تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - ج1

- السيد هاشم الميلاني‏ المزيد...
591 /
3

الجزء الأول‏

[تعريف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه، و الصلاة على رسول اللّه، و على آله آل اللّه، و اللعن الدائم على أعدائهم أعداء اللّه إلى يوم لقاء اللّه.

و بعد؛ فانّ من الامور الهامّة التي تعتزّ بها كل أمّة من الامم البشرية و تفتخر به هو ماضيها و تأريخ مسيرتها في القرون الخالية و الأيام الماضية، و ما رافق ذلك من الحوادث المختلفة من المحن و الفتن و المعارك و الحروب و أخبار الملوك و الحكّام و حياة العظماء و العلماء، و من لهم الأثر في إحداث التغييرات و المنعطفات في مسيرتها.

و الامّة الاسلامية كسائر الامم لها تأريخها و ماضيها الملي‏ء بالوقائع المهمّة و الأحداث المثيرة للحدل و النقاش خصوصا ما يتعلّق بالحاكمية الإسلامية و امور الخلافة و ما مرّت به من ظروف صعبة و أجواء مظلمة بحيث صارت المنشأ للكثير من الحروب و النزاعات فجاء تأريخنا حافلا بالفتن و مكتوبا في كثير من الوقائع و للأسف على مرام أصحاب السياسة و أهواء سلاطين الجور، فاخفيت الكثير من الحقائق و حرّفت الكثير من الوقائع و رفع من لا رفعة له و ذكر بالتعزيز و التقدير من لا عزّة له و لا كرامة، و في المقابل شوّهت سمعة الصلحاء و اتّهم الامناء و استعين بالكتّاب الاجراء و المرتزقة على تحريف الكثير من الامور و تزويرها خدمة للسلاطين و تعاونا على الإثم و العدوان.

و أكثر جماعة غبن حقّها و شوّهت سمعتها و تآلب الكثير من المحرّفين و الوضّاعين على ظلمها و طمس آثارها هم الطائفة الإمامية الناجية- أعلى اللّه رايتها- و خصوصا أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و السّلام. فكتمت الحقائق و زوّرت الوقائع و سلبت الحقوق و ضيعت الأمانة. فانبرى أهل العلم و رجال الحقّ المخلصين- و منذ اليوم الأول‏

4

لإعلان الدعوة الإسلامية و مرورا بعهد التابعين و عصر الأئمة الصالحين- للدفاع عن الدين الحنيف و الذبّ عن حريم الرسالة و معينها الصافي، فبيّنوا للناس ما ينبغي تبيينه و شرحوا ما اجمل ذكره و كشفوا مواضع التزوير و التلاعب و أزاحوا الكثير من الغبار فظهر الحقّ للعيان و زهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا.

و من اولئك الأفذاذ الذين لهم اليد الطولى و القدح المعلّى في خدمة الشريعة الأحمدية البيضاء العالم العامل فخر المحدّثين و زين السالكين العابد الزاهد الشيخ عباس القمّي- تغمّده اللّه برحمته الواسعة- فقد بذل جهدا كبيرا في هذا المضمار مدافعا عن حوزة أهل البيت عليهم السّلام و شارحا سيرتهم الوضاءة و مبيّنا لفضائلهم و مناقبهم و ما تحلّوا به من الخصال الكريمة و السجايا النبيلة مضافا إلى بيان مطاعن أعدائهم و مساوئهم.

و قد امتاز قلمه- رحمه اللّه- بالدقّة و الضبط و الأمانة في نقل النصوص و المتون، الأمر الذي جعل لكتب هذا المصنّف المنزلة المرموقة بين بقيّة كتب السير و المناقب فصارت المرجع الذي يرجع إليه الكثير من أهل العلم و التحقيق، و المستند الذي يستندون إليه في فهم الوقائع و الأحداث التاريخية.

من ثمار تلك الجهود المشكورة كتاب «منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل» و هو الماثل بين يديك- عزيزنا القارئ- و كان قد كتبه مؤلّفه باللغة الفارسية و لأهمّيته و تعميما للفائدة قام اخواننا في المؤسسة الإسلامية للترجمة بترجمته إلى العربية و استخراج منابعه. و نزولا عند رغبتهم و احياء لتراث أهل البيت الخالد أخذت مؤسستنا على عهدتها طبع هذا الكتاب بعد تصحيحه و تكميل نواقصه الفنّية و التحقيقية ثم نشره بهذه الصورة الأنيقة سائلين اللّه لمؤلّفه علوّ الدرجات و للاخوة الأفاضل الذين ساهموا فيه المزيد من التوفيق سيّما فضيلة حجة الإسلام السيّد هاشم الميلاني لما بذله من جهد متواصل في ترجمة هذا السفر القيّم وفّقهم اللّه و إيّانا لما فيه رضاه إنّه خير وليّ و معين.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

5

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

مقدمة في كيفية دراسة التاريخ‏

كتابة التاريخ من جديد

هناك منهجان لكتابة التاريخ و كيفية دراسته و عرض الحقائق التاريخية الكامنة في طيّات الازمنة الغابرة:

المنهج الاول: و هو السائد في المجتمعات البشرية، و يعتمد على كتابة التاريخ باخذ الحكّام و الملوك و السلاطين محورا لتسلسل الاحداث التاريخية، فالمؤرخ يذكر الاقوام الماضية حسب تسلسل و تعاقب ملوكهم، فعند ما يذكر حضارة وادي الرافدين و يتحدث عن السومريين و الاكديين يذكر «لوغالزغيري»- حوالي 2350 ق. م- الذي كان اول من بنى امبراطورية واسعة و ضمّ المدن السومرية و الاكدية (أوما، و أوروك، و لا غاش) و غيرها، ثم يأتي بعده سرجون الاكدي الضابط الاكدي الذي أنشأ لنفسه مدينة في أوغاد قرب بابل و استولى على امبراطورية لوغالزغيري و اورث الحكم أولاده حتى سنة 2230 ق. م تقريبا، و بعد ضعف سومر و اكّد اعادها حمورابي الى الوجود سنة 1761 ق. م بانشاء حضارة جديدة في بابل، ثم اشور بانيبال ثم نبوخذنصر الكلداني البابلي و هكذا.

و عند ما يريد المؤرخ ان يتحدّث عن حضارة وادي النيل فهو يقسّم هذه الحضارة القديمة الى دورات حضارية و يذكر كل دورة حضارية حسب اسماء الفراعنة الذين كانوا يحكمون مصر القديمة منذ 3000 عام ق. م و من ذلك ينطلق المؤرخ في بيان ظروف المعيشة و الطقوس‏

6

الدينية و الانتاج الزراعي و العلاقات الخارجية لكل عصر من عصور التاريخ المصري القديم.

و هكذا بالنسبة الى سائر الحضارات الاخرى كحضارة الفرس و اليونان و الرومان و الى التاريخ الاسلامي، فيذكر المؤرخ اولا عصر الخلفاء الراشدين و بني أميّة و بني العباس و غيرهم على هذا المنوال.

و المؤرخون في هذا المنهج على نحوين، فمنهم من يذكر الاحداث التاريخية كسرد للوقائع لا اكثر و يهتم بالتعاقب الزمني للوقائع و اسماء الملوك و الحروب التي جرت في ذلك العصر و طريقة حياة الاقوام الماضية من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية و الدينية و غير ذلك، امثال الطبري و ارنولد توينبي في كتابه تاريخ البشرية و نهرو في كتاب تاريخ العالم و غيرهم، و النحو الآخر في كتابة التاريخ على هذا المنهج هو دراسة الاحداث التاريخية و بيان عللها و اسبابها لاستخلاص نتائج مفيدة من التاريخ، فيبحث المؤرخ عن الاسباب الداخلية و الخارجية التي أدّت الى سقوط حضارة الفراعنة، أو أسباب انتصار الاسكندر المقدوني و اكتساحه للامبراطورية الفارسية، و علل سقوط بني أميّة و مجي‏ء بني العباس، و العوامل التي ساعدت المأمون في حربه و انتصاره على أخيه الامين و هكذا.

و هنا نلاحظ ان هؤلاء المؤرخين كثيرا ما يستعملون في قاموسهم التحليلي مقولة الصح و الخطأ في تفسير الاحداث و الوقائع التاريخية، فأحد اسباب سقوط هتلر انه اخطأ في هجومه على اوكراين الروسية و ترك بريطانيا، فلو عكس الامر لكان أفضل، أو ان من اسباب الثورة على عثمان انه أخطأ في ارجاعه الحكم بن العاص الى المدينة بعد ان كان طريد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أخطأ في حرقه للمصاحف مما أهاج المسلمين عليه، أو ان من اسباب احباط ثورة الامام الحسين (عليه السلام) و مقتله انه أخطأ في مسيره نحو الكوفة و اعتماده على اهلها و ان الطرف المقابل احتلّ الشريعة قبله و امثال ذلك.

و نلاحظ في هذا المنهج ثغرة دقيقة و هي انّ مقولة الصح و الخطأ لا تكاد تستوعب الحادثة التاريخية و عللها الواقعية، فمثلا في غزو هتلر لروسيا ينظر المؤرخ لهذه الواقعة من منظار

7

ظاهري، و ميزانه في العمل الصحيح و الخاطئ هو المنظار المادي و الانتصار العسكري و لهذا يقول انّ هتلر أخطأ في تركه لبريطانيا و انشغاله بروسيا، في حين انه من الناحية الواقعية يكون هتلر مخطئا في هجومه على أيّ منهما لانه عدوان و ظلم، فحتى لو انتصر على روسيا أو بريطانيا فهو مخطئ لانه معتد، و حتى لو لم يحرق عثمان المصاحف فهو مخطئ أيضا في تسلمه منصب الخلافة بدون حق، و كذلك لو خسر الامام الحسين (عليه السلام) المعركة ظاهرا، فعمله صحيح لانه مطابق للحق و العدالة.

و مثله في انتصار معاوية على الامام الحسن (عليه السلام)، فهو مخطئ في انتصاره لانه لا يطابق ميزان العدالة.

المنهج الثاني: هو مسلك القرآن الكريم في بيانه لاحداث التاريخ حيث يتخذ الأنبياء (عليهم السلام) محورا لكتابة التاريخ و لا يذكر الملوك و السلاطين الّا بالتبع، و لا يسمي الاقوام السابقة بأسماء ملوكهم بل بأسماء انبيائهم: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ و أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ‏ و امثال ذلك.

و هذا المنهج الفريد لدراسة الحضارات التاريخية و لفهم مجريات الامور فى الازمنة و الاقوام الماضية يتميّز عن المنهج السائد بعدّة مميّزات ايجابية لا يستغني عنها الباحث في التاريخ و اهمها:

اولا: ان المنهج القرآني يأخذ بنظر الاعتبار مسألة الحق و الباطل في كل دراسة تاريخية يقدّمها للقارئ، بينما تخلو الدراسات التاريخية السائدة من ذكر هذا الميزان، فالقرآن الكريم يعطينا الميزان لمعرفة من هو الحق في الصراعات الدائرة بين الدول و الاقوال و حتى بين الافراد في المجتمع الواحد كما في قصة يوسف (عليه السلام) و يكون التحليل التاريخي مع هذا الميزان مصيبا للواقع الى درجة كبيرة، و بعبارة اخرى اننا في ايّة دراسة و تحليل تاريخي لا بد و ان نحصل على الميزان اولا، و على ضوئه نفهم احداث التاريخ بصورة اكثر واقعية.

8

فعند ما ندرس حضارة وادي النيل سوف لا تغرّنا أهرامات الجيزة و توحي لنا بعظمة الفراعنة بقدر ما توحي لنا التفاوت الطبقي الشديد و ظلم الطبقة الحاكمة و الجهل المطبق الذي كان سائدا في ذلك الزمان بحيث استطاع الفراعنة تسخير عشرات الالوف من العبيد لبناء اهرامات عملاقة لامر تافه و هو الحفاظ على الموتى من العائلة المالكة، و كان يمكنهم الاستفادة من هذه الخبرات العمرانية و الطاقات العالية في ما ينفع الناس، و القرآن الكريم يصور لنا عصر الفراعنة بقوله:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ (1).

اما كتابة التاريخ على النمط السائد فانه يوحي للقارئ بعظمة هؤلاء الملوك و السلاطين، و سيؤثر نفسيا على القارئ فيتصور ان الملك و السلطان أعلى مرتبة ينالها الانسان في حياته الى درجة انّ التاريخ سيخلّد اسمه مع العظماء كما خلّد السلاطين من قبل، و الحاكم بدروه يحاول البقاء أطول فترة زمنية و يوسّع من سلطانه و حكومته حتى يذكره التاريخ في سلسلة عظماء الرجال، فكان هذا التخليد الوهمي سببا لكثير من الحروب و المظالم التي جرت في تاريخ البشرية.

