تعريب سيد المرسلين - ج2

- جعفر الهادي المزيد...
553 /
3

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[المقدمة]

مميّزات النهضة الالهية و خصائصها خصيصة «الخلود» و العمق في شخصية رسول الاسلام‏

المصادر الاولى و الأصيلة للكتابة عن سيرة النبيّ:

تشبه نهضة «الأنبياء» الالهية التي قام بها رسل اللّه و سفراؤه لتخليص البشرية من براثن الأوهام، و الخرافات، و لانقاذها من جور المستكبرين و ظلم الظالمين أكثر شي‏ء بأمواج البحر التي تبدأ بدوائر صغيرة محدودة، و لكنّها كلما ابتعدت عن مركز الدائرة ازدادت اتساعا و اتساعا، و اشتدت قوتها اكثر فاكثر.

إن الانقلاب المعنويّ العريض و التحوّل الروحيّ العظيم الذي وضعت اسسه في أرض مكة على يدي رسول الاسلام العظيم أضاء بشعاعه و نوره الباهر في اليوم الاوّل غار حراء و ثم منزل خديجة و بعض البيوت المتواضعة في مكة فقط، و لكنه اتسع نطاقه بمرور الزمان، حتى عمّ في مدة ليست بالطويلة شرق الارض و غربها، و دوّى نداء التوحيد في منطقة واسعة جدا من العالم (ابتداء من فرنسة و انتهاء بجدار الصين و ما وراءه) (1).

____________

(1) لقد كتبت هذه المقدّمة و ما بعده خلال تواجدي في الصين عام 1408 و قد جئت إليها في مهمة استطلاعية و تبليغية اسلامية، و قد زرت في نفس الفترة التي كنت فيها مشتغلا بكتابة هذه المقدمة المسجد الجامع في- بكين- العاصمة، و التقيت بامام ذلك المسجد الذي رحّب بي و بمن كان معي أشد ترحيب، و اتحفني بنسخة من ترجمة القرآن الكريم باللغة الصينية، وزرت خلال وجودي في ذلك المسجد قبر رجلين مسلمين من ايران أحدهما تاجر، و الآخر عالم جاءا إلى الصين في القرن السادس الهجري، و نشرا الاسلام في بكين و ما حولها، و قد نصبت عند قبرهما لوحتان من المرمر نقش عليهما اسمهما، و خصوصياتهما بالاحرف العربية.

و هناك تذكرت حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «اطلبوا العلم و لو بالصين».

قلت في نفسي: لعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقصد فيما يقصد في هذا الحديث دفع‏

4

إن مؤسّسي هذا النوع من النهضات الدينية (1) يتمتعون- من حيث الاخلاق و الفضائل الانسانية- بخصيصة الخلود و اللانهاية فان الزمن يكشف باستمرار عن أبعاد أوسع و آفاق جديدة من شخصياتهم فهي تتسع كلما تقادم بها العهد تماما كأمواج البحر، و كأن الأنبياء نسخة ثانية من الطبيعة، فكما أننا كلما أمعنا أكثر في الطبيعة ظهرت لنا منها حقائق اكثر، و انكشفت لنا رموز و أسرار جديدة لم نعهدها من قبل فهكذا شخصيات الأنبياء و المرسلين، و سفراء اللّه الى البشرية.

و تتجلى هذه الحقيقة أكثر- فأكثر كلما تعاظمت شخصية من تلك الشخصيات-.

و خلاصة القول أننا كلما ازددنا تعمقا و امعانا فيهم. اكتشفنا أسرارا كثيرة، و حقائق جديدة عن حياتهم.

و يدل على كلامنا هذا تلك المؤلفات الكثيرة الوافرة التي كتبها علماء التاريخ و أصحاب السير، قديما و حديثا، حول رسول الاسلام العظيم (صلّى اللّه عليه و آله) و لكن مع ذلك كله كلما تقادم العهد به، و كلما اتسعت النظرات و ازدادت عمقا

____________

المسلمين إلى نشر مبادئ الاسلام في تلك البلاد العريضة التي تضم خمس سكان العالم.

و قد قام المسلمون الغيارى على دينهم، الحريصون على نشره و بثه بهذه المهمة فيما سبق و أدوا ما كان عليهم. فما ذا فعلنا نحن؟

و هل ترى يجوز أن يجهل خمس سكان العالم دين اللّه، و لا ينعموا بخيراته؟!

أم هل ترى يجوز في شريعة الانصاف أن يعاني ذلك الشعب الكبير من الاباطرة الطغاة في الماضي، و من الانظمة و الايديولوجيات الجائرة الملحدة في الحاضر، هذا و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحرص على هداية فرد واحد، و القرآن يقول: «من احياها فكأنما أحيى الناس جميعا»؟؟

هل خصصت نهضة الأنبياء الالهية برقعة صغيرة من الارض هي الجزيرة العربية، و ما حولها؟ أم أنها رحمة للعالمين جميعا؟

سؤال نطرحه على ابناء الاسلام دعاة و رعايا، حكومات و شعوبا لعلهم يتفكرون؟ (جعفر الهادي).

(1) المقصود من الدين هو المنهاج الواسع الشامل الذي يتكفل سعادة البشرية في الحياتين الدنيا و الأخرى و ليس مجرد سلسلة من الطقوس الفارغة الخاوية كما هو الحال في المسيحية الحاضرة.

5

اكتشف المحققون مزيدا من الآفاق، و جديدا من الابعاد في هذه الشخصية الإلهية.

و لقد كان تعاطي السيرة النبوية و الحديث حولها في البداية منحصرا (أو بالاحرى مقتصرا) على مشاهدات أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مسموعاتهم.

و مع ظهور جيل جديد يدعى بالتابعين بعد وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) اتخذت الاحاديث و السنن الاسلاميّة، و تفاصيل الحياة النبويّة، و قصص غزواته و حروبه رونقا جديدا، و أحسّ الجيل الجديد برغبة شديدة في أخذ الاحاديث الاسلامية، و التعرف على الحوادث التي وقعت في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و أيّام حياته من مولده إلى وفاته.

و كلما ازدادت حالات الوفاة، في أوساط الصحابة و التابعين الذين كانوا يشكّلون المنبع الأوّل و المصدر الأصيل لهذا النوع من العلوم الاسلامية، اتسع الاهتمام بالسيرة و ما شابهها و تعاظمت الرغبة فيها و تزايد عطش المسلمين إلى اخذ و معرفة الأحاديث التي تتضمن بيان خصوصيات حياة رسول الاسلام (صلّى اللّه عليه و آله)، و جزئيات سيرته الطاهرة. هذا من جانب.

و من جانب آخر كان تشدّد الخليفة الثاني‏ (1)، و منعه عن كتابة أحاديث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد أوجب أن يندثر كثير من الأحاديث الاسلامية، التي سمعها بعض أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و تدفن تحت التراب بموتهم.

و لقد استمر منع الخليفة عن كتابة الحديث النبوي و بقي ساري المفعول لمدة طويلة بعد وفاته‏ (2)، حتى أتى الى الحكم خليفة معتدل السيرة من الأمويين هو:

«عمر بن عبد العزيز» فأمر- في رسالة وجّهها الى أبي بكر بن حزم حاكم المدينة

____________

(1) تقييد العلم: ص 48- 53.

(2) لم يترك نهي الخليفة أي أثر على علماء الشيعة الذين كانوا يتبعون عليا (عليه السلام)، فقد عمدوا في فترة محدودة الى تدوين و ضبط الأحاديث، و حفظوا كنوزا عظيمة من علوم اهل البيت النبوي، للتوسع في هذا المجال راجع كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام».

6

و قاضيها- بكتابة احاديث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خوفا من اندراس العلم و زواله‏ (1).

أئمة السيرة:

و من حسن الحظ أن الخليفة الثاني لم يمنع إلّا من تدوين و كتابة الأحاديث النبويّة، فلم يشمل هذا المنع كتابة الحوادث و الوقائع التي وقعت في عصر الرسالة.

و لهذا الّفت في تلك الفترة كتب كثيرة عن حياة رسول الاسلام (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و أوّل من كتب حول وقائع عصر الرسالة، و أرخ حوادث الصدر الأوّل من الاسلام هو: «عروة بن الزبير بن العوّام» الصحابي المعروف الذي توفي عام 92 أو 96 من الهجرة (2)

ثم عمد بعد جماعة في المدينة و آخرون في البصرة الى جمع و تدوين تفاصيل السيرة، و حروب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و غزواته، و بيان هذا الأمر على نحو التفصيل خارج عن نطاق هذه الدراسة.

و لقد كانت هذه الكتب و المؤلفات هي المنبع و الاساس للكتب التي دوّنت فيما بعد في صورة كتب السيرة النبويّة، أو تاريخ الاسلام.

و قد بدأ تدوين سيرة النبيّ الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) بشكل جميل و بصورة بديعة منذ أوائل المنتصف الثاني من القرن الثاني الاسلامي، و كان من بين من قام بجهد مشرف و مشكور في هذا المجال العالم الشيعي الكبير محمد بن اسحاق المتوفى عام 151 فهو أول من استخرج تفاصيل الوقائع الاسلامية من كتب الماضين، و من‏

____________

(1) ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: ج 1 ص 195 و 196.

(2) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام: ص 233.

اختلفت الاقوال في من هو أول من صنف في علم المغازي و السير في الاسلام.

فقال السيوطي في كتاب الاوليات بأنه عروة بن الزبير.

و قال الافندي في كشف الظنون أنه محمد بن اسحاق.

و الحق انه لا الاول و لا الثاني بل عبيد اللّه بن أبي رافع فانه تقدمهما في التصنيف في السير و المغازي.

7

ثنايا رواياتهم و منقولاتهم و ألفها و اخرج شيئا جامعا حول السيرة النبويّة إلى عالم الكتب و المؤلّفات.

كما أن أوّل من ضبط و دوّن غزوات رسول الاسلام بشكل مفصّل هو الواقدي صاحب «المغازي» و «فتوح الشام» المتوفى عام 207 ه (1).

و قد لخّصت سيرة ابن اسحاق على يد ابن هشام أبي محمد عبد الملك المتوفى عام 218 ه و عرفت فيما بعد بسيرة ابن هشام (أو السيرة الهشامية) و هو الآن معدود من مصادر التاريخ الاسلامي و سيرة النبيّ الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) الموثقة.

و لو أننا تجاوزنا هذه الشخصيات لكان لشخصيتين اخريين سهم كبير في تدوين و تسجيل تاريخ حياة رسول الاسلام، و هما:

1- محمد بن سعد الكاتب الواقدي المتوفى عام 230 ه مؤلف «الطبقات الكبرى» الذي أورد فيه سيرة النبيّ الإكرام (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه على نحو التفصيل.

و قد طبع هذا الكتاب في لندن مؤخرا، كما اعيد طبعه في لبنان في 9 مجلدات.

2- محمد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 ه مؤلف كتاب «تاريخ الامم و الملوك».

على أن تثمين جهود هذه الثلة من الكتّاب و المؤلفين لا يعني بالضرورة أن كل ما أدرجوه في مؤلفاتهم هو الثابت الصحيح، بل تحتاج مؤلفاتهم- كغيرها من المؤلفات، و الكتب- إلى التحقيق الواسع و التمحيص الدقيق.

ثم ان حركة التأليف حول شخصية رسول الاسلام (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) عدّ الشيخ الطوسي في رجاله ابن اسحاق من تلامذة الامام جعفر الصادق (عليه السلام)، و توجد نسخة خطية من سيرته في مكتبة مدرسة الشهيد المطهري بطهران حسب ما كتب صاحب الذريعة في ج 12 ص 281 فيها.

8

و سيرته استمرت بعد ذلك طيلة القرون الاسلامية اللاحقة. و نحن اليوم أمام مكتبة زاخرة من الكتب، و الدراسات، المختلفة في أحجامها و مستوياتها، و المتنوعة في طرائقها و أساليبها، التي ألّفت حول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا إنما يدل على خصيصة العمق و اللانهاية التي اتسمت بها شخصية النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الخالدة العظيمة.

و قد أراد صاحب هذه الدراسة أن يقدم للجيل الحاضر شرحا ناطقا عن حياة رسول الاسلام العظيم، في حدود ما تسمح به إمكاناته المحدودة، و لم يأل جهدا- لتحقيق هذا الهدف على وجه أفضل- في مراجعة كتب الفريقين المعتبرة، و ان اكتفى بذكر عدد قليل من المصادر عند التأليف، و قد بيّنا عذرنا من هذا في الجزء الأوّل من هذه الدراسة.

