مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي و الخلافة الراشدة

- محمد بن يوسف الگنجي الشافعي‏ المزيد...
456 /
1

مقدّمة الطّبعة الخامسة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسوله المصطفى‏

لم يكن يتوقع أن تنفد نسخ الكتاب هذه المرة بسرعة غريبة، في سنتين فحسب، لما بلى لبنان بلد الناشر بالحوادث و الكوارث الهائلة، الخارجية و الداخلية. و لكن اللّه يفعل ما يريد و هو خير حافظا و أرحم الراحمين. و إن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها.

و أستفيد من الفرصة التي اتيحت لي بالطبعة الجديدة لتصحيحات و زيادات. و فضّل الناشر أن يجمعها كلها في آخر الكتاب في ذيل. و العذر عند كرام القراء مأمول.

صدر منذ قليل الطبعة الجديدة لتأليف الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، من الرياض، سمّاه «كتّاب النبي صلى اللّه عليه و سلّم». و فيه تفاصيل مفيدة لديوان الإنشاء لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و بلغ عنده عدد الذين كتبوا للنبي (عليه السلام ) واحدا و ستين. و لكن مع اختصاصات: فبعضهم كان يشتغل بالمسائل العسكرية مثل تدوين أسماء المتطوّعين للغزوات و السرايا، و تسجيل المغانم و تقسيمها، و آخرون يكتبون إلى الملوك أو يشتغلون بكتابة المعاملات، و آخرون بالزكاة و الصدقات، إلى غير ذلك. و لا يبقى أدنى شبهة أن النبي (عليه السلام ) كان قد أسّس ديوان الجيش، و كان يعطي المعاش للجنود حتى يكونوا دائما على أهبة للخروج في البعوث. فقد ذكر الامام محمد

2

الشيباني في السير الكبير: «و الأصل فيه ما روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جعل محمية بن جزء الزبيدي على خمس بني المصطلق؛ و كانت تجمع إليه الاخماس (في كل غزوة). و كانت الصدقات على حدة، لها أهل، و للفي‏ء أهل. و كان يعطي من الصدقة اليتيم و الضعيف و المسكين. فاذا احتلم اليتيم، و وجب عليه الجهاد، نقل إلى الفي‏ء. و إن كره الجهاد لم يعط من الصدقة شيئا، و أمر أن يكسب لنفسه». (شرح السير الكبير للسرخسي، باب 105، رقم 1978 من طبعة المنجّد).

و لمّا دوّن سيدنا عمر الدواوين في خلافته لم يعمل إلا استدامة النظام الاداري الذي ورثه من العصر النبوي على صاحبه الصلاة و السلام.

أما طريق الكتابة فيمكن لنا أن نستنبطه مما ذكره ابن عبد البر: «روى ابن القاسم، عن مالك، قال بلغني أنه ورد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كتاب، فقال: من يجيب عني؟ فقال عبد اللّه بن الأرقم: أنا. فأجاب عنه، و أتى به، فأعجبه و أنفذه ... و ذكر موسى بن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد اللّه بن الزبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم استكتب عبد اللّه بن الأرقم، فكان يجيب عنه الملوك. و بلغ أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك، فيكتب، و يأمره أن يطيه (يطويه) و يختمه، و ما يقرأه لامانته عنده. (الاستيعاب، مادة عبد اللّه بن الأرقم).

و ذكر الجهشياري: كان حنظلة بن الربيع بن صيفي، ابن أخي أكثم بن صيفي الاسدي، خليفة كل كاتب من كتّاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا غاب عن عمله. فغلب عليه اسم «الكاتب». و كان يضع عنده خاتمه. و قال له:

«الزمني: و اذكرني لكل شي‏ء لثالثة. فكان لا يأتي على مال و لا طعام ثلاثة أيام إلا أذكّره، فلا يبيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و عنده شي‏ء منه» (الوزراء و الكتّاب، ص 12- 13، الأعظمي، ص 55).

و ذكر ابن سعد: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عمرو بن العاص إلى جيفر و عبد، ابني الجلندى. فاتصل عمرو بعبد بن الجلندى الذي أوصل‏

3

عمرا إلى أخيه جيفر. قال عمرو بن العاص: «فدخلت عليه، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففضّ خاتمه و قرأه». (الطبقات، 1/ 662 كما ذكره الأعظمي، ص 29).

و الذي يهمنا هاهنا خاصة هو مسألة احتفاظ نقول الوثائق في العصر النبوي. فقال المقريزي (في إمتاع الاسماع، 1/ 107، ثم كرّر مرة أخرى فيما بعد، فراجع مخطوطة كوبرولو باستانبول ص 1035- 1036) أن وثيقة دستور دولة المدينة، مع ذكر المعاقل و الديات، كانت معلقة بسيف النبي (عليه السلام ). و بعد وفاته كان السيف و ما عليها عند سيدنا علي بن أبي طالب. و ذكر البلاذري: «خاصم العباس عليا رضي اللّه عنهما إلى أبي بكر، فقال: العم أولى أو ابن العم؟ فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: العم. فقال: ما بال دروع النبي، و بغلته دلدل، و سيفه عند علي؟ فقال أبو بكر: هذا شي‏ء وجدته في يده، فأنا أكره نزعه منه. فتركه العباس». (أنساب الاشراف، 1/ 525، رقم 1056) و صحيفة علي، في أثناء خلافته شهيرة، كثر ذكرها (صحيح البخاري 3/ 39/ 1، 58/ 10، 58/ 17/ 2، 96/ 5/ 2، 29/ 1/ 4، 87/ 24، 87/ 31، 85/ 21/ 1، و المصنّف لعبد الرزاق رقم 18847، 18848، و سنن أبي داود 11/ 95- 96، و طبقات ابن سعد 3/ 1 ص 206، و تقييد العلم للخطيب البغدادي، ص 88- 89 إلى غير ذلك) و كانت تشتمل كما يظهر على ثلاث وثائق على الأقل: دستور المدينة، و حرم المدينة، و أسنان الإبل و الجراحات (راجع الوثائق 1، 39، 104/ الف، ب، ج، 106، 106/ د).

و من واجبي أخيرا أن أكرّر شكري للأخ الناشر، جزاه اللّه في الدارين خيرا لاعتنائه هذا بالسيرة النبوية «و قل رب زدني علما».

باريس يوم ميلاد النبي (عليه السلام ) 1405

الفقير إلى اللّه‏

محمد حميد اللّه‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

محتويات الكتاب‏

مقدمة الطبعة الخامسة أ

مقدمة الطبعة الرابعة 9

مقدمة الطبعة الثالثة 13

مقدمة الطبعة الثانية 21

مقدمة الطبعة الأولى 23

حل رموز الاختصارات 36

تطابق أرقام الوثائق في المجموعة العربية و ترجمتها الفرنسية 37

القسم الأول: العهد النبوي قبل الهجرة (الوثيقة*-*/ ز) 41

القسم الثاني: العهد النبوي بعد الهجرة 55

كتابه صلى اللّه عليه و سلم بين المهاجرين و الأنصار و اليهود (وثيقة 1) 57

تحريم المدينة المنورة (1/ ألف) 64

مكة و قريش (2- 14/ ب) 66

اليهود (14/ ج- 20) 92

الدولة الرومية (البيزنطية)

الحبشة (20/ ألف- 25) 99

الشام و قيصر الروم (26- 34/ ألف) 107

معان (35- 36) 125

الغسانيون (37- 40) 126

قبائل العرب في حماية الروم (لخم و الداريون و بلىّ و غيرها) 41- 48 128

مصر (49- 52) 135

الدولة الفارسية و لواحقها

كسرى و عماله (53- 55) 139

البحرين (56- 67) 144

اليمامة (68- 75) 156

عمان (76- 78/ ألف) 161

6

نجران (بلحارث و نهد) (79- 92) 165

نصارى نجران و نبي المدرك و أهل رعاش (93- 104/ د) 174

اليمن و حضرموت (105- 138/ ألف، ب، ج) 206

بكر بن وائل و تميم (139- 150) 253

القبائل العربية

جهينة (151- 158) 262

ضمرة و غيرها (158/ ألف- 161) 266

أشجع و مزينة (162- 164/ ألف) 268

أسلم (165- 170) 271

خزاعة و جذام و قضاعة و غيرها (171- 180) 273

الطائف (181- 184 ألف) 283

جرش و غيرها (185- 189/ ألف) 289

دومة الجندل و قبيلة كلب (190- 192) 293

طي‏ء (193- 201/ ج) 298

أسد (202- 204) 303

مسيلمة الكذاب (205/ ألف- 206) 304

سليم (207- 215) 306

قبائل أخرى (215/ ألف- 246/ و) 311

أخبار الرّدة (247- 287) 332

خطبة حجة الوداع (287/ ألف) 360

القسم الثالث: الخلافة الراشدة 369

خلافة أبي بكر (287/ ألف- 302/ د) 371

خلافة عمر (302/ ه- و- 369) 393

مراسلات سعد بن أبي وقاص و فتح فارس و العراق (303- 325/ ه) 409

مراسلات أبي موسى الأشعري و غيره (326- 330) 424

معاهدات مع أهل مدن ايرانية (331- 345) 440

معاهدات مع أهل مدن أرمينية (346- 351) 452

7

معاهدات مع أهل الشام و فلسطين (352- 361/ ج) 457

مراسلات عمرو بن العاص و فتح مصر (362- 367) 497

معاهدات مع أهل المغرب و النوبة (368- 369) 507

خلافة عثمان (370- 371/ ألف) 532

خلافة علي (372- 374) 538

كتاب معاوية أمير الشام الى قيصر قسطنط الثاني (373) 544

القسم الرابع: ضميمة 547

في ذكر ما نسب إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم من العهود لليهود و النصارى و المجوس (الضمائم: ألف، ب، ج، د) 549

