات نفسه، و يصلح جهات عمله، و يتّقى ما يسخط اللّه سبحانه فيما يستقبله. كلّ ذلك طمعا فى نعيم مخلّد، و حذرا من عذاب سرمد.

و لو أجدت التأمّل فى حاله، و ما يريده فى مجاهدته، وجدته لا يريد إلاّ مشتهى نفسه. فهو يحبّ نفسه لما سمع من الحقّ انّها خلقت للبقاء لا للفناء، فيحبّها، و يحبّ مشتهاها، و يزهد فى الدنيا لما يرى من فنائها و زوالها.

54

فلو انّ الدنيا دامت بأهلها، و تخلّد نعمها و مشتهياتها، و انمحت عنها مكارهها، لم ينقص من مبتغى هذا العامل المجاهد شيئا. و من هنا تعلم أنّ الكمال عند هذا الرجل، هو مشتهيات النفس من النعم الدنيوية المادّية؛ لكنّه يراها مقرونة بالنواقص و الموانع، فيطلب مشتهيات من جنسها خالية من كدوراتها. فيرى الدار الاخرة من عرصات الدنيا و خواتمها، و يعتقد أنّ يوم القيمة من أيّامها.

فنفسه واقفة على هذه المرتبة الجسمية، لم ترق عنها ليأسها عن أشرف منها. فلا يريد كمالا أشرف من الكمال الجسمى، إذا لم يعهده و لم يعتقد به. فهو نازل عن مرتبة العلم باللّه، واقف فى مرتبة العمل، يتقلّب بين أطوار الحيوة من قول و عمل و خلق حسن كأنّ أستار الغيب مرتفعة عنه، و كأنّ ماوراء الحجاب مكشوف له، لا يستفزّ عن عينه، و ليس كذلك.

و هو المأيوس عن مشاهدة ماوراء الحجاب، و فد وطّن نفسه لما بعد الموت. فإنّما له صالح العمل و جزيل الثواب فحسب، لا يرزق خيرا من ذلك.

«وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ وَ لََكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ بِعِبََادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» (28) .

و هولاء أيضا طبقة، و ذلك مقامهم فى العلم و العمل؛ يشتركون الطبقة الاولى فى العلم، و يفترقون عنهم فى العمل.

و إذا فرضنا واحدا من المحبّين المشتاقين، و هو رجل أخذته بارقة الحبّ، و جذبته جذبة الشوق إلى لقاء اللّه سبحانه؛ فانهدّت أركانه، و اضطربت أحشائه، و حار قلبه، و طار عقله، و انسلّ عن الدنيا و زخارفها، و لم يقع همّه على العقبى و نعيمها، و لا دين للمحبّ إلاّ

____________

(28) الشورى/27.