و لقد تناول الجزء الأول من هذا الكتاب حوادث مكة من بدء نشأتها إلى نهاية السنوات الثلاث عشرة الاولى من عصر الرسالة أي ما قبل الهجرة، و ها هو الجزء الثاني و هو يتناول حوادث العشر سنوات للهجرة الشريفة، و من اللّه التوفيق.

قم المقدّسة- الحوزة العلمية

جعفر السبحاني‏

21 شعبان 1392 ه

9

حوادث السنة الأولى من الهجرة (1)

26 (1)

أوّل عمل ايجابيّ للنبيّ في المدينة عقد ميثاق تعايش بين المسلمين و غيرهم:

حملت وجوه فتية الانصار المستبشرة، المبتهجة، بمقدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الاستقبال العظيم الذي قام به أغلبية الأوسيّين و الخزرجيين له حملته (صلّى اللّه عليه و آله)، على أن يعمد قبل أي شي‏ء إلى تأسيس مركز عام لتجمّع المسلمين فيه في الأوقات المختلفة، و للقيام بالاعمال التربوية و التثقيفية، و السياسية و العسكرية في رحابه.

كما أن عبادة اللّه الواحد تقع في طليعة البرامج التي جاء بها رسول الاسلام و لذا رأى من اللازم أن يعمد قبل أي عمل آخر الى بناء معبد للمسلمين حتى يتسنى لهم أن يعبدوا اللّه و يذكروه فيه في أوقات الصلوات.

أجل كانت الحاجة إلى مثل هذا المركز شديدة فلا بد من مكان ليجتمع اعضاء حزب الاسلام (حزب اللّه) كل اسبوع في يوم معين فيه، و يتشاوروا في‏

____________

(1) لا بدّ أنك أيها القارئ الكريم تتذكر جيدا أننا قصدنا من السنة الاولى للهجرة الاشهر العشرة المتبقية التي قضى رسول اللّه شهرين منها في مكة و حطّ في الباقي من شهرها الثالث (أي ربيع الاول) على أرض يثرب، بناء على هذا تكون السنة الاولى من الهجرة تسعة أشهر فقط، و تبدأ السنة الهجرية الثانية من شهر محرم الحرام (و ليس من اثنى عشر ربيع الاول).

10

شئون الاسلام و المسلمين و مصالحهم، و ليجتمع فيه عامة المسلمين مضافا إلى هذا اللقاء الاسبوعيّ مرتين كل عام لأداء صلاة العيد، فكان المسجد الذي بناه كأول عمل قام به بعد قدومه المدينة.

(1) فلم يكن المسجد على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للعبادة فقط بل كانت تلقى فيه كل أنواع العلوم و المعارف الاسلامية الشاملة للأمور التربوية و غيرها.

لقد كان يعلّم فيه كل التعاليم و المواد الدينية و العلمية، حتى الأمور المرتبطة بالقراءة و الكتابة.

و قد بقيت أغلب المساجد على هذا المنوال حتى مطلع القرن الرابع الهجريّ الاسلاميّ، فقد كانت في غير أوقات الصلاة تتحول الى مراكز لتدريس العلوم المتنوعة (1).

(2) و ربما اتخذ مسجد المدينة صورة المركز الأدبيّ، عند ما كان يلقي فيه كبار فصحاء العرب و بلغاؤهم قصائدهم المنسجمة مع التعاليم الاخلاقية و المعايير الاسلامية بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما فعل «كعب بن زهير» إذ ألقى قصيدته المعروفة «بانت سعاد» عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في المسجد، و أعطاه النبيّ الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) صلة جيّدة، و خلع عليه بخلعة عظيمة (2).

أو كما كان يفعل «حسان بن ثابت» الذي كان يدافع بشعره عن حوزة الاسلام و المسلمين اذ كان يلقي بعض قصائده في المسجد عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) راجع صحيح البخاري: ج 1 كتاب العلم، بل حتى عند فصل المراكز العلمية عن المساجد في ما بعد، بقيت المدارس تبنى و تشيّد الى جانب المساجد فكان هذا العمل يجسد الصلة الوثيقة بين العلم بالدين.

(2) السيرة النبوية: ج 2 ص 503 قال أنشد كعب بن زهير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المسجد: بانت سعاد.

11

(1) و لقد كانت مجالس الدرس و التعليم في مسجد المدينة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تتسم بروعة كبيرة بحيث عند ما شاهد وفد ثقيف مشهدا من مشاهدها انبهروا به، و عجبوا بشدة لاهتمام المسلمين بتعلم الاحكام و اكتساب المعارف و العلوم‏ (1).

كما انه كانت تمارس الامور القضائية و الفصل بين الخصومات، و اصدار الحكم على المجرمين في المسجد، فكان المسجد يومذاك بمنزلة محكمة (بكل معنى الكلمة) أي أنها تقوم بكل ما تقوم بها المحاكم اليوم.

هذا مضافا إلى أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يلقي خطبه الحماسية و الجهادية لتعبئة المسلمين من أجل مجاهدة الكفار و المشركين في المسجد.

(2) و لعل من حكمة الاجتماع في المسجد لاجل تحصيل المعارف و تعلم العلوم هو أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد بذلك أن يثبت عمليا أن العلم و الدين توأمان لا ينفكان فكلما كان هناك مركز للايمان وجب ان يكون محلا للعلم أيضا.

و أما ممارسة القضاء و القيام بالخدمات الاجتماعية، و اتخاذ القرارات العسكرية في المسجد فقد كان لأجل أن يعلن للجميع بأن دينه ليس مجرد أمر معنوي لا يتصل بالامور الدنيوية و لا تهمه قضايا الحياة و شئون المعيشة المادية، بل هو دين شامل كامل لا يحض الناس على التقوى، و لا يدعوهم إلى الايمان إلّا و يهتم أيضا بشئونهم المعيشية و إصلاح أوضاعهم الاجتماعية. فليس هو بالتالي يهتمّ بجانب و يغفل جانبا، بل هو دين شامل جامع يتكفل الأمور المادية و المعنوية معا.

(3) و لقد كان هذا التلاقي و الانسجام (بين العلم و الإيمان) محطّ اهتمام المسلمين و نصب أعينهم دائما حتى بعد ما اتخذت المراكز التعليمية و المؤسسات العلمية البحتة شكلا مستقلا و صار لها محل خاص تدرس فيه، فانهم ظلوا يبنون‏

____________

(1) تاريخ الخميس: ج 2 ص 136.

12

الجامعات الى جانب الجوامع و يشيّدون المعاهد الى جانب المساجد ليثبتوا للعالم أن هذين الأمرين اللذين يكفلان إسعاد الحياة و الانسان لا يمكن أن ينفصلا، و يبتعد بعضها عن بعض.

(1)

مع عمار بن ياسر في بناء المسجد النبويّ:

لقد ابتاع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الارض التي بركت فيها ناقته يوم قدومه المدينة، من أصحابها بعشرة دنانير لإقامة مسجد فيها. و اشترك كافة المسلمين في تهيئة موادّه الانشائية و بناه، و عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه في تشييدها أيضا. فكان (صلّى اللّه عليه و آله) ينقل معهم اللبن، و الحجارة، و بينما هو (صلّى اللّه عليه و آله) ذات مرة ينقل حجرا على بطنه استقبله «اسيد بن حضير» فقال: يا رسول اللّه اعطني أحمله عنك.

قال (صلّى اللّه عليه و آله): لا، اذهب فاحمل غيره‏ (1).

و بهذا الاسلوب العملي كشف رسول الاسلام العظيم عن جانب من برنامجه الرفيع، إذ بيّن بعمله أنه رجل عمل و ليس رجل قول، رجل فعل و ليس رجل كلام، و كان لهذا أثره الفعّال في نفوس أتباعه.

فقد أنشد أحد المسلمين بهذه المناسبة يقول:

لئن قعدنا و النبيّ يعمل‏--فذاك منّا العمل المضلّل‏ (2)

(2) و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يردّد و هو يبني و يعمل: لا عيش إلّا عيش الآخرة، اللهمّ ارحم الأنصار و المهاجرة.

و قد كان «عثمان بن عفان» ممن يهتمّ بنظافة ثيابه، و يحرص على أن يمنع عنها الغبار و التراب، فلم يعمل في بناء المسجد لهذا السبب، فاخذ عمار ينشد أبياتا تعلّمها من أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، و فيها تعريض بمن لا يعمل و يحرص على ثيابه أن لا تتسخ بالغبار:

____________

(1) بحار الأنوار: ج 19 ص 112.

(2) السيرة النبوية: ج 1 ص 496.

13

لا يستوي من يعمر المساجدا--يدأب فيها قائما و قاعدا

و من يرى عن الغبار حائدا (1)

(1) و قد أغضب مفاد هذه الابيات عثمان بن عفان، فقال لعمار مهدّدا: قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية، و اللّه إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك أي أضربك بها، و في يده عصا!!

فلما عرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بكلام عثمان غضب و قال:

«ما لهم و لعمّار، يدعوهم إلى الجنّة، و يدعونه إلى النار.

إنّ عمارا جلدة ما بين عينيّ و أنفي ..» (2).

و كان «عمار» فتى الاسلام القوي، يحمل قدرا كبيرا من اللبن و الاحجار في بناء المسجد و لا يكتفي بحمل شي‏ء قليل منها.

فكان البعض يستغل طيب قلبه و اخلاصه فيثقله باللبن و الاحجار.

و يروى أن اصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جعل يحمل كل واحد لبنة لبنة و عمار يحمل لبنتين لبنتين لبنة عنه و لبنة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) محبة منه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(3).

(2) و ذات مرة رآه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد حمّلوه ثلاث لبن أو احجار ثقيلة فشكا إليه عملهم و قال: يا رسول اللّه قتلوني يحملون عليّ ما لا يحملون فنفض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فرته‏ (4) و كان رجلا جعدا و هو يقول قولته التاريخية:

«ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، انما تقتلك الفئة الباغية» (5).

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 496، و تاريخ الخميس: ج 1 ص 345 و السيرة الحلبية: ج 2 ص 76 و مع ان ابن اسحاق صرّح باسم عثمان بن عفان و لكن ابن هشام الذي لخصّ سيرة ابن اسحاق امتنع عن تسمية عثمان. و قال صاحب المواهب الدنية: المراد في هذه الابيات عثمان بن مظعون، راجع هامش سيرة ابن هشام أيضا.

(2) تاريخ الخميس: ج 1 ص 345.

(3) السيرة الحلبية: ج 2 ص 71، البداية و النهاية: ج 2 ص 217.

(4) اي شعر راسه.

(5) المصدران السابقان‏

14

(1) و قد كان هذا الخبر الغيبي من الدلائل القوية على نبوة الرسول الكريم صلى اللّه عليه و آله و صدق دعواه، و صحة إخباراته، فقد وقع ما أخبره كما أخبر، فقد قتل «عمّار» و هو في التسعين من عمره في معركة صفين عند ما كان يقاتل جيش الشام بين يدي علي (عليه السلام)، فقتله أنصار معاوية، و قد أحدث هذا الخبر الغيبي أثرا عجيبا في حياة المسلمين فقد جعله المسلمون معيارا لمعرفة الحق، أي كانوا يعرفون حقانية أي جهة من الجهات و أي طرف من الأطراف في الصراعات و النزاعات بانضمام عمّار إليه.

و عند ما قتل عمّار في ساحة القتال بصفين، دبّ في أهل الشام اضطراب عجيب.

فالذين كانوا في شك في حقانية «عليّ» (عليه السلام) و موقفه في هذه الحرب بفعل الدعاية المضادة التي كان يقوم بها معاوية و مساعده عمرو بن العاص ضد الامام قد انتبهوا على خطائهم و عرفوا بمقتل «عمّار» على أيدي أنصار معاوية بأن عليا على حق و أن معاوية و جماعته هي الفئة الباغية التي أخبر عنها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و من هؤلاء «خزيمة بن ثابت» الأنصاريّ الذي خرج مع الإمام عليّ (عليه السلام) لقتال معاوية، و لكنّه كان متردّدا في مقاتلته، بيد أنه جرد سيفه بعد مقتل «عمّار» على أيدي أهل الشام، و حمل عليهم‏ (1).

