الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء(ع) وعقيلة الوحي‏

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
292 /
5

[مقدمة المحقق‏]

حياة المؤلف: بقلم سماحة الشيخ مرتضى آل ياسين‏

مولده و نشأته:

ولد السيّد عبد الحسين شرف الدين- رضوان اللّه عليه- في الكاظمية سنة 1290 ه، من أبوين كريمين، تربط بينهما أواصر القربى، و يوحد نسبهما كرم العرق، فأبوه الشريف يوسف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل، و أمه البرة (الزهراء) بنت السيد هادي ابن السيّد محمّد علي، منتهيين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الاسرة الكريمة.

ثم درج في بيت مهدت له أسباب الزعامة العلمية؛ و رفعت دعائمه على أعلام لهم في دنيا الإسلام، ذكر محمود، و فضل مشهود، و خدمات مشكورة، فكانت طبيعة الارث الأثيل، تحفزه للنهوض من جهة، و دواعي الحياة تشحذ ثباته، و تصفي جوهره من جهة اخرى، و تربيته الصالحة- كانت قبل ذلك- تصوغه على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب، فهو أنى التفت من نواحي منشئه الكريم، استقى النشاط و التوفر على ما بين يديه من حياة: مؤملة لخيره و لخير من وراءه من الناس.

ثم شبل في هذا البيت الرفيع؛ يرتع في رياض العلم و الأخلاق، و يتوقل في معارج الكرامة، فلمّا بلغ مبلغ الشباب الغض اصطلحت عليه عوامل الخير، و جعلت منه صورة للفضيلة، ثم كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته و بيئته أثر واضح في نشأته العلمية، ثم في مكانته الدينية بعدئذ، فلم يكد يخطو الخطوة

6

الأولى في حياته العلمية حتى دلّت عليه كفايته، فعكف عليه طلابه و تلامذته، و كان له في منتديات العلم في سامراء و النجف الأشرف صوت يدوي، و شخص يومأ إليه بالبنان.

و منذ ذلك اليوم بدأ يلتمح نجمه في الأوساط العلمية، و يتسع اشراقه كلما توسع هو في دراسته، و تقدّم في مراحله، حتى ارتاضت له الحياة العلمية، على يد الفحول من أقطاب العلم في النجف الأشرف و سامراء، كالطباطبائي، و الخراساني، و فتح اللّه الأصفهاني، و الشيخ محمد طه نجف، و الشيخ حسن الكربلائي، و غيرهم من أعلام الدين و أئمة العلم.

و لمّا استوفى حظه العلمي من الثقافة الإسلامية العالية، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقا عاليا، ساعدته على انشائه ملكاته القوية، و سليقته المطبوعة على حسن الأداء، و تخير الألفاظ، و قوة البيان، و ذرابة اللسان، و سعة الذهن، فكان بتوفيقه بين العلم و الفن ممتازا في المدرسة، مضافا الى ما كان له من الميزة الفطرية في ناحيتي الفكر و العقل.

على أنه لم يكتف من مدرسته بتلقي الدروس و اكتناز المعارف فقط، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة التي كانت تزدحم على أبواب المراجع من أساتذته، و انتفع من الأحداث المؤتلفة، و الحوادث المختلفة التي كانت تولدها ظروف تلك الحياة، فكان يضع لما اختلف منها، و لما ائتلف حسابا، و يستخرج منه نفعا و يقدّر له قيمة، و ينظر إليه نظرة اعتبار، ليجمع بين العلم و العمل، و بين النظريات و التطبيق.

إذن فقد كانت مدرسته- بالقياس إليه- مدرستين: يعاني في احداهما المسائل العلمية، و يعاني في الثانية المسائل الاجتماعية، ثم تتزاوج في نفسه آثار هذه و آثار تلك مصطلحة على انتاج بطولته.

7

في عاملة:

و حين استعلن نضجه، و لمع فضله في دورات البحث و مجالس المذاكرة و التحصيل؛ عاد في الثانية و الثلاثين من عمره- الى جبل عامل- جنوب لبنان، موقرا مشهورا مملوء الحقائب، ريان النفس، و ريق العود، ندي اللسان، مشبوب الفكر، و كان يوم وصوله يوما مشهودا، قذفت فيه- عاملة- بابنائها لتستهل مقدمه مشرقا في ذراها و اجوائها، و استقبلته مواكب العلماء و الزعماء و العامة، الى حدود الجبل من طريق الشام في مباهج كمباهج العيد.

و لم تكن عاملة- و هي منبت اسرته- مغالية أو مبالغة بمظاهر الحفاوة به، أو بتعليق أكبر الآمال عليه، فإنّها علمت- و لمّا يمض عليه فيها غير زمن يسير- أنّه زعيمها الذي ترجوه لدينها و دنياها معا، فتنيط به الأمل عن «عين» بعد أن اناطته به عن «اذن»، و تتعلق به عن خبرة، بعد ما تعلّقت به عن سماع، و تعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى اخباره، أمورا لم تدخل في الظن عند الخبر.

اصلاحه:

و ابتدأت في- عاملة- حياة جديدة شأنها الشدة في الدين، و اللين في الأخلاق و القوة في الحق، و الهوادة مع الضعفاء، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و التطامن لأهل الدين، و التواضع للعلماء، و كانت يومئذ اقطاعيات منكرة، لا تملك العامة معها من أمر نفسها شيئا، و لا تفهم من الحياة في ظلها غير معناها المرادف للرق و العبودية، أو لا يفسح لها أن تفهم غير ذلك من‏

8

حياتها الهينة المسخرة للأقوياء من جبابرة الناس و طواغيتهم، فلمّا استقر به المقام في عاملة لم يستطع اقرار هذا النظام الجائح المستبد بحقوق الجماعة، و لم يجد من نفسه، و لا من ايمانه، و لا من بره، مساغا للصبر على الاقطاعية هذه، و إن ظاهرها الأقوياء؛ و المتزعمون، و المستعمرون، و كل من يتحلب ضرعها المادي الحلوب، لذلك ثار بها و بهم، و أنكر عليها و عليهم؛ و استغلظ الشر بينه و بينهم، فجمعوا له، و أجلبوا عليه، و سعوا فيه، و كان كل سعيهم بورا.

أثر بلاغته:

و كان لمنابره البليغة، و لأساليب ارشاداته البارعة، أكبر الأثر في تحقيق اصلاحه المنشود، و لا غرو فان للسيّد المؤلف مقاما خطابيا يغبطه عليه خطباء العرب، و يعتز به الدين و العلم و الأدب.

و خطابته ككتابته تستمد معانيها و قوتها و غزارتها من ثقافته كلها، و ترتضع في الموضوع الخاص أثداء شتى من معلوماته الواسعة، فاذا قرأته أو سمعته رأيت مصادر ثقافته كلها منهلة متفتحة الأفواه كشرايين الثدي و عروقه، ترفده من كل موضوع وعاه في حياته ما ينسجم و موضوعه الذي هو بسبيله، و على ذوقه الممتاز أن يضع أطراف ما يتدفق إليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه، و يركزه في مكانه، حتى اذا انتهى انهى اذن بحثا نافعا كله غذاء و متاع.

و أعظم به- إلى جانب هذه البلاغة- متخيرا لآلئ معانيه، و ازياء أفكاره يقدرها تقديرا، و يرصفها رصفا، و يبعث فيها حياة تنبضها بما يريد لها من دلالة في مفهوم أو من منطوق، بأوصافه، و اضافاته، و بكل تآليفه المنسوقة المنسجمة.

9

ثم أعظم به محدّثا إذا تشاجن الحديث و تشقق و انساب على سفينة، يمخر العباب، فهناك النكتة البارعة، و الطرفة اللامعة، و النادرة الحلوة، و الخبر النافع.

من هذا و ذاك علقت به النفوس، و اجتمع عليه الرأي، فقاد للخير، و ابتغى المصلحة، و تكاملت له زعامة عامة، يحل منها في شغاف الأفئدة و القلوب، و لم تكن هذه الزعامة مرتجلة مفاجئة، بل كانت عروقها و اشجة الأصول، عميقة الجذور، تتصل بالأعلام من آبائه، و الغر من أعمامه و أخواله، ثم صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية، فأعلت أركانه، و مدت شطئانه و خلجانه.

بيته:

فبيته في ذرى عاملة، مطنب مضروب، للقرى و الضيفان، تزدحم فيه الوفود و تهدى إليه الحشود أثر الحشود، و يصدر عنه المكروب بالرفد المحمود، و هو قائم في تيار الموجتين المتعاكستين بالورد و الصدر، هشاشا، طلق المحيا، لا يشغله تشييع الصادر، عن استقبال الوارد، و لا يلهيه حق القائم عن حقوق القاعد، و لكنه يجمع الحقوق جميعا، و يوفق بينها، فيوزعها عادلة متناسبة.

و لأريحيته الكريمة جوانب انفع من هذا الجانب، و أبعد أثر، فهو مفزع يأوي إليه المحتاجون و المكروبون، و ملجأ يلوذون به في الملمات يستدفعون به المكاره، حين تضيق بها صدور الناس، و تشتد به آلامها، فاذا طفت بيته، رأيت ألوان الغايات من المحتاجين إليه، المعولين عليه في مختلف أحوالهم، و أوضاعهم الخاصة و العامة، ممّا يتصل بدينهم أو دنياهم، و تراه قائما بين هؤلاء و هؤلاء، يجودهم بنفحاته العلوية، و يغدق عليهم من اريحيته الهاشمية، و يبذل لهم من روحه و راحته ما يملأ به نفوسهم مرحا و سرورا، ثم لا يسألهم على ذلك جزاء و لا شكورا.

