تعريب سيد المرسلين - ج1

- جعفر الهادي المزيد...
530 /
3

[الجزء الاول‏]

[المقدمات‏]

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ لم تزل السيرة المحمّدية العطرة في جميع أبعادها موضع اهتمام الامة الاسلاميّة من لدن بزوغ فجر الاسلام العظيم، و منذ الأيام الأولى من البعثة النبوية الشريفة.

و لا غرو فقد كان الرسول الأكرم محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يجسد بسيرته المثلى قيم الدين و يمثل بأخلاقه السامية أخلاق القرآن، و يعكس بمواقفه الرشيدة و بإدارته الحكيمة لشؤون الامة طريقة الاسلام في إداره دفة الحياة.

هذا مضافا إلى أنه كان القدوة التي أمر اللّه تعالى المسلمين بالاقتداء بها، و اقتفاء أثرها، كما أنه كان الظاهرة الفريدة الباهرة في الأدب الرفيع و الانسانية الشفافة و العاطفة الصادقة و الرحمة و اللطف، و غيرها ممّا كانت تفتقر بيئة ظهور الاسلام الاولى إليه و تتعطش إلى مثله.

من هنا أخذ المسلمون يهتمّون بكل حركات الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سكناته، و يتأمّلون في جميع أعماله و تصرّفاته فاذا رأوا منه خلقا بادروا إلى تكراره في سلوكهم، و اذا شاهدوا منه عملا أسرعوا إلى فعله في حياتهم، و عمدوا في المال إلى تسجيل كل صغيرة و كبيرة في هذا المجال، و ضبط كل دقيقة و جليلة في هذا الصعيد.

و فعلا كانت هذه السيرة الطيّبة العطرة المقدّسة هي المنهج العملي للمسلمين، و هي سرّ تقدّمهم، و هي رمز عظمتهم و سموّهم، و علوّ شأنهم و شأوهم.

4

و لا تزال هذه السيرة المشرفة اليوم قادرة على أن تكون ضوء المسيرة، و مشعل الطريق، و منهج العمل و مفتاح الانتصار في معركتنا ضدّ قوى الشرّ و الطغيان.

و حيث إن امورا أقحمت في هذه السيرة، كما أنّ تطور الزمن و كيفية الدراسات اقتضيا إخراج دراسات في مجال السيرة تتناول البعد الذاتي و الرساليّ و السياسيّ و القياديّ و العسكريّ لسيّد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) بالتحقيق و التحليل، و تتناسب مع حاجة العصر و لغته، لهذا رأت مؤسسة النشر الإسلامي أن تقدّم للجيل الحاضر خاصة و للمسلمين عامة هذه الدراسة القيامة في سيرة خاتم الأنبياء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لا تسأمها بكثير من هذه المواصفات.

و الدراسة هي مجموعة محاضرات للاستاذ المحقّق الشيخ جعفر السبحاني الذي عرف في الأوساط الاسلامية بتحقيقاته العميقة في الكتاب و السنّة و العقيدة و التاريخ.

و في الوقت الذي تقوم به المؤسسة- و للّه الحمد- بطبع هذه الدراسة القيامة و نشرها بعد مقابلتها تقدّم جزيل شكرها و امتنانها لسماحة الاستاذ الألمعي الشيخ جعفر الهادي لما بذله من جهود وافرة من تعريبها و استخراج النصوص من مصادرها سائلة اللّه سبحانه له و لسماحة الشيخ المحاضر و لها المزيد من التوفيق، كما و تدعو المولى عزّ و علا أن يتقبّل منا جميعا و أن تشملنا شفاعة الرسول الأعظم و آله الأطهار (عليهم السلام) في يوم الحشر إنه خير موفّق و معين.

مؤسسة النشر الاسلامي‏

التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

5

[مقدمة المترجم‏]

السيرة المحمّدية مدرسة الأجيال‏

«لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» القرآن الكريم‏

النبيّ الأكرم «محمّد» (صلّى اللّه عليه و آله) اسوة للمسلمين ... اسوة يقتدون بها في جميع مناحي حياتهم: الفردية و الاجتماعية، و السياسية ... اسوة إلى الأبد ... في كل زمان و مكان، في كل عصر و مصر، لجميع المسلمين من كل لون و لغة.

و لكن كيف يتأسّى المسلمون- في مختلف الأجيال و الأدوار- برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كيف يقتدون بسيرته المثلى، و يهتدون بهديه العظيم؟

إنّ هذا لا يتسنّى إلّا إذا كانت حياة رسول الإسلام بجميع خصوصياتها، و تفاصيلها، و في جميع مجالاتها و نواحيها، مدوّنة مسجّلة، بل و محلّلة تحليلا دقيقا و عميقا.

من هنا فان الضرورة تقضي بوجود تاريخ مدوّن، مشفوع بالتحليل الدقيق، و الدراسة الموضوعية لشخصية و سيرة سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) في كافة مجالاتها الشخصية و الرسالية و السياسية و العسكرية.

حقا إن في حياة رسول الإسلام العظيم «محمّد بن عبد اللّه» (صلّى اللّه عليه و آله)- كما هو واضح لمن تتبع و تصفح- امورا دقيقة، و لكن بالغة العظمة في مداليلها و معانيها، بالغة الأهميّة في معطياتها و دروسها.

6

فرسول الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم هو خاتم الأنبياء، و رسالته و شريعته خاتمة الرسالات و الشرائع و نهضته هي النهضة الكبرى التي مهّد لها الأنبياء السابقون، و قد فتحت هذه النهضة الالهية صفحة جديدة في حياة البشرية، و غيّرت مسار التاريخ الإنساني تغييرا جذريا، و أسست حضارة كبرى لا تزال أمواجها- رغم مرور أربعة عشر قرنا- حية نابضة، فاعلة، تهز الضمائر، و تتفاعل مع العقول.

و لهذا فإنّ السيرة المحمّدية مشحونة بالمناهج و الدروس، زاخرة بالبصائر و العبر، بقدر ما هي مليئة بالدقائق و الحقائق، و اللطائف و الاسرار.

حقا إن حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بحاجة إلى تعمق جديد كلما تجدّد الزمن، و كلما تقدمت العلوم و المعارف، و تطورات الحياة، و انفتحت أمام البشرية آفاق جديدة في شتى الأصعدة و المجالات.

و لا شك أنّ هذه المهمة ليست عملا بسيطا و مهمّة سهلة، و خاصة مع ما عليه الكثير من المصادر التاريخية الاولى من تصحيف او تحريف او تشويه للحقائق، او تغيير للامور.

فان هذه المهمة تحتاج- في ما تحتاج إليه- إلى ثلاثة أشياء أساسية:

1- عقلية متفتحة، متدبرة، نافذة متأنية.

2- جهود كبيرة، و تتبع واسع، و تمييز للصحيح عن السقيم، و الدخيل عن الاصيل.

3- معرفة بجوانب تتصل بالسيرة المحمّدية اتصالا وثيقا كالمعرفة بمكانة سيّد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) في القرآن الكريم.

فمع توفّر هذه الشروط يمكن الحصول على صورة نقيّة، و مفيدة للسيرة المحمّدية المباركة، صورة تتفق مع روح القرآن، و تلتقي مع الواقع، و تصلح للاتساء، و الاقتداء، و الاهتداء و الاقتفاء.

و لقد توفرت هذه الشروط- و للّه الحمد- في استاذنا العلامة الحجّة المحقّق سماحة الشيخ جعفر السبحاني، حفظه اللّه.

7

فهو المعروف بسلسلته القرآنية «مفاهيم القرآن» التي تكشف عن إحاطة كبيرة بكتاب اللّه العزيز، و إلمام قليل النظير بمفاهيمه.

كما عرف بأعماله الفكرية الناضجة المتنوعة الكاشفة عن عقلية متفتحة، واعية و معاصرة.

و لهذا كان خير من قام في عصرنا الحاضر بدراسة السيرة المحمّدية الطاهرة العبقة، فكان هذا العمل التاريخي المبارك الذي توفّرت فيه المستلزمات الثلاثة الآنفة الذكر: العقلية المتفتحة، و المعرفة الواسعة بالقرآن الكريم و خاصة في ما يتّصل بالرّسول الأكرم، إلى جانب التتبع الواسع و الاستقصاء الكبير لمواقع العبرة و الاسوة في حياة خاتم الأنبياء و سيّد المرسلين.

و لا أجدني- في هذا التقديم العابر- بحاجة إلى ذكر نقاط القوة الكثيرة في هذه الدراسة المستوعبة لشخصية و حياة رسول الإسلام، بل أرى أن يحاول القارئ الكريم بنفسه الاطلاع على ذلك حتى لا يفوته شي‏ء ممّا لا يفوّت، و سيقف بنفسه أيضا على جسامة ما بذل في هذه الدراسة من جهد، و روعة ما ضمّنت من تحليل، و أهمية ما احتوته من حقائق.

و في الختام اسأل اللّه العلي القدير ان يتقبل منا جميعا هذا الجهد، و يجعله ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون، انه خير معين.

قم جعفر الهادي 30 شعبان 1409 هجرية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدّمة المحاضر

التاريخ في أعظم حماساته‏

* مختبر «الحياة» العظيم.

* «لقد عمّرت مع أولهم الى آخرهم!».

* حياة العظماء، و الخالدين.

* عند ما يلتقى العالم الحاضر بالعالم الغابر.

* التاريخ بين التسجيل‏

* أخطاء المستشرقين العجيبة.

(1) يحاول الإنسان دائما أن ينظر إلى كل قضيّة من القضايا من نافذة الحس، و إن يدرسها من خلال المنظار الحسي المادي، لأنّ أوثق المعلومات لديه هي تلك التي تتألف من هذه «المعلومات الحسية» و لهذا فإن المسائل التي تحظى بأدلة حسّية اكثر تكسب في العادة قسطا اكبر من ثقة الانسان، و تصديقه.

و على هذا الاساس عمد العالم اليوم الى تأسيس آلاف المختبرات الضخمة للتحقيق في شتى القضايا العلمية، و يعكف العلماء في هذه المختبرات على دراسة و تحليل الامور المتنوعة باسلوب خاص و طريقة معينة.

و لكن هل يمكن- ترى- أن تدخل المسائل و القضايا الاجتماعية في نطاق التجربة المختبرية، و تخضع للمجهر و الميكرسكوب، ليمكن الحكم في هذه المجالات من خلال ذلك؟!