ثانيا: ان هذا المنهج يسلم من التحريف الذي يتخبط فيه المنهج السائد، لان الملوك عادة يحرفون التاريخ بما يتلائم مع افكارهم و يخدم وجودهم فيتهمون الطرف الآخر بالتهم الباطلة و يثبّتونها في المتون التاريخية على اساس انها حقائق و المؤرخون و الكتّاب من رجال البلاط بدورهم يكتبون الوقائع التاريخية و يحللونها على هذا الاساس، و بعد ان فقدوا الميزان العادل في تحليلاتهم و كتاباتهم حلّت المصالح المادية و النزاعات القومية و الوطنية، فيقرأ كل قوم سيرة تاريخهم و تاريخ الاقوام الاخرى بميزان غير دقيق، فنجد القارئ و بدافع من‏

____________

(1) القصص، الآية 4

9

القومية و الوطنية يدافع عن سلاطين قومه و وطنه في التاريخ و يغطّي على معايبهم بدون ان يأخذ بنظر الاعتبار سيرتهم الاخلاقية و الانسانية في المجتمع مما يزيده بعدا عن الحقيقة، فالمؤرخون الفرنسيون يعظّمون نابليون مثلا غير مبالين بمقتل نصف مليون جندي فرنسي اثناء احتلال نابليون لروسيا غير من قتل في حروبه الاخرى من الفرنسيين و غيرهم، و المؤرخون الفرس يعظّمون كوروش و داريوش و جميع الاكاسرة حتى انهم يدّعون ان كسرى انوشيروان كان عادلا و يغفلون أو يتغافلون عن اوضاع المملكة الايرانية التي كانت تعيش حينذاك الطبقية بأقسى صورها و كان الفلاحون و هم الطبقة الثالثة في المجتمع يرزحون لوحدهم تحت الاعباء المالية و النفقات العسكرية للدولة بينما يعفى الامراء و رجال الدين و قادة الجيش من الضرائب، و العرب يعظّمون هارون الرشيد و يسمّون عصره بالعصر الذهبي في حين ان المئات من ذرية الرسول (صلى اللّه عليه و آله) كانوا يموتون في أقبية سجونه المظلمة دون ان يشعر بهم أحد ... و هكذا.

ثالثا: ان القرآن الكريم بجعله الأنبياء محورا لاخباره التاريخية فانه يسلّط الضوء على شخصيتهم و اعمالهم اكثر حتى يكونوا قدوة و اسوة في الاخلاق و الصفات الانسانية الرفيعة و بذلك تنتشر الفضائل في المجتمع لان كل انسان بحاجة الى مثل اعلى في الحياة ليضعه اسوة له، و القرآن الكريم يحقق هذا الغرض المهم من خلال تسليط الضوء على حياة الأنبياء (عليهم السلام) فيتعلم الفرد الشجاعة و قول كلمة الحق حتى لو كلفه ذلك حياته أو سمعته و مصالحه الشخصية من موقف ابراهيم الخليل (عليه السلام) مقابل عبادة قومه للاصنام، و يتعلّم الزهد و ترك الدنيا من النبي عيسى (عليه السلام)، و النبي موسى (عليه السلام) حينما فضّل العيش في الصحراء وحيدا من أجل الدفاع عن المحرومين على العيش في قصور فرعون، و يتعلم الشاب من يوسف (عليه السلام) كيف يمسك نفسه في ساعة الشهوة و اللذة المحرّمة، و تتعلم المرأة التقوى و العفاف و الصبر على صعوبات الحياة من حياة مريم و آسية زوجة فرعون، و يتعلم الملوك من سليمان (عليه السلام) عدم الاغترار بالملك مهما كان عظيما، و يتعلم الحكّام‏

10

العدالة من داوود (عليه السلام) و امثال ذلك.

أما لو سلّطنا الضوء على السلاطين و تحدّثنا عن حياتهم الشخصية و صفاتهم النفسية فما ذا نرى؟ هل نجد غير حبّ الدنيا و السلطة و الحروب المستمرة و الاسراف في الملذّات المادية و أمثال ذلك؟! رابعا: و هو الاهم في هذا الباب، و خلاصته ان المنهج القرآني يأخذ بنظر الاعتبار من كان محرّكا لعجلة التاريخ كمحور للدراسات التاريخية و هم الأنبياء (عليهم السلام) و من آمن بهم تاركا الحديث عن الملوك باعتبارهم الزبد الذي يذهب جفاء، لانهم منتفعون و مصلحيون لا أكثر، و هذه نظرية القرآن الكريم في ماهية المحرّك الاجتماعي في التاريخ، و بعبارة أوضح ان الدراسات التاريخية تختلف في تصوير المحرّك للمجتمعات و الحضارات في التاريخ على عدة اقوال، فبعض يرى ان العامل الاقتصادي هو السبب في حركة التاريخ كما هو رأي الماركسية، و آخر يرى ان العلم هو المحرّك للتاريخ، و آخرون يرونه في القومية، و رأي رابع يراه في الجغرافية و البيئة الطبيعية، و خامس يراه في جهود النوابغ من البشر، و هو الذي نفهمه من المنهج القرآني.

و لو تفحصنا في هذه النظريات لوجدناها مختلفة ظاهرا الّا انه يمكن ارجاعها الى مبدأ واحد في النتيجة، فالعامل الاقتصادي الذي تقول به الماركسية و هو تكامل وسائل الانتاج التدريجي و الذي يؤدي بدوره الى التغيّر الدفعي في كيان المجتمع، هذه المقولة تعطي الدور الاساس في حركة التاريخ بشكل غير مباشر الى الانسان الذي يصنع وسائل الانتاج، فمن المعلوم ان وسائل الانتاج لا تتكامل بدون دخالة العقل البشري في تطويرها.

و هكذا من يرى ان السبب في التحولات التاريخية هو العلم و الاختراعات و الاكتشافات التي كانت عاملا مهما في تكامل الحضارات البشرية، فهو أيضا يرى ان الانسان المفكّر و العالم هو المؤثر حقيقة، لانه لا علم بدون عالم و لا اختراع بدون مخترع.

اما الرأي الثالث الذي يتركز على القومية و انها هي السبب في تغيّر الحضارات و تبدّلها

11

نتيجة للحروب التي كانت تأخذ طابعا قوميا، فتنهار حضارة و تقوم اخرى مقامها، فهذا أيضا يمكن ارجاعه الى الانسان المفكّر و النابغة الذي يتمكن من بناء حضارة على هذا الاساس لأنّ القومية بمجرد كونها دافعا نفسيا لتحرك المجتمع لا تكاد تكفي لصنع حضارة لو لا وجود افراد من تلك القومية بامكانهم تجميع الناس و استغلال هذا الحافز لتشكيل دولة قومية، و الّا بقي عامل القومية في النفوس بدون مردود مؤثر كما كانت القبائل العربية في زمن الجاهلية متناحرة فيما بينها قرونا عديدة الى ان جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و وحّدها و صنع منها دولة و حضارة.

اما من يرى ان المحرك للتاريخ يكمن في بيئة الاقوام من الناحية الجغرافية، فالمناطق الحارة تولّد أقواما متكاسلين و نفوس ترغب في الخنوع و الاستسلام بعكس المناطق المعتدلة و الباردة فانها تولّد أقواما معتدلين و تسري فيهم حالة الاستعلاء و حب السيطرة، و يتبنى هذا الرأي ابن خلدون و بعض الباحثين القدماء، و يستدلّون على ذلك ان القوانين الطبيعية تحكم بهبوب الرياح الباردة نحو المناطق الحارة، فتكون المناطق الباردة فاعلة دائما و المناطق الحارة منفعلة، و يمكن تفسير الحالة الاستعمارية للبيض بهذا التحليل، الّا انّ هذا الرأي مع كونه وجيها يحمل في طيّاته التفسير الجامع المتقدم و يعتمد على الانسان في حركة التاريخ و لكن الدوافع مختلفة في نفوس البشر، و نصل بعد ذلك الى النظرية الخامسة و التي تتّخذ من النوابغ عاملا محركا للتاريخ، و النابغة اعم من العالم و المخترع، فقد يكون الانسان عالما الّا انه يحمل علمه معه الى قبره أو لا يستخدمه في أحداث التغيير الاجتماعي، فالنبوغ لا ينحصر بالعلم، بل بكيفية سوق المجتمع نحو أهداف معيّنة، و هذا بدوره يكون على نحوين: فتارة يكون النبوغ سلبيا فيحدث تغييرا اجتماعيا كذلك كما في جنكيزخان و معاوية بن ابي سفيان و هتلر و امثالهم، و اخرى يكون نبوغا ايجابيا فيكون النابغة محرّكا للتاريخ نحو الغاية المقصودة و الكمال المنشود من البشرية، لان النظرية الاسلامية لا تكتفي باختيار النوابغ الايجابيين كعامل اساسي لحركة التاريخ، بل تضم إليها القول بان التاريخ يسير نحو غاية و هدف،

12

و الحضارات التاريخية تشكل حلقات من سلسلة متكاملة تجرّ البشرية نحو الكمال كما يقول القرآن الكريم:

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏.

و بعض علماء التاريخ يذكر النظرية الدينية في تصوير المحرّك الى جانب النظريات المتقدمة على اساس انها تقول بالارادة الالهية، فما يميّزها عن اخواتها انها تعطي عالم الغيب دورا أساسيا في حركة التاريخ و هذا قد يستشم منه رائحة التواكل و عدم الشعور بمسئولية التغيير نحو الافضل و هو القول بالحتمية التاريخية كالتي قال بها ماركس، و لذلك يحاول اخراج النظرية الدينية من زمرة النظريات العلمية لانها تعتمد على الغيب في تفسير التاريخ، و لكنه تصوّر خاطي‏ء، فالنظرية الاسلامية مع قولها بالارادة الالهية في تعيين مسيرة التاريخ، الّا انها تحمّل الانسان المسئولية الكاملة لكل تغيير اجتماعي، بان يكون القول بامضاء المشيئة الالهية و القضاء الرباني معوّلا على اختيار الانسان للطريق الذي ينتخبه شخصيا، و تكون الارادة الالهية مرتبطة باختيار و ارادة الانسان.

فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏.

و نتيجة هذا البحث هو اننا نستفيد من محوريّة الأنبياء (عليهم السلام) في المنهج القرآني ان القرآن الكريم يقول بالنظرية الخامسة و هي محركيّة النوابغ للتاريخ و لكن لا بشكلها المطلق، بل النوابغ الايجابيين و هم الأنبياء (عليهم السلام) و هذا لا يتنافى مع القول بالمشيئة الالهية لان ارادة اللّه سبحانه تظهر على أيديهم في مسيرة المجتمع نحو الكمال الانساني، و كذلك تظهر على أيدي النوابغ من القسم الآخر فيما لو اختار الناس الدنيا و المصالح المادية.

اما لما ذا اختار القرآن الكريم من النوابغ من كان ايجابيا فقط مع انّ القسم الآخر يؤثّر في المسيرة التاريخية و يعتبر محرّكا مساويا له في الاهمية و القوّة و لو في الجهة المقابلة؟ فهو ما ذكرناه في اول الحديث عن المحركيّة التاريخية، فان من النوابغ من يكون فاعلا و بمثابة الروح في جسد الامّة، و منهم من يكون منفعلا و بمثابة غريزة العدوان في الانسان و الزبد الظاهر على‏

13

الموج فلا يعتبر محرّكا الا مجازا، لانه يمتص خيرات المجتمع مصالحه و يحرق جميع ايجابيات الآخرين فداء لمنافعه الشخصية، ثم ان وجود النوابغ في سلك الملوك و الحكّام قليل و يقتصر على المؤسس لتلك الدولة و الحضارة التاريخية غالبا، فلو نظرنا الى سلسلة ملوك بني أميّة أو بني العباس أو حضارة اليونان و الرومان لوجدنا ان القلّة من ملوكهم و سلاطينهم مما يمكن ان يقال انه نابغة كمعاوية و مروان من بني أميّة و أبي مسلم الخراساني من قيادات الجيش العباسي و كذلك المأمون من خلفائهم، و الاسكندر و قسطنطين من اليونان و الرومان، و اما باقي السلسلة فهم اناس عاديون و قد يكون الكثير منهم من الاغبياء و الحمقى الذي اترفتهم الحياة الدنيا.

اما الأنبياء (عليهم السلام) فلا يصلون الى هذه المرحلة من الكمال الّا بعد ان يكون نابغة، ثم ان اختيار اللّه سبحانه و تعالى له لهداية الخلق يؤيد اتصاله المستمر بالكمال المطلق و انّه يحوي جميع الفضائل و الصفات الانسانية العليا بحيث لا يمكن ان يوجد من هو افضل منه كما هو ثابت في كتب العقائد.

ثم لو جئنا الى التاريخ لرأينا ان الواقع الخارجي يؤيد هذا المعنى أيضا و هو كون الأنبياء (عليهم السلام) كلّهم من النوابغ البشرية العجيبة، حتى ان بعضهم و بالتحديد ثلاثة منهم يسيطرون على الفكر البشري و يسيّرون الحضارات الانسانية في اغلب مناطق العالم منذ 3000 عام و لحدّ الآن!! و هم موسى و عيسى و محمد (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

هذا الكتاب:

و المنهج الذي يستخدمه هذا الكتاب القيّم و السفر الجليل (منتهى الآمال) في كتابته و دراسته لأحداث التاريخ الاسلامي بنفسه هو المنهج القرآني، و بذلك يحوي على مميزات هذا المنهج و يسلم من سلبيات المنهج السائد، فهو يكتب التاريخ الاسلامي حسب المحرّك و القوة الفاعلة للمجتمع، أي الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام) و لا يذكر القوة المنفعلة و المصلحية و هم الحكام و الملوك و من يلوذ بهم الّا تبعا، و قد خصص لهم آخر جزء

14

من كتابه و سمّاه «تتمّة المنتهى».