كتاب عزاء إلى معاذ بن جبل حين مات ابنه (ضميمة ه) 566

كتاب النبي لبني زاكان (ضميمة و) 568

كتاب النبي إلى مجهول (ضميمة ز) 569

كتاب النبي إلى عمّاله (ضميمة ح) 572

كتاب عمر و كتاب علي لآل بني كاكلة (ضميمة ط) 578

شرح الألفاظ 579

تذكرة المصادر 645

فهرست الأسماء و الأعلام 665

فهرست الأنساب 701

ملحق (تصحيحات و إضافات و استدراكات على الطبعة الرابعة) 711

فهرست الصور كتابة على جبل سلع بالمدينة المنورة فيها أسماء النبي و أبي بكر و عمر و علي 32

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى النجاشي 102

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم الى هرقل 108

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم لحنينا و لأهل خيبر و المقنا 123

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى المقوقس 137

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى كسرى 141

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى المنذر بن ساوى 147

8

كتاب النبي صلى الله عليه و سلم إلى جيفر و عبد ابني الجلندي 162

كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى ملوك حمير 225

كتاب عمر الفاروق على جبل سلع بالمدينة المنورة 408

فهرست الخرائط و الجداول خريطة أحد و الخندق 71

خريطة غزوة أحد 78

خريطة غزوة بدر 79

خريطة فتح مكة 88

حدود حرم مكة 89

جزيرة العرب على عهد النبي 257

خريطة حرب اليرموك 397

خريطة حدود الروم و الفرس 398

خريطة الفتوح الإسلامية 498- 499

جدول الأنساب العدنانية/ في آخر الكتاب‏

جدول الأنساب القحطانية/ في آخر الكتاب‏

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة الطّبعة الرابعة

الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه. و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المصطفى رسول اللّه و خير خلق اللّه، و على آله و صحبه و من اتّبعه و اقتداه.

أما بعد فان النشرة الثالثة لهذا التأليف كانت قد صدرت في بيروت قبل خمس عشرة سنة تقريبا. و نفدت النسخ، و الطلب جار بل زائد. فجزى اللّه الناشر الذي ألهمه اللّه الاعتناء باعادة طبعه. فأستفيد من هذه الفرصة لأضيف إلى متن الكتاب كل جديد عثرت عليه في السنين الماضية إما كزيادة أو تكميل أو تصحيح، فأبى اللّه العصمة إلا لكتابه. بلغت الزيادات فحسب إلى 12 وثيقة غير مكتوبة، و 18 مكتوبة للعصر النبوي على صاحبه الصلاة و السلام، و 178 لعهد الخلفاء الراشدين رضوان اللّه عليهم أجمعين.

و أكثرها من فتوح الشأم للازدي‏

في مقدمتي للطبعة الثالثة كنت ذكرت كتابا مخطوطا في الموضوع، بعبارات تركية. و بفضل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية (و خاصة باعتناء الصديق المرحوم رشاد عبد المطلب) حصلت على عكوس شمسية لهذه الرسالة. و هاكم مزاياها:

اسم الكتاب «نامهاي سعادت و مكاتيب صحابه رسالت» (أي رسائل‏

10

النبي و أصحابه). ليس عليه اسم المؤلف، و لا فيه مقدمة، بل يبتدئ رأسا بالرسائل، و عنوان كل رسالة باللغة التركية، إلّا أن نصوص الرسائل كلها بالعربية بدون ترجمة. و بالهامش أحيانا بعض التفاصيل لهذه الرسائل باللغة التركية. إن ناسخ الرسالة هو القاضي السيد أحمد رفعت، من مدرسة شمسي باشا في أسكدار (إستانبول، قسم آسيا)، و لعله هو المؤلف. و كمل الاستنساخ في 13 رجب 1265 ه. و لم يشر المؤلف إلى مصادره. و فيه 31 من الرسائل حسب التفصيل الآتي (و قلّ ما لم نعرفه):

1) عهده صلى اللّه عليه و سلم للنصارى- راجع ذيل (د) في كتابنا هذا.

2) إلى الحارث بن أبي شمر- رقم 37.

3) إلى كسرى- رقم 53.

4) إلى النجاشي- رقم 21.

5) إلى المقوقس- رقم 49.

6) إلى المنذر بن ساوى- رقم 57.

7) إلى جيفر بن الجلندي و عبد بن الجلندي- رقم 76

8) إلى هرقل- رقم 26.

9) إلى يحنّة بن رؤبة- رقم 31/ ألف.

10) إلى أهل أذرح- رقم 32/ ألف.

11) إلى أبي ضميرة الحبشي- رقم 244.

12) إلى العدّاء بن خالد- رقم 224.

13) لبني ضمرة- رقم 159.

14) إلى هوذة بن علي- رقم 98.

15) كتاب أبي بكر في الزكاة- رقم 302/ ب- ج/ 1.

16) من أبي بكر إلى أهل مكة استنفارا.

17) من أبي بكر إلى خالد بن الوليد.

18) كتاب عمر في الزكاة و الصدقة.

19) كتاب عمر إلى أبي عبيدة للتأمير.

11

20- 23) كتب عمر إلى أبي عبيدة.

28) من أبي عبيدة إلى عمر.

29) من خالد بن الوليد إلى أبي بكر زمن حرب الأجنادين.

30) كتاب النجاشي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و استفدنا من هذا التأليف حق الاستفادة.

ثم إن أهم ما حدث منذ النشرة السالفة هو ظهور أصلين لرسائل النبي عليه الصلاة و السلام: إلى هرقل عظيم الروم، و إلى جيفر و عبد ابني الجلندي ملكي عمان.

أما أصل مكتوب جيفر فقد نشرت صورته الشمسية إحدى جرائد تونس، رأيتها عند بعض الإخوان في باريس في السنة 1400 ه، بدون أن أعرف اسم الجريدة أو تأريخ نشرها. و نستعد بنشر هذه الصورة إزاء الوثيقة 76.

و أما أصل مكتوبه صلى اللّه عليه و سلم إلى هرقل فلا نعرف كيف وصل إلى الملك عبد اللّه من الأردن فكان عنده ثم عند بعض جواريه. و بعد وفاته أخذته معها، إلى سويسرا، و باعته من سلطان أبي ظبي و لما علم ذلك الملك الحسين من الاردن، استدل بحق شفعته. فقبله صاحب أبي ظبي في جميل أخلاقه الاسلامية، فرجع أصل المكتوب الشريف إلى عمّان و هو محفوظ هناك. و قد نشرنا عنه مقالا خاصا ذكرناه في مصادر الوثيقة 26.

و سوى هذا وصلت الى علمنا كتب ألّفت في موضوع رسائل النبي عليه الصّلاة و السلام على أيدي عديد من علماء اليمن و إيران. فاستفدنا منها كما استفدنا من جميل أخلاق بعض الأصدقاء الذين لفتوا نظرنا إلى ما جهلنا و علموا. منهم الأستاذ الكبير محمد مصطفى الأعظمي، و الصديق الحميم إحسان ثريا صيرما. جزاهما اللّه عن العلم خير الجزاء.

و من واجبي ان أثبت تقديري العظيم للاستاذ علي كوليسنيكوف.Kolesnikov I Aliy من روسيا، و لم أكن أعرفه، فتفضل و أرسل إليّ مقالة له استفدت منها شاكرا في الوثيقة 53، فكملت المعلومات. كثّر الله فينا أمثاله.

12

و أخيرا، لا بد من الاعتذار إلى قرّاء كتابنا و المستفيدين منه فيما يتعلق بأرقام الوثائق. في الطبعة الأولى لم تكن إلا أرقام متوالية، أما الآن هناك زيادات رقّمناها كألف، ب و غير ذلك. و السبب هو أن الذين استفادوا من الطبعة القديمة و أشاروا إلى وثيقة برقمها، فلو قرأه أحد ثم يبحث في الوثيقة في الطبعة الجديدة من كتابنا لن يجدها في محلها لو غيّرنا الأرقام في كل طبعة جديدة مع زياداتها. و العذر عند كرام الناس مأمول.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

باريس 5 ذي الحجة 1401 ه.

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة الطّبعة الثالثة

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد سيد المرسلين، و على آله و صحبه و من تبعه أجمعين.

أما بعد فقد مضى أكثر من عشر سنوات على الطبعة السابقة لهذا الكتاب و قد نفدت نسخه منذ زمن غير قريب، و ازداد الإقبال على طلبه من كل حدب و صوب. و قدّر اللّه أن لا تكون مصر العزيزة الآن في موقف تستطيع الاضطلاع فيه بإخراج الطبعة الجديدة لهذه المجموعة. و كان من الناشر الكريم أن سمح لي بأن أنشر الكتاب عند ما أتمكّن. فأنا أستفيد من استعداد دار الإرشاد في بيروت لتحقيق هذه البغية. و الخير فيما يختاره اللّه.