فمثلا؛ هل يمكن أن نعرف عن طريق التجارب المختبرية ما يؤدّي إليه‏

10

الاختلاف و التشرذم في المجتمع الواحد، و ما يصيب شعبا من الشعوب أو أمة من الامم من هذا الطريق؟

أم هل يمكن تقييم ما تنتهي إليه جهود المستعمرين، أو ما يؤول إليه الظلم و الحيف، من خلال تجربة حسية؟

أم هل يمكن الوقوف على نتائج «الاختلاف الطبقيّ»، و «التمييز العنصريّ» في المجتمع عن طريق التجربة المختبرية؟

(1) في الاجابة على كل هذه الاسئلة يجب أن نقول: كلا مع الاسف.

و ذلك لأنّه لا توجد للقضايا الاجتماعية- رغم أهميتها القصوى- مثل هذه المختبرات، و حتى لو أمكن توفير مثل هذه المختبرات المناسبة لتحليل و تقييم و دراسة القضايا الاجتماعية، فان إنشاءها و إيجادها يكلّف نفقات باهضة، و تستدعي جهودا عظيمة.

و لكنّ الأمر الذي في مقدوره أن يقلّل من حجم هذا النقص إلى حدّ كبير هو أننا نملك اليوم شيئا يسمى ب: «تاريخ الماضين» و الذي يشرح لنا ما كان عليه البشر- أفرادا و جماعات- طوال آلاف السنين من الحياة على هذه الارض، كما و يعكس مختلف الذكريات و الخواطر عنهم، من انتصارات و هزائم،.

و نجاحات و انتكاسات، و يوقفنا بالتالي على كل ما وقع في حياة الامم و الشعوب من حوادث مرة او حلوة.

إنّ التاريخ يذكر لنا: كيف وجدت الحضارات المشرقة و المدنيات العظمى في العالم، و كيف سلكت- بعد مدة- طريق السقوط و الانقراض، حتى أنها قد محيت عن صفحة الوجود بالمرّة، و اصبحت خبرا بعد أثر، و بالتالي ما هي العوامل التي كانت وراء سيادة الشعوب ثم اندحارها.

إنّ حياة الماضين و تاريخهم يحتفظ لنا في صفحاته بقسط كبير و مهمّ جدا من هذه الحوادث، و لهذا صح أن يقال: «التاريخ مختبر الحياة العظيم»، فبمعونة التاريخ يمكن تقييم مختلف القضايا الاجتماعية، و دراستها و استخلاص النتائج و العبر المفيدة منها.

11

(1) و إنّ من حسن الحظ أننا لم نكن أول من حطّ قدمه على هذا الكوكب، فهذه الارض بسهولها و شعابها العريضة، و تلك السماء بنجومها و كواكبها الساهرة شهدتا ملايين الملايين من البشر الذين سكنوا الارض من قبلنا، و شهدتا افراحهم و اتراحهم، همومهم و غمومهم، حروبهم، و مصالحاتهم، و كل ما رافق و اكتنف حياتهم من حبّ و بغض و ظلمات و أنوار، و ارتقاء و هبوط، إلى غير ذلك من شئون و شجون الحياة البشرية التي يزخر بها تاريخ الشعوب و الاقوام و الامم.

صحيح أنهم قد اختلفوا مع الكثير من أسرار حياتهم، و غابوا جميعا- أشخاصا و أسرارا- في بحر من النسيان و انسدل عليهم الستار، إلّا أن قسطا ملفتا للنظر و جملة يعتد بها من تلك الامور إما أنها قد دوّنت بأيدي أصحابها، أولا تزال طبقات الارض و بطون التلال تحتفظ بها في ثناياها و طياتها، كما و لا تزال ذات الاطلال الصامتة- في ظاهرها- تشكل أضخم متحف، و اغنى معرض، و اكبر مختبر، يعيد لنا شريط التاريخ و يحكي وقائعه و أحداثه، و يشرح رموزه و أسراره.

إنّ مطالعة تلكم الصفحات من تاريخ الامم الغابرة في الكتب، او في الاطلال العظيمة، أو في ما يعثر عليه المنقّبون في بطون التلال، و ثنايا الارض تعلّمنا امورا كثيرة، و تضيف إلى عمرنا عمرا جديدا و زمنا اضافيا، لا يستهان به و ذلك بما تقدم لنا من الخبرة و العبرة، و الهدى و البصيرة.

أ ليست حصيلة العمر ما هي إلّا ما استفاده المرء من تجارب؟ أ لا يجعل التاريخ خلاصة أفضل التجارب تحت تصرفنا؟

(2) و لقد اشار الإمام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في وصية لولده الى هذه الحقيقة حيث قال:

«أي بنيّ! إنّي و إن لم اكن عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم و فكّرت في أخبارهم و سرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من امورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم» (1).

____________

(1). نهج البلاغة، قسم الرسائل. رقم 31.

12

(1) و لكنّ المؤسف أن كتب التاريخ الموجودة الآن تعاني من نقص كبير من حيث الاشارة الى العبر و الدروس الاجتماعية المفيدة، لأن هذه المصنفات لم تدوّن لأجل هذا الغرض، و لهذا اغفل فيها- في الاغلب- كل ما هو مؤثر في كشف الحقائق التاريخية، و إبراز العلل الكامنة وراء الحوادث المتنوعة و الوقائع المختلفة، و بالتالي فقد تجاهلت تلك الكتب و الدراسات ما هو المفتاح الطبيعيّ لحلّ الرموز الكبرى في مسيرة التاريخ البشري، و اعتنت- بدلا عن ذلك- بالقضايا التافهة.

لقد تصدّى كثير من المؤرّخين لتدوين و تسجيل القضايا التاريخية، تارة بهدف التسلية و اخرى بدافع إبراز الفضل لأقوامهم او طوائفهم، و اظهار تفوقها على الاقوام و الطوائف الاخرى، و ثالثة بدافع الحب و البغض، او التعصب لهذا أو ذاك و لهذا عجزت هذه المؤلفات و الكتب عن حل أية مشكلة، و تبديد أية حيرة، بل هي تزيد المرء ضلالا إلى ضلال، و حيرة الى حيرة!

و لكن رغم كل هذا يستطيع اولو النباهة و البصيرة، و اصحاب الفهم و التحقيق ان يتوصلوا- من خلال مطالعة هذه المؤلفات التاريخية على ما فيها من عيوب و نقائص، و مع ما فيها من أساطير عن الشعوب المختلفة- إلى ما يساعدهم على كشف الكثير من اسرار و خلفيات القضايا و الامور المتعلقة بالشعوب الماضية، تماما كما يفعل الطبيب الحاذق، او القاضي البارع الذي يمكنهما من خلال الوقوف على القرائن الجزئية المتفرقة، التوصّل إلى اكتشاف نوع «المرض» أو حالة «المتهم» الحقيقية، و ما يعاني منه في واقعه النفسي.

(2) إنّ أعظم صفحات التاريخ قيمة هي تلك التي تعكس لنا حياة العظماء و سيرة الرجال الخالدين، و تبحث عنها بصدق و امانة و موضوعية.

إنّ لحياتهم أمواجا خاصة، كما أنها زاخرة بانواع الحوادث.

لقد كانوا عظماء حقا، و كذلك كان كل ما يرتبط بهم، و من ذلك تاريخهم، إنه شي‏ء عظيم يستحق التأمّل و التدبر، فهو يتسم بلمعان يلفت الأنظار، و يخلب‏

13

الالباب و إنّه غني بالعظات و العبر، زاخر بالبصائر و الدروس و الى درجة لا توصف.

إنهم معجزة الخليقة بلا ريب، و إن حياتهم لهي- في الحقيقية- ملحمة التاريخ الكبرى، و ساحة البطولات الخالدة، و مسرح الحماسات العظمى، الحية النابضة على مر العصور، و الايام.

لقد كان اولئك العظماء يعيشون في الاغلب على خط الثورات و التغييرات الاجتماعية الاول (و بعبارة أصح) كانت الثورات و التحولات الاجتماعية تجد مصداقيتها في حياتهم و تتجسد في مواقفهم، و لهذا كانوا يشكلون- في واقع الأمر- حلقة الاتصال بين الدنياوات المختلفة المتناقضة، و كانت حياتهم الحافلة بالاحداث شاهدة للألوان المختلفة و المشاهد المثيرة المتنوعة.

(1) و على رأس اولئك الرجال التاريخيين و العظماء الخالدين رسول الإسلام العظيم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم فانه لم تتسم حياة أحد- من حيث و فرة الاحداث، و عظمة الأمواج، كما اتسمت به حياته (صلّى اللّه عليه و آله) و لا اتصفت شخصية بمثل ما اتصف به ذلك النبي العظيم.

فلم يستطع احد سواه أن يؤثّر في بيئته، ثم في جميع العالم، و ينفذ إلى أعماق الاعماق بمثل السرعة و السعة التي حصلت له صلى اللّه عليه و آله.

و لم يوجد أيّ واحد منهم قط من مجتمعة المنحطّ المتخلّف، حضارة بتلك العظمة و الشموخ، كما فعله رسول الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله)- و تلك حقيقة يقرّبها كل مؤرخي الشرق و الغرب.

إنّ مطالعة عميقة لسيرة و حياة هذا الإنسان العظيم، قادرة على أن تعلمنا الكثير الكثير، و أن توقفنا على مشاهد متنوّعة في غاية النفع و منتهى الفائدة.

إن مشاهد عجيبة مثل الأيام الاولى من بناء الكعبة المعظمة، و استيطان اسلاف النبي الكريم «مكة» و هجوم عسكر الفيل الفاشل لهدم بيت اللّه المعظم، و الاحداث و الملابسات المرافقة لمولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

14

كما و إن مشاهد محزنة مثل وفاة «عبد اللّه» و «آمنة» والدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في مطلع حياته الشريفة بتلك الكيفية المؤلمة.

و مشاهد عظيمة و مهيبة و حافلة بالاسرار مثل الايام الاولى من نزول الوحي، و ما جرى في جبل «حراء» و ما تبعه من مواقف الاستقامة و المقاومة التي ابداها و اتخذها رسول اللّه و اصحابه المعدودون طيلة ثلاثة عشر عاما، في سبيل نشر الدين الاسلامي في مكة، و مكافحة الوثنية و الجاهلية.

و كذا مشاهد مثيرة و ساخنة و حماسية مثل وقائع السنة الاولى من الهجرة المباركة و ما عقبتها من حوادث و مواقف.

(1) و لقد الّفت حول حياة رسول الإسلام أعظم قادة البشرية على الاطلاق كتب و رسائل و دراسات كثيرة بحيث لو أتيح لنا أن نجمعها في مكان واحد لشكلت مكتبة عظيمة و ضخمة.