فنلاحظ ان هذا الكتاب على ايجازه يحتوي على ايجابيات و مميزات المنهج القرآني المتقدّم و هي:

1- ان مسألة الحق و الباطل هي الاساس و العمود الفقري الذي يعتمد عليه المؤلف في دراسته هذه، فنحن لا نقرأ تاريخ اهل البيت (عليهم السلام) لمجرد انهم ذريّة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) أو لمجرد كونهم علماء مثلما نقرأ عن حياة العلماء و المكتشفين و المخترعين و غيرهم، بل بما انهم يشكّلون العمود الفقري و العقل المخطط و القوّة الايجابية الفاعلة لمسيرة التاريخ لانهم اصحاب الحق، و ان من خالفهم من السلاطين و الخلفاء و رجال الدولة و البلاط و وعاظ السلاطين يمثّلون الزبد الظاهري و القوة المنفعلة و السلبية للتاريخ و يسيرون في طريق الباطل، و بذلك نقرأ التاريخ الاسلامي بعينين مفتوحتين و لا نغتر بعظمة الدولة الاسلامية ايام هارون الرشيد و الفتوحات الكثيرة و العلوم المختلفة في تلك الفترة، بل نفتخر بما توصّل إليه علماء الاسلام في ذلك العصر من التطور العلمي و لا نجعله بحساب هارون الرشيد أو المأمون العباسي.

و عند ما نقرأ عن الفتوحات الاسلامية في عصر الخليفة الثاني و نفرح لهزيمة الفرس و الروم على يد الجيش الاسلامي فلا نجعلها بحساب من غصب الخلافة من أصحابها الواقعيين و نرضى به خليفة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الرسول نفسه غير راض بذلك، و لا نفتخر بقيادات الجيش الاسلامي امثال خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و غيرهم من الذين لم يدخلوا في الاسلام الّا كرها و طمعا في الدنيا و قد كانوا من الدّ الاعداء لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الاسلام، بل نعطي رأينا للروح الدينيّة التي نفخها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في نفوس المسلمين و ثبت دعائمها الامام عليّ (عليه السلام).

و عند ما نقرأ عن الثورات في داخل الامة الاسلامية كما في ثورة المسلمين على عثمان و ثورة اصحاب الجمل و ثورات العلويين و غيرهم ضد بني أميّة و بني العباس نقرأها بوضوح‏

15

و نتفهمها بعمق لاننا نعرف الخلفيّة و الدوافع لكل ثورة و تحرّك من هذا القبيل بعد معرفة اصحاب الحق و اصحاب الباطل، فمن وافق اصحاب الحق في تحرّكه الاجتماعي و خطّه السياسي فلا بد ان تكون دوافعه سليمة، كما في رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجاءه شابّ فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال له أبان: كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّ (عليه السلام) بمن تبعه من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال الرجل:

هو ذاك، فقال: و اللّه ما عرفنا فضلهم الّا باتباعهم ايّاه‏ (1).

فمثلا في مسألة الثورة على عثمان لا يمكن القول بان جميع الثوّار كانوا على حق، لان منهم المنافق و منهم من يطلب الدنيا و لم يكن غضبه على عثمان الّا لان عثمان عزله من منصبه أو لم يخصّه من العطاء كما خصّ به أهله و أقرباءه، و قد كانت عائشة من المحرّضين على عثمان و لا يمكن القول بسلامة نيتها و صفاء طويتها التي ظهرت بوضوح في معركة الجمل.

و هكذا في ثورة الخوارج و ثورة ابن الزبير و ثورة الزنج و امثالها من الثورات. و في المقابل نجد ثورة الامام الحسين (عليه السلام) و ثورة التوابين و المختار و زيد بن عليّ التي نعرف اهدافها و دوافعها من خلال معرفتنا باصحاب تلك الثورات و انهم مع الحق، و لذلك سنفهم التاريخ بشكل أوضح و لا نساوي بين الثورات و نحكم عليها بشكل عام ايجابا و سلبا.

2- كما تقدم في المنهج القرآني من كون المحرّك- و هم الأنبياء (عليهم السلام)- هو المحور فكذلك نجد ان هذا الكتاب يجعل المحرّك لعجلة التاريخ الاسلامي (و هو النبي و اهل بيته) هو المحور لانهم اعطوا الحياة و الحركة للتاريخ الاسلامي، فلو لا ثورة الامام الحسين (عليه السلام) لبقي بنو أميّة يتلاعبون بالملك و الخلافة و يتداولوها تداول الكرة جيلا بعد جيل، كما كان هذا المعنى في الاكاسرة و الفراعنة و القياصرة، فلا احد يستطيع ازالتهم عن‏

____________

(1) رجال النجاشي، ص 10، رقم 7

16

الخلافة الّا باعداء الاسلام من خارج الدولة الاسلامية كالروم و المغول و امثالهم و حينئذ يزول الاسلام بزوال بني أميّة، و لكن ببركة الامام الحسين (عليه السلام) و ثورته قامت عدّة ثورات اضعفت بني أميّة و مهدت الطريق لثورة بني العباس الذين استفادوا من اسم الامام الحسين و اهل البيت (عليهم السلام) في اسقاط الامويين و اقامة دولتهم، فيكون تزريق الثورة على الظلم في جسد الامة الاسلامية و اعطاء الحوافز لتغيير الوضع السياسي نحو الاحسن و زرع الرغبة في الخير و الصلاح في قلوب المسلمين هو اعطاء الحياة و نفخ الروح في جسد الامة الاسلامية.

و عند ما تكون الامة الاسلامية في أمسّ الحاجة الى الاتصال باللّه تعالى و استمداد العون منه كما حصل بعد استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) و عاش المسلمون في ظلمات القبليّة و التناحرات السياسية المختلفة، فلا بد من وجود من يشق الطريق للامة و يعلمها حقيقة العبادة و كيفية الدعاء و المناجاة مع اللّه سبحانه و تعالى و قد تولى هذه المهمة الامام زين العابدين (عليه السلام)، فكان ارشاد الناس الى طريق النجاة و جرّهم الى اللّه تعالى هو تزريق الحياة و نفخ الروح في جسد الامة أيضا.

و عند ما اطّلع المسلمون على المذاهب و الافكار الفلسفية لفلاسفة اليونان و انتشرت الافكار و المذاهب المنحرفة بين المسلمين في خلافة بني العباس استدعى الامر وجود من يحمل نظريات الاسلام المحمّدي الاصيل و يظهرها للناس في مقابل تلك التيارات الفكرية المختلفة، فكان ان تصدّى لهذه المهمة الامام جعفر الصادق (عليه السلام) بسقيه شجرة الاسلام بالعلوم و المعارف العالية المستفاد من القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة، فكانت انقاذه للناس من الجهل و كشف الحقائق لهم بنور العلم الالهي الذي خصّه اللّه تعالى به و سقيه لشجرة الاسلام هو عبارة اخرى عن سقي الحياة لجسد الامة الاسلامية أيضا ... و هكذا.

3- ان من يقرأ التاريخ على هذا المنهج فسوف يستفيد عمليا في اصلاح حاله النفسي و الاجتماعي اكثر مما يستفيد نظريا، فالمنهج الاول يفيد الانسان في زيادة معلوماته بالتاريخ‏

17

و الاحداث و الوقائع التي جرت على الامم السابقة، فلا يتغيّر وضعه النفسي و اخلاقه الاجتماعية الى الاحسن، لانه لا علاقة لدراسة احوال الملوك و الامم السابقة بالاخلاق الفردية للقارئ، اما مع قراءة التاريخ الاسلامي على المنهج القرآني فبالاضافة الى ان القارئ يستفيد نظريا و علميا من اطلاعه على مجريات الاحداث التاريخية، سوف يستفيد عمليا أيضا في اصلاح حاله الشخصي بما يتعلمه من سيرة اهل البيت (عليهم السلام) في مجال الاسرة و المجتمع و العلاقة مع اللّه تعالى و كيفية التدرّج في مدارج الكمال ما يروي عطشه الى الصفات الانسانية العالية و الاخلاق الحميدة، فيتعلم الشجاعة من مواجهة الامام علي (عليه السلام) للابطال في معارك بدر واحد و خيبر و غيرها، و يتعلم الثورة على الظالمين و الصبر و التضحية من الامام الحسين (عليه السلام) في مواجهته لثلاثين الف بين راجل و فارس مع غربته و عطشه و ليس له ناصر و لا معين.

و تتعلم النساء الصبر على مكاره الدهر و ظلم الظالمين و التضحية بكل شي‏ء في سبيل الاسلام من اخته زينب (عليها السلام) و يتعلم المسلم من قراءته لحياة الامام الحسن و سائر ائمة اهل البيت (عليهم السلام) الحلم و الصبر و حتّى تحمّل الذلّة شخصيا في سبيل بقاء الاسلام حيا و يتعلم من اقوالهم و افعالهم ما ينير له طريق المستقبل و يهديه الى الفوز و النجاح في الدنيا و الآخرة، و لذلك ورد في الاحاديث الشريفة كثيرا الحث على ذكر فضائل اهل البيت (عليهم السلام) لما لها من الاثر النفسي على المسلم في تطبيق حاله و مزاجه مع حالهم و مزاجهم (ع) فقد ورد عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): انّ اللّه تعالى جعل لأخي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فضائل لا تحصى كثرة فمن قرأ فضيلة من فضائله مقرا بها غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، و من كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة يستغفرون له ما بقي لتلك الكتابة رسم، و من استمع الى فضيلة من فضائله غفر اللّه له الذنوب التي اكتسبها بالسمع و من نظر الى كتابة من فضائله غفر اللّه له الذّنوب التي اكتسبها بالنظر (1).

____________

(1) البحار، ج 26، ص 229، ح 10

18

4- و ينفرد هذا الكتاب بخصوصية لا توجد في كتب التاريخ الاسلامي و هي انّ مؤلّفه الباحث و المحقق المعروف الشيخ عباس القمي (قدس سره) مما يعطي هذا الكتاب اهمية بالغة لتديّنه و تقواه و تبحّره في علوم اهل البيت (عليهم السلام) و تعظيم العلماء له و من المعلوم ان كتّاب التاريخ امّا صنيعة الملوك و الحكام و هم الاكثرية فلا يمكن الاعتماد على كتاباتهم لانهم يراعون فيها اهواء الحكام في تلك الفترة الزمنية فيقلبون الحقائق رأسا على عقب تبعا لمزاج ولي نعمتهم خوفا أو طمعا، و امّا كاتب غير موثوق بنقله و لا يلتزم بالامانة في روايته لاحداث التاريخ، أو يكون صادقا و مستقلا عن الجهاز الحاكم الّا انه غير سليم النزعة القومية و الوطنية فيغض النظر عن عيوب قومه و لا يذكر الّا ما يوافق مزاجه القومي من الحقائق التاريخية فلو كانت نزعته عربية لسعى الى بيان مآثر العرب و فضائلهم فقط و لا يكون كاذبا في نقله الّا انه قد أخذ الموضوع من جانب واحد، و هكذا في حديثه عن رجال قومه و ملوكهم و الحروب التي دارت بينهم و بين اعدائهم.

و القليل جدا من المؤرخين من تخلّص من هذه السلبيات الثلاثة في نقله لاحداث التاريخ، و من هؤلاء الشيخ عباس القمي، فانه مضافا الى اطلاعه الواسع على التاريخ الاسلامي بحيث لا تكاد تفلت صغيرة و لا كبيرة الّا و أحاط بها علما كما سوف تجد ملامح من درايته و احاطته في هذا الكتاب على اختصاره و ايجازه، فانّه لم يكن صنيعة احد من الملوك و لا رجلا من رجال البلاط حتّى يتّهم في نقله، اضافة الى تديّنه و ورعه و تقواه ما لا يحتاج الى بيان فهو صاحب كتاب مفاتيح الجنان الذي لا يكاد يخلو منه بيت من بيوت المؤمنين، و هو موضع التقدير و التوثيق و التعظيم من جميع العلماء و المحققين.

و من مميزات هذا الكتاب هو ذكر الشجرة الطيبة لانساب و ذراري العترة النبوية و ذكر بعض احوالهم و مراقدهم ما لا يوجد في غيره من الكتب.

و من مميزات هذا الكتاب أيضا هو الجزء الاخير منه و تتمة المنتهى الذي كتبه الشيخ (ره) على السبك السائد و هو ذكر تاريخ الخلفاء الى نهاية الخلفاء العباسيين و جعله ملحقا بهذا

19

الكتاب و سمّاه تتمة المنتهى، و هو فريد من نوعه في دراسات علماء الشيعة و كتبهم فتواريخ الخلفاء المكتوبة على الترتيب الظاهري لخلافتهم كلها سنيّة و لا تكاد تراعي أو تميّز الحق من الباطل في ابحاثها اتباعا للمنهج الاول.