و الحقيقة أنني لم أنفكّ أبحث عن الوثائق المتعلقة بدراستي هذه في مظانّها، مطبوعة كانت أو مخطوطة. و أهمّها كتاب الأموال لابن زنجويه، و معجم الصحابة لابن قانع، و كتاب الأماكن للحازمي. و كلها من مكتبات تركيا العزيزة. و أحمد اللّه أنه قد تجمّع لديّ عدد جديد من هذه الوثائق، كما وقع بين يدي مصادر جديدة لبعض ما كان موجودا في الطبعات السالفة. و قد أحللت كل شي‏ء محلّه اللائق به، و سلكت في هذا مسلكي في الطبعة الثانية، فلم أغير أرقام الوثائق بل أشرت إلى الزيادات بالحروف أ، ب، ج، و على هذا القياس.

14

و مع شوقي إلى جمع كل ما نسب من المكتوبات إلى النبي عليه الصلاة و السلام فإنني لم أدوّن هاهنا إلّا ما ثبت أنه كان مكتوبا، و أبعدت كل ما لم يصرّح المصدر بأنه كان مكتوبا، حتى و لو غلب على ظني أنه كان كذلك. مثلا هناك روايات تثبت الإقطاع، و لم تكن الإقطاعات في عصر النبي صلى اللّه عليه و سلم إلا كتابة. و مع ذلك لم أدخل في مجموعتي هذه الروايات التالية لأن المصادر لا تصرّح بوجود الكتابة فيها:

1- أبيض بن حمّال استقطع الملح بمأرب، فأقطعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ثم أرجعه منه لأنه كان الماء العدّ، و أقطع له أرضا و نخيلا بالجرف- جرف مراد- حين أقاله منه. (سنن الدارقطني 2/ 519؛ سنن أبي داود 19/ 36).

2- شريس بن ضمرة المزني- و سمّاه النبي صلى اللّه عليه و سلّم شريحا- قال: يا رسول اللّه أقطعني ماء يقال له ثبير قال: قد أقطعتك. (الأماكن للحازمي، خطية، فصل 158).

3- العس العذري، استقطعه أرضا بوادي القرى، فأقطعه. فهي إلى اليوم تسمّى بويرة عسّ. (الأماكن للحازمي، خطية، فصل 126. زيادة الطبعة الرابعة).

4- عمرو بن سعد، لما وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم استقطعه ما بين السعدية و الشقراء. و هما ماءان. و الشقراء ماء لبني قتادة بن سكن.

(المحكم لابن سيده، مادة قشر، مقلوب).

5- فرات بن حيّان العجلي. أقطعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أرضا باليمامة. (الأموال لأبي عبيد، فصل 678).

6- أيضا. أقطعه بعد ذلك أرضا بالبحرين. معجم الصحابة لابن قانع، خطية كوبرولو باستانبول، ورقة 141/ ألف).

7- فمن بني صبح: معقل بن سنان بن نبيشة بن سلمة بن سلامان بن النعمان ابن صبح. أقطعه النبي صلى اللّه عليه و سلم قطيعة. (أنساب الأشراف‏

15

للبلاذري، القسم الذي لم يطبع بعد، خطية رئيس الكتّاب باستانبول 2/ 814).

8- نضلة بن عمرو الغفاري. إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أقطعه الصفراء. (معجم الصحابة لابن قانع، كما مرّ، ورقة 195/ ألف).

9- عظيم بن الحارث المحاربي. فخّ ماء، أقطعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. (الأماكن للحازمي، خطية لاله لي باستانبول، فصل 664).

10- عن الدارقطني أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أقطع أبا رافع أرضا.

(الأموال لأبي عبيد، حاشية المصحح على الفصل 1305، ص 450).

11- العرس و عمرو، ابنا عامر بن ربيعة بن هوذة بن عمرو بن عامر بن البكّاء بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. إنهما وفدا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأعطاهما مسكنهما من المصناعة و المرّان. (معجم الصحابة لابن قانع، كما مرّ، ورقة 119/ ألف. و أيضا ورقة 139/ ب؛ راجع أيضا أسد الغابة لابن الأثير، مادة عرس).

12- لما قدم النبي (عليه السلام ) المدينة أقطع أبا بكر و أقطع عمر. (الخراج لأبي يوسف ص 34).

13- قال عبد الرحمن بن عوف: قطع لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أرضا بالشأم، يقال لها السليل. فتوفى النبي صلى اللّه عليه و سلم و لم يكتب لي بها كتابا، و إنما قال: إذا فتح اللّه علينا الشأم فهي لك. (طبقات ابن سعد، 3/ 1، ص 89).

14- الأرقم بن أبي الأرقم، أقطعه صلى اللّه عليه و سلم دارا بالمدينة. (كتّاب النبي صلى اللّه عليه و سلم لمحمد مصطفى الأعظمي، ص 38، عن الاصابة لابن حجر 1/ 28، رقم 73).

15- لعلي بن أبي طالب: عن عمّار بن ياسر قال: أقطع النبي صلى اللّه عليه و سلم عليّا بذي العشيرة، من ينبع. ثم أقطعه عمر بعد ما استخلف قطيعة. و اشترى عليّ إليها قطيعة. و كانت أموال عليّ بينبع عيونا متفرّقة،

16

تصدّق بها. (وفاء الوفاء للسمهودي، طبعة جديدة، ص 1334).

16- بنو المداش: حائط بني المداش، موضع بوادي القرى، أقطعهم إياه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فنسب إليهم. (السمهودي أيضا، ص 1181).

17- جمرة بن النعمان بن هوذة العذري سيد بني عذرة، قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بصدقة بني عذرة. و أقطعه حضر فرسه و رمية سوطه من وادي القرى فنزلها إلى أن مات. (الوثائق السياسية اليمنية للأكوع الحوالي، ص 73 بالهامش، عن الاصابة لابن حجر رقم 1179، (و زاد: و منهم من قرأه حمزة بالحاء المهملة و الصحيح بالجيم).

18- قرط بن ربيعة الدماري وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أقطعه أرضا بحضرموت. هو دماري، من دمار أبين. (الاكوع الحوالي ص 136 عن مخطوطة التاريخ المجهول لوحة 85).

19- و هاجر العريان- و اسمه الحارث- النهمي، و شهد بعض أيام النبي (عليه السلام ) فقاتل في إزار بقوس و قرن. فقال النبي (عليه السلام ): من هذا العريان؟ فسمّي العريان. و له طعمة بجوف المحورة. و دخل معه في الطعمة النجدات. جوف المحورة بستان في الجوف، و كان لمراد.

(الأكوع الحوالي، ص 136 و ارجع إلى الإكليل للهمداني ج 10).

20- عمرو بن حريث قال: خطّ لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم دارا بالمدينة بقوس، و قال: أزيدك، أزيدك. (سنن أبي داود، كتاب 19، باب 36، حديث رقم 3).

21- الزبير بن العوام: عن أسماء ابنة أبي بكر (زوجة الزبير) قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على رأسي و هو منّي على ثلثي فرسخ ... أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير (البخاري 57/ 19/ 9، 67/ 107/ 5). «إن النبي صلى اللّه عليه و سلم أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها ثرير. فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه. فقال ((عليه السلام )): أعطوه حتى بلغ السوط»

17

(مسند أحمد بن حنبل، رقم 6458؛ ج 6، ص 247). «أقطع الزبير أرضا بخيبر فيها شجر و نخل» (الأموال لأبي عبيد، رقم 676، 691).

«أقطع الزبير نخلا» (أبو داود 19/ 36/ 14). «أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى ... فقال أعطوه من حيث بلغ السوط» (أيضا أبو داود 19/ 36/ 17). و أرجع محشي مسند ابن حنبل إلى طبقات ابن سعد 8/ 182- 183. «إن التي أقطعها النبي صلى اللّه عليه و سلم للزبير من أموال بني النضير كانت أرضا يقال لها الجرف» (مكاتيب الرسول لعلي الأحمدي، رقم 142، و عزاه الى كتاب الخراج لأبي يوسف). لم يذكر في أحد من هذه الإقطاعات وثيقة مكتوبة- و لوثيقة مكتوبة راجع رقم 229 أدناه في مجموعتنا هذه- و لا مجال هاهنا للبحث في هذه الاختلافات. و لا بد من أن أذكر أن في قباء، في جنوبي المدينة توجد إلى هذا اليوم بئر عروة بن الزبير (و كانت هناك كتابة طويلة له على جبل أمام البئر رأيتها في السنة 1358 ه).

و كذلك توجد وراء جبل أحد، في شمالي المدينة، بركة الزبير و آثار مسجد كبير منهدم مع منارته الساقطة على الأرض، رأيتها في السنة 1358 ه. و قد ذكر البخاري مرات عديدة (42/ 6، 42/ 7، 42/ 8 و غير ذلك) مخاصمة بين الزبير و رجل من الأنصار، في شراج الحرّة التي كانوا يسقون بها النخل، فرفعاها الى النبي صلى اللّه عليه و سلم ليحكم بينهما. فلا مانع أن يكون للزبير رضي اللّه عنه أراض عديدة في المدينة و في خيبر و غير ذلك.

22- بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى قريش: «أما بعد فانكم أن تبرءوا من حلف بني بكر أو تدوا خزاعة، و إلا أوذنكم بحرب». فقالوا:

لا نتبرأ و لكن نؤذنه بحرب. (المطالب العالية لابن حجر، رقم 4361، عن مسدّد، و في فتح البارى‏ء له أيضا، 8/ 4). لم ينصّ الكتاب و لذلك أكرهنا أن ننقله هاهنا. و هذا يتعلق، فيما يظهر، بما وقع بين خزاعة حلفاء المسلمين، و بني بكر حلفاء قريش بعد هدنة الحديبية فوقعت‏

18

الحرب، و فتحت مكة.

23- أقطع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالد بن الوليد موضع داره قريبا من داره ... و روى ابن زبالة: شكا خالد بن الوليد ضيق منزله إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فقال له: ارفع البناء في السماء و سل اللّه السعة.

و في رواية ابن شبّة: اتسع في السماء. و ذكر من رواية الواقدي أن خالد بن الوليد حبس داره بالمدينة، لا تباع و لا توهب. (الوفاء للسمهودي، طبعة جديدة ص 730- 731؛ راجع أيضا طبقات ابن سعد 4/ 2، ص 112) (زيادة الطبعة الرابعة).

و كذلك لم أدخل في المجموعة ما أراد النبي (عليه السلام ) أن يكتبه ثم حال دون ذلك حائل ما، مثل ما روى الإمام مسلم في صحيحه (فضائل الصحابة 11) عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر و أخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنّى متمنّ و يقول قائل: أنا أولى. و يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر». (راجع أيضا صحيح البخاري كتاب المرضى 75/ 16/ 12، و كتاب الأحكام 93/ 51/ 1؛ و كذلك مسند أحمد بن حنبل 6/ 106، 6/ 144). (زيادة الطبعة الرابعة).

و لا بأس أن أذكر أن بعض أهل باكستان زادهم اللّه توفيقا ترجموا هذه المجموعة إلى لغة أردو في سنة 1960 م، على أساس طبعتنا الأولى، و لكن بحذف مصادر الوثائق و حذف فهارسنا المختلفة التي تسهّل للباحث بحثه.

و أهمّ حادث حدث منذ الطبعة الثانية هو العثور على أصل مكتوب النبي (عليه السلام ) إلى كسرى. و هو موجود الآن في خزانة كتب خاصة، و فضل الاكتشاف عائد إلى الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجّد. و قد أضفنا الصورة و تفاصيل البحوث في المحل المتعلق بهذه الوثيقة (أي تحت الرقم 53).

و من الأفاضل الذين ساعدوني في البحث و استفدت من مساعدتهم الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، من الدوحة عاصمة قطر. فقد تفضّل و أرسل إليّ‏

19

فهرسا غير هيّن يدلّني إما على وثيقة لم أعرفها قبله أو على مصدر جديد للوثائق المعروفة. و نقل لي أيضا بعض النصوص من المخطوطات رآها. و كذلك فعل الاستاذ الفاضل و الصديق الحميم محمد طيب أوكج من كلية الإلهيات من جامعة أنقرة. فجزاهما اللّه خير الجزاء عن العلم و الأخوّة.

و ليس كل ما يتمنّى المرء يدركه. فقد ذكرت مجلة معهد المخطوطات لجامعة الدول العربية، ج 3/ 2 ص 202 (سنة 1957) أن هناك مخطوطة مجهولة الاسم و المؤلف في 12 ورقة، في مكتبة طلعت قسم التاريخ رقم 1845، بخط السيد أحمد رفعت كتبها سنة 1265 للهجرة، فيها: «كتب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى الناس كافة، ثم كتب الخلفاء، و ردّ الولاة عليهم» و غير ذلك، و أن بهامشها تفسيرات باللغة التركية. و لم أتمكن من الاستفادة منها إلى الآن.

و لن أزال ألتمس، طالما يقدّر اللّه لي الحياة، من قرّائي أن يفيدوني مشكورين بإرشاداتهم عند ما سهوت أو غفلت. و لهم المن و عليّ الشكر و على مولانا الكريم الجزاء و المثوبة.

و أسجّل شكري القلبي أيضا للأستاذ رشاد عبد المطّلب، الذي كان اعتنى، عن طريق لجنة التأليف و الترجمة (مصر)، بنشر الطبعتين السالفتين و لا يزال يساعدني مساعدات جمّة. جزاه اللّه خيرا.

و لا أختم هذه الكلمة قبل أن أقدّم تقديري و شكري لمدير دار الإرشاد الذي أنا رهين منته بهذه الطبعة.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

باريس في رجب 1387 ه.

محمد حميد اللّه‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة الطّبعة الثانية

حامدا و مصليا ما زلنا نبحث عن الوثائق النبوية منذ طبع هذه المجموعة للمرة الأولى. و قد عثرنا على عشرات منها و كذلك وجدنا مصادر جديدة للوثائق المطبوعة سابقا، ما مكّننا من بعض التصحيحات و الزيادات المهمة. فاستفدنا فرصة هذه الطبعة الثانية لتهذيب الكتاب و تكميل ما فات.

إن السياسة الحكومية في العهد النبوي، على صاحبه السلام، كانت قد ألقيت أساساتها قبل الهجرة إلى المدينة، في بيعات العقبة الثلاث فأضفنا متنها في أول الكتاب- و لو أنها لم تكن كتبت- كما أضفنا عقد قريش لمقاطعة النبي صلى اللّه عليه و سلم و رهطه.

و نظنّ أن من الممكن أن نقف على وثائق أخرى لهذا العهد في كتب الحديث و السير و التاريخ و غيرها لأن المصادر كثيرة و منها ما لم يصل إلى الآن إلى دور الكتب التي استفدنا منها، بل لا يزال مقفلا في خزائن الكتب المجهولة في أكناف العالم. فلو بدّلنا أرقام السلسلة في كل طبعة جديدة، لطلب تبديل الفهارس و تأليفها عن جديد كلّ مرة. و الوقت اللازم لهذا العمل سيكون نوعا من الضياع و أعمارنا قصيرة. لذلك أبقينا الأرقام السابقة على الوثائق السابقة و أشرنا إلى الزيادات الجديدة منها بالأحرف، (مثلا 3/ ألف، 3/ ب إلى غير

22

ذلك). و نرجو قبول هذا العذر من أهل العلم.

منذ الطبعة الأولى، عثرنا على أصل المكتوب إلى النجاشي فنتبرك بإضافته إلى الكتاب تحت الوثيقة (21) و قد أشرنا هناك أيضا إلى المباحث المطبوعة عن حقيقة هذا الأصل و صحّته.

و نرجو من حضرات القراء لهذا التأليف أن ينبهونا على ما سهونا أو غلطنا و كذلك ما جهلنا، فنستفيد و يستفيد أهل العلم عند طبعة أخرى بإذن اللّه.

فالإنسان مركب بالخطإ و النسيان، و لا كمال و لا عصمة إلا للعليم الرحمن.

و نشكر اللّه على ما وفقنا. هو مولانا و نعم النصير.

محمد حميد اللّه‏

23

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدّمة الطّبعة الأولى‏

الحمد للّه و الصلاة و السلام على نبيه محمد المصطفى و على آله و صحبه ذوي المجد و العلى.

و بعد: فلا شك أنّ العهد النبويّ- على صاحبه الصلاة و السلام- كان عهدا ذا نتائج هامة في تاريخ العالم السياسي و الديني و الاقتصادي و غير ذلك. و لما كان غير ممكن أن نفهم الحالة السياسية في عصر من العصور إلا بمراجعة الوثائق الرسمية التي تتعلق بذلك العصر- و هي من أجلّ المآخذ للحقائق التاريخية- كان من الضروري أن نجمع الوثائق المتعلقة بالعصر النبوي حتى يتسنى لنا أن نفهمه فهما صحيحا.

لا يخفى أن قريش مكة لم يكن لهم قبل الإسلام تجربة واسعة لسياسة المدن، و لم يتفق لهم أن يجتمعوا تحت لواء حكومة ذات تمدّن و ثقافة بحيث يرجى أن تكون لهم نظم سياسية مكتوبة. و لسنا ننكر أنهم حرّروا أحيانا بعض العهود و المحالفات بينهم و بين القبائل المجاورة، إلّا أن ذلك كان في دائرة محدودة. فلما جاء الإسلام اجتمعت القوى المنتشرة في جزيرة العرب على مركز واحد، و تشكّلت في دولة ذات نظام و إدارات منضبطة، و قامت بينها و بين الممالك المجاورة- كفارس و بيزنطة و مستعمراتها- علاقات سياسية، و لم يمض على تلك الدولة عشرة أعوام أخر إلا و قد تسلطت على بلاد العجم و العراق و سوريا و فلسطين و مصر و غيرها، فكانت هذه الحالة تدعو إلى كتابة «كتب»

24

تعبّر عن تلك العلاقات السياسية. و هي الوثائق التي عرّفتنا طرفا من أخبارها.