10

خدماته:

أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الأجنبي، فحدّث عنها و لا حرج، و لا يتسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال، و لكن بوسعي أن أقول لك بكلمة مجملة: أن خدماته العظيمة في العهد التركي، ثم في العهد الفرنسي، ثم في أيام الاستقلال، كانت امتدادا لحركات التحرير، و ارتقاء بها نحو كل ما يحقق العدل و يوطد الأمن، و ينعش الكافة على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهدا في مقاومته، و مناوأة مشاريعه بما تقاوم به السلطات الجائرة من الدس و الاضطهاد و قتل المصالح، و لعل المحن التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاف قومه، لم يكابد نارها إلّا أفذاذ من زعماء العرب و قادتهم، ممّن ابلوا بلاءه و عانوا عناءه.

و ناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعا، إذ أو عزت الى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله، و أقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، و هو بين أهله و عياله، دون أن يكون لديه أحد من أعوانه و رجاله، و لكن اللّه سبحانه و تعالى أراد له غير ما أرادوا، فكف أيديهم عنه، ثم تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل و الهوان، و ما يكاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في «عاملة»، حتى خفت جماهيرهم الى «صور»، تزحف إليها من كل صوب و حدب، لتأتمر مع سيّدنا فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحدث، غير أنّ السيّد صرفهم بعد أن شكرهم، و أجزل شكرهم، و ارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراما.

ثم تلا هذا الحادث أحداث و أحداث اتسع فيها الخرق، و انفجرت فيها شقة

11

الخلاف، حتى أدت الى تشريد السيّد بأهله و من إليه من زعماء «عاملة» الى دمشق، و قد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، اذ كانت السلطة الغاشمة تتعقبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه و بين الوصول الى دمشق، و حين يئست من القبض عليه، عادت فسلّطت النار على داره في (شحور) فتركتها هشيما تذروه الرياح، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أن أباحتها للأيدي الأثيمة، تعيث بها سلبا و نهبا، حتى لم تترك فيها غاليا و لا رخيصا، و كان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيّد بكل ما فيها من نفائيس الكتب و اعلاقها، و منها تسعة عشر مؤلفاته، كانت لا تزال خطية الى ذلك التاريخ.

في دمشق:

و ظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم؛ و تحيط به المكرمات، في ابهة من نفسه و من جهاده و من ايمانه، و كان في دمشق يومئذ مداولات ملكية، و اجتماعات سياسية، و حفلات وطنية، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة و الشعب، كان السيّد في جميعها زعيما من زعماء الفكر، و قائدا من قادة الرأي، و معقدا من معاقد الأمل في النجاح.

و له في هذه الميادين مواقف مذكورة، و خطابات محفوظة، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر و الاعجاب.

و لم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانت الأسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام؛ حتى اذا التقى الجمعان في «ميسلون» و اشتبكا في حرب لم يطل أمدها، و دارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها، غادر السيّد

12

دمشق الى فلسطين و منها الى مصر بنفر من أهله، بعد أن وزع أسرته في فلسطين بين الشام و بين أنحاء من جبل عامل، في مأساة تضيف أدلة الى الأدلة على لؤم، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا الى «عاملة» يجوبون الفلوات و الوديان في «عاملة» ليالي و أياما من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة على أنّهم يبذلون من المال أضعاف القيمة، و يبسطون أكفهم بسخاء نادر، و أخيرا لم يجدوا حلا بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة، بين من بقي من أوليائهم و أصدقائهم على شي‏ء من الوفاء أو الشجاعة.

في مصر:

و حين وصل مصر احتفلت به، و عرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية و عقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم؛ و كانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم، و أقطاب الأدب، و رجال السياسة، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة.

و لم يكن هذا أول عهده بمصر، فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع و عشرين، و دخلت عليه فيها سنة ثلاثين و ثلاثمائة و الف هجرية، في رحلة علمية جمعته بأهل البحث، و جمعت به قادة الرأي من علماء مصر، و عقدت فيها بينه و بين شيخ الأزهر يومئذ- الشيخ سليم البشري- اجتماعات متوالية، تجاذبا فيها أطراف الحديث، و تداولا جوانب النظر في أمهات المسائل الكلامية و الأصولية.

13

في فلسطين:

و حدثت ظروف دعته الى أن يكون قريبا من «عاملة»، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف هجرية الى قرية من فلسطين تسمى (علما) تقع على حدود جبل عامل، و في هذه القرية هوى إليه أهله و عشيرته، و لحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة، و كان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرق، كأنه غير مبعد عن داره و بلده، يتوافد إليه الناس من قريب و من بعيد، و لا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم الضيوف، و فيهم طلاب الحاجات، و فيهم رواد القضاء، و الفقه، و فيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيّد من وجه الرأي. و انسلخت شهور في (علما) تصرفت فيها الامور تصرفا يرضي السيّد بعض الرضا، و ابيح للسيّد أن يعود إلى «عاملة» بعد مفاوضات أدت إلى العفو عن المجاهدين عفوا عاما، و الى وعد من السلطة بانصاف جبل عامل، و انهاضه، و اعطائه حقوقه كاملة.

العودة:

و حين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد الى جبل عامل، و لم تسمح نفس بأن يعود و المجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته و طريقه بعيدة عنها- ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، و كذلك كان، فانّه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حل من الرجوع الى وطنهم و اهليهم.

14

و لعل جبل عامل لم يشهد يوما أبهج و لا أحشد من يوم عودته، و لعله لن يشهد يوما كهذا اليوم، يحشر فيه الجبل من جبله و ساحله في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض، و تطفو فوقه الأعلام رفّافة بالبشر؛ منحنية بالتحية، و الهتاف، جلجلة كجلجلة الرعد في اذن الجوزاء.

و يبدأ من ذلك اليوم موسم للشعر، تفتّقت فيه القرائح العاملية عن ذخائر ممتعة من الأدب العالي، و تفتّحت سلائقهم عن أصدق العواطف، و أسمى المشاعر تنبض بها قوافيهم تهز المحافل في ابداع و تجويد، صباح، مساء، و لقد امتد هذا الموسم الأدبي زمنا طويلا اجتمع في أيامه و لياليه ضخم القيمة، ضخم الحجم، يمكن اعتباره مصدرا لتاريخي الفكر و السياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة.

منزلته في العالم الاسلامي:

ترتسم على كل أفق من آفاق هذا العالم الإسلامي معدودة لرجال معدودين امتازوا بمواهب و عبقريات، رفعتهم الى الأوج الأعلى من آفاقهم، فاذا أسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأ في كبد السماء.

أما الذين ترتسم أسماؤهم في كل أفق من تلك الآفاق، فقليل، و قليل هم، و ليسوا إلّا أولئك الذين علت بهم الطبيعة، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم أفذاذا في دنيا الإسلام كلها، و من هؤلاء الأفذاذ سيّدنا المؤلف، فقد شاءت الإرادة العليا أن تبارك علمه و قلمه، فتخرج منهما للناس نتاجا من أفضل النتاج، و قد لا أكون مبالغا حين استبيح لقلمي أن يسجل: أن السيّد المؤلف يتقدم بما انتج إلى الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال‏

15

أعمارهم لخدمة الدين و المذهب، و بهذا استحق أن يتصدر مجلس الخاصة في العالم الإسلامي اليوم.

حياته العلمية:

و قد يلوح ممّا قدّمنا أن المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله، تصرفه عن النظر في حياته العلمية، و تزحزحه عن عمله الفني، و الواقع أن رجلا يمنى بما مني به «سيّدنا» ينصرف عادة عمّا خلق له من علم و تأليف، فإنّ ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في أمر المكتبة و الكتابة، لو لا بركة وقته، و سعة نفسه، و قدرة ذهنه.

فهو- على حين أنه يوفي حق تلك المشكلات الشاغلة- يوفي حق علمه فيبلغ من المكتبة نصيبه الذي تحتاجه حياته العلمية، و هو منذ ترك النجف الأشرف على اتصال مستمر بالبحث و المطالعة و الكتابة و المناظرة، يخلو كل يوم في فتراته الى مكتبته يستريح الى ما فيها من موضوعات، و ينسى ما وراءها من حياة مرهقة لاغبة.

مؤلفاته:

و ليس أدل على هذا من انتاجه هذا الانتاج الغزير الثري النبيل.

و إن مؤلفاته لتشهد بأنّه من الحياة العلمية، كمن ينصرف إليها، و لا يشغل بغيرها، و أدل ما يدل منها على ذلك، كيفية مؤلفاته لا كميتها؛ فهي و ان كانت كثيرة حتى بالقياس الى رجل يتفرغ إليها، فإنّها من الاصالة و العمق‏

16

و الاستيعاب، حيث لا تدل على أن مؤلفها رجل يمتحنه الناس بتلك المشاغل، و يبتلونه بما عندهم من مشاكل، فهي بما فيها من قوة و متانة، و غور، و نحت، و تفكير، أدل على اتصاله الدائم بحياته العلمية، من جهة؛ و أدل على فضله و خصوبة سليقته، من جهة أخرى.

بهذا الميزان يرجح علم الرجل و فضله، ثم يرجح به امتياز ما كتب، و هو امتياز قليل النظير، فإنّ المؤلفين المكثرين، كثيرا ما تظهر عليهم السطحية، و يميز كتبهم الحشو، أما المؤلف فليس فيما قرأنا من مؤلفاته مبتذل سطحي، و لا رخيص سوقي، بل كل ما كتب أنيق رقيق، رفيع عميق، يجمع بين سمو الفكر و ترف اللفظ، و هو ما أشرنا إليه في صدر كلامنا من كونه حريصا على المزاوجة بين علمه و فنه، فاذا قرأت فصلا علميا خالصا خلت- لقوة اسلوبه و نصاغته- أنك تقرأ فصلا أدبيا، يروعك جماله المستجمع لكل العناصر الأدبية.

على أنّا حين نتجاوز هذه النقطة فمؤلفاته كثيرة من حيث الكمية أيضا؛ و هذا يضاعف القيمة؛ إنّه يدل على ملكة خصبة أصيلة لا يؤخرها أشد العوائق عن الاتقان، و إنّها لتثبت له بطولة فكر، و من بين آثاره القيمة كتابه القيم (الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء)، و هي من أعمق الدراسات، و أصحها منهجا و استنتاجا، و أدلها على تدفق القلم الينبوع‏ (1).