المؤسسة الاسلامية للترجمة 12 رمضان المبارك/ لسنة 1414 ه

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

لمحة عن حياة المؤلف‏

ولد الحاج الشيخ عباس القمي (طاب ثراه)- كما يقول هو في كتابه الفوائد الرضوية- في سنة (1294) ه. ق في مدينة قم المقدسة فبقي هناك ايام طفولته و شبابه و بدأ بتحصيل المقدمات من العلوم الفقهية و الاصولية.

و كان الحاج الشيخ عباس القمي أو المحدّث القمي، طالبا نموذجيا من جميع الجهات، شرع بتحصيل العلم بمشقّة و تحمّل المشاكل لأجله.

تتلمذ مدّة على يد المرحوم الحاج ميرزا محمّد الأرباب من العلماء الكبار و المعروفين في قم، و كان المحدّث يستفيد من مكتبة استاذه الغنيّة، لعسر معيشته و عدم تمكنه من شراء الكتب.

«في النجف الاشرف»

و في سنة (1316) ه. ق ذهب المحدث القمي الى النجف الاشرف لتكميل دروسه و شارك في حلقات دروس العلماء الاعلام و المدرسين الكبار، لكن كانت رغبته في علم الحديث اكثر من سائر العلوم فصمّم على السعي في إتقانه و بذل الجهد في تعلمه.

فعلى ضوء هذا التصميم لازم المحدّث الشهير و العلامة الكبير الحاج ميرزا حسين النوري- صاحب كتاب مستدرك الوسائل و غيره من الكتب القيمة- و بقي معه يقتبس من مشكاة علمه.

و كان المحدّث النورى، مقيما في سامراء و لكنه رجع الى النجف الاشرف في سنة

22

(1314) ه أي قبل سنتين من مجي‏ء الشيخ عباس إليها، و كما يذكر المرحوم الحاج الشيخ آغا بزرك الطهراني العلامة المتتبع انّ المرحوم الشيخ علي القمي الروحاني الزاهد المشهور عرّف المحدث القمي الى استاذه الشيخ النوري، فكان هؤلاء الثلاثة أي الحاج الشيخ عباس القمي و الشيخ آغابزرك الطهراني و الشيخ علي القمي، من ملازمي محضر استاذهم الشيخ النوري الى آخر عمره، و كانوا معروفين بهذا الامر، و قال العلامة الطهراني: كانت رابطة المحدث القمي باستاذه و العلاقة المتبادلة اكثر من العلاقة بين الاثنين الآخرين- مع كونهما من العلماء الاعلام-.

و قد وصل المحدث القمي باستعداده الذاتي تحت ظلّ استاذه العظيم الشيخ النوري و صفاته الفاضلة و علمه الغزير، الى المقامات العالية و الدرجات الرفيعة من العلم و العمل.

و كان يتبع استاذه كاتباع الفصيل إثر أمّه، و كان يستفيد من محضره صباحا و مساء، ليلا و نهارا، في النجف أو في الكوفة أو في غيرهما، و لمّا قدم المحدث القمي الى النجف الاشرف كان في ضيق و عسر من حيث الوصول الى الكتب و الاستفادة منها، لكنه لمّا تعرف على استاذه الشيخ النوري انحلت هذه المشكلة عنده، فكان يستفيد من مكتبته القيمة و الغنيّة و التي قلّ نظيرها. و قد أدّى المحدث القمي حق استاذه في كتبه أحسن الاداء، و قلّ ما نجد هذا الأمر عند باقي التلاميذ.

و في سنة (1318) ه ذهب المحدث القمي الى حج بيت اللّه الحرام بعد سنتين من مجيئه الى النجف و لمّا أتمّ مناسكه جاء الى قم من طريق شيراز ثم ذهب الى النجف بعد ما مكث عند أهله و أقرباءه قليلا، و لازم استاذه الى آخر عمره سنة (1320).

و مكث المحدث القمي بعد استاذه في النجف الاشرف سنتين و كان يحضر دروس سائر الاساتذه و العلماء في ذلك الزمان.

«الرجوع الى قم»

في سنة (1322) ه رجع الحاج الشيخ عباس القمي- و قد أصبح عالما نحريرا محدثا

23

مطلعا على غوامض الامور- الى قم وطنه المألوف و مسقط رأسه، بسبب المرض الذي اعتراه حيث أصيب بالربو و ضيق النفس الى آخر عمره.

و قد تزوج في قم بأخت زوجة المرحوم آية اللّه الحاج ميرزا آغاحسين القمي رضوان اللّه عليه، لكنه طلّقها بعد مدة لعلل غامضة.

و ألّف كتبا عديدة في قم و رقى المنبر للوعظ و الارشاد و كان ذلك بداية عهده بالخطابة و كان غير مشهور آنذاك.

ثم ذهب الى الحج من قم مرّة ثانية، و واصل بعد رجوعه التأليف و التصنيف و الخطابة.

«في مشهد المقدسة»

في سنة (1332) ه ترك المرحوم آية اللّه الحاج آغا حسين القمي العتبات و ذهب الى مشهد للسكنى فيها، فتبعه الحاج شيخ عباس- و كانت بينهما قرابة سببيّة- و جاء الى مشهد و عزم على السكنى فيها لمشاكل داخلية في قم.

فلمّا ذهب الى مشهد طلب منه آية اللّه القمي أن يبقى هناك و كتب أيضا رسالة الى قم يستدعي بنت أخيه كي يزوجها للشيخ المذكور، فتزوج بها الشيخ و كان كل اولاده من هذه الزوجة الثانية و كان أبوها آية اللّه الحاج السيد احمد الطباطبائي من كبار علماء قم و مشاهيرهم و لم يكن على قيد الحياة في آنذاك.

فأصبح الشيخ عباس القمي بهذه الصلة عديلا للمرحوم الميرزا محمد تقي الاشراقي الواعظ و العالم المشهور، و أيضا عديلا للمرحوم الحاج ميرزا محمود الروحاني من علماء قم، و المرحوم السيد عباس الفقيه القمي، فكان هؤلاء الاربعة أصهار العالم النحرير المرحوم الحاج السيد احمد الطباطبائي.

و ذهب الشيخ عباس القمي الى بيت اللّه الحرام للمرة الثالثة من مشهد و استغرق سفره ستة أشهر، فاشتهر الشيخ بعد هذه السفرة بالحاج الشيخ عباس القمي، و كان يذكر في كل مكان، و كان يصعد المنبر في بيت المرحوم آية اللّه القمي في اوّل عشرة من محرم، و كان غرضه‏

24

أداء الوظيفة الدينية لا أن تكون الخطابة و الموعظة حرفته و باب كسبه.

فكان يحضر في مجلسه جمع غفير من الناس و يأتون أفواجا الى بيت آية اللّه القمي لاستماع منبره و درك الفيض منه، و طلب منه جمع من أهالي مشهد في الايام التي كان مقيما فيها، أن يصلي صلاة الجماعة في مسجد گوهرشاد في ايام شهر رمضان، فقبل منهم و بدأ بصلاة الجماعة في أحد الرواقات المتروكة في ذلك المسجد.

ففي أحد الايام قال بعد أداء صلاة الظهر لمن يليه: اني لا استطيع الاستمرار في امامة الجماعة، فقام و ذهب الى البيت من دون أن يصلّي العصر في ذلك المسجد الى آخر شهر رمضان فلمّا سأله أحد علماء مشهد (المرحوم الحاج ميرزا علي اكبر النوقاني) عن سبب تركه للصلاة قال: الحقيقة انّي سمعت في الركعة الاخيرة من صلاة الظهر، صوت المأمومين من بعيد ب (يا اللّه، يا اللّه، ان اللّه مع الصابرين) فعلمت كثرة المأمومين خلفي فحصل لي سرور و انبساط، فعلمت انّي لست اهلا لإمامة صلاة الجماعة، فتركتها.

و في تلك الايام التي كان مقيما في مشهد، صعد المنبر في شهر رمضان في مسجد گوهرشاد فكان يأتي الى مجلسه المرحوم الآخوند ملا عباس التربتي من العلماء و الابرار الاخيار، ذو الملكات الحميدة و الخصال الرفيعة، فكان يأتي من مدينته تربت حيدريّة الى مشهد في شهر رمضان لاستماع مجلس المحدث القمي، و كانت بينهما مودّة و محبّة قديمة.

و في أحد الايام رأى الشيخ القمي من فوق المنبر الآخوند ملّا عباس جالسا بين الناس يستمع الى كلامه، فقال الشيخ: أيها الناس قد حضر مجلسنا الآخوند ملا عباس، فينبغي لنا ان نستفيد جميعا منه، فنزل من المنبر و دعا الآخوند و ترجّى منه البقاء الى آخر الشهر المبارك كي يصعد المنبر مكانه، و ترك هو الخطابة في ذلك الوقت.

و كانت للشيخ عباس القمي في ايّام اقامته بمشهد علاقة و محبة خاصة و صميمة مع المرحوم آغا ميرزا مهدي الاصفهاني من العلماء الكبار و أهل النظر و الخبرة، و مع المرحوم الحاج الشيخ حسن علي الاصفهاني، العالم المقدس ذي النفس الصالحة و الدعوات‏

25

و الرياضات الشرعية، المرحوم الشيخ حسن علي يأتي الى بيته مرّات عديدة في كل اسبوع، فان كان الشيخ عباس مسافرا كان يأتي و يتفقد أهله و أطفاله.

«العالم الموفق»

كانت اكثر تأليفات الشيخ عباس القمي في مشهد المقدسة، بسبب استفادته من المكتبة الرضوية القيمة الغنية، منها كتابه (الفوائد الرضوية في شرح حال علماء الامامية) كما يظهر هذا المطلب الذي ذكرناه من اسم هذا الكتاب.

و كان له ولع شديد بالكتابة و المطالعة بحيث لا يعتريه تعب و لا ضجر، فلو ذهب مثلا مع أقرانه الى بستان من البساتين، يبدأ بالكتابة و المطالعة في مكان هادئ بمجرد اتمام الطعام و كان يختار مكانه جنب جدول ماء أو تحت شجرة أو امثال ذلك.

و كان الشيخ يضمر في باطنه الوجد و العشق و الشوق للكمال المطلق و لأهل البيت عليهم السلام فكان يذكر في كتبه ابياتا من شعر حافظ أو سعدي أو السنائي أو غيرهم من الشعراء المعروفين، حتى تجلّى هذا الامر في مفاتيح الجنان.

كان يجلس تحت شجرة و ينظر الى جري الماء و يفكر ساعة ثم يبدأ بالمطالعة و الكتابة، فكان يغتنم عمره حتى في تلك السفرات و النزهات، و يستفيد من الفرص مهما امكن.

يقول احد العلماء: بمجرد اتمام الطعام و الشروع في الكلام، كان الشيخ يقوم عنّا مع دواته و قرطاسه و يبدأ بالكتابة و المطالعة و كنا نقول له: يا حاج شيخ، امكث قليلا نتكلم معك و نستفيد منك، فيقول: كلنا ذاهبون لكن هذه الاشياء تبقى.

«الرجوع الى النجف الاشرف»

أقام المحدث القمي حدود (12) سنة في مشهد المقدسة، و كان الشيخ في همدان في السنة التي حدثت واقعة مشهد و مسجد گوهرشاد (من هتك و نهب و قتل) فجاء من هناك الى قم فمكث فيها قليلا ثم ذهب الى العراق و سكن في النجف الاشرف الى آخر عمره الشريف.

و في أيام اقامته بمشهد كان يذهب الى النجف في شتاء كل عام فيبقى ستة أشهر فيها و ستة

26

أشهر في مشهد، و قد أتمّ بعض تأليفاته في أواخر عمره في النجف، منها «الكنى و الالقاب».

«أمّه و أبوه»

أمّا أبوه فهو المرحوم الشيخ «كربلائي محمد رضا» فقد اهتمّ بتربية ولده (المترجم له) و كان من صلحاء و أتقياء و أحد كسبة مدينة قم المقدّسة توفّي فيها عام (1343 ه) و دفن في الصحن الشريف جوار قبر القطب الراوندي طاب ثراهما (1) كان الشيخ يقول مرارا: ان اعظم توفيقي يرجع الى امّي، لأنّها ما كانت ترضعني حد الامكان و هي على طمث و من غير وضوء. و كان يقول: كانت امّي من النساء الصالحات التقيّات، لم تترك صلاتها في أول الوقت ابدا.

«حبّ التأليف و التصنيف»

كان المحدث القمي مبتلى بضيق النفس، بحيث يصعب عليه القيام و القعود، و في بعض الاحيان لا يقدر على رفع الكتاب من الارض، و مع ذلك فقد كان مشتغلا ليلا و نهارا إما بالمطالعة و إما بالكتابة، و قلّ ما نام على فراش بل كان يضع رأسه على يده و ينام على تلك الهيئة. و كان عمله في كل يوم (18) ساعة و لم يتجاوز نومه ساعات قليلة.