و لا يقال إن الرواية الشفوية هي وحدها التي اعتمد عليها في أوائل الإسلام، إذ أن المسلمين قد أمروا أن يكتبوا جميع ما فيه من حقوق العباد و يستشهدوا عليه فإن «ذلك أقسط عند اللّه و أقوم للشهادة و أدنى أن لا ترتابوا».

و من ثم كتب النبي صلى اللّه عليه و سلم جميع المحالفات و المعاهدات مع القبائل و الملوك سوى ما كتب إليهم من المراسلات. و يقال إن أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه كانت عنده نسخ العهود و المواثيق مل‏ء صندوق، و لكنها احترقت حين احترق الديوان يوم الجماجم سنة 82 للهجرة. و الذي بقي بعد ذلك قضت عليه صروف الزمن و غارة التتار.

و الواقع أنه لم يصل إلينا إلا أصل اثنتين أو ثلاث من تلك الوثائق، أولها كتاب النبي إلى المقوقس (راجع رقم 49) الذي وجده المستشرق الفرنسي بارتيلمي في كنيسة قرب أخميم في مصر، و الثاني كتاب النبي إلى المنذر بن ساوى (رقم 57) الذي كان المستشرق الألماني فلا يشر نشر صورته، و الثالث كتاب النبي إلى النجاشي (رقم 21) الذي ينوي المستشرق دنلوب الإنكليزي نشره. و قد بحثنا عن صحة الأصلين الأولين في مقالة في «مجلة عثمانية» الهندوستانية في شهر يونيو سنة 1936 و في أخرى في مجلة «إسلامك كلجر» الإنكليزية (حيدرآباد في شهر أكتوبر سنة 1939)، و نحن نكتفي هنا بإرجاع القارئ إلى الصور الشمسية التي ألحقناها مجموعتنا هذه‏ (1).

و إذا كانت أصول أكثر الوثائق قد ضاعت فقد حفظ لنا رواة الحديث و المؤرخون جملة صالحة منها كما يظهر ذلك في «تذكرة المصادر» التي ألحقناها بهذا الكتاب.

و الظاهر أن الاعتناء بتلك الوثائق قديم جدا، و كثيرا ما ذكر الرواة و المؤلفون أنهم نقلوا كتاب كذا من الأصل المحفوظ عند عائلة من كتب إليه.

____________

(1) راجع الصور المقابلة للوثائق 21، 49، 57.

25

و أظن أن أول تأليف خصّ بهذا هو مجموعة عمرو بن حزم رضي اللّه عنه من وضع أبي جعفر الدّيبليّ المهاجر الهندي في القرن الثالث للهجرة (2). و مع كثرة ما تداولت الأيدي هذه المجموعة فإنها جديرة بأن توضح بعض الغوامض التي توجد مثلا في رواية طبقات ابن سعد لهذه الوثائق‏ (3).

و هناك كتاب آخر شاع في حياة الإمام الزهريّ (المتوفى سنة 124 ه) «فبعث به يزيد بن أبي حبيب المصريّ إلى ابن شهاب الزهريّ مع ثقة من أهل بلده فعرفه و لم ينكره» (4). و لكن لم يبق لنا أثر من هذا الكتاب و لا من تصانيف الهيثم بن عديّ و لا المدائنيّ. و كتاب رسل النبي لهذا الاخير، ذكره ابن حجر في الإصابة 2/ 205، 264، 864، 3/ 1018.

و قد عني المحدثون من المستشرقين و الشرقيين بهذه الوثائق بعض العناية.

فقبل أن تنشر طبقات ابن سعد كاملة عني المستشرق ويلهاوزن بنشر البابين المشتملين على كتب النبي صلى اللّه عليه و سلم و ذكر الوفود عليه مع ترجمتها إلى الألمانية و التعليق عليها، كما خصّ العهد الذي كتبه النبي صلى اللّه عليه و سلم للمهاجرين و الأنصار و اليهود في المدينة ببحث خاصّ.

و نجد أيضا في كتب تاريخ الإسلام الأوروبية ترجمة عدّة من هذه الوثائق أو تذكرة لها كما في السيرة النبوية لأشبر نكر (بالألمانية) أو في حوليات الإسلام‏Annali dell ,Islam لكايتاني (بالطليانية) و غيرهما. و قد بحث كايتاني بحثا خاصا في أمر رسائل النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى الملوك. و هناك عدّة من كتب أخرى باللغات الغربية تجد ذكرها في «تذكرة المصادر».

و قد شاع كتابان باللغة الهندوستانية (5) أفرغ مؤلفاهما الجهد في جمع‏

____________

(2) و نجد هذه الرسالة ضميمة لاعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين تأليف شمس الدين محمد بن علي ابن طولون من مؤرخي القرن العاشر للهجرة.

(3) [عن ابن سيرين: «لو كنت متخذا كتابا لاتخذت رسائل النبي» (طبقات ابن سعد 7/ 141).

و قال ابن حجر في فتح الباري في تفسير سورة آل عمران، آية قل يا أهل الكتاب تعالوا: «و قد جمعت كتبه (عليه السلام ) إلى الملوك و غيرهم». و لكن لم نقف عليه إلى الآن. (زيادة الطبعة الثانية)].

(4) [تاريخ الطبري، ص 1560 (سنة 6) زيادة الطبعة الثالثة].

(5) راجع تذكرة المصادر تحت عبد المنعم خان و عبد الجليل نعماني.

26

الوثائق النبوية على الترتيب الأبجدي أو التاريخي و ترجمتها إلى اللغة الهندوستانية فلهما فضل التقدّم و إن كانا قد تركا كثيرا مما يحتاج إليه.

و كنت قد نشرت ترجمة فرنسية لما جمعته من الوثائق التي ترجع إلى العهد النبوي و عهد الخلفاء الراشدين، و قدّمتها ببحث مطوّل عن قيمتها التاريخية و ما يمكن أن يستنتج منها لفهم الأحوال السياسية في ذلك العصر، و قد حصلت بها على درجة الدكتوراه من جامعة باريس في سنة 1935 م‏ (1). و أنا الآن أنشر النصوص الأصلية لهذه الوثائق مضيفا إليها ما وجدته بعد ذلك من النصوص، و لذلك كانت أرقام المجموعتين غير متفقة (2).

قسمنا مجموعتنا هذه قسمين: يحتوي الأول على الوثائق التي تتعلق بالعهد النبوي، و يحتوي الثاني على وثائق من عهد الخلفاء الراشدين. ثم قسمنا كلا القسمين فروعا عديدة من حيث الأحوال الجغرافية و السياسية.

كان عصر النبي صلى اللّه عليه و سلم قبل الهجرة عهد تمهيد و تجربة، و لا يصح أن يقال إنّ الجماعة الإسلامية بمكة كانت حينئذ دولة من الدول فإنه لم يكن لها كيان سياسيّ و لا نظام إداريّ. و لا تصادف في هذا العصر ما يطلق عليه اسم السياسة الخارجية سوى بيعتي العقبة اللتين أسستا بنيان الدولة الإسلامية و كان لهما أثر عظيم فيما بعد. إلّا أنهما لم تكتبا في قرطاس و لم تؤخذا إلا سرّا، و هاتان البيعتان تتعلقان بروابط المسلمين مع أهل المدينة، و كان منتهاهما الهجرة و وضع الدستور الأساسيّ الذي ذكرناه تحت رقم (. 1).

و لما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى المدينة وجد هناك عدّة قبائل يهودية فعاهدهم فدخلوا في دولة وفاقية (Federation( تحت رئاسة محمد صلى اللّه عليه و سلم. و قد ذكرنا الوثائق التي تتعلق بهم مع ما يتعلق بيهود خيبر

____________

(1)

Muhammad Hamidullah, Documents sur la diplomatie musulmae a l, epoque du Prophete et des Khalifes orthodoxes. Paris. G. P. Maisonneuve 1935

. (2) راجع جدول تطابق أرقام وثائق المجموعتين الذي ننشره في كتابنا هذا، ص 37- 39.

27

و تيماء و غيرهما في محلّ واحد لروابطها الأكيدة فيما بينها.

و كانت هجرة مسلمي مكة و قيام دولة إسلامية بالمدينة سببا لتوتر العلائق بين المسلمين و قريش، فنشأت حروب بينهم و وقعت وقائع بدر و أحد و الخندق و الحديبية و فتح مكة. فجمعنا الوثائق المتعلقة بهذه الأمور في فصل خاصّ.

و لم تبدأ علائق المسلمين السياسية مع الروم و الفرس و من تحتهم من الحبشة و الغساسنة و أهل البحرين و عمان و اليمن و نجران و حضرموت و مهرة و غيرها إلّا بعد الحديبية، فذكرنا الوثائق المتصلة بهم في فصلين.

و من المعروف أن إمبراطور الروم و كسرى الفرس لما دعاهما رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى الإسلام أبيا و ردّا دعوته. فكتب النبي صلى اللّه عليه و سلم رأسا إلى الملوك و الأمراء الذين تحت سيطرة هذين العظيمين، فمنهم من أجاب فأفلح و منهم من أدبر فهلك.

