تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
3

[الجزء الاول‏]

مقدّمة المترجم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

نازعتني نفسي أن أقنع بشبه المقدّمة التي صدّرها الناشر للكتاب و أسلم من المؤاخذات التي تحاسبني على مقدّمتي بعد كتابتها، إذ ليس من اللائق بي بعد صرف هذا الجهد المضني على الترجمة أن أترك إبداء الملاحظات التي بدت لي خلالها مع علمي بمكانة المؤلّف العلميّة، فهو كما نصّ عليه أرباب التراجم: الشيخ الفقيه عماد الدين و عماد الإسلام الموثوق به عند العلماء الأعيان، العالم الخبير المتدرّب النحرير، المتكلّم الجليل، المحدّث النبيل، الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن الحسن الطبريّ أو «الطبرسيّ» الآمليّ الاسترآباديّ، كان معاصرا للمحقّق الطوسيّ و المحقّق الحلّيّ و العلّامة (1)، آرائه الفقهيّة منقولة في الكتب نقلها الشهيد الثاني في رسالة صلاة الجمعة، و المحقّق السبزواريّ في ذخيرته عند مبحث صلاة الجمعة و كذلك القاضي نور اللّه التستري و آخرون، كان من أفاضل عصره و من فحول الإماميّة و أكابرهم، له مصنّفات جيّدة في الفقه و الحديث و الكلام و غيرها، همّ فيها بتشييد قواعد الدين و تحقيق حقائق المذهب.

____________

(1) انظر المصادر الآتية لا سيّما رياض العلماء 1: 268 و أعيان الشيعة 5: 213 و اعلم بأنّ هذا الكلام ليس منّي و إنّما نقلته من مقال عنه في مقدّمة «أسرار الإمامة» له.

4

و قد نالت كتبه الفقهيّة اهتمام الفقهاء المتأخّرين، و نقلوا آرائه في كتبهم، و هذا دليل ساطع على جلالته و وثوقه عند فقهاء كبار أمثال الشهيد الثاني و صاحب الذخيرة و غيرهما، و ثمّة دليل آخر على تبحّره في العلوم الإسلاميّة و خاصّة الفقه و الكلام، هو ما نستشفّه من كلمات الثناء التي مدحه بها أصحاب التراجم، و أشرنا إلى بعضها في البداية.

يقول المرحوم المحدّث القمّي الذي أورد ترجمة مفصّلة للمؤلّف في كتاب (الفوائد الرضويّة): و اعتنى به الوزير المعظّم بهاء الدين محمّد بن الوزير شمس الدين محمّد الجويني المشهور بصاحب الديوان المتولّي حكومة بلاد فارس في عصر هلاكو، و كانت للشيخ منزلة رفيعة و مكانة سامية عنده.

نسبه و موطنه:

ذكر معظم أرباب التراجم نسب المؤلّف على النحو الآتي: الحسن بن عليّ بن محمّد ابن عليّ بن الحسن عماد الدين الطبريّ، و ذهب بعض آخر منهم إلى أنّه الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن محمّد بن الحسن عماد الدين الطبريّ.

و قال المؤلّف عن نفسه في مواضع من كتاب (كامل البهائي) أنّه الحسن بن عليّ ابن محمّد بن الحسن الطبريّ، و إذا علمنا أنّ المؤلّف سمّى نفسه في مواطن أخرى الحسن بن عليّ الطبريّ فإنّنا على يقين أنّه كان يراعي الاختصار في تعريف نفسه و أنّ جدّه الأوّل محمّد، و جدّه الثاني عليّ، و جدّه الثالث الحسن كما جاء ذلك أيضا في كتاب كامل البهائيّ المطبوع، و هكذا ذكره صاحب الذريعة في أكثر المواضع التي أورد فيها مؤلّفاته.

و أمّا نسبته إلى طبرستان فشي‏ء ذكره المؤلّف مرارا و صرّح به أرباب التراجم كما أنّه نفسه انتسب أيضا إلى مازندران و هما واحد، و لا شكّ أيضا في كونه من بلد

5

آمل الذي كان في القديم أوّل طبرستان كما نسبه إليه جمع كثير من العلماء و هذا العنوان كما يطلق عليه يطلق على بعض آخر من العلماء أيضا ... الخ، انتهى موضع الحاجة منه.

و مؤلّفاته تعرب عن فضله لا سيّما ما كان منها في تشييد المذهب، و رجل كهذا كيف يخترق مجاله العلميّ فيؤخذ عليه أنّه قال ما لا ينبغي أن يقال، أو كتب ما لا يصحّ خلا أنّني وجدت كثيرا من هذا و ذاك في كتابه «كامل البهائي» و داخلتني الحيرة و تأرجح قلمي بين ما تراه عيني و يشعر به فكري و بين مكانة المؤلّف السامية في عالم التشيع لأنّه واحد من روّاده في أقطار البلد المحروس ايران. و ينبغي أن تستثنى مدينة «قم» حيث أنّها لم يسبقها سابق في هذه الريادة و لم يلحق بها لا حق، و لعمري أنّها سبقت العالم كلّه في تبلور الشخصيّة الشيعيّة داخل إطار المذهب الجعفريّ، و أنّ لها مواقف لا تطال في الدعوة إلى الأخذ بهذه المدرسة ليس في ايران وحدها بل في الوطن الإسلامي كلّه.

و لا يخامرني ريب بأنّها حامي حمى الإسلام في ايران و لولاها لكانت ايران في عهد رضاخان قد تحوّلت من النقيض إلى النقيض و كان هذا الجبّار ينوي أن يقوم في ايران بالدور الذي قام به أتاتورك في تركية لو لا أنّه ارتطم في الصخرة التي لا تؤثّر فيها معاول الزمن و هي «قم» المدينة المقدّسة العالمة، و قاسى هذا البلد الأمين ما قاساه من صولة الحاكم المتمذهب بغير مذهبها و لكنّها صبرت على اللأواء و الشدّه صبر الأحرار حتّى قهرت الزمن و لم يقهرها، و طامنت من جماحة فلان عصيه لها و سمّاها المعصوم: «عشّ آل محمّد» و هي بحقّ عشّ ذهبي لهم و لشيعتهم، و لست أرى بلدا في الإسلام نظير هذا البلد لم يأو إلى دوحه سوى مذهب آل محمّد منذ نشأته على يد الأشاعرة الشيعة و إلى يوم الناس هذا لذلك يعتبر طليعة الروّاد في المذهب. أمّا خارج حدود هذا البلد الأمين و في محيط الأمّة الإيرانيّة فقد تسود

6

المذاهب العاميّة الأخرى بعنف دمويّ لأنّ أوّل الدواء عندها كآخره القتل و القتل وحده و تصفية الخصم، فكانت نقمة جبّارة على ذاتها و على غيرها من الذوات، و حينئذ حين يطلع في هذا الجوّ المكفهرّ كوكب وضّاء يضي‏ء للشيعة حوالك الزمن كصاحبنا عماد الدين و ينطلق من أسار هذا المناخ القائم و يجنح شطر الحق لا لمصلحة اقتضت ذلك منه بل انجذابا إلى الدليل الذي لا يخترق و البرهان الذي لا يقهر.

هنا يبدأ الغلوّ في الحرص من أبناء المذهب على مثل هذه الشخصيّة فيعد الحديث عنه بغير الأكبار و الإعجاب ضربا من التفريط به و لم يكن ذلك محض تعصّب و عناد بل نظرا لعطائه الضخم في علوم زمانه ممّا يجعل من المستحيل تحميله الهفوات الواردة في كتابه لبساطتها بحيث لا تخفى على من همّ دونه بمراتب كثيرة فما بالك به و هو العالم المتكلّم البحّاثة الواعي الملمّ بعلوم عصره و المحيط بمعارف زمانه.

و هنا أقول بصراحة: خامرتني هيبة من يرمي بنفسه إلى البحر من سفينة في أن أقول لعماد الدين: أخطأت أو قصّرت أو التبس عليك أو أو أو إلى آخره، إلّا أنّي رأيت الأمانة العلميّة و علاقتي النقيّة مع القارئ المقامة على الحقّ و الصدق و الصراحة أكبر من هذه المشاعر فحملني ذلك كلّه على كتابة المقدّمة و إن جرّ البعض إلى لومي و تقريعي و الذي يشفع لي فيما رأيت أنّي أنقد مستغربا لا جارحا، و قطع عليّ التعجّب من المؤلّف بعد الإعجاب به أنّي عزوت جلّ الهفوات إلى يد خفيّة تصرّفت بالكتاب تصرّفا إن لم تفقده مكانته العلميّة التي استحقّها بين الكتب فقد رقطت وجهه الناصع بها كما يرقط الوجه الجميل بالنمش.

وجدت في الكتاب أخطاءا لغويّة و تاريخيّة و حتّى كلاميّة أيضا و لكن بعد إجهاد الفكر و اضطرابه في هذا المنحى الصعب أخالني بلغت شاطئ الحقيقة و لم أبحر في أعماقها حتّى النهاية بما بادهني من الشعور المستأنس بأنّ النصّ قد تصرّف-

7

بالبناء للمجهول- فيه. و تسربت إليه خيوط من غير نسجه من أنوال جاهله و ربّما كانت عفويّة و لكن لا أستبعد أن يكون ذلك قصدا، و يبقى من المهمّ جدّا التعرف على الدافع الذي حمل الناسخ على استبدال لفظ مكان آخر أو وضع جملة محلّ أخرى، و إنّما عصبت التهمة بجبين الناسخ و نظرائه ممّن يملكون القدرة على التلاعب بالآثار، فلأنّ الألفاظ التي جرى تغييرها ليست ممّا يخطأ فيه الغبي الجاهل فضلا عن الحكيم العالم، خذ على سبيل المثال ترجمة المؤلّف قول الإمام لمروان «أما إنّ له إمرة» بالمرأة- زن- فهذا كيف يخطأ فيه عماد الدين المتكلّم و المؤرّخ و الفقيه الحاذق، و المؤلّف باللغة العربيّة أيضا، و جلّ الألفاظ المبدلة على هذا النمط البسيط.

أضف إلى هذا لغة الكتاب الفارسيّة فما كانت تشبه سبك عصر المؤلّف و هي أقرب إلى الفترة القاجاريّه منها إلى ذلك العصر المغولي. هذا كلّه و منه ما أترك بيانه لدارسي الكتاب و المؤلّف و عصره من ذوي الاختصاص حملني على الاعتقاد بتسرب نسيج العنكبوت إلى خيوط هذا الكتاب القيّم الحريريّة فعلمت أنّ وراء هذا الإسفاف عقولا متدنيّة إلى درجة العناء.

لا سيّما و الكتاب غير محقّق و لم يشر الناشر إلى النسخة التي اعتمدها في طبع الكتاب فللكتاب نسخ عدّة ذكرها الشيخ أغا بزرك الطهراني رحمه اللّه و ليست نسخة واحدة، و يجمل بنا أن نذكر هنا ما قاله شيخنا العظيم الأغا بزرك الطهرانيّ رحمة اللّه تعالى عليه فإنّه قال في الذريعة:

«كامل البهائي» فارسيّ في الإمامة و شرح ما جرى بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لذا يسمّى ب «كامل السقيفة» للشيخ عماد الدين الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ الطبريّ، و في النسخة المطبوعة بدل جدّه علي الطبري الحسن، و هو المعاصر للخواجه نصير الدين الطوسي، كتبه بأمر الوزير بهاء الدين محمّد بن الوزير شمس‏

8

الدين محمّد الجويني صاحب الديوان و المتولّي لحكومة اصفهان في دولة هولاكو المغول.