كان شديد الحب للكتب و المطالعة سيّما الكتابة، لا يعرف التعب فيها، و كتب كثيرا حتى ظهرت الثفنات في اصابعه التي يمسك بها القلم بها، و قلّ ما رؤي يوما و ليس القلم في يده.

و كان حاله كحال النابغة الكبير المرحوم الأمير حامد حسين النيسابوري الهندي المتوفى سنة (1306 ه) مؤلف كتاب (عبقات الانوار) العظيم و غيره، و قال المحدث القمي في حقّه:

ظهرت الثفنات على صدره من كثرة وضع الكتب عليه للمطالعة أو التصاقه بالرحلة التي يكتب عليها مدة طويلة.

و نقل عن المرحوم الحاج باقر الطباطبائي متولي مدرسة جدّه السيد كاظم اليزدي‏

____________

(1) هذا ما أخبرنا به حفيد المؤلف حجة الاسلام الشيخ مهدي محدّث نقلا عن مروّج الأحكام الحاج ميرزا حسين محدّثي حفظه اللّه و هو معاصر لوالد المترجم له.

27

صاحب العروة الوثقى، و كان شديد الانضباط في امر المدرسة و امور الطلاب، أن الطلاب كانوا يسعون لأخذ حجرات جديدة يأتيها الضوء و شعاع الشمس و كان يقول: سكن الحاج الشيخ عباس القمي في حجرة مظلمة تحت سلم الطبقة الثانية، و كان يترجم العروة الوثقى في تلك الحجرة المظلمة المرطوبة و كلّما أردت استبدالها بأحسن منها، كان يقول: لا احتاج الى ذلك فان هذه الحجرة تكفيني، و انا مرتاح فيها و لا أريد أن أضايق سائر الطلاب.

«سفراته»

كان المحدث القمي كثير السفر كاستاذه المحدث النوري، ذهب مرارا من ايران الى العراق و العتبات المقدسة، و ثلاث مرات الى الحج، و سافر من قم الى مشهد و من هناك الى سائر المدن، و من العراق الى لبنان و سورية و بقى ثلاثة اشهر في مدينة بعلبك من مدن لبنان، فكان يذهب إليها تداويا لمرضه، و ذهب أيضا الى الهند و مكث فيها مدة من الزمن.

و كان في هذه السفرات سيّما سفراته داخل ايران، محترما لدى الخاص و العام و العالم و الجاهل، من دون أيّ احتياج إليهم و رغبة منه فيهم.

التقى في مدينة صور بلبنان بالعلامة الفقيه المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين مرّتين، و التقى في الشام بالمرحوم السيد محسن الأمين العاملي مؤلف كتاب اعيان الشيعة، و كانت له محبة خاصة بالمرحوم شرف الدين.

«حالاته في السفر»

فضائله و سجاياه الاخلاقية في السفر كثيرة، لم ينزعج مصاحبوه منه قط بل كانوا يحبونه كثيرا لحسن أخلاقه و سلوكه و تعامله، و هو من الذين سيماهم في وجوههم، قد ظهر عليه التقوى و الزهد و الورع، فكان مرآة للعلماء الابرار.

و هو في حال أنسه بمصاحبيه و تلطّفه معهم لا تفوته فرصة و لا ينسى أمر المطالعة و الكتابة، فكان يأتى و يأكل الطعام معهم و يمكث معهم قليلا يحدثهم و يؤانسهم و يصلي فيهم، ثم يقوم الى عمله.

كان هشّا بشّا ممازحا، حسن المعاملة، سهل المؤنة، بحيث كان كلامه و خلقه مؤثرا في‏

28

جميع الطبقات حتى العلماء و المراجع.

«الزهد و التقوى»

كانت معيشته عادية أو أقل من حياة كثير من أهل العلم الذين ليس لهم سمعة و لا شهرة، كان لباسه قباء من كرباس معطر و نظيف و لا يستبدله لعدة سنين دون ان يفكر بالتجمّل و الثروة.

لم يستفد من سهم الامام لمخارجه و كان يقول: انّي لست اهلا، و كان محتاطا في أكله و شربه بأن لا يكون من شبهة، و مع كونه مبتلى بضيق النفس و لا بد له من الاحتماء عن بعض الاكلات لكن كان لا يهتم و يأكل ما وجده من دون تشرّط.

و في يوم جاءت إليه امرأتان من بمبئي في الهند و أرادتا اعطاءه مبلغ (75) روبية هنديّة في كل شهر لمخارجه المنزلية، فلم يقبل، و كانت مخارجه آنذاك في كل شهر تساوي (50) روبية.

فأصرّ عليه ابنه الصغير الميرزا محسن المحدث‏زاده بالقبول فلم يقبل، و قال لابنه: يا بني: انّي لا ادري كيف اجيب يوم القيامة عن هذا المصرف الذي نصرفه الآن فكيف اثقل حملي بقبولي ذلك المبلغ.

و كان أحد التجار في طهران يرسل الى الشيخ مقدارا مختصرا من المال فكان يعيش به في غاية الاقتصاد و العسر، و جاء الى الشيخ في أواخر عمره رجل من همدان، فسأله عن وضع معيشته فشرح الشيخ له وضعه فلمّا اراد الرجل الذهاب أعطى مبلغا الى الشيخ، لكن الشيخ القمي لم يقبله منه رغم اصراره الكثير.

فلمّا ذهب قال له ابنه الاكبر: لما ذا لم تقبله يا أبة؟

قال ان جسمي ضعيف و نحيف و انّي أخاف عذاب يوم عظيم، ثم ذكر حكاية أمير المؤمنين عليه السلام- في الليلة التاسعة عشر و قوله لأم كلثوم لمّا جاءت بإدامين لإفطاره- فبكى الشيخ و أبكى اهله و وعظهم بهذه الطريقة.

و كان الشيخ يصعد المنبر في المسجد الهندي صباحا في العشرة الاولى من محرم الحرام في‏

29

النجف الاشرف، فكان مجلسه مزدحما بالناس اكثر من سائر المجالس في النجف، مع ان سائر المجالس يعطون فيها طعام الافطار صباحا و لم يكن مجلسه كذلك.

و كانت مدة حديثه على المنبر لا تتجاوز الساعتين و في اليوم العاشر لا يقرأ سوى المقتل، و لا يتكلم الّا عن مصائب سيد الشهداء عليه السلام و مظلوميته و كان يبكي أهل العلم و الفضل بكاء لم ير له نظير.

و أراد شخص تبنّي مجلسه في احدى السنين و اعطائه مبلغ خمسين دينارا عراقيا- و كانت مخارج الشيخ آنذاك في كل شهر ثلاثة دنانير- فلم يقبل الشيخ و قال: انّي أرقى المنبر للحسين عليه السلام لا لغيره.

«الورع و عزّة النفس»

كان الشيخ متواضعا لأهل العلم سيّما علماء الحديث و الرواية، و لم يقدم نفسه على أي احد.

كان يجلس في ادنى الاماكن لو دعي الى مجلس، كان يمشي خلف مصاحبيه و لو مدحه احد ترجّى منه تغيير الحديث و قطع المدح و يقول: أني أعلم بحقارتي و دنائتي.

و في البيت لا يكره أحدا على فعل شي‏ء و لا يطلب شيئا من احد، و لو اكرمه شخص شكره، كان يتجنب اللغو و اللهو، لم يظهر الفضل لنفسه ابدا، و قد ترك العجب و الغرور و التكبر و حب النفس، و كان في الحقيقة تابعا لسنة رسول اللّه و الأئمة و سيرتهم عليهم السلام.

و قال لابنه ذات يوم: لمّا الّفت كتاب «منازل الآخرة» و طبعته جئت الى قم فوصل هذا الكتاب الى يد الشيخ عبد الرزاق الذي كان يوعظ الناس في حرم السيدة المعصومة (سلام اللّه عليها) قبل صلاة الظهر.

و كان أبي محمد رضا الكربلائي من مريدي الشيخ عبد الرزاق، فكان الشيخ يفتح كتاب «منازل الآخرة» و يقرأ منه للحاضرين.

فجاء أبي ذات يوم الى البيت و قال لي: يا شيخ عباس ليتك كنت كالشيخ عبد الرزاق فتصعد المنبر و تقرأ لنا هذا الكتاب الذي كان يقرأه اليوم علينا! فاردت ان أقول له انّ هذا

30

الكتاب من مؤلفاتي و هو كتابي و انا كتبته، لكنّي امسكت و قلت له ادع لي يا ابة ان يوفقني اللّه لذلك! و لعل توفيقات الشيخ في المنبر و الوعظ و الخطابة من بركات دعاء أبيه.

«كلماته النافذة»

في حدود سنة (1341) ه طلب من الشيخ جمع من فضلاء مشهد بأن يكون له درس اخلاق للطلاب في ليالي الخميس و الجمع في مدرسة الميرزا جعفر الواقعة في ضلع الصحن المطهر.

فكان يحضر ذلك الدرس أكثر من ألف نفر من العلماء و طلبة العلوم الدينية و كانت مدّة منبره حوالي ساعتين و قد تبلغ الثلاث ساعات.

و يقول الآغا راشد- الواعظ المشهور و من الطلّاب المجدين- الذي حضر ذلك الدرس:

كنا تحت تأثير درسه و وعظه في كل الاسبوع بحيث كنا نفكر في كلامه و نهتدي بهداه، حتى الاسبوع المقبل.

كانت كلماته النافذة المنبعثة من أعماق قلبه سببا لترك الكثير من الذنوب و السيئات و سببا للاقبال على الطاعات و العبادات.

كان المرحوم آغا بزرك الحكيم من كبار علماء مشهد يحبّ شخصين اكثر من سائر العلماء، احدهم المرحوم آية اللّه الحاج آغا حسين القمي و الآخر الشيخ عباس القمي و يقول: كل من اراد أن يتنور بكلام أهل البيت عليهم السلام، فليحضر منبر الشيخ عباس.

يقول أحد علماء النجف: ان الشيخ عباس عند ما يصعد المنبر و يريد أن يشرح حديثا يبدأ بذكر سلسلة الحديث و سنده و يذكر رجاله و يشرح نبذة من حياتهم و حالهم فاذا وصل الى المعصوم عليه السلام، يتخيل السامع: انّه في حالة النظر الى الامام.

يقول احد علماء طهران و فضلائها: حضرت منبر الشيخ عباس في ايام شهر رمضان بمشهد، فقال ذات يوم في خلال كلامه: رأيت في المنام كأني أفطر في شهر رمضان و عبّرته‏

31

بأني قد اشتبه في نقل الحديث و قد يحصل فيه الزيادة أو النقص فاصطحبت الكتاب اليوم معي كي اقرأ فيه.

فكان هذا دأب الشيخ مع اطلاعه الواسع و خبرته في تاريخ النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمة المعصومين عليهم السلام، لكنّه كان يقرأ الاحاديث و المصائب من الكتاب و يؤثر في المستمع اثرا عجيبا.

يقول احد علماء قم انّه كان للمرحوم السيد بلورفروش القمي في كل سنة مجلس عزاء في ايام الفاطمية الاولى في البيت الذي سكن فيه آية اللّه البروجردي (16) سنة- و كان لا يدعو لمجلسه سوى الشيخ عباس القمي، فكان احسن مجلس في قم و يحضر فيه جميع طبقات الناس سيّما العلماء، فأنهم كانوا يترقّبون مجي‏ء ايام الفاطمية كي يأتوا الى مجلس الشيخ.

و في الفاطمية الثانية التي كانت تقام في بيت آية اللّه الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري- مؤسس الحوزة العلمية في قم- كان يحضر الشيخ عباس أيضا للخطابة و يمتلئ المجلس بالعلماء و الفضلاء و طلبة العلوم الدينية و سائر الناس.

و كان المرحوم الحاج ميرزا علي الهسته‏اي الاصفهاني الواعظ و المجتهد المشهور الخطيب الاول لهذا المجلس ثم يأتي بعده الشيخ عباس و يرقى المنبر من دون ان يتفرق الجمع أو يملّوا من الجلوس بل يبقون و يستمعون الى وعظه و ارشاده بآذان صاغية و قلوب واعية.

«الخضوع قبال الائمة الاطهار عليهم السلام»

كان الشيخ خاضعا و متواضعا للائمة الاطهار عليهم السلام- و آثارهم و احاديثهم- كخضوع سائر الناس للقرآن.

لا يأخذ كتب الحديث و لا يمسها الا بطهارة و وضوء، و اذا أراد مطالعة كتب الحديث يجلس على ركبتيه كجلسة العبيد و يتوجه الى القبلة ثم يبدأ بالمطالعة أو الكتابة.

يقول ابن الشيخ عباس: كنا في النجف الاشرف في سنة (1357) ه اي سنتين قبل وفاة الوالد، فقام ذات يوم من النوم و قال: اصابني وجع شديد في عيني و لم أقدر على المطالعة،

32

و كان يقول بلسان حاله، كأنّ أهل البيت طردوه و لم يريدوه، كما كان يصرّح بهذا المطلب في بعض الاحيان ثم يبكي بتأثر و حرقة.