و سيرى الناظر في الفصل الخاص بقبائل العرب أن الذي أراده النبي صلى اللّه عليه و سلم كان أن يفرق بينهم و بين قريش فيحيط مكة بقبائل خاضعة للإسلام أو معاهدة للمسلمين. فكان أوّل عمل سياسيّ عمله النبي صلى اللّه عليه و سلم بعد الهجرة أن عاهد القبائل التي سكنت في ما بين المدينة و ساحل البحر مثل جهينة و ضمرة و غفار، و كانت ديارهم في طريق قريش في رحلتهم الصيفية إلى الشأم و مصر، فسدّها النبي و أعانه عليه حلفاؤه من هذه القبائل.

ثم إنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم عاهد قبائل خزاعة و أسلم و غيرهما ممن سكنوا حول مكة فاضطرت قريش فحاربت المسلمين فانكسرت و خضعت أخيرا. و قد جمعنا جميع هذه الوثائق التي لها علاقة بهذه القبائل مرتّبة على حسب ذلك. ثم أوردنا الكتب التي أرسلها النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى عمّاله وقت ردّة اليمن و اليمامة و أضفنا إليها بعض ما كتبه أبو بكر من الوثائق المتصلة بهذه الفترة.

و لما حجّ النبي صلى اللّه عليه و سلم حجّة الوداع في آخر السنة العاشرة للهجرة خطب خطبته المشهورة في عرفة على جبل الرحمة و بيّن فيها حقوق‏

28

المسلمين و فرائضهم الأساسية فلم يدع شيئا له أهمية إلّا بلّغه. فبشّر اللّه المسلمين بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. فأضفنا هذه الخطبة العظيمة القدر الغزيرة المعاني في آخر الوثائق المتعلقة بالعهد النبوي.

و القسم الثاني هو عهد الخلفاء الراشدين، و قد رتّبنا الوثائق المتعلقة به في فصلين، فصل في الروم و فصل في فارس (إيران). و إن كان القارئ يفقد هناك كثيرا من الوثائق التي ذكرها الواقديّ و الأزديّ في الفتوح فقد تركناها لعدم كونها مقصودة بالذات، و ما ذكرنا الخلافة الراشدة إلا تتميما للبيان و تكملة للمغزى، كما حذفنا أيضا ما لم نجده في الكتب الموثوق بها. و لعلّنا قد خفّفنا بهذا على من يعنى بهذا الموضوع بعدنا.

و هذه الوثائق تشتمل على الموضوعات الآتية:

(1) المعاهدات الجديدة أو تجديد ما سبق من المعاهدات.

(2) الدعوة إلى الإسلام.

(3) تولية العمّال و ذكر واجباتهم و كيف ينبغي لهم أن يتصرفوا في أمر من الأمور.

(4) العطايا من الأراضي أو الغلّات أو غيرها.

(5) كتب الأمان و التوصية.

(6) ما ذكر فيه من استثناء بعض الأوامر في حق أناس معيّنين.

(7) المتفرّقات مثل المكاتيب التي جاءت في جواب ما كتبه النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و قد نقلنا في آخر الكتاب في ضميمة على حدة بعض الكتب المنسوبة إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم كعهوده للنصارى و المجوس، و مثلها كثير و لا يكاد يصح البتة. و إنما نقلنا ما نقلنا كأنموذج في الوضع و الاختلاق.

*** و ليس من غرضنا هنا أن نقدّم نقدا مفصّلا للوثائق و بحثا عن قيمتها

29

التاريخية، بل نكتفي بعرض بعض النقط التي تعين قارى‏ء مجموعتنا على تقديرها حقّ قدرها.

الروايات المختلفة

أكبر مصادرنا للوثائق النبوية هو «طبقات ابن سعد». أمّا عهود الخلفاء الراشدين و كتبهم فنجدها خاصة في «تاريخ الطبريّ» و «فتوح البلاذريّ».

غير أن «تاريخ الطبريّ» مع كونه تأليفا قويما ربما يأتي بروايات مقدوح فيها و وثائق غير وثيقة كما تدلّ على ذلك الوثائق المذكورة في هذه المجموعة تحت رقم 21 و 98 و غيرهما. و أمّا «طبقات ابن سعد» فقد اجتهد مؤلّفه أن يجمع من المواد أكثر ما يمكن، و لكنه لم يعتن بالنقد و التنقيح. و أمّا «كتاب الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلّام فمن خير مصادرنا غير أنه يترك أحيانا جملة أو جملتين في أثناء الكلام كما سيرى الناظر في الوثيقة الأولى خاصة.

و أما كتابا «الخراج» لأبي يوسف و «سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم» لابن هشام فهما أقدم مصادرنا و أحوطهما و أوثقهما.

قد تصدينا على الأعم لإيراد كلّ وثيقة في هذه المجموعة على حسب رواية أقدم المصادر عصرا مع ضبط جميع الاختلافات اللفظية و الترتيبية و غيرهما على حدة. و سيرى الناظر أن أكثر هذه الاختلافات تنتج من الرواية بالمعنى أو من استبدال حرف ربط بحرف آخر كالفاء و الواو إلى غير ذلك، و قلما تترتّب نتائج مهمّة على مثل هذه الاختلافات. و نجد أيضا في بعض هذه الوثائق تقديما و تأخيرا في رواية بعض الكلمات.

و هناك كثير من الوثائق لا تذكر كاملة إلّا في بعض المصادر، و تكتفي المصادر الأخرى بذكر بعضها أو الإشارة إلى الأحكام المندرجة فيها. و قد قدّمنا كلّ وثيقة بذكر مصادرها، و أشرنا برمز (قابل) إلى المصادر التي تذكر النصّ غير كامل.

30

لغة الوثائق‏

كلّ لسان حيّ ينصبغ في كل عصر بصبغ خاصّ يمتاز به. و أصحّ حجة للسان العربيّ المعاصر لهذه الوثائق السياسية القرآن المجيد المحفوظ إلى الآن من كل اختلاق و تحريف حتى في رسم خطه. و لو لا رواج الرواية بالمعنى لألحقنا الحديث النبوي كله بهذا القبيل.

لم يزل المسلمون من ناطقي الضاد قديما و حديثا يهتمون بالقرآن. و مع هذا نجد بعض الكلمات القرآنية قد بطل استعمالها أو تغير مفهومها؛ و إذن فالوثائق التي نجد فيها مثل هذه الكلمات نميل إلى تصديق صحّتها، فكلمة «حق»- مثلا- قد استعملت (في الوثيقة 90) في معنى «الزكاة» بدل معنى «الصحة» أو «ما يستحقه الإنسان»، و كذلك كلمة «كتاب» نجدها (في الوثيقة 1) في مفهوم «الفرض» بدل «التصنيف» أو «المكتوب»، و كذلك كلمة «غلب» (في الوثيقة 294) في معنى «المغلوبية» بدل «الغالبية»، و كذلك كلمة «ذكر» (في الوثيقة 316) في معنى «الصلاة» بدل «ما يذكر الإنسان»، إلى غير ذلك من الكلمات القرآنية.

و من جهة أخرى لا يلزم أن يكون كل مكتوب مشتمل على غريب اللغة أو قديمها صحيحا. فربما نرى من تاريخ الأدب العربي أن «المتلغويين» وضعوا عبارات بألفاظ غريبة شاذّة تفاخرا بمعرفتهم بالغريب. و قد أهمل ابن الأثير [ (راجع أدناه الوثيقة 168) زيادة الطبعة الرابعة] نقل مكتوب منسوب الى النبي صلى اللّه عليه و سلم و قال: «تركنا ذكره لانّ رواته نقلوه بألفاظ غريبة و بدّلوها و صحّفوها». و هذا هو السبب الباعث عندي لقلّة إمكان صحة الوثيقة 133.

نظن أنّ أسلوب الإنشاء العربي في ذلك العصر كان سلسا فصيحا جامعا مانعا بريئا من الإطناب و التكلّف. و لهذا إذا رأينا في بعض المكاتبات المنسوبة إلى ذلك العصر الصناعات اللفظية التي لا طائل تحتها زادت شبهتنا في صحتها. من ذلك مثلا نصوص المراسلة مع المقوقس على ما رواه الواقديّ (الوثيقتين 51، 52) و القسم الأول من الوثيقة 91، و بعكس ذلك نجد الوثيقة

31

المشتملة على عهد الرسول لأهل المدينة و معاهدتي أيلة و الطائف (الوثيقتين 31 و 181) في أسلوب عربيّ أصيل مما يبعثنا على اليقين بصحتها.

معيار الوضع و الصحة

نظن بوجه عامّ أنّ كتب الأمان التي كتبها النبي صلى اللّه عليه و سلم للقبائل المسلمة أو الخاضعة له و التي لم تتضمن إلّا مطالبتهم بأداء الفرائض الدينية صحيحة لأنه لا يوجد فيها ما عسى أن يكون موضوعا إذ لا حاجة لأحد إلى وضعها. و لو كانت بعض هذه الكتب وضعت لتكون مفخرة لقبيلة على أخرى، فإنّ مثل هذا الوضع كان يترك طابعه في أسلوبها. و لكن هذه الوثائق لا تحتوي إلّا على إعطاء الأمان و الأمر بإقامة الفرائض.