إلى أن يقول: قال في الرياض: و هو كتاب كبير في مجلّدين، و المتداول منه المجلّد الأوّل و هو في أحوال أمير المؤمنين و إثبات إمامته و إبطال غيره، و المجلّد الثاني في أحوال باقي الأئمّة و قد رأيت منه نسخة تامّة بكاشان عند كلانتر تلك البلدة و أخرى بأسترآباد في كتب المولى حسين الأردبيلي و يوجد أيضا نسخة عتيقة عند المولى ذو الفقار و نسخة تامّة في اصفهان عند الميرزا أشرف بن الميرزا حسيب و الذي عندنا إنّما هو المجلّد الأوّل منه، و قال قبل ذلك: إنّ الموجود عندي هو المجلّد الأوّل إلى آخر شهادة الحسين (عليه السلام).

أقول: الميرزا أشرف هو صاحب فضائل السادات المطبوع، و قد كانت عنده النسخة بتمامها و ينقل عنها في كتابه كما صرّح به في (الرياض)، فلو وجد في كتابه النقل عن (الكامل) مع عدم وجوده في النسخة المطبوعة منه يعلم أنّه منقول عن مجلّده الثاني فإنّ الطبوع منه هو المجلّد الأوّل فقط كما يأتي، و نسخة الرضويّة المكتوبة في 974 ق مطابق مع المطبوع، و نسخة في المجلس: 2077 غير مؤرّخة يرجع إلى القرن الثامن ساقط الأوّل و الأخير.

إلى أن قال: و قد طبع في بمبئي في 1323 المجلّد الأوّل فقط و فيه حكاية سماعه في اصفهان في 603 عن مفتي يزيديّ، و منه إلى فراغ الكتاب أزيد من سبعين سنة، فإمّا تاريخ السماع غلط أو أنّه كان من المعمّرين لأنّه ألّف أسرار الإمامة في 698 و الأوّل أظهر لأنّ النسخة المطبوعة مغلوطة للغاية، و أمّا المجلّد الثاني فما عثرت عليه إلى اليوم‏ (1).

____________

(1) الذريعة 17: 252.

9

فهل أنّ النسخة المطبوعة اليوم طبعت على نسخة بمبئي لابدّ أن تكون الحال كذلك لكثرة أغلاطها.

و كان على الناشر أن يتحرّى الدقّة في نشره الكتاب بتحرّيه الخير، فلا يجمد على ما أسداه الأوائل لعصرهم و عليه القيام بتحقيق هذا التراث القيّم فيميط عنه ما علّق به من غبار التشويه و التغيير فيعمد إلى تحقيق الكتاب و على رأس ذلك صحّة نسبته لمؤلّفه و تبيين النسخ المعتمدة الخطّيّه في طباعته أو حتّى النسخة الواحدة إن لم يوجد سواها إلّا أنّه لا يوجد شي‏ء من هذا في الطبعة الإيرانيّة للكتاب، و لست أعرف السرّ في إهمال مثل هذا الكتاب بدون تحقيق، و لو صرف مثّقّفونا بعض الجهد على تحقيقه لكان خيرا من عشرات الكتب التي كتبت بعده أو في عصرنا، و أخرجت إخراجا جيّدا أنيقا، و ما كان مردودها ليناسب جمال إخراجها، أمّا هذا الكتاب و غيره من الكتب المدافعة عن المذهب فلست واجدا من يعني بأمرها.

و الكتاب تجاوز صداه اللغة التي كتب بها و صار مفزع العلماء و مصدرهم الذي لا يستغنى عنه في موضوعه و لكنّي وجدت محتواه التاريخيّ في بعض جوانبه دون سمعته بأشواط لأنّ غرائبه كثيرة و فيه أساطير يكذّبها العقل و النقل نظير قتل معاوية لعائشة بالشكل الذي أورده رحمه اللّه فإنّه لا يعقل على الإطلاق و المشكله أنّه أورده مرسلا و هي طريقته في المستغربات و لم يعزه إلى مصدر أيضا حتّى بالوجادة فثبوت وضعه لا يحتاج إلى كبير جهد، و مثل هذه الأمور تجد الكثير في الكتاب.

هذا من جهة و من جهة أخرى، تجده يقصر في إشباع الموضوع الذي أثبت الفصل من أجله نظير الفصل الذي خصّصه لدحض النسب الأمويّ فلم يأت بشي‏ء يذكر اللهمّ إلّا جملة قصيرة في صدره ثمّ الخوض في مسائل لا ينظمها سلك واحد.

10

و أعجب ما رأيت منه إعراضه عن ذكر أمّ البنين (عليها السلام) بل تجنّب ذكرها من رأس كأنّه لا يصحّح وجودها بل هذا هو رأيه على الحقيقة فلم يشر إلى وجودها و لو على طريقة الردّ و إنّما نسب العبّاس (عليه السلام) إلى ليلى بنت مسعود الثقفيّة و جعل له أخا واحدا منها و سمّاه جعفرا و كنّاها بأمّ البنين، و هذا خرق غير مسئول لإجماع المؤرّخين و كان عليه تحقيقا أن يشير إلى من ذكر وجودها ثمّ يعمد إلى إثبات ما يراه فلماذا لم يفعل ذلك ليت شعري.

كما أنّه يؤكّد وفاة أمّ كلثوم في دمشق الشام فإذا ثبت ما يقوله البعض من أنّ زينب هي أمّ كلثوم يقع شطر من تاريخ كربلاء في مهبّ الشكوك و إن إفاد في رفع طائلة الإبهام عن القبر المنسوب في دمشق.

و يزعم أنّ بقاء أهل البيت في دمشق امتدّ إلى أكثر من عشرة أيّام من ربيع الأوّل و فيه رحلوا إلى مدينة جدّهم و لازم هذا القول إنكار يوم الأربعين و لم يصرّح بذلك لفظا لو لا اقتضاء اللزوم، و لعلّه أوّل من فتح للشيخ النوري الطريق إلى إنكاره لأنّه اعتمد على كامل البهائي و جعله من أوّل مصادره في كتابه «لؤلؤ و مرجان» و ناقش الشيخ الطوسي بقوّة ما رواه السيّد ابن طاووس في آخر اللهوف من أنّ أهل البيت قالوا للدليل مر بنا على طريق كربلاء فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري رحمه اللّه و جماعة من بني هاشم ... الخ‏ (1). و ما من ريب أنّ النوريّ رحمه اللّه تأثّر بكتابه فقد ذكره بكثير من الإعجاب و أثنى عليه و سمّاه العالم الجليل البصير عماد الدين الحسن بن عليّ الطبرسيّ صاحب المؤلّفات الرائقة مثل أسرار الإمامة و غيرها مثل كامل السقيفة المعروف بكامل البهائي ... الخ‏ (2)

____________

(1) النوري، لؤلؤ و مرجان: 149.

(2) نفسه: 158.

11

و لا بدّ من كون الشيخ النوري حائز على النسخة الصحيحة و إلّا لما اعتعنى بالكتاب.

و أعجب ما رأيت من هذا المؤلّف هو غارته الشعواء على كتاب «التعجّب» للشيخ الكراجكيّ فقد استلّ بل استلب منه ما ينيف على الربع في مناظراته من دون إشارة و لو بالكناية إلى صاحبه أو إليه، و مهما قلنا عن حسن نيّة المؤلّف أو عن مكانته العلميّة فإنّه لا يعذر على الإطلاق، على أنّه استند إلى كتب ليست في مستوى التعجّب من قبيل كتاب فعلت فلا تلم في المثالب أو الحاوية فإنّه ذكرها أحسن ذكر، فما السبب في إهمال كتاب التعجّب و قد أتخم كتابه من مادّته البديعة، و الكتاب و إن صغر حجمه إلّا أنّه كبير المحتوى عظيم الفائدة على كلّ مسلم مطالعته بإمعان ليقف على حقيقة الخصوم، و لا يمكن أن تكون المسألة عفويّة و لا عكسيّة لأنّ الكراجكيّ عليه الرحمة توفّي سنة 449 و اسم الكتاب الكامل «التعجّب من أغلاط العامّه في مسألة الإمامة» و عماد الدين الطبري صاحبنا كتب كامل البهائي سنة 675 فبين الكتابين حدود: 236 سنة، و لم يشر أحد إلى ذلك ممّن كتب عن الكامل أو مؤلّفه و لا أقصد هنا التشهير به نعوذ باللّه من ذلك لأنّي أعتزّ بالمؤلّف اعتزازا فاق حدود المتصوّر، و لكنّي أردت جلاء الحقيقة و إن أوقف القارئ على جليّة الأمر لأنّي دهشت حقّا حين رأيت الرجل ينقل مناظرات الكراجكيّ بقضّها و قضيضها إلى كتابه دونما إشارة إليه و رأيت ذلك حقّا مضيّعا للكراجكيّ فآثرت الإشارة إليه و خلصت إلى نتيجة و ثقت بها لنفسي من أنّ عماد الدين الطبريّ رحمه اللّه مناظر لا يشقّ له غبار و هفوته مغفورة في هضم حقّ الكراجكيّ يشفع له الهدف السامي من تأليف الكامل الذي نصّ عليه في آخر الكتاب و لكن المؤرّخ يتضائل فيه إلى درجة الإسفاف.

ثمّ أنا على يقين من أنّ الهفوات اللغويّة في الكتاب ليست منه بل هي مدسوسة

12

فيه، و نحتاج لكي نصل إلى نتيجة مرضيّة إلى دراسته ببذل جهد طائل مركّز، كما أنّي واثق بل لا محيد عن ذلك من أنّ الرجوع إلى نسخة الخطّيّة يفيد كثيرا في كشف الحقيقة، أمّا الهفوات فقد ذكرتها في الهوامش و سيطّلع عليها القارئ و لا حاجة إلى تكرارها في المقدّمة.

نبذة عن الكتاب‏

و الكتاب نفيس للغاية و مهمّ جدّا و فيه ريّ لأوام الولي و شفاء لعلّته بما يورده من حجج دامغة على الخصم تبصرة بحقيقته إن كان ممّن يتبصّر، و كان من الحقّ ألّا تخلو المكتبة العربيّة منه، لذلك عرض عليّ الأستاذ الكبير و الناشر القدير صاحب المكتبة المضيئة أمس و اليوم و غدا إن شاء اللّه الأخ أبو زينب ترجمته فلبّيت مسرعا و جعلته شكرا للّه على سلامتنا هو من مرضه الذي ألمّ به و أنا من حادث الاصطدام الذي كاد يؤدّي بحياتي لو لا فضل اللّه عليّ و عليه و شكرا له على تعاهدة مثل هذه الآثار و تعهّده للمؤلّفين و المترجمين ببذل خير الجهد لنشر آثارهم و الحمد للّه بدءا و ختاما.

و أختم المقدّمة بالتصدير الذي صدّر به الناشر الكتاب و قد أخذه من الفوائد الرضويّه و فيه ذكر لمؤلّفات الطبري التي أغنانا عن ذكرها في المقدّمة.