ثم قال ابنه: فذهبت الى الدرس و تركته على تلك الهيئة فلمّا جئت الى البيت ظهرا رأيته جالسا في موضعه و مشغولا بالكتابة، قلت له: كيف حال عينك يا أبة؟ قال ذهب عنّي الوجع بأجمعه، قلت: كيف عالجتها؟ قال توضأت و جلست امام القبلة و وضعت كتاب الكافي على عيني، فذهب الوجع عنها، فلم يصب بوجع العين بعدها الى آخر عمره الشريف.

و كان ذلك الكتاب الذي وضعه على عينه (الكافي) مخطوطا بخط الفقيه المشهور الملّا عبد اللّه التوني صاحب كتاب الوافية، و كان الشيخ يحبّ ذلك الكتاب كثيرا.

«احترامه للكتب»

كان له اهتمام خاص و توجه كامل بحفظ الكتب سيّما المخطوط منها و خصوصا الكتب الوقفية.

فقد اخذ الشيخ مجلّدات من كتاب بحار الانوار للمجلسي، و كانت وقفيّة من السيد عبد الغفار المازندراني، عارية كي يطالعها فلمّا توفّى الشيخ أراد الورثة اعادة الكتب فكانوا يأتون في كل يوم و يأخذون مجلدا أو مجلدين منها و في احد الايام جاء احد طلبة العلم الى بيت الشيخ و قال لاهله: لقد رأيت الشيخ القمي في المنام فقال: ان ابني محسن ترك الكتب الوقفية و قذفها على الارض فتمزقت، فليذهب بها الى الصحافي و ليرمّمها ثم يرجعها الى متولّيها.

فلما جاء محسن ابن الشيخ الى البيت سألته امّه عن الكتب و قالت له: هل قذفتها على الارض؟ فتعجب و قال نعم و لكن من أين علمتم ذلك؟ فقصّت عليه الخبر، ففعل الابن ما امره أبوه و ردّ الكتب الى متولّيها سالمة.

«التهجّد و قيام الليل»

كان الحاج الشيخ عباس القمي يقوم من النوم ساعة قبل طلوع الفجر فيبدأ بالتهجد

33

و الصلاة و كان مهتما بهذا القيام و التهجد و مستمرا عليه الى آخر عمره، و كان يعتقد ان أفضل المستحبات هو القيام و التهجد.

يقول ابنه الاكبر: ما رأيته نائما حين طلوع الفجر قط و كان محافظا على القيام في آخر الليل طيلة عمره.

و يقول ابنه الآخر: في الايام التي كنا في النجف الاشرف، قام أبي ليلة الجمعة فبدأ بقراءة القرآن و كان يقرأ سورة يس فلمّا وصل الى هذه الآية:

هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏.

كرّرها مرّات عديدة فانقلب حاله و كان يقول: اعوذ باللّه من النار و لم يقدر على اتمامها فكان على تلك الهيئة الى اذان الفجر.

و في الحقيقة كان الشيخ معتقدا و عاملا بجميع ما كتبه في مفاتيح الجنان من الاوراد و الاذكار و الادعية و الزيارات و غيرها.

«اكرامه لذريّة النبي صلى اللّه عليه و آله»

ذكرنا ان الشيخ كان يحترم العلماء كثيرا و كذلك كان حاله مع السادة و ذريّة الرسول صلى اللّه عليه و آله فاذا رأى سيدا احترمه و وقّره و لم يتقدم عليه و لا يمدّ رجله عنده.

ينقل ابن الشيخ عن المرحوم سلطان الواعظين صاحب كتاب (شبهاى بيشاور) انّه قال:

كنت جالسا في سرداب سامراء و بيدي كتاب مفاتيح الجنان في اوائل نشره و طبعه فرأيت شيخا جالسا في جنب السرداب و على رأسه عمامة صغيرة و يذكر اللّه.

فسألني الشيخ لمن هذا الكتاب؟ قلت: للمحدث القمي الحاج الشيخ عباس فبدأت بمدح مؤلف الكتاب، فقال لي الشيخ: لا يستحق مؤلفه هذا المدح فكفّ لسانك عن مدحه و اتركه.

فقلت له بضجر: قم و اذهب يا شيخ! فقال لي شخص في جنبي: تأدب يا فلان هذا الشيخ هو المحدث القمي الحاج الشيخ عباس، فقمت و اعتذرت إليه و اردت تقبيل يده فمنعني، و لكنّه أخذ يدي و قبّلها و قال: أنت سيّد.

34

و في حكاية أخرى:

جاءوا إليه بعصير تفاح، قبل ساعات من وفاته و كانت طفلة علوية صغيرة في البيت فقال المحدث القمي: اعطوا العصير الى هذه العلوية أولا حتى اشربه ففعلوا ذلك فشرب الباقي.

«البعد عن نواهي اللّه تعالى»

كان مواظبا على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و لم يلاحظ أي احد في هذا العمل، كان ينهى كل احد عن المنكرات حتى اصدقاءه و اقرباءه و كان يؤثر فيهم، و لم يجرأ احد على الغيبة امامه و هو أيضا لم يغتب أحدا و لم يكذب و كان يبغضهما كثيرا.

جاء الى عيادته المرحوم الحاج احمد الروحاني من علماء طهران، في المرض الذي توفي فيه، فرآه في غاية الحزن و الالم فسأله عن سببه.

فقال الشيخ القمي: ذهبت الى مكة للحج، فأردت اخذ الاجازة من احد علماء العامة بطريق المحدثين فلمّا عرفني قال لي: انكم تسبّون أم المؤمنين عائشة فانكرت ذلك، و انا الى الآن أفكر في ذلك اليوم و افكر في وقوفي امام اللّه تعالى.

«تأليفاته»

قال المرحوم الحاج شيخ عباس القمي في كتابه الفوائد الرضوية في ذيل اسم (العباس بن محمد بن رضا بن ابي القاسم القمي):

بما ان هذا الكتاب يختص بذكر احوال العلماء الاعلام و لذا لم ار من المناسب ذكر حياتي لأني أحقر من ان اكون في زمرتهم فلذا اكتفي بذكر مؤلفاتي:

القسم الاول: الكتب التي طبعت و نشرت:

1- الفوائد الرجبية فيما يتعلق بالشهور العربية- يشتمل وقائع الايام و نبذة من اعمال الشهور و هو اول تصنيفاتي.

35

2- الدرّة اليتيمة في تتمات الدرّة الثمينة و هو شرح نصاب الصبيان.

3- كتاب مختصر الابواب في السنن و الآداب و هو مختصر حلية المتقين.

4- كتاب هدية الزائرين و بهجة الناظرين يشتمل على زيارات الحج الطاهرة و المقامات الشريفة و قبور العلماء و المشاهد المقدسة و فيه اعمال الشهور و الاسبوع و الايام.

5- كتاب اللئالي المنشورة في الاحراز و الاذكار المأثورة.

6- كتاب الفصول العلية في المناقب المرتضوية.

7- كتاب سبيل الرشاد في اصول الدين.

8- كتاب الحكمة البالغة و مائة كلمة جامعة و هو شرح مائة كلمة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام.

9- كتاب ذخيرة الابرار في منتخب أنيس التجّار.

10- رسالة في الذنوب الصغيرة و الكبيرة.

11- غاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى في مجلدين.

12- كتاب مفاتيح الجنان و الباقيات الصالحات.

13- كتاب التحفة الطوسية و النفحة القدسية.

14- رسالة دستور العمل.

15- كتاب نفس المهموم و نفثة المصدور.

16- الانوار البهيّة.

17- منازل الآخرة.

18- ترجمة مصباح المتهجد المطبوع في هامشه.

19- نزهة النواظر في ترجمة معدن الجواهر.

20- المقامات العليّة في مختصر معراج السعادة.

21- ترجمة جمال الاسبوع.

36

22- منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل.

23- ترجمة المسلك الثاني للملهوف.

24- تتميم تحيّة الزائر للمحدث النوري.

25- الاربعون حديثا.

26- هدية الاحباب في المعروفين في الكنى و الالقاب.

27- الكنى و الالقاب «مختصر».

28- الكنى و الالقاب «ثلاثة أجزاء».

29- الفوائد الرضوية في احوال علماء مذهب الجعفرية.

30- بيت الاحزان في مصائب سيدة النساء.

31- تتمة المنتهى في وقائع ايام الخلفاء.

32- تحفة الاحباب في نوادر الاصحاب.

33- سفينة البحار و مدينة الحكم و الآثار.

34- فيض العلّام فيما يتعلق بالشهور و الايام.

35- كتاب هدية الانام الى وقائع الايام «مختار فيض العلام».

36- كلمات لطيفة.

37- كحل البصر في سيرة سيد البشر.

38- فيض القدير في ما يتعلق بحديث الغدير مختصر لكتاب العبقات؛ لمير حامد حسين الهندي.

القسم الثاني: «الكتب التي لم تطبع بعد»:

1- رسالة في طبقات الرجال.

2- كتاب الكشكول.

3- الدرّ النظيم في لغات القرآن العظيم.

37

4- كتاب نقد الوسائل.

5- تتميم بداية الهداية للشيخ الحرّ العاملي.

6- كتاب شرح الوجيزة للشيخ البهائي.

7- علم اليقين مختصر حق اليقين للمجلسي.

8- كتاب مقاليد الفلاح في عمل اليوم و الليلة.

9- كتاب مقاليد النجاح.

10- مختصر المجلد الحادي عشر من بحار الانوار.

11- شرح الكلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

12- كتاب مختصر الشمائل للترمذي.

13- كتاب قرة البصر في تاريخ الحجج الطاهرة.

القسم الثالث: «الكتب الناقصة»:

1- كتاب ضيافة الاخوان.

2- كتاب صحائف النور في عمل الايام و السنة و الشهور.

3- كتاب ذخيرة العقبى في مثالب اعداء الزهراء «عليها السلام».

4- كتاب مسلّى المصاب بفقد الاخوة و الاحباب.

5- الآيات البينات في اخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن الملاحم و الغائبات.

6- مختصر دار السلام للنوري باسم غاية المرام في تلخيص دار السلام.

7- شرح الاربعين حديثا.

8- ترجمة زاد المعاد للمجلسي الى العربية.

9- ترجمة تحفة الزائر للمجلسي الى العربية.

10- الكشكول الموسوم بفوائد الطوسي.

و قد طبعت اكثر كتبه الكاملة و اكثرها طبعا هو كتاب مفاتيح الجنان ثم منتهى الآمال ثم‏

38

نفس المهموم ثم الكنى و الالقاب ثم تتمة المنتهى ...

«ترجمة كتبه»

قد ترجمت بعض كتبه من الفارسية الى العربية و بالعكس و هي:

1- الانوار البهيّة.

2- بيت الاحزان.

3- نفس المهموم.

4- الكنى و الالقاب.

5- كحل البصر.

6- مفاتيح الجنان.

7- منتهى الآمال و هو هذا الكتاب.

«وفاته»

كان المحدث القمي في الايام الاخيرة من عمره الشريف في النجف و لم يتمكن من الذهاب الى سوريا و لبنان في صيف سنة (1359) بسبب كدورة الروابط بين العراق و سوريا، فمكث صيف تلك السنة في النجف، فشقّ عليه ذلك كثيرا.

ثم ابتلي بعد ذلك بمرض الاستسقاء بحيث لم يغادر الفراش ثلاثة أشهر و كان يذكر الأئمة الاطهار كثيرا سيّما الامام أمير المؤمنين عليه السلام.

ثم اخذ يصلي صلاته جلوسا لعدم تمكنه من القيام فكان على تلك الهيئة حتى توفي و صعدت روحه الطاهرة الى روضات الجنات و صلّى عليه المرحوم آية اللّه الاصفهاني و دفن في الصحن العلوي الشريف، و كانت وفاته يوم الثلاثاء سنة (1359) ليلة الثاني و العشرين من ذي الحجة.

39

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم اجمعين.

(1) اما بعد: ... يقول هذا الفقير، العديم البضاعة، المتمسك بأذيال أهل بيت الرسالة ... انّ احياء أحاديث أئمة الدين و المقربين الى ربّ العالمين و البكاء على مصائبهم و محنهم من أعظم الطاعات و أشرف المقربات.

(2) كما في رواية عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال لفضيل: «تجلسون و تتحدثون؟

فقال: نعم، فقال: انّ تلك المجالس احبّها فاحيوا أمرنا فرحم اللّه من أحيى أمرنا» ... يا فضيل من ذكرنا عنده ففاضت عيناه و لو مثل جناح الذباب غفر اللّه له ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر (1).

(3) و كما روي- بأسانيد معتبرة- عن مولانا زين العابدين عليه السلام، انّه يقول:

«أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي دمعة حتى تسيل على خدّه بوّأه اللّه بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا، و أيّما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى يسيل على خده، لأذى مسّنا

____________

(1) الوسائل، المجلد العاشر، ص 391

40

من عدونا في الدنيا، بوّأه اللّه مبوأ صدق في الجنة، و أيّما مؤمن مسّه أذى فينا، فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خدّيه من مضاضة ما أذوي فينا، صرف اللّه عن وجهه الأذى و آمنه يوم القيامة من سخطه و النار» (1).