(2) و منهم «ذو الكلاع» الحميري الذي خرج على رأس عشرين ألف مقاتل و هم تمام رجال قبيلته، مع معاوية لمحاربة الامام عليّ (عليه السلام) و كان معاوية يعتمد على نصرته اعتمادا كبيرا، حتى أنه لم يقدم على اتخاذ قرار الحرب إلّا بعد أن اطمأنّ الى تأييده له، و مشاركته في قتال علي (عليه السلام).

فقد صدم القائد المخدوع بشدة عند ما سمع بوجود «عمّار» في معسكر الامام «علي».

____________

(1) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 385 و وقعة صفين لابن مزاحم.

15

فأراد رجال معاوية أن يموهوا الأمر، و يشوشوه عليه فقالوا: ما لعمار و لصفين؟ فذلك ما يقوله أهل العراق و ما يبالون من الكذب.

(1) و لكن ذا الكلاع لم يقتنع بهذا فقال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه أ ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن عمارا تقتله الفئة الباغية»؟

فقال عمرو: أجل، و لكن ليس عمار في رجال علي.

فقال ذو الكلاع: فلا بدّ اذن أن أعرف ذلك بنفسي.

ثم أمر رجالا بأن يتحقّقوا من الأمر. و في هذه اللحظة الحساسة ادرك معاوية و عمرو خطورة الموقف اذ لو تحقق ذو الكلاع من وجود عمّار في معسكر «علي» أو عرف بمقتله بين يديه (عليه السلام) إذن لأحدث ذلك شرخا كبيرا و تمزقا فضيعا في جيش الشام، من هنا تمت تصفية ذو الكلاع فورا اذ قتل بصورة غامضة (1).

(2) إن اشتهار هذا الحديث لدى محدثي السنة و الشيعة ليغنينا عن استعراض مصادره، و اسناده.

فقد روى الامام احمد بن حنبل أنه لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال قتل عمّار و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تقتله الفئة الباغية فقام عمرو بن العاص فزعا يرجع (أي يقول: إنا للّه و إنا إليه راجعون) حتى دخل على معاوية، فقال معاوية: ما شأنك؟ قال: قتل عمّار فقال معاوية: قد قتل عمّار فما ذا؟ قال عمرو: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: تقتله الفئة الباغية فقال له معاوية: أو نحن قتلناه انما قتله علي و أصحابه جاءوا به حتى القوه بين رماحنا (و سيوفنا) (2).

(3) و لكن لا يخفى أن هذا التأويل الباطل الذي لجأ إليه ابن أبي سفيان لتهدئة جنود الشام، ليس مقبولا عند اللّه تعالى قط، كما لا يقبل به أيّ عاقل لبيب.

فإنّ هذا هو الاجتهاد في مقابلة النص، و هو مما لا قيمة له أبدا، فان هذا

____________

(1) وقعة صفين: 377 و 387.

(2) مسند الامام احمد بن حنبل: ج 4 ص 198.

16

النوع من الاجتهاد في مقابلة الآيات و الروايات الصريحة هو الذي سبّب في أن يعمد فريق من المجرمين و الجناة إلى تبرير جرائمهم و فضائعهم بحجة «الاجتهاد»، و تحت غطائه.

و إليك نموذجا من هذا الأمر:

(1)

ضئر أرأف من والدة!!

لا يجد المرء عبارة أفضل من هذه تعرّف حقيقة مؤرخ القرن الثامن الهجري (ابن كثير الشامي مؤلف البداية و النهاية).

فقد انبرى هذا الرجل الى الدفاع عن معاوية في كتابه اذ قال: لا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم، لأنهم و ان كانوا بغاة في نفس الأمر فانهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال و ليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران، و المخطئ له أجر واحد (ثم يقول) و أما قوله: يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار فان عمّارا و أصحابه يدعون أهل الشام إلى الالفة و اجتماع الكلمة، و أهل الشام يريدون ان يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، و ان يكون الناس أوزاعا على كل قطر امام برأسه، و هذا يؤدي إلى افتراق الكلمة و اختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم و ناشئ عن مسلكهم و ان كانوا لا يقصدونه!! (1)

(2) و نحن لم نجد اسما يناسب هذا العمل إلّا التحريف للحقائق.

فان مؤيدي الفئة الباغية مع كل ما اوتوا من قدرة على إخفاء الحقائق و طمسها لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة، و لكن مؤرخا مثل ابن كثير عمد- رغم ورود هذا الحكم الغيبي في شأن تلك الفئة- الى تحريف بارد قد غفلت تلك الفئة هي ذاتها عنه!!

(3) يقول أحمد بن حنبل: دخل رجلان على معاوية يختصمان في رأس عمّار يقول‏

____________

(1) البداية و النهاية: ج 2 ص 218.

17

كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد اللّه بن عمرو: ليطيب به أحدكما نفسا لصاحبه فاني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: تقتله الفئة الباغية قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: ان أبي شكاني إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: اطع أباك ما دام حيا، و لا تعصه، فأنا معكم و لست اقاتل‏ (1).

(1) إن اعتذار «عبد اللّه بن عمرو بن العاص» يشبه تأويل ابن كثير الشامي الذي يقول: إن معاوية قاتل «عليا» في صفين اجتهادا و ايمانا، و إن أخطأ في اجتهاده، و ذلك لأن إطاعة الوالد واجبة ما لم تجر الى مخالفة الشرع، فهذا هو القرآن الكريم يقول:

«وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما» (2).

كما ان الاجتهاد إنما يصح إذا لم يكن في المقام نصّ صريح، ورد عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لهذا كان اجتهاد معاوية و عمرو بن العاص و امثالهما باطلا مرفوضا، لكونه في مقابلة النصّ النبويّ.

و لو أننا فتحنا باب الاجتهاد هكذا بدون أية ضوابط لكان جميع المشركين و المنافقين معذورين في معارضتهم، و محاربتهم لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كما لا بدّ- حينئذ- أن نقول: إن يزيد و الحجاج و أشباههما كانوا معذورين في سيفكهم لدماء الأئمة المعصومين، و الصالحين من المسلمين، بل و مأجورين في عملهم هذا.

(2) انتهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المسلمون من بناء المسجد، و ظل يوسّع فيه كل عام شيئا فشيئا.

و قد بني الى جانب المسجد صفة ليسكن فيها الفقراء و المهاجرون المحرومون.

و كلّف «عبادة بن الصامت» بأن يعلّمهم الكتابة، و قراءة القرآن.

____________

(1) مسند احمد بن حنبل: ج 2 ص 164 و 165.

(2) العنكبوت: 8.

18

(1)

التآخي؛ أو أعظم معطيات الايمان:

لقد فتح تمركز المسلمين في المدينة فصلا جديدا في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقد كان (صلّى اللّه عليه و آله) قبل دخوله المدينة لا يهمّه إلّا جذب القلوب و الدعوة إلى دينه، و لكنه اليوم عليه أن يعمل- كصاحب دولة محنّك- على حفظ كيانه و كيان جماعته، و لا يسمح للأعداء الداخليين و الخارجيين بالتسلّل و النفوذ في صفوفهم، و لكنه كان يواجه في هذا السبيل ثلاث مشاكل كبرى:

1- خطر قريش و عامة الوثنيين في شبه الجزيرة العربية.

2- خطر يهود يثرب الذين كانوا يقطنون داخل أو خارج المدينة و يمتلكون ثروة كبيرة.

3- الاختلاف الذي كان بين أتباعه من المهاجرين و بين الأوس و الخزرج.

(2) و حيث إن المهاجرين و الانصار قد نشئوا في بيئتين مختلفتين، لهذا كان من الطبيعي أن يختلفوا في طريقة المعاشرة، و آداب السلوك، و اسلوب التفكير اختلافا كبيرا.

هذا مضافا إلى أن الأوس و الخزرج الذين كانوا يشكّلون جماعة الأنصار كانوا هم يعانون من رواسب عداء قديم و بقايا ضغائن نشأت خلال حروب موية طويلة استغرقت مائة و عشرين سنة بلا انقطاع.

و مع وجود مثل هذه التناقضات و الأخطار المحتملة لم يكن مواصلة الحياة الدينية، و السياسية المستقرة أمرا ممكنا قط.

و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تغلّب على كل هذه المشكلات بطريقة حكيمة، غاية في الحنكة و الابداع.

فبالنسبة إلى المشكلتين الأوليين فقد عالجهما بالقيام بأعمال سيأتي ذكرها في المستقبل.

و أما بالنسبة إلى مشكلة التناقضات بين فئات و أصناف جماعته فقد عالج‏

19

تلك المشكلة بحذق كبير، و تدبير رائع جدا.

(1) فقد امر من جانب اللّه تعالى بأن يؤاخي بين المهاجرين و الأنصار.

فجمعهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم و قال لهم:

«تآخوا في اللّه أخوين أخوين».

و قد ذكرت المصادر التاريخيّة الاسلامية، مثل «السيرة النبوية» لابن هشام‏ (1) اسماء كلّ متآخيين من المهاجرين و الأنصار.

و بهذا الاسلوب كرّس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوحدة السياسية و المعنوية بين المسلمين و قوّى اسسها و دعائمها.

و قد سببت هذه الوحدة، و هذا التآخي الواسع في أن يقرّر حلا للمشكلتين الاوليين بسرعة و سهولة.

(2)

منقبتان عظيمتان:

و لقد ذكر أكثر مؤرّخي السنة و الشيعة و محدّثيهم في هذا الموضع منقبتين عظيمتين، نذكرهما نحن هنا أيضا: لقد آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين ثلاثمائة من أصحابه من المهاجرين و الأنصار و هو يقول: يا فلان أنت أخ لفلان.

و لما فرغ من المؤاخاة، قال له علي (عليه السلام)، و هو يبكي:

«يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك و لم تؤاخ بيني و بين أحد»؟

فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد أخذ بيده:

«أنت أخي في الدنيا و الآخرة» (2).

(3) و قد ذكر القندوزي الحنفي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلا اذ قال:

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي:

«و الذي بعثني بالحق نبيا ما أخّرتك إلّا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من‏

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 504- 507.

(2) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 14.

20

موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي، و أنت أخي و وارثي» (1).

غير ان ابن كثير شكّك في صحة هذا الرواية (2)، و حيث إن هذه التشكيك نابع من نفسيّته الخاصة، و لا يقلّ تفاهة و بطلانا من اعتذاره و دفاعه عن معاوية و زمرته الباغية عن قتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر لهذا نرجح أن نصرف النظر عن النقاش فيه، و نترك القضاء و الحكم عليه للقارئ المنصف، و المتتبع العدل.

(1)

منقبة أخرى لعليّ (عليه السلام):

فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من بناء المسجد، و قد بنيت منازله و منازل أصحابه حول المسجد، و كلّ شرع منه بابا إلى المسجد، و خطّ لحمزة خطا فبنى منزله فيه، و شرع بابه الى المسجد و خط لعليّ بن أبي طالب مثل ما خط لهم فبنى منزله فيه و شرع بابه إلى المسجد، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد من تلك الابواب.

و فجأة نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال:

«يا محمّد إنّ اللّه يأمرك أن تأمر كلّ من كان له باب إلى المسجد أن يسدّه و لا يكون لأحد باب إلى المسجد إلّا لك و لعليّ (عليه السلام)».

(2) يقول ابن الجوزي: فأوجد هذا الامر ضجة عند البعض، و ظنوا أنّ هذا الاستثناء قد نشأ عن سبب عاطفي، فخطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الناس و قال فيما قال:

«و اللّه ما أنا أمرت بذلك، و لكنّ اللّه أمر بسدّ أبوابكم و ترك باب عليّ» (3).

و خلاصة القول أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قضى عن طريق المؤاخاة

____________

(1) ينابيع المودة: ص 56، و نظيره في السيرة النبوية.

(2) البداية و النهاية: ج 2 ص 226.

(3) تذكرة الخواص: ص 46، بتصرف بسيط.

21

الاسلاميّة بين أصحابه من الأنصار و المهاجرين على الاختلافات القديمة التي كانت رواسبها باقية بين المسلمين إلى ذلك اليوم، و بذلك حل مشكلة من المشاكل الثلاث التي مرّ ذكرها.