و يمكن القول- بشكل قاطع- بأنه ليس ثمة من عظيم استقطب اهتمام التاريخ و المؤرخين و المفكرين العالميين الكبار، كما ليس ثمة شخصيّة من شخصيّات العالم كتب حولها المؤلفون و الباحثون هذا القدر الهائل من المؤلفات و المصنفات، و الرسائل و الكتب، كما حصل لرسول الإسلام محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم.

(2) إلّا أن أكثر هذه الكتب و المؤلفات تعاني من أحد إشكالين: إما أن الكتاب جاء على نسق التسجيل المجرد للحوادث، أو النصوص التاريخية، من دون أن يتصدى فيه مؤلفه لتحليلها، و دراسة خلفياتها و نتائجها، و إصدار الحكم اللازم فيها، بل إن البعض قد تجنب عن بيان علل الوقائع الإسلامية و اسبابها، و ثمارها و معطياتها كذلك.

أو أن المؤلّف- في بعضها الآخر- عمد إلى طائفة من الآراء الحدسية، و الاجتهادات الباطلة، العارية عن الدليل و اثبتها في مؤلّفه على أنها الحكم الحق،

15

و خلط هذه الاحكام مع بيان الحوادث، و من ثم اخرج كتابه ذاك الى الجمهور المتعطش الى تاريخ الإسلام، على أنّه التاريخ المحقّق، الممخّص.

(1) إن الإشكال الذي يرد على الطائفة الاولى هو: أن الهدف من التاريخ ليس هو مجرّد تسجيل الحوادث التاريخية و ضبطها و تدوينها، إنما هو كتابة صفحات التاريخ، و قضاياه و أحداثه من المصادر الصحيحة الموثوق بها، و إبراز عللها و اسبابها، و ثمارها و نتائجها، و التاريخ بهذا الشكل أعظم كنز تركه الأقدمون لنا، و مثل هذا النوع من الدراسة التاريخية لم تدوّن- أو أنه قلّما دوّنت- حول أعظم قادة البشر، محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فقد تجنب اكثر كتاب السيرة النبوية عن اظهار الرأي في الحوادث، او القيام باي تحليل للوقائع، بحجة الحفاظ على اصول الحوادث و نصوصها.

(2) في حين أنّ هذا العذر، و هذه الحجة غير كافية لتبرير هذا الموقف، لأنه كان في مقدور اولئك المؤرخين- للحفاظ على ما ذكروه- أن يؤلفوا نوعين من الكتب، نوعا يختص بسرد الوقائع و النصوص التاريخية على ما هي عليه من دون ابداء رأي، او تحليل و دراسة، و نوعا آخر يعتني بذكر الحوادث و القضايا التاريخية مع تحليلها و دراستها بصورة موضوعية صحيحة أو ان يتم كلا الأمرين في كتاب واحد بأن تفرز الحوادث التاريخية عن التحليل و الرأي.

(3) على كل حال قلما نجد بين قدماء الكتّاب المسلمين من تصدى للسيرة النبوية المحمّدية الطاهرة بهذه الصورة، و قلما يوجد هناك كتاب يتناول حياة خاتم الأنبياء و سيّد المرسلين بالتحليل المذكور.

بل لا بدّ من القول بان السيرة النبوية الطاهرة ليست هي وحدها التي حرمت من مثل هذا النمط من التأليف و الكتابة، بل شمل هذا الحرمان اكثر الحوادث التاريخية التي وقعت على مر العصور الإسلامية فهي إدراجات في الكتب من دون دراسة موضوعية و تقييم دقيق.

(4) نعم إن أول من فتح هذا الطريق على وجه عامة المؤلفين و الكتاب هو:

16

العلامة المغربي «ابن خالدون» (1) فقد أسس في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن خالدون نمط التاريخ التحليلي بنحو من الانحاء.

(1) و أما الطائفة الثانية من تلك الكتب فهي و إن الفت على نمط التاريخ التحليلي و اتسمت بصفة التحقيق و الدراسة و لكن حيث ان بعضهم لم يتجشم عناء التتبع و الاستقصاء، أو أنه اعتمد في تحليله للحوادث على المصادر غير المتقنة و غير الصحيحة، فقد تورط في أخطاء فضيعة محيّرة، و أكثر مؤلفات المستشرقين- التي لم تكتب في الأغلب بهدف التوصل الى الحقيقة- من هذا النمط، و من هذه القماشة.

و لقد دأب في هذه الدراسة- بعد ملاحظة هذه الاشكالات- على ان يقدم إلى القراء جهد امكانه كتابا يخلو عن عيوب و نقائص كلتا الطائفتين.

(2)

مزايا هذا الكتاب:

قد لا يكون من الضروري بيان مزايا هذا الكتاب، و استعراض امتيازاته في مقدمته، فذلك أمر ينبغي أن يقف عليه القارئ الكريم بنفسه ضمن مطالعته لهذه الدراسة، إلّا انه إلفاتا لنظر القارئ نشير الى مزيتين هامتين هما:

(3) أولا: أنّنا عمدنا في هذا الكتاب الى تناول و بيان الحوادث و الوقائع المهمة التي تنطوي على قدر، اكبر من الفائدة، و العبرة، و أعرضنا صفحا عن ذكر الاحداث الجزئية، و الوقائع الصغيرة مثل الكثير من السرايا.

ثم إننا أخذنا الحوادث التاريخية هذه من المصادر الأصيلة، و الأولية، التي دوّنت في القرون الإسلامية المشرقة الاولى، فقد استخلصنا الحادثة من مجموعة تلك المصادر، ثم أشرنا إلى مصدر أو مصدرين من المصادر التي ذكرت الحادثة

____________

(1) هو القاضي عبد الرحمن بن محمّد الحضرمي المالكي المتوفى عام 808 هج، و مقدمته و تاريخه- على ما فيهما من أخطاء فضيعة في التحليل معدود ان من الكتب الجيدة المفيدة، و هما مبتكران في نوعهما.

17

بصورة اكثر تفصيلا و دقة.

و ربما يظن بعض القرّاء الكرام أننا اكتفينا في نقل الحوادث و الوقائع بمراجعة مصدر أو مصدرين ممّا ذكرناه في أقصى الصفحة (أي الهامش) في حين أن الواقع هو غير هذا، فنحن قد راجعنا حتى في نقل الحوادث الصغيرة مهما صغرت، اكثر المصادر الأصيلة المعروفة، و بعد التحقق و التشبث منها لخصناها و ذكرناها في هذا الكتاب.

و لو أننا أشرنا- في جميع الحوادث و الوقائع- الى جميع المصادر التي مررنا بها لاستأثر جدول المصادر بقسم كبير من صفحات هذا الكتاب، و هو أمر من شأنه أن يبعث على الملل عند القرّاء، فلكي لا يحسّ القرّاء بأيّ تعب أو ملل من جانب، و لأجل أن نحافظ على وثائقية الكتاب و أصالة أبحاثه و إتقانها من طرف آخر اكتفينا بذكر القدر اللازم من المصادر و تجنبنا تحشيدها بتلك الصورة المملّة.

(1) و أما المزية الثانية: فإننا أشرنا- ضمن الدراسات اللازمة- إلى الاعتراضات و الاشكالات، بل و أحيانا إلى مواطن الاساءة التي قام بها المستشرقون المغرضون و أجبنا على جميع الانتقادات و الاعتراضات غير المبرّرة و غير الصحيحة بأجوبة مقنعة و قاطعة و صحيحة، و جرّدناهم من الاسلحة التي شهروها في وجه الإسلام و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم- كما يقول المثل، و تلك حقيقة يقف عليها القارئ الكريم بنحو أجلى في محلّها.

و على هذا الاساس عمدنا إلى ذكر رأي المؤلّفين الشيعة (في المسائل المختلف فيها بين المؤرخين الشيعة و المؤرخين السنة) مع ذكر المصادر و الشواهد التاريخية الواضحة و المبرهنة عليه، و أزحنا كل ما يدور حول ذلك الرأي من شبهة أو إشكال، و يستهدف إنكار صحته و حقانيته.

إننا إذ نقدّم هذه الدراسة التحليليّة لشخصية و حياة خاتم الأنبياء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إلى القراء الكرام نأمل أن يهتم بها عامّة المسلمين و خاصة المثقفين و الشّباب منهم بوجه خاصّ، و يتناولوا هذه السيرة العطرة بالمطالعة المتأنّية و التأمل‏

18

و التدبر، و نأمل أن يستطيع شبابنا المؤمن المتحمّس من أن يرسم خريطة حياته و حياة مجتمعه في ضوء ما يستلهمه و يستوحيه من سيرة و حياة رسول الاسلام (صلّى اللّه عليه و آله)، في هذه الحقبة البالغة الخطورة. و اللّه وليّ التوفيق.

جعفر السبحاني 26/ جمادى الآخرة/ 1392

19

سيّد المرسلين في ضوء القرآن الكريم‏

لقد سلّط القرآن الكريم الضوء على رسول الإسلام محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في آيات كثيرة تناولت بيان أسمائه و نشأته و صفاته و خصاله، و بشارات الأنبياء السابقين به و عصمته و اميّته و رسالته و خاتميته و جهوده العظيمة التي بذلها في سبيل ابلاغ مهمته، و الخطابات الخاصة الالهية الموجّهة إليه و ما يتوجب على المؤمنين تجاهه في حياته و بعد وفاته، و ما يتوجب عليهم تجاه أهل بيته و عترته، و لكي تكون هذه الرؤية القرآنية الشاملة الدقيقة هي القاعدة الاساسية في دراسة الشخصية و السيرة المحمّدية العظيمة آثرنا ادراج طائفة منها

20

في مقدمة هذا الكتاب.

* وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. (آل عمران/ 144).

* مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. (الفتح/ 29).

* وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. (الصف/ 6).

* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏. (الضحى/ 4/ 8).

* أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ.

(الانشراح/ 1- 4).

* وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. (آل عمران/ 81).

* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. (الأعراف/ 157).

* الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. (البقرة/ 146).

* الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ. (الأنعام/ 20).

* فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.

(الأعراف/ 158).

* هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. (الجمعة/ 2).

* وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. (النساء/ 113).

* وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ.

(العنكبوت/ 48).

21

* اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. (العلق/ 1- 5).

* ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏ وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏ ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏. (النجم/ 2- 17).

* وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ. (الحاقة/ 44- 47).

* وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ. (يس/ 69).

* وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ.

(الصافات/ 36- 37).

* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ. (الحاقة/ 40).

* وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. (التكوير/ 24).

* سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏. (الاعلى/ 6).

* فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. (البقرة/ 137).

* وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. (المائدة/ 67).

* وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا. (التوبة/ 74).

* إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. (الحجر/ 95).

* وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. (الاسراء/ 73- 74).

* أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ. (الزمر/ 36).

* وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا. (الطور/ 48).

* تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ‏ (آل عمران/ 108).

* اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ. (العنكبوت/ 45).

* وَ اتَّبِعْ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. (الاحزاب/ 2).

* وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. (الشعراء/ 214).

22

* فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ. (الحجر/ 94).

* قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. (الحج/ 49).

* وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. (المؤمنون/ 73).

* تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى‏ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً. (الفرقان/ 1).

* وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً. (الفرقان/ 56).

* وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ. (الأنفال/ 33).

* لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ. (التوبة/ 128).

* بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. (التوبة/ 128).

* وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. (الأنبياء/ 107).

* إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ. (الحج/ 67).

* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. (الشعراء/ 193).

* إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ. (البقرة/ 119).

* كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. (البقرة/ 151).

* لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. (آل عمران/ 164).

* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. (الفتح/ 28- 29).

* يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً.

(الاحزاب/ 46).

* وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً. (سبأ/ 28).

* قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ. (سبأ/ 46).

* فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ. (الذاريات/ 50).

* وَ أَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً. (النساء/ 78).

* وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. (النساء/ 113).

23

* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى‏ نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ. (النساء/ 163).

* لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً.

(النساء/ 166).

* ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ. (الاحزاب/ 40).

* قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً. (الاعراف/ 158).

* وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. (يونس/ 65).

* فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ. (هود/ 12).

* وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ. (هود/ 120).

* وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ.

(الرعد/ 32).

* لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ. (الحجر/ 88).

* وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. (الحجر/- 99).

* وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. (النحل/- 128).

* فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً. (الكهف/ 6).

* فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ. (طه/ 130).

* وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى‏ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.

(الحجّ/ 42- 44).

* وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ هادِياً وَ نَصِيراً. (الفرقان/ 31).

* لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. (الشعراء/ 3).

* وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. (النحل/ 127).

* فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ. (الروم/ 60).

* وَ مَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ. (لقمان/ 23).

24

* وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. (فاطر/ 4).

* سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. (الأسراء/ 1).

* فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ. (فاطر/ 8).

* وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ. (فاطر/ 25).

* فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ. (يس/ 76).

* وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. (الصافات/ 171- 172).

* وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ.

(الصافات/ 173- 175).

* وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ. (الصافات/ 178- 179).

* فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ. (ص/ 17).

* أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ. (الزمر/ 36).

* فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. (المؤمن/ 55).

* وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. (الانعام/ 52).

* وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.

(الكهف/ 28).

* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى‏ أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُ‏ونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. (النور/ 62- 63).

* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى‏ طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ

25

حِجابٍ. ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً. (الاحزاب/ 53).

* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

(الحجرات/ 1- 5).

* وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ.

(الحجرات/ 7).

* وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ. (القلم/ 4).

* وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. (الحجر/ 88).

* وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. (الشعراء/ 215).

* لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.

(التوبة/ 129).

* فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.

(آل عمران/ 159).

* لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً.

(الاحزاب/ 21).

* قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

(آل عمران/ 31).

* فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. (النساء/ 65).

* إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

(الاحزاب/ 56).

* إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. (الكوثر/ 1- 2).

26

* إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. (الاحزاب/ 33). (1)

____________

(1) و لقد بحث سماحة الاستاذ العلامة المحقّق الشيخ جعفر السبحاني صاحب هذه المحاضرات حول جميع هذه الآيات و نظائرها في دراسة عميقة و شاملة في الجزء السابع من موسوعته «مفاهيم القرآن».

27

(1)

1 شبه الجزيرة العربية

أو مهد الحضارة الإسلامية الجزيرة العربيّة هي في الحقيقة شبه جزيرة كبيرة و تقع في الجنوب الغربي من آسيا، و تبلغ مساحتها ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، أي ضعف مساحة إيران، و ستة أضعاف فرنسا، و عشرة أضعاف إيطاليا، و ثمانين ضعف سويسرة.

و يحدّ شبه الجزيرة- هذا الذي هو اشبه ما يكون بمستطيل غير متوازي الاضلاع- من الشمال فلسطين و صحراء الشام، و من المشرق الحيرة و دجلة و الفرات و الخليج الفارسي، و من الجنوب المحيط الهندي و خليج عمان، و من المغرب البحر الأحمر.

و على هذا يحاصر هذه الجزيرة من المغرب و الجنوب البحر، و من الشمال و الشرق الصحراء، و الخليج.

(2) و قد جرت العادة بتقسيم هذه المنطقة من القديم إلى ثلاثة اقسام:

1- القسم الشمالي و الغربي و يسمى بالحجاز.

2- القسم المركزي و الشرقي و يسمى بصحراء العرب.

3- القسم الجنوبي و يسمى باليمن.

و تشكّل داخل شبه الجزيرة هذا صحاري كبيرة، و مناطق شاسعة رملية حارّة، و غير قابلة للسكنى تقريبا، و من جملة هذه الصحاري صحراء «بادية

28

سماوة» التي تسمى اليوم بصحراء «النفوذ» و صحراء اخرى واسعة الاطراف تمتد إلى الخليج الفارسيّ يطلق عليها اليوم اسم «الربع الخالي» و قد كان يسمى قسم من هذا الصحاري سابقا بالأحقاف، و يسمى القسم الآخر بالدهناء.

(1) و على أثر هذه الصحاري تشكل ثلث مساحة شبه الجزيرة هذا أراضي خالية من الماء و العشب و غير قابلة للسكنى، اللهم إلّا بعض ما يحصل من المياه، بسبب تساقط الامطار، في قلب الصحاري فيتجمع حولها بعض القبائل العربية بعض الوقت، و يرعون فيها ابلهم و انعامهم ردحا قليلا من الزمن.

و أمّا حالة المناخ في شبه الجزيرة العربية، فالهواء في الصحاري و الأراضي المركزية (الوسطى) حار و جاف جدا، و في السواحل مرطوب، و في بعض النقاط معتدل، و بسبب رداءة الطقس هذه لا يتجاوز عدد سكانه خمسة عشر مليون نسمة.

(2) و توجد في هذه الجزيرة سلسلة جبال تمتد من الجنوب الى الشمال، و يقارب ارتفاع أعلى قممها 2470 مترا.

و قد كانت معادن الذهب و الفضة و الاحجار الكريمة تشكل مصادر الثروة في شبه الجزيرة هذا منذ القديم، و كان سكانها يعتنون- من بين الأنعام و الحيوانات- بتربية الابل و الفرس اكثر من غيرهما، و من بين الطيور بالحمام و النعامة اكثر من الطيور الاخرى.

بيد أن اكبر مصدر للثروة في الجزيرة العربية اليوم يأتي عن طريق استخراج النفط.

و تعتبر مدينة «الظهران» الذي يسميه الاوربيون بالدهران المركز النفطي الرئيسي في هذه الجزيرة، و يقع هذا البلد في ناحية الاحساء التي تقع في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية على حدود الخليج الفارسي.

(3) و لكي يتعرف القارئ الكريم على الأوضاع في شبه الجزيرة العربية هذا بنحو اكثر تفصيلا فاننا نعمد إلى شرح الاقسام الثلاثة المذكورة:

(4) 1- «الحجاز» و هي المنطقة التي تشكل القسم الشمالي و الغربي من الجزيرة

29

العربية و تمتد أراضيها على ساحل البحر الاحمر ابتداء من فلسطين و حتى حدود اليمن.

و الحجاز بعد هذا منطقة جبلية، و ذات صحار قاحلة، و اراض حجرية، و صخرية، يكثر فيها الحصى.

و لقد كانت هذه المنطقة- في التاريخ- اكثر شهرة من غيرها، و من المعلوم أنّ هذه الشهرة جاءت بسبب جملة من العوامل المعنوية و الدينية، فهي الآن تضمّ بين جوانحها بيت اللّه الحرام «الكعبة المعظمة»، قبلة ملايين المسلمين، و مهوى افئدتهم.

و قد كانت البقعة التي تقوم عليها بنية «الكعبة المعظمة» تحظى منذ سنوات مديدة قبل بزوغ الإسلام باحترام العرب و غيرهم، و لهذا حرّموا القتال حول الكعبة تعظيما لها، حتى إذا جاء الإسلام أقرّ للكعبة و لما حولها، مثل ذلك الاحترام، و التعظيم أيضا.

و من أهمّ مدن الحجاز: «مكة» و «المدينة» و «الطائف»، و كان للحجاز منذ القديم ميناءان هما: ميناء «جدة» الذي يستخدمه أهل مكة، و ميناء «ينبع» الذي يستخدمه أهل المدينة، في سدّ الكثير من احتياجاتهم و يقع هذان الميناءان على ساحل «البحر الاحمر».

(1)

مكة المعظمة:

و هي من أشهر مدن العالم و أكثر المدن الحجازية سكانا، و ترتفع عن سطح البحر بما يقارب 300 مترا.

و اذ تقع مدينة «مكة» بين سلسلتين من الجبال لذلك فانها لا ترى من بعيد، و يقطنها اليوم حوالي (150) ألفا من السكان.

(2)

تاريخ مكة:

يبدأ تاريخ «مكة المكرمة» من زمن النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فقد

30

أسكن هذا النبي ولده «اسماعيل» مع أمه «هاجر» في ارض مكة، فنشأ اسماعيل هناك، و تزوج من القبائل التي سكنت على مقربة من تلك المنطقة.

ثم إن إبراهيم (عليه السلام) بنى و بأمر من اللّه تعالى البيت الحرام «الكعبة».

و تقول بعض الروايات الصحيحة إن الكعبة بنيت على يد النبيّ نوح (عليه السلام) و أن ابراهيم (عليه السلام) جدّد بناءها.

و هكذا نشأت و بعد هذا تأسست مدينة مكة.

و تتكون نواحي «مكة» من أراض سبخة شديدة الملوحة بحيث لا تكون قابلة للزراعة اصلا، حتى أن بعض المستشرقين يذهب إلى أنه لا يوجد أية منطقة في العالم في رداءة أوضاعها الجغرافية و المحيطية و الطبيعية مثل هذه المنطقة.

(1)

المدينة المنوّرة:

و هي مدينة تقع في شمال مكة و تبعد عنها ب: 90 فرسخا تقريبا، و تحيط بها بساتين و مزارع و نخيل وافرة، و أرضها أكثر صلاحية لغرس الاشجار و الزرع.