المترجم- محمّد شعاع فاخر

13

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

[كلام محدث القمى‏]

التصدير: شرح حال المؤلّف مطابقا لما تفضّل به المحدّث القمّي رضوان اللّه عليه‏

قال المحدّث القمّي في كتابه الفوائد الرضويّة ص 111: الحسن بن عليّ بن محمّد ابن الحسن عماد الدين الطبريّ شيخ عالم، ماهر خبير، متدرّب، نحرير متكلّم جليل محدّث نبيل، فاضل، فهّامة.

معاصر للخواجه نصر الدين الطوسي و المحقّق الحلّي و العلّامة الحلّي، و هو صاحب الكتب الشريفة في أصول المذهب و تشييد قواعد الدين و الفقه و الحديث و غير ذلك، مثل:

1- معارف الحقائق‏

2- عيون المحاسن‏

3- بضاعة الدين‏

4- الكفاية في الإمامة

5- النقض على معالم فخر الدين الرازي‏

6- المنهج في فقه العبادات و الأدعية و الآداب الدينيّة.

7- كتاب أسرار الإمامة

14

8- جوامع الدلائل و الأصول في إمامة آل الرسول‏

9- العمدة في أصول الدين و فروعه‏

10- نهج الفرقان‏

11- تحفة الأبرار في أصول الدين‏

12- مناقب الطاهرين‏

13- أربعين بهائي‏

14- كتاب (أحوال السقيفة) (و هو كامل البهائي).

و كان الوزير المعظّم بهاء الدين محمّد بن الوزير شمس الدين محمّد الجويني المشهور بصاحب الديوان المتولّي لحكومة الممالك الإيرانيّة في أيّام السلطان هلاكو خان و كان نظير الصاحب بن عباد له عنايه خاصّة بالعلماء و شيعة الإمام أمير المؤمنين.

و كانت عنايته بالشيخ الطبري أكبر و كان ينزله عنده بالمنزلة الرفيعة و الدرجة الخصيصة، فلا بدع أن يبادله المؤلّف نفس المشاعر الخاصّه فيوقف عليه خاطره المتدفّق بالثروات العلميّة فيؤلّف له عددا من الكتب منها «أربعين بهائي» في تفضيل أمير المؤمنين، و الكتاب الذي بأيدينا الآن «كامل البهائي في السقيفة».

و قال في ديباجة الكامل: و لمّا ألّفت كتبي في مناقب الطاهرين و هي بمجموعها في التولّي، لزمني من ذلك أن أكتب كتبا في التبرّي، فكتب كتاب الكامل في موضوع التبرّي.

و كلا الكتابين هما بمثابة السيف و الرمح على المخالفين و نيف كلاهما على ثلاثين ألف سطر.

و طبع الكامل بمدينة بمبئي إلّا أنّ نسخه شحّت حتّى لا تكاد تحصل على نسخة واحدة منه، و لمّا اجتزت بتلك الديار حصلت بيدي نسخة منه و لكن لم يقدّر لي و يا

15

للأسف تصحيحها و كانت غاية في ردائة الطبع و الأخطاء إلى درجة يتعذّر على غير العالم الاستفادة منها، و هو كتاب جليل جمّ الفوائد كثير العوائد، و قد فرغ من تأليفه في سنة (675) و بقي في تحريره اثني عشر سنة بذل جهدا عظيما في جمع مادّته و ترتيبها و لكنّه لم يقتصر عليه وحده بل أخرج في هذه المدّة مع انشغاله به كتبا عدّة نفع بها العالم و المتعلّم.

و يظهر من مادّة الكتاب أنّ عند الشيخ أصول النسخ من كتب الأصحاب القدماء من قبيل كتاب «فعلت فلا تلم» و هو في المثالب و من مؤلّفات أبي الجيش مظفّر بن محمّد الخراسانيّ و هو من متكلّمي الشيعة و العارف بأخبارهم و من تلامذة أبي سهل النوبختي.

و مثله كتاب «الحاوية» و هو في مثالب معاوية لعنه اللّه، و مؤلّفه القاسم بن محمّد ابن أحمد المأموني السنّي.

و بعد أن يفيض الشيخ في نقل قضايا عدّة من كتاب الكامل، يقول:

و صفوة القول: أنّي لا أعرف تاريخ وفاته و لا موضع قبره و لم يذكرهما أحد، و قال صاحب روضات الجنّات: إنّ هذا الشيخ أشار إلى نبذ من ظرائف أحواله و لطائف أخباره و من جملة قضاياه مناظرته لأهل بروجرد في تنزيه اللّه تعالى من التشبيه، و منها انتقاله من البلدة الطيّبة قم إلى اصفهان بأمر الوزير المشار إليه يعني بهاء الدين صاحب الديوان و إقامته في تلك البقاع سبعة أشهر و اجتماع الناس عليه من اصفهان و شيراز و أبرقو و اقليم آذربيجان و قرؤوا عليه مختلف العلوم الربّانيّة و انتفعوا به، و ممّن انتفع بعلمه السادات و الأكابر و الصدور، إلى غير ذلك من نوادر أخباره، و اللّه العالم.

ختام كلام المحدّث القمّي‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

ديباجة الكتاب‏

سبحان الملك الأحد الذي لا يحيط بكرسيّ عظمته أوهام الإنس و الجنّ: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (1) أي لا يحيط به علم مخلوق من مخلوقاته.

و يستحيل تصوّر الكمّيّة و الكيفيّة في أعتاب قدسه، و لا يمكن توهّمهما لجلال ذاته: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2) و يستفاد من هذا أنّه عالم بكلّ سماع و رؤية.

و لا يجوز النقصان و الزوال و التغيّر على غرّة كماله: وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ (3) أي إنّ ذاته الربوبيّة الأكبر و الأكرم.

و لا تحتاج شمس قدرته إلى جلال أو معين: وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ (4).

و لوح علمه يجلّ عن السهو و الغفلة و الخجل: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ‏ (5).

و لم ينسج طيلسان رحمته إلّا من خيوط العدل و الرحمة: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (6).

____________

(1) طه: 110.

(2) الشورى: 11.

(3) الرحمان: 27.

(4) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 38.

(5) البقرة: 255.

(6) الكهف: 49.

18

و ذروة قدسه العليا أرفع من أن تحلق إليها طيور عقول البشريّة و أرواح و نفوس الملكيّة، أو ترقى إلى قممها العليّة: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (1).

و عقاب وحدته ما فتئ منزّها عن العوارض و الأوصاف الخلقيّة: لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (2).

و شرح صفات ذاته العليا أجلّ من أن يأتي عليه ذووا الصفات الخفّاشيّة أذكياء الإنسانيّة الذين وسموا على غررهم بميسم الحدوث: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (3).

و على أحداقهم بنور القدم: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ (4).

و بقيت على عرصة الوجود أبديّة: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ (5).

أولئك الذين يقبسون النور من شمس الوجود و من غرّة المعبود: «يا من لا يعرف و لا يدري كيف هو إلّا هو، يا من لا يقدر على قدرته إلّا هو، يا من هو كلّ يوم في شأن، يا من لا يشغله شأن عن شأن، يا من لا إله إلّا هو و إليه المصير».

و نهدي مئات ألوف الألوف من هديّة الصلوات و تحف التحيّات من جنابه سبحانه إلى المجلى الشريف و الوجود المطهّر، صدر الكونين، مقتدى الثقلين، و مقصود العالمين محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن عدي بن تيم بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر- و هو قريش- بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان.

____________

(1) الإسراء: 85.

(2) الإخلاص: 3 و 4.

(3) الدهر: 1.

(4) الرحمان: 26.

(5) آل عمران: 26.

19

إلى محمّد ذاك الذي بدأ بشارة أوّلا: «كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين» و بدأ آخرا بالظهور، و تجلّى بإظهار المعجزات، و استخفى بدلالة العصمة.

الذي تمنّى آدم مع اصطفائه، و إدريس مع عظمة منزلته و دراسته، و نوح مع طول عمره و كثرة عبادته، و إبراهيم مع خلّته، و موسى مع رفعته بالمناجاة، و عيسى مع دلالة نبويّه أن يكونوا في أعتاب دولته و سدّة إرادته، من: «اللّهمّ من أمّة محمّد» و سلّموا قياد أرواحهم إلى حضرة واجب الوجود.

و على أولاده و عترته عليهم الصلاة و السلام الذين هم كمال الدين و برهان اليقين، و بناة الشريعة و مقتدى الملّة، و أمناء الرحمان و مفسّر و القرآن، و حجج اللّه تعالى و أوصياء المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) المعصومون: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).

المنصوص عليهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2).

و المراد من أولي الأمر ملوك العدل، أي الأئمّة المعصومون (عليهم السلام)، و نوّابهم و سادتهم- أي سادة النوّاب-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (3).

و واهبوا نفوسهم: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (4).

و المطعمون: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ‏ (5).

____________

(1) الأحزاب: 33.

(2) النساء: 59.

(3) التوبة: 119.

(4) التوبة: 111.

(5) الدهر: 8.

20

أوّلهم أمير المؤمنين و حجّة ربّ العالمين عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب ابن هاشم بن عبد مناف صاحب العزّة.

المعنيّ بهذا الحديث: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، و إلى نوح في تقواه، و إلى إبراهيم في حلمه، و إلى موسى في هيبته، و إلى عيسى في عبادته فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام- يعني ما وجد في الأنبياء موجود في عليّ (عليه السلام).

و آخرهم صاحب الدولة: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي اسمه اسمي، و كنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.

أمّا بعد؛ فاعلم بأنّ رواة الأخبار رووا عن داود النبيّ أنّه كان يقول في مناجاته: إلهي، لم خلقت العالم و ما فيها؟! فخاطبه الحقّ تعالى قائلا: «كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف».

مع أنّ العلماء أجمعوا على أنّ خلق الإنسان كان من طريق الإحسان ءليه، على صفة الدوام، و لا يتحقّق ذلك إلّا بالتكليف بعد بلوغه و كمال عقله، و نصب الأدلّة و إزاحة العلّة، و لم يكن الغرض منه دوام التعظيم و الإجلال، لأمكن أن يكون أعطاه ابتداءا من غير استحقاق كما يعطي ذلك الصالحين و الطالحين. و كمال التكليف مع الألطاف لأنّ بعثة الأنبياء و إنزال الكتب مع الوعد و الوعيد و الإنذار و التخويف كان ذلك لإتمام الحجّة، قال: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1).

و لو أنّنا افترضنا أنّ الوجود لا يحتوي إلّا على شخص واحد يجوز عليه الخطأ و العصيان لكان إرسال الأنبياء أو الأئمّة إليه من الواجبات: وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ‏

____________

(1) الإسراء: 15.

21

مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏ (1).

و الدليل على صحّة ذلك إرسال آدم إلى إبليس، و إن لم يجر من الإنسان إلّا ذنب واحد حيث قتل قابيل هابيل فإنّ اللّه تعالى أرسل آدم إلى بنيه الآدميّين و لمّا فارق الدنيا أرسل اللّه شيثا هبته إلى الخلق عامّة و إلى ذرّيّة قابيل خاصّة، فكان أبناء هابيل و شيث جميعا مسلمين كما كان أبناء قابيل جميعا كفّارا إلى أن استأصل اللّه شأفتهم و أتى على ذراريهم بالطوفان زمن نوح (عليه السلام) فأغرقهم: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (2).