(1)

معاهدة الدفاع المشترك بين المسلمين و يهود يثرب:

كانت المشكلة الثانية التي يواجهها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المدينة هي مشكلة يهود يثرب الذين كانوا يقطنون المدينة و خارجها و كانوا يمسكون بأزمة التجارة و الاقتصاد في تلك المنطقة.

لقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يدرك جيدا أنه ما لم تصلح الأوضاع الداخلية في المدينة و ما لم يضمّ الى صفوفه يهود يثرب، و بالتالي ما لم يقم وحدة سياسية عريضة في مركز حكومته، لم تتهيأ لشجرة الاسلام أن تنمو، و لن يتهيّأ له (صلّى اللّه عليه و آله) أن يفكر في أمر الوثنيين و الوثنية في شبه الجزيرة العربيّة و لا يستطيع معالجة المشكلة الثالثة أعني قريش بخاصة.

و بكلمة واحدة ما لم يستتبّ الأمن و الاستقرار في مقر القيادة لن يمكن الدفاع ضدّ العدوّ الخارجي.

(2) و لقد قام بين يهود المدينة و المسلمين في بداية هجرتهم إليها نوع من التفاهم لأسباب خاصة، لأنّ كلا الجانبين كانا موحّدين يعبدان اللّه، و يرفضان الأوثان، و كان اليهود يتصوّرون أنهم يستطيعون- إذا اشتد ساعد المسلمين، و قويت شوكتهم- أن يأمنوا حملات المسيحيين الروم، هذا من جانب، و من جانب كان بينهم و بين الأوس و الخزرج علاقات عريقة و مواثيق قديمة.

من هنا حاول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أن يكرّس هذا التفاهم، و يبلوره بعقد معاهدة تعايش، و دفاع مشترك بين الأنصار و المهاجرين وقّع عليها يهود المدينة أيضا (1).

____________

(1) المقصود منهم يهود الأوس و الخزرج، و أما يهود بني النضير، و بني قينقاع، و بني قريظة فقد عقد

22

و قد احترم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في تلك المعاهدة دين اليهود و ثروتهم في اطار شرائط معيّنة.

(1) و قد أدرج كتّاب السيرة و المؤرّخون النصّ الكامل لهذه المعاهدة في كتبهم‏ (1).

و نظرا لأهميّتها الخاصّة، و لأنها تعتبر مستندا تاريخيّا حيّا، قويّ الدلالة، و لكونها تكشف عن مدى التزام رسول الاسلام العظيم (صلّى اللّه عليه و آله) بمبادئ الحرية و النظم و العدالة، و مبلغ مراعاته و احترامه لها في الحياة، و لأنها تكشف لنا كيف أنها أوجدت جبهة متحدة قوية في وجه الحملات الخارجية نذكر هنا نقاطها الحسّاسة و نسجّلها كواحد من أكبر الانتصارات السياسية التي أحرزتها الحكومة الاسلامية الناشئة في العالم ذلك اليوم.

(2)

أعظم معاهدة تاريخية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمّد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بين المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب و من تبعهم، فلحق بهم، و جاهد معهم.

(3)

«البند الاوّل»

(4) 1- إنّهم أمّة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على الحال التي جاء الاسلام و هم عليها) يتعاقلون بينهم (أي يدفعون دية الدم) و هم يفدون عانيهم (أسيرهم) بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

(5) 2- و بنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، كلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين، و هكذا بنو ساعدة و بنو الحارث، و بنو جشم، و بنو النجار، و بنو عمرو بن عوف و بنو النبيت، و بنو الأوس كلّ على ربعتهم‏

____________

- النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) معهم معاهدة مستقلة سنذكرها.

(1) مثل السيرة النبوية: ج 1 ص 501.

23

(و الحال التي جاء الاسلام و هم عليها من حيث التعاون على الديات الى اولياء المقتول، و دفع الفدية معا لفك الأسير).

(1) 3- و إنّ المؤمنين لا يتركون مفرحا (أي مثقلا بالدين و كثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل (أي دفع دية او فداء أسير).

(2) 4- و إنّ المؤمنين المتقين (يد واحدة) على من بغى منهم، او ابتغى دسيعة (عظيمة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، و أنّ أيديهم عليه جميعا و لو كان ولد احدهم.

(3) 5- و أن لا يحالف مؤمن مولى (أي عبد) مؤمن دونه (أي دون إذنه).

(4) 6- و أن لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر (أي قصاصا لمقتل كافر على يدي ذلك المؤمن) و لا ينصر كافرا على مؤمن.

(5) 7- و انّ ذمة اللّه واحدة (تشمل جميع المسلمين بلا استثناء) يجير عليهم أدناهم (فاذا أجار عبد مسلم كافرا قبلت إجارته و احترم أمانه).

(6) 8- و إنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

(7) 9- و إنّه من تبعنا من يهود فانّ له النصر و الاسوة غير مظلومين، و لا متناصرين عليهم.

(8) 10- و إنّ سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلّا على سواء و عدل بينهم (فلا يجوز لأحد أن ينفرد بعقد معاهدة صلح مع أحد من غير المسلمين إلّا بموافقة المسلمين).

(9) 11- و إنّ كلّ غازية غزت معنا يعقّب بعضها بعضا (أي يتناوب المسلمون في المشاركة في الجهاد)، و انّ المؤمنين يبي‏ء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل اللّه (أي يراق منهم الدم على السواء لا أن يتعرض للقتل بعض دون بعض).

(10) 12- و إنّ المؤمنين المتقين على أحسن هدى و أقومه.

(11) 13- و أن لا يجير مشرك (من مشركي المدينة) مالا لقريش، و لا نفسا، و لا يحول دونه على مؤمن (أي لا يمنعه من مؤمن).

24

(1) 14- و إنّه من اعتبط مؤمنا (أي قتل من المؤمنين مؤمنا بلا جناية منه توجب قتله) قتلا عن بيّنة فانّه قود به (أي يقتل بقتله قصاصا) إلّا أن يرضى وليّ المقتول.

و انّ المؤمنين عليه كافّة، و لا يحلّ لهم إلّا قيام عليه.

(2) 15- و إنّه لا يحلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، و آمن باللّه و اليوم الآخر، أن ينصر محدثا (صاحب بدعة) و لا يؤويه و أنه من نصره، و آواه فعليه لعنة اللّه و غضبه يوم القيامة، و لا يؤخذ منه صرف و لا عدل.

(3) 16- و إنكم مهما اختلفتم فيه من شي‏ء فان مرده إلى اللّه عزّ و جلّ و إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

(4)

«البند الثاني»

(5) 17- و إنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين (و دفاعا عن المدينة).

(6) 18- و إنّ يهود بني عوف أمة من المؤمنين (و بنو عوف قبيلة من قبائل الأنصار) لليهود دينهم و للمسلمين دينه، مواليهم و أنفسهم، إلّا من ظلم و اثم، فانه لا يوتغ (لا يهلك) الّا نفسه و أهل بيته (و السبب في هذا هو أن أهل بيت الرجل يتبعونه و يؤيّدونه في فعله غالبا و عادة).

و المراد من هذا الاستثناء هو أن العلاقات و الاتحاد يبقى قائما بين تلك الطائفة من اليهود و بين المسلمين ما دام لم يكن ثمة ظالم و معتد.

(7) 19- و إنّ ليهود بني النجار، و بني الحارث و بني ساعدة، و بني جشم، و بني الأوس و بني ثعلبة، و بني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، من الحقوق و الامتيازات.

و إن جفنة بطن من ثعلبة (أي تلك القبيلة فرع من هذه)، و انّ لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف.

(8) 20- و إنّ البرّ دون الإثم (أي أن يغلب حسناتهم على سيّئاتهم).

(9) 21- و إنّ موالي ثعلبة (أي المتحالفين معهم) كأنفسهم.

25

(1) 22- و إنّ بطانة يهود (أي خاصتهم) كأنفسهم.

(2) 23- و أنه لا يخرج منهم أحد (من هذه المعاهدة) إلّا باذن محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

(3) 24- و إنّه لا ينحجر على ثأر جرح (اي لا يضيع دم حتى الجرح)، و ان من فتك (بأحد) فبنفسه فتك، و أهل بيته إلّا من ظلم (أي إلّا إذا كان المفتوك به ظالما).

(4) 25- و إنّ على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، و انّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة (أي أن على كل جماعة من المسلمين و اليهود أن يقوم بنصيبه من نفقات الحرب).

(5) 26- و إنّ بينهم النصح و النصيحة (أي أن تكون العلاقات على هذا الاساس) و البر دون الاثم.

(6) 27- و إنّه لم يأثم امروء بحليفه (أي لا يحق لأحد أن يظلم حليفه و أن النصر للمظلوم (لو فعل أحد ذلك).

(7) 28- و إنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة (أي أنّ داخل المدينة حرم و مأمن لجميع من وقّع على هذه الصحيفة).

(8) 29- و إنّ الجار (و هو من يدخل في أمان أحد) كالنفس غير مضارّ و لا آثم، (فلا يجوز إلحاق ضرر به).

(9) 30- و إنّه لا تجار حرمة إلّا باذن أهلها.

(10) 31- و إنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مردّه إلى اللّه عزّ و جلّ و إلى محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّ اللّه على اتّقى ما في هذه الصحيفة و أبرّه (أي انّه تعالى ناصر و ولي لمن التزم بهذه المعاهدة).

(11) 32- و إنّه لا تجار قريش و لا من نصرها.

(12)

«البند الثالث»

(13) 33- و إن بينهم (أي بين اليهود و المسلمين) النصر على من دهم يثرب‏

26

(فعليهم معا أن يدافعوا عن المدينة ضدّ المعتدين).

(1) 34- و اذا دعوا (أي دعي المسلمون اليهود) الى صلح يصالحونه، و يلبسونه، فانهم يصالحونه و يلبسونه.

و إنّهم اذا دعوا (أي اذا دعى اليهود المسلمين) الى مثل ذلك (الصلح) فانه لهم على المؤمنين إلّا من حارب في الدين.

فعلى اليهود أن يوافقوا على كل صلح يعقده المسلمون مع الأعداء، و هكذا على المسلمين أن يقبلوا بكل صلح يعقده اليهود مع الاعداء إلّا إذا كان ذلك العدوّ ممن يخالف الاسلام و يعاديه و يتآمر عليه.

(2) 35- و إنّ يهود الأوس مواليهم و أنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة.

(3)

«البند الرابع»

(4) 36- و إنّه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم و آثم. (فلا يمكن لأحد أن يتستر وراءه ليتخلّص من العقاب إذا ارتكب خطيئة و جناية).

(5) 37- و إنّه من خرج (من المدينة) آمن، و من قعد آمن بالمدينة إلّا من ظلم أو أثم.

ثم ختمت هذه المعاهدة بالعبارة التالية:

«و إنّ اللّه جار لمن برّ و اتّقى، و محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)» (1).

إنّ هذه المعاهدة السياسية التاريخية التي أدرجنا هنا أهم مقاطعها تعدّ نموذجا كاملا لرعاية الاسلام، و حرصه على مبدأ حرّية الفكر و الاعتقاد، و مبدا الرفاه الاجتماعي العام، و ضرورة التعاون في الامور العامة، بل و توضّح هذه المعاهدة- فوق كلّ ذلك- حدود صلاحيّات و اختيارات القائد، و مسئوليّة كلّ الموقّعين عليها، و على أمثالها.

(6) على أنه و إن لم يشترك يهود «بني قريظة» و «بني النضير» و «بني قينقاع»

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 503 و 504، الاموال: ص 125- 202.

27

في إبرام هذه المعاهدة و التوقيع عليها، بل شارك فيها يهود الأوس و الخزرج فقط، إلّا أنّ تلك الطوائف اليهودية (الثلاث) قد وقعت فيما بعد مع قائد المسلمين و زعيمهم على معاهدات مماثلة أهم بنودها هي:

أن لا يعينوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا على أحد من أصحابه بلسان و لا يد و لا بسلاح و لا بكراع (أي الخيل و غيرها من المراكب) في السر و العلانية لا بليل و لا بنهار، اللّه بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه في حلّ من سفك دمائهم، و سبي ذراريهم، و نسائهم، و أخذ أموالهم.