و كانت المدينة المنورة تسمى قبل الإسلام ب «يثرب»، و بعد أن هاجر إليها رسول الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله) سمّيت بمدينة الرسول، ثم اطلقت عليها لفظة «المدينة» مجردة تخفيفا.

و يحدثنا التاريخ أن العمالقة كانوا أول من سكن هذه الديار، ثم خلف العمالقة طائفة اليهود، و الأوس و الخزرج الذين سمّي المسلمون منهم بالأنصار في ما بعد.

(2) هذا و قد سلمنت الحجاز- على عكس سائر المناطق- من طمع الطامعين و غزو الغزاة و الفاتحين، و لم نشاهد فيها أي شي‏ء من آثار حضارة الامبراطوريتين العظيمتين آنذاك قبل الإسلام: الروم و الفرس، و ذلك لأنها إذ كانت تتألّف من أراض قاحلة مجدبة غير قابلة للسكنى و العيش لم تحظ باهتمام أحد من اولئك الفاتحين حتى يفكر في تسيير العساكر، و تحبيش الجيوش لفتحها ليعود بعد تحمّل آلاف المشاكل التي تستلزمها عملية الاستيلاء على أراضي تلك المنطقة

31

خالي الوفاض صفر اليدين.

(1) و للوقوف على هذه الحقيقة اقرأ القصة التالية التي نقلها «ديودرس».

عند ما دخل ديمتريوس القائد اليوناني الكبير «بطرا» (و هي مدينة قديمة من مدن الحجاز) بهدف فتح جزيرة العرب خاطبه سكان تلك المدينة قائلين:

لما ذا تحاربنا أيها الملك ديمتريوس و نحن من سكان الصحارى التي لا تسدّ فيها خلّة، ترانا نقطن في هذه البقاع القاحلة فرارا من العبودية. اقبل هدايانا، و ارجع الى حيث كنت، سنكون من أوفى الاصدقاء لك، و لكنك اذا رغبت في حصرنا حرمت كل هناءة، و رأيت عجزك عن اكراهنا على تبديل طرق حياتنا التي تعوّدناها منذ نعومة أظفارنا، و إذا قدرت على أسر بعضنا أيقنت أنك لن تجد واحدا ممن أسرت يستطيع أن يألف حياة غير التي ألفناها.

هنا لك رأى ديمتريوس أن يقبل هديتهم و ان يرضى بالمآب‏ (1).

(2) 2- المنطقة الوسطى و الشرقية، التي تسمى ب «صحراء العرب» و منطقة «نجد» التي هي جزء من هذه المنطقة أرض مرتفعة يقوم فيها بضع قرى صغيرة معدودة.

و لقد أصبحت الرياض التي اتخذها السعوديون عاصمة لهم بعد استيلائهم من المراكز المهمة في هذه الناحية من الجزيرة.

(3) 3- المنطقة الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية، و التي تسمى ب «اليمن» و تمتد طولا من الشمال الى الجنوب حوالي (750) كيلومترا و من الغرب الى الشرق حوالى (400) كيلومترا.

و تقدر مساحة هذا البلد بستين الف ميل مربع تقريبا، و لكنها كانت- قبل ذلك- أوسع من هذا القدر، و قد كان قسم منها (و هو عدن) خلال النصف الاول من القرن الأخير تحت الانتداب البريطاني، و من هنا ينتهي شمالا الى نجد، و جنوبا الى عدن، و غربا الى البحر الأحمر و شرقا الى صحراء الربع‏

____________

(1) حضارة العرب: تأليف غوستاف‏لوبون ص 91- 92 ترجمة عادل و عبتر.

32

الخالي‏ (1).

(1) و من مدن اليمن المعروفة مدينة «صنعاء» التاريخية العريقة، و من موانئها المشهورة ميناء «الحديدة» التي تقع على البحر الأحمر.

و منطقة اليمن من اكثر مناطق الجزيرة العربية خصوبة و بركة، و لها تاريخ مشرق و عريق في المدنية و الحضارة، فقد كانت اليمن مقرا لملوك تبّع، الذين حكموا اليمن سنينا مديدة و كانت اليمن قبل الإسلام مركزا تجاريا مهما، و كانت في الحقيقة ملتقى طرق الحجاز، اشتهرت في العصور القديمة بمعادن الذهب، و الفضة، و الحديد، و النحاس، و كانت تصدر الى خارج البلاد.

(2) و لا تزال اثار الحضارة اليمنية القديمة باقية الى الآن.

و لقد قام أهل اليمن الاذكياء باقامة أبنية و عمارات عالية و جميلة بهممهم العالية في عصور كان البشر يفقد فيها الوسائل الثقيلة، و الاجهزة المعقدة.

كان ملوك اليمن يحكمون البلاد دون أي منازع، إلّا أنهم رغم ذلك لم يكونوا يمتنعون عن تنفيذ ما رسمه حكماء اليمن و رجالهم من انظمة و قوانين للحكم و ادارة البلاد آنذاك.

و لقد سبقوا الآخرين في الزراعة و الفلاحة، و قد نظموا لإحياء الأراضي و زراعتها، نظاما دقيقا للريّ طبقوا بنوده بدقة، و لهذا كانت بلادهم تعدّ- آنذاك- من البلدان الراقية المتقدمة من هذه الناحية.

(3) فها هو «غوستاف‏لوبون» المؤرخ الفرنسي المعروف يكتب حول اليمن قائلا:

إنّ بلاد العرب السعيدة من أغنى بقاع العالم‏ (2).

(4) و يكتب الادريسيّ المؤرخ المعروف الذي كان يعيش في القرن الثاني عشر حول «صنعاء» قائلا: كانت صنعاء مقر ملوك اليمن، و عاصمة جزيرة العرب، و انه كان لملوكها قصر متين شهير و كانت تشتمل على بيوت مصنوعة من الحجارة

____________

(1) لقد انقسمت اليمن مؤخرا الى يمن شمالية و اخرى جنوبية لكل واحد منها نظام حكم خاصّ و حكومة خاصّة.

(2) حضارة العرب: ص 94.

33

المنحوتة (1).

(1) هذه الآثار العجيبة التي عثر عليها المستشرقون و علماء الآثار في تنقيباتهم الأخيرة تثبت حضارة عجيبة لليمن في عصورها القديمة و ذلك في مختلف نواحيها مثل «مأرب» و «صنعاء» و «بلقيس».

ففي مدينة مأرب (و هي مدينة سبأ المعروفة) كانت تقوم قصور ضخمة و صروح عالية ذوات أبواب و سقوف مزينة بالذهب، و كانت تحتوي على أوان و صحون من الذهب و الفضة، و أسرّة كثيرة مصنوعة من المعدن و الفلز (2).

و من آثار «مأرب» التاريخية السدّ المعروف باسم ذلك البلد و الذي لا تزال اطلاله باقية، و هو السدّ الذي تهدّم بسبب السيل الذي وصفه القرآن الكريم بالعرم.

فقد جاء في سورة سبأ الآية 15- 19 قوله تعالى:

«لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ. وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ. فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» (3).

____________

(1) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق على ما في حضارة العرب، ص 55.

(2) حضارة العرب: ص 94.

(3) للوقوف على المزيد من المعلومات عن اليمن قديما و حديثا، راجع الكتب المؤلفة حول جغرافية العالم الإسلامي.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

(1)

2 العرب قبل الإسلام‏

لمعرفة أوضاع العرب قبل الإسلام يمكن الرجوع الى المصادر التالية:

1- التوراة على ما فيها من تحريفات.

2- كتابات اليونانيين و الروميين في القرون الوسطى.

3- الكتابات التاريخية التي كتبها علماء الإسلام و مؤلفوه.

4- الآثار القديمة التي عثر عليها المستشرقون في تنقيباتهم و التي استطاعت عن أن تكشف النقاب عن طائفة لا يستهان بها من الحقائق في هذا الصعيد.

إلّا انه مع وجود كل هذه المصادر و المراجع لا تزال هناك نقاط كثيرة عن تاريخ العرب في القرون البعيدة تعاني من الغموض.

و لكن حيث أنّ دراسة أوضاع العرب قبل الإسلام هي من باب المقدمة في هذا الكتاب، و الهدف الاساسي إنما هو دراسة السيرة النبوية الطاهرة، من هنا نكتفي في هذا الفصل باستعراض النقاط الخاصة و الواضحة من حياة العرب قبيل الإسلام على اننا يمكننا أن نقف على وصف دقيق لحالة العرب خاصة قبيل بزوغ الإسلام من خلال مصدرين اسلاميين اساسيين هما:

1- القرآن الكريم.

2- ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة.

36

فقد وردت في هذين المصدرين تصريحات و نصوص صريحة تكشف عن ما كان عليه العرب في الجاهلية من سوء الأحوال و الاوضاع و الاخلاق في جميع الاصعدة و الابعاد، و سنشير إلى أبرز هذه النصوص و نقف عندها بعض الشي‏ء، و لكننا نستعرض قبل ذلك شيئا من تاريخ العرب في القرون البعيدة فنقول:

(1) إن من المسلّم أن شبه الجزيرة العربية كان منذ أقدم العصور موطنا لقبائل كثيرة انقرض بعضها بمرور الايام، و في ثنايا الاحداث، بيد ان هناك ثلاث قبائل قد تشعّبت عنها أفخاذ و فروع تحظى بشهرة اكثر من بين من سكنوا هذه المنطقة.

و هذه القبائل الامّ هي:

(2) 1- العرب البائدة: و إنما سميت بالبائدة لأنها أبيدت بالعذاب الالهي السماويّ أو الأرضيّ بسبب عصيانها و تمردها، و هلكت شيئا فشيئا، و لم يبق على وجه الارض من نسلهم أحد!

و لعلهم كانوا هم المعنيون بقوم «عاد» و «ثمود» الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم مرارا.

(3) 2- القحطانيّون: و هم أبناء يعرب بن قحطان الذين كانوا يقطنون في «اليمن» و سائر المناطق الجنوبية من الجزيرة العربية و يسمّون بالعرب الاصلاء، و هم اليمنيون اليوم، و منهم قبائل الأوس و الخزرج و هما قبيلتان كبيرتان كانتا تقطنان المدينة المنورة إبان ظهور الإسلام.

و قد كان للقحطانيين حكومات كثيرة، كما كانت لهم جهود كبرى في تعمير أرض اليمن و احيائها، و قد تركوا من ورائهم حضارات و مدنيّات لا يستهان بها.

و توجد الآن كتابات تقرأ بصورة علمية توضح إلى حدّ كبير تاريخ القحطانيين و كل ما يقال عن مدنيّة العرب و حضارتهم قبل الإسلام تعود في الحقيقة إلى هذه الطائفة و خاصة من سكن منهم ارض اليمن.