و لم يخل زمن و لا فترة من نبيّ أو وصيّ نبيّ، و من نوح إلى سام و حام و يافت، و منهم إلى يهودا و صالح و إبراهيم و لوط و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيّوب و شعيب و موسى و يوشع و طالوت و داود و سليمان و زكريّا و يحيى و عيسى و شمعون و خالد و برده‏ (3)!! و من برده إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) رسول اللّه، و منه إلى مذهب أهل البيت بدءا بعليّ، و منه إلى الحسن، و منه إلى الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ الباقر و جعفر بن محمّد الصادق و موسى بن جعفر الكاظم و عليّ بن موسى الرضا و محمّد بن عليّ التقي و عليّ بن محمّد النقي و الحسن بن عليّ الزكي العسكري و الحجّة القائم المنتظر المهدي صاحب الزمان محمّد بن الحسن (عليهم السلام) واحدا بعد واحد حتّى هذه الآية: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏ (4).

و من يعتقد هذه العقيدة يسمّى شيعة و إماميّا و اثنا عشريّا، و لكن على مذهب الجمهور يكون المعتقد كما يلي: أنّ أمر الدين و الشريعة بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) يكون‏

____________

(1) طه: 134.

(2) نوح: 25.

(3) لا أعرف في الأنبياء نبيّا بهذا الاسم و لعلّه مصحّف من بريده أو نظيره. (المترجم).

(4) آل عمران: 34.

22

باختيار الأمّة، فهي التي تبايع من تختاره لمقام الخلافة على يد أهل الحلّ و العقد، و هؤلاء يدعون بأهل السنّة.

أمّا الطائفة الأولى فهم الذين ينزّهون اللّه من صفات الحدث، و من الشريك؛ لا في القدم و لا في الذات و لا في الصفات، و لا يثبتون له معاني القدم بل يقولون: هو القادر و العالم و الحيّ و الموجود، و هذه الصفات الذاتيّة و هي أزليّة أبديّة، و تعتبر ألفاظ الصفات من قول الواصف و هي من حيث كونها ألفاظا ينطق بها الواصف محدثة.

و يعتقدون بعدم وقوع الرؤية عليه لأنّ ذلك من صفات المخلوقين، و لا يوصف بالجسميّة أو الجوهر أو العرض، و لا تحويه جهة أو مكان.

و يعتقدون بأنّه عادل لا يظلم مثقال ذرّة أو أصغر من ذلك أو أكبر، و أنّه صادق سبحانه.

و يرون العبد فاعلا مختارا.

و يثبتون العصمة للأنبياء من الولادة إلى الوفاة.

و يعظّمون ذرّيّة النبيّ و يجعلون لهم نصيبا في أموالهم امتثالا لقوله تعالى:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏ (1).

و لا يقدّمون أحدا من أتباع النبيّ الذين يجوز عليهم الخطأ و قد أسلموا بعد كفر على آل النبيّ المعصومين.

و يقولون بعصمة أهل بيت النبيّ محمّد عليه و عليهم الصلاة و السلام.

و يرسلون اللعنة على من ظلم أهل هذا البيت أو آذاهم.

و يصلّون عليهم.

____________

(1) الأنفال: 41.

23

و يحرّمون الخمر و الدفّ و الناي و المزمار و الربابة و الشطرنج و النرد و الفقاع؛ قليله و كثيره، و يرونه رجسا من عمل الشيطان.

و لا يسبغون الوضوء بالخمر، و يزيلون الخبث بالماء بعد البول أو الغائط، و يرون المني نجسا، و يسجدون على الأرض أو ما أنبتت ممّا لا يؤكل و لا يلبس، و يصلّون بجلد مأكول اللحم، و لا يصلّون إلّا بما أجمع المسلمون على جوازه من اللباس أو المكان.

و يحتاطون في أمور النساء، و يثبتون العدّة لهنّ، و لا ينكحون ذات العدّة حتّى تخرج من عدّة، و لا يعملون الحيلة بالمحلّل فينكحونها في صلاة العشاء للمحلّل و يؤتون بها صباحا إلى البيت لأنّهم يرون أنّها لو علقت فإنّ ما في أحشائها لا يعلم من أبوه حيث يشتبه الأمر فلا يطيب جنين يسقى من مائين في بطن أمّه.

و لا يصلّون وراء الفاجر الخمّار أو الفاسق، و إن كان فسقه باللعب بالجوز.

و لا يجيزون المعصية على الأنبياء؛ قلّت أو كثرت، من يوم الولادة إلى يوم الوفاة على الإطلاق.

و إذا أذنبوا اعتبروا أنفسهم مخطئين و مجرمين، و لا يلقون التبعة على ربّهم سبحانه، من ثمّ لا يموت ميّتهم إلّا عن توبة، و يرون التوبة حقّا.

و يحرّمون وطأ الغلمان، و لا يجيزون إجراء صيغة العقد عليهم.

و لا يقيمون الصلاة بجلد الكلب، و لا يجيزون الصلاة إلّا بالثوب الطاهر من جميع الأدناس و النجاسات.

و لا يلحقون الولد بالمرأة إذا لم تكن على فراش زوجها، و لا يقولون بأنّ رجلا لو كان في المشرق و أمرأة في المغرب ثمّ ولدت ولدا من دون أن ترى الزوج أو يراها لا يعتبر هذا الولد ابن زنا.

و لا يقولون ببقاء الولد أربع سنين في بطن أمّه، إذ من المحتمل إذا كان الأمر

24

كذلك أن تأتي امرأة بعد موت زوجها أو غيابه بولد فينسب إليه، فيسمّى ابنه و هو من حرام.

و إذا صاموا لا يفطرون حتّى يدخل الليل بغروب الشمس و حدوث الظلمة.

و لا يصبحون في شهر رمضان على جنابة.

و يوجبون الكفّارة على من أفطر عمدا و القضاء، و لا يجيزون الجماع إذا أفطروا عمدا بزعم حلّيّته و لا بغير ذلك.

و يورثون أولاد الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بآيات المواريث، و ظاهر الكتاب، و لا يعملون بخبر الواحد، و لا ينسخون القرآن بخبر الواحد، و لا يخصّصون عامّه.

و لا يرون الآيات الواردة في أهل البيت منسوخة.

و لا يتمرّدون على اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

و لا يعطون الوزارة لمن نفاه النبيّ من المدينة.

و لا يسلّطون الظالم و الفاسق على المسلمين.

و لا يرسلون الخمّار إلى بلد واليا أو إماما.

و يقدّمون الأعلم و الأصلح.

و لا يسمّون من لم يستخلفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خليفة.

و يرون آل رسول اللّه أولى بملك الدنيا من أولئك الذين قتلوهم و داروا برؤوسهم في البلدان.

و لا يظهرون الفرح و الزينة في يوم عزاء الرسول، و لا يكتحلون، بل يبكون و ينوحون و يوافقون رسول اللّه بيوم عزائه.

و يرون آباء الأنبياء و أمّهاتهم مؤمنين احتراما لهم.

25

و لا يقذفون الأنبياء بالزنا و لا يقولون بأنّهم كانوا مغرمين بحبّ النساء و مغازلتهنّ.

و لا يقولون أنّ النكتة السوداء التي أخرجت من قلب محمّد بعد شقّ الصدر كانت علامة الكفر.

و يتمّون الركوع و السجود في الصلاة و لا يظهرون سوء الأدب في صلاتهم بنظرهم إلى اليمين تارة و إلى اليسار أخرى بل يصوّبون النظر إلى مواضع السجود.

و إذا استقبلوا محاريبهم رفعوا أصواتهم بالأذان و الإقامة، و يكثرون من الدعاء و الذكر، و لا يظهرون سوء الأدب عند النيّة، و يقيمون النيّة في قلوبهم لتخلو من الرياء، فإذا سلّموا بعد الصلاة ما يزالون متوجّهين إلى القبلة بطمأنينة يذكرون اللّه كثيرا و يدعونه و يسبّحون و يهلّلون و يكثرون من الدعاء، و لا يتركون مكان الصلاة بسوء الأدب بل يصلّون على الأنبياء و الأوصياء و يدعون لأحبّتهم و ذويهم، و يثنون على اللّه أحسن الثناء، و يلعنون أعدائهم على سبيل الإجمال ثمّ يختمون بسجدة الشكر.

و لا يختمون الصلاة بالضرطة (1)، و لا يسجدون لمشايخهم، و لا يستقبلون القبلة بالبول أو الغائط، فإذا أخذهم النوم تطهّروا، و لا يقربون الصلاة بعد النوم من دون وضوء، و لا يتطهّرون إلّا بنيّة، و لا يقتدون في الصلاة باليهود فيضعون يدا على يد، و لا يعتريهم الشكّ بدينهم و مذهبهم، من ثمّ هم في: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ (2) قائمون، و لا يقولون في ختام الفاتحة آمين.

____________

(1) نعتذر من هذه الكلمة و لو لا أنّ المؤلّف ذكرها بالعربيّة لغيّرناها إلى لفظ أكثر نزاكة منها.

(المترجم).

(2) الفاتحة: 6.

26

و يقولون: إنّ اللّه سبحانه ساق لنا الهداية بالقرآن و النبيّ و أهل بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين، و يعطون زكاة أموالهم إلى صلحائهم في ظاهرهم، و عرفوا الفرائض و السنن ...

و من ادّعى بعد رسول اللّه بأنّ: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حلالين و أنا أحرّمهما و أعاقب عليهما» لا يقبلون قوله، و لا يطيعون أمره، و يقولون: إنّ اللّه تعالى قال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1) و لم يقل ما حرمكم‏ (2) فلان و فلان.

و يقولون: ينبغي على الخليفة أن يكون أعلم الخلق لا أنّه يجهل معنى «الأبّ» الذي جعله اللّه فاكهة للبهائم كما جعل الفاكهة لابن آدم، لكي لا يتوقّف عندما يسئل عن شي‏ء، و يقول على المنبر أمام الخلائق حين احتجّت عليه امرأة فحجّته:

«كلّكم أفقه منّي حتّى العجائز- أو قال: المخدّرات- في البيوت» (3).

و يقولون بحكم قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏ (4) لا يخلو المكلّف من حجّة ناطقة عليه.

و يقولون: إنّ ما أعطاه الرسول لأولاده لا يحقّ لمن يأتي بعده أن يغتصبه منهم.

و يعتقدون بحجّيّة العقل و أنّه مبنى الشرايع جميعا، و عليه يقوم التوحيد و العدل.

و يقولون: إنّ اللّه لا يفعل فعلا بغير حكمة لأنّ ذلك يؤدّي إلى العبث.

و يقولون: لا ينال شرع رسول اللّه بالقياس بل على أساس: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏.

____________

(1) الحشر: 7.

(2) حرمكم من الحرمان لا التحريم. (المترجم).

(3) و في رواية: «كلّ الناس أفقه منك يا عمر». البكري عن العقد الفريد 1: 341 ط مصر 1321 ه.

(4) القيامة: 36.

27

و لا يستبيحون في غيبة إمامهم دما أو مالا كائنا ما كان، و لا يأكلون لحوم الضباع و يحرّمون لحوم الأرانب.

و يعتقدون بأهل البيت في التختّم باليمين، و يأنفون من وضع الخاتم في اليسار لأنّها تلي الفرج، و يقولون بأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «اليمين للوجه و اليسار للفرج».