أما الوثائق التي لا تشتمل إلا على الحقوق دون الواجبات أو التي تذكر أشياء لم توجد في عصر النبي صلى اللّه عليه و سلم فنعدها موضوعة، كبعض العهود التي زعموا أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم كتبها للنصارى و اليهود و المجوس، و قد ذكرنا نموذجا منها في الضمائم.

و ربما اختلق المؤرخون غير المحتاطين بعض الوثائق على أساس ما ذكر عنها في التاريخ. مثال ذلك أنّا نجد في الكتب القديمة أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم كاتب النجاشي لتزويجه بأمّ حبيبة و ردّ المسلمين المهاجرين إلى المدينة.

و لا نجد نصّ هذين الكتابين إلّا في تأليف متأخّر، و هذا يجعلنا نرجح أن تكون هاتان الوثيقتان (المذكورتان تحت رقم 24 و 25) موضوعتين.

و فوق هذا نجد أنّ الوثائق الطويلة أكثر تعرّضا للتحريف، إذ كان المعتمد في الرواية على السماع. و لذلك نجد أنّ أطول النصوص أكثرها اختلافا.

و قد يرجع الاختلاف إلى سوء القراءة كما نجد في الوثيقة 72 أنّ جميع النسخ الخطية تتفق على إيراد اسم «الأكبر بن عبد القيس» و لا نجد له ذكرا في كتب الأنساب و الرجال. فلعله مصحف عن «لكيز بن عبد القيس» الذي ورد

32

كتابة كبيرة على جبل سلع بالمدينة المنورة من زمن غزوة الخندق، سنة 5 للهجرة، بل هي كتابتان. ففي القسم اليميني اسم أبي بكر و عمر. و في القسم اليساري، بين آخرين، «أنا محمد بن عبد اللّه» (سطر 4- 5) و «أنا علي بن أبي طالب». كأن النبي (عليه السلام ) مرّ بهم و هم ينحتون أسماءهم، فقال: «انحتوا اسمي أيضا معكم». راجع للنص الكامل و البحث مجلة إسلامك كلجرISLAMIC CULTURE ، حيدرآباد الدكن، أكتوبر 1939.

33

ذكره في وفد عبد القيس إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (1).

لا يبعد أن تكون الوثائق السياسية قد اشتملت أحيانا على سهو في الكتابة، و ليس يبعد أيضا أن يصحح بعض النقلة بعض العبارات من عند أنفسهم اتّباعا للقواعد المقرّرة في النحو و الصرف. من ذلك عبارة «ابن أبو ...» التي لا تكاد تصح الآن نظرا لقواعد النحو العربي بل يقال «ابن أبي ...» غير أنّا وجدناها على هذه الصيغة في أربعة مواضع بل أكثر في الكتب المقروءة على الشيوخ و غيرها (راجع الوثائق 21، 22، 33، 80).

و قد روى البلاذري في «فتوح البلدان» شروط النبي صلى اللّه عليه و سلم لأهل نجران ثم ذكر: «و قال يحيى بن آدم: و قد رأيت كتابا في أيدي النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة و في أسفله و كتب علي بن أبو طالب- و لا أدري ما ذا أقول فيه».

و قال الصفديّ‏ (2): و بعضهم يكتب علي بن أبو طالب رضي اللّه عنه و يلفظ أبي بالياء».

[و في الرسالة للشافعي، فقرة 295 (و مخطوطتها مقروءة على الشيوخ و مصححة)، «أخبرنا سفيان عن سالم أبو (كذا) النضر ...».

و في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (مصر 1373 ه، ص 199- 200): «عن كتاب القرطين: و ربما كان للرجل الاسم و الكنية فغلبت الكنية على الاسم، فلم يعرف إلا بها كأبي سفيان، و أبي طالب، و أبي ذر، و أبي هريرة؛ و لذلك كانوا يكتبون علي بن أبو طالب، و معاوية بن أبو سفيان. لأن الكنية بكمالها صارت اسما. و حظ كل حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجره حرف من الأدوات أو الأفعال. فكأنه حين كني قيل: أبو طالب، ثم ترك ذلك كهيئته، و جعل الاسمان واحدا». (راجع أيضا الوثيقة 98 فيما يأتي حاشية على السطر 2).

____________

(1) راجع السهيلي في الروض الأنف.

(2) في كتابه الوافي بالوفيات ج 1 ص 39 طبع استانبول.

34

و في فضائل القرآن لابن كثير (راجع تفسير ابن كثير، ج 4، ذيل ص 15): «و قد توجد مصاحف على الوضع العثماني يقال إنها بخط علي رضي اللّه عنه .. و في ذلك نظر فإن في بعضها: كتبه علي بن أبو طالب.

و هذا لحن من الكلام، و علي رضي اللّه عنه من أبعد الناس عن ذلك» (1)].

و قال الكتّاني‏ (2) ما يأتي:

«و قد ذكر ابن سلطان في شرح الشفاء في مبحث فصاحته (عليه السلام ): أن ابن أبي زيد حكى في نوادره عن الأصمعي عن يحيى بن عمر، أن قريشا كانت لا تغيّر الأب في الكنية تجعله مرفوعا في كل وجه من الجرّ و النصب و الرفع أي كما يقال علي بن أبو طالب. و قرى‏ء تبّت يدا أبو لهب». و كان كاتب أبي موسى الأشعريّ كتب مرّة «من أبو موسى ...» فكتب إليه الخليفة عمر بن الخطاب:

«إذا أتاك كتابي هذا فاضرب كاتبك سوطا و اعزله عن عمله» (3). راجع أيضا ابن خلكان في ذكر أبي حنيفة لاستعمال كلمة «أبا» في الأحوال الثلاث عند أهل الكوفة و قد استشهد ببيت أيضا.

[راجع أدناه أيضا الوثيقة رقم 132. حاشية، حيث: «المهاجر بن أبو (كذا) أمية». زيادة الطبعة الرابعة].

و فوق ذلك كله إني لما كنت في المدينة المنورة في شهر محرم سنة 1358. وجدت في الكتابة القديمة التي في جنوبي جبل سلع في المدينة المنورة: «أنا علي بن أبو طالب» و قد تكون هذه الكتابة من خطّ سيدنا علي رضي اللّه عنه‏ (4).

____________

(1) ما بين [] زيادة الطبعة الثالثة.

(2) في كتابه التراتيب الإدارية و العمالات و الصناعات و المتاجر و الحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة، ج 1 ص 155، طبع الرباط.

(3) الكتاني ج 2 ص 135 عن روضة الأعلام لابن الأزرق. [و فتوح البلدان للبلاذري، ص 346 (زيادة الطبعة الرابعة)].

(4) راجع الصورة التي وضعناها على الصفحة 32، و أيضا البحث المفصل الذي نشرناه عن هذه الكتابة و غيرها في مجلة «إسلامك كلجر» (حيدرآباد) أكتوبر 1939 م و راجع أيضا كتابة عمر الفاروق التي وجدت-

35

فينتج من هذا أن في القرن الأول للهجرة قد استعمل بعض الأعلام المركبة كأنها أعلام مفردة و قال الناس مثلا «علي بن أبو طالب» في الأحوال الثلاث للإعراب و نسيه الناس على ممر الزمان و صار النقلة المتأخرون يحسبونه من أغلاط الكاتب و يصححونه على القواعد الراهنة. و لنذكر أيضا أمثال «بلحارث» و «بو سعيد» و «بلعنبر» التي لا تتغير في مختلف الإعراب.

و هناك فوق هذا أمثلة زاد فيها الناس كلمات على النص الأصليّ لأغراضهم النفسانية و أطماعهم الفاسدة مما لا يخفى على الباحث في بعض الأحيان، و إن كان يصعب أحيانا أخرى معرفة الملحق من الملحق به.

هذا ما أردنا أن ننبّه القارئ عليه في مقدمتنا القصيرة، و اللّه الهادي إلى الصواب و إليه المرجع و المآب.

حيدرآباد دكن الهند

الجامعة العثمانية

محمد حميد اللّه‏

____________

- في المكان بعينه و التي نشرنا صورتها بإزاء الوثيقة 303 من مجموعتنا هذه.

[زيادة الطبعة الثالثة: ليحذف هذه الفقرة كلها من المقدمة، فهي سهو مني. و كما نشرت قبل هذا، أن بياني هذا كان مبنيا على أساس الصورة الفوتوغرافية. و لكن لما زرت المحل مرة أخرى بعد عدة سنين رأيت أن في الكتابة «علي بن أبي طالب»، و أن التصوير كان قد غيره الضوء عند الزيارة الأولى‏].

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

القسم الاول العهد النبوي قبل الهجرة

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

(*) إلى النجاشي في شأن مهاجري الحبشة

راجع مصادر الوثيقة 21/ أدناه‏

في السنة الثامنة قبل الهجرة (الخامسة للنبوة)، هاجر بعض مسلمي مكة إلى الحبشة. و نجد في الوثيقة (21) العبارة الآتية:

... و قد بعثت إليك ابن عمي جعفرا و نفرا معه من المسلمين. فإذا جاءك، فاقرهم ...».