(4) 3- العدنانيون: و هم أبناء اسماعيل بن ابراهيم الخليل (عليه السلام)،

37

و سوف يأتي ذكر جذور هذه الطبقة في الابحاث القادمة. و خلاصة ذلك: أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) امران يسكن ولده الرضيع اسماعيل مع زوجته «هاجر» أم اسماعيل في ارض مكة، فخرج بهما ابراهيم (عليه السلام) من «فلسطين» و هبط بهما في ذلك الوادي العميق الخالي عن الماء و العشب «مكة» ثم ان يد العناية الالهية امتدت إلى تلك العائلة المهاجرة، و جادت عليها بعين «زمزم» الذي جلب الرواء و الحياة الى تلك المنطقة القاحلة الضامئة.

ثم تزوج إسماعيل من قبيلة «جرهم» التي خيّمت بالقرب من مكة، و اصاب من هذا الزواج عددا كبيرا من الابناء، و الاحفاد، و أحفاد الاحفاد كان من جملتهم «عدنان» الذي ينتهي نسبه الى النبي اسماعيل عبر عدد من الآباء و الجدود.

ثم تشعّبت ذرية إسماعيل الى بطون و أفخاذ، و عشائر و قبائل عديدة، كان من بينها قبيلة قريش التي حظيت بشهرة اكبر، و منها عشيرة بني هاشم التي انحدر منها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما ستعرف ذلك بالتفصيل، عما قريب.

(1)

أخلاق العرب و تقاليدهم العامة:

و المراد منها هو الأخلاق و الآداب الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك.

المجتمع، و قد سادت بعض هذه الاخلاق و العادات و التقاليد في المجتمع العربي عامة.

و يمكن تلخيص ما كان العرب يتمتعون به من أخلاق و صفات حسنة عامة في ما يلي:

لقد كان العرب زمن الجاهلية و بخاصة ولد «عدنان» أسخياء بالطبع، يكرمون الضيف، و قلّما يخونون في الامانة، لا يغتفرون نقض العهود، و لا يتهاونون مع من يتنكر للمواثيق، يضحون في سبيل المعتقد، و يتحلون بالصراحة الكاملة، و ربما وجد فيهم من تمتع بذكاء لامع، و ذاكرة خارقة يحفظ بها الأشعار و القصائد الطوال، و الخطب المفصلة.

38

هذا الى جانب براعتهم في فن الشعر و الخطابة بحيث لم يسبقهم في ذلك غيرهم و الى جانب انهم كانوا مضرب المثل في الشجاعة و الجرأة، و المهارة في الفروسية و الرمي.

يرون الفرار و الادبار في الحرب عارا لازما، و صفة ذميمة يلام صاحبها بسببها اشد اللوم.

(1) و لكن في مقابل ذلك كله كانوا يعانون من مفاسد أخلاقية تغطي على كل كمال عندهم، و تنسي كل فضيلة.

و لو لا تلك الكوة المباركة التي فتحت عليهم من عالم الغيب، لطويت صفحة حياتهم الإنسانية على القطع و اليقين.

يعني لو لم تبزغ شمس الإسلام في أواسط القرن السادس الميلادي، و لم تسطع أشعتها الباعثة على الحياة، على عقولهم و قلوبهم لما رأيت اليوم من العرب العدنانيين أي أثر، و لتكرّرت مقولة العرب البائدة مرة اخرى!

(2) لقد حوّل فقدان القيادة الرشيدة، و غياب الثقافة الصحيحة حياة العرب، من جانب، و انتشار الفساد و الفحشاء من جانب آخر إلى حياة حيوانية مزرية حتى أن صفحات التاريخ تروي لنا أخبارا و قصصا مفصلة عن حروب دام بعضها خمسين عاما، و بعضها الآخر مائة عام قد نشبت بين الاطراف العربية لأسباب طفيفة و دوافع تافهة جدا.

لقد أدى عدم سيادة النظام و القانون على الحياة العربية، و عدم وجود حكومة قوية مسيطرة على الاوضاع، توقف البغاة و المتمردين عند حدودهم، إلى أن يعيش العرب- آنذاك- في صورة القبائل الرحّل، و يرحلوا في كل سنة الى منطقة معينة من الصحراء التماسا للعشب و الماء لانفسهم و لا نعامهم، فاذا عثروا على ماء و عشب أو شي‏ء من آثار الحياة نزلوا عنده، و أنزلوا رحالهم بجواره، فاذا سمعوا عن وجود مكان افضل استأنفوا رحلتهم الصحراوية التماسا لحياة اكثر بركة، و عطاء، و أوفر خصبا و أمنا.

(3) هذه الحيرة و هذا الضياع و عدم الاستقرار كان ناتجا من أمرين:

39

الأوّل: سوء الاوضاع الجغرافية و رداءة الأحوال الطبيعية للجزيرة العربية، و خاصة من حيث الماء و المناخ و المراعي.

و الآخر: الحروب و المصادمات الدموية الكثيرة، و اضطراب الأحوال الاجتماعية، التي كانت تلجئ جماعات كثيرة إلى التنقل الدائم و الرحيل عن الأوطان و مغادرتها، و عدم الاستقرار في منطقة معينة.

(1)

هل كان للعرب حضارة قبل الإسلام؟

يستنتج مؤلف كتاب «حضارة العرب» من دراسته لأوضاع العرب الجاهلية أن العرب كانوا أصحاب حضارة عريقة سبقت الإسلام بقرون.

فالقصور الصخمة التي أقاموها في مختلف نقاط و مناطق الجزيرة العربية، و العلاقات التجارية التي كانت لهم مع أرقى شعوب الأرض، شواهد قوية على تمدنهم و حضارتهم الغابرة، لأن قوما أنشئوا لمدن العظيمة- قبل الرومان بقرون كثيرة- و كانت علاقاتهم بارقى و اكبر شعوب الأرض وثيقة، لا يمكن عدهم همجا، و شعبا بلا حضارة.

ثم إنه يستدل- في موضع آخر من كتابه- على حضارة العرب الغابرة بآدابهم و وحدة و كمال لغتهم اذ يقول:

«و لو كان التاريخ صامتا إزاء حضارة لقطعنا- مع ذلك- بوجودها قبل ظهور «محمّد» بزمن طويل، و يكفي لتمثّلها أن نذكر أنه كان للعرب آداب ناضجة و لغة راقية.

و الحق أنّ الآداب و اللغة من الامور التي لا تأتي عفوا، و هي تتخذ دليلا على ماض طويل، و ينشأ عن اتّصال امة بأرقى الامم اقتباسها لما عند هذه الامم الراقية من التمدن إذا كانت أهلا لذلك».

(2) و قد خصص المؤلف المذكور صفحات عديدة في كتابه لإثبات حضارة عريقة و عظيمة للعرب قبل الإسلام معتمدا في ذلك على ثلاث امور:

1- وجود لغة راقية.

40

2- وجود علاقات مع الامم الراقية.

3- وجود قصور و أبنية ضخمة، و فخمة في اليمن كما يصفها المؤرخان المسيحيان المعروفان «هيردوتس» و «ارتميدور» اللذان كانا يعيشان قبل المسيح بقرون، و قدامى المؤرخين المسلمين كالمسعودي‏ (1).

(1) لا كلام في أنه كانت هناك في بعض مناطق الجزيرة العربية بعض حضارات، و لكن الأدلة التي استند إليها المؤلف المذكور لا يمكن ان تكون شاهدا و دليلا على وجود الحضارة في جميع نقاط الجزيرة العربية أبدا.

صحيح أن تكامل اللغة يسير جنبا الى جنب مع غيره من مظاهر المدنيّة، و لكن لا يمكن ان نعتبر اللغة العربية لغة مستقلة و غير مرتبطة باللغات الاخرى اي العبرانية و السريانية و الآشورية و الكلدانية، لأن جميع هذه اللغات- حسب ما يؤيده و يؤكده المتخصصون في علم اللغات- كانت ذات يوم- متحدة الأصل، و قد تشعبت من لغة واحدة، و في هذه الحالة يحتمل أن تكون اللغة العربية قد حققت تكاملها عبر اللغة العبرانية أو الآشورية، و بعد تكاملها أصبحت لغة مستقلة، أي ان الآخرين أسهموا في تكميلها.

(2) كما أنه لا شك أنّ وجود علاقات تجارية مع الامم و الشعوب الراقية هو الآخر دليل على الحضارة و المدنية إلّا أنه هل كانت جميع مناطق الجزيرة العربية تملك مثل هذه العلاقات، أم إن اكثرها كانت محرومة من ذلك؟

هذا من جهة.

و من جهة اخرى فان وجود علاقات بين حكومتين في الحجاز و هما: «الحيرة و غسان» و بين حكومتي «الفرس» و «الروم» لا يدل أبدا على وجود حضارة في المنطقتين الحجازيتين إذ أن جميع هذه الحكومات كانت متصفة بالعمالة، فان الكثير من البلاد الافريقية هي اليوم من مستعمرات الدول الاوربية و مع ذلك لا توجد فيها أية مؤشرات و لا أية مظاهر من الحضارة الغربية الواقعية.

____________

(1) حضارة العرب: 78- 100.

41

(1) طبعا لا يمكن إنكار حضارة «سبأ و مأرب اليمن» العجيبة لأنه مضافا إلى ما جاء حول هذه الحضارة في التوراة، و ما نقل عن «هيردوتس» و غيره، كتب المؤرخ المعروف «المسعودي» عن مأرب يقول: إن أرض سبأ كانت من أخصب أراضي اليمن و أثراها و أغدقها، و اكثرها جنانا و غيطانا و أفسحها مروجا، بين بنيان و جسد مقيم و شجر موصوف و مساكب للماء متكاثفة، و أنهار متفرقة، و كانت مسيرة اكثر من شهر للراكب المجدّ على هذه الحال، و في العرض مثل ذلك، و انّ الراكب أو المارّ كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي الى آخرها لا يرى جهة الشمس، و لا يفارقه الظل لاستتار الارض بالعمارة و الشجر و استيلائها عليها و احاطتها بها، فكان أهلها في اطيب عيش و ارفهه، و أهنا حال و ارغده، و في نهاية الخصب و طيب الهواء و صفاء الفضاء، و تدفّق المياه و قوة الشوكة، و اجتماع الكلمة، و نهاية المملكة ... فذلّت لهم البلاد، و اذعن لطاعتهم العباد فصاروا تاج الارض» (1).