و يرون أنّ اللّه لا يكلّف بما لا يطاق، و لا يدخل المؤمن النار و الكافر الجنّة، و لا يفعل الفعل خلافا لما وعد.

و لا يعتقدون بمذهب وضع بعد النبيّ بمأتي سنة أو ثلاثمائة سنة، و يقولون: كلّ مذهب ليس لأهل البيت فهو باطل.

و لم يختلف أئمّة هذه الطائفة من محمّد بن الحسن إلى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم و أبنائهم، فكلّهم على صراط واحد سويّ و مذهب واحد، و كانوا جميعا على مذهب أبيهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان أمير المؤمنين على مذهب رسول اللّه باتفاق لا على طريقة الصحابة.

و يقولون: إنّ الاختلاف برهان البطلان بدليل قوله تعالى: وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (1).

و أئمّة هذه الطائفة هم ذرّيّة الرسول و أولاده و وارثه، و يصلّي عليهم العالمون، و هم آل محمّد على التعيين و اليقين، و من خاطبهم منهم فلا يخاطبهم إلّا بهذه العبارة: يابن رسول اللّه، و يابن بنت رسول اللّه، و إليه مشاهدهم قبلة ذوي الحاجات في العالمين، و ملجأ المؤمنين و المنافقين، و يظهر في كلّ عام معاجز عدّة في مشاهدهم المشرّفة.

و لا يمرّ يوم إلّا و يزيد اللّه في مواليهم و محبّيهم كما هو الحال في خطّة مازندران‏

____________

(1) النساء: 82.

28

موطن ولادة مصنّف هذا الكتاب الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحسن، و لم يكن فيه قبل قرن من الزمان خمسمائة شخص على مذهب التشيّع، و في هذا اليوم و هو سنة خمسة و سبعين و ستمائة (675) ليس فيه خمسمائة إنسان على غير هذا المذهب، و لقد آمن جميع أهل المنطقة بمعجزة الأئمّة (عليهم السلام)، و لا يأتي طويل زمان على هذا المذهب حتّى يختاره أهل العالم بنصّ القرآن حيث قال سبحانه و تعالى: وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (1).

و لا يأتي إيذاء هذه الطائفة على المؤذين بخير كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما عادانا بيت إلّا و خرب، و لا نبح علينا كلب إلّا جرب» و من شكّ في هذا الحديث فلينظر بعين العبرة إلى آل أبي سفيان ماذا رأوا و ماذا جنى آل زياد و آل العبّاس و البرامكة، و هم من جملة الخوارج، ليس لهؤلاء اليوم أثر يذكر، فلا مضجع ظاهر و لا قبر يزار، و ليس لهم موالون و لا ذرّيّة يذكرون، لقد استأصل الجميع و انقطع نسلهم على يد السلاطين العادلين و الملوك العاملين من دون أن يعلق بممالكهم أثر أو ضرر، و بعد القضاء على هؤلاء و استئصالهم مالوا إلى السادات و إلى أهل البيت، و رفعوا عنهم طوق القهر، و بالغوا في إكرامهم إلى أقصى حدّ، من ثمّ كان سادات أهل البيت في المشرق و المغرب أكثر عددا من النجوم و جميعهم يحيون في الرفاه و بلهنية العيش و رخاء البال مع النعمة و الجاه و الاقتدار و الإنعام و الإنظار لكي يبسط الباري ببركة وجودهم رايات هؤلاء الفاتحين على أقصى بلاد ايران و الطورانيّين و الهند و الروم و العرب و العجم، بل من مطلع الشمس إلى مغربها، و انقاد إلى أمرهم سلاطين العالم و انتهوا عند نهيهم و أطاعوا أوامرهم و امتثلوا لحكمهم، و أحاطت هيبتهم و قوّتهم، و سمو أمرهم بالمكان و الزمان حتّى قصد تجّار

____________

(1) النور: 55.

29

الصين المغرب و أمنوا الطريق: لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا (1) و إنّما قال «نيلا» لأنّ رغبة العدوّ اليوم في الشرّ، على مركب من قوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (2) لأنّهم على الحقّ و يسعون من أجله.

و إن كنت في شكّ ممّا قلناه فالق نظرك على العدل و الرحمة و العظمة و العطف، و الإدارة و رعاية الدين أيّ ملك ظاهر في المملكة و السلطنة و النسب العالي و الجوهر الخالص و علوّ الهمّة و الإحاطة بأنواع العلوم و فنون الكفاية و الكياسة و حسن السيرة و صفاء السريرة و معتمد المذهب و حافظ الدين و الدنيا، من يكون بهذه الصفات إلّا المخدوم المطلق، حجّة الحقّ على الخلق، أعدل سلاطين الأوّلين و الآخرين، علاء الإسلام و المسلمين محمّد بن الصاحب الأعظم، عرق من شجرة المملكة و نبقة من دوحة السلطنة، شمس الحقّ و الدين، عماد الإسلام و المسلمين، محمّد بن محمّد صاحب الديوان حرس اللّه عليهما- كذا وردت- و أبقاهما مبرقعين بالعزّة و الجلال، قابضين على أعزّ الرفعة و الكمال، ناهضين في عقدة المجد على أقدام الهمم، فيّاضين للأيادي و النعم، باسطين للعدل في الأمم، بحقّ محمّد و عليّ و أهل بيتهما الطاهرين، آمين إلى يوم الدين.

و لقد بسط اللّه رايته على أقاصي العالم ببركة حسن سيرته و بسطه العدل و اعتقاده الصادق بآل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و البرائة من عدوّهم، و تعاهده السادات و علماء أهل البيت (عليهم السلام)، و اعتكف سلاطين الربع المسكون بمقتضى الآية: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ (3) على عتبة جلاله، و خسف بأعادي إقباله و مبغضي طائفته‏

____________

(1) التوبة: 120.

(2) البقرة: 38، المائدة: 69 و ...

(3) آل عمران: 26.

30

الأرض: فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏ (1)، و غاص بعضهم في بحر الهلاك: فَأَغْرَقْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (2) فأصبحوا أثرا بعد عين لمفارقتهم موالاة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و يتلون الآية: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (3) على سبيل الحسرة.

و حرّمت التقيّة في زمنهم بظهور دولتهم بعد أن كانت واجبة لقلّة الأنصار و الأعوان و كثرة الأعداء بمقتضى قوله تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ‏ (4) و قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (5) و قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (6) و أمثال ذلك من الآيات و الأحاديث.

و حين أشرقت شمس هذه الدولة من مشرق السعادة، و غمر نور الرحمة و العدالة البسيطة بأجمعها، اقتلعت أنياب ظلم الظالمين من عباد اللّه، و مرّغت صولتهم و بطشهم برغام الذلّة، و أرباب الظلم و الطغيان أدخلوا رؤوسهم في ثقوب الثوبة و تسلسل الإخلاص، و تصنّعوا ورد التسبيح و التهليل: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ (7) و لقد نزل فيهم: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ‏ (8).

تعالى اللّه ما أعلاه قدرا * * * و أجراه على سنن اعتدال‏

عليها للإله الفرد حمد * * * لما أسدى إلينا من نوال‏

____________

(1) القصص: 81.

(2) الإسراء: 103.

(3) النساء: 73.

(4) المؤمن: 28.

(5) آل عمران: 28.

(6) النحل: 106.

(7) يونس: 91.

(8) آل عمران: 90.

31

و هذا كلّه دعاء لصاحب الديوان الداعي لهذه الدولة- يعني المؤلّف نفسه- و المؤلّف و الجامع لهذا الحديث فإنّه يفخر بثنائه و دعائه و خدمته لهذه الحضرة على علماء الأرض، و يتباهى على حكماء الأوّلين و الآخرين، و إن شاقك البرهان على ذلك، فاعلم:

إنّ أوّل شخص من محبّي أهل البيت (عليهم السلام) و مواليهم و رفقائهم الذين احتموا بهذه الدولة و أثبتوا حقوق خدماتهم الدينيّة و كتبوا لصاحب الحضرة ملجأ العالم الكتب الشيعيّة هو هذا العبد، أقلّ العباد شأنا و أدناهم مقاما، فقد كتب بتوفيق اللّه تعالى و ببركة أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و بمعجزة من قائم آل محمّد (عليه السلام) و باسم هذه القدرة الملكيّة كتاب مناقب الطاهرين، و بدأه بولادة رسول اللّه إلى خاتم الأوصياء صاحب الأمر و بيان معجزاته و مناقب سيرته، ثمّ إظهار ما أقامه المنافقون و الخارجون من مظالم عليهم.

و كذلك منهجهم في العبادات و الصلاة و الصوم و الزكاة و الخمس و الجهاد، مع مجمل توابعها من الفرائض و النوافل و الأدعية و النيابة و أحكامها، و كيفيّة العبادات و ما يحتاجها المكلّف في العام كلّه، و كذلك عرضنا أربعين البهائيّ في تفضيل أمير المؤمنين عليّ صلوات اللّه عليه و نظائره في الإمامة و غيرها، و بما أنّ عقيدة صاحب الحضرة طاهرة، و جوهره كبير، و طينة الأسرة المالكة و السلطنة و الوزارة و الإرادة صادقة مع عترة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و تعاهده للعلماء و تدليله لغرس نعمته عظيم، فقد قبل هذا كلّه قبول الرضا.

و حصل التسليم بما في الكتاب من المؤالف و المخالف بحضور علماء الطوائف زمانا بعد زمان، و هذه نعمة يجب شكرها و هو فرض عين على الشيعة كافّة، و يوم القيامة يتباهي بذلك المصطفى و المرتضى و الحسن و الحسين و الأئمّة جميعا صلوات‏

32

اللّه عليهم، و سائر الشيعة على الأنبياء (عليهم السلام)، و الأمم السالفة، و يكونون شفعاء لصاحب الحضرة عند اللّه سبحانه.

و الأمل معقود أنّه سوف يدخل الجنّة بدون شفاعة بل ربّما كان شافعا للأمراء و الملوك و السلاطين في العالم، في عرصة القيامة إن شاء اللّه تعالى.

و كما قيل في هذا الباب بالآيات و الأخبار و الدلائل العقليّة في صدر الكتاب:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ‏ (1).

و لمّا كانت مناقب الطاهرين و نظائرها داخلة في فرع التولّي رأينا من اللازم أن نشرع ببسط فرع التبرّي أيضا، و مزجناه بالعربيّة و الفارسيّة لتعمّ الفائدة، و هو مبنى على أبواب و فصول و دلائل و مسائل، و بعد الاستخارة و طلب الإذن من واجب الوجود عمّت عاطفته و قدرته على العالمين، سمّيناه: «كامل البهائي في السقيفة» جعل اللّه تعالى هذه التحفة على مخدومنا مباركة، و زيّن اللّه أيّام هذه الدولة بأنواع العزّة و الكرامة، و ما زال منبر دين الإسلام و الملّة و الوحي و التنزيل و سمّو محمّد و أهل بيته قائما ببقاء هذه الدولة، و ما زالت الموفّقيّة و العناية الإلهيّة و الرحمة و نظرة العطف و اللطف على هذه الدولة هاطلة، و سرادق هذه المملكة ضاربة أطنابها على البسيطة على كرّ الدهور و العصور، من قاف إلى قاف، و من جابلقا إلى جالبلسا بأوتاد الأبد، و جنّبها اللّه ريح الحسد النكباء من عيون الحسّاد، و أبعدها عن هذه الساحة المنظورة للمولى، و المتحقّقة فيها إرادة أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

و تواترت على هذا المجلس نعمة العالمين، و رعاية السلطان، و توالت آناء الليل و أطراف النهار.