(1) فلذا خطر ببالي، ان أ ألّف كتابا أذكر فيه ولادة سيد المرسلين و عترته الطاهرين- صلوات اللّه عليهم أجمعين- و مصائبهم و محنهم، و أذكر فيه أيضا قليلا من بحر فضائلهم و مناقبهم و أخلاقهم و سيرتهم ... كي ينال المؤمنون بقراءته و سماعه ثواب احياء أمرهم عليهم السلام و يصلوا بالحزن و البكاء على مصائبهم العظيمة الى درجة المقربين، فدوّنت هذا الكتاب الشريف على غاية الايجاز و الاختصار و سمّيته ب «منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل» و جعلت له أربعة عشر بابا بعدد المقربين الى رب الارباب.

____________

(1) البحار، ج 44، ص 281

41

(1)

الباب الاول في تاريخ اشرف الكائنات و شافع يوم العرصات و أفضل جميع أهل الارض و السموات خاتم النبيين و سيد المرسلين محمد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

(1)

الفصل الاول في ذكر نسبه الشريف و ذكر آبائه و اجداده (صلّى اللّه عليه و آله)

هو أبو القاسم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

و قد روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «اذا بلغ نسبي الى عدنان فامسكوا»، و لذا لم نذكر ما بعده. و قبل الخوض في المقام نذكر كلام العلامة المجلسي فانّه قال: «اعلم انّ اجماع علماء الامامية على ان نور النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقع في صلب مشرك و لا في رحم مشركة و ان آباء النبي و اجداده و جداته الى آدم عليه السّلام كانوا كلّهم مسلمين. و لا شبهة في نسبه (صلّى اللّه عليه و آله) و الاحاديث المتواترة من طرق الخاصة و العامة تدل عليه، و يستفاد من هذه الاحاديث ان اجداده كانوا كلّهم من الصديقين إما انبياء مرسلين أو اوصياء معصومين ... و كانوا حجّاب بيت اللّه الحرام و سدنته و مرجعا لعامة الخلق في الشدائد و هم المحافظون على ملّة ابراهيم و شرعيته الى أن وصل الامر الى عبد المطلب فجعل أبا طالب وصيّه و سلّم الودائع و آثار الأنبياء إليه و هو سلّمها الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)».

(2) فلنبدأ الآن بذكر أجداده (صلّى اللّه عليه و آله):

اما عدنان فهو ابن أدر و أمه بلهاء، و كانت علائم الشهامة و الشجاعة ساطعة من جبهته منذ الطفولة، و قالت الكهنة: سيخرج من صلبه رجل ينقاد له الجن و الانس، فعاداه الحسّاد حتى هجم عليه ثمانون فارسا شجاعا في صحراء الشام ليقتلوه، فقاتلهم حتى قتل جواده، فحارب راجلا الى أن آوى الى جبل فلحقه الاعداء، و فجأة خرجت يد من الجبل فاصعدته‏

44

الى القمة و خرج صوت مهيب من الجبل فمات الاعداء جميعا عند سماعه. و هذا أيضا من معجزات خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله).

(1) و لمّا بلغ عدنا أشدّه صار سيد قومه و رئيس عشيرته حتى انقادت له القبائل و سكان البطحاء و يثرب فلمّا انتصر بخت‏نصّر و فتح بيت المقدس صمّم على تسخير بلاد العرب و الهجوم عليهم، فحاربه عدنان حتى قتل الكثير من أعوانه و أنصاره و غلبه بخت‏نصّر و قتل كثيرا من العرب حتى ضاقت عليهم الارض فتوجّه كل واحد منهم الى جهة و توجّه عدنان و بعض أصحابه الى اليمن و استوطنوا هناك الى أن توفي عدنان.

و كان لعدنان، عشرة أولاد منهم معد و عك و عدن و أد و غنى و انتقل النور الذي كان في جبهة عدنان الى ابنه معد و هذا النور المبارك لخاتم الأنبياء دليل واضح على انّه كان ينتقل من صلب الى صلب.

(2) فلمّا مات بخت‏نصّر و تخلّص الناس من شرّه و رأوا علائم الفتوة و الشهامة في معد، دعته قبائل العرب و جعلوه سيدا عليهم ... و ولد له أربعة أولاد فانتقل النور الى ابنه نزار (بكسر النون) و كانت أمه معانته بنت حوشم من قبيلة جرهم ... و حينما ولد نزار و رؤي فيه نور النبوة، عقّ عنه أبوه ألفا من الابل و اطعم خلقا كثيرا من الناس و قال: «انّ هذا كله نزر في حق هذا المولود»، و لذلك سمي نزار من النزر بمعنى القليل، ثم انّه لما بلغ سن الرشد، صار سيد قومه بعد أبيه ... فلمّا حضرته الوفاة جمع عياله و أولاده و ذهب الى مكة المعظمة و توفي هناك ... و ولد له اربعة أولاد:

الاول: ربيعة، الثاني: أنمار، الثالث: مضر، الرابع: أياد، و لهم قصة لطيفة في قسمة ارث ابيهم و رجوعهم الى الكاهن أفعى الجرهمي مرجع الاعاظم في نجران.

(3) و ظهرت من أنمار قبيلتان، خشعم و بجيلة، فذهبتا الى اليمن، و ينسب قس بن ساعد الأيادي- الذي كان من حكماء العرب و فصحائهم- الى أياد.

و تشعبت من ربيعة و مضر، قبائل كثيرة و كان ينسب نصف العرب إليهما و يضرب المثل‏

45

بهما في الكثرة و يكفينا في فضلهما قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

«لا تسبّوا مضر و ربيعة فإنّهما مسلمان».

(1) و مضر من ماضر بمعنى الحليب قبل أن يصير لبنا ... و كان اسم مضر عمرو، و امّه سودة بنت عك، و انتقل نور النبوة من نزار إليه، فصار سيد القوم بعد أبيه و انقادت له القبائل.

و ما برح يروّج شريعة ابراهيم الخليل عليه السّلام بين الناس و يهديهم الى الصراط المستقيم حتى قبض، قيل انّه كان أجمل الناس صوتا و هو الذي اخترع الحدي للإبل، و ولد له ابنان، احدهم عيلان- و قد ظهرت منه قبائل كثيرة- و الآخر الياس الذي انتقل نور النبوة إليه و صار سيد القوم و كبيرهم بعد ابيه.

حتى انّه لقّب، سيد العشيرة، و كان مرجع الدعاوي و الشكاوى للقبائل، فكان مثله مثل لقمان في قومه ... و كان الياس يسمع في بعض الاحيان صوت التسبيح من صلبه.

و اسم أمه رباب، و زوجته ليلى بنت حلوان القضاعيّة اليمنيّة و كانت تسمى خندف، و كان لألياس ثلاثة أولاد: 1- عمرو 2- عامر 3- عميرا.

(2) قيل انّه لمّا بلغ أولاده سن الرشد خرج عمرو و عامر في أحد الايام مع أمهم ليلى الى الصحراء، و فجأة قفز في طريقهم أرنب و هرب و سبّب خوفا للإبل فلحقه عمرو و عامر فعثر عليه عمرو اولا، ثم أدركه عامر و اصطاده فذبحه و شواه، ففرحت ليلى كثيرا و جاءت الى الياس متبخترة من الفرح فقال لها: «أين تخندفين» أي تتبخترين، فقالت ليلى: اني أتبعك دائما بالكبر و الدلال و لهذا سمّاها الياس خندفا، و القبائل التي تنسب الى الياس سميّت بخندف، و سمى الياس عمرو- الذي ادرك الارنب- بالمدركة، و عامر- الذي صاده و شواه- بالطابخة، و سمى عميرا- الذي لم يشارك هذه الجولة- بالقمعة.

(3) قيل ان خندفا كانت تحب الياس حبّا جمّا، و لما توفي الياس حزنت خندف عليه حزنا شديدا و لم تقم عن قبره و لم تستظل بسقف حتى ماتت.

ثم انتقل نور النبوة الى مدركة (عمرو) الذي ادرك الارنب، و قيل انّه سمي بالمدركة لأنه‏

46

أدرك جميع خصال آبائه الحميدة، و لقب بأبي هذيل.

(1) و تزوج مدركة سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار و ولدت له ولدين، هما خزيمة و هذيل الذي كان أبا لقبائل كثيرة، و انتقل نور النبوة الى خزيمة فصار سيد القوم و له ثلاثة أولاد: 1- كنانة 2- هون 3- اسد.

و لمّا بلغ كنانة (و كنيته أبو النضر و امّه عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر) ساد قومه و قبائل العرب و رأى في المنام قائلا يقول له: تزوج ببرة بنت مر بن أد بن طابخة بن الياس، تلد لك ولدا فريدا في عصره ...

فلمّا تزوجها ولدت له ثلاثة أولاد: 1- نضر 2- ملك 3- ملكان.

و تزوج أيضا من هالة من قبيلة أزد، فولدت له ابن سمي عبد مناة.

(2) اما النور الذي كان ساطعا من جبهته انتقل الى ابنه نضر، و سمي نضر، نضرا لنضارة وجهه، و يسمى بقريش أيضا و كل قبيلة تنسب إليه تسمى قريشا و اختلفت الاقوال في وجه تسميته بقريش، و أجودها عندي هي انّه لما كان رجلا عظيما في قومه و ذا فصاحة و بلاغة، و ساد قومه و جمعهم من التفرقة و التشتت، و كانوا يجتمعون اكثر الاحيان حول مائدته، ...

لقّب بقريش، لأنّ التقرش بمعنى التجمع.

و كان له ولدان: 1- مالك 2- يخلد، فانتقل النور الى مالك و أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان و كان له ابن اسمه فهر (بالكسر) و أمه جندلة بنت حارث الجرهميّة.

كان فهر- المسمى بمجمع قريش- سيد العرب في مكة، و له أربعة أولاد من ليلى بنت سعد بن هذيل: 1- غالب 2- محارب 3- حارث 4- أسد.

(3) فانتقل النور الى غالب، و كان له ابنان من سلمى بنت عمرو بن ربيعة الخزاعية هما: 1- لؤيّ، 2- تيم، فانتقل النور الى لؤيّ (بضم اللام و فتح الواو و تشديد الياء، مصغّر «لاى» بمعنى النور) و كان له أربعة أولاد: 1- كعب 2- عامر 3- سامة 4- عوف.

و انتقل النور من لؤيّ الى كعب، و أمه مارية بنت كعب القضاعيّة و كان من صناديد

47

العرب، و أفضل الرجال في قريش و كان بيته ملجأ و مأوى للفقراء و المساكين، و كان العرب- حسب عادتهم- يغيرون تاريخ السنة طبقا للحوادث و الوقائع المهمّة التي تحصل لهم، فجعلوا يوم وفاته الذي يصادف (5644) سنة بعد هبوط آدم عليه السّلام من الجنة، بداية تاريخهم الى عام الفيل.

(1) و كان له ثلاثة أولاد من محشيّة بنت شيبان: 1- مرّة (بضم الميم و تشديد الراء) 2- عدي و 3- هصيص (كزبير) و كان أكبر أخوته و له ابن يسمى بعمرو و لعمرو ابنان هما: سهم و جمح، و ينسب عمرو بن العاص الى سهم و ينسب عثمان بن مظعون و صفوان بن اميّة و أبو محذورة- مؤذن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- الى جمح، و ينسب عمر بن الخطاب الى عدي بن كعب.

و انتقل نور النبوة الى مرّة بن كعب و له ثلاثة أولاد: 1- كلاب و امّه هند بنت سرى بن ثعلبة 2- تيم 3- يقظة، و امّهما البارقيّة.

(2) و ينسب أبو بكر و طلحة الى تيم و تنسب قبيلة بني مخزوم الى مخزوم ابن يقظة، و من هذه القبيلة تكون أم سلمة و خالد بن الوليد و أبو جهل، و كان لكلاب بن مرّة ابنان: 1- زهرة، و تنسب إليه آمنة أم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سعد بن ابي وقاص و عبد الرحمن بن عوف 2- قصيّ (بضم القاف و تشديد الياء) اسمه في الأصل زيد، و لمّا مات أبوه تزوجت امّه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن حرم القضاعي، فأخذت قصيّ الصغير و تركت زهرة ابنها الكبير و خرجت مع زوجها من مكة و ذهبا الى قبيلة قضاعة، و سمّي قصيّ قصيا بمعنى المبعّد، و لمّا بلغ أشده ودّع أمه فاطمة و اخاه من الام زرّاج بن ربيعة و خرج الى الحج مع جماعة من قضاعة، ثم جعل سكنه هناك الى جنب اخيه زهرة، حتى نال الملك و القدرة.

و في تلك الفترة كان حليل بن حبشيّة (بحاء و سين مهملتين على وزن وحشيّة) سيد أهل مكة و كبيرهم، و استولى على مكة بعد الجرهميّين، و كان رئيسا على قبيلة خزاعة، و له أولاد و بنات و من جملة بناته (حبّى) التي تزوجها قصيّ.