(2) و خلاصة القول أن هذه الدلائل لا تدل على وجود حضارة في كل مناطق الجزيرة العربية و خاصة منطقة الحجاز التي لم تذق طعم الحضارة أبدا، حتى أن «غوستاف‏لوبون» نفسه يعترف بهذه الحقيقة إذ يقول: «ان جزيرة العرب نجت من غزو الأجنبي خلا ما أصاب حدودها الشمالية، و إن عظماء الفاتحين من مصريين و أغارقة و رومان و فرس و غيرهم ممن انتهبوا العالم لم ينالوا شيئا من جزيرة العرب التي أوصدت دونهم أبوابها» (2)

و على فرض صحة كل ما قيل عن وجود حضارة شاملة في جميع مناطق الجزيرة العربية فانه يجب القول بان القدر المسلّم في هذا المجال هو انه لم يبق أي اثر من هذه الحضارات في منطقة الحجاز، إبان طلوع الإسلام، و بزوغ شمسه، و هي حقيقة يصرح بها القرآن الكريم اذ يقول تعالى: «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» (3).

____________

(1) مروج الذهب: ج 2 ص 161 و 162.

(2) حضارة العرب: ص 93.

(3) آل عمران: 103.

42

و ينبغي هنا أن نقف عند القرآن الكريم قليلا- كما وعدنا بذلك- فانه خير مرآة تعكس أحوال العرب و أوضاعهم بدقة متناهية و بشمولية ما وراءها شمولية.

ملامح المجتمع الجاهلي العربي في منظور القرآن:

إن القرآن يكشف إجمالا عن أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعث إلى قوم لم يبعث إليها احد قبله اذ يقول: «وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (1).

و يقول في آية اخرى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» (2).

و من المعلوم أن المقصود في هاتين الآيتين و نظائرهما هم قريش و القبائل القريبة إليها.

على أن أشمل وصف قرآنيّ لأوضاع المجتمع العربي الجاهلي و أحواله هو قول اللّه تعالى: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (3).

فإنّ هذه الآية تصوّر حياة العرب تصويرا مرعبا، اذ تصوّرهم اولا و كأنهم قد سقطوا في قعر بئر الجاهلية، و الضلال و الشقاء فلا ينقذهم شي‏ء من قعر التردي و السقوط الّا التمسّك بحبل اللّه، حبل الإيمان و القرآن.

و تصوّرهم ثانيا و كأنهم على شفير جهنم يوشكون أن يسقطوا فيه و يهووا في نيرانه، و ليست تلك النار إلّا نيران العداوات و الحروب التي لو لم يقض عليها الإسلام بتعاليمه لأحرقت حياة العرب جميعا.

هذه هي صورة سريعة عما كان عليه العرب في الجاهلية من جهل و سقوط.

و امّا تفصيل ذلك فيمكن الوقوف عليه بمراجعة الآيات الاخرى التي‏

____________

(1) القصص: 46.

(2) السجدة: 3.

(3) آل عمران: 103.

43

تعرضت لذكر عادات العرب و أخلاقهم، و أفعالهم و تقاليدهم، بصورة مفصلة، و ها نحن نشير هنا إلى تلكم العادات و الاخلاق الفاسدة على ضوء تلك الآيات على نحو الاختصار تاركين التوسع في ذلك إلى مجال آخر.

لقد اتصف المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام و شاعت فيه أخلاق و عادات من أبرزها ما يلي:

1- الشرك في العبادة:

صحيح أن العرب في الجاهلية كانت- كما يكشف القرآن ذلك لنا- موحّدة في جملة من الامور و المجالات كالخالقية و التدبير و الذات‏ (1) إلّا أنهم كانوا- في الأكثر- مشركين في العبادة، بل قد ذهبوا في هذا السبيل الباطل إلى أحطّ المستويات في اتّخاذ المعبودات و الوثنية.

و إلى ذلك يشير قوله تعالى: «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَصِفُونَ» (2).

و قوله تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏» (3).

و غير ذلك من الآيات التي تشير إلى ما كان يعبده الجاهليّون من أوثان و أصنام و مبلغ ما وصلوا إليه من انحطاط، و اسفاف و انحراف في هذا المجال.

2- إنكار المعاد:

كان المشركون و الجاهليون يرفضون الاعتراف بالمعاد الذي يعني عودة الإنسان إلى الحياة. في عالم آخر للحساب و الجزاء، و يصفون من يخبر عن ذلك‏

____________

(1) نعم يستفاد من آية واحدة أنّه كان هناك اتجاه نادر بين العرب في الجاهلية ينسب الظواهر الطبيعية إلى الطبيعة و الدهر يقول اللّه تعالى: «وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» (الجاثية 24).

(2) الأنعام: 100.

(3) النجم: 19 و 20.

44

اليوم بالجنون او الكذب على اللّه!!

يقول تعالى: «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى‏ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَ الضَّلالِ الْبَعِيدِ» (1).

3- هيمنة الخرافات:

لقد كانت حياة العرب الجاهلية مليئة بالخرافات التي كان منها تحريمهم الأكل من أنعام أربعة ذكرها القرآن منددا بهذه البدعة اذ قال: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (2).

أمّا (البحيرة) بوزن فعيلة بمعنى مفعولة من البحر و هو الشق، فهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن آخرها انثى- و قيل ذكر- بحروا اذنها و شقوها ليكون ذلك علامة و تركوها ترعى، و لا يستعملها أحد في شي‏ء.

و أمّا (السائبة) على وزن فاعلة بمعناها أو بمعنى مفعولة فهي الناقة إذا نتجت اثني عشر بطنا- و قيل عشرة- فهي تهمل و لا تركب. و لا تمنع عن ماء، و لا يشرب لبنها إلا ضيف.

و أمّا (الوصيلة) بوزن فعيلة بمعنى فاعلة او بمعنى مفعولة فهي الشاة تنتج سبعة أبطن او تنتج عناقين عناقين.

و أمّا (الحامي) بوزن فاعل من الحمى بمعنى المنع فهو الفحل من الإبل الذي يستخدم للقاح الأناث، فاذا ولد من ظهره عشرة أبطن قالوا: حمي ظهره فلا يحمل عليه، و لا يمنع من ماء و مرعى‏ (3)

و الظاهر ان هذا المذهب تجاه هذه الانواع من الانعام كان بدافع الاحترام‏

____________

(1) سبأ: 7 و 8.

(2) المائدة: 103.

(3) راجع مجمع البيان: ج 3 ص 252 و 253 في تفسير الآية.

45

و الشكر لما وهب أصحابها من النعم و البركات، غير أن هذا العمل- كان في حقيقته- نوعا من الإيذاء و الإضرار بهذه الحيوانات، لأنهم كانوا يهملونها و يحرمونها من العناية اللازمة فكانت تشقى بقية حياتها، و تقاسي من الحرمان، مضافا إلى ما كان يصيبها من التلف و الضياع، و ما يلحق ثروتهم و النعم التي و هبها اللّه لهم من هذا الطريق من الضرر و الخسارة.

و الأسوأ من كل ذلك أنهم- كما يستفاد من ذيل الآية- كانوا ينسبون هذه المبتدعات المنكرات و هذا المنع و الحظر إلى اللّه سبحانه و تعالى، اذ يقول سبحانه:

«وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» و قد أعلم اللّه في مطلع الآية أنه لم يحرّم من هذه الاشياء شيئا، و أنهم ليكذبون على اللّه بادّعائهم أن هذه الأشياء من فعل اللّه أو أمره.

و قد أشار القرآن إلى هذه الخرافات التي كانت تكبّل عقول الناس في ذلك المجتمع اذ يقول: «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» (1).

4- الفساد الاخلاقي:

كان المجتمع الجاهلي العربي يعاني من فساد ذريع في الاخلاق و قد أشار القرآن الكريم الى اثنين من أبرز وسائل الفساد و مظاهره هما: القمار (الذي كانوا يسمّونه بالميسر و انما اشتق من اليسر لأنه اخذ مال الرجل بيسر و سهولة من غير كدّ و لا تعب) و الخمر.

و قد بلغ شغفهم بالخمر أنهم أعرضوا عن قبول الإسلام و اعتناقه لأنه يحرّم تناول الخمر و شربه، كما نقرأ ذلك في قصة الاعشى عما قريب.

يقول القرآن في هذا الصعيد: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» (2).

و قد استطاع القرآن الكريم عبر مراحل أربع أن يستأصل هذه العادة البغيضة

____________

(1) الأعراف: 157 و راجع المحبر ص 330- 332.

(2) البقرة: 219.

46

التي كانت قد تجذرت بشكل عجيب في نفوس ذلك القوم، حتى اصبحت السمة البارزة لحياتهم و أصبح التغنّي بالخمرة، و وصفها الطابع الغالب لآدابهم، و اللون البارز الذي يصبغ قصائدهم و اشعارهم.

على أن الفساد الأخلاقي في المجتمع الجاهلي العربيّ قبل الإسلام لم يكن ليقتصر على معاقرة الخمر، و مزاولة الميسر بل تعدى إلى ألوان اخرى ذكرها القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعا، حيث عدّ منها الزنا، و اللواط، و القذف، و إكراه الفتيات على البغاء و ما شاكل ذلك‏ (1).

5- وأد البنات و إقبارهن:

و يشير القرآن الكريم أيضا إلى عادة جاهلية سيئة اخرى كانت رائجة بين قبائل العرب الجاهلية قاطبة و هي دفن البنت حية.

فقد شجب القرآن الكريم هذه العادة البغيضة و هذا العمل اللالساني و نهى عنه بشدة في اربعة مواضع، إذ قال تعالى: «وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» (2). و قال تعالى: «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً» (3).

و قد اتى جد «الفرزدق» «صعصعة بن ناجية بن عقال» رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عدّ من اعماله الصالحة في الجاهلية أنه فدى مائتين و ثمانين موؤدة في الجاهلية، و أنقذهنّ من الموت المحتّم باشترائهنّ من آبائهن بأمواله.

و قد افتخر «الفرزدق» بإحياء جدّه للموءودات في كثير من شعره اذ قال:

و منّا الذي منع الوائدات‏--و أحيا الوئيد فلم يوأد (4)

____________

(1) راجع للوقوف على ذلك سورة النساء: 15 و 16. و سورة النور: 2 و 3 و غيرها. و راجع المحبر:

ص 340.

(2) التكوير: 8 و 9.

(3) الإسراء: 31.

(4) بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3 ص 45 و 46.

47

6- تصوراتهم الخرافية حول الملائكة:

و ممّا أشار إليه القرآن الكريم تصورات العرب الجاهلية حول الملائكة، فقد كانوا يعتقدون أن الملائكة من الإناث و أنهن بنات اللّه، اذ يقول تعالى:

«فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ. أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ. ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1).