____________

(1) الأعراف: 43.

33

و جعل اللّه أولياء هذه الدولة و أحبّائها ممكّنين منصورين، و أعدائها مخذولين و مقهورين.

و أقرّ اللّه عين سيّد العالم شمس الحقّ و الدين محمّد صاحب الديوان بدين قرّة العين بهاء الحقّ و الدين محمّد بن محمّد صاحب الديوان، و بقاء أيّام دولته، و استجاب اللّه دعاء هذا الحقير عقب تلاوة القرآن و القيام بالفرائض المكتوبة ليلا و نهارا، و سرّا و جهارا، في حقّ هذه الدولة و هذه الأسرة، و كما أنّ الحقّ عزّ و جلّ و علا أنعم عليهم بملك الدنيا نسأله أن ينعم عليهم بنعيم الآخرة الأبديّ في جنّات النعيم: وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (1).

و بناءا على هذا الحديث: «المرء مع من أحبّه» كما أنّه في هذا العالم مقيم على محبّة أهل البيت (عليهم السلام) أن يكون غدا يوم القيامة محشورا تحت لواء محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ الباقر و جعفر بن محمّد الصادق و موسى بن جعفر الكاظم و عليّ بن موسى الرضا و محمّد بن عليّ التقي و عليّ بن محمّد النقي و الحسن بن عليّ العسكري و الحجّة القائم محمّد الحسن صاحب الزمان صلوات اللّه و سلامه عليهم بحقّ محمّد و عترته الطيّبين الطاهرين.

ختام الديباجة

____________

(1) الدهر: 20.

34

الباب الأوّل في أقسام العلم‏

اعلم أنّ العلم إمّا ضروريّ أو كتبيّ «كسبيّ». فلو كان ضروريّا كلّه لارتفع الخلاف بين العقلاء، و لو كان استدلاليّا بأجمعه لما أمكن تحقيق أيّ علم و أيّ بحث و لأدّى ذلك إلى التسلسل، فإذا كان البحث في المنقولات كان البدء و الختام مبنيّا فيها على التصادق، و إذا كان في المعقولات بني على التناصف و التسليم أو على الضروريّ إن تعذّر التناصف. نظير حدوث العالم الذي جعله علماء الكلام المسلمون على تغيّره أو غير ذلك ممّا هو لازم العالم كالأوصاف و الأشكال و التركيب و الاختصاص بالجهة و التميز.

و أمّا العلم الضروري و هو ما يعبّر عنه بالجبليّ أيضا و الفطري أظهر و أشهر من قبيل شكر المنعم؛ من ثمّ بدأ اللّه كتابه و شريعته و دستور خير الأنبياء و الأنام بقوله:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (1)، لئلّا يرى الجهّال الذين لم يتعمّقوا في بحور العلوم الدينيّة و لم يصلوا إلى أعماقها، و لم يستخرجوا الدرر و اللئالي من أصدافها بالغوص في قيعانها أنّ القرآن محض تقليد و لا يوافق الأدلّة العقليّة.

____________

(1) الفاتحة: 2.

35

أ لا ترى كيف علّل سبحانه وجه الحكمة في تحريم الخمر و الميسر بإيقاع العداوة بين الأودّاء، و إظهار البغضاء كما قال اللّه تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏ (1) و كلّ أمر جلب الشرّ و العداء و أوجد الشقاق و الخلاف بين الناس ينبغي الاحتراز منه بالضرورة.

و من هنا علّل وجوب الصلاة بأن جعل سبب ذلك الوجوب أنّها تنهى عن الفحشاء و المنكر، كما قال: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (2) أي إنّ الصلاة من جملة الألطاف في الواجبات النقليّة و ترك القبائح العقليّة.

و ما لم يبيّن حكمته أو كله إلى العلوم الفطريّة و الضروريّة، كما قال: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ (3) و قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ (4). و من المعلوم أنّنا لم نكن هناك ساعة المسائلة بل الغرض من بيان ذلك تحصيل العلم الضروري، و مركوز في فطرة الإنسان أنّه حيثما يوجد صنع فهناك صانع؛ شاهدا أو غائبا، و دليله قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏ (5) فيكون جواب الحقّ تعالى من هذا المنطق على قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ و ليس بقول لسان أو كتابة بنان.

ففي كلّ شي‏ء له آية * * * دليل على أنّه صانع‏

____________

(1) المائدة: 91.

(2) العنكبوت: 45.

(3) يس: 60.

(4) الأعراف: 172.

(5) لقمان: 25.

36

و روي: واحد (1).

و منه قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ (2).

و تسبيح غير العاقل دليل على الصنع العجيب و التركيب اللطيف الدالّ على الصانع القادر المختار، لكي يحمل العاقل عند مشاهدة ذلك ببصيرة العقل أن يقول:

«سبحانه من خالق قادر، سبحانه ما أعظم شأنه» و أمثال هذا الذي يضطرّ العاقل عنده إلى التسبيح.

و منه قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3) و نحوها من الآيات.

____________

(1) الشعر لأبي نؤاس و هو هكذا:

فيا عجبا كيف يعصى الإله‏ * * * أم كيف يجحده الجاحد

و في كلّ شي‏ء له آية * * * تدلّ على أنّه واحد

(المترجم)

(2) الإسراء: 44.

(3) الدهر: 4.

37

الباب الثاني في أقسام النعم‏

أمّا أعظم النعم فأوّلها الوجود بعد العدم.

ثانيها: إفاضة الحياة و التمايز عن الجمادات.

ثالثها: الشكل الخاصّ للإنسان بصورته و فيه الخلاصة البشريّة و هي العقل و الترقّي بالنظر في عالم الملكوت و علوّ الدرجة بالعمل الصالح: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ (1). و فيه أيضا الشهوات البهيميّة و هي أدنى المراتب في الحيوان، فإذا امتثلتم الأوامر و النواهي: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2) جزتم درجات الملائكة، أمّا إذا ركنتم إلى الشيطان فكنتم من حزبه و اتّبعتم المعاصي انحطّت درجاتكم عن دركات البهائم؛ لأنّ البهائم لم تكن عرضة للوساوس الشيطانيّة بخلاف الإنسان بدليل قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (3).

____________

(1) فاطر: 10.

(2) الحشر: 7.

(3) الإسراء: 70.

38

رابعها: كمال العقل و هو خلاصة الوجود و الأنموذج من عالم الملكوت، سبب الحياة الباقية و السلطان العادل على عالم الطبيعة، و مفتي مسند الشريعة و القاضي المولّى من قبل واجب الوجود، الذي لا يتيسّر بدونه معرفة الصانع و إدراك الكلّيّات و الجزئيّات من العالم العلوي و السفلي، ما استنبحه بنظر إرادته و بصيرته هو الحقّ، و ما قاله هو الصدق، ما سمعه الصواب: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏* أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏ (1).

و القوى الخمس الأركان و العناصر الجسمانيّة عبيده و مؤتمرة بأمره: وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ (2).

و جنّة المأوى نتاج طاعته، و النعيم الأخروي و الحور و القصور و نيل الرغبات البشريّة في الجنّة ثمرة الائتمار بأمره، و معالم امتثال أوامره و نواهيه.

و الجحيم التي هي سجن العصاة، و معتقل المجرمين و المعاندين و الفاسقين كانت مسبّبة عن عصيانه.

و بعهدته اتّباع أحكام الأنبياء و ترجيح حكم اللّه على الهوى و الشهوة.

و النار المحرقة المجدّدة: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها (3)، وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (4)، و نصيب المعذّب من: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ‏ (5)، و طبيعة شرابه: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ‏ (6) كلّ‏

____________

(1) النجم: 11 و 12.

(2) النحل: 50.

(3) النساء: 56.

(4) الحجّ: 21.

(5) الحاقّة: 30 و 31.

(6) الكهف: 29.

39

ذلك من ترك أوامره و ارتكاب نواهيه.

الخامس: الإعلام و الإلهام و الإرشاد و نصب الأدلّة و إزالة العلّة بالتوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و ما يتّبع ذلك، و توفيق تحصيل هذه المعاني ب: وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ‏ (1)، و منه قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (2) و قوله تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ‏ (3).

السادس: التكليف؛ لأنّه إذا حصل العلم بمعرفة الذات و الصفات فإنّ الحكيم تعالى يكره أن تكون ساحة العبد معطّلة و يظلّ خالي الوفاض، و الشيطان يقول:

فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (4)، فلم يترك الحقّ سبحانه عبده فارغ البال و خليع العذار: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏ (5)، بل ألقى في عنقه قيد التكليف، و هو تأديب في الدنيا و حصول الثواب في العقبى: ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (6).

السابع: الابتلاء و الامتحان، قال اللّه تعالى: أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (7)، و قال: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ‏ (8)، و قال: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ‏ (9) و تفسير الآية عند بعضهم على الوجه التالي: أنّنا

____________

(1) الأعراف: 43.

(2) العلق: 5.

(3) يوسف: 3.

(4) ص: 82.

(5) القيامة: 36.

(6) الذاريات: 56.

(7) العنكبوت: 2.

(8) البقرة: 155.

(9) البقرة: 143.

40

لم نحوّل القبلة إلى الكعبة التي كانت تدور في خلدك و كانت رغبة لك إلّا لنميّز من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبه و يعود إلى كفره الأوّل: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏ (1) أي الكافر من المسلم.

و في موضع آخر دلّ على كثرة الخبيث كما قال: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ‏ (2)، و الطهارة عبارة عن الإسلام، و الخبث عبارة عن الكفر و النفاق، و هذا الابتلاء محك لرجال العالم و المائز بين العالمين و الجاهلين، و إظهار لكفر الكافرين و نفاق المنافقين: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (3).

الثامن: هديّة الهدى لعباده كرامة من لدنه سبحانه و لم يسلمهم إلى حيّز الابتلاء بل ألهمهم كيفيّة الاستدلال و ألزمهم الحجّة على ذلك، و جعل مدح الدنيا و مدح ثواب الآخرة في عرض طاعة العبوديّة كما قال: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (4) و قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (5).

و جعل ذمّ الدنيا و استحقاق عقاب الآخرة في عرض معصية العباد كما قال تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ‏ (6)، و قال: وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ* وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ‏ (7).

و بعض هذه الدلالة و التنبيه تكون حاصلة بالأدلّة العقليّة و كيفيّتها مركوزة في‏

____________

(1) آل عمران: 179.

(2) المائدة: 100.

(3) الأنفال: 42.

(4) الكهف: 30.

(5) الكهف: 107.

(6) الجنّ: 23.

(7) الانفطار: 14- 16.

41

جبلّة بني آدم، و بعضها الآخر ببيان الأنبياء؛ لأنّ العلم بكيفيّة العبادة من حيث التفصيل و المقدار لا تستقلّ بإدراكها العقول ما لم ترشد إلى ذلك و تنبّه عليه، و منه قوله تعالى: وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏ (1)، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏ (2)، و قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3).