____________

(1) اخذت هذه الترجمة عن حياة المؤلف من كتاب المراجعات بتصرف.

17

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

التفضيل الإلهي حقيقة قائمة في عالم التكوين، كما هي حقيقة ثابتة في عالم التشريع.

و القرآن الكريم يشير الى هذه الحقيقة في آيات متعددة:-

قال اللّه تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ» (1).

و قال سبحانه: «وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» (2).

و قال عز من قائل: «وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ» (3).

و لكن: لما ذا التفضيل؟

لعلّه يمكن أن نجيب على هذا السؤال بأن «النظام الأتمّ» لا يقوم إلّا على قاعدة «التفضيل».

فلو لا تميّز «الشمس» بالطاقة الكبيرة المختزنة في داخلها لانتهت الحياة على سطح الكرة الأرضية خلال فترة بسيطة.

____________

(1) البقرة: آية 253.

(2) البقرة: آية 124.

(3) الرعد: آية 4.

18

و لو لا تميّز «الأنبياء و الأئمة» (صلوات الله عليهم أجمعين) بالذاتية الهائلة التي منحهم اللّه إياها لظل الإنسان هائما على وجهه، و لما اهتدى الى طريق الهداية أبدا.

و على أساس ذلك نستطيع أن نقول: أنّ في التفضيل مصلحة ل «المفضّل» و «المفضّل عليه» معا!

و الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها) فضّلها اللّه تعالى بكلا النوعين من التفضيل.

و هذا الكتاب الذي ألفه العلّامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين (رضوان اللّه عليه) إشارة الى جوانب من هذا التفضيل.

يبقى هنا سؤال أخير: عن سبب طرح هذا البحث؟

و الجواب: هنالك سببان: أحدهما موضوعي: حيث أن للمعرفة قيمة ذاتيّة و قد ورد أن درجات المؤمنين تتفاوت عند اللّه تعالى باختلاف معرفتهم- مضافا الى العوامل الاخرى-.

و ثانيها طريقي: حيث أنّ معرفة عظمة شخصية من الشخصيات هي عامل مهم في القرب إليه، و الاقتداء به، و في ذلك خير الدنيا و الآخرة.

و اللّه ولي التوفيق، هو المستعان.

5/ جمادى الاولى/ 1424 ه

19

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و صلى اللّه على سيّدنا محمد و على آله الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.

و بعد، فإنّ الأبحاث التي كتبت حول الصّديقة الزهراء «سلام اللّه عليها» كثيرة جدا، و لكن هذا الكتاب النفيس (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء) الذي ألّفه السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي؛ كان له الأثر البالغ في ابراز دور الزهراء عليها السّلام و تفضيلها على من سواها من سائر الأمة لما لها من القدسية و الطهارة، و لما خصها اللّه تعالى بها من العصمة و الفيوضات الالهية، و قد أجاد السيد الجليل عبد الحسين شرف الدين العاملي في هذا البحث المختصر، حيث استند الى أربع آيات من آي القرآن الكريم، و استطاع أن يثبت من خلال تلك الآيات الشريفة أفضلية الزهراء عليها السّلام باسلوب رصين متين، و عبارات سهلة واضحة.

و نحن رأينا أن نقوم بتحقيق الكتاب مرّة ثانية، للحاجة الماسة إليه، فشرعنا بتحقيقه سائلين من المولى سبحانه و تعالى أن يوفقنا لذلك، آمين يا رب العالمين.

****

20

عملنا في الكتاب:-

1- قمنا بتقويم نصّ الكتاب.

2- قمنا بتخريج الروايات من المصادر الأم عند أهل السنة.

3- قمنا بتخريج الآيات القرآنية من الكتاب العزيز.

4- إنّ العلامة [] تشير الى ما قمنا به من عمل لتمييزها عن عمل المؤلف.

5- اصلاح بعض الكلمات المغلوطة في أصل الكتاب.

21

[فاطمة الزهراء عليها السلام‏]

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و صلى اللّه على خير خلقه محمّد و آله و سلم تسليما كثيرا.

و بعد: فهذه هي الكلمة الغرّاء في تفضيل فاطمة الزهراء عليها السّلام ألقيتها (1) جوابا لمن سألني، فقال:

هل للإمامية دليل يعتبره خصومهم في تفضيل فاطمة الزهراء على سائر هذه الأمة، و ما ذلك الدليل و الحجة؟ أرجو التفصيل:

فقلت:-

____________

(1) بسم اللّه و علّقت عليها تعليقة تكشف عن دقائق أغراضها، و لطيف إشاراتها، و جعلتها تحت الخط في أسفل صفحاتها، فلا تفوتن الباحثين مطالعتها.

عبد الحسين شرف الدين الموسوي‏

22

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» (1) و تلك السنة لا شبهة فيها لأحد من المسلمين، و ناهيك بهما قولا فصلا، لا يجحده جاحد، و حكما عدلا، لا يكابره معاند.

فهنا مطلبان:

____________

(1) سوره البقرة: الآية 2.

23

المطلب الأول:- في دلالة الكتاب،

من محكماته البينات، «آية المباهلة»، «و آية التطهير» «و آية المودة في القربى»، «و آيات الأبرار»، أدلة قاطعة، تظل أعناق الورى لها خاضعة.

فهنا فصول أربعة:

24

الفصل الأوّل الاستدلال بآية المباهلة على تفضيل الزهراء عليها السّلام‏

25

الفصل الاوّل:- «في آية المباهلة»: و هي قوله عز من قائل:

«فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (1).

أجمع أهل القبلة، حتى الخوارج منهم، على أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يدع للمباهلة من النساء سوى بضعته الزهراء عليها السّلام، و من الأبناء سوى سبطيه و ريحانتيه من الدنيا، و من الأنفس إلّا أخاه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى.

فهؤلاء أصحاب هذه الآية بحكم الضرورة التي لا يمكن جحودها، لم يشاركهم فيها أحد من العالمين، كما هو بديهي لكل من ألمّ بتاريخ المسلمين، و بهم خاصة نزلت‏ (2) لا بسواهم.

فباهل النبي صلّى اللّه عليه و آله بهم خصومه من أهل نجران فبهلهم- و أمهات المؤمنين‏

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 61.

(2) فيما علمه المسلمون، و أخرجه المحدّثون عن أعلام الصحابة رضي اللّه عنهم.

و قد رواه الإمام الواحدي في كتابه «أسباب النزول» بسنده عن جابر بن عبد اللّه.

و كان الشعبي يفسّر الآية فيقول: أبناءنا الحسن و الحسين، و نساءنا فاطمة، و أنفسنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم.

و كذا في صفحة [137] من «أسباب النزول» للواحدي، حيث ذكر فيه آية المباهلة.

و أخرج الدار قطني (كما في الآية التاسعة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الباب 11 من صواعقه): أنّ عليا يوم الشورى احتج على أهلها، فقال لهم:

«أنشدكم باللّه هل فيكم أحد جعله اللّه نفس النبي و أبناءه أبناءه و نساءه نساءه غيري»؟

فقالوا: اللّهم لا ... الحديث.

26

رضي اللّه عنهن- كنّ حينئذ في حجراته صلّى اللّه عليه و آله، فلم يدع واحدة منهنّ، و هنّ بمرأى منه و مسمع.

و لم يدع صفية و هي شقيقة أبيه و بقية أهليه، و لا أم هاني ذات الشأن و المكانة و هي كريمة عمه، الفارج لهمه، ذي الأيادي التي هي من المسلمين طوق الهوادي.

و لا دعا غيرها من عقائل الشرف و المجد، و خفرات عمرو العلى و شيبة الحمد، و لا واحدة من نساء الخلفاء الثلاثة و غيرهم من المهاجرين و الأنصار.

كما أنه لم يدع مع سيدي شباب أهل الجنة أحدا من أبناء الهاشميين، على أنّهم كانوا: «إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً» (1)، و لا دعا أحدا من أبناء الصحابة على كثرتهم، و وفور فضلهم.

و كذلك لم يدع من الأنفس مع علي عمه و صنو أبيه العباس بن عبد المطلب، و هو شيخ الهاشميين، و أجود القرشيين، و أعظم الناس‏ (2) عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

بل لم يدع أحدا من كافة عشيرته الأقربين، و لا واحدا من السابقين الأولين- رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين- و كانوا بمرأى من المباهلة و مسمع، و منتدى من أهلها و مجمع، فلم ينتدب واحدا منهم مع من انتدبهم إليها.

بل لم ينتدب أحدا من سائر أهل الأرض بالطول و العرض، و إنّما خرج صلّى اللّه عليه و آله- كما نص عليه الرازي في تفسيره الكبير-: و عليه مرط من شعر أسود، و قد احتضن الحسين، و أخذ بيد الحسن، و فاطمة تمشي خلفه، و علي خلفها، و هو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا».

____________

(1) سورة الانسان: الآية 19.

(2) فيما أخرجه البغوي في ترجمة أبي سفيان بن الحارث عن أبيه، كما في ترجمة العباس من الإصابة.

27

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا لأزاله بها، فلا تباهلوهم فتهلكوا، و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة (1).

بخ بخ، إنّ من وقف على هذه الوهلة العظيمة، و الروعة الشديدة، التي رهقت أعلام نجران، و ممثلي دينها و دنياها (2) بمجرد أن برز أصحاب الكساء

____________

(1) و هذا الحديث ذكره المفسرون و المحدّثون و أهل السير و الأخبار، و كل من أرخ حوادث السنة العاشرة للهجرة، و هي سنة المباهلة.

قال الرازي بعد إيراده في تفسيره الكبير [ج 3 ص 245].

و أعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير و الحديث.

قلت: بل هي كالضروريات لديهم، فلا يجهلها منهم أحد.