و قد كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لكلّ قبيلة منهم كتابا على حدة على هذا الغرار، ثم وقع عليها «حي بن أخطب» عن قبيلة بني النضير، و «كعب بن أسد» عن بني قريظة، و «المخيريق» عن قبيلة بني قينقاع‏ (1).

و بهذا ساد الأمن يثرب و ضواحيها بعد أن اعتبرت المنطقة حرما آمنا.

و الآن جاء دور أن يعالج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المشكلة الاولى، يعني قريش لأنه ما دام هذا العدوّ يعرقل حركة الدعوة، و يقف سدّا أمام تبليغ الاسلام، فلن يوفّق لنشر هذا الدين و تطبيق أحكامه، و تعاليمه المباركة.

(1)

ممارسات اليهود الإجهاضية:

لقد تسبّبت تعاليم الاسلام الرفيعة و أخلاق الرسول العظيم في أن يتزايد عدد المنتمين الى الاسلام يوما بعد يوم، و تزداد بذلك قوّة الاسلام العسكرية و الاقتصادية و السياسية.

و قد أحدث هذا التقدم المتزائد الباهر قلقا و ضجة عجيبة في الأوساط اليهودية الدينية، لأنهم كانوا يتصوّرون أنهم يستطيعون بدعمهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تقويته و تأييده جرّه إلى صفوفهم، و لم يكونوا يتصوّرون قط أنّ‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 19 ص 110 و 111. احتفظ في ذاكرتك أيها القارئ الكريم هذا القسم من المعاهدة الثانية لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عاقب اليهود بسبب نقضهم لهذه المعاهدة.

28

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سيحصل بذاته على قوة تفوق قوة اليهود و النصارى، من هنا بدءوا بممارسة الأعمال الاجهاضية مثل طرح الاسئلة الدينية العويصة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بغية زعزعة إيمان المسلمين بنبيّهم، و لكن جميع هذه المخططات باءت بالفشل و لم تترك أي أثر في صفوف المسلمين المتراصة و ايمانهم العميق برسول الاسلام.

(1) و قد جاءت بعض هذه المناظرات و المجادلات في سورة البقرة و سورة النساء.

و يستطيع القارئ العزيز- من خلال قراءة- آيات هاتين السورتين و التمعن فيهما أن يقف على مدى العناد و اللجاج الذي كان يبديه اليهود.

فمع أنهم كانوا يتلقون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أجوبة واضحة لكلّ واحد من اسئلتهم كانوا يتهرّبون من الانضواء تحت راية الاسلام، و يحجمون عن الاعتراف به، و كانوا يقولون في مقام الردّ على دعوة النبيّ إياهم إلى اعتناق الاسلام:

«قلوبنا غلف».

أي لا نفهم ما تقول!! (1).

(2)

اسلام عبد اللّه بن سلام:

هذه المناظرات و المجادلات و ان كانت لا تزيد غالبية اليهود إلّا تعنّتا و عنادا، و لكنها كانت تسبّب أحيانا يقظة البعض و إقبالهم على الاسلام، مثل «عبد اللّه ابن سلام».

فقد أسلم ابن سلام الذي كان من علماء اليهود و أحبارهم، برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد سلسلة من المناظرات و المجادلات المطولة (2).

و لم يمض وقت كبير على اسلام ابن سلام إلّا و التحق به عالم آخر من علماء

____________

(1) و (2) للوقوف على نص هذه المناظرات راجع السيرة النبوية: ج 1 ص 530- 572، بحار الأنوار: ج 9 ص 303 فما بعد.

29

اليهود هو «المخيريق».

(1) و كان عبد اللّه بن سلام يعلم بأنه سيذمّه قومه من اليهود اذا عرفوا باسلامه و ترك دينهم، من هنا طلب من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يكتم عن الناس إسلامه، ريثما يحصل أولا على اعتراف من قومه بعلمه و تقواه، و بمعرفته و صلاحه قائلا: «يا رسول اللّه إن يهود قوم بهت، و أني أحبّ أن تدخلني في بعض بيوتك، و تغيّبني عنهم ثم تسألهم عنّي حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم إن علموا به بهتوني و عابوني».

فأدخله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض بيوته و أخفاه عن الانظار ثم قال لليهود الداخلين عليه:

«أيّ رجل الحصين بن سلام فيكم؟».

قالوا: سيدنا و ابن سيدنا، و حبرنا و عالمنا، فخرج عليهم «عبد اللّه بن سلام» من مخبأه و قال لهم: يا معشر يهود اتّقوا اللّه و اقبلوا ما جاءكم به، فو اللّه إنّكم لتعلمون أنه لرسول اللّه تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه و صفته، فاني أشهد أنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أؤمن به و اصدّقه و أعرفه.

فغضب اليهود من مقالته، و قالوا له: كذبت و وقعوا فيه، و عابوه، و بهتوه‏ (1).

(2)

خطة أخرى للقضاء على الحكومة الاسلامية:

لم تضعف مجادلات اليهود و اسئلتهم العويصة عقيدة المسلمين و ايمانهم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحسب، بل تسبّبت في أن تتضح مكانته العلمية، و قيمة معارفه الغيبية للجميع أكثر من ذي قبل.

ففي ظلّ هذه المجادلات و المحاورات رغب جماعات كبيرة من الوثنيين و اليهود في الاسلام فآمنوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صدّقوه.

من هنا دبّر اليهود مؤامرة أخرى و هي التذرّع باسلوب «فرّق تسد»، لالقاء

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 516.

30

الفرقة في صفوف المسلمين.

(1) فقد رأى دهاة اليهود و ساستهم أن يستغلّوا رواسب الاختلافات، و يؤججوا نيران العداء القديم بين الأوس و الخزرج الذي زال بفضل الاسلام، و بفضل ما أرساه من قواعد الاخوة و المساواة و المواساة و المحبة، بعد أن كانت مشتعلة طوال مائة و عشرين عاما متوالية، ليستطيعوا بهذه الطريقة تمزيق صفوف المسلمين بإثارة الحروب الداخلية بينهم، و التي من شأنها ابتلاع الاخضر و اليابس و القضاء على الجميع دون ما استثناء.

(2) ففيما كان نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الأوس و الخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه إذ مرّ عليهم «شاس بن قيس» و هو يهودي شديد العداء للإسلام، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، فغاظه ما رأى من الفة الأوس و الخزرج، و اجتماعهم و تواددهم، و صلاح ذات بينهم على الاسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة الطويلة في الجاهلية، فأمر فتى من يهود كان معهم فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث‏ (1) و ما كان قبله و أنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا و تبادلوا فيه من الاشعار!! ايقاعا بين هاتين الطائفتين من الأنصار، و إثارة لنيران الاحقاد الدفينة، و العداوات الغابرة.

(3) ففعل ذلك الغلام اليهودي ما أمره به «شاس» فتكلم القوم عند ذلك، و تنازعوا، و تفاخروا، و تواثب رجلان من القبيلتين على الركب و أخذ كل منهما يهدّد الآخر، و تفاقم النزاع، و غضب الفريقان و تصايحا، و قاما إلى السلاح و كاد أن يقع قتال و دم بعد أن ارتفعت النداءات القبلية بالاستغاثة و الاستنجاد على عادة الجاهلية فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عرف بمكيدة اليهود، و مؤامرتهم الخبيثة هذه، فخرج الى تلك الجماعة المتصايحة من الأوس و الخزرج في جمع من أصحابه المهاجرين فقال:

____________

(1) قد مرّ ذكر هذه الوقعة و قلنا: هو يوم اقتتلت فيه الأوس و الخزرج و كان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج.

31

«يا معشر المسلمين، اللّه اللّه أ بدعوى الجاهلية و أنا بين أظهركم بعد أن هداكم للإسلام، و أكرمكم به، و قطع به عنكم أمر الجاهليّة، و استنقذكم به من الكفر، و ألّف بين قلوبكم؟؟».

فعرف القوم أنها مؤامرة مبيّتة من اليهود اعداء الاسلام و المسلمين، و كيد خبيث منهم، فندموا على ما حدث، و بكوا و عانق الرجال من الأوس و الخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سامعين مطيعين، و أطفأ اللّه عنهم كيد أعدائهم‏ (1).

(1) إلّا أن مؤامرات اليهود لم تتوقف عند هذا الحدّ، و لم تنته بهذا، فقد اتسعت دائرة خيانتهم و جنايتهم، و نقضهم للعهد و أقاموا علاقات سرية و خاصة مع مشركي الأوس و الخزرج، و مع المنافقين و المترددين في اسلامهم و اعتقادهم، و اشتركوا بصورة صريحة في اعتداءات قريش على المسلمين، و في الحروب التي وقعت بين الطرفين، و كانوا يقدّمون كل ما أمكنهم من الدعم و المساعدة للوثنيين، و يعملون لصالحهم!!

و قد جرت هذه النشاطات السرّية و العلنية المضادّة المعادية للاسلام و المسلمين، و هذا التعاون المشؤوم مع مشركي قريش، جرت إلى وقوع مصادمات و حروب دامية بين المسلمين و الطوائف اليهودية أدت في المآل إلى القضاء على الوجود اليهودي في المدينة.

(2) و سيأتي ذكر هذه الحوادث في وقائع السنة الثالثة و الرابعة من الهجرة، و سيتضح هناك كيف أن الجماعة اليهودية ردت على الجميل الذي تعكسه كلتا المعاهدتين من أولهما الى آخرهما، بنقض العهد، و معاداة الاسلام و المسلمين، و التآمر ضدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّة، و بنصرة أعدائه، و دعم خصومه، الأمر الذي أجبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على تجاهل تلك المعاهدات الودية و الانسانية و من ثم محاربتهم، و إخراجهم من المدينة و ما حولها و القضاء على‏

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 555- 557.

32

ما تبقى من كياناتهم الشريرة.

لقد أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المدينة من ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة إلى شهر صفر من السنة الثانية حتى بنى المسجد و البيوت و المنازل المحيطة بها، و قد أسلم في هذه الفترة كل من تبقى من الأوس و الخزرج، و لم يبق دار من دور الانصار إلّا أسلم أهلها، ما عدا بعض العوائل و الفروع ممن بقوا على شركهم، و لكنهم أسلموا بعد معركة بدر (1).

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 500.

33

(1)

حوادث السنة الثانية من الهجرة

27

مناورات عسكرية و استعراضات حربية

الهدف من هذا الفصل هو شرح و بيان الأسرار الكامنة وراء سلسلة الاستعراضات الحربية، و المناورات العسكرية، التي قام و أمر بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقد بدأت هذه المناورات منذ الشهر الثامن من الهجرة و استمرت حتى شهر رمضان من السنة الثانية، و تعد في الحقيقة أول مناورات عسكرية، و عروض حربيّة قام بها المسلمون.

إن التفسير الصحيح لهذه الوقائع، و بيان رموزها و أسرارها انما يتيسّر اذا طالعنا نص ما كتب حول هذه الوقائع في المصادر التاريخية من دون زيادة أو نقصان ثم نعرض على القارئ الكريم رأي المحققين من المؤرخين فيها.

و إليك فيما يأتي خلاصة هذه الحوادث:

(2) 1- لم يكن يمض على إقامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في المدينة أكثر من ثمانية أشهر عند ما عقد النبيّ أوّل لواء لقائد عسكريّ شجاع هو «حمزة بن عبد المطلب» و قد أمّره على ثلاثين رجلا من المهاجرين بعثهم الى سواحل البحر الأحمر حيث الطرق التجارية التي تمر فيها قافلة قريش التجارية، فالتقوا قافلة قريش في «العيص» فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل من أهل مكة، فاصطفّوا

34

للقتال، و لكنهما تفرقا و لم يقع قتال لوساطة قام بها «مجديّ بن عمرو» الذي كان حليفا للفريقين، فانصرف حمزة راجعا الى المدينة، و توجّه أبو جهل في غيره و أصحابه إلى مكة (1).

(1)

تهديد خطوط قريش التجارية

غزوة بدر:

انقضت السنة الاولى من الهجرة بكل حوادثها الحلوة و المرة، و المسرّة و المحزنة، و دخل النبيّ و أصحابه العام الثاني من الهجرة.

و السنة الثانية من الهجرة تتضمن حوادث عظيمة و باهرة، و من أبرزها حادثتان تحظيان بمزيد من الاهمية احداهما: تغيير القبلة و الأخرى وقعة بدر الكبرى.