و لا تكاد تتعلق بالمكتوب المرسل في السنة السادسة أو السابعة للهجرة، حيث كان قد مضى خمس عشرة سنة على هجرة جعفر الطيار إلى الحبشة، و كان على و شك الرجوع إلى دار الإسلام.

و مما يجدر به الذكر أن الحلبي و القسطلاني و القلقشندي لا يذكرون هذه العبارة في متن المكتوب رقم (21) و هي لا توجد أيضا في أصل المكتوب الذي اكتشف حديثا. و الراجح أن شمولها سهو من الطبري أو من رووه عنه.

فنظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان قد أعطى ابن عمه جعفرا كتابا إلى النجاشي وقت هجرته إلى الحبشة، طالبا من النجاشي العادل الاعتناء بحال اللاجئين الغرباء في بلاده.

(**) إقطاعه صلى اللّه عليه و سلم للداريين‏

راجع الوثيقة (43) أدناه و هي مما يقال مما قبل الهجرة

44

(*/ ألف) مقاطعة قريش رهط النبي‏

به ص 230- بس 1/ 1 ص 139- طب ص 1189- تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 30- أنساب البلاذري 1/ 234

قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد نزلوا بلدا، أصابوا به أمنا، و أن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، و أن عمر قد أسلم؛ فكان هو و حمزة بن عبد المطلب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه، و جعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا و ائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه:

[باسمك اللهم‏]. على بني هاشم و بني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم و لا ينكحوهم و لا يبيعوهم شيئا و لا يبتاعوا منهم [و لا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه‏].

فلما اجتمعوا لذلك، كتبوا في صحيفة. ثم تعاهدوا و تواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم.

و كان كاتب الصحيفة: منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ. قال ابن هشام: و يقال: النضر بن الحارث.

ثم إن قريشا دعوا حلفاءهم من كنانة (و هم الأحابيش) ليشتركوا معهم في نفس العقد. فتعاقدوا في خيف بني كنانة قريب من مسجد

45

منى، كما رواه البخاري 25/ 45، 56/ 179، 63/ 39؛ و أبو داود 11/ 86، 18/ 10؛ و ابن حنبل 2/ 237 (أو رقم 7239).

و كأنه لم يكن هناك وثيقة مكتوبة لهذا الاشتراك.

سطر (6- 7) أنساب البلاذري+ []. (هكذا عنده في خطية الرباط، أما في خطية استانبول فهناك: «باسمك اللهم فاغفر»، و هو من سهو الاستنساخ فيما يظهر. و عنده أيضا: لا يناكحوهم و لا ينكحوا فيهم و لا يبايعوهم و لا يخالطوهم في شي‏ء و لا يكلموهم.

(8) يعقوبي+ []- بس: و لا يخالطوهم.

46

(*/ ب) بيعة العقبة الأولى‏

به ص 286- 87- بس 1/ 1 ص 147 طب ص 1209- 11

خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم. فبينما هو عند العقبة، لقي رهطا من الخزرج أراد اللّه بهم خيرا ...

فدعاهم إلى اللّه عزّ و جلّ، و عرض عليهم الإسلام، و تلا عليهم القرآن. فأجابوه فيما دعا إليه، بأن صدّقوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، و قالوا: إنا قد تركنا قومنا، و لا قوم بينهم من العداوة و الشرّ ما بينهم؛ و عسى أن يجمع اللّه بك. فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، و نعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدّين.

فإن يجمعهم اللّه عليه، فلا رجل أعزّ منك.

ثم انصرفوا .. و هم، فيما ذكر لي، ستة نفر من الخزرج.

و لم يكن هناك وثيقة مكتوبة، بل بيعة.

47

(*/ ج) بيعة العقبة الثانية

به ص 287- 89، 305- طب ص 1211- 13

بس 1/ 1 ص 147- 48 موفق الدين ابن قدامة (الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار)، ص 28 و 56 و 57- البخاري 92/ 2/ 4.

فلما قدموا [أي الذين بايعوا في العقبة الأولى‏] المدينة إلى قومهم، ذكروا لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و دعوهم إلى الاسلام، حتى فشا فيهم. فلم يبق دار من دور الأنصار إلا و فيها ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا. فلقوه بالعقبة. و هي العقبة الأولى. فبايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ...

فبايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على بيعة النساء- (راجع القرآن سورة 60 آية 12)- و ذلك قبل أن يفترض علينا الحرب، على:

«أن لا نشرك باللّه شيئا، و لا نسرق، و لا نزني، و لا نقتل أولادنا، و لا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا و أرجلنا، و لا نعصيه في معروف».

«فإن وفيتم فلكم الجنة، و إن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى اللّه عز و جل، إن شاء غفر، و إن شاء عذّب».

و في رواية:

«فإن وفيتم فلكم الجنة، و إن غشيتم من ذلك، فأوخذتم بحدّه في الدنيا، فهو كفّارة له. و إن سترتم عليه إلى يوم القيامة،

48

فأمركم إلى اللّه عزّ و جلّ، إن شاء عذّب، و إن شاء غفر».

و في رواية:

«الذين بايعوا في العقبة الأولى (- الثانية) بايعوا: على السمع و الطاعة في عسرنا و يسرنا، و منشطنا و مكرهنا، و أثرة علينا، و أن لا ننازع الأمر أهله، و أن نقول بالحق أينما كنّا، لا نخاف في اللّه لومة لائم.

و في رواية موفق الدين ابن قدامة:

تبايعوني على السمع و الطاعة، في النشاط و الكسل، و على النفقة في العسر و اليسر، و على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و على أن تقولوا في اللّه لا تأخذكم لومة لائم، و على أن تنصروني إذا قدمت عليكم، و تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم و أزواجكم و أبناءكم، و لكم الجنة.

و عند موفق الدين أيضا في ترجمة أبي أمامة أسعد بن زرارة نقيب النقباء:

قال الشعبي: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم ليلة العقبة: يا معشر الانصار، تكلّموا و أوجزوا، فان علينا عيونا. قال الشعبي: فخطب أبو أمامة أسعد بن زرارة خطبة ما خطب المرد و لا الشيب مثلها قط. فقال: يا رسول اللّه، اشترط لربك، و اشترط لنفسك، و اشترط لأصحابك. قال (صلى اللّه عليه و سلم): أشترط لربي أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا؛ و أشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم و أهليكم؛ و اشترط لأصحابي المواساة من ذات أيديكم. قالوا: هذا لك؛ فما لنا؟ قال:

الجنة. قالوا: أبسط يدك.

و لم يكن هناك وثيقة مكتوبة.

49

(*/ د) بيعة العقبة الثالثة

به ص 294- 301، 304- طب 1217- 26- تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 38- 39- بس 1/ 1 ص 148- 50- أنساب البلاذري 1/ 252، 254

خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، و واعدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم العقبة، من أوسط أيام التشريق. قال: فلما فرغنا من الحج، و كانت الليلة التي واعدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لها ...

فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا. حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نتسلل تسلّل القطا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، و نحن ثلاثة و سبعون رجلا، و معنا امرأتان من نسائنا ...

فتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فتلا القرآن، و دعا إلى اللّه، و رغب في الإسلام. ثم قال:

«أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم».

قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال:

«نعم، و الذي بعثك بالحق! لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا .. فبايعنا يا رسول اللّه، فنحن، و اللّه، أهل الحروب و أهل الحلقة ورثناها كابرا».

... أبو الهيثم بن التيهان، فقال: «يا رسول اللّه! إن بيننا و بين الرجال حبالا، و إنّا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن‏

50

فعلنا ذلك، ثم أظهرك اللّه، أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟ قال:

فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال:

«بل الدم، الدم؛ و الهدم، الهدم. أنا منكم و انتم مني. أحارب من حاربتم و أسالم من سالمتم».

.. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، و ثلاثة من الأوس ... [و جعل أبا أمامة أسعد بن زرارة نقيب النقباء].

قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري- أخو بني سالم بن عوف-:

«يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟» قالوا: «نعم». قال: «إنكم تبايعون على حرب الأحمر و الأسود من الناس! فإن كنتم ترون أنكم إذا هلكت أموالكم مصيبة، و أشرافكم قتلا، أسلمتموه، فمن الآن. فهو، و اللّه! و إن فعلتم خزي الدنيا و الآخرة. و إن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عن نهكة الأموال و قتل الأشراف، فخذوه. فهو، و اللّه! خير الدنيا و الآخرة». قالوا: «فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال و قتل الأشراف. فما لنا يا رسول اللّه! إن نحن و فينا؟» قال: «الجنة».

و في رواية اليعقوبي:

«أن يمنعوه و أهله مما يمنعون منه أنفسهم و أهليهم و أولادهم.

و عليهم أن يحاربوا معه الأسود و الأحمر، و أن ينصروه على القريب و البعيد. و شرط لهم الوفاء بذلك و الجنة».

قالوا: «ابسط يدك» فبسط يده، فبايعوه ...

فلما أصبحنا، غدت علينا جلّة قريش حتى جاءوا في منازلنا، فقالوا: «يا معشر الخزرج! إنه قد بلغنا انكم قد جئتم الى صاحبنا هذا، تستخرجونه من بين أظهرنا، و تبايعونه على حربنا. و إنا،