و ينبغي على العقال أن يقيم بناء الدين و الملّة على هاتين الحجّتين: إحداهما العقليّة التي تنظر فيم موضعها في الدليل لا في الشبهة، و الثانية: السمعيّة في موضعها، و تضع العقل في ميزان النقل و تأوّل ما وافقه العقل.

و بما أنّ العامّة لا يملكون المهارات لدفع الشّبه و قعدوا عن تطلّب العلوم، و يقنعون بالتقليد و نظائره، و ليست لهم قوّة التميّز بين الطبع و الهوى، و العقل و رضا اللّه، أو أنّ بعضهم يستبدلون الدنيا الفانية بالمذهب ترغيبا بالحكّام أو ترهيبا، و لا يبدون اهتماما بالثواب الأبديّ و العقاب السرمديّ، لذلك عمد أهل البدع على وضع المذاهب بعد مرور قرن أو قرنين أو أكثر من ذلك، فأقاموا بناء الدين بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طمعا بالجاه الدنيوي أو اغترارا بكثرة السواد التابع، أو طلبا للصيت و الشهرة في الدنيا، و بحثا عن المقلّدين على النشوء و الارتقاء، و ظلّوا تابعين حيث ولدوا، فلم يسعوا وراء الحقّ عن طريق الانصاف و التتبّع، وقنعوا بهذا المقدار الذي كشفته الآية: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏ (4)

____________

(1) الأنعام: 48، الكهف: 56.

(2) النساء: 165.

(3) الإسراء: 15.

(4) الزخرف: 23.

42

و قال اللّه تعالى بحقّهم: أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (1).

أو إنّهم قنعوا بتقليد المعلّم فلم يبحثوا عن الحقّ بطريق الانصاف عن المذهب الآخر ليعرفوه ما هو و ماذا فيه و ما هي مقالته؟ لكي يوازنوا بين الأقوال و يقارنوا بعضها ببعض كي يختاروا القول الحقّ منها بالنظر الصافي و العقل الكافي، و مع هذا يدّعي كلّ واحد منهم قائلا: أنا مع الحقّ، و منه قوله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏ (2).

في بيان ما هو المذهب الحقّ من المذاهب المتعدّدة

اعلم أنّ الحقّ لا يكون إلّا واحدا من هذه المذاهب، و الدليل على ذلك الإشارة من صاحب الشريعة خاتم الأنبياء محمّد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) حيث قال: إنّ بني إسرائيل تفرّقت على اثنتين و سبعين ملّة و ستفترق أمّتي على ثلاث و سبعين ملّة كلّهم في النار إلّا ملّة واحدة. قالوا: و ما هي يا رسول اللّه؟ قال: الذين هم على ما أنا عليه و أصحابي‏ (3).

____________

(1) الأنبياء: 54.

(2) المؤمنون: 53.

(3) علينا الآن أن نورد لك المصادر التي ذكرت الحديث عند أهل السنّة و أهل التشيّع و سوف يظهر لك أنّ عبارة «ما أنا عليه و أصحابي» مقحمة في الحديث و ليست منه.

1- مسند أحمد بن حنبل، حديث رقم 8302، و ليس فيه الجملة، و حديث رقم 16545، و فيه:

كلّها في النار إلّا واحدة و هي الجماعة.

و رواه ابن ماجة عن عوف بن مالك و فيه: لتفترقنّ أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة، واحدة في الجنّة و ثنتان و سبعون في النار. قيل: يا رسول اللّه، من هم؟ قال: الجماعة. و رقم الحديث هنا 4075 و هو مرويّ عن عوف بثلاث طرق، و سياقها واحد تقريبا.-

43

____________

و رواه الدارميّ عن معاوية بن أبي سفيان، باب في افتراق هذه الأمّة، و رقم الحديث 2516 و ليس فيه الجملة المقحمة.

و رواه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان أيضا و رقمه 4480، و فيه جملة: و هي الجماعة.

و في طريق آخر عن أبي هريرة برقم 4479 و ليس فيه الجملة.

و رواه الترمذي عن أبي هريرة باب ما جاء في افتراق هذه الأمّة، و رقم الحديث هنا 2710 و ليس فيه الجملة، و عقّب عليه بقوله: قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

و في طريق آخر عن عبد اللّه بن عمرو برقم 2711 و يختلف سياقه عنها جميعا، و فيه الجملة المقحمة التي ذكرها المؤلّف: «ما أنا عليه و أصحابي» و تعقّبه الترمذيّ بقوله: هذا حديث حسن مفسّر غريب لا نعرفه مثل هذا إلّا من هذا الوجه.

و رواه في مصباح الزجاجة عن عوف بن مالك برقم 1412، و الجملة فيه: من هم؟ قال:

«الجماعة».

و رواه في عون المعبود عن أبي هريرة، رقم 4586 فاقدا للجملة المقحمة بطريقين.

و أخرج حديثي الترمذيّ صاحب التحفة و لم يزد عليهما بشي‏ء.

و هناك مصادر حديثيّة لأهل السنّة روت هذا الحديث و قلّ منها من ذكر الجملة المقحمة: «ما عليه أنا و أصحابي».

و هذه الجملة يدحضها العقل و النقل، فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يذكر هؤلاء الأصحاب الذين تابعوه من هم، و لم يذكرهم في حياته أو بعد وفاته، و من المعلوم أنّ أصحابه خالفوه حيّا و ميّتا، و اختلفوا بعده كما اختلفوا و هو على قيد الحياة فكيف يكون اتّباعهم عاصما من الافتراق، و العجب من المؤلّف حين يذكر هذه الجملة دونما نقد و حتّى إيعاز و إحالة إلى من رواها و أخرجها عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و الآن لندرسها في مصادر الشيعة:

... عن يحيى البكّاء، عن عليّ (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ستفترق أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة منها فرقة ناجية و الباقون هالكة، و الناجية الذين يتمسّكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لا يعملون برأيهم، فأولئك ما عليهم من سبيل. فسألت عن الأئمّة، فقال: عدد نقباء بني إسرائيل. (الخزّاز القمّي، كفاية الأثر، ص 155).

و قال ابن البطريق تعقيبا على قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا»: و هذا الأمر منه (صلّى اللّه عليه و آله)-

44

و بناءا على هذا فإنّ أصحاب الرسول ما هم معتزلة و لا أحنافا و لا شوافع و لا موالك أو حنابلة بل إنّ هذه المذاهب لم تظهر إلى الوجود إلّا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بعد سنين طويلة.

____________

- بالتمسّك بأهل بيته عامّ لكلّ أهل الإسلام، و هو أيضا واجب يدلّ على وجوبه و قبح تركه، لأنّه (عليه السلام) قال: ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، فجعل ترك التمسّك بهما هو الضلال، فصار ترك هذا الأمر قبيحا نعلم وجوبه لقبح تركه، ثمّ جعل ذلك مستمرّا ممتدّا بذكر الأبد في لفظ الخبر و ضرب لها غاية ينتهي إليها، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): حتّى يردا عليّ الحوض، فصار ذلك دليلا على الاقتداء بهما إلى آخر الأبد، فقد صار الخبر الوارد بإجماع كافّة أهل الإسلام من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

افترقت أمّة أخي موسى إلى إحدى و سبعين فرقة، منها فرقة ناجية و الباقون في النار، و افترقت أمّة أخي عيسى اثنين و سبعين فرقة، منها فرقة ناجية و الباقون في النار، و ستفترق أمّتي ثلاثا و سبعين فرقة، منها فرقة ناجية و الباقون في النار، بيانا عن الفرقة الناجية من أمّته، و هي التمسّك بالثقلين، و هما كتاب اللّه و عترة رسوله بدليل قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» فصار التمسّك بهما هو طريق النجاة و ترك التمسّك بهما هو طريق الضلال ... الخ. (ابن البطريق، العمدة، ص 74).

نعم، ذكر السيّد ابن طاووس الحسني في الطرائف عن أنس بن مالك قال: كنّا جلوسا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فتذاكرنا رجلا يصلّي و يتصدّق و يزكّي، فقال لنا رسول اللّه: لا أعرفه- و ساق الحديث إلى أن قال:- قال لعليّ (عليه السلام): فاقتله فإنّك إن قتلته لم يقع الضلال و الاختلاف بين أمّتي أبدا. قال عليّ: فأخذت السيف و دخلت المسجد فلم أره، فرجعت إلى رسول اللّه و قلت: ما رأيته، فقال:

يا أبا الحسن، إنّ أمّة موسى افترقت أحد و سبعين فرقة، فرقة ناجية و الباقون في النار، و إنّ أمّة عيسى افترقت أحد و سبعين فرقة، فرقة ناجية و الباقون في النار، و إنّ أمّة عيسى افترقت على اثنين و سبعين فرقة، فرقنة ناجية و الباقون في النار، و إنّ أمّتي ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة، فرقة ناجية و الباقون في النار. فقال: يا رسول اللّه، من الناجي؟ قال: المتمسّك بما أنت عليه و أصحابك ... الخ. (الطرائف: 430)

هذا هو الحقّ في الرواية، و الرواية التي اعتمدها المؤلّف هي رواية سنّيّة، و الجملة التي يذكر فيها النبي «أصحابي» جملة مقحمة يكذّبها العقل و النقل، و أنا أستغفر اللّه لي و للمؤلّف حيث روى الرواية من غير نظر إلى أصولها ثمّ هو لم ينقدها مع علمه بما داخلها من الوضع. (المترجم).

45

و جاء القرآن مؤيّدا للحديث كما قال تعالى: فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏ (1)، و قال اللّه تعالى: وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (2)، و قال تعالى: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏ (3).

و هذه الآيات دلائل واضحة على أنّ الحقّ واحد لا يتعدّد، فعلى المكلّف النظر في الملل الإسلاميّة و أقوال علمائهم و أئمّتهم، و ليعرض أقوالهم على الأدلّة العقليّة و الآيات القرآنيّة؛ فما وافقها فليقبله، و ما حاد عنها فليعتبره ردّا و باطلا و غير مقبول و خارجا عن الدين و الملّة، و اللّه أعلم بالصواب.

في بيان عقيدة الشيعة و أهل السنّة

اعلم بأنّ فرق الإسلام يدور معظمها على مدارين:

الأوّل: الجماعة التي يقال لها أهل السنّة و الجماعة، و هذه الطائفة يعتقدون بالصحابة بعد النبيّ و يجيزون الخطأ على الإمام، و يقولون: صلّوا وراء كلّ برّ و فاجر، و يقتدون بالفسّاق.

الثاني: الجماعة المسمّاة بالشيعة، و هذه الطائفة لا تجيز الاقتداء بالفاسق، و يعتقدون بإمامة عترة النبيّ و أولاده، و يقولون بعصمتهم، و يقولون عن الصحابة أتباع النبيّ، و لا يصحّ تقديم التابع على الخالق، و يقولون: لم يقدّم التابع من عهد آدم إلى رسول اللّه على ذرّيّة النبيّ؛ لأنّ للذرّيّة الأهليّة، و هي تحقّقة لأمير المؤمنين عليّ و أولاده بإجماع المسلمين لو تركهم العدوّ، و ينبغي أن يكون الأمر في عهد النبيّ‏

____________

(1) يونس: 32.

(2) سبأ: 24.

(3) الأنعام: 153.

46

كما كان عليه في سائر العهود، و هذه سنّة الأنبياء بأمر اللّه تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (1).