و قد تصدى سيدنا الشريف المقدّس ابن طاوس لتفصيل المباهلة و مقدّماتها و ما كان قبلها في نجران من المؤامرات و المناظرات في جلساتهم المتعددة المنعقدة لذلك، حين دعاهم سيد الأنبياء و المرسلين الى اللّه تعالى، و أرسل إليهم فى ذلك رسله.

فليراجع كتاب «الإقبال» من أراد الوقوف على تفصيل تلك الأحوال، ليرى أعلام النبوة و آيات الإسلام، و بشائر النبيين بسيدهم- محمد- صلّى اللّه عليه و آله و بعترته الطيبين الطاهرين و بذريته المباركة من بضعته سيدة نساء العالمين.

و كنت أردت أن أخرج هذه القضية من كتاب «الإقبال» و أنشرها كرسالة على حدة، تعميما لفوائدها، و تسهيلا لطالبها، و لعل بعض أهل الهمم العالية ممّن حبسوا نفوسهم على نشر الحق يسبقني الى ذلك، فأكون قد فزت بتنبيهه الى هذه المهمة إن شاء اللّه تعالى.

(2) إذ وفدوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليهم ثياب الحبرات جبابا و أردية، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما رأينا وفدا مثلهم، و كان فيهم أربعة عشر رجلا هم زعماء القوم، و في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول الأمر في نجران و هم: «السيد»، و اسمه الأيهم و هو إمامهم، و صاحب رحلهم و «العاقب»: و هو أمير القوم، و صاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلّا عن رأيه، و اسمه عبد المسيح، و «أبو حارثة بن علقمة»:

و هو أسقفهم و حبرهم و إمامهم، و صاحب مدارسهم و كنائسهم، و كان قد شرف فيهم و درس كتبهم، حتى حسن علمه في دينهم، و كانت ملوك الروم قد شرفوه و مولوه و بنو آله الكنائس لعلمه و اجتهاده.-

28

لمباهلتهم، يعلم أن لمحمد و آل محمد صلوات الله و سلامه عليه و عليهم جلالة ربانية تغشي الأبصار، و مهابة روحانية يخفض لها جناح الذل و الصغار.

ألا ترى أولئك الأبطال- و هم ستون فارسا من أسود الشرى و ليوث الوغى- كيف ارتعدت فرائصهم قلقا، و انخلعت قلوبهم فرقا، و نادى عظيمهم بما سمعت، هلوعا جزوعا.

و هذا ليس إلّا للجلالة الربّانية، و العظمة الروحانية التي أدركها خصمهم من أول نظرة الى وجوههم المباركة، فكأنّ الجلالة و العظمة، و المهابة و الأبهة، و قرب المنزلة من الله، و الكرامة عليهم مكتوبة بنوره تعالى، في أسارير جبهاتهم الميمونة، و معنونة في صفحات و جناتهم الكريمة.

و إنّي لأعجب و اللّه من لا يقدر هذا المقام قدره.

و أنت تعلم أنّ مباهلته صلّى اللّه عليه و آله بهم، و التماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده فضل عظيم.

و انتخابه إياهم لهذه المهمة العظيمة و اختصاصهم بهذا الشأن الكبير و إيثارهم فيه على من سواهم من أهل السوابق فضل على فضل لم يسبقهم إليه سابق، و لم يلحقهم فيه لاحق.

و نزول القرآن العزيز آمرا بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث، يزيد فضل المباهلة ظهورا، و يضيف الى شرف اختصاصهم بها شرفا و إلى نوره نورا.

و هناك نكتة يعرف كنهها علماء البلاغة، و يقدّر قدرها الراسخون في العلم العارفون بأسرار القرآن، و هي: أنّ الآية الكريمة ظاهرة في عموم الأبناء و النساء و الأنفس، كما يشهد به علماء البيان، و لا يجهله أحد ممّن عرف أنّ الجمع المضاف حقيقة في الاستغراق.

____________

- نقل ذلك كله الإمام الواحدي في كتابه «أسباب النزول»، و غير واحد من المفسرين و أهل الأخبار.

29

و إنّما أطلق هذه العمومات عليهم بالخصوص، تبيانا لكونهم ممثلي الإسلام، و إعلانا لكونهم أكمل الأنام، و أذانا بكونهم صفوة العالم، و برهانا على أنّهم خيرة الخيرة من بني آدم، و تنبيها الى أن فيهم من الروحانية الإسلامية و الإخلاص للّه في العبودية، ما ليس في جميع البرية، و إنّ دعوتهم إلى المباهلة بحكم دعوة الجميع، و حضورهم خاصة فيها منزّل منزلة حضور الأمة عامة، و تأمينهم على دعائه مغن عن تأمين من عداهم.

و بهذا جاز التجوز بإطلاق تلك العمومات عليهم بالخصوص.

و من غاص على أسرار الكتاب الحكيم، و تدبره و وقف على أغراضه، يعلم أن إطلاق هذه العمومات عليهم بالخصوص، إنّما هو على حدّ قول القائل:

ليس على اللّه بمستنكر * * * أن يجمع العالم في واحد (1)

و لذا قال الزمخشري في تفسير الآية من كشافه: و فيه دليل لا شي‏ء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السّلام‏ (2)، ا ه.

بقيت نكتة يجب التنبه لها، و حاصلها: أنّ اختصاص الزهراء من النساء و المرتضى من الأنفس- مع عدم الاكتفاء بأحد السبطين من الأبناء- دليل على ما ذكرناه من تفضيلهم عليهم السّلام، لأنّ عليا و فاطمة لمّا لم يكن لهما نظير في الأنفس و النساء، كان وجودهما مغنيا عن وجود من سواهما، بخلاف كل من السبطين، فإنّ وجود أحدهما لا يغني عن وجود الآخر لتكافئهما.

و لذا دعاهما صلّى اللّه عليه و آله جميعا، و لو دعا أحدهما دون صنوه، كان ترجيحا بلا مرجح، و هذا ينافي الحكمة و العدل.

نعم: لو كان ثمة في الأبناء من يساويهما لدعاه معهما، كما أنه لو كان لعلي نظير من الأنفس أو لفاطمة من النساء لما حاباهما، عملا بقاعدة الحكمة و العدل و المساواة.

____________

(1) ديوان أبي نواس: ص 180، و فيه: [و ليس للّه بمستنكر] ...

(2) الكشاف: ج 1 ص 363.

30

بقي ممّا دلّت عليه الآية من خصائص علي عليه السّلام فضل تضمحل دونه الخصائص، و تفنى في جنبه الفضائل و المناقب، ألا و هو كونه نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله و جاريا بنص الآية مجراه، الفضل الذي تعنو له الجباه بخوعا، و تطأ من لديه المفارق خشوعا، و يملأ الصدور هيبة و إجلالا، و تصاغر دونه الهمم يأسا من بلوغ مداه‏ «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»* (1).

و أنت هداك اللّه إذا عرفت أنّ اللّه تبارك و تعالى قد أنزل نفس النبي، و أجراها في محكم الذكر مجراها، لا ترتاب حينئذ في أنّه أفضل الأمة و أولاها برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حيّا و ميّتا.

و قد صرح أولياء أهل البيت، و اعترف أعداؤهم بدلالة الآية على هذا التفضيل الخالد في القرآن ذكره، و الطيب في بينات الفرقان نشره، حتى أنّ الرازي مع غرامه بنقض المحكمات، و هيامه في التشكيك و الشبهات، لم يناقش في دلالتها على هذا المقدار من تفضيله عليه السّلام، و إنّما ناقش المحمود ابن الحسن، حيث صرح بدلالتها على تفضيله على من كان قبل محمد من الأنبياء عليه و عليهم السلام.

و أليك عبارة الرازي بعين لفظه:

قال‏ (2): كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي‏ (3)، و كان معلّم الاثني عشرية، و كان يزعم أن عليا رضى اللّه عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلّى اللّه عليه و آله.

____________

(1) سورة الحديد: الآية 21.

(2) في تفسير آية المباهلة، فراجع صفحة 488 من الجزء الثاني من تفسيره الكبير «مفاتيح الغيب»، و الرازي هذا هو الخطيب محمد بن عمر المعروف بفخر الدين الرازي.

(3) هو سديد الدين محمود بن علي الحمصي الرازي الحلي، له كتب منها: «المنقذ من التقليد و المرشد الى التوحيد»، أو المسمى «بالتعليق العراقي»، و قد طبع في مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم في مجلدين، الكنى و الألقاب للقمي:

ج 2 ص 192.

31

و استدل على ذلك بقوله تعالى: «و أنفسنا و أنفسكم»، إذ ليس المراد بقوله «و أنفسنا» نفس محمد (ص)، لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد غيرها و أجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه، فدلّت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد (1)، و لا يمكن أن يكون المراد أنّ هذه النفس هي عين تلك، فالمراد أنّ هذه النفس مثل تلك النفس، و ذلك يقتضي المساواة في جميع الوجوه، تركنا العمل بهذا العموم في حق النبوة و في حق الفضل بقيام الدلائل على أنّ محمدا عليه الصلاة و السلام كان نبيا و ما كان علي كذلك، و لانعقاد الاجماع على أنّ محمدا صلّى اللّه عليه و آله كان أفضل من علي رضى اللّه عنه، فبقي فيما وراءه معمولا به.

ثم الإجماع دلّ على أنّ محمدا عليه السّلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السّلام، فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء عليهم السّلام‏ (2).

فهذا وجه الاستدلال بظواهر هذه، و أمعن النظر تجده قد أوضح دلالة الآية على ذلك غاية الإيضاح، و نادى- من حيث لا يقصد- حي على الفلاح، لم يعارض الشيعة فيما نقله عن قديمهم و حديثهم، و لا ناقشهم فيه بكلمة واحدة، فكأنّه أذعن لقولهم، و اعترف بدلالة الآية على رأيهم.

و إنّما ناقش المحمود بن الحسن- كما لا يخفى- على أنّ الإجماع الذي صال به الرازي على المحمود، لا يعرفه المحمود و من يرى رأيه فافهم.