و لكي تتضح أسباب و علل معركة بدر نذكر سلسلة من الوقائع التي وقعت قبلها، اذ بتحليلها و دراستها تتضح أسباب معركة بدر.

لقد كان من بين الحوادث التي وقعت في أواخر السنة الاولى و بدايات السنة الثانية من الهجرة: بعث «الدوريات العسكرية» الى خطوط قريش التجارية (2) و الآن يجب أن نرى ما هو هدف الحكومة الاسلامية من هذه البعوث‏

____________

(1) السيرة النبوية: ج 2 ص 222 فما بعد، بحار الأنوار: ج 19 ص 186- 190، امتاع الاسماع:

ص 51، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 77 و 78 و المغازي للواقدي: ج 1 ص 9- 19.

(2) لقد بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دوريات عسكرية عديدة إلى ضواحي المدينة و أطرافها لتهديد قوافل قريش التجارية.

و قد كان ينبغي- طبقا للترتيب الموضوعي و التسلسل التاريخي- أن نذكر بعض السرايا مثل سرية حمزة و سرية عبيدة بن الحارث في فصل وقائع السنة الاولى للهجرة، بيد أنه لوجود مناسبة بينها و بين حوادث السنة الثانية ذكرناها في أحداث السنة الثانية.

هذا مضافا الى أن ابن هشام- تبعا لابن إسحاق- يرى وقوع هذه الحوادث في السنة الثانية من الهجرة و ان كان الواقدي يعتبر بعضها من حوادث السنة الاولى.

35

العسكرية.

(1) هناك مصطلحان رائجان في كتابات المؤرخين و كتّاب السيرة أكثر من أي مصطلح آخر و هما لفظة: «الغزوة» و «السرّيّة» (1).

و المقصود من «الغزوة» تلك العمليات العسكرية التي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يشارك فيها بنفسه، و يتولى قيادتها بشخصه.

على حين يكون المقصود من «السريّة» إرسال مجموعات عسكرية و فرق و كتائب نظاميّة لا يشترك فيها رسول اللّه بنفسه بل يؤمّر عليها أحد قادته العسكريّين و يوجّهها إلى الوجهة التي يريدها.

و قد احصيت غزوات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فكانت (27) أو (26) غزوة.

و يعود الاختلاف في العدد الى أن بعض المؤرخين يعتبر غزوة «خيبر» و غزوة «وادي القرى» اللتين حدثتا تباعا و من دون فاصلة غزوتين و البعض الآخر عدّهما غزوة واحدة (2).

(2) و قد وقع نظير هذا الخلاف في تعداد سرايا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا فأحصى المؤرخون (35)، (36)، (48)، و حتى (66) سرية.

و يعود هذا الاختلاف إلى أن بعض السرايا لم يحسب لها حساب لقلّة أفرادها، و لهذا حدث هذا الاختلاف في العدد.

من هنا كلّما ذكرنا لفظ السرّية قصدنا منه ما لم يشارك فيه النبيّ، و كلما ذكرنا لفظ الغزوة قصدنا منه ما شارك فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنفسه.

و قد أحجمنا عن ذكر السرايا إلّا سرايا السنوات الاولى من الهجرة لأن في بيان هذه الطائفة من السرايا أثرا مهما في تفسير بعض الغزوات مثل غزوة «بدر».

و إليك بيان هذه السرايا و الغزوات و شرح تفاصيلها.

____________

(1) راجع المحبّر: ص 110- 116.

(2) مروج الذهب: ج 2 ص 287 و 288.

36

(1) 2- في نفس الوقت الذي بعث فيه رسول اللّه سريّة حمزة، عقد لواء آخر لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، و بعثه في ستين راكبا من المهاجرين بهدف التعرض لقافلة قريش التجارية، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل «ثنية المرة» (1).

فلقي بها جمعا عظيما من قريش يبلغ مائتين بقيادة أبي سفيان، و لكن لم يكن بينهم قتال إلّا أن «سعد بن أبي وقاص» رمي يومئذ بسهم، كما أنه التحق رجلان مسلمان كانا في صفوف أبي سفيان بالمسلمين و قد خرجا مع الكفار و جعلا ذلك وسيلة للوصول الى المسلمين و الالتحاق بهم‏ (2).

(2) 3- بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في شهر ذي القعدة في السنة الاولى من الهجرة سريّة اخرى بقيادة «سعد بن أبي وقاص» على رأس ثمانية أشخاص آخرين من المهاجرين للتحقيق في تنقلات قريش و رصد تحرّكاتها خارج المدينة، فخرجوا حتى بلغوا منطقة «الخرّار» و لكنهم لم يجدوا أحدا فعادوا إلى المدينة (3).

(3)

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يلاحق قريشا بنفسه:

(4) 4- في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة استعمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على المدينة «سعد بن عبادة» و أناط إليه ادارة امورها الدينية و خرج بنفسه مع جماعة من المهاجرين و الأنصار، لملاحقة ركب قريش التجاري و اعتراضه، و عقد معاهدة موادعة مع «بني ضمرة» حتى بلغ الابواء، و لكنه لم يلق أحدا من قريش، فرجع (صلّى اللّه عليه و آله) هو و من معه إلى المدينة (4).

(5) 5- و في شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة استعمل (صلّى اللّه عليه و آله) مرة اخرى على المدينة: «السائب بن عثمان» أو «سعد بن معاذ» و خرج نحو على رأس مائتين من الرجال يريد قريشا حتى بلغ بواط (و هو جبل من جبال‏

____________

(1) المحبر: ص 116.

(2) السيرة النبوية: ج 1 ص 591.

(3) المحبر: ص 116.

(4) تاريخ الخميس: ج 1 ص 363 نقلا عن ابن اسحاق.

37

بقرب ينبع على بعد 90 كيلومترا من المدينة تقريبا) و لكنه لم يظفر بقافلة قريش التي كان يقودها «أميّة بن خلف» و على رأس مائة رجل من قريش، فرجع الى المدينة.

(1) 6- و في منتصف شهر جمادى الاولى من السنة الثانية للهجرة جاء الخبر أن قافلة قريش التجارية تخرج من مكة بقيادة أبي سفيان تريد الشام للتجارة، و قد جمعت قريش كل أموالها في تلك القافلة، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في جمع من أصحابه لاعتراضها حتى بلغ «ذات العشيرة» و قد استعمل على مكة هذه المرّة «أبا سلمة بن عبد الأسد»، و بقي (صلّى اللّه عليه و آله) في ذات العشيرة إلى أوائل شهر جمادى الآخرة ينتظر قافلة قريش، و لكنه لم يظفر بها، ثم وادع فيها بني مدلج و عقد معاهدة عدم اعتداء ذكرتها المصادر التاريخية بالنص‏ (1).

و قال ابن الأثير: في هذه الغزوة (و المكان) نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جماعته في بواط عند عين فنام علي و عمّار فوجدهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نائمين في رقعاء من التراب فايقظهما، و حرّك عليّا فقال: قم يا أبا تراب أ لا اخبرك باشقى الناس: أحيمر ثمود عاقر الناقة، و الذي يضربك على هذه [يعني قرنه‏] فيخضّب هذه منها [يعني لحيته‏] (2).

(2) 7- بعد أن رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى المدينة بعد اليأس من قافلة قريش لم يقم بالمدينة الّا ليالي قلائل لا تبلغ العشر حتى هاجم «كرز بن جابر الفهري» على ابل أهل المدينة و مواشيهم التي كانت قد سرحت للرعى بالغداة.

فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في طلبه و قد استعمل على المدينة زيد بن حارثة حتى بلغ واديا من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر فلم يدركه ثم رجع (صلّى اللّه عليه و آله) و من معه الى المدينة فأقام بها بقية جمادى الآخرة و رجبا

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 598، تاريخ الخميس: ج 1 ص 363.

(2) الكامل: ج 2 ص 112 و المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 140 و 141.

38

و شعبان‏ (1).

(1) 8- و في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «عبد اللّه بن جحش» على رأس ثمانية رجال من المهاجرين لملاحقة قافلة قريش التجارية، و قد كتب له كتابا بالمهمة الّتي يجب ان ينفّذها، و أمره أن لا ينظر فيه قائلا له:

«قد استعملتك على هؤلاء النفر فامض حتّى إذا سرت ليلتين فانشر (إي افتح) كتابي ثم امض (اي نفّذ) لما فيه».

ثم عيّن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوجهة التي يجب أن يتوجّه إليها.

فانطلق عبد اللّه و رفقاؤه و ساروا يومين كاملين كما أمرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثم فتح عبد اللّه كتاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قرأ ما فيه، فاذا فيه:

«إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكّة و الطائف على اسم اللّه و بركته فترصّد بها قريشا، و تعلّم (أي حصّل) لنا من أخبارهم و لا تكرهنّ أحدا من أصحابك‏ (2) و امض لأمري فيمن تبعك».

فلما قرأ الكتاب قال لاصحابه: قد أمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن امضي إلى نخلة أرصد بها قافلة قريش حتّى آتيه منهم بخبر، و قد نهاني أن استكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق، و من كره ذلك فليرجع فأمّا أنا فماض لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و من أراد الرجعة فمن الآن.

____________

(1) السيرة النبوية: ج 1 ص 601، الطبقات الكبرى: ج 2 ص 9، و قد عدّ بعض المؤرخين هذه الحادثة ضمن الغزوة التي عرفت في التاريخ باسم غزوة صفوان أو غزوة بدر الاولى.

(2) يقال إنه كان الجنود- الى حين الحرب العالمية الثانية- إذا انتهوا من خدمتهم العسكرية تسلّم إليهم مع وثيقة الانتهاء من الخدمة العسكرية رسالة مغلقة مختومة يؤمر الجندي فيها بالمحافظة عليها كأمانة عسكرية لا يجوز له فتحها إلّا عند حالات النفير العام، و العمل بمضمونها و قد سبق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى هذا التكتيك العسكريّ في أعماله النظامية.

39

(1) فقال أصحابه اجمعون: نحن سامعون مطيعون للّه و لرسوله و لك فسر على بركة اللّه حيث شئت، فسار هو و من معه لم يتخلّف منهم أحد حتى جاء نخلة فوجد قافلة لقريش يرأسها «عمرو بن الحضرمي» و هي عائدة من الطائف الى مكة، فنزل المسلمون بالقرب منهم، و لكي لا يكتشفهم العدوّ، و لا يعرف بأمرهم و مهمّتهم حلقوا رءوسهم ليتصوّر العدو أنهم عمّار يعتزمون الذهاب الى مكة للعمرة

فلما رآهم رجال قريش على هذه الحال اطمأنوا و أمنوا جانبهم و قالوا: عمّار لا بأس عليكم منهم.

(2) ثم تشاور المسلمون فيما بينهم في جلسة عسكرية للنظر فيما يجب عمله فتبين لهم: أنهم إذا تركوا القوم (أي قريشا) في تلك الليلة (و كانت آخر ليلة من شهر رجب) لدخلوا الحرم، و لم يمكن قتالهم فيه، و ان خرج الشهر الحرام.

فأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، و أخذ ما معهم، من هنا باغتوا تلك القافلة، و رمى «واقد بن عبد اللّه» قائدها «عمرو بن الحضرمي» بسهم فقتله، و فرّ رجاله إلّا نفرين هما: «عثمان بن عبد اللّه» و «الحكم بن كيسان» حيث أسرهما المسلمون، و عاد عبد اللّه بن جحش و أصحابه بالقافلة مع ما فيها من أموال قريش و الاسيرين إلى المدينة.

(3) و لما قدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة و أخبروه بأنهم قاتلوا القوم في الشهر الحرام (رجب) انزعج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من تصرف قائد المجموعة و عدم استفساره لما يجب أن يفعله بشدّة و قال:

«ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام».

و قد استخدمت قريش هذه القضية كسلاح دعائيّ ضدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اشاعت بأنّ «محمّدا» و أصحابه قد استحلّوا الشهر الحرام و سفكوا فيه الدم و أخذوا الاموال كما أنه تشاءم اليهود بهذه القضية و أرادوا أن يثيروا فتنة، و عاب المسلمون على «عبد اللّه بن جحش و أصحابه» فعلتهم هذه. هذا من جانب و من جانب آخر وقّف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الاموال و الأسيرين‏

40

و ابى أن يأخذ من كل ذلك شيئا و بقي ينتظر الوحي.