(3) و لمّا اصيبت مكة بالبلايا و الامراض خرج حليل مع قبيلة خزاعة منها، و لمّا حضرته‏

48

الوفاة أوصى بمفاتيح الكعبة الى بنته حبّى على ان يشاركها أبو غبشان الملكاني في منصب الحجابة و سدانة البيت.

(1) و ولدت حبّى من قصيّ أربعة أولاد: 1- عبد مناف 2- عبد العزى 3- عبد القصّي 4- عبد الدار، فقال قصيّ لزوجته: جدير ان تسلّمي مفاتيح البيت الى ابنك عبد الدار كي لا تخرج هذه الفضيلة من ولد اسماعيل عليه السّلام.

فقالت: إني لا أبخل بحقّي على ابني، لكن ما ذا أصنع بأبي غبشان و هو شريكي بحكم وصية أبي، فقال: اتركي الامر إليّ، فذهب الى أبي غبشان و هو في الطائف، فدخل عليه ليلة و هو سكران فاشترى المفاتيح منه بزق خمر، فأكّد هذا البيع و أخذ الشهود عليه، ثم ذهب الى مكة و أعطى المفاتيح الى ابنه في ملأ من الناس.

و لمّا أفاق أبو غبشان من سكره ندم كثيرا على فعله و صار يضرب به المثل، و يقال: احمق من أبي غبشان، أندم من أبي غبشان، أخسر صفقة من أبي غبشان.

(2) فلمّا أخذ قصيّ المفاتيح من أبي غبشان و أصبح سيدا على قريش تولّى سدانة البيت و أمر مكة، و أعطي الحجابة و اللواء و الندوة و السقاية و الرفادة (و السقاية هي سقي الحاج، و الحجابة هي تولّي مفاتيح البيت، و الرفادة هي اطعام الحاج كلهم في المزدلفة، و اللواء هو عقد اللواء و الراية لأمراء الجيش حين الحرب و كان هذا الرسم جاريا في أولاد قصيّ الى زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و الندوة و هي أرض الى جنب الكعبة، بني فيها دار جعل له باب الى المسجد، و كانت قريش لا تقضي امرا الّا فيها)، جمع قصيّ قريشا، و قال لهم: يا معشر قريش، انّكم جيران اللّه و أهل بيته الحرام، و انّ الحجاج ضيوف اللّه و زوّاره، و هم أحق الضيوف بالكرامة فاجعلوا لهم شرابا و طعاما ايام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا ذلك الى زمن الاسلام، و قسّم أرض مكة الى أربعة أقسام و أسكن قريشا فيها.

(3) فلمّا رأت ذلك خزاعة و بنو بكر الذين كانوا مستولين على مكة سابقا و شاهدوا أن مفاتيح البيت صارت بيد غيرهم جهزّوا جيشا و قاتلوا قصيّا فخسر في اوّل وهلة ثم استنصر اخاه‏

49

زراج بن ربيعة مع اخوته، فأقبل إليه من ربيعة و معه جماعة من قضاعة و حاربوا خزاعة الى ان كتب النصر لقصيّ فتولى قصيّ امر البيت و أمر مكة و كان أول ملك حكم قريشا و العرب و جمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة، فسمي مجمّعا، و قال الشاعر في حقه:

أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا * * * به جمع اللّه القبائل من فهر

فبلغ من العلوّ و المنزلة مرتبة عظمى، فما كانت تنكح امرأة الّا بأذنه، و لا يتشاورون في امر ينزل بهم الّا في داره، فكان أمره في قريش كالدين المتبع لا يخالفه أحد، ثم انه أعطى لعبد الدار الندوة و الحجابة و اللواء و السقاية و الرفادة.

(1) و لمّا توفي قصيّ دفن في الحجون، و انتقل نور النبوة منه الى (عبد مناف) و اسمه المغيرة، و كان يقال له قمر البطحاء لجماله و حسنه، و كنيته أبو عبد شمس و تزوج من عاتكة بنت مرّة بن هلال السلمية، فولدت له ولدين توأمين، و كانت جبهتاهما متلاصقتين ففصلتا بالسيف، و سمّي أحدهما عمرو و لقبه هاشم، و الآخر عبد شمس، و قال أحد عقلاء العرب: ستقع العداوة بينهما و لا يحكم فيهما الّا السيف و هكذا كان، لأن عبد شمس هو جد بني اميّة الذين كانوا أعداء بني هاشم دائما.

(2) و كان لعبد مناف ابنان آخران احدهما: المطّلب و ينسب إليه عبيدة بن الحارث و الشافعي، و الآخر: نوفل و ينسب جبير بن مطعم إليه.

و لقّب هاشم بن عبد مناف الذي كان اسمه عمرو، بعمرو العلى لعلوّ مرتبته و كان هاشم و المطّلب يسمّيان بالبدرين لجمالهما، و كانا في غاية الألفة و المودّة كما كانت بين عبد شمس و نوفل هذه المودة.

(3) ذكر ان قريشا- بعد سيادة هاشم فيهم- أصابتها مخمصة و قحط فكان هاشم يرحل الى الشام و يشتري الدقيق و الطعام من هناك و يقدم به الى مكة، فيطبخه اداما و يثرد فيه الخبز و ينحر كل يوم جزورا و يدعو أهل مكة الى مضيفه للطعام فسمي هاشما لانّه اوّل من هشم الثريد لقومه بمكة و أطعمهم.

50

يقول أحد الشعراء في مدحه:

عمرو العلى هشم الثريد لقومه‏ * * * قوم بمكة مسنتون عجاف‏

نسبت إليه الرحلتان كلاهما * * * سير الشتاء و رحلة الاصياف‏

(1) و لمّا زادت شهرة هاشم و أولاد عبد مناف، و سبقوا أولاد عبد الدار في الشرف و الشهامة صمّموا على أخذ منصب السقاية و الرفادة و الحجابة و اللواء و الندوة من أولاد عبد الدار و نقلها إليهم، فاتفق هاشم مع عبد شمس و نوفل و المطّلب على هذا الامر، فلمّا علم أولاد عبد الدار بهذا الامر، استنصروا قبائل بني مخزوم و بني سهم بن عمرو بن هصيص و بني عدي بن كعب، فذهبوا جميعا الى بيت اللّه و اقسموا هناك على دفع أولاد عبد مناف و سمّوا بالأحلاف.

و أستنصر أولاد عبد مناف، ببني اسد بن العزى بن قصيّ، و بني زهرة بن كلاب، و بني تميم بن مرة، و بني الحرث بن فهر ثم جاءوا بظرف مملوء طيبا و مسكا فوضعوا ايديهم فيه، ثم ذهبوا الى بيت اللّه الحرام و اقسموا أن يخرجوا كل المناصب الخمسة من أولاد عبد الدار، و سمّوا هؤلاء بالمطيبين.

(2) فلمّا استعدّ الفريقان للقتال، ابتدر كبار القوم و حكماؤهم، بالوساطة و النهي عن المقاتلة، قائلين: انّ هذه الحرب لا تمنحنا الّا الضرر، و لا تنتج شيئا غير ضعف قريش و استيلاء قبائل العرب عليها، فتصالحوا على أن تكون السقاية و الرفادة في أولاد عبد مناف و تكون الحجابة و اللواء و دار الندوة في أولاد عبد الدار.

ثم أقرع أولاد عبد مناف هذين المنصبين بينهم، فخرجت القرعة باسم هاشم، فظلّت هذه المناصب الخمسة، تتوارث بين أولاد قصيّ الى أن بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و كان مفتاح البيت حينذاك بيد عثمان بن ابي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، و لمّا فتحت مكة، سلّم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المفاتيح مرّة اخرى إليه، و عثمان هذا لما هاجر الى المدينة أعطى المفاتيح لابن عمّه شيبة فبقيت في اولاده.

(3) و كان اللواء طوال هذه المدة عند أولاد عبد الدار الى أن فتحت مكة فجاؤوا الى النبي‏

51

(صلّى اللّه عليه و آله)، و قالوا: اجعل اللواء فينا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): الاسلام أوسع من ذلك (بحيث تكون رايات الفتح الاسلامي في بيت واحد) فانعدم هذا القانون و اندثر بعد قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

(1) امّا دار الندوة، فكانت باقية في أولاد عبد الدار الى زمن معاوية فاشتراها منهم و جعلها دارا للإمارة.

امّا السقاية و الرفادة فانتقلت من هاشم الى المطّلب و منه الى عبد المطّلب بن هاشم و منه الى ابنه ابي طالب، و كان أبو طالب معسرا، فاستقرض من أخيه العباس مالا لإطعام الحاج و سقايتهم، و لما عجز عن أدائه أعطى السقاية و الرفادة الى العباس بدلا عن دينه.

ثم انتقل هذا المنصب من العباس الى ابنه عبد اللّه و منه الى ابنه علي، و هكذا صاروا يتداولونه الى ان وصل الى آخر الخلفاء العباسيين.

(2) و لمّا بلغ هاشم ما بلغ من الجلالة و القدر و الشهامة، انتشر صيته في جميع الاقطار و كان السلاطين و الكبراء يرسلون إليه الهدايا و التحف تقربا إليه و رغبة في مصاهرته كي ينتقل إليهم نور النبوة الذي كان ساطعا من جبهته الشريفة.

لكن هاشم رفض كل هذه الدعاوي، و تزوج بامرأة من نجباء قومه، فولدت له اولادا كثيرين من جملتهم أسد أبو فاطمة أم أمير المؤمنين عليه السّلام.

و ما زال النور باقيا في جبينه فذهب ليلة الى بيت اللّه الحرام و دعا اللّه و تضرع إليه كي يرزقه ولدا يحمل هذا النور، فرأى في المنام أنّه يؤمر بالتزوج من سلمى بنت عمرو بن زيد ابن لبيد من بني النجّار الذي كان مقيما في المدينة.

(3) فشخص هاشم الى الشام و سلك طريق المدينة إليها فلمّا قدم المدينة نزل في بيت عمرو و خطب ابنته، فانكحه ايّاها و شرط عليه ان لا تلد ولدا الّا عند اهلها و ان يبقى الولد في المدينة فقبل هاشم هذا الشرط و لمّا رجع من الشام اخذها معه الى مكة فحملت هناك بعبد المطّلب فأخذها الى اهلها وفاء للشرط و ذهب هو الى الشام فتوفى في مدينة غزّة التي تقع في أقصى الشام، بينها و بين عسقلان فرسخان.

52

(1) امّا سلمى فولدت عبد المطّلب و سمّته عامرا و كان في رأسه شيبة فاشتهر بشيبة، و ربّته امّه حتى عرف اليمين من الشمال، و لقّب بشيبة الحمد لجميل خصاله و بديع فعاله، فجاء عمّه المطّلب- الذي كان سيد القوم في مكة و الذي عنده مفاتيح البيت و قوس اسماعيل عليه السّلام و علم نزار و له منصب السقاية و الرفادة- و أخذه الى مكة مردفا ايّاه على ناقته فأدخله على قريش فسمّوه عبد المطلب لزعمهم انّ المطّلب اشترى عبدا من المدينة ثم اخذه الى البيت و البسه ملابسا نظيفة جميلة.

(2) و عظم أمر عبد المطّلب و شاع ذكره و علا اسمه و شاعت محامده بين الناس الى ان توفي المطلب فانتقل إليه منصب الرفادة و السقاية و بلغ من العظمة مبلغا حتى كانت تأتيه الهدايا و التحف من أقصى البلاد و الامصار، و كلّما أصيب العرب بداهية أخذوه الى جبل بثير و دعوا اللّه تعالى بجاهه و شرفه كي يكشف عنهم البلاء.

و كانوا يذبحون القرابين لأجله و يمسحون دمها على وجوه الاصنام، امّا عبد المطّلب فلم يكن يعبد غير اللّه عزّ و جل.

و كان الحارث أول أولاد عبد المطّلب و لذا كنّي بأبي الحارث، فلمّا بلغ الحلم رأى عبد المطّلب في المنام انّه يؤمر بحفر بئر زمزم.

(3) لا يخفى انّ عمرو بن الحارث الجرهمي سيد الجرهميين كان في مكة منذ عهد قصيّ، فحاربه حليل بن حبشيّة و غلبه و أمره بالخروج من مكة، فغضب عمرو لذلك و صمّم على الخروج من مكة و قبل خروجه نزع الحجر الاسود من الركن و أخذ غزالين من ذهب كان قد وهبهما اسفنديار بن جشتاسب الى البيت و أسيافا قليعة و أدرعا، فقذفها في بئر زمزم و ملأه بالتراب، ثم هرب مع قبيلته الى اليمن، فلمّا حفر عبد المطّلب و ابنه الحارث بئر زمزم و أخرج هذه الاشياء منها، نازعه قومه فيها و أرادوا نصفها، قائلين انها كانت لأجدادنا، فقال عبد المطّلب: الأفضل أن نقرعها بيننا، فقسّم الاشياء قسمين و ضرب عليها السهام بينه و بين البيت و بين قريش فكانت الغزالتان الذهبيتان للبيت، و السيوف و الدروع لعبد المطّلب،