____________

(1) كما قيل في مديحه عليه السّلام:

و هو في آية التباهل نفس ال * * * مصطفى ليس غيره إياها

و لعلك إذا ضممت قوله: «و أنفسنا» الى قوله تعالى: «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ» و أمعنت النظر في الآيتين، يتجلى لك من الأسرار ما كان خفيا.

(2) التفسير الكبير: ج 3 ص 248.

32

الفصل الثاني الاستدلال بآية التطهير في تفضيل الزهراء عليها السّلام‏

33

الفصل الثاني‏ «في آية التطهير»: و هي قوله جل و علا في سورة الأحزاب:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).

و لا ريب في أنّ أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم في هذه الآية، إنّما هم الخمسة: «أصحاب الكساء».

و كفاك هذا برهانا على أنّهم أفضل من أقلته الأرض يومئذ، و من أظلته السماء، ألا و هم: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و صنوه الجاري بنص الذكر مجرى نفسه و بضعته التي يغضب اللّه لغضبها و يرضى لرضاها، و ريحانتاه من الدنيا سبطاه الشهيدان سيدا شباب أهل الجنة.

فهؤلاء هم أصحاب هذه الآية البيّنة (2) بحكم الأدلة القاطعة و الحجج الساطعة، لم يشاركهم فيها أحد من بني آدم، و لا زاحمهم تحت كسائها واحد من هذا العالم.

____________

(1) سورة الأحزاب: آية 33.

(2) صرح بذلك أبو سعيد الخدري و جماعة من التابعين، منهم مجاهد و غيرهم.

فيما ذكره الإمام البغوي و ابن الخازن و كثير من المفسرين، كما في المقصد الأول من «الشرف المؤبد لآل محمد»، و مؤلفه يوسف بن إسماعيل المعاصر النبهاني.

و من أراد تفصيل القول بنزول هذه الآية في الخمسة بالخصوص، فعليه ب «رشفة الصادي» للإمام أبي بكر بن شهاب الدين العلوي رضي اللّه عنه.

34

و قد أورد الإمام جلال الدين السيوطي‏ (1) في تفسير هذه الآية من كتابه «الدر المنثور» (2) عشرين رواية من طرق مختلفة في أنّ المراد من أهل البيت هنا، إنّما هم الخمسة لا غير.

و ذكر ابن جرير في تفسيره‏ (3) خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية عليهم بالخصوص‏ (4).

و حسبك في ذلك قول رسول اللّه‏ (5): «أنزلت هذه الآية في خمسة: فيّ و في علي و الحسن و الحسين و فاطمة» (6).

و قد أجمعت كلمة أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلامية كلها على أنّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا نزل الوحي بها عليه، ضم سبطيه و أباهما و أمهما إليه، ثم غشّاهم و نفسه بذلك الكساء؛ تمييزا لهم عن سائر الأبناء و الأنفس و النساء فلمّا انفردوا تحته عن كافة اسرته، و احتجبوا به عن بقية أمته، بلّغهم الآية و هم على تلك الحال، حرصا على أن لا يطمع بمشاركتهم فيها أحد من الصحابة و الآل: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (7).

فأزاح صلّى اللّه عليه و آله بحجبهم في كسائه حينئذ حجب الريب، و هتك سدف الشبهات‏

____________

(1) كما في المقصد الأول من «الشرف المؤبد».

(2) الدر المنثور للسيوطي: ج 5 ص 376.

(3) كما في «الشرف المؤبد» أيضا.

(4) تفسير البيان لابن جرير الطبري: ج 12 ص 6.

(5) فيما أخرجه ابن جرير و الطبراني بأسانيدهم إليه صلّى اللّه عليه و آله.

و قد ذكره ابن حجر في تفسير الآية من «صواعقه» و النبهاني في صفحة 7 من «الشرف المؤبد».

(6) و أخرج الإمام أحمد بن حنبل، كما في تفسير الآية من «الصواعق» عن أبي سعيد الخدري، أنها نزلت في خمسة- النبي و علي و فاطمة و الحسن و الحسين-.

و أخرجه عن أبي سعيد أيضا الإمام الواحدي عند بلوغه للآية من كتابه «أسباب النزول» و الإمام الثعلبي في تفسيره الكبير، و كثيرون من المحدّثين و المفسرين.

(7) سورة الأحزاب: آية 33.

35

فبرح الخفاء بحكمته البالغة، و سطعت أشعة الظهور ببلاغه المبين، و الحمد للّه ربّ العالمين.

و مع ذلك لم يقتصر صلّى اللّه عليه و آله على هذا المقدار من توضيح اختصاص الآية بهم عليهم السّلام، حتى أخرج يده من تحت الكساء فألوى بها الى السماء، فقال:

«اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا»، يكرر ذلك و أم سلمة تسمع و ترى إذ كان نزول الآية و قضية الكساء في بيتها.

فقالت: و أنا معكم يا رسول اللّه، و رفعت الكساء لتدخل؛ فجذبه‏ (1) من يدها

____________

(1) أخرج الإمام أحمد بن حنبل في صفحة 323 من الجزء السادس من مسنده، عن أم سلمة، قالت: إنّ رسول اللّه (ص) قال لفاطمة: «ايتيني بزوجك و ابنيك»، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكيا، ثم وضع يده عليهم، ثم قال:

«اللّهم إنّ هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك و بركاتك على محمد و على آل محمد إنّك حميد مجيد».

قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، و قال: «إنّك على خير» اه.

و هذا الحديث رواه بالإسناد الى أم سلمة أيضا أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، و غير واحد من المفسرين و المحدّثين.

و أخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة في صفحة 292 من الجزء السادس من مسنده: أنّ رسول اللّه (ص) كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة، فقال لها: «ادعي زوجك و ابنيك».

قالت أم سلمة: فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون معه، و هو على منامة له، على دكان تحته كساء خيبري، قالت: و أنا أصلي في الحجرة، فأنزل اللّه عز و جل: «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا».

قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها الى السماء، ثم قال:

«اللّهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».

قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: و أنا معكم يا رسول اللّه.

قال: «إنّك الى خير، إنّك الى خير»، اه.

و هذا الحديث أخرجه الإمام الواحدي في تفسير الآية من كتابه «أسباب النزول»، فراجع منه صفحة 412.-

36

و قال: إنّك على خير.

____________

- و أخرجه ابن جرير في تفسيره الآية من تفسيره الكبير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الطبراني و غيرهم.

و أخرج الترمذي و الحاكم و صححاه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و البيهقي في سننه من طرق عديدة عن أم سلمة، قالت: في بيتي نزلت هذه الآية، و في البيت علي و فاطمة و الحسن و الحسين، فجللهم رسول اللّه (ص) بكساء كان عليه، ثم قال:

«اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا»، ا ه.

و أخرج مسلم في باب فضائل علي من صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي و قاص، قال: أمر معاوية ابن أبي سفيان سعدا، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب!!

فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول اللّه (ص) فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم.

سمعت رسول اللّه (ص) يقول له و قد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: «يا رسول اللّه خلفتني مع النساء و الصبيان»؟

فقال له رسول اللّه (ص): «أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوة بعدي».

و سمعته يقول يوم خبير: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله».

فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليا»، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، و دفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.

و لمّا نزلت هذه الآية: «قل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم» دعا رسول اللّه عليا و فاطمة و حسنا و حسينا، فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي» ا ه.

و أخرج مسلم أيضا في باب فضائل أهل البيت من صحيحه، و هو في صفحة 1320 من جزئه الثاني عن عائشة، قالت:

خرج رسول اللّه غداة و عليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:

«إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» ا ه.

و هذا الحديث أخرجه أحمد من حديث عائشة في مسنده، و أخرجه ابن جرير و ابن أبي حاتم و الحاكم و صاحب الجمع بين الصحيحين و صاحب الجمع بين الصحاح الستة و من أراد المزيد فعليه ب «رشفة الصادي» للإمام أبي بكر بن شهاب الدين العلوي، على أنّ في هذا المقدار كفاية لاولي الأبصار.

37

و في ذلك كله صحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة (1).

فيا أهل البصائر برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله العارفين بمبلغه من الحكمة و العصمة، المقدّرين قدر أفعاله و أقواله، هل تجدون وجها لحصرهم تحت الكساء عند تبليغهم الآية عن اللّه تعالى إلّا المبالغة البليغة في توضيح ما قلناه من اختصاصها بهم و امتيازهم بها عن العالمين؟

و هل تفهمون من قوله: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا» إلّا الحصر بهم و القصر عليهم؟

و هل ترون وجها لجذب الكساء من يد أم سلمة و منعها من الدخول معهم- على جلالة قدرها و عظم شأنها-، إلّا الذي ذكرناه؟

فأين تذهبون و أنى تؤفكون: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ* وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ‏ (2).

فيكون بحجبه إياهم في كسائه عابثا؟!

أو يكون بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي» هاذيا؟

أو يكون بجذبه الكساء من يد أم سلمة مجازفا؟!

حاشا للّه: (إن هو إلّا وحي يوحى* علّمه شديد القوى) (3).

و قد تكررت منه صلّى اللّه عليه و آله قضية الكساء، حتى احتمل بعض العلماء تكرار نزول الآية أيضا.

و الصواب عندنا نزولها مرة واحدة، لكن حكمة الصادق الأمين في نصحه ببلاغه المبين اقتضت تكرير تلك القضية مرة في بيت أم سلمة عند نزول‏

____________

(1) تفسير نور الثقلين: ج 4 ص 270، البرهان في تفسير القرآن: ج 4 ص 442.

(2) سورة التكوير، الآيات 19- 22.

(3) سورة النجم: الآية 4 و 5.

38

الآية (1) و تبليغها لأهلها المخاطبين فيها، و أخرى في بيت فاطمة (2) و في كل مرّة يتلو عليهم الآية مخاطبا بها، و هم في معزل عن الناس تحت ذلك الكساء درءا للشبهة في نحور أهل الزيغ.