(1) و فجأة نزل جبرئيل بهذه الآية:

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» (1).

أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدّوكم عن سبيل اللّه مع الكفر به و صدّكم عن المسجد الحرام، و اخراجكم منه و أنتم اهله أكبر عند اللّه من قتل من قتل منهم «و الفتنة أكبر من القتل» أي ما كانوا يرتكبونه من فتنة المسلم في دينه حتّى يردّونه الى الكفر بعد إيمانه أكبر عند اللّه من القتل.

(2) و لما نزل القرآن بهذا الأمر، و فرّج اللّه تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الخوف و الحيرة قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الأموال، و الأسيرين و قسمها بين المسلمين، و كانت أول غنيمة غنمها المسلمون.

و بعثت قريش الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في فداء أصحابهم فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

«لن نفديهما حتّى يقدم صاحبانا».

يعنى رجلين من المسلمين كانا قد اسرا من قبل قريش، قد اشتركا في هذه العمليّة و لكنهما أضلا طريقهما في الصحراء فأسرتهما رجال من قريش.

و هكذا أبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يطلق سراح أسيري قريش لقاء فدية إلّا إذا أطلق المشركون أسيري المسلمين. قائلا لموفدي قريش:

«إنّي أخاف على صاحبيّ فإن قتلتم صاحبيّ قتلت صاحبيكم».

فاضطرت قريش إلى الافراج عن المسلمين الأسيرين، و مع وصولهما الى المدينة أفرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن أسيري قريش.

و من حسن الحظ أنّ إحدى ذينك الأسيرين أسلم و رجع الآخر إلى مكة (2).

____________

(1) البقرة: 217.

(2) المغازي: ج 1 ص 13- 18، السيرة النبوية: ج 1 ص 603- 605.

41

(1)

ما ذا كان الهدف من المناورات العسكرية؟

لقد كان الهدف الاساسي من بعث و توجيه السرايا، و عقد الاتفاقيات و المعاهدات العسكرية مع القبائل القاطنة على خطوط التجارة المكية هو ايقاف قريش على قوة المسلمين العسكرية، و اشتداد ساعدهم، و خاصة عند ما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يشترك بنفسه في العمليات، و يترصّد مع مجموعات كبيرة من أنصاره تحركات قريش الاقتصادية، و يعترض قوافلها التجارية.

لقد كان رسول الاسلام (صلّى اللّه عليه و آله) يريد بذلك إفهام حكومة مكة الوثنية بأن جميع طرق التجارة المكية هي في متناول يده، و أنه يستطيع- متى شاء- أن يشلّ اقتصاد المكيين بتعريض خطوطهم و طرقهم التجارية، للتهديد الجدّي.

(2) و لقد كانت التجارة أمرا حيويّا و حساسا جدا بالنسبة إلى أهل مكة، و كانت البضائع التي تنقل منها إلى الطائف و الشام تشكّل اساس الاقتصاد المكّي، فاذا كانت هذه الخطوط تتعرض للتهديد من قبل العدوّ و حلفائه مثل «بني ضمرة» و «بني مدلج» فان ذلك كان يعني انهدام و انهيار حياتهم.

لقد كان الهدف من بعث تلك الدّوريات العسكرية هو: أن تعرف قريش بأن طريق تجارتها الرئيسية هي الآن تحت رحمة المسلمين، فاذا استمرّوا في معاداتهم للاسلام و للمسلمين و حالوا دون انتشار الاسلام، و الدعوة إليه، و استمروا في ايذاء من تبقّى من المسلمين المستضعفين و العجزة في مكة و اضطهادهم، قطع المسلمون شريان اقتصادهم.

(3) و الخلاصة أنّ الهدف كان هو أن تعيد قريش النظر في مواقفها في ضوء الحالة الجديدة، و التهديد العسكريّ الاسلامي الجدّي، و تترك للمسلمين الحرية في الدّعوة إلى عقيدتهم، و تفتح الطريق لزيارة بيت اللّه الحرام، و نشر التوحيد ليستطيع الاسلام بمنطقه القويّ، و المحكم أن ينفذ في القلوب، و يتجلّى نور الاسلام و يشعّ على جميع نقاط شبه الجزيرة العربية، و ربوعها، و بخاصة منطقة

42

الحجاز مركز الجزيرة، و قلبها النابض.

(1) فان المتكلم مهما كان قويّ المنطق، سديد البرهان و أنّ المربّي و المرشد مهما كان مخلصا مجدا فانّه لا يستطيع أن يحرز اي نجاح في تنوير العقول، و تهذيب النفوس و بث الفكر الصحيح إذا لم تتوفّر له حرية العمل، و لم تتهيأ له البيئة المطمئنّة و أجواء الحرّية و الديمقراطية.

و لقد كان الاضطهاد و الكبت و سلب الحريات التي كانت تمارسها قريش هي الموانع الكبرى أمام تقدّم الاسلام و سرعة انتشاره و نفوذه، و كان الطريق الى كسر هذا السدّ، و إزالة هذا المانع ينحصر في تهديد اقتصادها و تعريض خطوطها التجارية، للخطر، و كانت هذه الخطة تتحقق فقط عن طريق القيام بتلك المناورات العسكرية و الاستعراضات الحربية، و العمليات الاعتراضية.

(2)

نظرية المستشرقين:

و لقد وقع المستشرقون عند تحليلهم لهذه العمليّات في خطأ كبير، و تفوّهوا نتيجة ذلك بكلام يخالف القرائن و الشواهد الموجودة في التاريخ.

فهم يقولون: لقد كان هدف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من مصادرة أموال قريش، و السيطرة عليها هو تقوية نفسه.

في حين أنّ هذا الرأي لا يلائم نفسيّة أهل يثرب لأنّ الغارة، و قطع الطريق، و استلاب الأموال، من شيم الاعراب أهل البوادي، البعيدين عن روح الحضارة، و قيم المدنية و أخلاقها، بينما كان مسلمو يثرب عامة، أهل زرع، و فلاحة، و لم يعهد منهم أن قطعوا الطرق على القوافل، أو سلبوا أموال القبائل التي كانت تعيش خارج حدودها.

و أما حروب الأوس و الخزرج فقد كان لها أسباب و علل محليّة، و قد كان اليهود هم الذين يؤججون نيرانها، بغية إضعاف القوى و الصفوف العربية و تقويه نفسها و موقعها.

(3) و من جانب آخر لم يكن المسلمون المهاجرون الذين كانوا حول الرسول‏

43

(صلّى اللّه عليه و آله) ينوون ملافاة ما خسروه، رغم أنّ ثرواتهم و ممتلكاتهم كانت قد صودرت من قبل المكيين، و يدل على ذلك أنهم لم يتعرضوا بعد معركة «بدر» لأيّة قافلة تجارية لقريش.

كيف لا و قد كان الهدف وراء أكثر هذه البعوث و الارساليات العسكرية هو تحصيل و جمع المعلومات، عن العدوّ و تحركاته و خططه، و المجموعات التي لم يكن يتجاوز عدد أفرادها غالبا الثمانية أو الستين أو الثمانين رجلا لا يمكنها قطع الطريق، و استلاب الاموال، و مصادرة القوافل التجارية الكبرى التي كان يقوم بحراستها رجال أكثر عددا و أقوى عدّة من تلك السرايا، بأضعاف المرات غالبا.

(1) فاذا كان الهدف هو الحصول على المال و الثروة من هذا الطريق فلما ذا خصّت قريش بذلك، و لم يعترض المسلمون تجارة غيرهم من القبائل المشركة؟

و لما ذا لم يمس المسلمون شيئا من أموال غير قريش.

و اذا كان الهدف هو الغارة، و قطع الطريق و استلاب الأموال، فلما ذا كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يبعث المهاجرين فقط، و لا يستعين بأحد من الأنصار في هذا المجال غالبا؟

و ربما قال هؤلاء المستشرقون: ان المقصود من هذه العمليات الاعتراضية كان هو الانتقام من قريش، لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه تعرّضوا على أيدي المكيين لألوان التعذيب و الاضطهاد و الأذى، فدفعتهم غريزة الانتقام و الثأر- بعد أن حصلوا على القوة- الى تجريد سيوفهم، للانتقام من الذين طالما اضطهدوهم، و ليسفكوا منهم دما!!

(2) و لكن هذا الرأي لا يقل في الضعف و الوهن و السخافة عن سابقه، لأنّ الشواهد و القرائن التاريخية الحيّة العديدة، تكذّبه و تفنّده، و توضّح- بجلاء- أن الهدف من بعث تلك السرايا و الدوريات العسكرية لم يكن أبدا القتال و الحرب، و الانتقام و سفك الدماء.

و إليك ما يدلّ على بطلان هذه النظرية:

44

(1) أوّلا: اذا كان هدف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من بعث تلك المجموعات العسكرية هو القتال و استلاب الاموال و اخذ المغانم، وجب أن يزيد في عدد أفراد تلك المجموعات، و يبعث كتائب- عسكرية مسلّحة، و مجهزة تجهيزا قويا، إلى سيف البحر، و شواطئه على حين نجد أنه (صلّى اللّه عليه و آله) بعث مع «حمزة بن أبي طالب» ثلاثين شخصا، و مع «عبيدة بن الحارث» ستين شخصا، و مع «سعد بن أبي وقاص» أفرادا معدودين لا يتجاوزون العشرة، بينما كانت قريش قد أناطت حراسة قوافلها إلى أعداد كبيرة جدا من الفرسان، تفوق عدد أفراد المجموعات العسكرية الاسلامية.

فقد واجه «حمزة» ثلاثمائة، و عبيدة مائتين رجلا من قريش، و قد ضاعفت قريش من عدد المحافظين و الحرس على قوافلها خاصة بعد أن عرفت بالمعاهدات و التحالفات التي عقدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع القبائل القاطنة على الشريط التجاريّ؟!

هذا مضافا إلى أنّه لو كان قادة هذه البعوث و الدوريات مكلّفين بمقاتلة العدوّ فلما ذا لم يسفك من أحد قطرة دم في أكثر تلك البعوث و العمليات و لما ذا انصرف بعضهم لوساطة قام بها «مجدي بن عمرو» بين الطرفين؟!

(2) ثانيا: ان كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي كتبه لعبد اللّه بن جحش شاهد حيّ على أن الهدف لم يكن هو القتال، و الحرب.

فقد جاء في ذلك الكتاب: «انزل نخلة بين مكة و الطائف فترصّد بها قريشا و تعلم (اي حصّل) لنا من أخبارهم».

إن هذه الرسالة توضّح بجلاء أنّ مهمة عبد اللّه و جماعته لم تكن القتال قط، بل كانت جمع المعلومات حول العدوّ و تنقلاته و تحركاته، أي مهمة استطلاعية حسب.

و اما سبب الصدام في «نخلة» و مصرع عمرو الحضرمي فقد كان القرار الذي أخذته الشورى العسكرية التي عقدتها نفس المجموعة، و ليس بقرار و أمر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

45

(1) و من هنا انزعج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمجرد سماعه بنبإ هذا الصدام الدموي و لا مهم على فعلتهم و قال:

«ما أمرتكم بقتال».

و يؤيّد هذا ما ورد في مغازي الواقدي عن سليمان بن سحيم أنه قال:

ما أمرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالقتال في الشهر الحرام، و لا غير الشهر الحرام إنما أمرهم أن يتحسّسوا أخبار قريش‏ (1).

و العلة في أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يختار لهذه الدوريات و البعوث رجالا من المهاجرين دون الأنصار هي أن الانصار قد بايعوا في العقبة على الدفاع، أي أن معاهدتهم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت معاهدة دفاعية تعهّدوا بموجبها بأن يمنعوه من أعدائه و يدافعوا عنه إذا قصده عدوّ.

من هنا ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يريد أن يفرض عليهم مثل هذه المهمات، و يبقى هو في المدينة، و لكنه عند ما خرج- فيما بعد- بنفسه أخذ معه جماعة من رجال الانصار تقوية لروابط الاخوة و الوحدة بين المهاجرين و الأنصار، و لهذا كان رجاله في غزوة «بواط» أو «ذات العشيرة» يتكونون من الأنصار و المهاجرين.

(2) و على هذا الاساس يتضح بطلان نظرية المستشرقين حول الهدف من بعث الدوريات العسكرية.