7- كيفية الانتفاع من الانعام:

إذا كانت العرب الجاهلية تمتنع من تناول لحوم الأنعام الاربعة المذكورة آنفا و تجتنب عن استعمال ألبانها و شعورها و أصوافها. إلا أنها كانت في المقابل تتناول الدم، و الميتة و الخنزير، و تأكل من الحيوانات و الأنعام التي تقتلها بصورة قاسية، و بالتعذيب و الأذى، و ربما كانت تعتبر ذلك نوعا من العبادة، و يعرف ذلك من الآية التالية التي نزلت تنهى بشدة عن أكل هذه اللحوم، و تحرّم تناولها، اذ يقول سبحانه: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ» (2).

فقد حرم اللّه في هذه الآية اكل:

1- الميتة.

2- الدم.

3- لحم الخنزير.

4- ما ذكر اسم غير اللّه عليه.

5- التي تموت خنقا، و هي المنخنقة.

____________

(1) الصافّات: 149- 154.

(2) المائدة: 3.

48

6- التي تضرب حتى تموت، و هي الموقوذة.

7- التي تقع من مكان عال فتموت و هي المتردية.

8- التي تموت نطحا من حيوان آخر و هي النطيحة.

9- ما افترسه سبع إلا اذا ذكي قبل موته.

10- و ما ذبح أمام الاصنام.

8- الاستقسام بالازلام:

فقد كان تقسيم لحم الذبيحة يتم عن طريق الأزلام، و الأزلام جمع (زلم) بوزن (شرف) و هي عيدان و سهام تستخد في ما يشبه القرعة لتقسيم لحم الذبيحة.

فقد كان يشتري عشرة أنفار معيرا ثم يذبحونه، ثم يكتبون على سبعة منها أسهما مختلفة من الواحد الى السبعة و لا يكتبون على ثلاثة منها شيئا، ثم يجعلونها في كيس ثم يستخرجونها واحدة بعد اخرى، كل واحدة باسم أحدهم فيأخذ كل واحد منهم من الذبيحة ما خرج له من السهم، و هكذا يقتسمون الذبيحة بينهم‏ (1)، فنهاهم اللّه عن ذلك بقوله: «وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ» لأنّه ضرب من القمار الذي ينطوي على مفاسد الميسر و القمار.

9- النسي‏ء:

كان العرب الجاهليون يعتقدون حرمة الاشهر الحرم (و هي أربعة المحرم و رجب و ذو القعدة و ذو الحجة) فكانوا يتحرجون فيها من القتال، و جرت عادة العرب على هذا من زمن إبراهيم و اسماعيل (عليهما السلام).

الّا أن سدنة الكعبة أو رؤساء العرب كانوا يعمدون أحيانا، و لقاء مبالغ يأخذونها، أو جريا مع أهوائهم، الى تأخير الاشهر الحرم، و هو الأمر الذي عبّر

____________

(1) راجع للوقوف على تفصيل هذه الطريقة بلوغ الارب: ج 3 ص 62 و 63، و المحبر: ص 332- 335.

49

عنه القرآن الكريم بالنسي‏ء ثمّ نهى عنه و عدّه كفرا اذ قال: «إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» (1).

و قد ذكرت كتب التاريخ و السير كيفية النسي‏ء و تأخير الأشهر الحرم، الذي كان يتم بصور مختلفة منها: أن جماعة ما لو كانت ترغب في استمرار الغارة و القتال و لم تطق تأخير النضال مدة الاشهر الحرم كانت تطلب من سدنة الكعبة، لقاء ما تقدمه لهم من هدايا و اموال، تجويز الغارة و القتال في شهر محرم، و تحرم القتال في شهر صفر بدله ليتم عدد الأشهر الحرم (و هي اربعة). و هذا هو معنى قوله تعالى: «لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ» و كانوا إذا أحلّوا القتال و الغارة في المحرم من سنة حرّموه في المحرم من السنة التالية، و هذا هو معنى قوله تعالى:

«يُحِلُّونَهُ عاماً، وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً».

10- الربا:

و ممّا يشير إليه القرآن الكريم من المفاسد الشائعة، و الأعمال المنكرة في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام: «الربا» الذي كان يشكل العمود الفقري في اقتصاد ذلك المجتمع.

و قد حارب القرآن الكريم هذه العادة المقيتة، و هذا الفساد الاقتصادي حربا شعواء، إذ قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ» (2).

و العجيب أنهم كانوا يبرّرون هذا العمل اللاإنساني بقولهم‏ «إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا» (3) فاذا كان البيع حلالا و هو اخذ و عطاء فليكن الرّبا كذلك حلالا، فإنه أخذ و عطاء أيضا، مع أن «الرّبا» من ابشع صور الاستغلال، و قد ردّ

____________

(1) التوبة: 37.

(2) البقرة: 278 و 279.

(3) البقرة: 5/ 21.

50

سبحانه على هذه المقالة بقوله تعالى: «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا» (1) ففي البيع و الشراء يتساوى الطرفان في تحمل الضرر المحتمل، بينما لا يتضرر المرابي في النظام الربوي أبدا و إنّما يلحق الضرر بمعطي الربا دائما، و لهذا تنمو المؤسسات الربوية، و يعظم رصيدها، و ثروتها يوما بعد يوم فيما يزداد الطرف الآخر بؤسا و فقرا، و لا يحصل من جهوده المضنية إلا على ما يسدّ جوعته، و يقيم اوده، لا اكثر، كل ذلك نتيجة لهذا الاسلوب الاقتصادي غير العادل.

صور من الوضع الجاهلي‏

ما قدمناه كان أبرز المفاسد الاخلاقية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي أشار إليها القرآن الكريم، و أما التاريخ فملي‏ء بالصور و القصص التي تحكي عن تردي حالة العرب الجاهلية و سقوطها الفضيع في قعر الفساد في جميع المناحي و الجهات.

و إليك في ما يلي نماذج و صور معدودة تكفي للوقوف على الحالة العامة في ذلك المجتمع نقتبسها لك من أصح المصادر و اوثقها:

(1) و ها نحن نقدم قصة «أسعد بن زرارة» التي تسلط الضوء على ما كان عليه الوضع الجاهلي في اكثر مناطق الحجاز، فقد قدم «أسعد بن زرارة» و «ذكوان بن عبد قيس»- و هما من الأوس و كان بين الاوس و الخزرج حرب قد بقوافيها دهرا طويلا، و كانوا لا يضعون السلاح لا بالليل و لا بالنهار، و كان آخر حرب بينهم «يوم بعاث» و قد انتصر فيها الأوس على الخزرج- مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الاوس، و كان اسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال: انه كان بيننا و بين قومنا حرب و قد جئناك نطلب الحلف عليهم، فقال له عتبة: إن لنا شغلا لا نتفرّغ لشي‏ء. قال سعد: و ما شغلكم و أنتم في حرمكم و أمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنّه رسول اللّه سفّه أحلامنا، و سبّ آلهتنا و أفسد

____________

(1) البقرة: 275.

51

شبّاننا، و فرّق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب من أوسطنا شرفا، و أعظمنا بيتا.

(1) و كان أسعد و ذكوان، و جميع الاوس و الخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم: النضير و قريظة و قينقاع، أن هذا أوان نبيّ يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنكم به يا معشر العرب، فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو؟ قال: جالس في الحجر، و إنّهم لا يخرجون من شعبهم إلّا في الموسم، فلا تسمع منه و لا تكلمه فانه ساحر يسحرك بكلامه، و كان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في شعب أبي طالب، فقال له «أسعد»:

فكيف أصنع و أنا معتمر لا بدّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضع في اذنيك القطن، فدخل «أسعد» المسجد و قد حشا اذنيه بالقطن، (2) فطاف بالبيت و رسول اللّه جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني؟ أ يكون مثل هذا الحديث بمكة فلا اتعرّفه حتى ارجع الى قومي فاخبرهم، (3) ثم أخذ القطن من اذنيه و رمى به، و قال لرسول اللّه: أنعم صباحا، فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رأسه إليه و قال: قد أبدلنا اللّه به ما هو احسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم، قال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمّد؟ قال: إلى شهادة ألّا إله إلّا اللّه، و اني رسول اللّه، و أدعوكم الى: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (1).

____________

(1) الأنعام: 151 و 152.

52

(1) فلما سمع «أسعد» هذا قال له: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنك رسول اللّه، يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي ... (1).

إن الامعان في مفاد هاتين الآيتين يغنينا عن دراسة شاملة و واسعة لاوضاع العرب الجاهلية لأن هاتين الآيتين تكشفان عن الأمراض الاخلاقية التي كانت تكتنف حياة العرب الجاهلية، و لهذا تلا رسول اللّه الآيات التي تشير إلى هذه الادواء و الأمراض ليلفت نظر «سعد» إلى أهداف رسالته الكبرى.

(2)

العقيدة و الدين في الجزيرة العربية:

عند ما رفع «إبراهيم الخليل» لواء التوحيد في البيئة الحجازية، و أعاد بناء الكعبة المعظمة و رفع قواعدها بمعونة ابنه «اسماعيل»، تبعه في ذلك طائفة من الناس ممن أنار اللّه به قلوبهم، الّا انه من غير المعلوم إلى ايّ مدى استطاع ذلك النبي العظيم أن يعمّم دين التوحيد و يبسط لواءه على الجميع، و يؤلف صفوفا متراصة، و جبهة عريضة قوية من الموحدين، غير ان من المعلوم انه اصبحت تلك المنطقة مسرحا للوثنية و لعبادة الاشياء المختلفة مع الايام فقد كانت الطبقة المثقفة من العرب تعبد الكواكب و القمر، فهذا هو المؤرخ العربي الشهير الكلبي الذي توفى عام 206 هجرية يكتب في هذا الصدد قائلا كان «بنو مليح» من خزاعة يعبدون الجن و كانت «حمير» تعبد الشمس، و «كنانة» تعبد القمر، و «تميم» الدبران، و «لخم» و «جذام» المشتري، و «طي» سهيلا، و «قيس» الشعرى، و «أسد» عطاردا.

(3) أما الدهماء و الذين كانوا يشكلون اغلبية سكان الجزيرة فقد كانوا يعبدون- مضافا إلى الصنم الخاص بالقبيلة أو العائلة- ثلاثمائة و ستين صنما، و كانوا ينسبون أحداث كل يوم من أيام السنة إلى واحد منها.

و قد دخلت عبادة الأصنام و الأوثان في مكة بعد «إبراهيم الخليل»

____________

(1) بحار الأنوار: ج 19 ص 8 و 9، اعلام الورى: ص 35- 40.