و قد بلغ- بأبي هو و أمي- في توضيح اختصاص الآية بهم كل مبلغ، و سلك في اعلان ذلك مسالك ينقطع معها شغب المشاغب و لا يبقى بعدها أثر لهذيان النواصب، حتى كان بعد نزول الآية كلما خرج الى الفجر يمر ببيت فاطمة فيقول: الصلاة يا أهل البيت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3).

____________

(1) كما تدل عليه الأحاديث التي سمعتها عن أم سلمة.

(2) و يدل عليه ما أخرجه الإمام أحمد في صفحة 107 من الجزء الرابع من مسنده عن واثلة ابن الأسقع أنّه قال من جملة حديث: أتيت فاطمة أسألها عن علي.

قالت: ذهب الى رسول اللّه (ص)، فجلست انتظره حتى جاء رسول اللّه (ص) و معه علي و حسن و حسين آخذا كل واحد منهما بيده، فأدنى عليا و فاطمة فأجلسهما بين يديه و أجلس حسنا و حسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه- أو قال كساءه- ثم تلا: «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا».

و قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا» ا ه.

و قد أخرج الحديث عن واثلة أيضا كل من ابن جرير في تفسيره الكبير و ابن المنذر و ابن أبي شيبة و ابن أبي حاتم و الطبراني و البيهقي في سننه و صححه الحاكم، و غيره من حملة الآثار و حفظة الأخبار.

قال النبهاني في صفحة 7 من كتاب «الشرف المؤبد» ما هذا لفظه: و قد ثبت من طرق عديدة صحيحة أن رسول اللّه (ص) جاء و معه علي و فاطمة و حسن و حسين قد أخذ كل واحد منهما بيد حتى دخل فأدنى عليا و فاطمة و أجلسهما بين يديه و أجلس حسنا و حسينا كل واحد على فخذه، ثم لف عليهم كساء، ثم تلا هذه الآية: «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا».

قال النبهاني: قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، فقلت: و أنا معكم يا رسول اللّه، فقال: «إنّك من أزواج النبي على خير».

(3) سورة الاحزاب: آية 33.

39

و قد استمر على هذا ستة أشهر في رواية أنس‏ (1).

و عن ابن عباس سبعة أشهر.

و في رواية ذكرها النبهاني‏ (2) و غيره‏ (3) ثمانية أشهر.

فصرح الحق عن محضه، و بدا الصبح لذي عينين، لكن حثالة من أعداء أهل البيت و صنائع بني أمية، و دعاة الخوارج ذهبوا في صرف الآية عن أهلها كل مذهب.

فقال بعضهم: إنّها خاصة بنساء النبي صلّى اللّه عليه و آله و تشبثوا في ذلك بسياق الآية و بالغ عكرمة و مقاتل بن سليمان في الانتصار لهذا الرأي و الاستدلال بالسياق عليه.

و كان عكرمة ينادي به في الأسواق‏ (4) تحاملا على أصحاب الكساء.

و لا عجب: فإنّ عكرمة من الدعاة الى عداوة علي، و السعادة في تضليل الناس عنه بكل طريق.

فعن يحيى بن بكير، قال: قدم عكرمة مصر و هو يريد المغرب.

____________

(1) أخرج الإمام أحمد في صفحة 259 من الجزء الثالث من مسنده عن أنس ابن مالك: أنّ النبي (ص) كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج الى الفجر، فيقول:

«الصلاة يا أهل البيت «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» اه.

و أخرجه الحاكم و صححه و الترمذي و حسنه و ابن أبي شيبه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و الطبراني و غيرهم عن أنس أيضا.

فراجع كتاب «رشفة الصادي» للإمام أبي بكر بن شهاب الدين العلوي.

(2) في صفحة 8 من «الشرف المؤبد».

(3) الدر المنثور: ج 5 ص 378.

(4) فيما نقله عنه جماعة كثيرون، منهم: الواحدي في كتابه «أسباب النزول» و ابن حجر في «صواعقه».

[حيث كان يقول: من شاء باهلته، أنّها نزلت في نساء النبي (ص) خاصة] الدر المنثور:

ج 5 ص 376، سير أعلام النبلاء ج 2 ص 208.

40

(قال): فالخوارج الذين هم في المغرب عنه أخذوا (1).

و عن خالد بن عمران، قال: كنا في المغرب و عندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أن بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يمينا و شمالا.

لبنائه على كفر من عدا الخوارج من أهل القبلة.

و عن يعقوب الحضرمي عن جدّه، قال: وقف عكرمة على باب المسجد، فقال: ما فيه إلّا كافر.

قال: و كان يرى رأي الأباضية (و هم من غلاة الخوارج).

و عن ابن المديني: كان عكرمة يرى رأى نجدة الحروري (و كان نجدة من أشد الخوارج عداوة لأمير المؤمنين).

و عن مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأى الخوارج.

و عن عطاء: كان عكرمة أباضيا.

و عن أحمد بن حنبل: أن عكرمة كان يرى رأي الصفرية (و هم من غلاة الخوارج أيضا).

و حدّث أيوب عن عكرمة أنه قال: إنّما أنزل اللّه متشابه القرآن ليضل به.

(فانظر الى آرائه ما أخبثها).

و عن ابن أبي شعيب، قال: سألت محمد بن سيرين عن عكرمة؟

فقال: ما يستوي أن يكون من أهل الجنة، و لكنه كذاب.

و عن وهيب، قال: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري و أيوب فذكرا عكرمة، فقال يحيى: هو كذاب.

____________

(1) نقل القاضي الجعابي حيث أتى على ذكر عكرمة في كتاب الموالي: أن عكرمة دخل في رأى الحرورية من الخوارج، فخرج يدعو إليهم بالمغرب.

و عن أبي علي الأهوازي كما في ترجمة عكرمة من معجم ياقوت: أنّ عكرمة كان يرى رأي الخوارج و يميل الى استماع الغناء.

قال: و قيل أنه كان يكذب على مولاه.

41

عن ابن المسيب: أنه كذب عكرمة.

و عن عبد اللّه بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد اللّه بن العباس، فإذا عكرمة في وثاق.

فقلت: ألا تتقي اللّه، فقال: إنّ هذا الخبيث يكذب علي أبي‏ (1).

و عن ابن المسيب، أنه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس، و عن ابن عمر أنه قال ذلك أيضا لمولاه نافع.

و عن طاوس: لو أنّ عند عكرمة مولى ابن عباس تقوى من اللّه و كف من حديثه لشدّت إليه المطايا.

و عن ابن ذؤيب: رأيت عكرمة و كان غير ثقة.

و عن يحيى بن سعيد قال: حدثوني و اللّه عن أيوب أنه ذكر له أن عكرمة لا يحسن الصلاة، فقال أيوب: أو كان يصلي؟

و عن محمد بن سعيد: كان عكرمة كثير العلم و ليس يحتج بحديثه و يتكلم الناس فيه.

و عن مطرّف بن عبد اللّه: سمعت أن مالكا يكره أن يذكر عكرمة و لا يرى أن يروي عنه.

____________

(1) هذا لفظ الذهبي في «ميزان الاعتدال»، نقلا عن عبد اللّه بن الحارث، و الذي نقله الرومي في ترجمة عكرمة من معجمه عن عبد اللّه بن الحارث، قال: دخلت على علي بن عبد اللّه بن عباس و عكرمة موثوق في باب الكنيف.

فقلت: أ تفعلون هذا بمولاكم؟

فقال: إنّ هذا يكذب على أبي.

و نقل في آخر ترجمة عكرمة من معجمه أيضا عن يزيد بن زناد، قال: دخلت على علي بن عبد اللّه بن مسعود و عكرمة مقيد على باب الحش، قلت: ما لهذا كذا؟

قال: إنّه يكذب على أبي، ا ه.

فهو بمقتضى هاتين الروايتين تارة يكذب على ابن عباس فينكر عليه ابنه و يعزره، و تارة يكذب على ابن مسعود فينكر عليه ولده و يعزره.

42

و عن أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكا حدّث بشي‏ء لعكرمة إلّا في مسألة واحدة.

و عن سليمان بن معبد السنجي، قال: مات عكرمة و كثير عزة في يوم واحد، فشهد الناس جنازة كثيّر، و تركوا جنازة عكرمة (1).

و عن الفضل الشيباني، عن رجل قال: رأيت عكرمة قائما في لعب النرد.

و عن يزيد بن هارون: قدم عكرمة البصرة فأتاه أيوب و يونس و سليمان فسمع عكرمة صوت غناء، فقال: اسكتوا ثم قال: قاتله اللّه لقد أجاد.

فأما يونس و سليمان، فما عادا إليه ....

الى آخر ما هو مأثور عن هذا الرجل ممّا يدل على سقوطه، فراجع ترجمته في ميزان الاعتدال للذهبي‏ (2)، فإن فيها جميع ما نقلناه الآن عنه.

على أن كل من ترجمه كالعسقلاني في مقدمة فتح الباري‏ (3)، و ابن خلكان في وفياته‏ (4)، و الرومي في إرشاد الأريب الى معرفة الأديب [المعروف‏] بمعجم الأدباء (5) و غيرهم‏ (6)، طعنوا فيه بنحو ما سمعت.

و لمّا ذكر الشهرستاني في كتاب «الملل و النحل» رجال الخوارج، كان عكرمة أول رجل عدّه منهم‏ (7).

____________

(1) و عن الرياشي عن الأصمعي عن نافع المدني نحوه، و عن ابن سلام كما في معجم ياقوت: أنّ أكثر الناس كانوا في جنازة كثيّر.

(2) ميزان الاعتدال: ج 3 ص 93.

(3) مقدمة فتح الباري: ص 424.

(4) وفيات الأعيان: ج 3 ص 265.

(5) إرشاد الأريب الى معرفة الأديب: ج 5 ص 62.

(6) تهذيب الكمال للمزي: ج 20 ص 277، سير أعلام النبلاء: ج 5 ص 12.