سؤال: و اعترض خصوم الشيعة بالطعن عليهم قائلين: إنّ الفرق ما بيننا و بينكم هو في الأقلّيّة و الأكثريّة، و الأكثريّة بجانبنا.

فأجاب الشيعة بعدّة أجوبة:

أوّلها: إنّ الكثرة وقعت موقع المذمّة و النقصان، و دلّت على البطلان، و لقد قال إمامكم الفخر الرازي: إنّ كثرة أسباب الضلالة موجبة لكثرة الضلالة.

ثانيها: في قصّة نوح (عليه السلام): وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ (2)، و جاء في التفاسير أنّ هؤلاء كانوا سبعين أو اثنين و ثمانين شخصا، و لمّا هبطوا من السفينة كفروا بأجمعهم إلّا ثمانية أشخاص و هم: نوح و سام و حام و يافث مع أزواجهم، و كفر الباقون و رجعوا إلى عبادة الأصنام.

و وجه الدلالة في هذا أنّ نوحا لبث فيهم ألفا إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى اللّه فما آمن معه إلّا قليل، و ظلّ الباقون من أهل العلم على كفرهم و ضلالتهم، فما يضير الشيعة أن يقلّ عددهم عن غيرهم.

الثالث: قصّة موسى (عليه السلام) كما ذكرها اللّه و فيها ذكر القوم الذين آمنوا به: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ‏ (3)، و جاء في التفسير أنّ فرعون أرسل في مقدّمة الجيش خمسمائة قائد، و كلّ قائد معه عدد من الجيوش تجشّمهم يتعقّب بني إسرائيل، و خرج فرعون بجيش لا يحصى عدده إلّا اللّه تعالى، و خرج موسى بثمانين‏

____________

(1) الإسراء: 77.

(2) هود: 40.

(3) الشعراء: 54 و 55.

47

ألفا و معهم القسيّ، يقابل كلّ واحد من بني إسرائيل عشرة آلاف رجل من أعدائهم الأقباط، بل يزيدون. و قال بعض المفسّرين: كان عدد بني إسرائيل ستّمائة ألف إنسان مع الرجال و النساء و الأطفال و العبيد و الجواري، أمّا جيش فرعون فكان في مقدّمته خمسمائة ألف قائد و أمير، و خرج فرعون بالسواد الأعظم الذي لم ير الرائون مثله.

و وجه الدلالة فيه أنّ قلّة أصحاب موسى (عليه السلام) لا تدلّ على بطلان مذهبهم كما لا تدلّ الكثرة مع فرعون على أحقّيّته، و مثله يقال في قلّة سواد الشيعة إذ لا يدلّ على بطلان مذهبهم.

الرابع: قوله تعالى: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ (1).

الخامس: قوله تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ‏ (2).

السادس: في قصّة داود (عليه السلام): كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (3)، و كان جيش طالوت مؤلّفا من ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، و جيش جالوت لا يحصى و لا يعدّ.

السابع: قوله تعالى: وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (4)، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ (5) و أمثال هذه الآيات حيث وردت الكثرة موردا للذمّ و الملام و التقبيح و القدح و البطلان.

____________

(1) الأنعام: 116.

(2) المائدة: 100.

(3) البقرة: 249.

(4) الأعراف: 187.

(5) العنكبوت: 63.

48

الثامن: قوله تعالى: وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ‏ (1)، و قوله تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (2)، وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ‏ (3)، وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ‏ (4)، و قوله تعالى:

فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ‏ (5)، و قوله تعالى: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ‏ (6)، و قال: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها (7).

و هذا دليل على أنّ الضلالة في صفّ الكثرة و الجمهور غالبا.

التاسع: قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (8)؛ لأنّ اللّه وعد جهنّم أن يملأها و لم يعد الجنّة بذلك، من ثمّ يكون امتلائها ممّا لا بدّ منه، و لا يكون ذلك إلّا بالكثرة، و الشيعة جمع قليل فلا يشملهم هذا الوعد.

و كذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه اللّه: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ (9)، و المستثنى أقلّ من المستثنى منه بإجماع العلماء، لذلك يقول النحاة: الاستثناء هو إخراج الجزء من الكلّ.

و أمّا عرفا، فالعقلاء على علم من أنّ النفيس هو الجزء الأقلّ في العالم و ما كان خسيسا فهو الكثير الذي لا يضبط عدّه لكثرته، و لا نظير لهذه الحجج الذي يتمسّك بها الشيعة.

____________

(1) الزخرف: 78.

(2) سبأ: 13.

(3) النحل: 83.

(4) التوبة: 8.

(5) الأنفال: 66.

(6) آل عمران: 13.

(7) الأعراف: 179.

(8) ق: 30.

(9) ص: 82- 83.

49

الباب الثالث في بيان مذاهب أهل السنّة، و الجواب عنها للشيعة

في فصول كثيرة.

الفصل الأوّل‏

تعتقد طائفة من أهل السنّة أنّ اللّه تعالى استوى على العرش، و يرون اللّه سبحانه جسما يزول من مكان إلى مكان، و أثبتوا له النزول و الصعود.

و الجواب: قال شيعة أهل البيت: لا يجوز اعتقاد الجسميّة له سبحانه، لأنّه إن كان جسما فلا بدّ أن يكون مشاركا للأجسام بوجه و مخالفا لها بوجه آخر، كما لا بدّ من حدوث المغايرة بين ما به المشاركة و ما به المخالفة، و حينئذ يلزم من ذلك القول بالتركيب، و المركّب محتاج إلى جزئه و جزئه غيره، و ما احتاج إلى غيره فهو الممكن، و لا يكون قديما.

و أيضا: يقول اللّه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (1) فكيف يشابه الأجسام، و لو كان‏

____________

(1) الشورى: 11.

50

جسما فلا يخلو من عوارض الجسميّة كالحركات و السكنات و الأشكال و الجهات و الصور، و هذه بجملتها عوارض الحدوث، و ما لم يخل من عوارض الحدوث فهو المحدث.

ثمّ وجدنا بعد الاستقراء أنّ ذوي الحرف و الصنّاع لا يشبهون صناعاتهم، و اللّه سبحانه خالق الجسم و الجوهر و العرض فلا بدّ من منافاته مع جميع مخلوقاته، و عدم تشابهه معها.

ثمّ إنّ العرش و الجبل من خلقه و مثلها مساجد همدان التي هي مهابطه و منازله سبحانه عمّا يقول الجهّال- كما يزعم الخصم- و هذه محدثة بالإجماع، و اللّه تعالى قديم و هو مستغن عنها منذ الأزل بذاته، و الصفات الذاتيّة لا تتغيّر.

و كذلك يمنع العقل بدلائله من التجسيم، و مثله السمع: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، و آية «استوى» معناها: استولى.

يقول مصنّف هذا الكتاب الحسن بن عليّ الطبريّ: حضرت في سنة (670) في مدينة يزدجرد، فسمعت العامّة تعتقد في اللّه أمورا لا يجوز ذكرها، فنهضت إلى مفتي البلد و كان يعرف بالزهد و الورع و العلم، و قد أسند إليه منصب القضاء و الولاية في البلد المذكور، و قلت: يلزمك و أنت معتمد هذه الخطّة و مقتداهم أن تحول بين العامّة و بين ما تقوله و تعتقده في اللّه سبحانه، فقال بعد أن ضحك: يا فلان، ماذا تقول لو علمت بأنّي أقول من هذا بأكثر من قولهم، و أعتقده بأكثر من اعتقادهم!

و بقيت شهرا أحاوره في هذا و شبهه، و كانت حالي معه مشبهة لحال نوح مع قومه: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً (1).

____________

(1) نوح: 6.

51

و كان لي صديق يحاور كبيرا لهم من أهل هذه الديار، فقال له: أيجمل باللّه أن يهبك رأسا و لحية ثمّ يخلي نفسه منهما؟!

و حضرت يوما مسجدهم الجامع فسمعت الواعظ يذكر منقبة لمعاوية، و قال في ختام كلامه: يقام يوم القيامة لمعاوية سرير فوق العرش بمساحة كذا، و يجلس الحقّ تعالى تحت هذا السرير! «فاعتبروا يا أولي الأبصار».

الفصل الثاني‏

و أكثر أهل السنّة يثبتون المعاني في الصفات، فيقولون: إنّ اللّه عالم بعلم، و قادر بقدرة، و حيّ بحياة، و هكذا.

و الجواب عن ذلك: يقول الشيعة: إنّ صفات اللّه سبحانه ذاتيّة فهو قادر بذاته، و القدرة و العلم و الحياة صفات ذاتيّة له، و أمّا باقي الصفات من قبيل كونه مريدا و كارها و سميعا و بصيرا و مدركا فمردّها إلى العلم و تابعة له.

و إذا قلنا بأنّه قادر بقدرة فإنّ ذلك يؤول إلى تعدّد القدماء و هو مذهب قريب من الشرك، ثمّ هذا القول تماما مشبه لمذهب النصارى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (1)، و لأنّ النصارى أثبتوا القدماء ثلاثة فاستحقّوا العقوبة لذلك، و قال عنهم: لَقَدْ كَفَرَ ... الآية، كيف نسبوا الجمع إلى القديم و حاصله ضرب ثلاثة في مثلها (2).

____________

(1) المائدة: 73.

(2) لم يتّضح لي معنى العبارة فترجمتها كما وردت، و المعروف عن النصارى أنّهم يقولون الواحد ثلاثة و الثلاثة واحد، و يمكن أن يريد المؤلّف بأنّ قولهم هذا يؤدّي إلى أن يكونوا تسعة حين تنسب كلّ أقنوم إلى صنويه على حدّة مثلا تقول: الأب و الابن و الروح القدس، فهؤلاء ثلاثة، ثمّ-

52

مسألة: و كذلك يقولون بقدم القرآن.

و الجواب عنه: يقول الشيعة: إنّ القرآن معجزة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و محمّد محدث فكيف تكون معجزته قديمة؟! و إذا جاز القدم لمعجزته جاز كذلك لمعاجز الأنبياء، و لو قيل بقدم ما في الدفّتين فإنّه مكتوب بالضرورة، و هذا المعنى حادث.

و لو قلنا بأنّ القرآن هو الحرف و الصوت فإنّ ذلك محال قطعا لأنّ الحرف و الصوت لا يكونان قديمين لأنّ فيه سابقا و لا حقا، و كلّ واحد منهما محدود بحدود الزمان، و ما كان كذلك فما هو بقديم.

و يقول الحقّ أيضا: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ‏ (1)، و قال: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏ (2) و المراد من الذكر القرآن بدليل قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (3)، و قال: هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ‏ (4)، و قال: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (5)، و قال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (6)، و قال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏ (7). وردّ اللّه على المشركين بقوله: هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ‏ (8).

و إذا كان القرآن قديما فإنّ سائر الكتب المنزلة مثله، فيكون الأنبياء و الصلحاء

____________

- الابن و الأب و الروح القدس ثلاثة فصاروا ستّة، ثمّ روح القدس و الابن و الأب ثلاثة فهؤلاء تسعة، هذا ما وصل إليه إدراكي و لا أجزم به، و العلم عند اللّه. (المترجم).

(1) الطور: 34.

(2) الأنبياء: 2.

(3) الحجر: 9.

(4) الأنبياء: 50.

(5) الزخرف: 3.

(6) القدر: 1.

(7) البقرة: 185.

(8) الأحقاف: 11.