كما أنّ بالتأمل و الامعان في ما قلناه يتضح أيضا بطلان ما قالوه في هذا المجال في تلك العمليات التي شارك فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنفسه، إذ أن الذين خرجوا معه ما كانوا ينحصرون في المهاجرين خاصه بل كانوا خليطا من المهاجرين و الأنصار، و الحال أن الأنصار لم يبايعوا النبيّ على القيام بأية عملية هجوميّة ابتدائية، بل كل ما بايعوا عليه النبيّ كما قلنا هو: العمل الدفاعي،

____________

(1) المغازي: ج 1 ص 16.

46

فكيف يصح أن يدعوهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى عمليات قتالية ابتدائية هجوميّة.

(1) و تشهد بما نقول حادثة وقعة بدر التي سنشرحها في ما بعد، فما لم يعلن الأنصار عن موافقتهم على قتال قريش لم يقرر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الحرب، في تلك الواقعة.

هذا و السبب في تسمية أصحاب السير و التواريخ هذا النوع من العمليات التي خرج فيها النبيّ بنفسه (غزوة) و ان لم يقع فيها قتال و غزو، هو أنّهم أرادوا أن يجمعوا كل الحوادث تحت عنوان واحد، و إلّا فلم يكن الهدف الاساسيّ من هذه العمليات هو الحرب و القتال، أو السيطرة على الأموال و سلبها.

47

(1)

28 تحويل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة

لم يكن قد مضى على هجرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى المدينة عدة أشهر إلّا و بدأت نغمة معارضة اليهود للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تظهر شيئا فشيئا!!

و في الشهر السابغ عشر من الهجرة بالضبط (1) أمر اللّه تعالى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالأمر المؤكّد القاطع بأن يتحول إلى الكعبة و يتخذها من الآن فصاعدا قبلة له و للمسلمين كافة، فيتوجهون الى المسجد الحرام في أوقات الصلوات.

هذا هو مجمل القصة، و إليك بيانها على وجه التفصيل.

صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثة عشر عاما كاملة في مكة نحو بيت المقدس.

(2) و بعد الهجرة الى المدينة كان الأمر الإلهيّ له هو أن يبقى على الحالة من حيث القبلة، أي بأن يصلي الى بيت المقدس، كما كان يفعل في مكة.

و قد كان هذا الاجراء نوعا من المحاولة لاقامة التعاون و التقارب بين الدينين‏

____________

(1) الطبقات الكبرى: ج 1 ص 241 و 242، إعلام الورى باعلام الهدى: ص 71 و 72. و يقول ابن هشام في السيرة النبوية: ان القبلة صرفت عن الشام إلى الكعبة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة (السيرة النبوية: ج 1 ص 606) و يرى ابن الاثير أن ذلك حدث في منتصف شهر شعبان (الكامل: ج 2 ص 80).

48

القديم و الجديد، و لكن تنامي قوة المسلمين و اشتداد ساعدهم أحدث رعبا كبيرا، و أوجد قلقا واسعا في أوساط اليهود القاطنين في المدينة لأن تقدّم الاسلام و المسلمين المطرد كان يدلّ على أن الدين الاسلامي سيعمّ في أقرب وقت كل أنحاء شبه الجزيرة العربية، و ستتقلّص (بل تزول) في المقابل قوة اليهود و سلطانهم، و مكانتهم، من هنا نصب أحبار اليهود العداوة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عمدوا إلى ممارسة سلسلة من الأعمال الإجهاضية و الإيذائية.

(1) لقد أخذوا يؤذون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المسلمين بمختلف أنحاء الطرق و بشتى الوسائل و السبل، و المعاذير و الحجج و من جملتها التذرع بقضيّة صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المسلمين الى بيت المقدس.

فكانوا يقولون معيّرين إياه: أنت تابع لنا تصلي الى قبلتنا!!

أو كانوا يقولون: تخالفنا يا محمّد في ديننا و تتبع قبلتنا (1).

فشقّ هذا الكلام على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اغتم لذلك غما شديدا فكان يخرج من بيته في منتصف الليل و يتطلع في آفاق السماء ينتظر من اللّه أمرا و وحيا في هذا المجال كما تفيد الآية الآتية:

«قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها» (2).

(2) و يستفاد من الآيات القرآنية في هذا المجال أنه كان لتغيير القبلة مضافا إلى الردّ على دعوى اليهود سبب آخر أيضا.

و هو أن هذه المسألة كانت من المسائل الاختبارية التي اراد اللّه تعال بها ان يمتحن المسلمين، و يميّز المؤمن الواقعي الحقيقي عن أدعياء الايمان، المنتحلين له كذبا و نفاقا، و أن يعرف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) به من حوله معرفة جيدة لأن إتباع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الأمر الثاني الذي نزل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أثناء الصلاة (و هو التوجه إلى المسجد الحرام) كان علامة قوية

____________

(1) مجمع البيان: ج 1 ص 255 أو: ما درى محمّد و أصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم.

(2) البقرة: 144.

49

من علامات الايمان و التسليم، و الاخلاص و الوفاء للدين الجديد.

بينما كانت مخالفته علامة قوية من علامات النفاق و التردّد كما يصرّح القرآن الكريم بنفسه بذلك اذ يقول:

«وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» (1).

و من المسلّم أنه يمكن الوقوف على حكم اخرى لهذا الأمر (أي صرف القبلة من الشام الى الكعبة) إذا تتبعنا تاريخ الاسلام بشكل أوسع، و طالعنا أوضاع شبه الجزيرة العربية.

(1) و يمكن الاشارة الى بعض هذه الحكم مضافا الى ما ذكرناه:

(2) أولا: أن الكعبة التي رفعت قواعدها على يدي بطل التوحيد و ناشر لوائه النبيّ العظيم «ابراهيم الخليل» ((عليه السلام)) كانت موضع احترام و تقديس من المجتمع العربي، فقد كان العرب يحبون الكعبة و يعظمونها غاية التعظيم على ما هم عليه من الشرك و الفساد، فكان اتخاذه قبلة من شأنه كسب رضا العرب، و استمالة قلوبهم، و ترغيبهم في الاسلام تمهيدا لاعتناق دين التوحيد و نبذ الاوثان و الاصنام.

و أيّ هدف، و أية غاية ترى أسمى و أجلّ من أن يؤمن المشركون المعاندون المتخلفون عن ركب الحضارة و المدنية، و ينتشر الاسلام بسببهم في كل أنحاء العالم.

(3) ثانيا: أن الابتعاد عن اليهود الذين لم يكن يؤمل في إذعانهم للاسلام، و ايمانهم برسالة (محمّد) ذلك اليوم كان يبدو أمرا ضروريا، لأنهم كانوا يقومون بأعمال ايذائية ضد الاسلام و المسلمين و يطلعون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) البقرة: 143. و يمكن بيان هذه العلة بصورة أخرى و هي إنما أمر بالصلاة الى بيت المقدس لأن مكة و بيت اللّه الحرام كانت العرب آلفة بحجها فأراد اللّه أن يمتحن بغير ما آلفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. (راجع مجمع البيان: ج 1 ص 222 و 223).

50

و آله بين الفينة و الأخرى بأسئلة عويصة يشغلونه بها، يظهرون بها- حسب تصورهم- أنهم يعرفون أمورا كثيرة و أنهم علماء، و بذلك يضيّعون على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوقت، و يشغلونه عن مهامه الكبرى.

فكان تغيير القبلة واحدا من مظاهر الابتعاد عن اليهود و اجتنابهم، تماما مثل نسخ صوم يوم عاشوراء الذي تم لنفس هذا الغرض.

فقد كانت اليهود تصوم يوم عاشوراء قبل الاسلام، فأمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمون بأن يصوموا هذا اليوم أيضا، ثم نسخ الأمر بصوم عاشوراء و فرض مكانه صوم شهر رمضان‏ (1).

(1) و على كل حال فان الاسلام الذي يتفوق على جميع الأديان، يجب أن تتجلى فيه هذه الحقيقة بحيث يغدو أمر تكامله و تفوقه باديا للعيان، واضحا للجميع.

و في هذه الحالة تصوّر بعض المسلمين أن ما أتوا به من صلاة و عبادة و هم متجهين إلى بيت المقدس كان باطلا إذ قالوا: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى، أو حال من مضى من أمواتنا و هم كانوا يصلون الى بيت المقدس؟!

فنزل الوحي الإلهي يقول:

«وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» (2).

و مع ملاحظة هذه الاعتبارات و بينما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد انتهى من الركعة الثانية من صلاة الظهر، نزل عليه جبرئيل، و أمره بأن يتوجه بالمصلّين معه حدب المسجد الحرام.

(2) و جاء في بعض الاخبار أنّ جبرئيل أخذ بيد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أداره نحو المسجد الحرام، فتبعه الرجال و النساء الذين كانوا يأتمون به في‏

____________

(1) مجمع البيان: ج 1 ص 273.

(2) البقرة: 143. و المراد من الايمان هنا هو العمل و هو من الموارد التي استعمل فيها لفظ الايمان و اريد به العمل.

51

المسجد (1).

فتحوّل الرجال مكان النساء و النساء مكان الرجال فكان أول صلاته الى بيت المقدس، و آخرها الى الكعبة.

و منذ ذلك الحين جعلت الكعبة المعظمة- زاد اللّه من شرفها- قبلة مستقلة للمسلمين يتوجهون إليها في كثير من واجباتهم و شعائرهم الدينية (2).

هذا و الغريب أن اليهود الذين كانوا قبل نزول الأمر بالتحوّل من بيت المقدس الى الكعبة المعظمة يفتخرون على المسلمين بأنهم يصلّون على قبلة اليهود، لما حوّل المسلمون إلى الكعبة المعظمة، و امروا بالصلاة إليها دون بيت المقدس أخذوا يعيبون على المسلمين التوجه إلى نقطة ما في الأرض فردّ اللّه عليهم بقوله:

«سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (3).

أي ان اللّه فوق الزمان و المكان، و التوجه إلى نقطة خاصة في حالة العبادة انما هو لمصالح اجتماعية خاصة فالصلاة الى الكعبة توجّه الى اللّه كالصلاة الى بيت المقدس سواء بسواء.

(1)

كرامة علمية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

و ما ينبغي الاشارة إليه هنا هو: أن العرض الجغرافي للمدينة- طبقا لمحاسبات علماء الفلك القدامى- هو 25 درجة، و طولها 75 درجة و 20 دقيقة، و لهذا كانت قبلة المدينة لا توافق محراب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الباقي على حالته السابقة الى الآن في مسجده الشريف، و قد سبّب هذا الاختلاف حيرة لدى بعض المتخصصين في هذا العلم، و ربما دفعهم إلى ارتكاب توجيهات و تبريرات لرفع هذا الاختلاف.

____________

(1) بحار الأنوار: ج 19 ص 201 عن من لا يحضره الفقيه.

(2) كالصلاة و الذبح و دفن الموتى، و الدعاء و غير ذلك.

(3) البقرة: 142.

52

(1) و لكن القائد المعروف بسردار الكابلي أثبت في الآونة الأخيرة- طبقا للمقاييس المعروفة اليوم- أن خط المدينة الجغرافي على عرض 24 درجة و 57 دقيقة و طول 39 درجة و 59 دقيقة (1).

و تكون نتيجة هذه المحاسبة هي أن قبلة المدينة تكون في نقطة الجنوب تماما و تنحرف عن نقطة الجنوب ب 45 دقيقه فقط.

و هذا الاستخراج الفلكي للقبلة ينطبق على محراب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أفضل تطبيق، و يعدّ هذا من كرامات النبيّ الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) حيث توجه في حالة الصلاة (2) من بيت المقدس الى الكعبة بصورة دقيقة و من دون أي انحراف و لا جزئي مغتفر و ذلك من دون أية محاسبة فلكيّة، و علميّة.

و قد أخذ جبرئيل بيده و حوّل وجهه نحو الكعبة المعظمة كما أسلفنا (3).

____________

(1) تحفة الأجلّة في معرفة القبلة: ص 71 طبعة 1359.

(2) من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج 1 ص 178.

(3) و قد نقل الحرّ العاملي في وسائل الشيعة: في أبواب القبلة ج 3 ص 215 و 216 حادثة تحوّل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الصلاة من بيت المقدس الى المسجد الحرام فراجع.