(7) الملل و النحل: ج 1 ص 123.

43

و أما مقاتل، فقد كان عدوا لأمير المؤمنين عليه السّلام أيضا، و كان دأبه صرف الفضائل عنه، حتى افتضح بذلك.

قال إبراهيم الحربي- كما في ترجمة مقاتل من وفيات ابن خلكان-: قعد مقاتل بن سليمان فقال (إطفاء لنور أمير المؤمنين): سلوني عمّا دون العرش.

فقال له رجل: أخبرني من حلق رأس آدم حين حج؟ فبهت‏ (1).

و قال الجوزجاني- كما في ترجمة مقاتل من ميزان الذهبي-: كان مقاتل كذابا جسورا (2)، سمعت أبا اليمان يقول: قدم هاهنا فأسند ظهره الى القبلة و قال: سلوني عمّا دون العرش.

«قال»: و حدّثت أنه قال بمثلها بمكة، فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النملة أين أمعاؤها؟ فسكت.

و نقل ابن خلكان هذه الحكاية في ترجمة مقاتل من وفياته من طريق سفيان ابن عيينة (3).

و كان مقاتل مع ذلك كله من رجال المرجئة و غلاة المشبهة بنص جماعة منهم ابن حزم في صفحة 205 من الجزء الرابع من كتابه «الفصل» (4).

و عده الشهرستاني في كتاب «الملل و النحل» (5) من رجال المرجئة.

و قال الإمام أبو حنيفة (كما في ترجمة مقاتل من ميزان الاعتدال): أفرط جهم في نفي التشبيه حتى قال: إنّه تعالى ليس بشي‏ء، و أفرط مقاتل في معنى الإثبات، حتى جعله مثل خلقه‏ (6).

____________

(1) وفيات الأعيان: ج 5 ص 255.

(2) ميزان الاعتدال: ج 4 ص 174.

(3) وفيات الأعيان: ج 5 ص 256.

(4) الفصل: ج 5 ص 74.

(5) الملل و النحل: ج 1 ص 130.

(6) ميزان الاعتدال: ج 4 ص 173.

44

و قال أبو حاتم بن حبّان البستي- كما في ترجمة مقاتل من وفيات ابن خلكان-: كان مقاتل يأخذ عن اليهود و النصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم و كان مشبها يشبّه الرب بالمخلوقين.

«قال»: و كان يكذب مع ذلك في الحديث‏ (1) ...

الى آخر ما قاله أئمة الجرح و التعديل فيه، و لهم فيه و في عكرمة كلام أوضح من ذلك في الجرح، و أصرح منه في التضليل و القدح، لكن المقام لا يسع الاستقصاء، و هذا القدر كاف لما أردناه من سقوط الرجلين، و فساد آرائهما، و بطلان أقوالهما و لا سيما في هذا المقام، فإنّه لا ينتظر منهما فيه إلّا ما يقتضيه الوغر و الحقد، و يستوجبه الخروج و النصب، و لا عجب منهما و إنّما العتب و العجب ممن اعتمد عليهما و هو يعرف كنههما.

أما ما تشبّثا به من وقوع الآية في سياق الخطاب مع النساء!

فتضليل محض، و تمويه مجرد، و إن أطنب في تلفيقه و تزويقه صاحب «نوادر الأصول» (2) و غيره‏ (3) من أعداء آل الرسول.

فإنّهم لم يألوا جهدا في تصويره و تزويره، و لم يدخروا وسعا في تقريره و تحريره، لكن مثلهم في ذلك‏ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ (4).

____________

(1) وفيات الأعيان: ج 5 ص 257، المجروحين من المحدّثين لابن حبان البستي:

ج 3 ص 14.

(2) نوادر الأصول: ج 3 ص 68.

(3) بحر العلوم للسمرقندي: ج 3 ص 48، في ظلال القرآن: ج 5 ص 2862.

(4) سورة العنكبوت: الآية 41.

45

و لنا في ردّه وجوه:- (الأوّل): أنّه اجتهاد في مقابل النصوص الصريحة، و الأحاديث المتواترة الصحيحة، و قد سمعت بعضها.

(الثاني): أنّها لو كانت خاصة في النساء- كما يزعم هؤلاء- لكان الخطاب في الآية بما يصلح للإناث، و لقال عز من قائل: «عنكن» و «يطهركن»، كما في غيرها من آياتهن.

فتذكير ضمير الخطاب فيها دون غيرها من آيات النساء كاف في رد تضليلهم.

(الثالث): أنّ الكلام البليغ يدخله الاستطراد و الاعتراض، و هو تخلل الجملة الأجنبية بين الكلام المتناسق، كقوله تعالى في حكاية خطاب العزيز لزوجته إذ يقول لها: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا* وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ‏ (1).

فقوله: (يوسف أعرض عن هذا)، مستطرد بين خطابيه معها، كما ترى.

و مثله قوله تعالى: قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ* وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏ (2).

فقوله: (و كذلك يفعلون) مستطرد من جهة اللّه تعالى بين كلام بلقيس.

و نحوه قوله عز من قائل: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏ (3).

____________

(1) سورة يوسف: الآية 28 و 29.

(2) سوره النمل: الآية 34 و 35.

(3) سورة الواقعة: الآيات 75- 77.

46

تقديره، (فلا أقسم بمواقع النجوم انّه لقرآن كريم)، و ما بينهما استطراد على استطراد.

و هذا كثير في الكتاب و السنة و كلام العرب العاربة و غيرهم من البلغاء.

و آية التطهير من هذا القبيل جاءت مستطردة بين آيات النساء، فتبين بسبب استطرادها أنّ خطاب اللّه لهن بتلك الأوامر و النواهي و النصائح و الآداب لم يكن إلّا لعناية اللّه تعالى بأهل البيت «أعني الخمسة».

لئلا ينالهم «و لو من جهتهن» لوم.

أو ينسب إليهم «و لو بواسطتهن» هناة.

أو يكون عليهم للمنافقين «و لو بسببهن» سبيل.

و لو لا هذا الاستطراد ما حصلت هذه النكتة الشريفة التي عظمت بها بلاغة الذكر الحكيم، و كمل إعجازه الباهر، كما لا يخفى.

(الرابع): إنّ القرآن لم يترتب في الجمع على حسب ترتيبه في النزول بإجماع المسلمين كافة، و على هذا فالسياق لا يكافئ الأدلة الصحيحة عند تعارضهما، لعدم الوثوق حينئذ بنزول الآية في ذلك السياق.

و لذا كان الواجب في مقامنا هذا ترك فحوى السياق، لو سلم ظهوره بما زعموا، و الاستسلام لحكم ما سمعت بعضه من الأدلة القاطعة، و الحجج الساطعة.

و لا غرو، فإن حمل الآية على ما يخالف سياقها غير مناف للبلاغة، و لا مخلّ بالإعجاز، و قد أجمعوا على أنّه لا جناح بالمصير إليه إذا قامت قواطع الأدلة عليه.

47

و ذهب بعضهم‏ (1) الى أنّ المراد من أهل البيت في الآية من حرمت عليهم الصدقة، و هم: «بنو هاشم كافة»، مستدلين على ذلك بما أخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه عن زيد بن أرقم، و قد قيل له: من أهل بيته؟ نساؤه؟

قال: لا «و أيم اللّه إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع الى أبيها و قومها، أهل بيته أصله، و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده» (2)، ا ه.

و أنت تعلم أن استدلالهم هذا باطل من وجهين:-

(أحدهما): أنّك لو راجعت هذا الحديث من صحيح مسلم، تعلم أن زيدا إنّما سئل عن مراد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأهل بيته الذين ذكرهم في قوله: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي» (3). فأجاب عن خصوص هذا السؤال بما سمعت، و لم يتعرض لبيان المراد بأهل البيت المذكورين في الآية، إذ لم يسأل عنهم.

فكيف ننقل عنه في تفسير الآية ما قاله في تفسير الحديث؟ و هل هذا إلّا كالمغالطة.

و لو سئل زيد عن الآية لأجاب بالصواب، كما فعل أبو سعيد الخدري و مجاهد و غيرهم، و ما كان ليخفى عليه حديث الكساء، و لا ليخالف في تفسيرها سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله.

____________

(1) نسب هذا القول القرطبي في تفسيره ج 14 ص 119، الى الثعلبي، و أنظر كذلك الى الثعلبي في تفسيره: ج 8 ص 44.

(2) صحيح مسلم: ص 1313، باب فضائل علي حديث رقم 37.

(3) المراد من أهل بيته هنا مجموعهم من حيث المجموع، باعتبار دخول أئمتهم فيهم و القرينة على ذلك اقترانهم بالكتاب الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و ليس المراد من عترته و أهل بيته جميعهم على سبيل الاستغراق و الشمول لكل فرد فرد منهم، و هذا المعنى هو الذي أراده زيد بن أرقم.

48

و بالجملة: فإنّ ما نقله مسلم عن زيد خارج عن موضوع مسألتنا هذه، فالاستدلال به هنا ممّا لا وجه له.

(ثانيهما): لو فرضنا أن زيدا فسر الآية بما سمعت، فإنّما هو مفسر لها برأي قد رآه لا تثبت به حجة و لا يقوم به برهان، حيث لم ينقل ذلك التفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما يراه كل من راجع الحديث في صحيح مسلم.

فكيف نعارض به الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة، و نقدمه على النصوص الصريحة و الأحاديث المتواترة الصحيحة؟ لكنا منينا بقوم لا ينصفون، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون. و قد أغرب الرازي، إذ قال في تفسيره: و اختلف في أهل البيت، و الأولى فيهم ما قاله البقاعي أنّهم كل من يكون من الزام النبي (ص) من الرجال و النساء و الأزواج و الإماء و الأقارب‏ (1) ... الى آخر كلامه الذي نسج فيه على منوال البقاعي و خالف به سنة البشير النذير الداعي:

لكم ذخركم أن النبي و رهطه‏ * * * و جيلهم ذخري إذا التمس الذخر

جعلت هواي الفاطميين زلفة * * * الى خالقي ما دمت أو دام لي عمر (2)

و ذهب قوم الى أنّ الآية شاملة للزوجات و لأصحاب الكساء جمعا بين الأدلة و ظاهر السياق. (3).

و يردّه أولا: ما سمعته من كلامنا في السياق فراجعه.

و ثانيا: منع أم سلمة من الدخول تحت الكساء، فإنّه أقوى دليل على خروج النساء.

و ثالثا: لو كان غير علي و فاطمة و ابنيهما مرادا لقال صلّى اللّه عليه و آله حين جللهم‏

____________

(1) التفسير الكبير: ج 9 ص 168.

(2) ديوان أبي تمّام: ج 1 ص 358.

(3) الجواهر الحسان للثعالبي: ج 4 ص 346، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج 14 ص 119.

49

بالكساء: «اللّهم هؤلاء من أهل بيتي»، لكنه قصر أهل بيته عليهم و حصرهم فيهم، فقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».

و في رواية ذكرها ابن حجر في صواعقه: «أنا حرب لمن حاربهم و سلم لمن سالمهم و عدو لمن عاداهم» (1).

و أخرج أحمد بن حنبل من حديث أم سلمة في صفحة 296 من الجزء السادس من مسنده قالت: بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بيتي يوما، إذ قالت الخادم:

إنّ عليا و فاطمة بالسدة.

قالت: فقال لي، فتنحي لي عن أهل بيتي.

قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي و فاطمة و معهما الحسن و الحسين، و هما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما و اعتنق عليا بإحدى يديه و فاطمة باليد الأخرى، فقبّل عليا و قبّل فاطمة فأغدق عليهم خميصة سوداء، فقال: «اللّهم أليك لا الى النار أنا و أهل بيتي» (2) الحديث.

و هو «كما ترى» ظاهر في حصر أهل بيته فيهم عليهم السّلام.

فهل حاباهم صلّى اللّه عليه و آله بكسائه؟

أو آثرهم من تلقاء نفسه بما سمعت من دعائه و ثنائه؟

أو ضل و غوى إذ قال: «أنزلت هذه الآية في خمسة؛ فيّ و في علي و الحسن و الحسين و فاطمة»؟

أو نطق عن الهوى إذ كان يقف كلّ يوم على باب علي و فاطمة عند خروجه‏

____________

(1) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 422.

(2) و أخرجه في آخر صفحة 304 من الجزء 6 عن أم سلمة أيضا.

50

الى الفجر، فيقول: «الصلاة يا أهل البيت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)؟

أو هجر و العياذ باللّه حين قال لأم سلمة: «قومي فتنحي لي عن أهل بيتي»؟

كلا و اللّه: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏* وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ (2).

و للّه درّ الإمام أبي بكر بن شهاب الدين، حيث قال في هذا المقام من كتابه «رشفة الصادي»:

دعوا كل قول غير قول محمد * * * فعند بزوغ الشمس ينطمس النجم‏ (3)

****

____________

(1) سورة الأحزاب: الآية 33.

(2) سورة النجم: الآيات 2- 5.

(3) رشفة الصادي: 24.

51

تنبيهان‏

(أحدهما): إنّ الآية دلّت على عصمة الخمسة، لأنّ الرجس فيها عبارة عن الذنوب، كما في الكشاف‏ (1) و غيره‏ (2).

و قد تصدّرت بأداة الحصر، و هي: «إنّما»، فأفادت أنّ إرادة اللّه تعالى في أمرهم مقصورة على إذهاب الذنوب عنهم، و تطهيرهم منها، و هذا كنه العصمة و حقيتها (3).

____________

(1) الكشاف: ج 3 ص 522.

(2) التفسير الكبير: ج 9 ص 168، تفسير التحرير و التنوير لابن عاشور ج 22 ص 14، تفسير القشيري المسمى بلطائف الإشارات ج 3 ص 38، نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي ج 6 ص 103، البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 8 ص 478.

(3) أورد النبهاني في أول كتابه «الشرف المؤبد» هذه الآية، فنقل عن جماعة من الأعلام ما يدل على أنّهم قد فهموا منها عصمة أهلها عليهم السلام.

و أليك ما نقله بعين لفظه:

قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره يقول اللّه تعالى: «إنما يريد اللّه ليذهب عنكم السوء و الفحشاء يا أهل محمد و يطهركم من الدنس الذي يكون في معاصي اللّه تطهيرا».

«قال»: و روى عن أبي زيد أن الرجس هاهنا الشيطان.

«قال»: و ذكر أي الطبري بسنده الى سعيد بن قتادة أنه قال قوله: «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء و خصّهم برحمة منه.

«قال»: و قال ابن عطية: و الرجس اسم يقع على الإثم و العذاب و على النجاسات و النقائص، فأذهب اللّه جميع ذلك عن أهل البيت.

«قال»: و قال الإمام النووي: قيل هو الشك، و قيل العذاب، و قيل الإثم.

قال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من عمل و غيره. ا ه.-

52

(ثانيهما): أنّها دلت بالالتزام على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام، لأنّه ادعى الخلافة لنفسه و ادعاها له الحسنان و فاطمة، و لا يكونون كاذبين، لأنّ الكذب من الرجس الذي أذهبه اللّه عنهم و طهرهم تطهيرا.

****

____________

- و فسر الشيخ محيي الدين بن العربي لفظ الرجس في الباب 29 من فتوحاته بكل ما يشين.

و أليك عبارته:

قال: و قد ذكر النبي (ص) قد طهره اللّه و أهل بيته تطهيرا و أذهب عنهم الرجس و هو كل ما يشينهم، فإنّ الرجس هو القذر عند العرب، هكذا حكى الفراء ... الى آخر كلامه.

الفصل الثالث الاستدلال بآية المودة على تفضيل الزهراء عليها السّلام‏

53

الفصل الثالث‏ في آية المودة، و هي قوله تبارك و تعالى في آل حم الشورى:

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1) وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (2).

أجمع أهل البيت و تصافق أولياؤهم في كل خلف على أنّ القربى إنّما هم:

علي و فاطمة و ابناهما، و أنّ الحسنة في الآية إنّما هي مودّتهم، و أنّ اللّه تعالى غفور شكور لأهل ولايتهم‏ (3). و هذا عندنا من الضروريات المفروغ عنها، و فيه صحاح متواترة عن أئمة العترة الطاهرة، و أليك ما هو مأثور عن غيرهم:

أخرج أحمد (4) و الطبراني‏ (5) و الحاكم‏ (6) و ابن أبي حاتم‏ (7)، عن ابن عباس «كما نصّ عليه ابن حجر في تفسير الآية 14 من الآيات التي أوردها في‏

____________

(1) القربى مصدر كالزلفى و البشرى و هي بمعنى القرابة، و الاستثناء هنا متصل، و المعنى: لا أسألكم على أداء الرسالة شيئا من الأجر إلّا أن تودوا قرابتي، فهو على حدّ قول القائل:

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم‏ * * * بهن فلول من قراع الكتائب‏

و يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: لا أسألكم عليه أجرا قط، و لكن أسألكم أن تودّوا قرابتي. و كيف كان فمودتهم فريضة.

(2) سورة الشورى: الآية 23- 24.

(3) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة للأسترابادي ص 530.

(4) كتاب الفضائل لأحمد: [ج 2 ص 669]، قال: و فيما كتب إلينا محمد بن عبد اللّه بن سليمان يذكر أنّ حرب بن الحسن الطحّان حدّثهم، قال: حدّثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا نزلت (قل لا أسألكم عليه أجرا إلّا المودة في القربى)، قالوا: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي و فاطمة و ابناهما.

(5) المعجم الكبير من ترجمة الإمام الحسن عليه السلام: ج 3 ص 39.

(6) المستدرك على الصحيحين، من كتاب التفسير، سورة الشورى: ج 3 ص 51 قريبا منه.

(7) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم: ج 10 ص 3276.

54

الفصل الأول من الباب 11 من صواعقه، قال: لمّا نزلت هذه الآية، قالوا:

يا رسول اللّه: من قرابتك هؤلاء الذين و جبت علينا مودتهم؟

قال 9: علي و فاطمة و ابناهما (1). ا ه». و هذا الحديث أخرجه عن ابن عباس أيضا ابن المنذر، و ابن مردويه‏ (2) و المقريزي‏ (3)، و البغوي‏ (4)، و الثعلبي‏ (5) في تفاسيرهم، و الجلال السيوطي في درّه المنثور (6)، و الحافظ أبو نعيم في حليته‏ (7)، و الحمويني الشافعي في فرائده‏ (8)، و غيرهم من المفسرين‏ (9) و المحدّثين‏ (10).

و أرسله الزمخشري في كشافه، و استدل على اعتباره بروايات رواها في الكشاف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فمنها: ما روي عن علي قال: شكوت الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حسد الناس لي، فقال: «أ ما ترضى أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنة: أنا و أنت و الحسن و الحسين»؟

و منها قوله صلّى اللّه عليه و آله: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي و آذاني في عترتي».

____________

(1) الصواعق المحرقة لابن حجر: ج 2 ص 487.

(2) فيما نقله عنهما النبهاني في أربعينه.

(3) و نقله النبهاني عنه في «الشرف المؤبد». [فضل آل البيت للمقريزي ص 68].

(4) معالم التنزيل للبغوي ج 5 ص 48.

(5) الكشف و البيان للثعلبي: ج 8 ص 310.

(6) [الدر المنثور: ج 5 ص 701] و نقله عنه النبهاني في «الشرف المؤبد».

(7) حلية الأولياء: ج 3 ص 201.

(8) فرائد السمطين للحمويني: ج 2 ص 13.

(9) ارشاد العقل السليم الى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود: ج 6 ص 66، فتح القدير:

ج 4 ص 643.

(10) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ص 25، مناقب الإمام علي بن أبي طالب (ع) لابن المغازلي: ص 258.